Полный текст (460 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
شرح كتاب الجامع لأحكام العمرة والحج والزيارة - آداب السفر [١]
للسفر آداب ينبغي للمسلم أن يتحلى بها، سواء كان هذا السفر للحج والعمرة والغزو أو غير ذلك من الأسفار المباحة، والسفر مدرسة لتلقي الصبر والحلم والرفق بالغير؛ لأن السفر فيه مشقة، فجدير بالمسلم أن يتعلم الآداب من مدرسة السفر، حتى ينال الأجور العظيمة.
стр. 2
آداب السفر للحج والعمرة وغيرهما
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
الأدب في الحج والعمرة والسفر هام جداً، فكل إنسان يحب أن يخرج مسافراً في حج أو عمرة أو زيارة ينبغي له أن يتعلم آداب السفر التي جاءت في سنة النبي صلوات الله وسلامه عليه، وكما جاء عن النبي ﷺ : (الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة).
فالمؤمن الذي يحج أو يعتمر يحاول قدر المستطاع أن يتقن في عمله، وأن يخلص، وألا يسيء إلى أحد في سفره، فلا يسيء إلى نفسه ولا إلى غيره.
قال الله : ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٧]، فهذه آداب قرآنية يذكرها الله لنا فيقول: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة:١٩٧]، أشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة.
قوله: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ [البقرة:١٩٧] أي: من ألزم نفسه بالحج بأن يعقد النية في قلبه، وبالتلبية على لسانه، وبلبس الإحرام في أشهر الحج، قال تعالى: ((فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ))، فهنا ربنا سبحانه يذكر صيغة النفي هنا: (لا رفث)، ومعناها النهي، أي: لا ترفثوا ولا تفسقوا ولا تجادلوا في الحج.
والرفث: هو الجماع أو التعرض للنساء، أو ذكر الجماع بحضرة الزوجة وغيرها من النساء، والفسوق: هي المعاصي كلها، والجدال المقصود: أن الإنسان لا يماري ولا يجادل رفيقه في السفر، فيزعجه ويؤذيه بذلك.
فقوله سبحانه: ((وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ)) قال أهل العلم: المراد بالآية النهي عن جدال صاحبه ومماراته حتى يغضبه، وظاهر الآية النفي ومعناها النهي، أي: لا ترفثوا، ولا تفسقوا، ولا تجادلوا في الحج، إلا أنه يجوز للإنسان أن يجادل دفاعاً عن كتاب الله، وعن سنة النبي ﷺ ، وعن دين الله ، فهذا أمر آخر، لكن كونه يجادل ليغضب صاحبه، أو يجادل لأنه يظن أنه متمكن ويعرف يتكلم وغيره لا يعرف، فهذا لا يجوز له في أثناء الحج، فقد نهى الله عن ذلك.
والمؤمن يوطن نفسه على عدم الجدل لا في حج ولا في غيره، ولذلك جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء ولو كان محقاً) أي: لمن ترك الجدل حتى لو كان محقاً، فالمؤمن قدر المستطاع لا يكثر من الكلام ومن اللغو، ولا يجادل إلا إذا احتاج إلى ذلك لنصر دين الله .
стр. 3
الاستشارة
للسفر له آداب نذكر منها ما جاء في كلام الإمام النووي ملخصاً في آداب السفر، فقد ذكر آداباً وفيها أدلة من الكتاب ومن السنة، فنذكر هذه الآداب لعظيم فائدتها ومنفعتها.
وعلى الإنسان المؤمن أن يربي نفسه بتعلم هذه الآداب، ولا قيمة لإنسان يتعلم علوماً شرعياً ولا يعمل بها، أو يعرف أحاديث ويعرف آيات ولا ينفذ ما أمر به فيها، فالإنسان المؤمن يربي نفسه على طاعة الله، وعلى طاعة النبي صلوات الله وسلامه عليه، وعلى العمل بشرع الله سبحانه.
فمن آداب السفر: إذا أراد المسلم السفر لحج أو عمرة أو أي سفر من الأسفار استحب له أن يشاور من يثق بدينه وعلمه في سفره ذلك، فيستحب له أنه يستشير في الأمور التي يجهل مسالكها ويجهل أحوالها، فقد جاء عن النبي ﷺ في الحديث أنه قال: (المستشار مؤتمن)، فإذا استشارك إنسان في شيء فتنصح له كما تنصح لنفسك، وتحب لأخيك ما تحبه لنفسك، فالمستشار مؤتمن، والله أمر النبي ﷺ أن يشاور أصحابه، وهم مأمورون بإعطاء المشورة الصادقة والنصيحة الصحيحة فقال: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران:١٥٩]، وقال سبحانه: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى:٣٨]، وكان النبي ﷺ يشاور أصحابه ويشاورونه.
стр. 4
الاستخارة
إذا عزم المرء على السفر استخار الله ، فيصلي ركعتين من غير الفريضة، ويدعو بدعاء الاستخارة الذي نحفظه عن النبي ﷺ وفيه: (اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم؛ فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر -وتذكر الأمر الذي ستخرج له أو الذي تريده- خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، أو قال: عاجل أمري وآجله، فاقدره لي ويسره لي، ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، أو قال: عاجل أمري وآجله، فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان ثم رضني به، قال: ويسمي حاجته)، فيستخير الله سبحانه، فإذا ترجح في نفسه أمر من هذه الأمور، بأن ترجح له أنه يسافر في طائرة، أو يسافر في باخرة، أو يسافر في سيارة، فليسافر كما يشاء الله .
ولا يشترط في صلاة الاستخارة أن يرى رؤيا، كما يظن الكثيرون أنه لابد أن يرى رؤيا، فلم يأت عن النبي ﷺ لا رؤيا ولا غيرها، ولكن قد يرى المرء رؤيا تشجعه على هذا الأمر أو تحسن له هذا الأمر، فيستريح نفسياً، ويمضي في الشيء فيجده ميسراً ومسهلاً، فعلى ذلك ينفذ الاستخارة ونفسه مطمئنة لأمر من الأمور.
стр. 5
التوبة إلى الله تعالى ورد المظالم وقضاء الديون
إذا استقر عزم المرء على السفر لحج أو لعمرة أو لغيرها فينبغي أن يبدأ بالتوبة إلى ؛ لأن المسافر قد يرجع وقد لا يرجع، والدنيا سفر إلى الآخرة، فيتذكر بسفره هذا سفره في هذه الدنيا إلى الله إلى الآخرة، فيتوب إلى الله ، ويرد المظالم إلى أصحابها إذا كان قد ظلم إنساناً، ويخرج عن هذه المظالم ويعيدها إلى أهلها، ويقضي ما عليه من ديون، فإذا لم يقض ولم يقدر على القضاء ولم يتمكن من ذلك يكتب ذلك ويشهد على ذلك: علي ديون لفلان وفلان، ويكتب وصيته بهذا الشيء، ويوكل من يقضي عنه الدين إذا لم يتمكن من الرجوع، أو حدث له حادث في سفره ذلك.
стр. 6
استئذان الوالدين عند إرادة السفر
ينبغي للمرء أن يسترضي والديه عند إرادة السفر، فإذا تعين عليه الحج أو العمرة أو غيرهما من الأسفار وصار هذا السفر فرض عين عليه فيستحب أن يستأذن الوالدين، لكن إذا لم يكن فرض عين عليه فيجب عليه أن يستأذن الوالدين، ولهما أن يمنعاه مما ليس واجباً عليه.
فإذا كان قد حج قبل ذلك وأراد أن يحج مرة ثانية حج تطوع وليس فريضة، فلابد من إذن الوالدين في ذلك، أما إذا كان حجه وعمرته فرض عين عليه فعلى ذلك يستأذن والديه استحباباً حتى يرضيهما.
стр. 7
النفقة الحلال
ينبغي للمرء أن يحرص أن تكون نفقته حلالاً إذا خرج لحج أو لعمرة أو لسفر في غزوة وغيرها، فلا ينفق من حرام، والإنسان الذي ينفق من حرام جاء في حديث النبي ﷺ أنه عندما يرفع يديه إلى الله بالدعاء لا يستجاب له، فيقول: (يا رب! يا رب! ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب له؟) أي: كيف يستجاب له على ذلك؟ فالذاهب للحج أو للعمرة ذاهب ليغفر الله له ذنوبه، ذاهب ليقول: لبيك اللهم لبيك، فهو ينتظر المغفرة، فإذا كان طعامه، وشرابه، وماله ويقول: يا رب! يا رب! فكيف يستجاب له؟! إذاً: ينبغي له أن ينقي ماله من الحرام وأن يخرجه من ماله فيتصدق به إذا لم يعرف صاحبه، أما إذا كان له صاحب فيعيد المال إلى صاحبه، ويحج بنفقة حلال.
كذلك لو أنه حج أو اعتمر أو غزى بمال حرام، من مهنة محرمة، أو بمال كان مغصوباً عنده، فيجب عليه أن يعيد هذا المال إلى صاحبه، لكن هل حجه يكون صحيح أو ليس صحيحاً إذا حج بمال حرام؟ هناك فرق بين أن يكون العمل صحيحاً، وبين أن يكون مقبولاً، فهو صحيح بمعنى أنه سقط عنه الفرض، ولا يلزم بإعادته مرة ثانية، هذا هو الصحيح، لكن المقبول بمعنى أنه يعذب وقد لا يقبل الله العمل؛ لأن النبي ﷺ قال: (فأنى يستجاب له؟) إذاً: فهذا الإنسان ليس عليه أن يحج مرة ثانية، لكن لا نقول: إن حجه مقبول عند الله ؛ لأنه لم يذكر لنا النبي ﷺ أن مثل هذا الإنسان يقبل عمله، بل قال: (فأنى يستجاب له؟).
أما الحديث الذي جاء عنه ﷺ وفيه: (من حج بمال حرام فقال: لبيك اللهم لبيك، قال الله : لا لبيك ولا سعديك، وحجك مردود عليك) فهذا حديث ضعيف، لكن قد يحبس دعاؤه للحديث الآخر الذي قال النبي ﷺ فيه: (فأنى يستجاب له؟)، والحج كله دعاء، فهو يقول: ليبك ويدعو ربه سبحانه، ويقف عند الصفا وعند المروة ويدعو الله، ويطوف بالبيت ويدعو الله، ويقف في عرفات ويدعو الله، والمناسك كلها توحيد وذكر لله سبحانه ودعاء.
стр. 8
حمل الزاد والإكثار منه
يستحب للمسافر في حج أو غيره أن يحمل معه الزاد وأن يستكثر منه، فهذا من أدب السفر؛ لأنه في أثناء الطريق يحتاج إلى الطعام والشراب، فيستحب أن يستكثر من ذلك؛ لأنه قد يجد مسكيناً محتاجاً، وقد يجد رفيقاً فيهدي إليه، فتؤجر على ذلك.
وليكن زاده طيباً، لقول الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ [البقرة:٢٦٧]، فلابد أن يطيب طعامه وشرابه وزاده ويخرج في الطريق ومعه شيء زائد ليعطي من في الطريق ممن يحتاجون إلى ذلك.
стр. 9
ترك المساومة في البيع في أمور العبادة
يستحب للمسافر ترك المساومة فيما يشتريه لأسباب سفره في حجه وعمرته، والإنسان من طبيعته المساومة، حتى لو كانت السلعة تسوى الثمن الذي تباع به، وهذا المال الذي ينفقه في حجه وفي عمرته هو مأجور عليه.
وليس المعنى أن الإنسان يكون ساذجاً مغفلاً في بيعه وشرائه فيخدع، ولكن لا يعود نفسه كثرة المساومة، وقد يكون عارفاً ثمن السلعة، لكن يعجبه المساومة، وقد يعرف أن البائع لا ينقص من الثمن فيظل يساوم، فإذا كان لأمر من أمور الحج أو العمرة أو لأمر العبادة فلا يستحب المساومة في ذلك؛ لأنه كلما زادت النفقة كلما زاد الأجر من الله ، وقد جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال لـ عائشة ﵂: (إنما حجك على قدر نفقتك وتعبك).
стр. 10
عدم مشاركة الغير في الزاد والنفقة
يستحب للمسافر ألا يشارك غيره في الزاد والراحلة والنفقة؛ لأن المشاركة مع الغير تدفع الإنسان إلى الشح، لكن عندما يكون مالك معك وجاء فقير فمن السهل أن تعطيه، لكن عندما يكون مالك مع مال المجموعة التي معك فستقول له: حتى يرضوا، فلا تدفع لا من مالك ولا من مال غيرك، فلذلك يستحب للإنسان ألا يشارك في مجموع المال، ولكن يجوز أن يأكل ويشرب مع غيره، بأن يجمعوا الأكل ويجلسوا للطعام معاً، فهذا جائز، لكن كونه يشارك غيره في الراحلة والزاد والنفقة بمعنى أنهم يجمعون النقود ويجعلونها مع واحد منهم، فإذا جاء إنسان فقير يسأل فيكون المسئول عن الرحلة هو الذي يعطيه، ولعل المسئول عن الرحلة يبخل، ولعلك تريد أن تعطي، لكن لما كان مالك مع غيرك بخلت وبخل هذا الغير.
أما اجتماع الرفقة على طعام يجمعونه في كل يوم، فهذا حسن ولا شيء فيه، وهو غير المسألة التي نتكلم عنها، فقد جاء عن وحشي بن حرب عن أبيه عن جده: (أن أصحاب النبي ﷺ قالوا: يا رسول الله! إنا نأكل ولا نشبع، فقال النبي ﷺ : فلعلكم تفترقون، فقالوا: نعم، قال: فاجتمعوا على طعامكم، واذكروا اسم الله عليه يبارك لكم فيه)، فكأن من السنة في وقت الطعام أن تجتمع المجموعة ليأكلوا جميعاً، خاصة إذا كان الطعام قليلاً، فالله يبارك في الطعام القليل بسبب الاجتماع عليه.
стр. 11
تعلم المناسك
إذا أراد المرء سفر حج أو عمرة لزمه تعلم كيفيتهما، يتعلم كيف يحج وكيف يعتمر، إما أن يحضر دروس العلم في ذلك، والأفضل أن يكون معه كتاب في الحج أو في العمرة ليعرف المناسك، بحيث إنه إذا احتاج إلى شيء راجع مرة ثانية وقرأ فيه ما يحتاج إليه.
يقول الإمام النووي ﵀: يستحب لمريد الحج أن يستصحب معه كتاباً واضحاً في المناسك، جامعاً لمقاصدها، ويديم مطالعته.
إذاً: المذاكرة مطلوبة في هذا الأمر؛ لأن كثيراً من الناس الذين يذهبون إلى الحج أو العمرة توزع عليهم الكتب ومع ذلك لا يفكر أن يقرأ فيها، ويقول: سنسأل عندما تحصل قضية، ولعله يفعل الشيء الذي يلزمه عليه فدية؛ لأنه لم يقرأ ولم يتعلم، فتعلم أخي المسلم مناسك الحج والعمرة قبل أن تؤدي المناسك، والمناسك إذا كانت فرضاً عليك فتعلمها فرض عليك أيضاً.
стр. 12
اختيار الرفيق الصالح العالم
يستحب للمرء أن يطلب رفيقاً موافقاً، راغباً في الخير كارهاً للشر، وأن يكون هذا الرفيق على علم شرعي، وعلى تقوى لله ؛ لأن مثل هذا يعينه على طاعة الله سبحانه، ويأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر، وإذا كان يجتمع فيه أنه من أهل العلم وأنه قريب له، فهذا أفضل؛ لأنه مع القريب لا يوجد الحرج، فيسأل فيما يريد، وينصح بعضهم بعضاً في طاعة الله سبحانه.
стр. 13
عدم الاشتغال بالتجارة
يستحب لمن سافر سفر حج أو غزو أن تكون يده فارغة من مال التجارة؛ لأن التجارة تطغى على صاحبها، وتجعله ينسى مناسك الحج والعمرة، ويكون همه كله أنه سيرجع بكذا من المال، ويوجد البعض من هؤلاء يكون عليه الهدي، بأن حج متمتعاً، فيقول: سأصوم ثلاثة أيام، فنقول له: كيف تصوم ثلاثة أيام ومعك نقود؟ فيقول: هذه النقود أريد أن أشتري بها حاجات! فهو يجمع النقود من أجل أن يشتري بها هدايا، أي يشتري بها تجارة، ولا يخرج ما وجب عليه من الهدي، ولذلك فالأفضل أن يتخلى عن التجارة.
стр. 14
استحباب السفر في يومي الإثنين والخميس
يستحب للمرء أن يكون سفره يوم الخميس بحسب ما يتيسر له؛ لأن الخروج يوم الخمس حسن، أو في يوم الإثنين؛ لثبوت ذلك عن النبي ﷺ كما في حديث كعب بن مالك: (أن النبي ﷺ خرج يوم الخميس في غزوة تبوك، وكان يحب أن يخرج يوم الخميس)، فإذا تيسر له ذلك كان حسناً، وكذلك يوم الإثنين، فقد ثبت أن هجرة النبي ﷺ من مكة إلى المدينة كانت في يوم الإثنين، أيضاً في يومي الإثنين والخميس ترفع الأعمال إلى الله سبحانه، والمسافر يدعو ربه سبحانه، فإذا دعا فإنه يرفع دعاؤه ويستجاب له في ذلك.
стр. 15
الخروج المبكر وصلاة ركعتين قبل الخروج
كذلك يستحب الخروج للسفر في وقت مبكر بعد الفجر؛ لأن النبي ﷺ دعا لهؤلاء المبكرين بالبركة، فقال ﷺ : (اللهم بارك لأمتي في بكورها)، وكان إذا بعث جيشاً أو سرية بعثهم في أول النهار ﵊.
كذلك إذا أردت الخروج وعزمت على السفر فصل ركعتين في البيت قبل الخروج للسفر، فهذه سنة، فقد جاء في حديث أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال النبي ﷺ : (إذا خرجت من منزلك فصل ركعتين يمنعانك من مخرج السوء، وإذا دخلت إلى منزلك فصل ركعتين يمنعانك من مدخل السوء)، وهذا على العموم، لكن في السفر من باب أولى، فعلى الإنسان أن يعود نفسه عند خروجه من بيته للسفر أن يصلي ركعتين، فقد قال النبي ﷺ يذكر فضل الركعتين هؤلاء: (يمنعانك من مخرج السوء)، المخرج مصدر بمعنى: خروج، أي: خروج الإنسان إما لشيء طيب أو لشيء رديء، فإذا أراد الخروج وصلى ركعتين قبل خروجه، فالله يحفظه بهاتين الركعتين عن الدخول في الأمر الخبيث والسيئ، ويحفظه مما يسوءه، كذلك إذا دخل الإنسان إلى بيته ورجع من سفر فصلى ركعتين، فيقول النبي ﷺ : (يمنعانك من مدخل السوء)، والمدخل من الدخول، وقد يدخل الإنسان إلى بيته ويرى ما يغضبه فيتأذى ويؤذي، فإذا صلى ركعتين فإن الله يذهب عنه ذلك.
стр. 16
توديع المسافر والدعاء له
يستحب التوديع في السفر، وذلك بأن يسلم المرء على أهله وعلى أصدقائه وأحبابه عند خروجه للسفر، ويدعو بما كان النبي ﷺ يعلمه أصحابه ويدعو به، فهذا عبد الله بن عمر كان إذا أراد أحدهم سفراً يقول له: ادن مني أودعك كما كان رسول الله ﷺ يودعنا، فيقول: (أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك).
فهنا المسافر مفارق للمقيم والمقيم مفارق للمسافر فيستحب لكل من الاثنين أن يقول للآخر: (أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك)، والمعنى أنك تدعو لصاحبك أن الله يحفظه، كأنك تقول: أجعل هذه الأشياء وديعة عند الله سبحانه، والله إذا استودع شيئاً حفظه ، فكأنك تدعو له ربه أن يحفظ له دينه وأمانته وعمله الصالح، ويديم عليه ذلك، وهو يدعو لك بمثل ذلك أيضاً.
وجاء عن أنس ﵁: (أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! إني أريد سفراً فزودني، فدعا له النبي ﷺ وقال: زودك الله التقوى)، كأنه يطلب من النبي ﷺ النصيحة، فدعا له أن يجعل الله زادك تقواه ، قال: (زدني قال: وغفر ذنبك، قال: زدني بأبي أنت وأمي، -أي: أفديك بأبي وأمي- قال: ويسر لك الخير حيثما كنت).
فهذا دعاء عظيم جميل من النبي ﷺ ، فيعود المؤمن نفسه على أن يدعو لإخوانه، وأنت حين تدعو لأخيك يرد عليك الملك فيقول: آمين، ولك بمثله.
فهنا يقول النبي ﷺ لهذا الرجل: (زودك الله التقوى) أي: دعا له بالتقوى، والله يحب المتقين، والله مع المتقين ومع المحسنين سبحانه، فإذا كنت من أهل التقوى كان الله معك.
فقال الرجل: (زدني، فقال: وغفر ذنبك) أي: دعا له بالمغفرة لذنبه، قال: (زدني بأبي أنت وأمي! قال: ويسر لك الخير حيثما كنت) أي: دعا له بخير الدنيا والآخرة.
أيضاً جاء عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: (إن الله إذا استودع شيئاً حفظه) أي: إذا جعل شيء عنده سبحانه وديعة فإنه يحفظ هذه الوديعة ولا يضيعها، وكذلك هنا إذا استودعت صاحبك عند الله سبحانه فإنه لا يضيعها، فهو سبحانه يحفظ صاحبك من كل سوء.
стр. 17
الالتزام بدعاء السفر في الذهاب والعودة
من السنة أن يدعو الإنسان في خروجه بما ثبت عن النبي ﷺ ، تقول أم سلمة ﵂: (ما خرج النبي ﷺ من بيته قط إلا رفع طرفه إلى السماء فقال: اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أضل، أو أزل أو أزل، أو أظلم أو أظلم، أو أجهل أو يجهل علي).
هذا الدعاء العظيم كان يقوله النبي ﷺ عند خروجه من بيته، في أي خروج كان، سواء كان خروج سفر أو إلى المسجد أو غير ذلك، كان ﷺ إذا خرج من بيته يرفع بصره إلى السماء ويدعو بذلك: (اللهم إني أعوذ) أي: أعتصم وأستجير، فأطلب من الله أن يكون هو مددي وملجئي ومجيري، ويعصمني ويحفظني من أن أضل أو أضل، وقوله: (أضل) فعل لازم معناه: أقع في الضلال وأصير إلى الضلال، وقوله: (أو أُضل) أي: أن يضلني أحد.
فالإنسان الخارج لعل الشيطان يسول له أن يقع في الضلالة، أو يقابله رفيق سوء فيدعوه إلى الوقوع في الحرام، فأنت تقول: أعوذ بك يا رب أن أضل أنا بنفسي، أو أن يضلني غيري.
قوله: (أو أزل) أي: أعوذ بك أن أقع في الزلل والمعصية.
(أو أُزل) أي: أن يأتي إنسان إلي فيوقعني في الزلل وفي الخطيئة وفي المعصية.
(أو أَظلم أو أُظلم) أي: أن أقع في الظلم، بأن أظلم أحداً من الناس، أو أن يظلمني أحد من الناس.
(أو أجهل أو يجهل علي) أي: أن أقع في سوء الخلق فأجهل على إنسان آخر، أو إنسان يجهل علي بسوء خلقه.
هذا الحديث جمع دعاء عظيماً: (اللهم إني أعوذ بك أن أَضل أو أُضل، أو أًزل أو أُزل، أو أَظلم أو أُظلم، أو أَجهل أو يُجهل علي).
كذلك كان ﷺ يقول: (إذا خرج الرجل من بيته فقال: باسم الله توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله، قال: يقال له حينئذ: هديت وكفيت ووقيت، وتنحى عنه الشيطان، فيقول الشيطان لشيطان آخر: كيف لك برجل قد هدي وكفي ووقي؟!).
فالشيطان عندما يسمع ذلك يقول لصاحبه: لا نقدر على هذا الإنسان.
فقوله: (إذا خرج من بيته فقال: باسم الله) أي: خروجي هذا على اسم الله .
قوله: (توكلت على الله) أي: فوضت أمري إلى الله سبحانه، ومعنى التوكل على الله سبحانه: أن الإنسان يستشعر العجز والضعف، وأنه لا يقدر على الشيء وحده، ويقول: الله الذي يقدرني على ذلك، فلا حول ولا قوة لي إلا بالله.
والإنسان هو الضعيف العاجز فيحتاج إلى من يقويه، وإلى من يعطيه، فتقول: (توكلت على الله ولا حول ولا قوة إلا بالله) أي: جعلت الله وكيلي ومدبر أمري ومعيني وناصري، ولا حول ولا قوة لي إلا به.
فإذا قال العبد ذلك فالله يعينه ويصرف عنه الشياطين، فيقال لهذا الإنسان: (هديت وكفيت ووقيت)، أي: الله قد هداك، ووقاك من كل شر، والله يكفيك من كل سوء ، فإذا بالشيطان يقول لصاحبه: (كيف لك برجل قد هدي وكفي ووقي؟) يعني: إذا كان ربه معه فلن نقدر عليه.
كذلك إذا أراد المسافر أن يركب الدابة، أو كان يريد أن يركب طائرة أو سيارة، أو باخرة، فأول ما يضع رجله يقول: باسم الله، فإذا استوى يقول: الحمد لله، ثم يأتي بالتسبيح والذكر والدعاء الذي ثبت عن النبي ﷺ ، يقول ابن عمر: (كان رسول الله ﷺ إذا استوى على بعيره خارجاً إلى سفر كبر ثلاثاً، يقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، ثم قال: ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ [الزخرف:١٣])، السفر كله عظات، وفيه تأملات ووقفات مع النفس، فيتأمل المسافر كيف أن الله سخر لنا هذا الشيء، فأنت حين تركب طائرة تجد حجم الطائرة ضخماً، وإذا بهذه الطائرة تطير وتقلع من الأرض إلى السماء، فسبحان الذي سخر لنا هذا، فمن الذي حمل الإنسان عليها؟ إنه الله ، فهو إن شاء هوى بها وأهلك أهلها، وإن شاء نجاهم وأوصلهم سبحانه، فيتمعن الإنسان ويتفكر ويعلم أنه محتاج إلى الله في كل وقت، فما أعظمه ، فهو الذي رفع هذه الطائرة ، وهو الذي علم الإنسان ما لم يعلم، فصنع هذه الطائرة وهذه الباخرة وهذه السيارة وغيرها.
قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ [الزخرف:١٣] أي: مطيقين، ﴿وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾ [الزخرف:١٤] أي: تذكر أنك مسافر من مكان إلى مكان تريد أن تنقلب وترجع إلى أهلك، فتذكر أن الرجوع الحقيقي هو إلى الله .
ثم يدعو المسافر بالدعاء المأثور ويقول: (اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى) أي: أعمال البر وأعمال الطاعة، العمل الذي يرضي الله سبحانه، والتقوى أن يجعل في قلوبنا ما يمنعنا من معصية الله سبحانه، وما يقينا شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، فالتقوى: هي الوقاية التي تقي الإنسان من غضب الله ومن المعاصي.
ثم قال: (اللهم هون علينا سفرنا هذا)، هذا دعاء عظيم، وقد جاء في حديث النبي ﷺ : (أن السفر قطعة من العذاب)، فتسأل ربك سبحانه أن يهون عليك هذا السفر.
ثم قال: (واطو عنا بعده) أي: لا تجعله بعيداً طويلاً، ولكن سهله وقلله.
ثم قال: (اللهم أنت الصاحب في السفر) أي: المصاحب لنا بفضلك وحراستك وقوتك يا الله! (والخليفة في الأهل) أي: استخلفناك أن تدافع وتدفع وتحفظ وتحرس أهلنا.
ثم قال: (اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر) أي: شدة ومشقة السفر، (وكآبة المنظر)، أي: المنظر الذي يجعلني أكتئب وأحزن، فأعوذ بالله أن يريني ما يحزنني في سفري أو في رجوعي، (وسوء المنقلب في المال والأهل)، أي: سوء الرجوع، فهو يستعيذ بالله أن يرجع فيجد ما يسوءه في أهله أو في ماله، وإذا رجع من السفر قالهن وزاد فيهن، (آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون).
قوله: (آيبون) من الأوبة وهو الرجوع، (تائبون) أي: إلى الله، والأوبة مع التوبة مناسب، فالإنسان يئوب ويرجع إلى مكانه، فكأنه يتذكر ويقول: أنا أبت إلى أهلي فلماذا لا أءوب إلى الله ، وأتوب إلى الله سبحانه، وأرجع إليه؟! وجاء عن عبد الله بن سرجس ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ إذا سافر يتعوذ من وعثاء السفر، وكآبة المنقلب) أي: يتعوذ من الوعثاء، والوعثاء: هي الشدة والمشقة والتعب والنصب والإعياء في السفر، ويتعوذ مما يجعله مكتئباً حزيناً إذا رجع إلى أهله، (والحور بعد الكون، أو بعد الكور)، الكور: من كور العمامة التي تكون على الرأس، والكون هو: الاجتماع، والحور هو التفكك، فكأنك تدعو ربك: ألا يفك اجتماعي، وأن يجعل عملي كله مجموعاً صحيحاً، ولا يبعدني عن هذا العمل فأكون قد رجعت عن هذا العمل الصالح الذي عملته، فهو يتعوذ بالله من النقصان بعد الزيادة، وبعدما زاد إيمانه وزاد عمله يدعو ألا ينقص وينحل ويتفكك ويحدث هذا الخلل.
ثم قال: (ودعوة المظلوم وسوء المنظر)، فدعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب، ولو كان فاجراً ولو كان كافراًَ، فينبغي ألا تظلم أحداً لا مسلماً ولا كافراً، فقد كان ﷺ يتعوذ بالله من دعوة المظلوم وسوء المنظر في الأهل والمال.
وجاء عن علي بن ربيعة قال: (شهدت علي بن أبي طالب ﵁ أتي بدابته ليركبها، فلما وضع رجله في الركاب قال: باسم الله، فلما استوى على ظهرها قال: الحمد لله الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون، ثم قال: الحمد لله ثلاث مرات، ثم قال: الله أكبر ثلاث مرات، ثم قال: سبحانك اللهم إني ظلمت نفسي فاغفر لي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، ثم ضحك، فقيل: يا أمير المؤمنين! من أي شيء ضحكت؟ قال: رأيت النبي ﷺ فعل كما فعلت، ثم ضحك، فقلت: يا رسول الله! من أي شيء ضحكت؟ قال: إن ربك سبحانه يعجب من عبده إذا قال: اغفر لي ذنوبي، يعلم أنه لا يغفر الذنوب غيري).
فالعبد حين يقول: (اغفر لي ذنوبي) فربنا يعجب ويقول: من سيغفر له إلا أنا! فيعجب لعبده، فإذا عجب الله لعبد فإنه يرحمه ويغفر له ويثيبه ويعطيه بفضله وكرمه سبحانه، فضحك النبي ﷺ لسعة رحمة رب العالمين ﵎.
стр. 18
مرافقة الجماعة والاجتماع في السفر
يستحب للمرء أن يرافق في سفره جماعة؛ لأنهم عندما يكونون مجموعة في السفر يعين بعضهم بعضاً على التقوى، وأقلهم ثلاثة، وقد جاء في حديث النبي ﷺ : (لو يعلم الناس ما في الوحدة ما أعلم ما سار راكب بليل وحده)، فهذه أمور غيبية لا نعلمها، لكن علمها النبي ﷺ ، فالله أطلعه على ما شاء من غيب لا نراه ولا نعرفه.
فالنبي ﷺ ينصح بألا تسافر لوحدك في طريق، وخاصة بالليل، فلعله مع خلو الطريق في سفره يزين له الشيطان أمراً من الأمور المحرمة، فيقع فيه ولا يجد من ينصحه، ولعل الشيطان إذا وجده في صحراء أو غيرها لوحده فيتمثل له في صور خيالية فيخيفه، فينصح النبي ﷺ المرء ألا يسافر لوحده، ولكن يسافر مع مجموعة، وأقل ذلك ثلاثة، فقد جاء في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : (الراكب شيطان، والراكبان شيطانان، والثلاثة ركب).
أي: أن المسافر وحده يمكن أن يقع في شيء من الخطأ، وكذلك إذا كان معه آخر فلعل أحدهما يغلب الآخر، بأن يكون أكثر جدلاً من الآخر فيقول له: ما رأيك أن نعمل كذا؟ فيقنعه بهذا الشيء فيقع الاثنان في هذا الخطأ، فسماهما: شيطانين، لكن الثلاثة تجد كل واحد يراجع نفسه.
إذاً: يستحب أن يسير الإنسان في سفره مع الناس ولا ينفرد في الطريق، وإذا اجتمع مع الناس وخاصة حين ينزلون في أماكن في أثناء الطريق، فبعض الناس يبدو له أن يشتري حاجة من مكان بعيد، ويجيء وقت الانطلاق فإذا به لم يأت بعد فيعطل الجميع، ولو أن كل إنسان عمل ذلك لتعطلت الرحلة كلها، لكن ينبغي على كل إنسان أن يلتزم وألا يبعد عن المجموعة التي هو معها.
стр. 19
اتخاذ الأمير فيه للمجموعة
يستحب للمسافرين رفقة أن يؤمروا أفضلهم وأعلمهم وأصوبهم رأياً؛ لأن عدم التأمير يحدث الفوضى في السفر، ويؤدي إلى نوع من التناحر والتعادي، لكن عندما يكون المسئول عن الجمع شخصاً واحداً تنضبط الأمور، وكل إنسان يعرف الذي ينبغي عليه، وقد جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال: (إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم) أي: بأن يؤمروا أفضلهم وأجودهم رأياً وأعلمهم بالسفر، وأن يكون عالماً بالمناسك، بحيث يبقى رأيه فاصلاً بين هؤلاء الذين معه، وفي حديث آخر للنبي ﷺ رواه ابن عباس قال: (خير الصحابة أربعة)، أي: الأصحاب، وقد ذكرنا في الحديث السابق: (الراكب شيطان، والراكبان شيطانان، والثلاثة ركب)، لكن الأربعة خير من الثلاثة؛ لأنه كلما زاد العدد زاد التناصح فيما بينهم، قال: (خير الصحابة أربعة، وخير السرايا أربعمائة، وخير الجيوش أربعة آلاف، ولن يغلب اثنا عشر ألفاً من قلة)، الشاهد من الحديث قوله: (خير الصحابة أربعة) فالمسافر كلما كان مع مجموعة كان أفضل، وخاصة إذا كانوا متوافقين في الرأي.
стр. 20
السفر في الليل للمجموعة
يستحب السرى في آخر الليل، فقد قال النبي ﷺ : (عليكم بالدلجة، فإن الأرض تطوى بالليل)، لكن الواحد لا يسافر وحده في الليل، أما إذا سافرت مع مجموعة فسافروا بالليل؛ لأن الأرض تطوى بالليل، والسفر في الليل ليس فيه منغصات، وليس فيه ارتفاع للحرارة، فعلى ذلك يمكن أن يقطعوا طريقاً طويلاً في أثناء الليل.
стр. 21
خدمة الرفقة ومساعدتهم وإعانتهم
يسن مساعدة الرفيق وإعانته في أثناء الطريق، وأن تخدم من معك، وكم رأينا من أناس يحبون أن يقوموا بخدمة المجموعة في السفر، فقد سافرنا مع مجموعة من الإخوة جزاهم الله خيراً، كان أحدهم من أفضلهم خادماً للجميع، فمثل هذا يحبه الجميع ويتمنون لو سافروا معه مرة ومرتين وثلاثاً، فأنت حين تخدم إخوانك في السفر فإن الله يجعل في قلبك الحب للغير، ويعطيك الأجر والثواب، ويجعل المحبة في قلوب الناس لك، فلذلك على المؤمن أن ينتهز الفرصة في الحج والعمرة بأن يكون في خدمة غيره، عبادة لله سبحانه، وقد جاء في حديث النبي ﷺ : (خير الناس أنفعهم) فإذا كنت نافعاً لنفسك ولغيرك فأنت من خير الناس.
وفي الحديث: (والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه)، وقال ﷺ : (كل معروف صدقة)، وفي حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (بينما نحن مع رسول الله ﷺ إذ جاء رجل على راحلة له، فجعل يصرف بصره يميناً وشمالاً، فقال رسول الله ﷺ : من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان معه فضل زاد فليعد به على من لا زاد له، فذكر من أصناف المال ما ذكره، حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل).
هذا رجل جاء على راحلة له فجعل ينظر يميناً وشمالاً، ففهم النبي ﷺ أنه محتاج لمعونة، والنبي ﷺ لم يحرج الرجل ولم يقل له: ماذا تريد؟ ولا قال لبعض الصحابة: يا فلان أعطه كذا، فقد يرون ذلك فرضاً عليهم وليس معهم، ولكنه قال قولاً عاماً: (من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان معه فضل زاد فليعد به على من لا زاد له).
وفي حديث آخر لـ جابر بن عبد الله: (أن رسول الله ﷺ أراد أن يغزو فقال: يا معشر المهاجرين والأنصار! إن من إخوانكم قوماً ليس لهم مال ولا عشيرة، فليضم أحدكم إليه الرجلين والثلاثة، قال: فما لأحدنا من ظهر يحمله إلا عُقبة أحدهم، قال: فضممت إلي اثنين أو ثلاثة وما لي إلا عقبة كعقبة أحدهم من جملي) انظر إلى الصحابة كيف كانوا يتكافلون فيما بينهم! فهذا الراوي جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما وهو في السفر يسمع ذلك من النبي ﷺ ومعه جمل واحد يركبه، فيضم إليه ثلاثة ليركبوا معه على الجمل يتعاقبون عليه، هذا يركب مرة وهذا مرة وهذا مرة وهو مثلهم، ولم يقل: الجمل حقي فأنا أركب أكثر، بل قال: (فما لي إلا عقبة كعقبة أحدهم)، انظر إلى هذا التفاني في حب الله ، وفي خدمة الغير، وفي البذل والتضحية!
стр. 22
تفقد أمير المجموعة لمجموعته وتعليمهم ما ينفعهم
يستحب لأمير المجموعة أن يكون في آخر الركب؛ من أجل أن يتفقد الضعيف، ويتفقد النساء، حتى لا يتيه أحد منهم في أثناء سفرهم، فيتعهد آخر الركب فيحمل المنقطع أو يعينه، ولئلا يطمع في هؤلاء في المسافرين، ويتعرض لهم اللصوص، يقول النبي ﷺ : (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته).
وكذلك في أثناء الطريق ينبغي على الأمير الذي مع القوم أن ينبههم ويعلمهم وخاصة في الحج والعمرة؛ لأنه قد يوجد في المجموعة من يحج أو يعتمر لأول مرة ولا يعرف كيف يفعل، فمثلاً: عندما ينزل الحجاج في المطار يطلب منهم المسئولون هناك إظهار جوازات السفر، فهذا الإنسان تكون عنده أوراق معينة بداخل الجواز مثل تذكرة السفر أو غيرها، فيدفع لهم جواز السفر مع التذكرة التي بداخله فتضيع منه تذكرة السفر؛ لأنه لا يعرف كيف يتصرف، فالذي ينبغي على أمير المجموعة أن ينبه مثل هذا الشخص ألا يدفع لهم إلا جواز السفر فقط، وأن يحتفظ ببقية الأوراق الخاصة به، وكذلك إذا كنت في منى أو في عرفات أو في المزدلفة فنبه الناس: من السنة كذا، وعند رمي الجمار يفعل كذا وهكذا.
стр. 23
الرفق وحسن الخلق مع الغير
ينبغي للمرء المسافر أن يستعمل الرفق وحسن الخلق مع الغلام، مع الحمال، مع السائل، ويجتنب المخاصمة، والإنسان يعود نفسه على الكلام المهذب، حتى لو كان عادة هذا الإنسان أنه شديد في معاملته، وفيه خشونة، فينتهز الفرصة في أثناء الحج أو العمرة بأن يعود نفسه على حسن الخلق، لعله إذا رجع تصير له سجية، لعل الله ينعم عليه فيرزقه بعد ذلك حسن الخلق.
فيتعود الإنسان على أن يلين مع إخوانه، ويبتعد عن الأخلاق السيئة التي كان عليها، فإن بعض الناس في طبعه خشونة، فتجده أثناء المخاصمة يرفع صوته، وقد رأينا أمثال هؤلاء، فقد يزعج من معه فيدعو عليه في أثناء سفره.
وكذلك تنتهز فرصة العبادة بأن تسأل ربك سبحانه أن يحسّن خلقك، وأن يغير حالك من الأسوأ إلى الأحسن، يقول الله : ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:١٩٩]، ففرصة في السفر أن يعرض الإنسان عن الجاهلين ويأخذ بالعرف، كما قال الله سبحانه، وأن يعفو عمن يسيء إليه، قال سبحانه: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [الشورى:٤٣].
стр. 24
عدم الدعاء على الغير باللعن وغيره
كذلك ينبغي للمرء ألا يعود نفسه على الدعاء على الغير وخاصة باللعن؛ لأنه جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يكون اللعانون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة)، فالإنسان الذي عود لسانه دائماً: لعنة الله على فلان، لعنة الله على كذا هذا لا يصلح أن يكون شفيعاً يوم القيامة، حتى وإن دخل الجنة لا يصلح أن يشفع لأحد من أهل النار بأن يخرج ويدخله الله الجنة، وفي الحديث الآخر: (لا ينبغي لصديق أن يكون لعاناً).
وقال ﷺ : (ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء)، وفي حديث أبي الدرداء عن النبي ﷺ قال: (إن العبد إذا لعن شيئاً صعدت اللعنة إلى السماء، فتغلق أبواب السماء دونها، ثم تهبط إلى الأرض فتغلق أبوابها دونها، ثم تأخذ يميناً وشمالاً)، انظر إلى اللعنة التي خرجت من الإنسان، يلعن شيئاً فتصعد إلى السماء فلا تلقى لها مكاناً، وتنزل إلى الأرض فلا تلقى لها مكاناً، فإن لم تجد لها مساراً رجعت إلى الملعون المشتوم المدعو عليه باللعنة إن كان أهلاً لذلك، وإلا رجعت إلا قائلها، فقد ضاقت عليها السماوات والأرض، وكم من إن إنسان يلعن غيره وترجع لعنته على نفسه، واللعن: هو الطرد من رحمة الله .
أيضاً ورد في حديث لـ عمران بن حصين ﵁ قال: (بينما رسول الله ﷺ في بعض أسفاره وامرأة من الأنصار على ناقة فضجرت فلعنتها، فسمع ذلك رسول الله ﷺ فقال: خذوا ما عليها ودعوها؛ فإنها ملعونة، قال عمران: فكأني أراها الآن تمشي في الناس وما يعرض لها أحد).
كأن لعنة المرأة وقعت على هذه الناقة فإذا بالنبي ﷺ يقول: لا يصحبنا شيء فيه لعنة، فكان ذلك عقوبة للمرأة حتى لا تلعن شيئاً آخر، فقد خسرت المرأة الناقة ولم يستفد أحد منها.
فيتعود الإنسان ألا يلعن شيئاً، وهذا من الآداب الذي ينبغي أن يكون في سفر الحج والعمرة.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 25
شرح كتاب الجامع لأحكام العمرة والحج والزيارة - آداب السفر [٢]
جاءت الأحاديث النبوية تبين الآداب التي ينبغي على المسافر أن يحرص عليها، حتى يكون سفره طاعة لله تعالى، فالمسافر يذكر الله على كل أحيانه، فإذا ارتفع على شرف كبر، وإذا هبط وادياً سبح، وإذا اقترب من قريته هلل، وأعلن توبته إلى الله، فما أعظم دين الإسلام! فقد علمنا كل شيء.
стр. 26
تابع آداب السفر
стр. 27
التكبير عند الصعود والتسبيح عند الهبوط وعدم رفع الصوت بذلك
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
ذكرنا في الحديث السابق بعضاً من آداب السفر التي ذكرها الإمام النووي ﵀ في المجموع، وهنا نذكر بقية الآداب التي ينبغي على المسافر أن يحرص عليها.
من هذه الآداب: أنه يستحب للمسافر أن يكبر إذا صعد الثنايا، والثنايا جمع ثنية، والثنية: المرتفع من الأرض؛ فإذا علا الإنسان يستحب له أن يكبر الله ، ويستحب له أن يسبح الله سبحانه إذا هبط الأودية.
إذاً: التكبير مع الصعود والتسبيح مع النزول؛ لحديث جابر ﵁ قال: (كنا إذا صعدنا كبرنا وإذا نزلنا سبحنا)، وهذا مناسب جداً للموضع الذي هو فيه، فالإنسان إذا ارتفع يستشعر أنه كبير أكبر من غيره، فيكبر الله ويقول: الله أكبر، فيستشعر في نفسه أنه حقير وأنه عبد لله سبحانه، وأنه مهما ارتفع فلن يعلو على مولاه ، فيقول: الله أكبر.
فإذا نزل العبد فيستحب له التسبيح، فيتذكر أنه ما من شيء يرتفع إلا ويضعه الله ، ولكن الله سبحانه هو الذي له الكمال كله، فهو الذي يسبح وحده لا شريك له، وهو الذي ينزه عن كل نقص وعيب وشين.
فقد أبى الله أن يرفع شيئاً إلا وضعه، وهو الحي الباقي الكامل ذو الجلال وحده لا شريك له.
إذاً: فيستحب إذا نزل الإنسان أن يسبح، فيتذكر أن الله وحده هو الذي كمل له كل شيء حسن في أوصافه وفي أسمائه.
وعن ابن عمر ﵄ قال: (كان رسول الله ﷺ إذا قفل من الحج أو العمرة -قفل بمعنى: عاد ورجع- كلما أوفى على ثنية أو فدفد كبر ثلاثاً)، والثنية: المرتفع، والفدفد كذلك، قال: (ثم قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، آيبون تائبون عابدون ساجدون لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده)، فمن السنة أن يقال ذلك في الرجوع.
وفي حديث آخر عن أبي هريرة ﵁: (أن رجلاً قال: يا رسول الله! إني أريد أن أسافر فأوصني، قال: عليك بتقوى الله، والتكبير على كل شرف)، والشرف: هو المرتفع من الأرض، فأوصاه بأنه إذا ارتفع على أي مكان كبر ربه سبحانه، هذه وصية النبي ﷺ لهذا المسافر، قال: (فلما ولى الرجل قال النبي ﷺ يدعو له: اللهم اطو له البعيد، وهون عليه السفر).
أيضاً: يستحب إذا كبر الإنسان أن يرفع صوته شيئاً، ولكن لا يجهر فيصير كالصراخ فذلك يكره، ولذلك جاء في حديث أبي موسى الأشعري أنه قال: (كنا مع النبي ﷺ ، وكنا إذا أشرفنا على واد وهللنا وكبرنا ارتفعت أصواتنا)، أي: كلما جاءوا على واد على مكان مرتفع كبروا وهللوا بصوت مرتفع جداً، فقال النبي ﷺ : (يا أيها الناس! اربعوا على أنفسكم)، ربع على نفسه بمعنى: عاد على نفسه ورجع وهدأ، قال: (اربعوا على أنفسكم؛ فإنكم لا تدعون أصم ولا غائباً، إنه معكم سميع قريب).
فيكون المعنى: ارفق بنفسك واهدأ في رفع صوتك، وارفع صوتك من غير أن تؤذي نفسك، ومن غير أن تزعج الناس الذين حولك.
إذاً: تكبر الله سبحانه بصوت ليست مرتفعاً فيه صراخ.
стр. 28
ما يقول من أشرف على قرية
يستحب إذا أشرف المسافر على قرية يريد دخولها أو منزل أن يدعو الله سبحانه، ويقول: اللهم إني أسألك خيرها وخير أهلها وخير ما فيها، وأعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر ما فيها؛ لحديث صهيب ﵁: (أن النبي ﷺ لم ير قرية يريد دخولها إلا قال حين يراها: اللهم رب السماوات السبع وما أظللن، ورب الأرضين السبع وما أقللن -أي: حملن- ورب الشياطين وما أضللن، ورب الرياح وما ذرين) والذر بمعنى: البث والنشر، إذا هبت الريح فنشرت الأشياء، قال: (نسألك خير هذه القرية وخير أهلها، ونعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر ما فيها).
فسأل الله الخير كله وتعوذ بالله من الشر كله، وقوله: (نسألك خير هذه القرية وخير أهلها)، أي: إذا نزلت في مكان فأنت تريد الخير الذي في هذا المكان، وتريد الخير من أهل هذا المكان، وتتعوذ بالله من شر هذا المكان، وشر أهل هذا المكان، وشر ما في هذا المكان، ولذلك تعوذ النبي ﷺ فقال: (ونعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر ما فيها).
стр. 29
كثرة الدعاء في السفر
يستحب للمسافر أن يدعو في سفره دعاء كثيراً في أغلب الأوقات؛ لأن السفر مظنة الإجابة؛ ولذلك عن النبي ﷺ أنه قال: (ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد على ولده)، فالمسافر عندما يدعو الله يستجيب له، والمظلوم يدعو الله ويستجيب له، والوالد يدعو على ولده أو لولده والله يستجيب له.
стр. 30
إذا خاف أناساً أو غيرهم فيدعو الدعاء المأثور عند الخوف من عدو وغيره
إذا خاف أناساً أو غيرهم فالسنة أن يقول ما رواه أبو موسى ﵁: (أن رسول الله ﷺ كان إذا خاف قوماً قال: اللهم إنا نجعلك في نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم)، قوله: (اللهم إنا نجعلك في نحورهم) أي: نخيفهم بك، فتكون أنت في صدورهم، فترعبهم وتخيفهم وتجعل قلوبهم تضطرب خوفاً منك وخوفاً من عبادك المؤمنين، وقوله: (ونعوذ بك من شرورهم) أي: نستجير ونعتصم بك من شرورهم.
ويسن أيضاً أن يدعو بدعاء الكرب الذي ذكره النبي ﷺ في قوله: (لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض ورب العرش الكريم) فهذا هو دعاء الكرب.
وجاء في الحديث الآخر: (أن النبي ﷺ كان إذا كربه أمر قال: يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث)، فالإنسان إذا اشتد عليه شيء وأراد الفرج من الله دعا بذلك: (يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث)، أو بالدعاء الأول: (لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض ورب العرش الكريم).
стр. 31
خدمة المسافر الذي له نوع فضيلة
تستحب خدمة المسافر الذي له نوع فضيلة، فعلى المسافر أن يكون نفاعاً لمن حوله يخدم من حوله من غير أن يشق على نفسه، والسفر قطعة من العذاب، ولعلك تعين إنساناً يدعو لك فييسر الله لك أمرك، ويتقبل منك عبادتك؛ بسبب دعوة هذا الإنسان الذي أعنته.
فهنا يستحب أن يخدم من له نوع فضيلة معينة، ويأتسي بأصحاب النبي ﷺ ، كأن يكون علمك في يوم من الأيام، أو أعانك في يوم من الأيام، أو لم يعلمك أنت ولكن علم غيرك أو أعان غيرك، أو عرفت منه كرماً في شمائله وكرماً في خلقه، فيستحب أن تخدم مثل هذا الإنسان، فقد جاء في الحديث أن أنساً رضي الله تعالى عنه قال: (خرجت مع جرير بن عبد الله البجلي ﵁ في سفر فكان يخدمني)، وجرير بن عبد الله البجلي كان ملكاً في بجيلة في قومه، وقد أسلم وجاء إلى النبي ﷺ وكان غاية في الجمال، والنبي ﷺ شبهه بيوسف على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فكان له منزلة في قومه وكان ذا جمال فيهم، وقد مدحه النبي ﷺ .
وكان جرير ﵁ أكبر سناً من أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، ومع ذلك يقول أنس: خرجت مع جرير بن عبد الله في سفر فكان يخدمني، فقلت له: لا تفعل).
وهذا أدب من أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، كأنه يقول: أنت أكبر مني سناً فكيف تخدمني؟! فقال: (إني رأيت الأنصار) يعني: لست أنت وحدك فقط، بل أخدمك وأخدم الأنصار كلهم، قال ﵁: (إني رأيت الأنصار تصنع برسول الله ﷺ شيئاً آليت -أي: أقسمت وحلفت- ألا أصحب أحداً منهم إلا خدمته)، فالأنصار لم يعملوا له شيئاً، ولكن عملوا مع النبي صلوات الله وسلامه عليه، وخدموا النبي ﷺ ، ودافعوا عن النبي ﷺ ، وفدوا رسول الله ﷺ بأرواحهم وأموالهم، وآووه ونصروه صلوات الله وسلامه عليه، فـ جرير ﵁ عرف لهم ذلك، وكان إسلامه ﵁ متأخراً، فعرف فضل هؤلاء السابقين، فأقسم أنه لا يصحب أحداً من هؤلاء الأنصار إلا ويخدمه رضي الله تعالى عنه.
يقول الراوي: (وكان جرير أكبر من أنس ﵄.
стр. 32
المحافظة على الطهارة وعلى الصلاة في أوقاتها
ينبغي للمسافر المحافظة على الطهارة في أثناء سفره، لعله يأتي إلى مكان يحتاج أن يصلي ولا يوجد ماء في ذلك المكان، فيكون متوضئاً جاهزاً، فينتهز الفرص في أثناء الطريق إذا دخل دورة المياه أن يقضي حاجته ويتوضأ، وأن يكون مستعداً للصلاة التي تأتي عليه بعد ذلك، لعله ينزل في مكان آخر فلا يجد فيه ماء لوضوئه أو لقضاء حاجته.
ويستحب له الصلاة في أوقاتها.
стр. 33
الإتيان بالذكر المأثور عند نزول المنزل
من السنة أن يقول إذا نزل منزلاً ما روته خولة بنت حكيم ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من نزل منزلاً ثم قال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك) هذه سنة النبي ﷺ إذا نزلت في مكان أن تقول: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، بل ويستحب لك في أذكار الصباح والمساء أن تقول ذلك.
стр. 34
كراهة النزول في قارعة الطريق
يكره النزول في قارعة الطريق، وقارعة الطريق مأخوذ من القرع، يقال: قرع الشيء وعمد إليه.
إذاً: الطريق المقروع هو الطريق الذي يمر عليه الناس، فهو طريق مقروع؛ لأن الناس ذاهبة آتية منه وإليه، ولا ينبغي أبداً أن ينزل الإنسان في طريق الناس؛ حتى لا يضيق عليهم طريقهم، وخاصة إذا كان بالليل، فمثلاً: لو أن إنساناً نزل في طريق سريع بالليل وقعد بجانب سيارته فلعل سيارة مسرعة تمشي فتصدمه، فليس مكانك أن تنزل في الطريق ليلاً، وإنما تنزل بجوار الطريق، أما على قارعة الطريق وهو المكان الذي تقرعه الدواب ويقرعه الناس فلا ينبغي لك أن تنزل فيه، أو تمكث أو تجلس أو تنام عليه؛ لقول النبي ﷺ : (إذا عرستم بالليل)، والتعريس هو النزول للمبيت بالليل في آخره، أو النزول بالليل للاستراحة في مكان معين، فيقول: (إذا عرستم بالليل فاجتنبوا الطريق، فإنها طرق الدواب ومأوى الهوام بالليل)، أي: أن حشرات الليل تبدأ تنتشر في الطريق، والآن عندما تسافر في الطريق السريع من مكان إلى مكان ففي أثناء طريقك خاصة بالليل ترى هواماً في الطريق، ترى فأراً أو أرنباً أو غير ذلك، فالليل مأوى الهوام، ولعل حية تظهر بالليل فتؤذي هذا المعرس في الطريق، ولعل سيارة طائشة تمشي بالليل فتطؤه.
إذاً: يحذر المؤمن ولا ينزل على قارعة الطريق فيضيق على الناس طريقهم، وأيضاً حتى لا يؤذيه شيء مما يمر على الطريق.
стр. 35
استحباب نزول الرفقة مجتمعين وكراهة تفرقهم لغير حاجة
يستحب للرفقة في السفر أن ينزلوا مجتمعين، وقد نبهنا على هذا من قبل، وقلنا: ما دام أنكم مجموعة مسافرون في (باص) أو في سيارة ونزلتم في مكان، فلا يذهب كل واحد في مكان؛ لأن السائق عندما يريد أن يمشي قد يتأخر بسبب البحث عنهم؛ لأنهم متفرقون، فينبغي أن يجتمعوا في مكان واحد، ولعله إذا انفرد واحد منهم أن يضيع، وقد لا يجدونه، خاصة إذا كان معهم أطفال، وكم رأينا من رحلات تتعطل الرحلة بسبب الأطفال، كمن نزل بأولاده وأرسل ولده إلى مكان فذهب ابنه ولم يرجع، فالرحلة كلها تتعطل بسبب هذا، يبحث هذا عنه وهذا عنه، ويتأخرون في طريقهم بسبب ذلك، فالمستحب في ذلك إذا نزلوا في مكان أن يكون الجميع قريبين بعضهم من بعض؛ لحديث أبي ثعلبة الخشني ﵁ قال: (كان الناس إذا نزلوا منزلاً تفرقوا في الشعاب والأودية، فقال رسول الله ﷺ : إن تفرقكم في هذه الشعاب والأودية إنما ذلكم من الشيطان)، أي: الشيطان يدعوكم لهذا: تفرقوا واذهبوا بعيداً، فتجد الواحد يقول لك: اتركني أذهب حيثما أريد، وعندما تريدني سآتي إليك: يا أخي! من أين آتي بك عندما أريدك؟! فهذا يذهب إلى مكان وهذا يذهب إلى مكان، كأن الشيطان يلقي في قلوبهم ذلك، وهذا يقول لك: سنذهب إلى المطعم الفلاني أو إلى المكان الفلاني، وتفرق الجميع، وجاء وقت المسير فلم يجدهم السائق، فتتعطل الرحلة، وأحياناً يظلون منتظرين ثلاث إلى أربع ساعات، و (الباص) واقف في المكان، ويأتي وقت المرور وصاحبنا ليس موجوداً، ويبحثون عنه فلا يظهر إلا بعد أن عطل الجميع، ولعل هذا الذي أخرهم وعطلهم يجعلهم يبيتون في ذلك المكان؛ فيبيتون يدعون على هذا الذي عطلهم، فلا تكن كذلك، واعلم أن يدعو لهذا هو الشيطان، فالشيطان يوسوس لإنسان منهم في قلبه: أنت اذهب بعيداً عنهم، وهم ليسوا محتاجين لك، فيذهب بعيداً فيتأخر الناس بسببه.
ومثل هذا الشيء يجعل البغضاء في القلوب، فتجد المسافرين قد أخذوا في نفوسهم على فلان؛ لأنه دائماً في كل مكان يعطلهم، ويمكن أن تحدث في أثناء الطريق المشاجرات بسبب هذا الأمر.
يقول ﷺ : (إن تفرقكم في هذه الشعاب والأدوية إنما ذلكم من الشيطان، قال أبو ثعلبة: فلم ينزلوا بعد ذلك منزلاً إلا انضم بعضهم إلى بعض).
стр. 36
الاقتداء بالنبي في كيفية النوم للمسافر
السنة في كيفية نوم المسافر إذا كان قرب وقت صلاة، فلو فرضنا أنهم نزلوا في الطريق ولم يبق على صلاة الفجر إلا نصف ساعة مثلاً أو ربع ساعة، وهم متعبون، وكل واحد يريد أن ينام، فهنا لو ناموا لفاتتهم صلاة الفجر كلهم، ولكن كان النبي ﷺ له طريقة لطيفة في ذلك: وهي أنه إذا كان متعباً ﷺ وأراد أن ينام فيقول لنا أبو قتادة: (كان رسول الله ﷺ إذا كان في سفر فعرس بليل اضطجع على يمينه، وإذا عرس قبيل الصبح نصب ذراعه ووضع رأسه على كفه) رواه مسلم.
أي: إذا نزل بالليل وبقي لوقت الفجر ساعتان أو ثلاث ساعات فإنه يضطجع ﷺ وينام، لكن إذا لم يبق للفجر إلا وقت يسير فإنه ﷺ كان ينصب ذراعه على الأرض، ويجعل رأسه على ذراعه ﷺ .
وهذه الهيئة لا يكون معها التمكن والاستغراق في النوم؛ لأنك لو ذهبت في النوم فإن يدك ستخونك فتسقط على الأرض وتستيقظ مرة ثانية، فالنبي ﷺ كان ينام بهذه الطريقة من أجل ألا يضيع صلاة الفجر.
стр. 37
سرعة الرجوع إلى الأهل بعد قضاء الحاجة
السنة للمسافر إذا قضى حاجته أن يعجل الرجوع؛ لأن النبي ﷺ قال في الحديث: (السفر قطعة من العذاب؛ يمنع أحدكم طعامه وشرابه ونومه، فإذا قضى أحدكم نهمته من سفره فليعجل إلى أهله)، فالمسافر هو غريب وبعيد عن أهله، فينبغي لك بعدما تنتهي من حاجتك التي سافرت من أجلها أن ترجع إلى أهلك؛ فأنت أحوج إليهم وهم أحوج إليك؛ لأن النبي ﷺ ينصحك أنك إذا انتهيت من سفرك وقضيت نهمتك ومقصدك وحاجتك أن ترجع إلى أهلك.
стр. 38
الذكر المأثور عند الرجوع من السفر
السنة أن يقول في رجوعه من السفر ما ثبت عن ابن عمر: (أن رسول الله ﷺ كان إذا قفل من غزو أو حج أو عمرة يكبر على كل شرف من الأرض -أي: على كل مكان مرتفع- ثلاث تكبيرات، ثم يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، آيبون تائبون عابدون ساجدون لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده).
وجاء في حديث أنس: (أقبلنا مع النبي ﷺ حتى إذا كنا بظهر المدينة قال: آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون، فلم يزل يقول ذلك حتى قدمنا المدينة).
إذاً: يستحب تكرار ذلك حتى يدخل في البلد.
стр. 39
إخبار المسافر أهله بقدومه والنهي عن طرقهم ليلاً
يستحب إذا قرب من وطنه أن يبعث إلى أهله من يخبرهم؛ لئلا يقدم بغتة، فإن كان في قافلة كبيرة واشتهر عند أهل البلد وصولهم ووقت دخلوهم كفاه ذلك عن إرساله معيناً.
وقد كان النبي ﷺ ينصح أصحابه ألا يطرق أحدهم أهله طروقاً، والآن قد يسر الله تعالى أمر الهاتف، فبإمكانك أن تتصل بأهلك وتقول: أنا الآن في المكان الفلاني راجع إليكم، وبهذا يكون أهل البيت قد عرفوا أنه سيقدم عليهم في وقت كذا، لكن لو فرضنا أنه لا يوجد هاتف والرحلة آتية في الوقت الفلاني، فيقول النبي ﷺ : (إذا أطال أحدكم الغيبة فلا يطرقن أهله ليلاً)، وفي حديث أنس: (كان النبي ﷺ لا يطرق أهله ليلاً، وكان يأتيهم غدوة أو عشية).
أي: من أجل أن يستعد أهل البيت، فلعل المرأة لم تكن متزينة، ولعل البيت لم يكن مرتباً، وهو يكره أن يرى البيت على ذلك، فإذا أخبر أهله أو أرسل إليهم أو اتصل قبل أن يقدم عليهم فإنهم يجهزون أنفسهم لذلك، فلذلك يقول العلماء: يستحب أن يرسل إليهم من يخبر بقدومه في الوقت الفلاني مثلاً، لكن إذا كان في قافلة كبيرة آتية ومعروف ميعاد الرجوع، فلا حاجة إلى مثل ذلك إذا اشتهر ذلك.
فقوله: (إذا أطال أحدكم الغيبة فلا يطرقن أهله ليلاً) إذا كان الأمر أنهم يعلمون أنه سيأتي الساعة الثانية عشرة بالليل مثلاً فله أن يطرق أهله ليلاً؛ لأن العلة في ذلك أنه قد يرى ما يؤذيه وقد يرى ما يزعجه إذا قدم بالليل، قد تكون المرأة نائمة فتقوم من النوم في هيئة هو يكره أن يراها على ذلك.
يقول جابر: (إن رسول الله ﷺ نهى أن يطرق الرجل أهله ليلاً) والطارق: هو القادم بالليل، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ * النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾ [الطارق:١ - ٣].
فهو نجم ثاقب، والنجم يكون بالليل وليس بالنهار، فكذلك هنا الطارق هو الإنسان الذي يأتي ليلاً، فيقول لنا جابر ﵁: (إن النبي ﷺ نهى أن يطرق الرجل أهله ليلاً؛ حتى تمتشط الشعثة، وتستحد المغيبة) أي: حتى تتزين المرأة لزوجها بأن تمشط شعرها، وكذلك تستحد المغيبة، أي: تزيل ما على جسدها من شعر.
стр. 40
استحباب تلقي المسافرين واستقبالهم
يسن تلقي المسافرين، فإذا قدم المسافرون خاصة من حج أو عمرة فإنه يستحب للإنسان أن يستقبلهم؛ لأن الذي هو آت من حج أو عمرة يكون قد غفر الله له ذنوبه، هذا في الغالب، فالإنسان لعله يسلم على هؤلاء فيدعون له بالخير، فتستجاب دعوتهم؛ لأنهم قريبو عهد بتوبة وطاعة وعمل صالح، فيستحب تلقيهم.
وقد كان الصحابة إذا قدم النبي ﷺ يتلقونه، فهذا ابن عباس ﵁ يقول: (إن رسول الله ﷺ قدم من سفر فاستقبله أغيلمة بني عبد المطلب، فجعل واحداً بين يديه وآخر خلفه)، وهذا من طيب خلقه ﵊، فقد ذهبوا يستقبلونه ومعهم أطفال، فأتى الأطفال إلى النبي ﷺ فأخذهم ووضع واحداً أمامه على الناقة، والثاني خلفه صلوات الله وسلامه عليه.
وفي رواية: (قدم مكة عام الفتح) إذاً: قدومه ﷺ كان عام الفتح، فجعل أغيلمة بني عبد المطلب يخرجون لاستقبال النبي صلوات الله وسلامه عليه.
وعن عبد الله بن جعفر ﵄ قال: (كان رسول الله ﷺ إذا قدم من سفر تلقي بصبيان أهل بيته، وإنه قدم من سفر فسبق بي إليه)، هذا عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، أبوه هو جعفر أخو علي ﵃، وجعفر هو ابن عم النبي ﷺ ، وهو الشهيد رضي الله تعالى عنه ذو الجناحين، يقول عبد الله بن جعفر: (فحملني بين يديه، ثم جيء بأحد ابني فاطمة فأردفه خلفه)، وعبد الله هو ابن ابن عمه، وهذا ابن ابنته، والذي سبق وضعه قدامه، والذي تأخر جعله خلفه ﵊، قال: (فأدخلنا المدينة ثلاثة على دابته).
следующие страницы →