Полный текст (238 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
منهجية الحافظ المقدسي في تخريج الأحاديث في هذا الكتاب
السؤال
هناك قاعدة للمصنف بالنسبة لتخريج الأحاديث، وهي: أنه إذا لم يخرج الحديث فهذا معناه: أن الحديث متفق عليه هل هذه القاعدة مطردة؟
الجواب
قد يكون هذا اصطلاحاً له، وقد لا يكون، لكن هل هي مطردة؟ قد توجد بعض الأحاديث لا يعزوها، ولا تكون مما اتفق عليه، يعني: كأن المصنف أخذ على نفسه أنه إذا سكت عن الحديث فمعناه أنه رواه الشيخان، لكن أحياناً قد يكون رواه أحدهما، أو لم يروه الشيخان؛ لأن الإنسان بشر قد يخطئ، لكن إن كان مثل هذا قاعدة للمصنف ففي الغالب أنه ينص على ذلك في المقدمة، ولكن قد يوجد خلاف هذا على قلة.
стр. 72
الحض على قيام الليل
السؤال
نرجو من فضيلتكم توضيح الفائدة التربوية من إثبات صفة النزول، خصوصاً أن الحضور من طلاب العلم يحتاجون إلى البناء الإيماني، ومنه قيام الليل، الذي هو دأب الأنبياء والصالحين؟
الجواب
لا شك أن المؤمن يستفيد من هذه الأحاديث -كحديث النزول- فإن الله يستجيب الدعاء في ثلث الليل الآخر، ولهذا يقول العلماء: إنه وقت التنزل الإلهي فإن هذا الوقت وقت شريف، ونصف الليل الثاني أفضل من نصف الليل الأول، وثبت في الأحاديث الصحيحة أن النبي ﷺ أوتر أول الليل، وأوتر أوسطه، ثم انتهى به الوتر إلى السحر.
وجاء في حديث عائشة: (أن النبي ﷺ كان يقوم ثلث الليل الآخر) وجاء في الصحيح: (أن النبي ﷺ كان ينام إذا صلى العشاء، فإذا انتصف الليل أو قبله بقليل أو بعده بقليل قام ﵊ يصلي) وجاء في الحديث الآخر: (أحب الصلاة إلى الله صلاة داود، كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه)، وكان داود ﵊ ينام النصف الأول، ثم يقوم السدس الرابع والسدس الخامس، ثم ينام السدس السادس، حتى يستعين بها على أعمال النهار، أي: هذه النومة في السدس الأخير؛ لأنه كان ملكاً حاكماً، يحكم بين الناس كما قال تعالى عنه: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [ص:٢٦].
وقد ثبت في الحديث: (أن النبي ﷺ كان يقوم السدس الخامس والسادس) وبهذا يتبين أن النصف الأخير هو أفضل الليل، ويشمل السدس الرابع والخامس والسادس، وأما النصف الأول فكان ينامه داود ﵊، وينامه نبينا ﷺ ، فيكون النصف الأخير وهو النصف الثاني بأسداسه الثلاثة هو أفضل الليل، فالسدس الرابع والخامس يقومه داود، والسدس الخامس والسادس يقومه نبينا ﵊.
فينبغي للمسلم ولاسيما طالب العلم أن يكون له نصيب من هذا الوقت العظيم الثمين، وقت التنزل الإلهي، فالرب ينزل ويقول: (من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ حتى يطلع الفجر)، وهذا يدلنا أن هذا وقت عظيم وثمين، ولو أنه وقت قصير، لكن ينبغي أن يكون المسلم في هذا الوقت من الذاكرين الله كثيراً، ومن المستغفرين بالأسحار، ومن المستيقظين لا النائمين، وفي الحديث أن النبي ﷺ : (قيل له: إن رجلاً قد نام حتى طلع الفجر، قال: ذاك رجل قد بال الشيطان في أذنه)، رواه البخاري في الصحيح.
قيل: نام عن ورده من الليل، وقيل: نام ولم يصل شيئاً، أو نام عن صلاة العشاء، فينبغي للمسلم وخصوصاً طالب العلم أن يستفيد من أحاديث النزول والتنزل الإلهي؛ لأن الرب ينزل في هذا الوقت الشريف ويقول: (من يدعوني؟ من يسألني؟ من يستغفرني؟) فينبغي أن يكون الإنسان في هذا الوقت من الداعين والساعين والمستغفرين.
стр. 73
معنى (سبحات وجهه)
السؤال
ما معنى قوله: (سبحات وجهه)؟
الجواب
ذكر بعضهم كـ السفاريني وغيره بأن المقصود بـ (سبحات وجهه) بأنوار بصره والله أعلم.
стр. 74
معنى قوله: (لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه)
السؤال
ألا يحتج أهل البدع بقوله: (أحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره) على أن الله ينتهي بصره، وأنه لا يحيط بصره بكل شيء، كيف يرد عليهم؟
الجواب
هذا كلام باطل، معنى: (لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه) يعني: إحاطة بهم، أي: بصره يحيط بالخلق جميعاً، ولو كشفها لأحرقت سبحات وجهه جميع الخلق؛ لأن الله تعالى يدرك جميع الخلق.
стр. 75
حكم الدعاء بصفات الله دون أسمائه
السؤال
هل يجوز أن يدعو المسلم بصفة من صفات الله، كقوله: يا وجه الله؟
الجواب
هذا لا يجوز، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن دعاء الصفة ردة عن الإسلام، فلا يجوز أن يقول: يا وجه الله! أو يقول: يا رحمة الله ارحميني، أو يا قدرة الله أنقذيني، أو يا وجه الله أعطني كذا وكذا، هذا لا يجوز، وهو حرام وبدعة، حتى قال شيخ الإسلام: إنه كفر، قال ذلك حين رد على البكري، وذلك لأن الله تعالى بذاته وأسمائه وصفاته هو الخالق، فلا تنادى الصفة وحدها، لكن ورد الاستعاذة بالصفة عن النبي ﷺ كقوله: (أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر) وكذلك ورد القسم بالصفة (وعزة الله) كما في الحديث: (وعزتك لا أسألك غير هذا)، وقاله إبليس كما قال الله عنه: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص:٨٢]؛ هذا لا بأس به؛ لأنه يخاطب الله، أما نداء الصفة وحدها فلا يجوز، وبعض العامة يقول: يا وجه الله أنقذني، فهذا ما ينبغي، ويجب الإنكار على مثل هذا، ويعرَّف أنه لا يجوز أن يقول: يا وجه الله أنقذني ونحوه، وهذا معروف عند أهل البادية وعند بعض العامة.
والبعض يقول: اللهم إني أسألك بعلوك فوق خلقك، فنقول: ينبغي للإنسان أن يسأل بالأسئلة الشرعية المعروفة كأن يقول: أسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى.
стр. 76
الفرق بين السؤال والدعاء
السؤال
ما الفرق بين السؤال والدعاء في قوله ﷺ في الحديث القدسي: (من يسألني فأعطيه؟ من يدعوني فأستجيب له؟)؟
الجواب
الدعاء أعم من السؤال؛ لأن الدعاء يشمل العبادة، والدعاء هو العبادة، لكنه أخص منها، والاستغفار أخص من الكل، فالاستغفار نوع من السؤال، والسؤال نوع من الدعاء، والدعاء الذي في الحديث: (من يدعوني) هو أعم، ثم جاء في الحديث بعد العام الخاص وهو السؤال، ثم جاء الأخص وهو الاستغفار.
إذاً: الاستغفار سؤال، لكنه نوع من الأسئلة فالسؤال أعم؛ لأنه يشمل الاستغفار وغير الاستغفار، فالاستغفار نوع من السؤال، والسؤال نوع من الدعاء.
стр. 77
قوله تعالى (فأينما تولوا فثم وجه الله) وعدم اعتباره من آيات الصفات
السؤال
قرأت في فتاوى شيخ الإسلام ﵀ أن قول الله جل وعلا: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥] ليس من آيات الصفات؟
الجواب
نعم هذا صحيح، هذه الآية ليست من آيات الصفات فلا يصح أن تسمي وجه الله: جهة، أي: جهة الله، والذين قالوا: إنها من آيات الصفات ضموا إليها أدلة أخرى، ومثله قول الله تعالى: ﴿عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٥٦]، وهذه الآية أيضاً ليست من آيات الصفات، ولا يثبت الجنب لله، كصفة فمعنى: (فثم وجه الله) يعني: الجهة أو جهته.
стр. 78
معنى قوله تعالى (فأينما تولوا فثم وجه الله)
السؤال
كيف يرد على أهل البدع الذين يستدلون بقوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥] على وجود الله في كل مكان؟
الجواب
هذا استدلال باطل، وأدلتهم دائماً داحضة، أما قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ﴾ [البقرة:١١٥]، فهذا في السفر، إذا اجتهد الإنسان واتجه إلى أي قبلة فهي القبلة المشروعة، حتى ولو أخطأ إذا كان قد اجتهد، وأهل البدع الحلولية حجتهم داحضة، وليس في هذه الآية دليل لهم؛ لأن هذا في السفر، أي: إذا اتجه الإنسان إلى أي جهة بعد أن يعمل ما بيده من العلامات إذا أخطأ فقد أصاب.
стр. 79
معنى قول ابن قدامة: (نؤمن بها بلا كيف ولا معنى)
السؤال
قال ابن قدامة في اللمعة في حديثه عن الصفات: نؤمن بها بلا كيف ولا معنى، فهل هذا تفويض؟
الجواب
قال بعضهم: إنه تفويض، وقيل: معنى لا كيف أي: لا نكيف، وقوله: لا معنى، أي: لا معنى الكيفية، أو لا معنى على ما يعتقده ويتأوله أهل الباطل؛ لأن ابن قدامة من أهل السنة والجماعة فيكون معنى قوله: فلا كيف أي: لا نكيف، ويعني بقوله: ولا معنى، أي: بما فسره به أهل الباطل من المعتزلة والأشاعرة وغيرهم.
стр. 80
إثبات البيهقي لصفة الوجه لله
السؤال
قلتم رعاكم الله: إن البيهقي فوض صفة الوجه، ثم قلتم: إن من الأشاعرة من أثبت صفة الوجه ومنهم البيهقي؟
الجواب
البيهقي مع أنه من الأشاعرة إلا أنه أثبت صفة الوجه.
стр. 81
حكم امتحان الناس في عقائدهم
السؤال
في حديث الجارية التي سألها رسول الله ﷺ دلالة على اختبار الناس في عقائدهم؟
الجواب
نعم؛ لأن هذه يراد به عتقها، والعتق يشترط فيه الإيمان، فأراد النبي أن يختبرها أهي مؤمنة حتى تعتق أم لا تعتق، والرسول لم يختبر الجواري الأخر، لكن هذه لما أريد عتقها اختبرها النبي ﷺ حتى يعلم هل هي مؤمنة فتعتق أم غير مؤمنة فلا تعتق، فقال النبي ﷺ : (اعتقها فإنها مؤمنة)؛ لأنه أراد أن يعتق جارية مؤمنة.
وأما امتحان الناس في عقائدهم فلا يلجأ إليه إلا إذا وجدت أسباب تدعو إلى ذلك.
стр. 82
القول بفناء النار لا يثبت عن ابن تيمية وابن القيم
السؤال
هل صحيح أن الإمام ابن القيم ﵀ قال بفناء النار؟
الجواب
هذا ليس بصحيح، ومن قال: إنه قال بفناء النار فإنما أخذه من النونية، ومن بعض كتبه التي أطال فيها، وفيها ما يدل على أنه يقول بفناء النار، وفيها أيضاً ما يدل على أنه لم يقل بفناء النار، فالأقرب والله أعلم أن له قولين في هذه المسألة، وأنه رجع عن أحدهما، والأقرب أن الذي رجع عنه القول بفناء النار، فله كلام طويل في بعض كتبه وفي النونية ظاهره أنه يقول بفناء النار، وله كلام آخر في نفس الكتاب يدل على أنه لا يقول بفناء النار، ولذلك بعضهم رد على من قال: إنه قال بفناء النار بكلامه الذي هو صريح أو قريب من الصريح بأنها لا تفنى، وبعضهم قال: إنه يقول: إنها تفنى، واستدل بكلامه الذي يدل على أنها تفنى، وهذا قاله بعضهم في إحدى المناقشات في بعض الرسائل، وقلت: إن الذي يظهر لي أن له قولين، وأنه رجع عن أحدهما، والأقرب أنه رجع عن القول بفناء النار.
وأما شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فقال بعضهم: إنه يقول بفناء النار، والصواب أنه لا يقول بفناء النار، فكلامه صريح في ذلك، لكن ابن القيم وجد له ما يدل على هذا أي: على القول بفناء النار، وله كلام يدل على أنه لا يقول بفناء النار، فيظهر أن له هذا وله هذا، وأن له قولين رجع عن أحدهما.
стр. 83
حكم ترجمة (الله أكبر) وما شابهها إلى اللغات الأعجمية
السؤال
أعمل في مراجعة الكتب المترجمة إلى اللغة الإنجليزية، وكثيراً ما نجد من يترجم لفظة (الله أكبر) بـ (
الجواب
llah Is Greater) وفيها معنى التفضيل والمقارنة، وسؤالي هنا: هل تصح هذه اللفظة بهذا المعنى، أو تعتبر هذه الترجمة خطأ؟
الجواب
هذه الترجمة خطأ، لا ينبغي أن تترجم لفظة: (الله أكبر، أو سبحان الله، أو الحمد لله) فمثل هذه لا تترجم، بل ينطق بها العربي والأعجمي سواء، كذلك ألفاظ القرآن لا تترجم، لكن يترجم المعنى، وكذلك الدعاء والتشهد لا يترجم، وينبغي حفظه، والفاتحة والتكبيرات لا تترجم، وقول: سمع الله لمن حمده، والتسبيحات؛ ولهذا فإن المترجمين المعروفين بالورع تسمعهم في خلال الترجمة إذا جاء إلى لفظ الآية قرأها، وإذا جاء إلى لفظ: (سبحان الله قرأها)، وإذا جاء إلى لفظ: (الله أكبر) قرأها باللغة العربية، فلا يترجمها، وهذا هو الصواب أي: أنها لا تترجم، وإنما يحفظها الأعجمي كما هي، فيجب أن يحفظ (الله أكبر)، ولا تترجم وكذا يحفظ (سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر)، والتشهد، والفاتحة، وهكذا.
стр. 84
لا يأثم المسحور إن فعل ما هو خارج عن إرادته واستطاعته
السؤال
أنا مسحورة بسحر التفريق بيني وبين زوجي، وأنا دائمة الرفض له بسبب هذا الأمر فهل أنا آثمة بمنعي لزوجي؟
الجواب
أولاً: يجب أن تتحقق هذه المرأة هل هي مسحورة أم لا؟ فقد لا تكون مسحورة، وقد يكون هذا التصرف منها كراهية.
نعم السحر حق، ولكن ليس كل ما يصيب الإنسان سحراً، بعض الناس تجده إذا أصابه الوجع قليلاً قال: أنا مسحور، أصبت بعين، نقول: نعم العين حق، والسحر حق، لكن ليس كل شيء يوصف هكذا، وهذه الأخت يظهر أنها عاقلة وفاهمة، والظاهر أنها ليست مسحورة؛ لأن المسحور في الغالب لا يعقل، والمقصود أن عليها أن تتحقق من هذا، ولو قدر أنها مسحورة فعلاً فعليها أن تسعى في إزالة السحر بالرقية الشرعية، أو بالحصول على السحر وإتلافه، أو على المرأة التي سحرتها وتخبرها عن مكان السحر ثم يتلف، وهذا يكثر الآن لما كثر الخدم والخادمات في البيوت ومع ذلك لم يعتبر كثير من الناس، بل كثير من الناس يأتي بالخادم والخادمة وليس له به حاجة، لكن من باب الفخر والخيلاء والمباهاة، حتى أن بعضهم يستدين من أجل الحصول على خادمة، يقول: فلان عنده خادمة، وأنا ما عندي خادمة، ثم تكون النتيجة آهات، كأن يحصل مثل هذا البلاء، وهذا السحر، فينبغي للإنسان أولاً: عدم الإكثار من الخدم والخادمات، وأن لا يأتي الإنسان بالخادم والخادمة إلا للضرورة القصوى التي لا غنى للإنسان فيها عن الإتيان بهم، ثم بعد ذلك إذا أراد أن يأتي بالخادم والخادمة يختار الناس الطيبين من المسلمين، ولا يستقدم الكفرة ولا الكافرات، بل يختار من المسلمين والمسلمات؛ لأن المسلم تخاطبه باسم الإسلام وتوجهه به، لكن الكافر لا حيلة فيه، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وعلى الإنسان أن يسعى لإزالة السحر، فإذا كانت الخادمة سحرت هذه المرأة فعليها أن تطلب منها أن تخبرها بمكان السحر حتى يزال، وتعمل الرقية الشرعية، وتتضرع إلى الله، وتسأل الله السلامة والعافية، وإذا فعلت شيئاً هي بدون اختيارها فلا إثم عليها، أعني: إذا كانت مضطرة ولا تستطيع دفع هذا الشيء، ولو كان عندها استطاعة ما فعلته فلا تلام لقوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] وتكون معذورة في هذا.
стр. 85
فضل صلاة العشاء والفجر في جماعة
السؤال
هل صلاة العشاء والفجر في جماعة يكفي عن قيام الليل، وما معنى: (من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله)؟ وهل يكون محفوظاً بذلك من الآفات؟
الجواب
ثبت في الحديث أن النبي ﷺ قال: (من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الفجر في جماعة فكأنما قام الليل كله)، فهذا الحديث فيه فضل عظيم لمن صلى الفجر في جماعة، أو صلى العشاء في جماعة، وكذلك الحديث الآخر: (من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله، فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء).
وورد أن الحجاج بن يوسف الظالم المعروف أمير العراق لـ عبد الملك بن مروان في زمانه أتي إليه برجل يريد قتله؛ لأنه مشهور بالظلم، فسأله: هل صليت الفجر في جماعة؟ قال: نعم، وقال: إنه سمع الحديث: (من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله) فتجاوز عنه، وهذا من فضائل صلاة الفجر في جماعة.
وهل يكفي هذا عن قيام الليل؟ لا يكفي، لكن هذا فيه فضل، فمن صلى العشاء والفجر في جماعة فهو على خير عظيم، وإذا صلى مع ذلك في آخر الليل أو صلى من الليل فهذا نور على نور، وصلاة الليل فيها فضل عظيم، وهي من صفات المؤمنين والمتقين كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات:١٥ - ١٨]، فلها فضل عظيم وينبغي للمسلم أن تكون عنده همة عالية، فيصلي الفجر في جماعة، ويصلي العشاء في جماعة، ويكون له نصيب وورد من قيام الليل.
стр. 86
حض طالب العلم على أن يكون قدوة لغيره
السؤال
لوحظ على بعض الأخيار ممن يحضرون هذه الدورة - ولا نزكي على الله أحداً- أنهم يحضرون إلى هذه الدروس وقد تفوتهم الصلاة مع الجماعة، فما توجيهكم حفظكم الله، مع العلم أنه لوحظ أكثر من جماعة تصلي في وقت واحد؟
الجواب
ينبغي لطالب العلم أن يكون قدوة لغيره، سباقاً إلى الخير، محافظاً على الصلوات الخمس يتقدم فيها ولا يتأخر عنها حتى لا يكون قدوة سيئة لغيره، وقد ثبت في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (لو يعلم الناس ما في التهجير والنداء ثم لم يجدوا إلا أن يستبقوا عليه لاستبقوا)، والتهجير هو: التبكير إلى الصلوات، أي: لو يعلمون ما فيه من الأجر لاستبقوا إليه، يعني: تساهموا وأجروا بينهم القرعة والسهم، وقال ﵊: (تقدموا فأتموا بي، وليأتم بكم من بعدكم، لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله) وفي لفظ: (حتى يؤخرهم الله في النار)، فلا ينبغي للمسلم أن يكون متأخراً ويتكاسل ويتأخر عن مواطن الخير، ولا سيما إذا كان طالب علم؛ لأن طالب العلم ينبغي أن يكون قدوة لغيره كما ينبغي ألا تقام جماعتان في مسجد واحد في وقت واحد، بل يجتمعون في جماعة واحدة، وإذا جاءت الجماعة الثانية فعليهم أن يصلوا مع الجماعة الأولى, ولا ينبغي لهم إنشاء جماعة جديدة وأحياناً قد توجد جماعة ثانية ويكون ذلك جائزاً لهم؛ لأنهم مسافرون، فهم يصلون صلاة أخرى لكن إذا كانت الصلاة واحدة فلا ينبغي أن تقام جماعتان في مكان واحد.
стр. 87
بيان عدم جواز دعاء الصفة وجواز الاستعاذة بها
السؤال
قوله في الحديث: (أعوذ بكلمات الله التامة) هل هو دعاء بصفة من صفات الله؟
الجواب
هذه استعاذة والاستعاذة لا شيء فيها، فمثل هذه الاستعاذة واردة، أي: (أعوذ بكلمات الله من شر ما خلق)، وكذلك ورد في الحديث: (أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر) وورد كذلك: (اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك) هذا كله دعاء نبوي، فالاستعاذة بالصفة لا بأس بها، وإنما الممنوع دعاء الصفة نفسها، كقولك: يا رحمة الله، ويا وجه الله، ويا قدرة الله، فمثل هذا ممنوع، وكذلك القسم والحلف بعزة الله، وكلام الله أيضاً لا بأس به، وكذلك لا يسأل بوجه الله، والحديث الوارد في ذلك ضعيف.
стр. 88
أحكام قصر الصلاة في السفر
السؤال
نحن مجموعة سافرنا إلى ألمانيا، لكل منا قصد من السفر: إما لعمل، أو مرافقة مريض أو غير ذلك من الأسباب، المهم في الأمر أننا نقيم في ألمانيا ولا نعلم متى نعود، وكنا طيلة المدة الماضية نقصر الصلاة فهل يجوز هذا؟
الجواب
هذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم، وهي: المسافر إذا أقام في مكان هل يقصر الصلاة أو لا يقصر وهل يترخص برخص السفر أو لا؟ أما إذا أقام في مكان وهو لا يعلم مدة إقامته، وما يدري متى ستنتهي، كأن يكون له معاملة، فإن انتهت اليوم مشى، أو بعد يومين أو ثلاثة لا يدري متى تقضى حاجته، فمتى ما انتهت حاجته رجع إلى بلده الأصلي فهذا لا يزال مسافراً، ويترخص برخص السفر، لكن إذا كان في البلد فينبغي له أن يصلي مع الناس ولا يصلي وحده، وإذا كان وحده لا ينبغي له أن يقصر الصلاة ولا يصلي مع الجماعة، بل يجب أن يجيب المؤذن، وإذا كانوا اثنين فأكثر فهم بالخيار؛ إن شاءوا صلوا مع الناس وأتموا الصلاة وهذا هو الأفضل، وإن صلوا وحدهم قصروا.
أما إذا أقام في مكان وهو يعلم أن مدة إقامته أكثر من أربعة أيام، فالصواب الذي عليه جمهور العلماء: أنه إذا نوى أن يقيم في مكان أكثر من أربعة أيام -يعني: يزيد على إحدى وعشرين صلاة- فإن أحكام السفر تنقطع من أول فريضة، أي: صلاتك من أول فريضة تتمها، وهذا هو الصواب الذي عليه جمهور العلماء، واحتجوا بحديث أنس: (أن النبي ﷺ لما قدم مكة في حجة الوداع أقام أربعة أيام يقصر الصلاة، ثم انتقل إلى منى) قالوا: فما زاد على أربعة أيام فإنه يتم؛ لأننا تحققنا أن النبي ﷺ نوى هذه الإقامة أي: أربعة أيام، وقالوا: إن الصلاة فريضة عظيمة وينبغي أن يكون هناك حد لها، ولو قلنا: ليس هناك حد، معنى ذلك: أن يكون المسافر يقصر سنين طويلة، وقد ينتقل إلى بلد ويقول: أنا سأجلس عشر سنين ثم أرجع إلى بلدي، فمعنى هذا: أنه يقصر الصلاة عشر سنين؛ لذا لزم أن يكون هناك حد، والحد هو أربعة أيام لكن استثنيت أربعة أيام بفعل النبي ﷺ في حجة الوداع؛ لأنه عزم على الإقامة في البقية، أما في غزوة الفتح فإنه أقام تسعة عشر يوماً، لكنه لم ينو الإقامة، وإنما أقام لتثبيت التوحيد، وتثبيت الدين، وإزالة معالم الشرك، وكذلك في تبوك ما نوى إقامة مستقرة، بخلاف إقامته أربعة أيام في حجة الوداع فإنه نوى الإقامة، والصواب الذي عليه جمهور العلماء: أنه إذا نوى أن يقيم أكثر من أربعة أيام فلا يترخص من أول فريضة بعد انقضاء أربعة أيام، بل يتم الصلاة، أما إذا كانت الإقامة يوماً أو يومين أو ثلاثة أو أربعة فإنه يترخص برخص السفر، وإذا كانوا اثنين أو ثلاثة فالأمر كما أحبوا إن صلوا وحدهم قصروا، وإن صلوا مع الناس أتموا، أما إذا كان واحداً فلا يصلي وحده، بل عليه أن يصلي مع الجماعة.
стр. 89
حكم من نسي التشهد الأول
السؤال
نسيت قراءة التشهد الأول في الركعة الثانية من صلاة العشاء، فهل أقرؤه في الركعة الثالثة، أم أكتفي بسجود السهو؟
الجواب
تكتفين بسجود السهو، إن فاتك التشهد الأول أو لم تصلي إلا ركعتين في الرباعية فعليك أن تصلي، ثم بعدها وقبل السلام تسجدين للسهو سجدتين على ما جاء في حديث عبد الله بن بحينة: (أن النبي ﷺ قام وترك التشهد الأول، فلما انتظر الناس التسليمة سجد السجدتين ثم سلم) أي: بعد التشهد.
стр. 90
شرح الاقتصاد في الاعتقاد للمقدسي [٥]
يثبت أهل السنة لله تعالى صفة اليد كما أثبتها لنفسه سبحانه وكما أثبتها له نبينا محمد ﷺ ، كما يثبتون أن لله يدين وأن كلتا يديه يمين مباركة، ومن قال: إن يد الله هي قدرته أو نعمته فإن كلامه باطل ومردود وهذا قول المعطلة من معتزلة وأشاعرة.
стр. 91
إثبات صفة اليدين لله
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن صفاته سبحانه الواردة في كتابه العزيز، الثابتة عن رسوله المصطفى الأمين: اليدان، قال الله : ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤]، وقال : ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥]، وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ قال: (التقى آدم وموسى فقال موسى: يا آدم، أنت أبونا خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، خيبتنا، وأخرجتنا من الجنة، فقال آدم: أنت موسى، كلمك الله تكليماً، وخط لك التوراة بيده، واصطفاك برسالته، فبكم وجدت في كتاب الله: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه:١٢١]؟ قال: بأربعين سنة، قال: فتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟! قال النبي ﷺ : فحج آدم موسى)].
سبق الكلام على بعض الصفات مثل: صفة الاستواء، والعلو، والوجه، والنزول، ثم تكلم المؤلف ﵀ على صفة اليدين، وقال: (ومن صفات الله الواردة في كتابه العزيز، الثابتة عن رسوله المصطفى الأمين: اليدان)
стр. 92
إثبات صفة اليدين من الكتاب العزيز
اليدان صفة لله ، وهذه الصفة ثابتة بالكتاب العزيز، وبالسنة المطهرة، وقد استدل المؤلف ﵀ بآيتين من كتاب الله ، الأولى: قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤] فيها إثبات اليدين لله ، وأضاف الضمير إليه سبحانه: (بل يداه مبسوطتان) والآية فيها الرد على اليهود قبحهم الله، الذين حكى الله عنهم قولهم: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة:٦٤].
والآية الثانية: قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] فالآيتين فيهما إثبات اليدين لله.
ووجه الدلالة: أن الله تعالى أثبت لنفسه يدين اثنتين، وأضافهما إلى نفسه الكريمة بضمير الإفراد، وهي (بل يداه مبسوطتان) يعني: الرب ، والآية الأخرى: (ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي).
стр. 93
معنى قوله تعالى: (والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون)
قول الله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَييْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات:٤٧] هذه الآية ليست من آيات الصفات، ومعنى قوله تعالى: (والسماء بنيناها بأييد) أي: بقوة وقدرة؛ لأنها من آد يئيد ولم يضفها الرب إلى نفسه بضمير الإفراد، بل قال: (والسماء بنيناها) بلفظ الجمع (بأيد) وهذا اللفظ يدل على القوة والعظمة، ولهذا فإن معنى الآية: (والسماء بنيناها بأييد) أي: بقوة وقدرة؛ ولأن الله أتى بصيغة الجمع التي تفيد التعظيم، بخلاف هاتين الآيتين، فإن الله تعالى قال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤] أتى باليدين بصيغة التثنية، وأضافها إلى ضمير نفسه المفرد.
وكذلك الآية الأخرى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] هذا خطاب خاطب الله تعالى به إبليس عندما امتنع من السجود لآدم، قال الله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ [ص:٧٥].
стр. 94
إثبات صفة اليدين من السنة المطهرة
واستدل المؤلف ﵀ أيضاً على إثبات صفة اليدين لله بالسنة، فاستدل بحديث أبي هريرة ﵁ في احتجاج آدم وموسى، وهذا الحديث رواه البخاري ﵀ في الصحيح في عدة مواضع؛ في كتاب التفسير، وفي كتاب القدر، وفي كتاب التوحيد، وكذلك رواه الإمام مسلم في كتاب القدر: باب احتجاج آدم وموسى ﵉، ورواه أبو داود في سننه في كتاب السنة، والترمذي في كتاب القدر: باب ما جاء في احتجاج آدم وموسى، ورواه ابن ماجة في مقدمة باب القدر.
ووجه الدلالة من الحديث: في قول موسى ﵊ لأبيه آدم: (يا آدم أنت أبونا خلقك الله بيده) فأضاف اليد إلى نفسه أي: إلى الله بضمير الإفراد، (قال موسى: يا آدم! أنت أبونا، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه)، وهذا الحديث يعرف بحديث احتجاج آدم وموسى.
стр. 95
الأوصاف التي اختص الله بها آدم
قوله: (فقال موسى لآدم: أنت أبونا خلقك الله بيده) فموسى هنا يذكر فضائل أبيه آدم وخصائصه.
(يا آدم أنت أبونا خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته) هذه ثلاثة أوصاف اختصها الله بآدم: فخلقه بيده، وخلق الخلق كلهم بقدرته كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢]، لكن آدم له ميزة وله خصوصية وهي: أن الله خلقه بيده، فهذه ميزة وخصوصية وتشريف أي: فيها تشريف وتكريم لآدم من بين المخلوقات.
وكذلك نفخ فيه من روحه، يعني: من الروح التي خلقها، والإضافة هنا إضافة مخلوق إلى خالقه، وهي إضافة تشريف وتكريم.
قوله: (نفخ فيك من روحه) أي: من الروح التي خلقها، وأضافها إليه للتشريف، كما يقال عن عيسى: روح الله، أي: روح من الأرواح التي خلقها الله، وكما تضاف الكعبة إلى الله فيقال: بيت الله، ويقال عن ناقة صالح: ناقة الله، وهي مخلوقة، فهذه إضافة مخلوق إلى خالقه للتشريف والتكريم.
كذلك قوله: (ونفخ فيك من روحه) أي: من الروح التي خلقها الله ، وأضافها إلى نفسه للتشريف.
وقوله: (وأسجد لك ملائكته)، هذه كلها خصائص لآدم.
ومعنى الحديث: أنه لما التقى آدم وموسى قال موسى: يا آدم! أنت ميزك الله بهذه الميزات، وخصك بهذه الفضائل العظيمة: (خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته: خيبتنا وأخرجتنا من الجنة) وفي لفظ آخر: (لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة) مع أن الله أعطاك هذه الخصائص، وهذا من غيرة موسى ﵇، فهو يريد أن يقول: أنت السبب في خروجنا من الجنة.
стр. 96
الأوصاف التي اختص الله بها موسى
قال آدم: (أنت موسى كلمك الله تكليماً، وخط لك التوراة بيده، واصطفاك برسالته) آدم ذكر الخصائص أيضاً فقال: (كلمك الله تكليماً) أي: كلمه الله من وراء حجاب من غير واسطة.
وقوله: (وخط لك التوارة بيده) هذا فيه إثبات صفة اليد أيضاً، والحديث فيه إثبات صفة اليد في موضعين، في قول موسى: (خلقك الله بيده) وفي قول آدم: (وخط لك التوراة بيده).
ثم قال: (واصطفاك برسالته) فموسى ذكر لآدم ثلاث خصائص، وآدم ذكر لموسى ثلاث خصائص وهي: (كلمك الله تكليماً، وخط لك التوراة بيده، واصطفاك برسالته).
стр. 97
تقدير الخلق وكتابته في اللوح المحفوظ قبل خلق السماوات والأرض
ثم قال آدم: (فبكم وجدت في كتاب الله: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه:١٢١] قال موسى: بأربعين سنة) وهذا هو تقدير الخلق مأخوذ من القدر المكتوب في اللوح المحفوظ؛ لأن اللوح المحفوظ مكتوب فيه كل شيء.
كما ثبت في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي ﷺ قال: (كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء)، والكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها قال الله تعالى: ﴿وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:٥٩] وهذا الكتاب هو اللوح المحفوظ، وقال سبحانه: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس:١٢]، والإمام: هو أيضاً اللوح المحفوظ، فكل شيء مكتوب في اللوح المحفوظ.
وفي الحديث: (لما خلق الله القلم قال له: اكتب، قال: يا رب! وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء فجرى بذلك الأمر فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة) كل ما هو كائن إلى يوم القيامة من الذوات والصفات والحركات والسكنات مكتوب فيه.
стр. 98
أنواع التقدير
أما قوله تعالى: ﴿وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:٥٩]، فهذا تقدير مأخوذ من القدر السابق بأربعين سنة.
وقول آدم: (فبكم وجدت في كتاب الله: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه:١٢١] قال: بأربعين سنة).
هذا تقدير خاص، وهو غير التقدير العام لجميع المخلوقات في اللوح المحفوظ وهو: التقدير العمري، وذلك أنه إذا مضى عليه أربعة أشهر في بطن أمه أرسل الله إليه الملك، فيكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد، وهناك تقدير سنوي، وهو: التقدير في ليلة القدر: يقدر فيها ما يكون في السنة من صحة وإعزاز وإشقاء وإبعاد وفقر وغنى.
وهناك تقدير يومي، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن:٢٩]، يعز ويذل، ويخفض ويرفع، ويغني ويفقر، ويحيي ويميت .
قوله: (قال آدم لموسى: فبكم وجدت في كتاب الله: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه:١٢١]، قال: بأربعين سنة، قال آدم: أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟! قال النبي ﷺ : فحج آدم موسى) وفي لفظ: أنه كررها ثلاثاً: (فحج آدم موسى، فحج آدم موسى، فحج آدم موسى) يعني: غلبه بالحجة.
стр. 99
الاحتجاج بالقدر على المصائب لا على الذنوب والمعايب
ما هو الذي لام موسى آدم عليه؟ هل لامه على الذنب؟ لا؛ لأن الذنب قد تاب منه، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، وإنما لامه على المصيبة التي حصلت له وسببت خروجه من الجنة، فاحتج آدم بالقدر، قال: المصيبة مكتوبة علي، والاحتجاج بالقدر على المصائب قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة:١٥٦] ويقول من نزلت عليه المصيبة: قدر الله وما شاء فعل، لكن الاحتجاج بالقدر على الذنب لا يجوز وليس بحجة، ولو كان القدر حجة في فعل الذنب لكان حجة للكفرة، ولبطل التشريع، فهذا الحديث فيه إثبات اليد لله في موضعين: في قول موسى: (خلقك الله بيده)، وفي قول آدم: (وخط لك التوراة بيده)، ففي هذين الموضعين إثبات اليد لله.
стр. 100
بيان أنواع الفرق التي ضلت في باب القدر
وهذا الحديث أيضاً في إثبات القدر، واحتج به بعضهم على رفع الذم والعقاب عمن عصى الله، وهم الجبرية، وهذا باطل، وبعضهم قال: إن هذا الحديث يقتضي رفع الذنب والعقاب عمن عصى الله، وكلاً من الطائفتين قد ضلت سواء السبيل، وبعض المبتدعة -وهم الجبرية- استدلوا بهذا الحديث على الاحتجاج بالقدر، وقالوا: القدر حجة للعاصي، أي: العاصي أو الإنسان مجبور على أفعاله، فلا يلام عليها، وهذا من أبطل الباطل.
وطائفة أخرى رفعوا اللوم والذنب والعقاب عن العاصي، وهم القدرية، وطائفة رفعت اللوم والذنب دون العقاب عن العاصي واحتجوا بالقدر، وطائفة كذبت بالقدر وهم المعتزلة، وقالوا: إن الله تعالى لم يقدر أفعال العباد، وإنما العباد هم الخالقون لأنفسهم أفعالاً سواء أكانت خيراً أم شراً طاعة أم معصية، والله تعالى لم يخلق أفعال العباد! فلهذا إنما يلام ويعذب الإنسان على فعله.
وقابلتهم الجبرية فقالوا: إن الإنسان مجبور على أفعاله، ولهذا ألف شيخ الإسلام ﵀ رسالة شرح فيها هذا الحديث، وقال: إن هذا الحديث ضلت فيه طائفتان: طائفة كذبت بالقدر لما ظنوا أنه يقتضي رفع الذنب والعقاب عمن عصى الله لأجل القدر، وطائفة شر من هؤلاء جعلوا القدر حجة، وقد يقولون: القدر حجة لأهل الحقيقة الذين شهدوه، وهم الصوفية الذين يسمون أنفسهم أهل الحقيقة، ولا يرون أن لهم فعلاً، بل يلغون أفعالهم ويجعلونها أفعالاً لله! ويقولون: إن الإنسان إذا شهد الحقيقة رفع عنه التكليف فلا يؤمر ولا ينهى، وصار من الخاصة الذين تجاوزوا مرتبة العامة، فلا تكليف عليهم! وهذا من أبطل الباطل، ومن قال: إن أحداً يسقط عنه التكليف وعقله معه -ما عدا الحائض والنفساء في الصلاة خاصة- فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل مرتداً، فلا يوجد أحد يسقط عنه التكليف، إلا إذا زال عقله كالصبي، والشيخ المخرف، والمجنون؛ هؤلاء مرفوع عنهم القلم، وأما من عداهم فلا، وكل واحد مكلف حتى يموت، قال تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩]، فمن اعتقد أن أحداً يسقط عنه التكليف وعقله معه يستتاب فإن تاب وإلا قتل مرتداً.
أما هؤلاء الجبرية والملاحدة كالصوفية وغيرهم فيرون أن الإنسان إذا تجاوز مرتبة العامة وصار من أهل الحقيقة وألغى صفاته وأفعاله، وجعلها صفات لله سقط عنه التكليف ويستدلون بقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩]، ولا يفسرون اليقين بالموت، بل المرتبة العلية عندهم التي يصل إليها بعضهم بزعمهم.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: من الناس من يقول في هذا الحديث: إنما حاج آدم موسى لأنه أبوه، أو لأنه قد تاب، أو لأن الذنب كان في شريعة واللوم في شريعة أخرى؛ أو لأن هذا يكون في الدنيا دون الآخرة، وكل هذا باطل، والصواب أن موسى ﵊ لام أباه لأجل المصيبة التي لحقتهم فقال له: (لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة؟) لم يلمه لمجرد كونه أذنب ذنباً وتاب منه؛ فإن موسى يعلم أن التائب من الذنب لا يلام، وهو قد تاب أيضاً، ولو كان آدم يعتقد رفع الملام عنه لأجل القدر لم يقل: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف:٢٣] والمؤمن مأمور عند المصائب أن يصبر ويسلم، وعند الذنوب أن يستغفر ويتوب، قال الله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [غافر:٥٥]، ولا يزال أهل العلم يبينون معنى هذا الحديث، ويردون على من لم يفهم هذا الحديث من المعتزلة الذين يقولون بخلق أفعال العباد، ومن الجبرية الذين يقولون: إن العباد مجبورون على أفعالهم، فالإمام ابن القيم ﵀ قال: إن هذا الحديث فيه رد على من لم يفهمه من المعتزلة كـ أبي علي الجبائي ومن وافقه، وقال: لو صح لبطلت نبوة الأنبياء، أي: لو صح الاحتجاج بالقدر لبطلت نبوة الأنبياء، فإن القدر إذا كان حجة للعاصي بطل الأمر والنهي، فإن العاصي بترك الأمر أو فعل النهي إذا صحت له حجة في القدر السابق ارتفع اللوم عنه، وهذا من ضلال أهل البدع، وجهلهم بالله ورسوله وسنته.
стр. 101
تأويل المبتدعة (اليد) بالقدرة أو النعمة والرد عليهم
وأهل البدع يؤولون اليد بالقدرة، وبعضهم يؤولونها بالنعمة، وكلاهما باطل، فلو أولها المبتدع بالقدرة كان معنى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] أي: بقدرتي، وبهذا يفسد المعنى فلا يكون فيه ميزة لآدم على غيره، والقدرة واحدة لا اثنتان، وكذلك إذا فسرها بالنعمة كان المعنى: ما منعك أن تسجد لما خلقت بنعمتي! مع أن النعم كثيرة لا اثنتان، فنعم الله لا تعد ولا تحصى كما قال سبحانه: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم:٣٤] فتأويل أهل البدع لليد: بالقدرة أو بالنعمة يفسد به المعنى، ولا يستسيغه عاقل.
стр. 102
الرد على أهل التكييف والتشبيه والتعطيل والتأويل في صفة اليد
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فلا نقول يد كيد، ولا نكيف، ولا نشبه، ولا نتأول اليدين على القدرتين كما يقول أهل التعطيل والتأويل، بل نؤمن بذلك ونثبت له الصفة من غير تحديد ولا تشبيه، ولا يصح حمل اليدين على القدرتين؛ فإن قدرة الله واحدة، ولا على النعمتين؛ فإن نعم الله لا تحصى، كما قال : ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم:٣٤]].
الحافظ عبد الغني ﵀ من أهل السنة والجماعة، ولذا يقول: إننا معشر أهل السنة والجماعة لا نقول: يد كيد، ولا نقول: يد الله كيد المخلوق، فهذا تشبيه، والأول تمثيل، والله ليس كمثله شيء، فلا نكيف أي: نقول: إن يد الله كيفيتها كذا، ولا نشبه كأن نقول: إن يد الله تشبه كذا وكذا، فكل هذا باطل، وكل هذا من طريقة المبتدعة من أهل التمثيل، والتكييف، والتشبيه.
قوله: (ولا نتأول اليدين على القدرتين)؛ لأن هذه طريقة أهل التأويل والتحريف.
فلا نتأول اليدين بالقدرتين، كما يقول أهل التعطيل والتأويل من المعتزلة والأشاعرة وغيرهم، فبعضهم يتأول اليد بالقدرة، واليدان عندهم: القدرتان أو النعمتان، وهذا من أبطل الباطل، كما بين المؤلف ﵀، وتأويل اليد بالقدرة فيه إبطال للخصائص التي خص الله بها بعض مخلوقاته، فآدم خصه الله بأن خلقه بيده، فإذا فسرت اليد بالقدرة يكون المعنى: لما خلقت بقدرتي، فتزول الخصيصة؛ لأن إبليس مخلوق بقدرة الله! فإذا كان إبليس مخلوق بقدرة الله وآدم مخلوق بقدرة الله زال التفضيل لآدم، والله تعالى فضل آدم بقوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥]، وكذلك: خط الله التوارة لموسى بيده، فإذا قيل: اليد القدرة، أي: خط الله التوراة بقدرته، زالت الخصوصية.
وكذلك أيضاً تأويل اليد بالقدرة أو بالنعمة يفسد به المعنى؛ لأن الآية وردت بصيغة التثنية فيكون المعنى: لما خلقت بنعمتي أو بقدرتي، والنعم ليست اثنتان، وإنما نعم الله لا تعد ولا تحصى، ونعم الله مخلوقة، وأما يداه فهما صفة له ، وكذلك القدرة صفة أخرى غير اليد، والقدرة واحدة فلا يقال: خلقت بقدرتي، فإنما هي قدرة واحدة، وبهذا تبين أن تأويل أهل الباطل اليد بالقدرة أو النعمة تأويل باطل.
كما أن التمثيل والتكييف مذهبان باطلان، فأهل التمثيل لليد بأيدي المخلوقين مشبهة، بل من غلاة المشبهة من الشيعة والبيانية والسالمية، والبيانية هم أتباع بيان بن سمعان التميمي، والسالمية هم أتباع هشام بن سالم الجواليقي وداود الجواربي وغيرهم من غلاة الشيعة المشبهة، هؤلاء يقول أحدهم: لله يد كيدي! ووجه كوجهي! واستواء كاستوائي! وهذا من أبطل الباطل، وهؤلاء كفار؛ لأن من شبه الله بخلقه كفر؛ ولهذا قال أئمة أهل السنة والجماعة: من شبه الله بخلقه كفر، ومن مثل الله بخلقه كفر، ومن نفى ما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله ذلك التشبيه، وهذا مروي عن نعيم بن حماد الخزاعي وغيره من أئمة السلف، كلهم قالوا: من شبه الله بخلقه كفر، ومن نفى ما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله كفر.
стр. 103
وجوب الإيمان بالصفات الواردة في الشرع وإثباتها
وقوله: (بل نؤمن بذلك ونثبت له الصفة) أي: نثبت ما أثبته الله لنفسه من الصفات، (من غير تحديد) يعني: من غير تحديد لكيفية الصفة، يعني: لا يحدد كيفيتها؛ لأن الكيفية لا يعلمها إلا الله، فالسلف يثبتون الصفة، ويثبتون معانيها الظاهرة، وينفون المشابهة والكيفية.
(ولا تشبيه) يعني: لا نشبه، فنقول: يد الله تشبه يد المخلوق.
(ولا يصح حمل اليدين على القدرتين) كما يقوله أهل التأويل.
من المعتزلة والأشاعرة، فإن قدرة الله واحدة، اليدان مثنى فكيف تؤول اليدان بالقدرتين؟! (ولا على النعمتين) نعم الله لا تحصى كما يقول المؤلف فإذا أولت اليدين بالنعمتين فيكون معنى الآية: (لما خلقت بنعمتي)، فصار فيه حصر للنعم بأنها اثنتان، ومعلوم أن نعم الله لا تعد ولا تحصى، ثم إن النعم مخلوقة، وصفات الله ليست مخلوقة، كما قال الله : ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم:٣٤].
стр. 104
وجوب الإيمان بكل ما ثبت في الكتاب وصح في السنة من الصفات
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكل ما قال الله في كتابه، وصح عن رسوله بنقل العدل عن العدل مثل: المحبة، والمشيئة، والإرادة، والضحك، والفرح، والعجب، والبغض، والسخط، والكره، والرضا، وسائر ما صح عن الله ورسوله، وإن نبت عنها أسماع بعض الجاهلين، واستوحشت منها نفوس المعطلين].
قوله: (وكل ما قال الله في كتابه، وصح عن رسوله ﷺ بنقل العدل عن العدل) فإنا نؤمن بها، يعني: كل هذه الصفات نثبتها لله ونقبلها، كل ما قال الله في كتابه من الصفات، وكل ما صح عن رسول الله ﷺ في السنة الثابتة بنقل الراوي العدل عن العدل ويكون السند متصلاً، ولا يكون الحديث شاذاً ولا معلولاً.
وتعريف الحديث الصحيح هو: أن يرويه عدل عن عدل، والعدل: هو ما اجتمع فيه أمران: العدالة في الدين, وفي الضبط، فإذا كان ضابطاً في النقل ولم يكن مجروحاً في دينه، فهذا هو العدل، والضابط: يجب أن يكون سليماً في دينه، فإذا كان الرواة كلهم عدول من أول السند إلى آخره، وكان السند متصلاً، ولم يكن شاذاً، ولا معللاً، فإن الحديث يكون صحيحاً، فالمؤلف يقول: إذا كان الحديث صحيحاً، بأن رواه العدل عن العدل، واتصل السند، مع كمال الضبط، ولم يكن شاذاً، ولا معللاً، فإنا نقبله، ونثبت الصفات التي وردت في هذا الحديث.
стр. 105
أمثلة لبعض الصفات الثابتة في الوحيين
مثل المؤلف لهذه الصفات الواردة في الوحيين فقال: مثل المحبة، والمشيئة، والإرادة، والضحك، والفرح، والعجب، والبغض، والسخط، والكره، والرضا فهذه أمثلة للصفات، وهذه الصفات بعضها ثابت بالكتاب والسنة، وبعضها ثابت بالسنة فقط.
стр. 106
إثبات صفة المحبة لله من الكتاب والسنة
المحبة ثابتة بالكتاب والسنة، ومن أدلة إثباتها في الكتاب: قول الله : ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤]، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة:٤٢]، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة:٢٢٢]، ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١]، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة:٤]، ومن أدلة إثباتها في السنة حديث: (إذا أحب الله العبد نادى جبريل: إن الله يحب فلاناً فأحبه، فيحبه جبريل، فينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض) رواه البخاري في صحيحه في مواضع، وفي كتاب بدء الخلق، وفي كتاب الأدب، وفي كتاب التوحيد، ورواه الإمام مسلم في كتاب البر والصلة.
فنثبت المحبة لله -لأنها ثابتة في الكتاب والسنة- خلافاً لأهل البدع -على ما يليق بجلاله وعظمته، فهو لا يماثل المخلوقين في محبتهم، وأما أهل البدع من الأشاعرة فإنهم أولوها بالإرادة، قالوا: أحب، يعني: أراد، وهي من الصفات السبع التي يثبتونها وهي: الحياة، والكلام، والبصر، والسمع، والعلم، والقدرة، والإرادة، وما عدا هذه الصفات السبع فإنهم يسلكون فيها أحد مسلكين: إما أن يردوها إلى الصفات السبع، وإما أن يتأولوها بأثر الصفة في بعض المخلوقات، من النعم والعقوبات.
فمثلاً: الرضا، يؤولونه بالثواب، والثواب أثر عن الرضا، والغضب، يؤولونه بالانتقام، والانتقام أثر عن الغضب.
والثواب مخلوق، والانتقام مخلوق، فهم أولوها ببعض المخلوقات، أو بردها إلى الصفات السبع، وهنا يقولون: المحبة، معناها: أراد أن يحب، فتأولوها بالإرادة.
стр. 107
إثبات صفتي المشيئة والإرادة لله من الكتاب والسنة
المشيئة ثابتة بالكتاب العزيز، وبالسنة المطهرة، ومن أدلتها من الكتاب قول الله تعالى: ﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [الكهف:٣٩]، وقال سبحانه: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا﴾ [البقرة:٢٥٣]، وقال: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة:٢٥٣].
وكذلك الإرادة ثابتة بقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة:٢٥٣]، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام:١٢٥].
قال سبحانه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥]، والإرادة نوعان بخلاف المشيئة: النوع الأول: إرادة كونية خلقية ترادف المشيئة، أي: أن المشيئة والإرادة الكونية واحدة وهي تتعلق بكل ما يشاء الله فعله وإحداثه، فهو سبحانه إذا أراد شيئاً وشاءه كان هذا الشيء عقب إرادته هذه، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢]، وهذه الأوامر الكونية الخلقية ترادف المشيئة.
النوع الثاني: إرادة دينية شرعية تتعلق بما يأمر الله به عباده مما يحبه ويرضاه، وهذه هي المذكورة في قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥]، وفي قوله : ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب:٣٣]، هذه إرادة دينية شرعية، وقد جمع الله بين الإرادتين في قوله : ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام:١٢٥]، والإرادتان تجتمعان في حق المؤمن المطيع وتنفرد الإرادة الكونية في حق العاصي والكافر، ففي حق العاصي تكون الإرادة الكونية، وفي حق المؤمن تجتمع الإرادتان، وفي الإرادة الكونية لا يتخلف ما قضاه الله وأراده، بخلاف الإرادة الدينية الشرعية، فقد تحصل وقد لا تحصل، فالله تعالى أراد الإيمان من أبي بكر كوناً وقدراً، وأراده من أبي بكر ديناً وشرعاً فوقع، وأراد الإيمان من أبي لهب ديناً وشرعاً، ولم يرده كوناً قدراً، فوقعت الإرادة الكونية، ولم تقع الإرادة الدينية، فالله تعالى أراد من العباد أن يعبدوه، ويوحدوه، ويخلصوا له العبادة، وأراد منهم أن يقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، لكن أراده ديناً وشرعاً، أما كوناً وقدراً فله الحكمة البالغة فمن الناس من أراد منهم أن يعبدوه لحكمة بالغة، ومنهم من أراد ألا يعبدوه، فوقعت الإرادة الكونية والإرادة الدينية في حق المؤمن والمطيع، وتخلفت الإرادة الدينية في حق العاصي والكافر، ولهذا فإن قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب:٣٣] إرادة دينية شرعية، ولو كانت إرادة كونية لأسلم كل أهل البيت لكن نجد أن: أبا لهب لم يسلم، إذاً: قوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب:٣٣]، هو إرادة كونية شرعية، وبهذا يتبين الفرق بين الإرادتين.
وأهل السنة والجماعة قسموا الإرادة إلى قسمين: إرادة كونية قدرية، وإرادة دينية شرعية، عملاً بالنصوص، فسلموا من التناقض، وأما أهل البدع فإنهم لم يعملوا إلا ببعض النصوص، فالجبرية من الأشاعرة والجهمية ما أثبتوا إلا الإرادة الكونية، وأنكروا الإرادة الدينية الشرعية فضلوا، والمعتزلة أثبتوا الإرادة الدينية الشرعية، وأنكروا الإرادة الكونية فضلوا.
والجبرية كالأشاعرة والجهمية استدلوا بالنصوص التي فيها إثبات الإرادة الكونية فقط، وأغمضوا أعينهم عن النصوص التي فيها إثبات الإرادة الدينية.
والمعتزلة استدلوا بالنصوص التي فيها إثبات الإرادة الدينية الشرعية فقط، وأغمضوا أعينهم عن النصوص التي تثبت الإرادة الكونية القدرية.
وأهل السنة أخذوا النصوص التي تثبت الإرادة الكونية القدرية وصفعوا بها وجوه المعتزلة، وأبطلوا مذهبهم.
وأخذوا نصوص الإرادة الدينية الشرعية وصفعوا بها وجوه الجبرية من الأشاعرة والجهمية، فأبطلوا معتقدهم، واستدلوا بأدلة هؤلاء وهؤلاء وأثبتوا الإرادتين، فسلموا من التناقض، فهداهم الله للحق وللصراط المستقيم الذي هو هدى بين ضلالتين.
стр. 108
إثبات صفة الضحك لله من السنة النبوية
يقول المؤلف: ومن الصفات التي نثبتها ودلت عليها النصوص: الضحك.
الضحك من الصفات التي ثبتت في السنة المطهرة، ولم تأت في الكتاب العزيز، ومن أدلتها ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة) رواه البخاري في صحيحه في كتاب الجهاد، ومسلم في كتاب الإمارة، ومعنى هذا: أن رجلين يقتتلان في الجهاد مسلم وكافر، فيقتل الكافر المسلم فيكون شهيداً، ثم يمن الله على الكافر بالإسلام بعد ذلك فيسلم ويموت على الإسلام فيدخل الجنة؛ فكلاهما يدخل الجنة.
ومن أدلتها أيضاً: حديث أبي هريرة عند البخاري في قصة الرجل الذي هو آخر أهل النار خروجاً منها، وهو آخر أهل الجنة دخولاً فيها، والحديث طويل رواه البخاري في الصحيح في كتاب التوحيد، وفيه: أن هذا الرجل إذا خرج من النار يكون وجهه مصروفاً إلى النار، يقول: (يا رب اصرف وجهي عن النار، فقد قشبني ريحها وأحرقني ذكاؤها) فيأخذ الله عليه العهود والمواثيق ألا يسأل غيرها، فيفعل فيعطيه الله ذلك، فيصرف الله وجهه عن النار، ثم بعد ذلك ترفع له شجرة فيها كذا وكذا، فيسكت ما شاء الله، ثم يقول: يا رب! قربني من هذه الشجرة، فيقول الله: (ويلك يا ابن آدم ما أغدرك! وربه يعذره؛ لأنه يرى شيئاً لا صبر له عليه، فيدنيه من الشجرة، فيسكت ما شاء الله، ثم ترفع له شجرة) وهكذا حتى يصل إلى باب الجنة، فيقول في النهاية: (يا رب! قربني من باب الجنة، يقول: ويلك يا ابن آدم ما أغدرك، فيقول: لا أكون أشقى خلقك)، فإذا وصل إلى باب الجنة ورأى ما فيها من النعم وكذا، فيسكت ما شاء الله، ثم يقول: (يا رب! أدخلني الجنة، فيضحك الله ، فيقول: أي رب لا أكون أشقى خلقك، فلا يزال يدعو حتى يضحك الله منه فإذا ضحك منه قال: ادخل الجنة) فهذا الحديث فيه إثبات الضحك لله .
стр. 109
إثبات صفة الفرح لله من السنة النبوية
الفرح من الصفات التي جاءت في السنة المطهرة في حديث أنس بن مالك المتفق على صحته، يقول النبي ﷺ : (لله أشد فرحاً بتوبة عبده من أحدكم إذا استيقظ على بعيره قد أضله بأرض فلاة) رواه البخاري في الصحيح في كتاب الدعوات، ورواه الإمام مسلم في كتاب التوبة.
وفي بعضها وصف لهذا الرجل: أنه كان في أرض فلاة مهلكة، وفقد بعيره، وبحث عنه فلم يجده، وعليه طعامه وشرابه، وهو في صحراء ما يهتدي لنفسه، فأيس من بعيره فلما أيس نام تحت الشجرة ليموت، فلما استيقظ وجد الراحلة قائمة عند رأسه وعليها طعامه وشرابه، فأخذ بخطامها من شدة الفرح وقال: (اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح)، وهذه كلمة كفرية، لكنه إذا تكلم بكلمة الكفر ذاهلاً غير متعمد فلا يأثم، لكن لو قالها عمداً لصار كفراً، وهذا يدل على أن حاكي الكفر لا يكفر، ومن تكلم بكلمة الكفر عن غير عمد لا يكفر، فهذا (قال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك) أخطأ من شدة الفرح، وذهل، فقال في الحديث: (لله أشد فرحاً بتوبة عبده من هذا الرجل بفرحه براحلته) والحديث فيه إثبات صفة الفرح لله كما يليق بجلالته وعظمته، ولا يشبه فرح المخلوق.
стр. 110
إثبات صفتي العجب والبغض لله من السنة النبوية
العجب صفة ثابتة بالسنة المطهرة، كما في حديث أبي هريرة: (عجب الله من قوم يدخلون الجنة بالسلاسل) رواه البخاري في كتاب الجهاد، ورواه الإمام أحمد في المسند وأبو داود.
وثبت أيضاً في صحيح البخاري في قصة الأنصاري الفقير الذي استضاف ضيف النبي ﷺ ، فقد أتى النبي الضيف، فبعث يسأل أزواجه عليه الصلاة وسلم عن طعام له في بيوته فما وجد فيها شيئاً، (فقال النبي ﷺ : من يضيف هذا وله الجنة؟ فقال رجل من الأنصار: أنا أضيفه يا رسول الله! فذهب به إلى امرأته، فقال: أكرمي ضيف رسول الله، قالت: والله ما عندنا إلا طعام الصبيان، فقال: نوميهم.
فنومتهم، ثم أطفأت السراج، وأوهموه أنهم يأكلون معه، وجعل الضيف يأكل حتى شبع، وأصبح الرجل وامرأته طاويين، فلما أصبح جاء إلى النبي ﷺ فقال له النبي ﷺ : لقد عجب الله -أو ضحك الله- من صنيعكما بضيفكما البارحة).
وأيضاً جاء في القرآن في بعض القراءات في سورة الصافات في قوله تعالى: ﴿بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ﴾ [الصافات:١٢]، بضم التاء من عجبت، وهي دليلٌ على صفة العجب لله .
وكذلك أيضاً جاءت صفة البغض وهي تقابل المحبة وهي ثابتة في الحديث قال: (إن الله إذا أحب عبداً دعا جبريل: إني أحب فلان فأحبه) وفيه: (وإذا أبغض عبداً دعا جبريل: إني أبغض فلاناً فأبغضه، قال: فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يبغض فلاناً فأبغضوه، فيبغضونه، ثم توضع له البغضاء في الأرض) رواه الإمام مسلم في صحيحه.
следующие страницы →