Полный текст (460 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
الاقتداء بالنبي في كيفية النوم للمسافر
السنة في كيفية نوم المسافر إذا كان قرب وقت صلاة، فلو فرضنا أنهم نزلوا في الطريق ولم يبق على صلاة الفجر إلا نصف ساعة مثلاً أو ربع ساعة، وهم متعبون، وكل واحد يريد أن ينام، فهنا لو ناموا لفاتتهم صلاة الفجر كلهم، ولكن كان النبي ﷺ له طريقة لطيفة في ذلك: وهي أنه إذا كان متعباً ﷺ وأراد أن ينام فيقول لنا أبو قتادة: (كان رسول الله ﷺ إذا كان في سفر فعرس بليل اضطجع على يمينه، وإذا عرس قبيل الصبح نصب ذراعه ووضع رأسه على كفه) رواه مسلم.
أي: إذا نزل بالليل وبقي لوقت الفجر ساعتان أو ثلاث ساعات فإنه يضطجع ﷺ وينام، لكن إذا لم يبق للفجر إلا وقت يسير فإنه ﷺ كان ينصب ذراعه على الأرض، ويجعل رأسه على ذراعه ﷺ .
وهذه الهيئة لا يكون معها التمكن والاستغراق في النوم؛ لأنك لو ذهبت في النوم فإن يدك ستخونك فتسقط على الأرض وتستيقظ مرة ثانية، فالنبي ﷺ كان ينام بهذه الطريقة من أجل ألا يضيع صلاة الفجر.
стр. 37
سرعة الرجوع إلى الأهل بعد قضاء الحاجة
السنة للمسافر إذا قضى حاجته أن يعجل الرجوع؛ لأن النبي ﷺ قال في الحديث: (السفر قطعة من العذاب؛ يمنع أحدكم طعامه وشرابه ونومه، فإذا قضى أحدكم نهمته من سفره فليعجل إلى أهله)، فالمسافر هو غريب وبعيد عن أهله، فينبغي لك بعدما تنتهي من حاجتك التي سافرت من أجلها أن ترجع إلى أهلك؛ فأنت أحوج إليهم وهم أحوج إليك؛ لأن النبي ﷺ ينصحك أنك إذا انتهيت من سفرك وقضيت نهمتك ومقصدك وحاجتك أن ترجع إلى أهلك.
стр. 38
الذكر المأثور عند الرجوع من السفر
السنة أن يقول في رجوعه من السفر ما ثبت عن ابن عمر: (أن رسول الله ﷺ كان إذا قفل من غزو أو حج أو عمرة يكبر على كل شرف من الأرض -أي: على كل مكان مرتفع- ثلاث تكبيرات، ثم يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، آيبون تائبون عابدون ساجدون لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده).
وجاء في حديث أنس: (أقبلنا مع النبي ﷺ حتى إذا كنا بظهر المدينة قال: آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون، فلم يزل يقول ذلك حتى قدمنا المدينة).
إذاً: يستحب تكرار ذلك حتى يدخل في البلد.
стр. 39
إخبار المسافر أهله بقدومه والنهي عن طرقهم ليلاً
يستحب إذا قرب من وطنه أن يبعث إلى أهله من يخبرهم؛ لئلا يقدم بغتة، فإن كان في قافلة كبيرة واشتهر عند أهل البلد وصولهم ووقت دخلوهم كفاه ذلك عن إرساله معيناً.
وقد كان النبي ﷺ ينصح أصحابه ألا يطرق أحدهم أهله طروقاً، والآن قد يسر الله تعالى أمر الهاتف، فبإمكانك أن تتصل بأهلك وتقول: أنا الآن في المكان الفلاني راجع إليكم، وبهذا يكون أهل البيت قد عرفوا أنه سيقدم عليهم في وقت كذا، لكن لو فرضنا أنه لا يوجد هاتف والرحلة آتية في الوقت الفلاني، فيقول النبي ﷺ : (إذا أطال أحدكم الغيبة فلا يطرقن أهله ليلاً)، وفي حديث أنس: (كان النبي ﷺ لا يطرق أهله ليلاً، وكان يأتيهم غدوة أو عشية).
أي: من أجل أن يستعد أهل البيت، فلعل المرأة لم تكن متزينة، ولعل البيت لم يكن مرتباً، وهو يكره أن يرى البيت على ذلك، فإذا أخبر أهله أو أرسل إليهم أو اتصل قبل أن يقدم عليهم فإنهم يجهزون أنفسهم لذلك، فلذلك يقول العلماء: يستحب أن يرسل إليهم من يخبر بقدومه في الوقت الفلاني مثلاً، لكن إذا كان في قافلة كبيرة آتية ومعروف ميعاد الرجوع، فلا حاجة إلى مثل ذلك إذا اشتهر ذلك.
فقوله: (إذا أطال أحدكم الغيبة فلا يطرقن أهله ليلاً) إذا كان الأمر أنهم يعلمون أنه سيأتي الساعة الثانية عشرة بالليل مثلاً فله أن يطرق أهله ليلاً؛ لأن العلة في ذلك أنه قد يرى ما يؤذيه وقد يرى ما يزعجه إذا قدم بالليل، قد تكون المرأة نائمة فتقوم من النوم في هيئة هو يكره أن يراها على ذلك.
يقول جابر: (إن رسول الله ﷺ نهى أن يطرق الرجل أهله ليلاً) والطارق: هو القادم بالليل، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ * النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾ [الطارق:١ - ٣].
فهو نجم ثاقب، والنجم يكون بالليل وليس بالنهار، فكذلك هنا الطارق هو الإنسان الذي يأتي ليلاً، فيقول لنا جابر ﵁: (إن النبي ﷺ نهى أن يطرق الرجل أهله ليلاً؛ حتى تمتشط الشعثة، وتستحد المغيبة) أي: حتى تتزين المرأة لزوجها بأن تمشط شعرها، وكذلك تستحد المغيبة، أي: تزيل ما على جسدها من شعر.
стр. 40
استحباب تلقي المسافرين واستقبالهم
يسن تلقي المسافرين، فإذا قدم المسافرون خاصة من حج أو عمرة فإنه يستحب للإنسان أن يستقبلهم؛ لأن الذي هو آت من حج أو عمرة يكون قد غفر الله له ذنوبه، هذا في الغالب، فالإنسان لعله يسلم على هؤلاء فيدعون له بالخير، فتستجاب دعوتهم؛ لأنهم قريبو عهد بتوبة وطاعة وعمل صالح، فيستحب تلقيهم.
وقد كان الصحابة إذا قدم النبي ﷺ يتلقونه، فهذا ابن عباس ﵁ يقول: (إن رسول الله ﷺ قدم من سفر فاستقبله أغيلمة بني عبد المطلب، فجعل واحداً بين يديه وآخر خلفه)، وهذا من طيب خلقه ﵊، فقد ذهبوا يستقبلونه ومعهم أطفال، فأتى الأطفال إلى النبي ﷺ فأخذهم ووضع واحداً أمامه على الناقة، والثاني خلفه صلوات الله وسلامه عليه.
وفي رواية: (قدم مكة عام الفتح) إذاً: قدومه ﷺ كان عام الفتح، فجعل أغيلمة بني عبد المطلب يخرجون لاستقبال النبي صلوات الله وسلامه عليه.
وعن عبد الله بن جعفر ﵄ قال: (كان رسول الله ﷺ إذا قدم من سفر تلقي بصبيان أهل بيته، وإنه قدم من سفر فسبق بي إليه)، هذا عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، أبوه هو جعفر أخو علي ﵃، وجعفر هو ابن عم النبي ﷺ ، وهو الشهيد رضي الله تعالى عنه ذو الجناحين، يقول عبد الله بن جعفر: (فحملني بين يديه، ثم جيء بأحد ابني فاطمة فأردفه خلفه)، وعبد الله هو ابن ابن عمه، وهذا ابن ابنته، والذي سبق وضعه قدامه، والذي تأخر جعله خلفه ﵊، قال: (فأدخلنا المدينة ثلاثة على دابته).
стр. 41
إسراع المسافر السير عند رؤية قريته حال قدومه إليها
السنة أن يسرع السير إذا وقع بصره على جدران قريته، أي: إذا قرب المسافر من المدينة أو القرية وكان يسير سيراً بطيئاً فمن السنة أن يسرع، فقد جاء عن النبي ﷺ : (أنه كان إذا قدم من سفر فنظر إلى جدران المدينة أوضع راحلته)، والإيضاع بمعنى: الإسراع شيئاً، (وإذا كان على دآبة حركها من حبها) أي: من حب النبي ﷺ للمدينة كان يسرع إليها عندما يقرب منها.
стр. 42
أن يبدأ المسافر بالمسجد قبل أهله
السنة إذا وصل إلى منزله أن يبدأ قبل دخوله بالمسجد القريب إلى منزله، فإذا كان بجانب بيته مسجد قريب فإنه يستحب له أن يدخل المسجد أولاً ويصلي فيه ركعتين، ثم يذهب إلى بيته بعد ذلك؛ لأن النبي ﷺ (كان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين ثم جلس)، وقد كان يجلس ﵊ للناس من أجل أن يسلموا عليه، فإذا كان الإنسان مشهوراً بين الناس فينتظر الناس حتى يسلموا عليه ولا يتركهم ويذهب، لكن إذا كان غير مشهور بين الناس ولا ينتظره أحد فلا حاجة له أن يجلس في المسجد، وإنما يذهب إلى بيته ويسلم على أهله.
وعن جابر في الحديث الطويل في قصة بيع جمله في السفر قال: (وقدمت بالغداة فجئت المسجد فوجدته -يعني: النبي ﷺ على باب المسجد، فقال: الآن قدمت؟ قال: قلت: نعم يا رسول الله! قال: فدع جملك وادخل فصل ركعتين، قال: فدخلت ثم رجعت)، فهنا قال ﷺ لـ جابر: (وادخل فصل ركعتين)، ففيه أن من السنة للقادم من السفر أن يبدأ بالمسجد.
стр. 43
إتيان البيوت من أبوابها لا من ظهورها
إذا وصل بيته دخله من بابه لا من ظهره، وقد كان من عادة العرب أنه إذا قدم الواحد من سفر فإنه يدخل من ظهر البيت، ويتشاءم أن يدخل من باب البيت، خاصة إذا كان راجعاً من حج أو عمرة، يقول البراء: (كانت الأنصار إذا حجوا فجاءوا لا يدخلون من أبواب بيوتهم، ولكن من ظهورها، فجاء رجل من الأنصار فدخل من قبل بابه، وكأنه عير بذلك، فأنزل الله : ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ [البقرة:١٨٩]).
فالبر ليس بالإتيان من الباب ولا من الظهر، ولكن بالتقوى: ((وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا)) هذا أمر ((وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا)) أي: لا داعي للبدع، ولكن ائتوا البيوت من أبوابها؛ لأنه لا توجد حكمة في الدخول من ظهر البيت.
стр. 44
الدعاء بالتوبة عند دخول الأهل على المسافر
إذا دخل بيته استحب أن يقول: ما جاء في كتاب ابن السني عن ابن عباس ﵄ قال: (كان رسول الله ﷺ إذا قدم من سفر فدخل عليه أهله قال: توباً توباً، لربنا أوباً، لا يغادر علينا حوباً)، فكان صلوات الله وسلامه عليه يدعو ربه سبحانه بالتوبة، أي: اللهم تب علينا.
وقوله: (لربنا أوباً)، أي: أوابين راجعين إلى الله .
وقوله: (لا يغادر علينا حوباً) أي: لا يغادر علينا سبحانه ذنباً، وقد ذكرنا قبل ذلك أنك إذا دخلت بيتك فصل ركعتين؛ فإنهما يمنعانك مدخل السوء، كما جاء عن النبي ﷺ ، فكما خرجت للسفر فصليت ركعتين في بيتك، كذلك إذا قدمت إلى بيتك فصل ركعتين يمنعانك مدخل السوء.
стр. 45
استحباب النقيعة وهي الإطعام
يستحب النقيعة، والنقيعة: هي طعام المسافر، وكأنها مأخوذة من النقع، والنقع هو التراب، وسميت بذلك لأن المسافر يأتي وعليه تراب وغبار السفر، فسميت النقيعة لذلك، فإذا قدم المسافر فيستحب له أن يطعم أهله وأن يطعم جيرانه وأن يطعم أحباءه، وله أن يفعل ذلك في طريق عودته؛ فقد فعله النبي ﷺ ، ففي حديث جابر: (اشترى مني النبي ﷺ بعيراً بوقيتين ودرهم أو درهمين، فلما قدم صراراً)، وصرار: هو مكان قريب من المدينة يبعد عنها بحوالي ثلاثة أميال، أي: حوالي خمسة (كيلو) أو نحو ذلك، قال: (فأمر ببقرة فذبحت فأكلوا منها) أي: أن النبي ﷺ أطعم الرفقاء الذين كانوا معه، وهذه عادة جميلة منه صلوات الله وسلامه عليه، فلعل الركب النازلين معه ﷺ يصلون إلى أهلهم وأهلهم فقراء، لم يجهزوا لهم طعاماً يطعمون هؤلاء الذين قدموا، فقام النبي ﷺ بذلك، حيث ذبح لهم بقرة ﵊ فأكلوا منها، قال: (فلما قدم المدينة أمرني أن آتي المسجد فأصلي ركعتين، ووزن لي ثمن البعير) أي: دفع لي الثمن، والقصة طويلة، وفيها: أن النبي ﷺ أراد أن يري جابراً فعل الله بأبيه رضي الله تعالى عنه، وأبوه هو عبد الله بن حرام الأنصاري رضي الله تعالى عنه الذي استشهد في أحد، وكان النبي ﷺ يذكر أن الله خاطب الشهداء من وراء حجاب، وخاطب عبد الله بن حرام كفاحاً، يعني: من غير حجاب، وهذا لفضله عند الله ، وقد سأل الله هؤلاء الذين استشهدوا في سبيله: ماذا يريدون؟ فطلبوا أن يعودوا إلى الحياة الدنيا مرة ثانية حتى يقاتلوا ويقتلوا في سبيل الله سبحانه، فأبى الله ذلك، ولكنه رد على الشهداء أرواحهم وأدخلهم الجنة، وطلبوا من ربهم أن يخبر من بعدهم بما صنع بهم ، فأنزل الله: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران:١٦٩].
فالشهيد باع نفسه لله ، وأخذ الثمن الجنة، فإذا بالله يقبل منه هذا الثمن وهو نفسه ويعطيه الجنة، ويرد عليه روحه .
فكأن النبي ﷺ أراد أن يري جابراً ما صنع الله بأبيه، فـ جابر كان راكباً على جمل، فأتعبه الجمل في الطريق، فإذا بـ جابر يتضايق منه، فقال له النبي ﷺ : (بِعْنيهِ) يعني: ضقت من هذا الجمل؟ أنا سوف أشتريه منك، ولم يظن جابر أنه سوف يبيعه، فاتفقا على الثمن، ثم جعله النبي ﷺ له ليركبه حتى يصل إلى المدينة، فركب جابر البعير، وإذا بالنبي ﷺ يدعو ويضرب البعير فيجري البعير في الطريق حتى صار أسرع ما يكون، فلما وصلوا إلى المدينة علم جابر أن هذه بركة من بركات الله جعلها على يد نبيه صلوات الله وسلامه عليه، فقال في نفسه: يمكن أن هذا كان في الطريق من أجل أن أرجع، وبعد أن أصل إلى المدينة سيعود كما كان، فأنا لا أريده، فدعاه النبي ﷺ ، فخشي جابر أن يرد عليه جمله، فإذا بالنبي ﷺ يأمر بلالاً أو غيره أن يعطيه الثمن فوفاه الثمن، وبعد أن أعطاه الثمن زاده فوق الثمن أيضاً، فلما أراد أن يذهب قال له: (أتحسب أنا ماكسناك لنأخذ جملك؟ -يعني: أتظن أنا كنا نساومك من أجل أن نأخذ جملك؟ - البعير رد عليك، خذ جملك)، فأعطاه الثمن وأعطاه المثمن، كأنه يذكره بصنيع الله بأبيه أنه أخذ روحه وأعطاه الجنة، ثم أعطاه روحه مرة ثانية.
стр. 46
ذكر وفد الله وبيان إكرامه سبحانه لهم
جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (وفد الله ثلاثة: الغازي، والحاج، والمعتمر)، والوفد: هم الضيوف الذين وفدوا مسافرين من مكان، والعادة في الوفد أنهم زوار للملك والقادمون على الملك، يقال: الوفد الفلاني آت من البلاد الفلانية يقابل الملك أو يقابل الرئيس أو نحوهم.
إذاً: فوفد الله هم زوار بيت الله سبحانه، وهم القادمون على ربهم الذين يستحقون أن يكرمهم ربهم سبحانه، وهم ثلاثة: الغازي المسافر الذي يجاهد في سبيل الله، وكذلك الحاج المسافر للحج، وكذلك المعتمر المسافر للعمرة.
стр. 47
من علامات القبول أن يكون بعد حجه خيراً مما كان قبله
ينبغي على الحاج والمعتمر أن يكون بعد رجوعه من الحج أو العمرة خيراً مما كان، أما إذا سافر بهيئة معينة ورجع بأسوأ من هذه الهيئة فكأن الحج لم يؤثر فيه شيئاً، فإذا رجع أفضل مما كان وظهر التزامه، وظهرت أعمال الخير عليه، وتغيرت أخلاقه، فهذا يدل على أن حجه كان حجاً مقبولاً، فإن من علامات القبول: أن يتغير الإنسان عما كان عليه، فإذا كان قبل ذلك عاصياً صار الآن مطيعاً لله ، وإذا كان قبل ذلك صخاباً فيه شراسة في خلقه رجع إنساناً هادئاً طيباً ذا أخلاق حسنة.
أيضاً من علامات قبول العمل من العبد: أن يزداد من عمل الخير والبر والحسنات.
هذه الآداب التي كانت في السفر ينبغي على المؤمن أن يراعيها بقدر الإمكان، حتى يكون سفره موافقاً للسنة، وعمله مقبولاً.
стр. 48
شرح كتاب الجامع لأحكام العمرة والحج والزيارة - المواقيت الزمانية والمكانية
للحج مواقيت زمانية لا ينعقد إلا فيها، أما العمرة فيجوز أن تؤدى في سائر السنة إلا في أوقات يسيرة للحاج، ولهما مواقيت مكانية يجب على مريدهما أن يحرم منها ولا يجوز له مجاوزتها إلا محرماً، وقد جاءت مبينة في أحاديث النبي ﷺ .
стр. 49
بيان المواقيت الزمانية والمكانية للحج والعمرة
стр. 50
بيان وقت العمرة وحكم تكرارها في السنة الواحدة
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
متى تكون العمرة؟ وهل لها وقت مثل الحج؟ نقول: السنة كلها وقت للعمرة، فيجوز الإحرام بها في أي وقت من السنة، ولا تكره في وقت من الأوقات، سواء في أشهر الحج أو في غيرها، إلا إذا كان الإنسان قد تلبس بمناسك الحج فلا ينبغي له أن يأتي بعمرة بعد ذلك، وخاصة إذا كان قد قارب أن يفك الإحرام، أو بدأ في التحلل من حجه، فلا يدخل في إحرام ثان بعمرة، وإنما يكمل تحلله وبعد أن ينتهي الحج فهذا أمر آخر.
وبهذا قال مالك وأحمد وداود وجمهور العلماء، ولا تكره عمرتان وثلاث وأكثر في سنة واحدة، بل يستحب الإكثار منها، فللإنسان أن يؤدي عمرة في رمضان، ثم بعد ذلك يرجع ويحج في موسم الحج ويؤدي عمرة مع حجه متمتعاً مثلاً، وقد يرجع في جمادى ويؤدي عمرة، فهو يحب أن يعتمر أكثر من مرة في سنة واحدة، فهذا خير عظيم، والله ينقي الإنسان من ذنوبه بإكثاره من الحج والعمرة.
وفي الصحيحين: (أن عائشة ﵂ أحرمت بعمرة عام حجة الوداع فحاضت، فأمرها النبي ﷺ أن تحرم بحج، ففعلت وصارت قارنة ووقفت المواقف، فلما طهرت طافت وسعت، فقال لها النبي ﷺ : قد حللت من حجك وعمرتك، فطلبت من النبي ﷺ أن يعمرها عمرة أخرى، فأذن لها، فاعتمرت من التنعيم عمرة أخرى)، هذا مختصر للحديث الطويل الذي جاء في ذلك.
فالسيدة عائشة ﵂ خرجت مع النبي ﷺ وهي تنوي أن تأتي بعمرة، ثم بعد ذلك تحج فحاضت، فلما حاضت وهي محرمة أمرها النبي ﷺ أن تدخل الحج على العمرة وتكون قارنة رضي الله تعالى عنها.
والناس كانوا قد حلوا بأمر النبي ﷺ فصاروا متمتعين، وهي كانت تود أن تأتي بعمرة ثم تحل كما حل الناس، ثم تأتي بمناسك الحج، فلم يتهيأ لها ذلك، فصارت قارنة، فلما انتهت من أعمال حجها جاء في رواية عن النبي ﷺ أنه قال لها: (فكوني في حجتك فعسى الله أن يرزقكيها) أي: العمرة مع الحج، وفعلاً كانت قارنة فأتت بالحج والعمرة معاً.
وفي رواية قال لها النبي ﷺ : (قد حللت من حجتك وعمرتك جميعاً) أي: أديت مناسك الحج والعمرة جميعاً، فقالت للنبي ﷺ : (إني أجد في نفسي أني لم أطف بالبيت حتى حججت) أي: أود أني آتي بعمرة لوحدها ليست داخلة في الحج، فقال النبي ﷺ : (فاذهب بها يا عبد الرحمن فأعمرها من التنعيم، وذلك ليلة الحصبة).
فهنا النبي ﷺ أمر عبد الرحمن أخاها أن يذهب بها إلى التنعيم، وفي رواية قالت: (وقال النبي ﷺ لـ عبد الرحمن بن أبي بكر: اخرج بأختك من الحرم فلتهل بعمرة، ثم افرغا ثم ائتيا هاهنا، فإني أنظركما حتى تأتياني، قالت: فخرجنا حتى إذا فرغت من الطواف ثم جئته بسحر، فقال: هل فرغتم؟ فقلت: نعم، فآذن بالرحيل في أصحابه، فارتحل الناس فمر متوجهاً إلى المدينة)، ففيه بيان أنها كان لها عمرتان: عمرة مع حجها وهي قارنة، وعمرة أخرى مباشرة بعدها، ولم يكن هناك كبير وقت بين هذه وهذه، فدل هذا على أنه يجوز أن يكون هناك أكثر من عمرة في السنة الواحدة، أو في الرحلة الواحدة.
قال الشافعي ﵀: وكانت عمرتها في ذي الحجة، ثم أعمرها العمرة الأخرى في ذي الحجة.
هنا يريد الإمام الشافعي ﵀ أن يقول: لقد كان لها عمرتان في شهر واحد، فيجوز أن يعتمر الإنسان في الشهر الواحد أكثر من عمرة.
وعن عائشة ﵂ (أنها اعتمرت في سنة مرتين) وفي رواية: (ثلاث عمر)، وجاء في الأثر الذي رواه الشافعي بإسناد صحيح عن سعيد بن المسيب: (أن عائشة ﵂ اعتمرت في سنة مرتين: مرة من ذي الحليفة، ومرة من الجحفة)، وذو الحليفة ميقات أهل المدينة، والجحفة ميقات أهل الشام.
ةهذا الحديث يرويه صدقة بن يسار عن القاسم بن محمد، فـ صدقة تلميذه يقول: هل عاب ذلك عليها أحد؟ فقال: سبحان الله! هل أحد سيعيب على أم المؤمنين أنها فعلت هذا؟ يعني: تأدب واعلم ما تقول؟! إنك تتكلم عن أم المؤمنين السيدة عائشة، ومن يعيب عليها وهي من الفقيهات رضي الله تعالى عنها؟ قال صدقة: فاستحييت.
يعني: ما كان ينبغي لي أني أقول هذا الشيء، والسيدة عائشة قد فعلته مع النبي ﷺ قبل ذلك.
أيضاً ابن عمر كان يعتمر في عهد ابن الزبير مرتين في كل عام.
ويستحب الاعتمار في رمضان، ويستحب الاعتمار أيضاً في أشهر الحج فيصير متمتعاً، والعمرة في رمضان أفضل منها في باقي السنة؛ لأنه قد جاء في حديث عن النبي ﷺ أنه قال: (إن عمرة في رمضان تعدل حجة، أو حجة معي)، وجاء: (أن رسول الله ﷺ اعتمر أربع عمر كلهن في ذي القعدة إلا التي مع حجته) ﵊.
فالنبي ﷺ اعتمر أربع عمر، فيذكر الراوي أنهن كلهن في شهر ذي القعدة، إلا التي كانت مع حجة النبي ﷺ .
стр. 51
بيان الأوقات التي يمتنع الإحرام بالعمرة
ذكرنا أن كل السنة يجوز أن تعتمر فيها سواء في أشهر الحج أو في غير أشهر الحج، ولكن قد يمتنع الإحرام بعمرة لسبب معين: وهو أن يكون الإنسان محرماً بالحج، فلا يجوز له الإحرام بالعمرة بعد الشروع في التحلل من الحج، إلا إذا نوى الحج وأحرم به، ثم بدا له أن يتمتع كما أمر النبي ﷺ أصحابه، ففسخ الحج وأتى بعمرة، فصار متمتعاً، ثم أتى بمناسك الحج في وقتها، فالراجح أن مثل هذا جائز، لكن إدخال العمرة على الحج لا يجوز، فجمهور الفقهاء على المنع من ذلك.
وكذا لا يصح إحرامه بالعمرة قبل الشروع في التحلل، فمثلاً: لو أن إنساناً أحرم بالحج وفي يوم التروية ذهب إلى منى، وفي يوم عرفة ذهب إلى عرفة، وبعد ذلك ذهب إلى المزدلفة، ثم رجع إلى منى، وهناك سيبدأ يتحلل من الحج، ففي هذه الحالة المشروع لك أن تتحلل، فكيف تذهب وتحرم في الوقت الذي عليك أن تتحلل فيه؟ فهذا ممنوع من العمرة، فلو أن إنساناً خطر بباله وقال: سأذهب إلى البيت قبل أن أتحلل من الحج وآتي بعمرة وأرجع وأتحلل من الاثنين مع بعض، فهنا يقول العلماء: ليس له أن يفعل ذلك، يقول الشافعي ﵀: ولا وجه لأن ينهى أحد عن أن يعتمر يوم عرفة ولا ليالي منى إلا أن يكون حاجاً.
يعني: في يوم عرفة وليالي منى يجوز للإنسان إذا كان من أهل مكة أو موجوداً في مكة ولم يحج ذلك العام أن يأتي بعمرة فيها، أما الحاج فيقول الشافعي ﵀: هو معكوف بمنى على أعمال من عمل الحج وهو الرمي والإقامة بمنى طاف للزيارة أو لم يطف، فإن اعتمر وهو في بقية إحرام حجه أو خارجاً من إحرام حجه، وهو مقيم على عمل من أعمال حجه فلا عمرة له.
يعني: هو الآن منشغل بأعمال الحج، منشغل بالمبيت في منى، ومنشغل بالرمي، فيجوز له أن يذهب ويطوف بالبيت إن شاء كل ليلة من ليالي منى، لكن لا يؤدي عمرة، هذا كلام الشافعي.
أما الأحناف فقالوا: العمرة تكره تحريماً يوم عرفة وأربعة أيام بعده، فيوجبون الدم على من فعل ذلك.
وقال المالكية: إن أحرم بالعمرة قبل الزوال من اليوم الرابع من أيام النحر لم ينعقد إحرامه، فإذا كان هو في أيام منى وأحرم بالعمرة في أول يوم أو ثاني يوم أو ثالث يوم من أيام النحر أو رابع يوم قبل الزوال فيقولون: لن ينعقد الإحرام.
ويقول المرداوي الحنبلي: لو أحرم بالحج ثم أدخل عليه العمرة لم يصح إحرامه بها.
إذاً: الأئمة الأربعة والفقهاء من المذاهب الأربعة على أنه لا يجوز له أن يحرم بالعمرة وهو متلبس بمناسك الحج، خاصة إذا بدأ في التحلل من أعمال الحج.
أجمع العلماء على جواز العمرة قبل الحج، سواء حج في سنته أم لا، وكذا الحج قبل العمرة، فلو أن إنساناً اعتمر في شهر شوال ورجع إلى بلده مرة ثانية، فليس شرطاً أن نقول له: انتظر حتى يأتي عليك الحج، ولكن يجوز أن يرجع إلى بلده، وله أن يرجع بعد ذلك حاجاً أو لا يرجع في ذلك العام.
روى البخاري عن عكرمة بن خالد أنه سأل ابن عمر ﵄ عن العمرة قبل الحج، فقال: (لا بأس، قال عكرمة: قال ابن عمر: اعتمر النبي ﷺ قبل أن يحج) ابن عمر يحتج بأن النبي ﷺ اعتمر قبل أن يحج صلوات الله وسلامه عليه.
وكان النبي ﷺ يعتمر في ذي القعدة ثم يرجع للمدينة، ليبين أنه يجوز للإنسان إذا اعتمر في ذي القعدة أن يرجع إلى بلده، ولا يجب عليه أن يمكث حتى يأتي وقت الحج.
وفي الصحيحين عن أنس: (أن رسول الله ﷺ اعتمر ثلاث عمر قبل حجته ﵊.
стр. 52
المواقيت المكانية للحج والعمرة
الذي يريد العمرة أو الحج لابد أن يحرم من الميقات، والميقات: هو الموضع وهو الوقت؛ لأن الميقات إما أن يكون ميقاتاً زمانياً، وإما أن يكون ميقاتاً مكانياً، والميقات الزماني للعمرة قدمنا الكلام عليه أنه في أي وقت من السنة يجوز لك أن تحرم بالعمرة، إلا أن يمنع مانع أو سبب من الأسباب، كأن تكون متلبساً بمناسك الحج وستبدأ بالتحلل من مناسك الحج فليس لك أن تأتي حينئذ بعمرة، لكن إنسان آخر في هذه الأيام ليس حاجاً فيجوز له أن يأتي بالعمرة.
والميقات الثاني هو الميقات المكاني، وهذا هو الذي نقصده هنا، فلابد للإنسان الذي يحج أو يعتمر أنه سيمر على الميقات، فعليه أن يحرم من الميقات الذي يمر عليه، إلا إذا كان من أهل مكة أو من المقيمين فيها، فهذا إذا أراد أن يعتمر وهو بمكة فليخرج إلى الحل ويحرم منه ثم يعتمر.
ورد في الصحيحين عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (يهل أهل المدينة من ذي الحليفة)، الإهلال: هو رفع الصوت بالتلبية عند الإحرام؛ لأنه إذا أحرم قال: لبيك عمرة أو لبيك حجاً، فيرفع صوته بذلك، وكأن الهلال مأخوذ منها؛ لأن الناس كانوا إذا رأوه رفعوا أصواتهم: رأيناه، رأيناه، فسمي بذلك لإهلال الناس برفع أصواتهم عند رؤيته.
فهنا قال: (يهل أهل المدينة من ذي الحليفة) هذا هو المكان الذي يحرم منه أهل المدينة وهو ذو الحليفة، ثم قال: (وأهل الشام من الجحفة، وأهل نجد من قرن)، قرن مكان اسمه قرن المنازل، وفي حديث آخر لـ ابن عمر قال: بلغني أن رسول الله ﷺ قال: (يهل أهل اليمن من يلملم، وأهل الشام من الجحفة).
فميقات أهل اليمن مكان اسمه: يلملم، وميقات أهل الشام مكان اسمه: الجحفة.
وعن ابن عباس ﵄ كما في الصحيحين: (أن النبي ﷺ وقت لأهل المدينة -أي: حدد لهم ميقاتاً يحرمون منه- ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم، وقال: هن لهن ولمن أتى عليهن من غيرهم ممن أراد الحج والعمرة، ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ، حتى أهل مكة من مكة).
أي: أن أهل مكة يحرمون من مكة، والذي بين الميقات وبين مكة يحرم من مكانه، أما من كان وراء الميقات فلا يتجاوز الميقات حتى يحرم منه.
أيضاً جاء في حديث رواه مسلم عن جابر، وسئل عن المهل فقال: سمعت أحسبه رفعه للنبي ﷺ : (مهل أهل العراق من ذات عرق).
فقد ذكر في هذه الأحاديث خمسة مواقيت مكانية: الميقات الأول: ذو الحليفة التي تسمى الآن بأبيار علي، وهو مكان قريب من المدينة، وهذا الميقات هو الوحيد البعيد جداً عن مكة، وذلك لأن مكة والمدينة المسافة بينهما يسيرة، فعلى ذلك الخارج من المدينة يحرم من هذا الميقات القريب من المدينة البعيد عن مكة، لكن يشق على غير أهل المدينة أن يحرموا من ميقات بجانبهم، فمثلاً: أهل مصر إذا طلب منهم أن يحرموا من مصر سيشق عليهم، خاصة إذا كان المسافر راكباً البر، وكان الحاج في الماضي يركب على جمل ونحو ذلك، والمسافة طويلة جداً، ولو بقي كل هذه المسافة محرماً لطال شعره ولطالت أظفاره؛ لأن الذي يحج من مصر في الماضي كان يسافر شهراً حتى يصل إلى مكة، ومن يحج من المغرب يسافر أكثر من شهر حتى يصل إلى مكة، فلو أحرم من بلده لصعب عليه وشق عليه ذلك؛ ولذلك الشريعة الكريمة قالت لهذا الإنسان: كن على ما أنت عليه حلالاً من بلدك حتى تأتي الميقات القريب من مكة فتحرم منه؛ تيسيراً على الناس ورفعاً للحرج عنهم.
إذاً: فميقات أهل المدينة هو أبعد المواقيت عن مكة، وبينه وبين مكة حوالي أربعمائة وخمسون كيلو متراً تقريباً، أي: عشر مراحل، والمرحلة تقريباً خمسة وأربعون كيلو، فذو الحليفة هو أقرب المواقيت إلى المدينة وأبعد المواقيت عن مكة.
أما الجحفة فهو ميقات أهل الشام وميقات أهل مصر، والجحفة قرية اسمها: مهيعة، وتسمى برابغ، وإن كانت الجحفة ليست برابغ؛ لأن قرية رابغ قبلها، وبين الحجفة وبين مكة حوالي مائة وسبعة وثمانون كيلو تقريباً، يقولون: ما بين ثلاث إلى أربع مراحل، والجحفة أجحف بها السيل فصارت مكاناً خرباً، فكانوا يحرمون قبلها من مكان عامر وهو رابغ، وبين رابغ وبين مكة حوالي مائتان وعشرون كيلو.
إذاً: كان الإحرام بعد ذلك من رابغ، فيجوز من رابغ ويجوز من الجحفة بحسب ما يتيسر للمتوجه من المكان.
أما قرن المنازل فهو ميقات أهل نجد، ويمر عليه بعض أهل اليمن، وبينه وبين مكة حوالي تسعون كيلو تقريباً، وهو من ناحية عرفات.
أما يلملم فميقات أهل اليمن، وهو ميقات آخر لهم، وهو يبعد عن مكة بحوالي تسعين كيلو متراً، وهو جبل من جبال تهامة.
أما ذات عرق فهو ميقات أهل العراق، وهو على مرحلتين -نسأل الله أن يحررها ممن فيها- وميقات أهل العراق بينه وبين مكة حوالي تسعون كيلو متراً.
وهذا الميقات الذي هو ذات عرق قالوا: إنه قد صار خراباً الآن.
إذاً: هذه هي المواقيت المكانية، وهن لهن ولمن أتى عليهن، فإذا خرجت راكباً سيارة مثلاً من مصر متوجهاً إلى المدينة، وأنت لست بمحرم، فميقاتك ميقات أهل المدينة، ولا ترجع مرة ثانية إلى رابغ أو إلى الجحفة من أجل أن تحرم من هناك، بل ميقاتك ميقات أهل المدينة.
وكذلك إنسان قدم حاجاً من الهند ونزل مصر، وبعد ذلك سيخرج من مصر حاجاً، فميقاته هو الجحفة أو رابغ.
هذا معنى قوله ﷺ : (هن لهن ولمن أتى عليهن).
стр. 53
حكم الإحرام قبل الميقات وبعده
قال ابن المنذر وغيره: أجمع العلماء على هذه المواقيت، وهذه المواقيت لأهلها ولكل من مر بها من غير أهلها، وأجمع من يعتد به من السلف والخلف من الصحابة ومن بعدهم أنه يجوز الإحرام من الميقات ومما فوقه.
فلو فرضنا أنك خارج من مصر فميقاتك الجحفة أو رابغ، وبين رابغ وبين مكة مائتان وعشرون كيلو، وأنت إذا ركبت الطائرة فغالباً لن يقول لك سائق الطائرة: أنت فوق الميقات أو غيره، فأنت احتطت من المطار ولبست الإحرام ولبيت وأنت في المطار: لبيك حجاً أو لبيك عمرة، فبإجماع أهل العلم أن ذلك جائز، ولكن خالف داود بن علي ﵀ وقال: لا يجوز الإحرام مما فوق الميقات، ولو أحرم قبله لم يصح إحرامه ويلزمه أن يرجع ويحرم من الميقات.
نقول: إذا أحرم قبل الميقات أو أحرم بعد الميقات فقد أجمع أهل العلم على صحة هذا الإحرام، وإنما لو أحرم بعدما جاوز الميقات فيلزمه دم أو يرجع إلى الميقات، لكن إحرامه صحيح وليس باطلاً.
يقول داود الظاهري: إن رسول الله ﷺ أحرم من ذي الحليفة ولم يحرم من المدينة، فهذا يدل على أن الميقات الذي لا يجوز لك أن تتجاوزه هو ميقات النبي ﷺ الذي أحرم من عنده، والذي بينه في الأحاديث الأخرى كما قدمنا، لكن لو أنه أحرم قبله فيكون قد خالف سنة النبي ﷺ ، وإحرامه صحيح وليس باطلاً، أما لو جاوزه وهو غير محرم ثم أحرم بعد ذلك، ففعله صحيح، ولكن طالما أنه مريد للحج والعمرة فإما أن يرجع إلى الميقات فيحرم منه ويلبي منه، أو يستمر في إحرامه ويلزمه دم.
إذاً: الإحرام من الميقات هو الأفضل، وهذا هو قول جمهور أهل العلم، ومن حجتهم أن النبي ﷺ أحرم من ذي الحليفة، وصلى النبي ﷺ بالمدينة الظهر أربعاً والعصر في ذي الحليفة ركعتين صلوات الله وسلامه عليه، فلو كان الإحرام من المدينة أفضل -وخاصة أن مسجد المدينة الصلاة فيه بألف صلاة- لأحرم النبي ﷺ من المسجد ولصلى العصر هناك ثم خرج منه محرماً ﷺ ، ولكن كونه يحرم من ذي الحليفة فهذا دليل على أن الأفضل أن يحرم من الميقات.
أما الذي يريد أن يعتمر وهو من أهل الآفاق الذي نسميه: الآفاقي، أي: الذي أتى من المكان البعيد في الأفق، فهذا يحرم من المواقيت التي حددها النبي ﷺ .
стр. 54
مكان إحرام المكي للحج والعمرة
إذا كان الإنسان من أهل مكة وأراد الحج فيحرم من مكانه، وإذا أراد العمرة فلا بد أن يخرج إلى الحل؛ لأنه لابد في العمرة وفي الحج أن تجمع بين الحل والحرم، أي: بين المكان الذي هو الحل والمكان الذي هو الحرم، ففي الحج ستخرج إلى عرفات، وعرفات من الحل، ولذلك في الحج أحرم من مكانك الذي أنت فيه في مكة؛ لأنك ستخرج إلى الحل، لكن العمرة ستكون داخل الحرم، فكان لزاماً أن تخرج للإحرام من الحل: من التنعيم، أو من الجعرانة، من أقرب وأدنى الحل إلى مكة.
إذاً: إذا كان المسلم مستوطناً مكة أو عابر سبيل وأراد العمرة فميقاته أدنى الحل، والمستحب أن يكون هذا الميقات هو الجعرانة؛ لأن النبي ﷺ اعتمر منها، أو من التنعيم؛ لأنه أمر عائشة أن تعتمر منها، أو من أدنى الحل إلى مكة، كل هذا جائز، ولكن الأفضل الجعرانة ثم التنعيم.
روى البخاري عن أنس ﵁ قال: (اعتمر رسول الله ﷺ أربع عمر كلهن في ذي القعدة إلا التي كانت مع حجته)، وذكر لـ عمر هذا فقال: (عمرة من الحديبية في ذي القعدة، وعمرة من العام المقبل في ذي القعدة، وعمرة من الجعرانة حيث قسم غنائم حنين في ذي القعدة، وعمرة مع حجته في ذي الحجة)، لكن إحرامه ﷺ كان في ذي القعدة، وقدم لصبح رابعة من ذي الحجة، لكن إحرامه كان في ذي الحليفة لخمس بقين من ذي القعدة.
وأيضاً في الصحيحين عن عائشة ﵂: (أن النبي ﷺ أعمرها من التنعيم).
стр. 55
حكم تجاوز الآفاقي للميقات دون إحرام
إذا انتهى الآفاقي إلى الميقات وهو يريد الحج أو العمرة أو القران حرم عليه مجاوزته غير محرم بالإجماع، فإذا جاوزه فهو مسيء، سواء كان من أهل تلك الناحية أو من غيرها، ومتى جاوز موضعاً يجب الإحرام منه غير محرم أثم، هذا المتعمد، أما الناسي فلا يأثم، لكن يرجع إلى الميقات ويحرم منه.
فإن تجاوز الميقات وهو غير محرم متعمداً لكن بعذر، فهذا عليه دم ويسقط عنه الإثم؛ للعذر، والعذر إما أن يكون خائفاً من قطاع الطريق ومن اللصوص، أو يخاف الانقطاع عن الرفقة فاضطر أن يسرع من أجل أن يلحق الرفقة وألا يضيع ويهلك في الطريق، أو ضاق الوقت، أو كان به مرض شديد فاحتاج أن يتدثر بثياب كثيرة، فيحرم من الموضع الذي هو فيه وعليه دم إذا لم يعد إلى الميقات.
أما إذا لم يعد وهو قادر على الرجوع فإنه يأثم، وإذا كان غير قادر على الرجوع فلا يأثم، لكن عليه دم، فإن عاد بعد الإحرام فأحرم منه فلا دم عليه، سواء كان قد دخل مكة أم لا.
стр. 56
حكم من جاوز الميقات فرجع إليه بعد أن أحرم
إذا جاوز الميقات وعاد قبل أن يحرم ورجع فاتفاقاً لا شيء فيه، لكن موضع الخلاف فيمن عاد إلى الميقات بعد أن جاوزه وأحرم، فهذا نقول له: لقد جاوزت الميقات وأنت تنوي الحج أو العمرة فلا بد أن يرجع إلى الميقات، إلا إذا كان له عذر من الأعذار، فلو رجع إلى الميقات ولبى من الميقات وعمل أعمال حجه وعمرته فهل عليه شيء؟ هنا خلاف الذي بين أهل العلم: فذهب الإمام الثوري وأبو يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني والشافعي وأبو ثور إلى أنه لا شيء عليه، وذهب الإمام مالك وابن المبارك وزفر والإمام أحمد إلى أنه عليه دماً.
فعند الإمام أحمد والإمام مالك أنه سواء رجع للميقات أم لم يرجع عليه دم في الحالتين، أما عند الشافعي وعند محمد بن الحسن فإنه إذا رجع إلى الميقات وعند أبي حنيفة بشرط التلبية عند الميقات فلا شيء عليه، وإذا لم يرجع إلى الميقات فعليه دم.
والراجح في هذه المسألة: أنه لو رجع إلى الميقات وأحرم فلا شيء عليه، لكن لو لم يرجع إلى الميقات وذهب إلى مكة فيلزمه دم؛ لتجاوزه مكان الإحرام وهو غير محرم، ولا فرق في لزوم الدم في كل هذا بين المجاوز للميقات عامداً عالماً أو جاهلاً أو ناسياً، ولكن يفترقون في الإثم، فالناسي نقول له: أمامك خيار من اثنين: إما أن ترجع إلى الميقات وتحرم من هناك، وإما أن تكمل سيرك ويلزمك الدم.
والله أعلم.
وللحديث بقية إن شاء الله.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 57
شرح كتاب الجامع لأحكام العمرة والحج والزيارة - معنى الحج وحكمه
الحج ركن من أركان الإسلام، وهو من العبادات التي فصلها الله في كتابه وفي سنة نبيه ﷺ ، فهو واجب بالكتاب والسنة، وكذا أجمعت الأمة على وجوب الحج على المستطيع مرة واحدة، وشروط وجوب الحج خمسة: الإسلام، والعقل، والبلوغ، والحرية، والاستطاعة.
стр. 58
تعريف الحج والعمرة لغة واصطلاحاً
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
تعريف الحج: الحج: بفتح الحاء وكسرها: الحَج والحِج، لغتان قرئ بهما في قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران:٩٧] فقراءة حفص عن عاصم وحمزة والكسائي وخلف، أبي جعفر: ((وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا)) وباقي القراء يقرءونها: ((وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حَجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا)).
ويقال: شهر ذي الحِجة، وشهر: ذي الحَجة أيضاً.
والحج معناه: القصد وكثرة الاختلاف إلى المكان، أي: قصد المكان والذهاب والتوجه إليه ذاهباً جائياً، فهذا يسمى حجاً، ومعنى كثرة الاختلاف: الذهاب والمجيء، ثم اختص باستعماله في القصد إلى مكة للنسك.
والعمرة: كذلك أصلها: الزيارة، وأصلها: القصد أيضاً، وكأنها من إعمار المكان بكثرة الذهاب إليه.
واختص الاعتمار بقصد الكعبة؛ لأن الذاهب يذهب إلى مكان عامر وليس مكاناً خرباً، فالكعبة مكان عامر يعمره الحجيج ويعمره المعتمرون، فسمي الاعتمار؛ لأنك تقصد مكاناً معموراً.
فالحج: أن تقصد إلى بيت الله الحرام لعمل مناسك الحج.
قال الإمام الطبري في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة:١٥٨] قال: فمن أتاه عائداً بعد بدء حج البيت، أي: أكثر القصد والاختلاف إلى المكان، فهو ذاهب جاءٍ إلى هذا المكان.
قال الطبري: وكذلك كل من أكثر الاختلاف إلى شيء فهو حاج إليه.
وإنما قيل للحاج حاجاً؛ لأنه يأتي البيت قبل التعريف، أي: يأتي البيت قبل يوم عرفة، فذهب إليه فيطوف ويعمل عمرةً مثلاً ثم يعود إليه لطواف يوم النحر، وفي يوم النحر يرجع إلى البيت لطواف الإفاضة بعد التعريف، ثم ينصرف عنه إلى منى، ثم يعود إليه في طواف الصدر في طواف الوداع، فلتكراره والعودة إليه مرة بعد أخرى قيل له: حاج حج البيت بمعنى: قصد البيت وذهب إليه فطاف به، وخرج من هناك متوجهاً إلى منى ثم إلى عرفة، ثمَّ رجع ثانياً إلى البيت يطوف طواف الإفاضة، أي: طواف الركن، ثم خرج منه ورجع إلى منى، ثمَّ رجع مرةً ثانية إلى البيت ليطوف طواف الوداع، فكثرة الاختلاف بالذهاب والمجيء يسمى حجاً، أي: قصد المكان وأكثر الاختلاف إليه.
يقول: وأما المعتمر فإنما قيل له معتمراً لأنه إذا طاف به انصرف عنه بعد زيارته إياه، كأنه زار ثم انصرف، هذا من معاني اعتمر، ومن معانيها ما ذكرنا: أنه قصد إلى موضع عامر أو إلى مكان عامر.
стр. 59
الأدلة على فضل الحج من الكتاب والسنة
جاءت أحاديث عن النبي ﷺ كثيرة في فضائل الحج، وفي القرآن قال الله ﵎: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران:٩٧].
وفي الصحيحين: عن أبي هريرة ﵁: (أن رسول الله ﷺ سئل: أي العمل أفضل؟ فقال: إيمان بالله ورسوله.
قيل: ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قيل: ثم ماذا؟ قال: حج مبرور)، فأفضل العمل الإيمان، ويلي ذلك الجهاد في سبيل الله ، ويليه الحج المبرور.
وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه)، فالذي يحج ولم يفسق ولم يرفث -والرفث معناه: الجماع أو مقدمات الجماع والكلام عن النساء والشهوات ونحو ذلك، والفسق: هو معصية الله فالذي يحج ولم يقع منه رفث ولا فسوق رجع كيوم ولدته أمه.
ورواه الترمذي بلفظ: (من حج فلم يرفث ولم يفسق غفر له ما تقدم من ذنبه).
وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة)، والحج المبرور هو الذي جمع خصال البر، وهو الذي لم يعص الله فيه.
إذاً: حج حجاً مبروراً أي: بر في حجه ولم يعص الله سبحانه، وأيضاً: حج وأكمل حجه وأحكامه فوقع موافقاً لما طلب من المكلف على الوجه الأكمل.
وروى البخاري عن عائشة أم المؤمنين ﵂ أنها قالت: (يا رسول الله! نرى الجهاد أفضل العمل أفلا نجاهد؟ فقال النبي ﷺ : لا، لكن أفضل الجهاد حج مبرور)، ورواه النسائي بلفظ: (قلت: يا رسول الله! ألا نخرج فنجاهد معك؛ فإني لا أرى عملاً في القرآن أفضل من الجهاد؟ قال ﷺ : لا، ولكن أحسن الجهاد وأفضله حج البيت حج مبرور) قوله: (لكن) بصيغة الخطاب للنساء، أي: لكن أيها النساء، أو لكن بلفظ الاستدراك، أي: يستدرك ذلك، ورواية البخاري فيها روايتان: (لكِنَّ) و (ولَكُنَّ)، وبعض أهل العلم رجحوا واحدة والبعض رجح الثانية.
والحديث رواه ابن ماجة وأحمد بلفظ: (قلت: يا رسول الله، على النساء جهاد؟ قال: نعم، عليهن جهاد) ولاحظ لفظ (عليهن) فإنه يفيد الوجوب، قال: (عليهن جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة) فإذا كان على النساء العمرة إذاً، فالرجل من باب أولى أن يكون عليه عمرة.
وروى مسلم عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: (ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء؟)، فالله يباهي بعباده الملائكة، والملائكة قد قالوا قبل ذلك: ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة:٣٠]، فيعجب الملائكة من أنهم أساءوا الظن فيهم، فيريهم الله ويباهي الملائكة بهؤلاء الذين زعمتم أنهم يفسدون فقد جاءوا شعثاً غبراً يطلبون مغفرة الله ورضوانه سبحانه.
وروى الترمذي والنسائي عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : (تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة)، والمعنى: يزيلان الفقر والذنوب عن الحاج وعن المعتمر، فالله وعده بأن يغنيه فيعطيه إما غنىً في قلبه فلا يحتاج إلى أحد، ويرى نفسه غنياً حتى ولو لم يكن معه مال، أو أنه يعطيه مالاً ليأخذه ويغنيه بذلك، وهذا مشاهد معروف.
فقوله: (ينفيان) أي: يزيلان الفقر الظاهر بحصول غنى في اليد، وكذلك الفقر الباطن بحصول غنى في القلب.
(كما ينفي الكير خبث الحديد)، وهي آلة الحداد التي ينفخ فيها النار ليعدل الحديد ويصنع منه أشياء، ويزيل الخبث من الحديد ومن الفضة ومن الذهب، أي: الوسخ الذي فيها، قال: (وليس للحج المبرور ثواب إلا الجنة)، فالحج المبرور ليس له إلا هذا الثواب.
والمعنى: هذه الحجة ثوابها الجنة عند الله ، فلها أعظم وأفضل الجزاء الذي تتوق إليه نفس كل إنسان مؤمن.
стр. 60
حكم الحج
الحج فريضة وركن من أركان الإسلام، قال الله : ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران:٩٧]، فالحج ركن من أركان الإسلام وفرض عين على كل مسلم مستطيع.
فالمسلم الذي يستطيع أن يحج صار فرض عين عليه أن يحج بهذه الآية، وبالأحاديث التي جاءت عن النبي ﷺ ، ومنها: حديث ابن عمر ﵄ وهو في الصحيحين: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان).
أيضاً: إجماع الأمة على وجوب الحج -كما سيأتي- وأنه واجب في العمر مرة.
فلا يجب في العمر أكثر من حجة وعمرة في الشرع، ولكن قد يجب على الإنسان بالنذر، وإذا أفسد حجة الفريضة فعليه حجة أخرى مكانها، وإذا أفسد حجة التطوع فعليه حجة أخرى مكانها.
إذاً: في الشرع لا يجب الحج والعمرة إلا مرةً واحدة، ولكن قد يجب بشيء آخر غير ما فرض الله عليه حجة العمر، وعمرة العمر، ويكون ذلك بإفساد حج الفريضة أو حج التطوع، أو إذا نذر على نفسه أن يحج أو يعتمر.
والدليل: ما رواه مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: (أيها الناس! قد فرض الله عليكم الحج فحجوا، فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت ﷺ حتى قالها الرجل ثلاثاً، فقال رسول الله ﷺ : لو قلت: نعم لوجبت ولما استطعتم، ثم قال: ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه).
فالحديث دل على أشياء منها: أنه لا يجب على الإنسان المؤمن في العمر إلا حجة واحدة.
ومنها: أن النبي ﷺ إذا أمر بأمر فالأصل أن ينفذ المؤمن هذا الأمر مرةً واحدة، وأن الأمر لا يفيد التكرار حتى تأتي صيغة تفيد أنه يلزمه أن يكرر ذلك.
ومنها: أن الأمر على الوجوب، فإذا أمر بشيء فلا بد أن يفعل، ولكن هذا الوجوب مقيد بالاستطاعة، فإذا كان مستطيعاً فعله، وإلا فعل ما استطاع إليه سبيلاً.
ومنها: أن النهي للتحريم، وأنه لا يجوز لإنسان أن يرتكب ما نهى عنه النبي صلوات الله وسلامه عليه إلا أن تكون ضرورة.
ولهذا قال: (إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم) فقيد الأمر بالاستطاعة؛ لأن الأمر فيه مشقة، أما الترك فقال: (وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه)، فالنهي أخف من الأمر ولذلك لم يقيد النهي بالاستطاعة.
روى البخاري ومسلم عن جابر بن عبد الله ﵄ في صفة حجة النبي ﷺ وفيه: (حتى إذا كان آخر طوافه على المروة قال: لو أني لم أسق الهدي لجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل وليجعلها عمرة، فقام سراقة بن مالك بن جعشم فقال: يا رسول الله! ألعامنا هذا أم للأبد؟) سراقة بن مالك بن جعشم يسأل النبي ﷺ : هل هذه الحجة الذي نحجها معك هذا العام فرض علينا في هذا العام، أم أنها فريضة فعلناها فانتفى عنا الوجوب بعد ذلك، وكانت للأبد؟ (فشبك رسول الله ﷺ أصابعه واحدة في الأخرى وقال: دخلت العمرة في الحج مرتين)، يعني: كرر هذا: مرتين دخلت العمرة في الحج، دخلت العمرة في الحج، قال: (لا، بل لأبد الأبد).
إذاً: هذا ليس لكم فقط، بل لكم ولمن بعدكم أنه من حج قارناً فيكفيه ذلك، ومن حج متمتعاً فأتى بعمرة ثم حل منها ثم حج بعد ذلك فقد أتى بالفرض الذي عليه، وليس عليه أن يسافر مرةً أخرى لعمرة أو لحجةٍ ثانية.
وروى أبو داود وغيره عن ابن عباس ﵄ أن الأقرع بن حابس سأل النبي ﷺ وقال: (يا رسول الله! الحج في كل سنة أو مرةً واحدة؟ فقال ﷺ : بل مرة واحدة، فمن زاد فهو تطوع).
وروى مسلم عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (هذه عمرة استمتعنا بها، فمن لم يكن عنده الهدي فليحل الحل كله فإن العمرة قد دخلت في الحج إلى يوم القيامة)، قوله: (العمرة دخلت في الحج إلى يوم القيامة) كأنه من اعتمر في أشهر الحج فقد أدى العمرة التي عليه وليس عليه أن يعيد عمرة أخرى مكان هذه العمرة.
وكان أهل الجاهلية يرون أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور، ولذلك فعل النبي ﷺ العمرة في أشهر الحج ثلاث مرات: عمرة الحديبية في شهر ذي القعدة، وعمرة القضاء في شهر ذي القعدة، وفي عمرته من الجعرانة كذلك، ثم عمرته في شهر ذي الحجة التي كانت مع حجته ﵊، فكان عُمرُ النبي ﷺ كلها في أشهر الحج؛ حتى يزيل ما في قلوب الناس مما كانوا يرونه أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور.
إذاً: معنى حديث النبي ﷺ : دخلت أفعال العمرة في أفعال الحج إذا جمع بينهما، هذا معنى.
والمعنى الآخر: أنه يجوز أن يعتمر في أشهر الحج ولا بأس بالعمرة في أشهر الحج.
يقول ابن عباس ﵄: (والله ما أعمر رسول الله ﷺ عائشة في ذي الحجة إلا ليقطع أمر أهل الشرك، فإن هذا الحي من قريش ومن دان دينهم كانوا يقولون: إذا عفا الوبر وبرأ الدبر ودخل صفر فقد حلت العمرة لمن اعتمر، وكان أهل الجاهلية يحرمون العمرة حتى ينسلخ ذو الحجة والمحرم)، أي: حتى يخرج شهر ذي الحجة، ويخرج شهر المحرم، وبعد ذلك من أراد أن يعتمر فله أن يعتمر، فكانوا يرون أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور، وأشهر الحج معروفة وهي: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة، فكانوا يمنعون أن يعتمر أحد في هذه الأشهر، ويرونه من أفجر الفجور، وعلى من يريد العمرة أن ينتظر حتى يرجع الحجيج من الحج وينتهي شهر المحرم ثمَّ يعتمر بعد ذلك، فيقولون: (إذا عفا الوبر، وبرأ الدبر، ودخل صفر) يقصدون أنه إذا انتهى شهر المحرم وانتهى الحج ورجع الحجيج وجاء شهر صفر فقد حلت العمرة لمن اعتمر، أو يقصدون أنهم كانوا يسمون شهر المحرم بصفر حتى يحلوا الأشهر الحرم.
فالغرض: أنه إذا انتهى ذو الحجة عندهم يقولون: اعتمر في شهر صفر، أو اعتمر في أي شهر غير أشهر الحج، فالنبي ﷺ تعمد أن يعتمر في أشهر الحج، وأن يعمر عائشة في أشهر الحج أيضاً بعد ما انتهت من حجتها ليري الناس أن هذا جائز.
إذاً: فقد أجمعت الأمة -كما ذكرنا- على وجوب الحج على المستطيع في العمر مرة.
стр. 61
حج النبي ﷺ وعمرته
ثبت أن النبي ﷺ حج قبل هجرته، وقبل أن يفرض عليه الحج مرتين قبل أن يهاجر إلى المدينة، وهاتان الحجتان لم تكونا فرضاً على النبي ﷺ ، وإنما حج وهو في مكة ﵊، وكان يأتي الموسم ويدعو الناس إلى دين الله ﵎.
ثم فرض عليه الحج بعد ذلك في العام التاسع؛ لقوله سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران:٩٧]، فحج مرةً واحدة صلوات الله وسلامه عليه بعدما فرض الحج.
روى الترمذي وابن ماجة عن جابر بن عبد الله ﵄: (أن النبي ﷺ حج ثلاث حجج: حجتين قبل أن يهاجر، وحجةً بعد ما هاجر، ومعها عمرة).
إذاً: بعد أن هاجر حج حجةً واحدة ﵊ ومعها عمرة، وقد اعتمر قبل ذلك ﷺ ثلاث مرات: مرتين دخل واعتمر، ومرة لم يدخل، أي: في الحديبية حين حصر.
وقد ساق ثلاثاً وستين بدنة وجاء علي من اليمن ببقيتها، فمجموع هدي النبي ﷺ في حجة الوداع كان مائة بدنة -أي: مائة ناقة- ساق معه من المدينة ثلاثاً وستين، وأتى علي بن أبي طالب من اليمن للنبي ﷺ بسبع وثلاثين.
ومن ضمن هذه البدن التي أهداها النبي ﷺ جمل لـ أبي جهل في أنفه برة من فضة، أي: حلقة من فضة، فنحرها رسول الله ﷺ وأمر من كل بدنة ببضعة فطبخت وشرب من مرقها، أي: أن المائة الناقة نحرها النبي ﷺ فنحر بيده الكريمة ثلاثاً وستين ناقة، وأكمل علي الباقي، وأمره أن يأخذ من كل ناقة ومن كل بدنة ببضعة أي: قطعة من اللحم، ويجعلها في وعاء أو في قدر، وطبخت وأكل النبي ﷺ من ذلك وشرب من مرقها.
стр. 62
ما يفعل من حج ثم ارتد ؟
الإنسان الذي حج إلى بيت الله سبحانه، وكذلك الذي صام شهر رمضان، وكذلك الذي صلى صلاة فريضة ثم بعد ذلك وقع منه -والعياذ بالله- أنه ارتد وكفر، فهل هذا العمل قد حبط ويلزمه أن يعيد ما صامه من رمضان مرةً ثانية، أو أن يعيد الحجة التي أداها قبل ذلك، أو أن يعيد الصلوات التي صلاها قبل ذلك؟ الراجح من كلام أهل العلم: أنه إذا ارتد ثم تاب إلى الله بعد ذلك وأسلم فلا يجب عليه أن يعيد ما حجه في إسلامه قبل ذلك، فتجزئه حجته السابقة، وهذا اختيار الشافعي، وبه قال ابن حزم، وهو رواية عن الإمام أحمد ﵀، بل هو الصحيح في مذهب الإمام أحمد.
والمسألة مختلف فيها: فعند المالكية والأحناف وهو قول في مذهب أحمد: أن الذي حج ثم ارتد يجب عليه إعادة الحج مرةً ثانية.
وعند الشافعي وابن حزم وهو قول في مذهب أحمد وهو الراجح والصحيح: أنه لا يلزمه إعادة الحج.
وهذا الخلاف مبني على آيتين في كتاب الله : فقد قال الله لنبيه ﷺ : ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥] وقال الله : ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [البقرة:٢١٧] فذكر الله سبحانه لنبيه ﷺ -وحاشا له أن يقع في ذلك- وللمؤمنين المسلمين بالتبع أنه من وقع في الردة حبط عمله، وذكر في الآية الأخرى القيد: ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾، فدل على أنه يعمل بهذا القيد فيها، فالذي يحبط عمله ويكون من الخاسرين هو الذي ارتد عن دين الله سبحانه، فحبط عمله بردته مع وفاته على الردة.
إذاً: الآية فيها قيد أنه إذا كفر الإنسان والعياذ بالله ومات على ذلك الكفر فهذا هو الذي حبط عمله.
لكن الذي قد وقع في ذلك ثم تاب وحسن إسلامه فلا يقال: إنه من الخاسرين، فالذي من الخاسرين هو الذي مات على الكفر، كما ذكر في هذه الآية.
إذاً: الآية: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢١٧] يقصد بها: الذي يرتد عن الدين ويموت وهو كافر.
وقوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة:٥] الراجح: أن هذا مطلق ويقيد بالآية التي فيها ذكر الوفاة.
وجاء في حديث عروة بن الزبير أن حكيم بن حزام أخبره أنه قال لرسول الله ﷺ : (أي رسول الله! أرأيت أموراً كنت أتحنث بها في الجاهلية من صدقة، أو عتاقة، أو صلة رحم أفيها أجر؟ فقال رسول الله ﷺ : أسلمت على ما أسلفت من خير).
فهذا حكيم بن حزام ﵁ يذكر أنه كان في الجاهلية مع شركه ومع كفره يعمل أعمالاً من الخير منها: أنه تصدق، وأعتق رقاباً، وأنه وصل رحمه فهل له أجر بعدما أسلم على هذا الذي عمله؟ فقال له النبي ﷺ : (أسلمت على ما أسلفت من خير).
إذاً: هذا العمل السالف الذي كان من الخير لك أجره عند الله .
فإذا كان هذا كافراً أصلياً ونفعه ذلك بعد ما أسلم؛ فإن ذلك ينفع من كان مسلماً ثم وقع بعد ذلك في الردة والعياذ بالله ثم تاب ورجع إلى الإسلام.
وهذا الذي ننقله فيمن حج حجةً صحيحة وهو مسلم، أما من حج ثم ارتد في حجه فحجه باطل بذلك، وقد ذكرنا أن الذي يبطل الحج ويلغيه هي الردة، فإذا تاب بعد ذلك وعاد إلى الإسلام لزمته الحجة التي ارتد فيها وأبطلها بردته.
إذاً: هناك فرق، فإذا ارتد وكفر ورجع عن الإسلام في أثنا حجه، ثم بعد ذلك تاب بعد ما انتهت هذه الأعمال وانتهت المناسك فلا ينفعه الحج، ولا يقال له: امض في هذه الحجة، بخلاف من أفسدها، فالذي أفسدها بالجماع وهو مسلم فإنَّه يصح منه أن يأتي بالعمل الذي فيه طاعة لله ؛ لأنه عنده أصل الإيمان.
إذاً: فرق بين من أفسد الحجة بجماع، فهذا نقول له: أكمل حجتك؛ لأن هذا مسلم يكمل الحجة التي أفسدها، وبين من ارتد في أثناء حجته فأبطلها وانتهى حجه بذلك، فعلى هذا يحج إذا أسلم بعد ذلك، لكن من حج حجةً صحيحة وبعد ما حج وانتهى حجه رجع إلى بلده ووقع في شيء يجعله مرتداً والعياذ بالله، ثم تاب ورجع إلى الإسلام، فالراجح: أنه لا يلزمه أن يحج مرةً ثانية، فقد وقعت حجته صحيحة على ما ذكر.
стр. 63
شرح كتاب الجامع لأحكام العمرة والحج والزيارة - شروط وجوب الحج [١]
شروط وجوب الحج خمسة: الإسلام، والبلوغ، والعقل، والحرية، والاستطاعة، فلا يجب الحج على أحد إلا إذا توافرت فيه هذه الشروط، ولو حج الصبي والعبد والمجنون فحجهم صحيح ولكن لا يجزئهم عن حجة الإسلام، فإذا بلغ الصبي وأعتق العبد وأفاق المجنون فعليهم أن يحجوا حجة الإسلام، وهناك مسائل وأحكام كثيرة تتعلق بحجة الصبي والعبد والمجنون ونحوهم.
стр. 64
شروط وجوب الحج
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
شروط وجوب الحج خمسة شروط متفق عليها بين العلماء: الشرط الأول: الإسلام، فحتى يجب الحج على إنسان لا بد أن يكون مسلماً، فلا يجب الحج على كافر.
الشرط الثاني: العقل.
الشرط الثالث: البلوغ.
الشرط الرابع: الحرية.
الشرط الخامس: الاستطاعة.
فهذه خمسة شروط إذا توفرت في إنسان قلنا له: وجب عليك الحج: الإسلام، والعقل، والبلوغ، والحرية، والاستطاعة.
стр. 65
خلاف العلماء في اشتراط أمان الطريق وإمكان السير
واختلف العلماء في شرطين وهما: أمان الطريق، وإمكان المسير، فلو افترضنا أن الإنسان الذي يجب عليه الحج توافرت فيه الشروط، أي: هو مسلم، بالغ، حر، مستطيع، عاقل، وقلنا له: يجب عليك الحج، ولكن الطريق غير مأمونة حتى يصل إلى الحج، فهناك عدو في الطريق يمنعه من الوصول إلى هذا المكان، أو أنه يقدر، ولكن ليس هناك وسيلة يصل بها إلى الحج، فلم تتوافر مواصلات توصله، وسيفوته الحج في هذا العام.
إذاً: الشرطان هما: الأمان في الطريق، وإمكان المسير، فقد يكون هذا الإنسان في يوم ثمانية ذي الحجة معه مال كثير، لكن ليس هناك طائرة تنقله إلى هناك، ولا يقدر أن يصل إلى هناك.
إذاً: المال موجود، والمال ليس وحده هو الذي يوصله، إذْ لا بد من الوسيلة حتى يصل.
فأمان الطريق وإمكان المسير هل يقال: إنهما من شروط الاستطاعة، أو من شروط لزوم أداء الحج؟ اختلف فيهما العلماء: هل هما من شروط وجوب الحج، أي: أنه إذا وجدت هذه الشروط وجب عليه الحج، وإن لم تكن موجودة فلا يجب عليه، أم أنها من شروط لزوم السعي، ولزوم السعي يعني: أنه ليس قادراً على أن يحج هذه السنة، وإنما في السنة اللاحقة؟ فجمهور العلماء على أن هذه الشروط السبعة كلها شروط وجوب للحج، فحتى يجب عليه الحج لا بد من وجود هذه الشروط السبعة.
وفي قول للإمام أحمد ﵀ وهو الراجح في المذهب: أن الشرطين من شروط لزوم السعي، أي: أمان الطريق، وإمكان المسير شرطان من شروط لزوم السعي.
إذاً: الخلاف هنا: هل هما من شروط الوجوب أم هما شرطان من شروط لزوم السعي؟ فإذا قلنا: إنهما من شروط وجوب الحج لم يجب عليه الحج؛ لأنه غير مستطيع، وإذا قلنا: إنّهما شرطان للزوم السعي فلا يلزمه أن يسعى هذه السنة، ويسعى في السنة القادمة، وهذا القول أحوط، وإن كان الراجح من حيث الدليل: أن هذا ليس مستطيعاً؛ لأن معه المال، ولكن ليس عنده وسيلة توصله؛ ولذلك سيفوت عليه موسم الحج فهو ليس قادراً، وهذا الراجح من حيث الدليل، وهو قول الجمهور أنه غير مستطيع.
فعلى ذلك الراجح: أن هذه الشروط السبعة شروط وجوب؛ لأن الله إنما فرض الحج على من استطاع إليه سبيلاً، وهذا لم يستطع السبيل إليه.
لكن إذا توفي وكان معه من المال ما يمكن أهله أن يحجوا عنه فيلزمهم أن يقضوا دين الله ، وأن يحجوا عن هذا الذي وجب عليه الحج ولم يفعل لسبب من الأسباب، أو لعذر من الأعذار.
стр. 66
أقسام شروط الحج
стр. 67
القسم الأول: شرطان للوجوب والصحة
شروط الحج الخمسة وهي: الإسلام، والعقل، والبلوغ، والحرية، والاستطاعة، تنقسم إلى ثلاثة أقسام: فمنها: ما هو شرط للوجوب وللصحة، وقولنا: (شرط وجوب) أي: إذا وجد وجب عليك أن تحج، وإذا لم يوجد هذا الشرط فلا يجب عليك الحج.
وقولنا: (شروط صحة) أي: حتى يصح منك هذا الحج لا بد من وجود هذا الشرط.
فالإسلام والعقل شرطان للوجوب، وشرطان للصحة.
فعلى ذلك فإن غير المسلم لا يجب عليه الحج؛ لأنه لا يخاطب به، وإن كان يوم القيامة يحاسب على تركه، ولكن في الدنيا لا يطلب منه ذلك؛ لأنه لم يأت بأصل الإيمان بشهادة أن لا إله إلا الله حتى نقول له: يلزمك أن تحج.
ولو فرضنا أن هذا الكافر تشبه بالمسلمين وحج الشيء، فإنه لا يصح منه هذا العمل؛ لأنه لم يأت بالتوحيد.
إذاً: الإسلام شرط وجوب وصحة.
وكذلك العقل شرط وجوب وصحة، فالمجنون لا يصح منه أن يحج بنفسه، والصبي الصغير لا يصح منه أن يحج بنفسه، ويصح أن يحج بالاثنين الولي الذي له النية ويصنع بهما أفعال الحج، ويأخذهما إلى عرفة وإلى مزدلفة ويكمل بهما باقي أعمال الحج، فلابد من وجود الولي، أما هما في أنفسهما فلا يصح منهما لعدم وجود العقل.
إذاً: الإسلام والعقل شرطا وجوب وصحة، فلا تجب العبادة على كافر ولا مجنون، فإن فعلاها فلا تصح منهما؛ لأنهما ليسا من أهل العبادة.
وهنا ذكرنا أن المجنون لا يصح منه الحج بقيد عدم الولي، لكن مع وجود الولي فحكمه حكم الصبي الصغير، فقد جاء أن امرأة رفعت للنبي ﷺ صبياً لها وقالت: (ألهذا حج؟ قال: نعم.
ولك أجر).
стр. 68
القسم الثاني: شرطان للوجوب والإجزاء
منها شرطان للوجوب والإجزاء، وهناك فرق بين أن نقول: يصح منه، وأن نقول: يجزئ عنه، فقد يصح منه على نافلة وعلى فريضة فيصح منه هذا الحج، فإذا كانت نافلة بالنسبة للصغير أو للعبد وأعتق العبد بعد ذلك وبلغ الصبي وصارا مستطيعين، وجب عليهما حجة الإسلام، فهذا الحج صح منهما، ولكن ليس مجزئاً عن حجة الإسلام، ولذلك فالشرطان اللذان هما للوجوب وللإجزاء هما: البلوغ، والحرية، فالبالغ يجب عليه الحج، وغير البالغ لا يجب عليه، فإذا حج البالغ قبل منه ذلك وصار مجزئاً عنه، ومعنى الإجزاء: سقوط الفريضة عنه ولا يلزمه الإعادة ولا القضاء لهذه الفريضة.
والعبد الذي يحج حجه صحيح فيصح منه، ولكن لا تجزئ عنه حجة الإسلام إلا إذا مات وهو عبد، لكن إذا أعتق فلا تجزئ عنه، فيلزمه إذا صار مستطيعاً أن يحج حجةً أخرى كما ثبت عن النبي ﷺ ذلك.
إذاً: شرطا الوجوب والإجزاء: البلوغ، والحرية، فلو حج الصبي والعبد صح حجهما، ولم يجزئهما عن حجة الإسلام.
إذاً: هنا يصح الحج ويقبله الله ، وقد عرفنا قبل ذلك الفرق بين الصحة والقبول، فنحن نحكم بالصحة ولا نحكم بالقبول؛ لأن القبول أمره إلى الله ، ولكن الصحة معناها: أنه لا يجب عليك أن تعيد، وقد سقط عنك الفعل الذي فرض عليك.
إذاً: نقول: لو حج الصبي والعبد صح حجهما، فإذا بلغ وصار مستطيعاً فعليه حجة الإسلام التي كلف الله العباد بها، وكذلك العبد إذا أعتق على ما فصلنا.
стр. 69
القسم الثالث: شروط للوجوب
ومنها: ما هو شرط للوجوب فقط: وهو الشرط الخامس، وهو: الاستطاعة، ويدخل تحت الاستطاعة إمكان المسير وأمان الطريق، فلو تجشم غير المستطيع المشقة وسار بغير زاد وراحلة فحج كان حجه صحيحاً ومجزئاً، لأن هذا شرط للوجوب، فحتى نقول: وجب عليك الحج وتأثم بعدم الأداء لا بد أن تكون مستطيعاً لهذا الحج، فإذا كان مستطيعاً مع الشروط الماضية فنقول: يلزمك أن تحج لأنك الآن مستطيع.
إذاً: شروط وجوب الحج خمسة شروط: الإسلام، والبلوغ، والعقل، والحرية، والاستطاعة، فإذا كان هذا الإنسان جمع هذه الشروط، فنقول له: يجب عليك أن تذهب وتحج؛ لأنك مستطيع.
ولو أن غير المستطيع حج فنقول: حجه صحيح، أي: لو تجشم مع كونه لا مال له، ولا زاد معه، وحج ماشياً أو راكباً، استدان وحج وهو لا يجب عليه، فنقول: صح منه حجه.
والكافر الأصلي لا يطالب بفعل الحج، وفرق بين الكافر الأصلي والمرتد، فالمرتد كان مسلماً ثم بعد ذلك فعل أو قال أو اعتقد ما يخرجه عن الملة والعياذ بالله! لكن الكافر الأصلي لم يدخل في الإسلام أصلاً، فعلى ذلك هذا الكافر الأصلي لا يطالب بفعله، سواء كان مستطيعاً أو غير ذلك، فغير المستطيع لا يطالب بما على المستطيع، وإن سئل يوم القيامة عنه سواء كان حربياً أو ذمياً أو كتابياً أو ثنياً، وكذلك المرأة والرجل كل هؤلاء لا يخاطبون بفعل ذلك، فإذا أسلم هؤلاء لم يخاطبوا بما فاتهم، فلو أن إنساناً كافراً في حال كفره صار مفلساً وأسلم بعد ذلك، فلن نقول له: أنت كنت غنياً ولذلك وجب عليك الحج، بل لا يجب عليه الحج الآن؛ لأنه ما كان في الماضي في الجاهلية يهدمه الإسلام، فكل ما كان عليه هذا الإنسان من مال ومن غنى وضاع منه هذا المال الآن بعد أن صار مسلماً، فإنه يخاطب على ما هو عليه الآن؛ لما جاء في حديث النبي ﷺ قال: (الإسلام يهدم ما كان قبله)، وفي رواية: (يجب ما قبله)، فإذا كان هذا الإنسان مستطيعاً قبل ذلك، وأراد أن يحج، فنقول: لا يقبل منك؛ لأنك كافر، فهذا مع الكفر لا يقبل منه العمل، فلو أنه أسلم وصار مفلساً ولا مال معه فلا يكلم ولا يخاطب بما كان عليه قبل ذلك في أيام جاهليته؛ لأن الإسلام يجبُّ ما كان عليه قبل ذلك من شرك.
فإن استطاع في حال كفره ثم أسلم وهو معسر لم يلزمه الحج، إلا أن يستطيع بعد ذلك على ما ذكرنا؛ لأن الاستطاعة في الكفر لا أثر لها.
وأما المرتد فيجب عليه، فإذا استطاع في ردته ثم أسلم وهو معسر فالحج مستقر في ذمته بتلك الاستطاعة، وفرق بين الاثنين: فالكافر الأصلي لا يخاطب بأفعال الإسلام إلا أن يخاطب بالتوحيد ويؤمر به، لكن المرتد مطلوب منه حالاً أن يرجع إلى دين الله ، وإلا فإن حد الله يقام عليه فيقتل لردته، فما دام أنه حي ومخاطب بأحكام الإسلام فليس من حقه أن يكفر وأن يرتد عن دين الله ، فالمرتد يجب عليه إن كان غنياً في حال ردته، وهو مطالب بأن يسلم ومطالب بأن يحج بعد ما يرجع إلى دين الله .
فإن استطاع في حال ردته ثم أسلم وهو معسر فالحج مستقر عليه، فإن قدر بعد ذلك لزمه أن يأتي به.
أما الإثم بترك الحج فيأثم المرتد؛ لأنه مكلف به في حال ردته.
стр. 70
أقسام الناس في الحج
الناس في الحج خمسة أقسام: القسم الأول: لا يصح منه الحج بحال، وهذا هو الكافر، فلو أنه حج لا يصح منه ذلك، ولو أنه فعل طاعة من الطاعات، كما لو جاء شهر رمضان وصام مع المسلمين كنوع من التزلف للمسلمين فلا يصح منه ذلك، ولكي يقبل منه العمل لا بد أن يأتي بأصل الأصول بأصل الإسلام وهو شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ﷺ .
القسم الثاني: من يصح منه الحج والعمرة لا بالمباشرة، أي: ليس هو الذي سيباشر، ولا هو الذي سينوي، ولكن وليه هو الذي يقوم بالمباشرة بهذه الأشياء، وهو الذي ينوي له، وهذا القسم هو الصبي غير المميز، وكذلك المجنون، فهذان إذا كان مسلمين يحرم عنهما وليهما، وهو الذي ينوي عنهما ويقوم لهما بالأعمال ويهيئهما لأعمال الحج والعمرة.
القسم الثالث: من يصح منه بالمباشرة، وهو أن يباشر أعمال المناسك بنفسه، وهو الصبي المسلم المميز، والعبد المسلم المميز، فيصح منهما الحج بالمباشرة سواء كان صبياً أو عبداً.
القسم الرابع: من يصح منه بالمباشرة، ويجزئه عن حجة الإسلام، وهو المسلم المميز البالغ الحر.
الخامس: من يجب عليه، وهناك فرق بين من يصح منه، ومن يجب عليه، فقولنا: (يصح منه) أي: لم يجب عليه بعد لأنه غير مستطيع، ولكن فعله فصح منه ذلك، فإذا صار مستطيعاً وجب عليه وأجزأه، وهو المسلم البالغ الحر العاقل المستطيع.
فشرط الصحة مطلقاً إذا حج إنسان نقول: يشترط حتى يصح منه ذلك أن يكون مسلماً ولا يشترط التكليف بل سيقوم عنه غيره بالنية، مثل الولي ومعه الصبي الصغير، أو المجنون.
وشرط صحة المباشرة بالنفس: الإسلام والتمييز، فحتى يباشر الأعمال بنفسه فيفعلها لا بد أن يكون مسلماً مميزاً، والمميز: هو الذي يفهم الخطاب ويرد الجواب، وهو من جاوز سبع أو ثمان سنوات، وشرط وقوعها حجة الإسلام: البلوغ، والعقل، والإسلام، والحرية، فإذا كان ليس بالغاً أو ليس عاقلاً، أو كان عبداً ليس حراً، فهذا لا تقع عنه حجة الإسلام، وإذا كان غير مسلم فمن باب أولى ألا يصح منه ذلك.
ولو تكلف غير المستطيع الحج وقع حجه عن فرض الإسلام، ولو نوى غير حجة الإسلام وقع عن حجة الإسلام، أي: لو تكلف غير المستطيع الحج كأن يكون لا يملك شيئاً وكلف نفسه فاستدان وذهب وحج، فقد وقع ذلك الحج عن حجة الإسلام وعن فرض الإسلام.
ولو كان ذاهباً للحج وقال: أنا غير مستطيع، وسأحج تطوعاً، ونوى التطوع بذلك، فهنا ينقلب إلى حجة الإسلام، مثل الذي حج عن شبرمة وقال له النبي ﷺ : (حج عن نفسك، ثم حج عن شبرمة).
وشرط وجوب الحج: البلوغ، والعقل، الإسلام، والحرية، والاستطاعة.
стр. 71
حكم حج المجنون
المجنون إما أن سيحج وحده فلا يصح منه ذلك؛ لأنه لا عقل له فلا يصح منه الحج، وإما أن إنساناً آخر يقوم معه بالحج فينوي عنه ويأخذه إلى المناسك، ويقف به في عرفة، فهذا أمر آخر، فيصح منه كثواب له، أي: كثواب لهذا الإنسان، لكنها ليست حجة الإسلام؛ لأن المجنون لا تجب عليه حجة الإسلام.
روى أصحاب السنن عن عائشة ﵂ أنَّ النبي ﷺ قال: (رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يكبر، وعن المجنون حتى يعقل أو يفيق).
وفي رواية: (رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المبتلى حتى يبرأ، وعن الصغير حتى يكبر)، إذاً: هؤلاء رفع عنهم قلم الإثم، وقلم التكليف، وأجمعت الأمة على أنه لا يجب الحج على المجنون.
فالمجنون لا يجب عليه الحج، ولكن لو حج به وليه فحكمه حكم الصبي الصغير الذي رفعته المرأة للنبي ﷺ .
والمغمى عليه يعتبر غير مفيق، وحكمه حكم المجنون؛ لأنه لا عقل له في هذه الحالة، فلا يصح منه حج الفريضة، ولو أن إنساناً أغمي عليه من أول الإحرام وعند إرادة الإحرام أخذ وهو مغمى عليه، أي: لم يحرم عن نفسه وحملوه وأخذوه إلى عرفة أو إلى مزدلفة وغيرها، وطافوا به وسعوا به فكل هذا لا يصح منه كحجة الإسلام، فالمغمى عليه: لا يجوز أن يحرم عنه غيره؛ لأنه ليس لديه عقل، ويرجى برؤه عن قريب، فهو كالمريض، فلا يطاف ولا يفعل به أفعال الحج إلا إذا كان قد أفاق من إغمائه، فعلى ذلك يحمل طالما أن عقله موجود معه.
فالإنسان الذي يفيق كالإنسان الذي تأتيه نوبات الصرع وتطول معه، وتمكث معه أياماً وهو مصروع فيذهب عقله ثم يفيق بعد ذلك، ثم يذهب عنه عقله وهكذا، فالذي يجن ويفيق إذا كان في خلال مدة الإفاقة يتمكن فيها من الحج ووجدت الشروط الباقية لزمه الحج، وإلا فلا.
وإذا كان يأتي له الجنون في فترة أو في فصل معين من السنة وفي فصول أخرى لا يأتيه الجنون، وحج به في خلال ذلك وهو مفيق فالحج منه صحيح.
ولو سافر الولي بالمجنون إلى مكة فلما وصل إلى مكان الإحرام أفاق فأحرم صح حجه وأجزأه عن حجة الإسلام، ولو فرضنا أن هذا الإنسان أخذه وليه ليحج به وهو مجنون، وأخذ يعمل عنه المناسك، فإذا كان على هذه الحالة فلا يصح منه عمل بالمباشرة، وإنما الذي يصح فعل الغير عنه، فحكمه حكم الصبي الصغير، ويكون حجه تطوعاً، وليس حجة الفريضة، لكن لو فرضنا أنه أدرك ورجع إليه عقله ففعل المناسك وأداها، فعلى ذلك تصح عنه حجة الإسلام، حتى لو كان في البداية مجنوناً ثم رجع عقله هنالك.
ويشترط لصحة مباشرته بنفسه للحج إفاقته عند الإحرام والوقوف والطواف والسعي، أي: عند أداء الأركان لابد أن يكون عقله حاضراً؛ فإذا كان أثناء هذه الأفعال مفيقاً عاقلاً: عند الإحرام والطواف والوقوف بعرفة والسعي، فعلى ذلك حجه صحيح.
стр. 72
حج الصبي
روى البخاري عن سالم بن يزيد قال: (حج بي مع رسول الله ﷺ وأنا ابن سبع سنين).
وروى مسلم عن ابن عباس عن النبي ﷺ : (أنه لقي ركباً بالروحاء فقال: من القوم؟ قالوا: المسلمون.
فقالوا: من أنت؟ قال: رسول الله ﷺ ، فرفعت إليه امرأة صبياً فقالت: ألهذا حج؟ قال: نعم ولك أجر).
فلا يجب الحج على الصبي ويصح منه رضيعاً كان أو مراهقاً، والرضيع هو الذي يرضع فقط خلال السنتين.
والمراهق: هو الذي كاد يبلغ، أي: الذي هو دون البلوغ، كاد يبلغ ولكن لم يبلغ، ثم إن كان مميزاً أحرم بنفسه بإذن وليه، والمميز حده الحنابلة بأنه ما بلغ سن التمييز وهو سبع سنين.
وعند الشافعية حدوه بسبع أو ثمان، والإمام النووي حد له حداً فقال: الصواب في حقيقة الصبي المميز: أنه الذي يفهم الخطاب ويحسن رد الجواب ومقاصد الكلام ونحو ذلك، ولا يضبط بسن مخصوص؛ بل إنه يختلف باختلاف الأفهام، أي: أنه ليس لازماً أن يكون سن التمييز سبع سنين بالضبط، فقد يكون أكثر أو أقل، المهم أن هذا يفهم الكلام ويعرف يرد الجواب، ويفرق بين الأشياء، فهو المميز، كما أن أصل التمييز هو ذلك، يقول الفيوفي في المصباح المنير: تميز الشيء بمعنى: انفصل عن غيره، والفقهاء يقولون: سن التمييز والمراد: سنٌّ إذا انتهى إليها عرف مضاره ومنافعه، وكأنه مأخوذ من (ميزت الأشياء) إذا فرقتها بعد المعرفة بها.
وإن كان الصبي أو الصبية مميزين أحرما بأنفسهما بإذن الولي، فإن استقل الصبي وأحرم بنفسه بغير إذن وليه لم يصح، أي: لو أن الصبي أحرم وقال: لبيك عمرة أو لبيك حجاً من غير إذن الولي فلا يصح منه ذلك، ولوليه تحليله إذا رأى في ذلك المصلحة.
أما الصبي غير المميز فيحرم عنه وليه، وهو ما كان عمره ثلاث أو أربع سنوات، وليس معناه: أنه يلبسه لبس الإحرام، ولكن يحرم بمعنى: ينوي عنه، إذاً: يحرم الولي عن الصبي بأن يعقد له الإحرام كما سيأتي، سواء كان الولي حلالاً أو كان محرماً، وسواء كان حج عن نفسه أو لم يحج، فعلى ذلك الذي يحرم عن الصبي بمعنى: ينوي له ذلك فيجرده ويلبسه لبس الإحرام، ويجعله يطوف أو يسعى أو يوكل به من يفعل به ذلك في المناسك ويصح ذلك.
стр. 73
الولي الذي يحرم عن الصبي
والولي الذي يجوز له عقد الإحرام عن الصبي هو الأب، وهذا الأصل في الولي، وكذلك الجد الصحيح عند عدم وجود الأب، والجد الصحيح: هو أبو الأب، والجد ليست له ولاية مع وجود الأب، فإذا وجد الأب فالولاية للأب، وكذلك يجوز للوصي والقيم، فللحاكم أن يعين إنساناً قيِّماً على الصبي الصغير، أو الوصي الذي أوصى إليه أبوه قبل أن يموت فقال: يا فلان، أنت وصيي على هذا الصبي، افعل به كذا وكذا، فالوصي والقيِّم يجوز لهما أن يعقدا الإحرام عن الصبي.
أما الأم والإخوة والأعمام وسائر العصبات فليس لهم ذلك إذا لم يكن لهم وصية، فالأم إذا أوصى الأب إليها، أو أذن الحاكم لها في ذلك، إذ إنَّ الأم هي المتصرفة في مال الصبي وهي أشفق من يقوم بذلك على هذا الصبي، فإذا أذن لها الحاكم في التصرفات المالية على الصبي فلها ذلك، وليس هذا لكونها أمه، ولكن لكونها وصية.
إذاً: الأم عندها رحمة وشفقة، لكن الولاية المالية للولي الذي هو الأب أصلاً، والأم يكون لها ذلك إذا كان بإذن الحاكم، فيكون للأم الولاية أو جعلها وصية على مال الصبي أو قيمة.
والأم والإخوة والأعمام وسائر العصبات ليس لهم ذلك إذا لم يكن لهم وصية أو إذن من الحاكم في ولاية المال، فإن أحرمت أمه عنه، فالراجح: أنه يصح والمفترض على هذه المقدمة أنه لا يصح، ولكن كيف نقول لا يصح والنبي ﷺ قال: (له حج ولك أجر)؟ فعلى ذلك فإن الأم التي رفعت صبيها للنبي ﷺ وسألت: (ألهذا حج؟ قال: له حج ولك أجر) دلَّ على أنها مأجورة على ذلك، فإذا كانت هذه حجت للصبي من مالها، فله حج ولها أجر على ذلك، وإن كانت حجَّت للصبي من ماله، وكانت هي القيمة على ماله أو الوصية عليه، فكذلك له أجر على ذلك ولها أجر.
стр. 74
صفة إحرام الولي عن الصبي
الإحرام بمعنى: عقد النية، والنية في القلب، ويصير الصبي محرماً بمجرد أن ينوي الولي، كما أنك تحرم عن نفسك بالنية ثم تقول: لبيك حجاً ولبيك عمرة، فالولي يقول: عقدت الإحرام لفلان أو لا يقول ولكن نوى في قلبه أنه الآن صار فلان هذا محرماً، كما إذا عقد له النكاح فيصير متزوجاً بذلك.
وإذا صار الصبي محرماً بإحرامه أو إحرام وليه عنه فعل بنفسه ما قدر عليه، وفعل عنه وليه ما لا يقدر عليه الصبي، فيغسله الولي عند إرادته الإحرام -وهذا كما يصنع الكبير بنفسه كذلك يصنع مع الصغير- فيغسله عند إرادة الإحرام ويجرده من المخيط ويلبسه الإزار والرداء والنعلين، وإن تأتى منه المشي يطيبه وينظفه، هذا قبل أن يحرم عنه ثم يحرم الصبي أو يحرم عنه الولي.
ويجب على الولي أن يجنبه ما يجتنبه الرجل الكبير، فَيحرم عليه أن يضع الطيب، أو يقص أظفاره أو يقص شعره، كذلك يمنع الولي الصبي من ذلك.
стр. 75
صفة حج الصبي أو حج الولي عنه
فإن قدر الصبي على الطواف بنفسه علمه فطاف، أو أخذه بيده وطاف معه إن لم يكن يقدر، فيحمله ويطوف به أو يُركِبه ويطوف به، فإن كان غير مميز صلى الولي عنه ركعتي الطواف، أي: إذا كان صبياً صغيراً لا يعقل ذلك فبعد ما حمله وطاف به بالبيت فالولي سيصلي ركعتي الطواف عن هذا الصبي، وإن كان مميزاً أمره الولي فصلاهما بنفسه، وإذا كان الصبي عمره ثمان أو تسع سنوات فعلى الولي أن يأمره أن يصلي ركعتين عند المقام.
ويشترط إحضار الصبي إلى عرفات سواء المميز وغيره، ولا يكفي حضور الولي عنه، فالحج عبادة بدنية ومالية، إذْ لا بد من حضور الأبدان في المواقف، فهنا الولي أحرم عن الصبي للعذر، لكن لا يصح أن يقف عنه بعرفة فلابد أن يحضر الصبي معه في عرفة.
كذا يحضره إلى مزدلفة والمشعر الحرام ومنى وسائر المواقف؛ لأن كل ذلك يمكن فعله من الصبي، ويجمع الولي في إحضاره عرفات بين الليل والنهار، مثلما أن الكبير يلزمه أن يقف في عرفات حتى تغرب الشمس، كذلك لا بد أن يقف بالصبي الصغير أو يوقفه حتى تغرب الشمس، فإن ترك الجمع بين الليل والنهار أو ترك مبيت المزدلفة، أو مبيت ليالي منى وجب الدم في مال الولي؛ لأن الولي هو الذي قصر في ذلك، وهي شاة عن ترك واجب من الواجبات في مال الولي؛ لأن التقصير منه، فإن قدر الطفل على الرمي أمره به وإلا رمى الوليُّ عنه.
ويستحب إن استطاع أن يضع الحصاة في يد الطفل فيرمي الطفل الجمرات، وذلك إذا لم يكن هناك زحام ويقدر على ذلك، فيحمل الوليُّ الطفل ويجعله يرمي، فإذا لم يستطع فالولي هو الذي يصنع ذلك عنه.
следующие страницы →