← Фикх общий

Фикх общий · id 36974

شرح كتاب الجامع لأحكام العمرة والحج والزيارة - حطيبة

أحمد حطيبة

Полный текст (460 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

شرح كتاب الجامع لأحكام العمرة والحج والزيارة - العقيقة وما يتعلق بها من أحكام والنهي عن معاقرة الأعراب يسن أن يعق عن المولود الذكر شاتان وعن الأنثى شاة في يوم سابعه، ويحلق شعره ويتصدق بوزنه فضة، ويسمى اسماً حسناً، ويتجنب في ذلك الأسماء القبيحة، أو التي يتشاءم الناس من سماعها، وقد غير النبي ﷺ أسماء بعض أصحابه القبيحة إلى أسماء حسنة، ويجوز أن يكنى المولود. وقد نهى الشرع عما يفعله العرب من معاقرة ومفاخرة بذبح الإبل ليعلم من أكثر ذبحاً من الآخر؛ لأنها مما أهل لغير الله به.

стр. 387

أحكام العقيقة الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. تكلمنا في الحديث السابق عن أحكام العقيقة، وبلغنا إلى ما يتعلق بهذه الأحكام من التسمية، وذكرنا أن النبي ﷺ قال في حديث سمرة: (كل غلام رهينة بعقيقته، تذبح عنه يوم سابعه ويحلق ويسمى)، فهذه سنن تتعلق بهذه المسألة، فكأنه مرتهن النفع بهذا الغلام في الدنيا والآخرة حتى تؤدى عنه العقيقة. ولو أن الغلام توفي وهو صغير فهو يشفع لأبيه وأمه يوم القيامة، وشفاعته مرتهنة بأن يكون الأب قد عق عن هذا الغلام، هذا تفسير الإمام أحمد ﵀. وذكر غيره أنه مرتهن أي: محبوس عن النفع حتى يفعل والده هذه العقيقة، ويجوز للوالد أن يعق عن الغلام بشاتين، وبشاة عن الأنثى، وإذا لم يتيسر الأمر جاز أن يعق بشاة عن الأنثى أو الذكر، لكن السنة شاتان عن الذكر وشاة عن الأنثى، كما قدمنا في الحديث السابق.

стр. 388

حكم العقيقة العقيقة سنة وليست فريضة، ولذلك قال النبي ﷺ : (من ولد له غلام فأحب أن ينسك عنه فلينسك)، فأرجع محبة أبيه لذلك، وهذا يصرف من الوجوب إلى محبة الإنسان، فكونه أرجع الأمر إلى المحبة دليل على أنها سنة ولست فريضة واجبة.

стр. 389

حكم تسمية العقيقة بذلك يجوز أن نقول: عقيقة، وقد ثبتت أحاديث عن النبي ﷺ بهذا اللفظ، ويجوز أن نقول: نسيكة، وإن كانت الأحاديث فيها قليلة جداً، وفي الحديث عن النبي ﷺ لما سأله الرجل عن العقيقة قال: (لا يحب الله العقوق)، ليس معناه: لا يحب الله العقيقة، ولا أنه كره لكم هذه التسمية، ولكن الرجل قال يوضح للنبي ﷺ : لا أسأل عن العقوق، ولكن الرجل منا يولد له، فقال النبي ﷺ (من ولد له غلام فأحب أن ينسك فلينسك بشاتين عن الغلام وبشاة عن الجارية)، فكأن الرجل ذكر اللفظ بشيء وهو العقوق، فقال له: (لا يحب الله العقوق)، لكن لم يقل: لا يحب الله أن تسمى العقيقة عقيقة، بل هذا ينافي ما ذكر من ألفاظ في أحاديث أخرى بتسميتها عقيقة، مثل: (كل غلام رهينة بعقيقته)، فسماها عقيقة ﷺ ، فلا يكره أن يقال: عقيقة فلان، وإنما المكروه العقوق كراهة تحريم.

стр. 390

وقت ذبح العقيقة يتعلق بالعقيقة: أنها تذبح في اليوم السابع، وإذا لم تكن في اليوم السابع ففي أي وقت، والمستحب أنه لا يتجاوز الغلام البلوغ إلا وقد ذبحت العقيقة بحسب ما تيسر للإنسان، فإذا لم يذبح عنه شيء من بهيمة الأنعام جاز له هو أن يعق عن نفسه بعد ذلك. وفي الحديث أنه: يعق عنه في السابع، وإن لم يكن ففي الرابع عشر، وإن لم يكن ففي الحادي والعشرين، وهذا لا يصح عن النبي ﷺ ، فعلى ذلك إذا لم يتمكن في اليوم السابع من مولد الغلام، ففي أي وقت بعده.

стр. 391

حلق رأس المولود قال: (ويحلق)، من السنة حلق رأس الغلام في اليوم السابع، وكذلك الجارية، وليست فريضة. أيضاً من السنة: أنه إذا حلق رأس الغلام أن يتصدق بوزنه فضة، وقد فعلت ذلك السيدة فاطمة ﵂، فكان وزن الشعر حوالي مثقال الدرهم، والدرهم وزنه حوالي ثلاثة غرامات تقريباً.

стр. 392

أحكام تسمية المولود قال في الحديث: (ويحلق ويسمى في اليوم السابع)، وهذا لا ينافي ما جاء عن النبي ﷺ من التسمية في يوم الولادة، فكله جائز ولا يستحب أن تؤخر التسمية عن اليوم السابع. فيجوز أن يسمى أول ما يولد، ويجوز أن يسمى في اليوم السابع، ويكره بعد ذلك.

стр. 393

اختيار أفضل الأسماء وأحسنها يستحب تحسين الاسم، وأفضل الأسماء وأحبها إلى الله: عبد الله وعبد الرحمن -هذا ذكرناه استطراداً لتعلقه بالعقيقة- ففي صحيح مسلم عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن أحب أسمائكم إلى الله: عبد الله وعبد الرحمن)، فالمسلم ينظر إلى أحب الأسماء إلى الله فيسمي بها، وما هي الأسماء التي كان يختارها النبي ﷺ فيسمي بمثلها، فهذه من أفضل الأسماء. كما يجوز أن يسمي بما كانت العرب تسمي به، وما كان الصحابة يسمون به أولادهم، ولكن لاحظ أن أسماء الصحابة ليسوا هم الذين اختاروها لأنفسهم، إنما اختارها لهم آباؤهم، وكانوا جاهليين، وكانوا يختارون الأسماء كيفما اتفق، سواء كان اسماً قبيحاً أو غيره، والقبيح غيره النبي ﷺ ، وقد يرضى صاحبه عن التغيير وقد لا يرضى فيسكت النبي ﷺ ، وقد يسمون بأسماء بحسب الطبيعة التي أمامهم، وبحسب المعيشة التي يعيشونها، وليس معنى هذا أن هذه الأسماء جيدة، ولكن اختر لابنك الاسم الحسن الذي لا يعير به، ومن الأسماء ما يكون جميلاً يحبه الله واختاره النبي صلوات الله وسلامه عليه، ولا داعي لأن يبحث الإنسان عن الأسماء المستقبحة المستبشعة غير المعروفة عند الناس ويسمي ابنه بها، فلعله يكون مثال استهزاء وسخرية عند الناس، وخاصة إذا كانت الأسماء تدل على معانٍ من البيئة الصحراوية، كسمرة وهي شجرة الشوك، وهو اسم صحابي، لكن المعنى الذي فيها: السمر هو الشوك الطلح، هذا اسم لكن اعرف معنى التسمية، أو تسمي باسم إنسان من شهداء من الصحابة رضوان الله عليهم ولا مانع أن الإنسان يتفائل بهذه التسمية، لكن على كل حال تنتقي الاسم ولا يكون مما يستقبح.

стр. 394

حكم التسمي باسم النبي والتكني بكنيته في الصحيحين عن جابر ﵁ قال: ولد لرجل منا غلام فسماه القاسم، فقلنا: لا نكنيك أبا القاسم ولا كرامة. فأبو القاسم هذه كنية النبي ﷺ ، وقد نهاهم أن يتسمى إنسان باسمه ويتكنى بكنيته، فهو أخذ اسم النبي ﷺ وله أيضاً كنيته، وعند نداء النبي فمن الأدب معه ﷺ كما قال تعالى: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور:٦٣]، فلا تقل: يا محمد تعالى، فهذا لا يليق بالنبي ﷺ ، ولم يقل هو ذلك عن نفسه، وإنما الله قال: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور:٦٣]، فقد كان بعضهم يفعل ذلك فينادي رجلاً ثم يلتفت النبي ﷺ ، ويقول: لا أعنيك لا أعنيك، وهذا ليس من الأدب، ولذلك تسم على اسم النبي ﷺ ، ولا تتكنّ بكنيته، وهذا في حياته احتراماً له ﷺ ، حتى لا يأتي إنسان ينادي ويرد عليه النبي ﷺ ثم يقول: لا أقصدك، أنا أنادي على ابني، أو لعله يشتم ابنه فيسمعها النبي ﷺ ، وهذا ليس من الأدب، ولذلك نهاهم الله أن ينادى الرسول ﷺ إلا بأن يقولوا: يا أبا القاسم! يا رسول الله! يا نبي الله ﵊، فإذا كنى إنسان منهم نفسه بكنية النبي ﷺ فإنه يحدث غلط؛ لأن الأعراب حين يأتون إلى المدينة ويسمعون المنادي يقول: يا محمد، حينها يختلط الأمر، إنسان ينادي ابنه وإنسان يناجي النبي ﷺ وهو لا يعرف الأدب معه، فنهاهم ﷺ عن ذلك. أما بعد وفاته ﷺ فيجوز للإنسان أن يتسمى باسم النبي ﷺ ، ويكتني بكنيته ﵊. فالصحابة لما ولد لرجل منهم غلام وسماه القاسم قالوا: لا نكنيك أبا القاسم ولا كرامة، فأخبر النبي ﷺ فقال: (سم ابنك عبد الرحمن)، والنبي ﷺ أبو القاسم، فالله يعطي وهو يقسم بين الناس صلوات الله وسلامه عليه. في الصحيحين عن أنس ﵁: (أن النبي ﷺ سمى ابن أبي طلحة عبد الله)، يعني: ولد لـ أبي طلحة غلام، وأرسله إلى النبي ﷺ فسماه عبد الله، وسمى النبي ﷺ ابنه إبراهيم على اسم أبي الأنبياء على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وإبراهيم كلمة سريانية معناها أب رحيم، فهو أبو الأنبياء والرسل من بعده ﵊، وهو غاية في الرحمة والشفقة بخلق الله .

стр. 395

أصدق الأسماء وأحبها إلى الله روى أبو داود عن أبي وهب الجشمي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن، وأصدقها حارث وهمام، وأقبحها حرب ومرة)، هناك أسماء يحبها الله مثل عبد الله وعبد الرحمن، وقس على ذلك، وأصدق الأسماء الذي يصدق على صاحبه؛ لأن الأسماء فيها ما يصلح على صاحبه، وفيها ما لا يكون صادقاً على صاحبه، وغالباً لا يكون فيه ذلك، فأصدق الأسماء حارث وهمام، وحارث بمعنى كسب واكتسب، فكل إنسان يكتسب لنفسه، وهذا اسم صادق عليه، فلن يموت من الجوع، فلا بد أن يكتسب لنفسه، وليس معناه أنه اسم يحبه الله ، ولكنه اسم على مسمى، فهو صاحب فعل، فأي إنسان يسمى بحارث فهو حارث في عمل نفسه، يكتسب لنفسه ويتعب. الاسم الآخر: همام، أي: يهم بالأمر، وما من إنسان إلا وله هم يهمه ويهتم به، ويقوم وينوي أن يفعل، فيهم به أن يفعله أو لا يفعله. قال: (وأقبحها حرب ومرة)، فهذه من الأسماء القبيحة، وكان النبي ﷺ يغير هذه الأسماء القبيحة، وتجوز التسمية بأسماء الأنبياء والملائكة صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، مثل محمد وإبراهيم وعيسى وموسى وغير ذلك من الأسماء، وأسماء الملائكة كجبريل وجبرائيل وميكائيل وغيرها من أسماء الملائكة يجوز التسمي بها.

стр. 396

أسماء يكره التسمي بها تكره الأسماء القبيحة والأسماء التي يتطير بها، فتكره إذا كان من الناس من يسمع هذا الاسم فيتشاءم من الذي يقول له ذلك، وقد نهينا عن التشاؤم، ولكن الكثير من الناس في قلوبهم شيء من ذلك، فلا يساعدون على هذا الشيء، فالتسمية بأسماء تبعث على ذلك لا داعي لمثلها. روى مسلم عن سمرة بن جندب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ / (لا تسمين غلامك يساراً ولا رباحاً ولا نجيحاً ولا أفلح، فإنك تقول: أثمة، فلا يكون، فيقول: لا)، قال سمرة: إنما هن أربع فلا تزيدن عليهن، راوي الحديث يقول له: هل هناك غير هذه الأسماء؟ وكأنه يريد: هل يقاس عليها أسماء أخرى أم لا؟ فـ سمرة توقف على الحديث، والحديث ذكر أربعة فلا تزد على ما ذكره النبي ﷺ . والظاهر: أن النهي الذي جاء عن النبي ﷺ للكراهة، وليس للتحريم؛ لما سيأتي بعد قليل. فلا تسمين غلامك يساراً، والغلام هو العبد، وكان بعض العرب في الجاهلية يسمي عبيده بالأسماء الجميلة الحسنة، وغالباً ما يسمون أبناءهم بالأسماء القبيحة، وكانوا يقولون: غلامي لي، وابني لعدوي، والمعنى: الغلام هذا ملكي يخدم عندي، فعندما أقول له: تعال يا فلان، اذهب يا فلان، سأستبشر باسمه، أما ابني فهو لعدوي، سيخرج ويقاتل ويجاهد ويحارب ويغير على القبائل الأخرى، وعندما يسألونه: ما اسمك؟ فيقول: اسمي فلان، فيفزعون من اسمه ويخافون، وكأن قصدهم من تسمية الابن بذلك الاسم أن يتشاءم الأعداء من اسمه، ويفزعون من اسمه، فكانوا يسمون أبناءهم الأسماء الغليظة، مثل العاصي، وسيأتي بعد قليل الحديث عن هذه الأسماء وما فيها، فكان أحدهم يسمي ابنه ليخيف أعداءه بهذه التسمية، ويسمي غلامه بالاسم الحسن لأنه له، فالحسن لي والقبيح لعدوي. وقوله: (لا تسمين غلامك يساراً ولا رباحاً ولا نجيحاً ولا أفلح)، لماذا هذه الأسماء خاصة؟ يسار من اليسر، ورباح من الربح، ونجيح من النجاح، وأفلح من الفلاح، فإنك حينما تقول: هل نجاح عندكم؟ فيقول: لا، ومثله يسار وأفلح، يتشاءم من هذا الشيء، وهذا ليس على التحريم؛ لما جاء في صحيح مسلم عن جابر ﵁ قال: (أراد النبي ﷺ أن ينهى أن يسمى بيعلى أو ببركة)، إذاً: الحصر الذي في حديث سمرة ﵁ هو من سمرة نفسه، ولما سأله الراوي قال: لا تزيدن عليه، فأنا كما سمعت قلت لك، لكن في حديث جابر واضح أن هناك زيادة، أي: قس على هذه الأسماء، قال: (ثم رأيته سكت بعد عنها، فلم يقل شيئاً)، لكن في حديث سمرة قال: (لا تسمين)، فدل هذا على أن النهي ليس للتحريم، لقوله: (وأراد أن يعزم في ذلك)، وينهى نهي تحريم، فلم يفعل صلوات الله وسلامه عليه، وسكت عن ذلك. وكلا الحديثين معناه صحيح، فالأول نهى ﷺ فيه نهي تنزيه وكراهة، حتى لا يعتاد الناس على التشاؤم بنفي هذه الأشياء، وأراد ﷺ أن يعزم على ذلك ويؤكد النهي حتى يكون تحريماً، ثم لم يفعل صلوات الله وسلامه عليه رحمة بالأمة، ولعموم البلوى، ولعموم الحرج في ذلك، وليس كل الناس سيبلغهم النهي منه ﷺ ، ولعله يبلغهم بعد أن يسموا أبناءهم، والناس وقد اعتادوا على هذا الشيء، فيقع الجميع في الحرج، المنادي والمسمى سواء، فسكت النبي ﷺ ، وغايته أنه نهى نهي كراهة، ولذلك لما غير اسم رجل اسمه حزن، فأبى الرجل فسكت النبي ﷺ وتركه، فأراد النبي ﷺ أن ينهى نهي تحريم ولم يفعل ﷺ ، فكأن النهي منه على الكراهة ﵊. قال: (ثم قبض رسول الله ﷺ ولم ينه عن ذلك)، ثم أراد عمر أن ينهى عن ذلك لما سمع أن النبي ﷺ نهى عنه، ولكن عمر ﵁ الإنسان الواعي الكيس الفطن رأى أن ﷺ سكت، فلم لا يسعه السكوت كما وسع النبي؟ فأراد أن ينهى عمر ثم تذكر أن النبي ﷺ سكت، فسكت عمر ﵁ وترك. وروى ابن ماجة عن جابر عن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لئن عشت -إن شاء الله- لأنهين أن يسمى رباح ونجيح وأفلح ونافع)، فالنبي ﷺ أجل ذلك للسنة الآتية، ثم لم يعش ﷺ ، ولو كان في النهي خير على وجه التحريم لأمره الله أن يعلنه حالاً، ولكن الله قبضه قبل أن يفعل، وهذا دليل على أن الله اختار ذلك، وأن هذا الشيء ليس حراماً وإنما يكره فقط.

стр. 397

أسماء يحرم التسمي بها يحرم التسمي بملك الأملاك، أو ملك الملوك، أو أن يلقب الإنسان نفسه به، أو يسمي نفسه أو ابنه بملك الملوك، سواء باللغة العربية أو الأجنبية، وهو شاهنشاه، ومعناها: ملك الملوك، فنهى النبي ﷺ عن ذلك، وهذا النهي نهي تحريم؛ لأنه علله بما في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إن أخنع اسم عند الله رجل تسمي بملك الأملاك)، قوله: (أضنع) من الخنوع والضعة أي: أوضع وأرذل وأحقر اسم يتسمى به إنسان رجل تسمى ملك الأملاك، وملك الملوك هو الله ، وليس لأحد أن يصف نفسه بصفة هي لله سبحانه، وتفرد بها . ومن صفات الله ما سمح لعباده أن يتصفوا بمثلها، مثل: الرحيم، فللعبد أن يقال عنه: فلان رحيم، على وجه التنكير، وهو بالمؤمنين رءوف رحيم ﵊، فهذه من صفات الله عزوجل التي أذن لعباده أن يتصفوا بها، وأمرهم أيضاً أن تكون فيهم هذه الصفات بحسب ما يليق بالمخلوق، فهذه الصفة تليق بالخالق على وجه، وتليق بالمخلوق على وجه آخر، لكن من الصفات ما تفرد الله بها، ولا يجوز لأحد أن يتصف بها، كصفة الكبر، فهذه لا تليق إلا بالله ، وإذا كانت هذه الصفة في إنسان حجب الله عنه الجنة، كما جاء عن النبي ﷺ في الحديث. كذلك ملك الملوك هو الله ، فلا يجوز لإنسان أن يتصف به، والله هو الملك القدوس ، فهو الملك المطلق، أما غيره فيقال عنه: ملك البلاد على وجه الإضافة، أو الملك الفلاني على الوجه المعهود والمعروف، فلا مانع من ذلك، ولكن الملك مطلقاً هو الله . وفي لفظ آخر لـ مسلم قال: (أغيظ رجل على الله يوم القيامة وأخبثه وأغيظه)، إذاً: الإنسان الذي يتغيظ عليه ربنا ، ومن بلغ هذه الدرجة فسيعذب عذاباً شديداً والعياذ بالله، هذا الذي يرضى لنفسه أن ينازع ربه سبحانه في صفة من صفاته وهي أنه ملك الملوك سبحانه، قال: (أغيظ رجل على الله يوم القيامة وأخبثه وأغيظه عليه رجل كان يسمى ملك الأملاك، لا ملك إلا الله) .

стр. 398

أسماء غيرها النبي ﷺ من السنة تغيير الاسم القبيح، فقد روى مسلم عن ابن عمر ﵄: (أن رسول الله ﷺ غير اسم عاصية وقال: أنت جميلة)، ولاحظ أن جميلة ليس عكس عاصية، فلا يشترط أنه إذا سمي باسم قبيح أن يغير إلى عكسه، ولكن يغير باسم آخر، والعاص وعاصية كانت من الأسماء المشهورة عند أهل الجاهلية، وليس له علاقة بأنه عاصٍ لله ، إنما يقصد عاصي على الخلق، والعصا سميت عصا لكونها قوية لا تنثني، وفلان عاصٍ أي: أنه يعصي على الخلق، ولا أحد يثنيه، ولا أحد يدوس له على جانب، ولا يأخذ أوامر من أحد، والعرب كان فيهم العصبية والعنجهية وحب النفس، وانظروا إلى بلاد الروم والفرس، هؤلاء أناس أذلة، فالذي يصلح للملك فيهم هي عائلة واحدة فقط عائلة كسرى وعائلة قيصر، أما نحن العرب فكل واحد منا يصلح أن يكون ملكاً من الملوك، فنظرتهم لأنفسهم نظرة غرور، ولذلك ما كانوا يتحدون أبداً، بل يضرب بعضهم بعضاً، فهذا معنى عاصي، أي: أنا لا أطيق أن أسمع كلام أحد، ولذلك رفضوا أن يقبلوا من النبي ﷺ دعوته، وقال قائلهم: هو نبي ونحن سنأتي بنبوة من أين؟ لن نؤمن به، غيرة وحسداً له صلوات الله وسلامه عليه أن الله يهبه هذه النبوة العظيمة، فكل واحد منهم يريد أن يكون ملكاً، فكانوا يتباهون بمثل ذلك، فكلمة عاصي وعاصية، معناه: أنه لا يخضع لأحد من الخلق، فالنبي ﷺ منع من هذه التسمية، وغير اسم عاصية إلى جملية. وروى ابن ماجة هذا الحديث وأن ابنة لـ عمر ﵁ هي من كانت مسماة بذلك فسماها رسول الله ﷺ جميلة. وفي صحيح البخاري عن سعيد بن المسيب عن أبيه المسيب بن حزن: أن أباه حزناً جاء إلى النبي ﷺ فقال: (ما اسمك؟ قال: حزن)، وحزن معناه: المرتفع والناشز من الأرض، والوعر من الأرض والجبل، تقول: هذه الأرض منها السهل وهو الوادي تمشي فيه، ومنها الحزن المرتفع الوعر، الذي يصعب المشي فيه، فالرجل اسمه وعر، فلما قال ذلك قال النبي ﷺ : (بل أنت سهل، فقال: لا أغير اسماً سمانيه أبي)، قال ابن المسيب الحفيد: فما زالت الحزونة فينا بعد، بمعنى: الصعوبة وغلظ الطبائع والشدة، وسعيد بن المسيب كان من سادة التابعين وهو فقهائهم، وأعلم الناس بقضايا عمر رضي الله تعالى عنهم، ولكن يقول: بسبب هذا الذي فعله جدي صارت الحزونة في العائلة كلها متوازنة فينا؛ لأنه لم يغير هذا الاسم الذي غيره النبي ﷺ . وروى أبو داود هذا الحديث، وفيه: أن النبي ﷺ قال (ما اسمك؟ قال: حزن، قال: أنت سهل، قال: لا، السهل يوطأ ويمتهن)، فكان السبب في امتناعه هو أنه يعلم أن السهل كل الناس يطئون عليه، وهو يريد أن يكون مرتفعاً عن هذا الشيء، كأن اسم الوعر أعجبه، ليس أي أحد يدوس عليه، قال: سعيد: فظننت أنه سيصيبنا بعده حزونة، كأنه يقول: غالب ظني أو يقيني أننا أصابتنا الحزونة، وليست من الحزن، ولكن من الوعورة، وصعوبة الأخلاق. قال أبو داود في سننه: وغير النبي ﷺ اسم العاصي وعزيز وعتلة وشيطان والحكم وغراب وحباب وشهاب، أي: هذه أسماء كانت موجودة في عهد النبي ﷺ ، والعرب كانوا يتسمون بهذه الأسماء. فاسم عزيز اسم لله ، ولا يليق بإنسان أن يتسمى به، فلذا غيره النبي ﷺ . أما عتلة ففيه معنى الغلظة والشدة ولذا غيره النبي ﷺ ، وكذلك أبو الحكم كما سيأتي في الحديث بعد ذلك. واسم غراب لم يعجب ذلك النبي ﷺ ؛ إذ الغراب يسقط على الجيف ويأكل النتانة، فغيره النبي ﷺ ، وكذلك تقول للإنسان: اغرب عن وجهي، أي: ابتعد، والغراب معناه البعد؛ لأنه بعيد، فهنا حتى لا يتشاءم الناس بمثل هذا الاسم غيره النبي ﷺ اسم غراب لأنه أخبث الطيور، وأيضاً يقع على الجيف ونحوها. أما حباب فهو اسم شيطان؛ ولذا غيره النبي ﷺ ، وكذلك من أسماء الحية، المتحبى فغيره النبي ﷺ ، وإن كان هذا الاسم أيضاً يطلق على غير ذلك، لوجود بعض التسمية فيه، فكره النبي ﷺ ذلك، وله معانٍ حلوة، فيأتي بمعنى الحب والحبيب والحباب، ولكن لما كان مشتركاً بين الخبيث والطيب غيره النبي ﷺ ؛ لأن أول ما يتوهم منه هو المعنى القبيح. كذلك غير اسم شهاب ﴿فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ [الصافات:١٠]، فهو اسم يدل على النار والنارية، فكره النبي ﷺ ذلك، والشهاب شعلة من النار فكره أن يتسمى المؤمن بذلك. وغير صلوات الله وسلامه عليه أسماء قبيحة مثل: حرب وسماه سلماً، وشهاب غيره إلى هشام، وهشام وهاشم كأنها مأخوذة من الكرم، والهاشم والهشام كانوا يهشمون الثريد ويطعمون الحجيج ذلك، فسمي هاشماً هاشماً لذلك؛ لأنه يقدم للناس الثريد، يهشم لهم الخبز ويضع عليه الطعام واللحم وغيره ويقدم للحجيج، وغير اسم المضطجع إلى المنبعث. وأرض كان اسمها عفرة، أي: مجدبة، فغير اسمها ﷺ وسماها: خضرة، وكان هناك شعب -وهو الطريق بين الجبلين- كان اسمه شعب الضلالة، فغير اسمه ﷺ وسماه: شعب الهدى، وشعب بني الزنية، وهي قبيلة كانت تسمى بذلك، والزنية من الزنا والعياذ بالله، فغير النبي ﷺ هذا الاسم، فلا يليق بإنسان مسلم أن يلقب بذلك فسماهم: بني الرشدة، فغير الاسم القبيح إلى مستحسن. وقبيلة كانت تمسى ببني موغويه، من الغي والضلال، فسماهم بني رشدة. وفي سنن أبي داود عن أسامة بن أغدري ﵁ أن رجلاً يقال له: أصرم كان في النفر الذين أتوا رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ (ما اسمك؟ قال: أنا أصرم)، وصرم النخل معناه: الحصاد، فكأن معناه من الحصاد، فكره النبي ﷺ الاسم وسماه زرعة، وقال: (بل أنت زرعة). وفي الصحيحين عن سهل بن سعد ﵁: (أن النبي ﷺ أتي بـ المنذر بن أبي أسيد حين ولد، فوضعه النبي ﷺ على فخذه وأبو أسيد جالس، فلها النبي ﷺ بشيء بين يديه -أي: انشغل به- والغلام على حجره، فأمر أبو أسيد بابنه فاحتمل من على فخذ رسول الله ﷺ يقلبوه)، وهذا من أدب الصحابة، لما وجد النبي ﷺ مشغولاً بشيء أخذ ابنه وأمرهم أن يعيدوه إلى البيت، (فاستفاق رسول الله ﷺ مما كان يشغله، فقال: أين الصبي؟ فقال: أبو أسيد: قلبناه يا رسول الله وأعدناه إلى البيت، فقال: ما اسمه؟ قال: فلان -وكأن اسم الغلام كان اسماً قبيحاً- فقال النبي ﷺ : لا، ولكن اسمه المنذر، فسماه يومئذ المنذر). وفي صحيح مسلم عن زينب بنت أبي سلمة قالت: (كان اسمي برة)، ومعناه: البارة العظيمة البر، وهو اسم فيه تزكية، فالنبي ﷺ كره ذلك، وغير هذا الاسم الذي يدل على التزكية، قالت: (فسماني رسول الله ﷺ زينب، قالت: ودخلت عليه زينب بنت جحش، واسمها برة فسماها زينب)، فهذه زينب بنت أبي سلمة غير اسمها فسماها زينب، وكان اسمها برة، وكذلك زينب بنت جحش كان اسمها برة فغير النبي ﷺ اسمها وسماها زينب. وروى أبو داود عن محمد بن عمرو بن عطاء: أن زينب بنت أبي سلمة سألت محمد بن عمرو بن عطاء: ما سميت ابنتك؟ قال: سميتها برة، فقالت: (إن رسول الله ﷺ نهى عن هذا الاسم، وحكت عن نفسها أنه كان اسمي برة، فقال النبي ﷺ : لا تزكوا أنفسكم)، أي: دعوا من الأسماء التي فيها معاني التزكية، وإن كان كل اسم فيه من هذا، ولكن برة كأنها الجامعة لخصال البر، العظيمة البر، فمنع النبي ﷺ من ذلك، وهذا كله على وجه الكراهة، قالت: (وقال: الله أعلم بأهل البر منكم، قال: ما نسميها؟ قال: سموها زينب). أيضاً روى أبو داود والنسائي عن مقدام بن شريح، عن أبي شريح عن أبيه هانئ: (أنه لما وفد إلى رسول الله ﷺ مع قومه سمعهم يكنونه بـ أبي الحكم فدعاه، فقال: إن الله هو الحكم، وإليه الحكم)، أي: كيف يلقبونك أو يكنونك بـ أبي الحكم؟ وهذا من تلطفه ﷺ معه -وكان يمكنه بداية أن يغير اسمه- لأن له شأناً في قومه، فسأله النبي ﷺ : (لم تكنى بـ أبي الحكم؟ فقال: إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمت بينهم فرضي كلا الفريقين)، كان له شأن في قومه بحيث إذا اختلفوا مع بعض يذهبون إليه فيحكم بينهم ويرضي الجميع بحكمه، (فقال رسول الله ﷺ : ما أحسن هذا!)، وهذا من أدبه الجم وتلطفه ﷺ ، قال: (فما لك من الولد؟ قال: لي شريح و

стр. 399

أحكام الكنى يجوز التكني، أن تكني إنساناً وتكتني أنت، ويستحب تكنية أهل الفضل من الكبار من الرجال والنساء، سواء كان لهم أولاد أو لم يكن لهم أولاد، فقد يكون للرجل ولد ويكنى بأبي فلان، وقد لا يكون له ولد أيضاً ويكنى بأبي فلان. ففي سنن أبي داود عن عائشة ﵂ قالت: (يا رسول الله! كل صواحبي لهن كنى)، أي: كل نساء النبي ﷺ لهن كنى وأنا ليس لي كنية، فقال النبي ﷺ : (فتكني بابنك عبد الله)، يعني: عبد الله بن الزبير وهو ابن أختها أسماء، فكانت تكنى بـ أم عبد الله، وهي ليس عندها ولد، ولكن اكتنت باسم ابن أختها، والخالة بمنزلة الوالدة كما جاء عن النبي ﷺ . ويجوز التكنية بغير أسماء الآدميين، فيقال: أبو هريرة، وهريرة تصغير الهرة وهي القطة، وكذلك أبو المكارم، والمكارم صفة معنوية من الصفات، وكذلك أبو الفضائل، وأبو المحاسن ونحو ذلك. ويجوز تكنية الصغير أيضاً؛ لأن النبي ﷺ جاء عنه في حديث أنس ﵁ قال: (إن كان النبي ﷺ ليخالطنا حتى يقول لأخ لي صغير -أخ لـ أنس - يا أبا عمير ما فعل النغير؟)، وهو صبي صغير كان يلعب بعصفور، فالنبي ﷺ يكنيه يا أبا عمير!! إذاً: يجوز التكنية للصغير وللكبير. ولا بأس بمخاطبة الكافر والفاسق والمبتدع بكنيته، ولا تؤلف له اسماً آخر، فإذا كان له كنية فناده بها، والقرآن يفيد ذلك، فهذا أبو لهب عم النبي ﷺ كانت كنيته أبا لهب لشدة جماله، كأن وجهه يتلهب من جماله، فكان يكنى بذلك، ونزل القرآن يتوعده بالنار: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد:١]، ولم يأت باسمه الحقيقي ولكن ذكره بكنيته لأنه مشهور بها، وهذا دليل على أنه يجوز أن يخاطب الكافر والفاسق والمبتدع باسمه وبكنيته التي يعرف بها. وفي الصحيحين أن النبي ﷺ قال لـ سعد بن عبادة: (ألم تسمع إلى ما قال أبو حباب؟) وهو رأس النفاق عبد الله بن أبي ابن سلول، فقد كانت كنيته أبا حباب، فقال النبي ﷺ لـ سعد بن عبادة: (ألم تسمع إلى ما قال أبو حباب)، وكان قد قال كلاماً بذيئاً كريهاً مع النبي ﷺ ، وأنف أن يمر النبي ﷺ راكباً حماره به، وأمره أن يبتعد عنه، وأنه زعم أن رائحة الشم تؤذيه، حتى إن بعض الصحابة الذين كانوا مع النبي ﷺ قالوا: والله لريح حمار رسول الله ﷺ أطيب عندنا من ريحك، وكادوا يقتتلون بعضهم مع بعض، فهدأهم النبي ﷺ وشكاه لسيد قبيلته سعد بن عبادة ﵁، فلما ذكره ذكره بكنيته. وعبد الله بن أبي ابن سلول لابد أن تكتب (ابن سلول) بألف، وإذا لم تكتب فسيكون سلول جده، لكن سلولاً أمه، ولذلك إذا قلت: فلان بن فلان بن فلان ابن فلانة فلا أن تضع الألف لتبين أن هذه أمه وليس جده.

стр. 400

استحباب التأذين في أذن المولود وتحنيكه السنة أن يؤذن في أذن المولود عند ولادته ذكراً كان أو أنثى. فإذا ولد لك مولود ذكراً أو أثنى فأذن في أذنه، فقد روى أبو داود عن أبي رافع ﵁ قال: (رأيت رسول الله ﷺ أذن في أذن الحسن بن علي حين ولدته فاطمة بالصلاة)، وجاء حديث: (أنه يؤذن في اليمنى ويقيم الصلاة في اليسرى) ولكنه ضعيف، فيكتفى بالتأذين. والسنة أن يحنك المولود عند ولادته بتمر، كما في الصحيحين عن عائشة ﵂: (أن النبي ﷺ كان يؤتى بالصبيان فيبرك عليهم، ويحنكهم)، أي: يدعو لهم بالبركة ﵊، ويحنكهم بالتمر الممزوج بريقه الكريم الطاهر ﷺ ويجعله في فم الصبي، ويحنكه بأصبعه، أي: يدوره ويمسح به داخل فم الصبي بهذا الريق الطاهر مع التمر، قالت: (فأتي بصبي فبال عليه، فدعا بماء فأتبعه بوله ولم يغسله)، صلوات الله وسلامه عليه، هذا لفظ مسلم. وفي الصحيحين عن أسماء ﵂ أنها حملت بـ عبد الله بن الزبير، قلت: فخرجت وأنا متم -أي: في الشهر التاسع- فأتيت المدينة فنزلت بقباء فولدته بقباء، ثم أتيت به النبي ﷺ . وولادة عبد الله بن الزبير كانت لها فرحة خاصة عند المسلمين؛ لأنه لما قدم اليهود المدينة زعموا -وهم كاذبون كفار مجرمون- أن المسلمين لا يولد لهم مولود، وقالوا: للمسلمين: إننا قد سحرناكم، ولن يولد لكم مولود في المدينة، فلما قدمت وولدت في المدينة فرح المسلمون، وعرفوا أن اليهود كاذبون، وأن أمر الله سبحانه لا يرده أحد أبداً. قالت: (ثم أتيت به النبي ﷺ فوضعته في حجره، ثم دعا بتمرة فمضغها، ثم تفل في فيه، فكان أول شيء دخل جوفه ريق رسول الله ﷺ ، ثم حنكه بتمرة)، أي: أول شيء وضع ريقه الكريم في فمه، ثم أخذ تمرة ومضغها ثم مسح بها فم الغلام، وبرك عليه، أي: دعا له بالبركة وأن الله يبارك له وعليه. وكان أول مولود ولد في الإسلام بعد الهجرة في المدينة هو عبد الله بن الزبير ﵁.

стр. 401

النهي عن معاقرة الأعراب مما يتعلق بهذا الباب: النهي عن معاقرة الأعراب، فما هي معاقرة الأعراب؟ المعاقرة: من العقر، والعقر هو الذبح، وكان الأعراب يتبارون فيما بينهم ليعلم من أكرم وخاصة الشعراء، فكان كل منهم يقول قصيدة يمدح نفسه أنه أكرم الناس، وأن أباه كان كذا وكذا، وجده كان كذا، فيتفاخرون ثم يدفعهم هذا التفاخر وهم يسوقون الأنعام إلى الماء -وهم على الماء- إلى أن يبدأ أحدهم ويضرب بالسيف رقبة جمله، والثاني يضرب رقبة جمله، حتى يضرب الأول مائة، والثاني لم يقدر إلا على خمسين فقط، فنهى الشرع عن الأكل من هذه الذبائح؛ لأنها لم تذبح لله، وإنما للفخر وليقال: فلان أكرم من فلان، فيعاقب الاثنان بألا نأكل من هذا وكلوها أنتم أو اتركوها حتى تعفن، فهكذا أنت خسرت مالك، وهذا تأديب عظيم من الشريعة للإنسان الذي يتباهى ويفتخر بنفسه، فيصل الأمر إلى الذبح، ويفعل هذا الأمر رياءً وسمعة وليس لله ، فشبه ذلك بما ذبح لغير الله؛ لأن النية هنا بالذبح وجدت لأنك ذبحت، ولو لم يذبح الأول لما ذبح الثاني، فهي لغير الله . روى أبو داود عن ابن عباس ﵄ قال: (نهى رسول الله ﷺ عن معاقرة الأعراب)، وفي الحديث الآخر عن أنس: (لا عقر في الإسلام)، وروى أحمد عن أنس: (أخذ النبي ﷺ على النساء حين بايعهن ألا ينحن)، نهى عن النياحة، وأخذ البيعة على المرأة ألا تنوح على أحد، قال: فقلن: (يا رسول الله! إن نساءً أسعدننا في الجاهلية)، الإسعاد هنا كأنه من الألفاظ التي يراد بها العكس، أي: المرأة جاءت تبكي وتنوح معي على الذي مات عندي، فأنا أريد أن أسعدها إذا مات لها أحد (أفنسعدهن في الإسلام؟ فقال النبي ﷺ : لا إسعاد في الإسلام)، فليس في الإسلام أن امرأة تنوح مع أخرى وتبكي معها لكي تشجعها على البكاء والنياحة فهذا حرام. قال: (لا إسعاد في الإسلام ولا شغار)، والشغار نوع من أنواع الأنكحة التي كانت في الجاهلية، وهو: أن يتزوج الرجل أخت الرجل، والآخر يتزوج بأخت الأول أو ابنته على أن يجعل مهر الأولى هو مهر الثانية، فنهى الإسلام عن ذلك، فالمهر حق المرأة وليس حقاً لوليها، قال: (ولا عقر في الإسلام)، وهو على المعنى الذي ذكرناه من ذبح الأعراب على وجه الرياء والسمعة، قال: (ولا جلبة في الإسلام ولا جنبة)، الجلب والجنب أشياء من أبواب الخديعة، وهو خداع في السباق، فالإسلام يحث على تدريب الخيل وإعداد القوة للعدو، ولكن من غير خداع وخيانة، فشرع سباقاً بين الخيل ليرى من الذي درب خيله وجعلها قوية ويستحق أن يأخذ مكافئة على ذلك، فكان السباق موجوداً في الإسلام، وليس هو الرهان المعروف عند الناس فهذا قمار منهي عنه، وهو من الكبائر، ولكن السباق المشروع هو أن يضع الحاكم جائزة للفرس ولصاحبه؛ لأنه رباه وأدبه وعلمه ليستعين به على الجهاد، فكانوا يحدثون أشياء من الخديعة في ذلك، ففي أثناء السباق يركب الواحد فرسه، ويجهز فرساً آخر في الطريق يسمي الجنب أو المجنبة، ويكون عبده واقفاً به في وسط الطريق، وعندما يصل السيد إلى مكان العبد يكون فرسه الأول قد تعب فيأخذ ما مع العبد ويكمل السباق به ليغلب، وهذا خداع، وأحياناً عندما يصل إلى مكان معين يكون هناك أناس يصيحون بحيث إن الحصان يجري أسرع، وهذا يسمى تشجيعاً، لكن هناك حصان يتشجع وآخر يفزع، وربما يخاف ويفر بصاحبه ولا يكمل السباق، فنهى النبي ﷺ عن ذلك، فلا خداع في المسابقات بين المسلمين ولا خيانة فيها. قال: (ومن انتهب فليس منا)، النهبة كإنسان يجد المال أمامه ويخطفه ويهرب، كرجل كان يذبح أضحيته، وقطع منها قطعة وأخذها ذلك وهرب بها، فلا نهبة في الإسلام، ونهى النبي ﷺ عن ذلك. روى مسلم عن علي ﵁ قال: (حدثني النبي ﷺ بكلمات أربع، قال: لعن الله من لعن والديه، ولعن الله من ذبح لغير الله، ولعن الله من آوى محدثاً، ولعن الله من غير منار الأرض)، الشاهد من هذا الحديث قوله: (لعن الله من ذبح لغير الله)، فيذبح رياءً وسمعة، ونيته ليست لله سبحانه، فيعاقب هذا الإنسان بأنه لا يأكل ما ذبحه ويترك، قال: (لعن الله من لعن والديه) وهذا على وجه الإطلاق، والمعنى الوالد أو الوالدة. وقوله: (ولعن الله من ذبح لغير الله)، من ذبح لغير الله داخل في هذا الباب. (ولعن الله من آوى محدثاً)، وهو الإنسان الذي يحدث معصية يستوجب بسببها الحد ثم يهرب، ثم يقوم آخر ويؤيه ويخبئه، كإنسان يلزمه القصاص ويبحثون عنه لأنه ظالم، ورجل يخبئه، وهو كذلك بمعنى أن يعينه على بدعة، فمن يخترع بدعة أو يعين صاحبها عليها فهذا ملعون. (ولعن الله من غير منار الأرض)، التي هي علامات الطريق، وعلامات الأرض، أو علامات إرشادية في الطريق فيقلب اللوحة للجهة الأخرى ويضيع الناس في الطريق، فهذا ملعون. وروى أبو داود عن ابن عباس ﵄: (أن النبي ﷺ نهى عن طعام المتباريين أن يأكلا)، يعني: داخلين في مباراة من يذبح أكثر، فقال: لا هذا ولا هذا، لا تأكلوا من أحد، وعاقبوا الاثنين حتى لا يفعل الناس مثل ذلك. يذكر هذه الأحاديث شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ويقول: روى ابن أبي شيبة في تفسيره عن أبي ريحانة: سئل ابن عباس عن معاقرة الأعراب، فقال: إني أخاف أن تكون مما أهل لغير الله به. إذاً: نهي النبي ﷺ عنها قد يكون سببه أنها مما أهل لغير الله به، وحكمها حكم الذبح للأصنام. روى دحيم في تفسيره عن الجارود بن أبي سبرة قال: كان من بني رباح رجل يقال له: ابن وائل، وكان شاعراً نافر الفرزدق بماء بظاهر الكوفة، والفرزدق شاعر معروف وهذا شاعر آخر نافره، أي: قال: أنا أقول شعراً أحسن منك، ونذبح ونرى من أكرم، أنت تزعم أنك كريم وأنا أزعم ذلك، فنافره على ذلك وعمل مسابقة معه على من يذبح أكثر من الإبل. قال: على أن يعقر هذا مائة من إبله وهذا مائة من إبله إذا وردت الماء، فلما وردت الإبل الماء قاما إليها بأسيافهما، وبدأ كل منهما يذبح، فجعلا يكشفان عراقيبها، فخرج الناس على الحمير والبغال، وهذه فرصة، فكل الناس الذين سمعوا أن الفرزدق والثاني سوف يذبحان أرادوا أن يأخذوا شيئاً، قال: وعلي ﵁ بالكوفة، فخرج على بغلة رسول الله ﷺ البيضاء وهو ينادي: يا أيها الناس! لا تأكلوا من لحومها، فإنها أهل بها لغير الله، أي: هذه كانت رياءً وسمعة، وليست نسكاً يذبح لله سبحانه، فلا أحد يأكل منها، يقول شيخ الإسلام: فهؤلاء الصحابة قد فسروا ما قصد بذبحه غير الله داخلاً فيما أهل به لغير الله، والله أعلم. وهكذا نكون قد أنهينا هذا الكتاب، نسأل الله أن يجعله خالصاً لوجهه، وأن ينفع من قرأه ومن تعلم منه، وأن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 402

شرح كتاب الجامع لأحكام العمرة والحج والزيارة - أحكام رمي الجمرات وطواف الوداع يرمي الحاج في يوم النحر جمرة العقبة، ثم يطوف طواف الإفاضة ويحلق وينحر، ثم يرمي في أيام التشريق الجمرات الثلاث مرتبة الصغرى ثم الوسطى ثم الكبرى بسبع حصيات، يكبر مع كل واحدة منها، ويلزمه المبيت بمنى إلا لعذر، وإن فرط فعليه دم، ويجب أن يبيت بمنى اليوم الأول والثاني، وإن غربت شمس الثاني وهو بمنى لزمه المبيت اليوم الثالث ورمي الجمار، ثم يذهب ويطوف الوداع، وليكن آخر عهده بالبيت.

стр. 403

رمي الجمرات الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. ذكرنا في الحديث السابق مناسك الحج وبلغنا إلى رمي الجمرات. ففي يوم النحر يرمي الحاج جمرة العقبة الكبرى فقط، ويتحلل بها التحلل الأول، ويسمى: التحلل الأصغر، وبعد أن يرمي الجمرة ينحر هديه، ويحلق شعره، ثم يطوف طواف الإفاضة، ثم يرجع إلى منى فيبيت بها، ويرمي الجمرات الثلاث في كل يوم من أيام منى، وهي: اليوم الثاني والثالث إن تعجل، وإن بات اليوم الرابع من أيام العيد ولم يتعجل فيرمي الجمرات كذلك.

стр. 404

أيام رمي الجمرات إذا فرغ الحاج من طواف الإفاضة والسعي رجع إلى منى عقب فراغه، فإذا رجع صلى بها الظهر، والنبي ﷺ جاء عنه أنه صلى الظهر في يوم النحر في مكة، وجاء عنه أيضاً أنه صلى في منى، وكأنه صلى بالناس في مكة، فلما رجع إلى منى صلى بأصحابه نافلة له ولهم فريضة. والله أعلم. فإذا رجع إلى منى صلى بها الظهر، ثم يقيم في منى لرمي أيام التشريق ومبيت لياليها، ومع الزحام الشديد الموجود الآن قد يصعب الوصول إلى مكة ليطوف ويسعى، ثم يرجع إلى منى ليصلي الظهر، ولكن إذا تيسر له فعل، وإذا لم يتيسر صلى الظهر بمكة، والمهم هو المبيت في منى؛ لأن ليالي منى هي الواجبة، أما الأيام فمن الممكن أن يخرج يومياً ويطوف بالبيت ثم يرجع إلى منى، ففي النهار لا يجب عليه الإقامة بمنى، ولكن يسن له ذلك، والواجب هو المبيت بالليل. واليوم الأول من أيام التشريق يسمى يوم القر، وهو مأخوذ من القرار بالمكان؛ لأنهم قارُّون بمنى. واليوم الثاني من أيام التشريق هو يوم النفر الأول. وأيام العيد أربعة: اليوم الأول: يوم النحر، وقد انتهى الكلام عليه، والحجاج في فجر هذا اليوم يصلون في مزدلفة، وبعد ذلك يقفون عند المشعر الحرام بعد صلاة الفجر حتى اصفرار الشمس قبل طلوعها، ثم يتوجهون إلى منى، وفي منى يرمون جمرة العقبة بسبع حصيات، ثم ينحرون، ثم يحلقون، ثم يتوجهون إلى البيت ويطوفون طواف الإفاضة، ويسعى من كان عليه سعي، ثم يرجعون بعد ذلك إلى منى، وتكون الأيام الآتية: يوم النحر: انتهت مناسكه. اليوم الثاني: يوم القر. اليوم الثالث من أيام العيد واسمه: يوم النفر الأول. اليوم الرابع من أيام العيد واسمه: يوم النفر الثاني. وفي يوم القر وهو الثاني من أيام العيد لابد للجميع أن يمكث هناك، ولا يجوز لأحد أن ينفر من منى وينهي المناسك بذلك، وإنما اليوم الثالث هو الذي يجوز لهم أن ينفروا فيه من منى ويتعجلون.

стр. 405

كيفية رمي الجمرات ولو أنهم أكملوا الرمي في الأيام الأربعة سيكون المجموع سبعون حصاة: سبع منها لجمرة العقبة في يوم العيد، وثلاث وستون حصاة للأيام الباقية وهي أيام التشريق، فيرمي كل يوم الجمرات الثلاث: جمرة العقبة الأولى وهي الصغرى، ثم الثانية الوسطى، ثم الثالثة الكبرى، ويرمي كل جمرة بسبع حصيات، ويأخذ كل يوم إحدى وعشرين حصاة، فيأتي الجمرة الأولى وهي التي تلي مسجد الخيف وهي أولاهن من جهة عرفات؛ لأن مكة في الإمام ومنى في النصف بين الاثنين، إذاً: الجمرة الأولى ستكون أقرب لعرفات أو ناحية عرفات. والجمرة التالية يتقدم نحوها باتجاه مكة، وهي الجمرة الوسطى، ثم بعدها الجمرة الكبرى، وهي أقرب الجمرات إلى مكة. فيأتي الجمرة الأولى حتى يكون ما عن يساره أقل مما عن يمينه، إذاً: هو متوجه إلى الجمرة، والجمرة أمامه، واتجاهه يكون للقبلة وهو يرمي الجمرة الأولى. وموقف النبي ﷺ كان ما عن يساره أقل مما عن يمينه، فلو فرضنا أن مكان الجمرة محدود بطرفين عن اليمين وعن اليسار فكأنه أقرب لليسار قليلاً، ويرمي الجمرة وهو متوجه للقبلة من أي مكان، المهم أن يرميها سواء من الدور الأرضي، أو من فوق الكوبري، أو من أي مكان رماها فكله جائز، ولكن الأفضل هو موقف النبي ﷺ لمن استطاع. إذاً: الجمرة الأولى يكون أقرب لليسار منه إلى اليمين، ووجهه للقبلة، ثم يرمي الجمرة بسبع حصيات يقول مع كل حصاة: الله أكبر ويرمي. ثم يتقدم عنها وينحرف قليلاً ويجعلها خلفه، ويقف في موضع لا يصيبه المتطاير من الحصى الذي يرمى به، فيستقبل القبلة، ويحمد الله تعالى ويكبر ويهلل ويسبح ويدعو مع حضور القلب وخضوع الجوارح، ويمكث قدر سورة البقرة -هذا فعل النبي ﷺ يدعو ما استطاع، لكن مع الزحام الشديد أحياناً تدفع الناس بعضها بعضاً، ولا يستطيع أن يقف، فإذا استطاع أن يقف ويدعو فترة طويلة فهذا حسن. وإذا كان وقوفه سيضيق على الناس المرور فلا يقف، والمكان قد يموت فيه أناس ويسقط فيه أناس، فلا يضيق عليهم، وفي هذا المكان كثيراً ما يحصل الزحام ووقوع وموت بعض الناس بسبب أخطاء يفعلها الحجاج. ومن أخطائهم: الكسل، فتجد الرجل يرجع للخيمة من أجل أن يأخذ ما سيذهب به إلى مكة، ويأخذ معه البطانية وحقائبه، ويمشي بها في الزحام، ثم مع الزحام لا يقدر أن يشد حقيبته ويعرقل من وراءه، وإذا سقط أحد لا يقدر أن يقف بسبب الزحام الشديد، والذي يقع يداس بالأرجل، ولذلك إذا كنت سترمي الجمرة فلا تأخذ معك أكثر من حصياتك التي سترميها، ولا تضايق أحداً بها، حتى لو سقط حذاؤك فلا تتعب نفسك لتأخذه، فقد لا تستطيع الوقوف. ومن أخطاء الحجاج أنه إذا ضاع نعله يدفع يميناً وشمالاً يريد أن ينزل ليأخذه، ثم يعرقل الذي وراءه ويؤذي الحجاج. فلابد أن يكون الإنسان رفيقاً بالناس رحيماً، ولا يؤذي من معه بالأمتعة في هذا المكان، إذ المكان ليس مكان حمل أمتعة، وإذا رميت فارجع وخذ حاجاتك التي سوف توصلها إلى مكة إذا كان لك حاجات تذهب بها إلى هناك. وبعدما وقف ودعا سيتقدم للجمرة الثانية، وهي الجمرة الوسطى، ويصنع فيها كما صنع في الأولى، ويقف للدعاء كما وقف في الأولى، ويتركها عن يمينه ويتقدم قليلاً منقطعاً عن أن يصيبه الحصى، ثم إذا رماها أيضاً وهو متوجه إلى القبلة سيتركها عن يمينه؛ لأن موقف النبي ﷺ عند الجمرة الكبرى كان على اليسار، وسيكون الطريق أسهل ليتقدم حتى يصل إلى الجمرة الثالثة بعد ذلك. ثم يأتي الجمرة الثالثة، وهي جمرة العقبة التي رماها يوم النحر، فيرميها من بطن الوادي ولا يقف عندها للذكر، ويجعل مكة عن يساره ومنى عن يمينه. إذاً: كل جمرة يرميها مستقبلاً للقبلة، إلا الثالثة فلا يستقبل فيها القبلة، ولو استقبلت القبلة وأنت في الدور الأرضي من أجل أن ترميها سيكون أمامك السور وليس نفس المرمى؛ لأن كل جمرة عبارة عن دائرة، والجمرة الكبرى نصف دائرة مؤخرها سور، فلو وقفت تحت ورميتها وأنت مستقبل القبلة فلن تصل إليها، فلا بد أن تكون إما أمامها وظهرك للقبلة، وإما عن يمينها أو شمالها، فموقف النبي ﷺ كان على اليسار، وكانت مكة عن يساره ﷺ ، ومنى عن يمينه يستقبلها ويرميها من بطن الوادي صلوات الله وسلامه عليه. وبعد رمي الجمرة الثالثة لا يوجد دعاء، لكن في الجمرة الأولى وقف ودعا دعاء طويلاً، وكذلك الجمرة الثانية بعدما رمى وقف ودعا دعاء طويلاً. جاء في صحيح البخاري عن ابن عمر ﵄: (أنه كان يرمي الجمرة الدنيا -أي: القريبة- بسبع حصيات، يكبر على إثر كل حصاة، ثم يتقدم حتى يسهل -أي: ينزل في السهل- فيكون مستقبلاً القبلة، فيقوم طويلاً ويدعو ويرفع يديه، ثم يرمي الوسطى، ثم يأخذ ذات الشمال فيسهل ويقوم مستقبلاً القبلة، فيقوم طويلاً ويدعو ويرفع يديه، ثم يرمي جمرة ذات العقبة من بطن الوادي، ولا يقف عندها، ثم ينصرف، ويقول: هكذا رأيت النبي ﷺ يفعل). هذه الكيفية التي ذكرناها في الرمي: أن الجمرة الأولى يجعلها عن يمينه أكثر مما هي عن يساره ويرمي، ثم يتقدم قليلاً ويقف ويدعو، ثم يتقدم إلى الثانية ويفعل مثلما فعل في الأولى، ثم يتقدم عن الشمال إلى الثالثة ويقف، ويجعل جانبه الأيسر إلى مكة وجانبه الأيمن إلى منى، ويرمي تلقاء وجهه. هذا كله من السنة، لكن الفرض الذي فيه هو رمي كل واحدة بسبع حصيات، وأن يرتبها، فيبدأ بالأولى، ثم الثانية، ثم الثالثة. كما أن الدعاء والذكر وغيرهما مما زاد على أصل الرمي هو مستحب، فإذا رمى الأولى ثم انطلق إلى الثانية ولم يدع أو دعا قليلاً فقد ترك الفضيلة ولا شيء عليه. عليه أن يرمي في المرمى سواء كان بحذائه أو فوقه أو في الطوابق العليا قريباً منه أو بعيداً، والشرط أن تقع الحصيات في المرمى، وليحذر الحاج من إيذاء أحد في رميه.

стр. 406

وقت رمي الجمرات هذا هو اليوم الأول من أيام التشريق وهو ثاني أيام العيد الذي نسميه يوم القر. في اليوم التالي من أيام التشريق -ثالث أيام العيد وهو يوم النفر الأول- سيفعل كما فعل بالأمس، إذاً كان المبيت فرضاً عليه يبيت في منى أغلب الليل، أو النصف الثاني من الليل، فإذا بات في منى حتى أصبح سينتظر حتى وقت صلاة الظهر ليرمي بعد الزوال. وفي ثالث أيام التشريق -وهو رابع أيام العيد- يفعل كذلك، ولا يكون الرمي إلا بعد الزوال، أي: وقت صلاة الظهر، فإذا زالت الشمس يرمي الجمرات، ووقتها يمتد إلى الفجر الثاني من تلك الليلة، والوقت المستحب ينتهي قبل غروب الشمس، ويجوز الرمي إلى بعد الغروب حتى الفجر، فقد قال رجل للنبي ﷺ : (رميت بعدما أمسيت، قال: لا حرج)، إذاً: الأمر مفتوح أمامه، وبحسب الزحام الشديد يختار الوقت الذي ليس فيه زحام ليرمي فيه الجمرات، فوقتها إلى الفجر الثاني من تلك الليلة، إلا آخر أيام التشريق وهو آخر أيام العيد، فإن الرمي سيكون فيه حتى غروب الشمس فقط، وبعد غروب الشمس لا يوجد رمي. يشترط في الرمي الترتيب بين الجمرات: فيبتدئ من الجمرة الأولى، ثم الثانية، ثم الثالثة، ولو بدأ بالثانية فلا تحسب ويرجع ليرمي الأولى، ويشترط وقته على ما فعل النبي ﷺ . وإن ترك الوقوف عندها والدعاء ترك السنة ولا شيء عليه.

стр. 407

اشتراط العدد في الرمي إذاً: كل يوم سيرمي الجمرات الثلاث بإحدى وعشرين حصاة، كل جمرة بسبع حصيات إلا أن ينسى، وإذا نسي حصاة أو جهل الحكم فرمى بأقل من سبع حصيات، فالراجح أنه لا شيء عليه، وإن تصدق بشيء فحسن؛ لما روى النسائي عن مجاهد قال: قال سعد ﵁: (رجعنا في الحجة مع النبي ﷺ وبعضنا يقول: رميت بسبع حصيات، وبعضنا يقول: رميت بست، فلم يعب بعضهم على بعض)، فمن جهل الحكم فلا شيء عليه ولكن لا يتعمد ذلك، وإذا نسي أرمى بست أو بسبع؟ فإذا كان مازال واقفاً فيرمي السابعة، وإذا انصرف وانتهى الوقت لو تصدق بشيء فحسن، وإذا لم يفعل فلا شيء عليه. والخمس حصيات واجبة؛ لأن الصحابة قالوا: ست أو سبع وما عاب أحد على أحد، إذاً: أقل من ذلك يعاب على فاعله فإذا استدرك ورماها فقد فعل ما عليه، وإذا لم يستدرك ذلك فبحسب عدد الحصيات التي تركها جزء من الدم، كما سنفصل في ذلك. إذاً: إذا أخل بحصاة واجبة من الأولى لم يصح رمي الثانية حتى يكمل الأولى؛ فإن لم يدر من أي الجمار تركها بنى على اليقين، أي: لو أنه انتهى من الرمي وقال: الجمرة الثانية رميتها بست حصيات فقط، فلا شيء عليه؛ لأن الصحابة فعلوا ذلك ولم ينكر بعضهم على بعض، ولكن لو أنه رمى بأربع حصيات فقط فقد أخل بالواجب الذي عليه، ويرجع إلى الجمرة الثانية ويكمل الباقي، وبعد ذلك يبدأ من الجمرة الثالثة من جديد ويرميها بسبع حصيات، هذا معنى أنه يبني على اليقين. ولو فرضنا أنه رمى أربع حصيات لكن نسي في أي منها، في الأولى أو الثانية أو الثالثة؟ فنقول له: ابن على اليقين، ويعتبرها في الأولى، ويرجع ويرميها ثلاثاً ويكمل السبع، ويعيد رمي الجمرة الثانية والثالثة.

стр. 408

الموالاة والترتيب في رمي الجمرات ينبغي أن يوالي بين الحصيات في الجمرة الواحدة، ولا يجب، فلو رجع بعد فترة وكمل الأولى فلا شيء عليه، لكن الترتيب: الجمرة الأولى ثم الثانية ثم الثالثة هو فعل النبي ﷺ ، وقد قال: (خذوا عني مناسككم). وإذا أخر الرمي كله أو بعضه إلى آخر أيام التشريق فقد ترك السنة ولا شيء عليه، إلا أنه يقدم بالنية رمي اليوم الأول ثم الثاني ثم الثالث، فلو أنه بسبب عذر من الأعذار مثل شدة الزحام لم يتمكن من الرمي في اليوم الأول ولا الثاني، فعليه رمي كل الجمرات الماضية، ويبدأ برمي الجمرة الأولى ثم الثانية ثم الثالثة، ثم يرجع ويرمي عن اليوم الثاني وهكذا، لكن الآن صعب جداً أن يفعل هذا، فيرخص في أنه يرمي الجمرة الأولى عن أول يوم، ثم عن اليوم الذي يليه، ثم عن اليوم الذي يليه، ثم عن اليوم الذي هو فيه، والثانية كذلك، والثالثة كذلك، فينوي أن هذه السبع الحصيات عن اليوم الأول، وهذه السبع الحصيات عن اليوم الثاني، وهذه السبع الحصيات عن اليوم الثالث، ثم ينطلق إلى التي تليها وهكذا، هذا إذا كان له عذر، وإذا كان ليس له عذر فلا شيء عليه وهو مسيء في ذلك، وبعض أهل العلم يلزم في هذه الأحوال بالدم، ولكن الراجح أن وجوب الدم في ذلك فيه نظر؛ لأن النبي ﷺ رخص للرعاة أن يرموا يومين في يوم، فهذا مقصر، ولكن إلزامه بالدم يحتاج إلى دليل.

стр. 409

حكم رمي الجمرات ليلاً يجوز الرمي بالليل؛ لما في صحيح البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: (كان النبي ﷺ يسأل يوم النحر بمنى فيقول: لا حرج، فسأله رجل فقال: رميت بعدما أمسيت، فقال: لا حرج)، فهذا الحديث فيه ترخيص في الرمي حتى الليل، وإن كان بعض أهل العلم اعترض على ذلك، ومنهم الإمام أبو محمد ابن قدامة ﵀ فقد قال: ليس في الحديث دليل، والمساء الأصل فيه أنه بعد الزوال، فعلى ذلك يكون المقصود أنه رمى بعد وقت الزوال، لكن هذا فيه تضييق المعنى اللغوي للمساء من بعد الزوال حتى منتصف الليل، وكلام ابن قدامة له وجهة من النظر، حيث إنه يذكر أن الرجل قال: في يوم النحر. وفي رواية قال: سأل الرجل النبي ﷺ يوم النحر، قال: واليوم يكون في النهار وليس في الليل، فعلى ذلك هو رمى في عصر هذا اليوم قبل غروب الشمس؛ لأنه ذكر يوم النحر، لكن لعل راوي الحديث ذكر أن هذا في يوم النحر، وقد يطلق اليوم كله من أوله إلى آخره حتى بعد الغروب، يقول: هذا اليوم الذي نحن فيه يوم النحر، والرجل قال: رميت بعدما أمسيت، وعلى المعنى اللغوي أنه في العشاء أو المغرب، كما يقول: صليت العشاء في يوم النحر في المكان الفلاني، والعشاء هي من الليلة التالية وليست من هذا اليوم، ولكن كأنه قاله تجوزاً، وهذا فيه رخصة مع وجود الزحام الشديد، فللحاج أن يأخذ بالمعنى اللغوي في قوله: (بعدما أمسيت). إذاً: إلى منتصف الليل، أو إلى الليل، ولا يشترط نصف الليل أو أكثر من ذلك، فيرمي في النهار ويرمي بالليل، لكن لا يرمي هذه الجمرات في اليوم الثاني والثالث والرابع من أيام العيد قبل الزوال، ولو رمى في كل جمرة أربع عشرة حصاة سبعاً عن يومه وسبعاً عن أمسه جاز، أي: أنه يرمي الجمرة الأولى عن اليوم بالنية، وعن الأمس بالنية أيضاً، وبعد ذلك انتقل إلى الجمرة التي تليها، وكأنه في كل جمرة يرمي أربع عشرة حصاة، هذا الراجح الجواز فيه. ويشترط تفريق الحصيات ولا ينفع أخذ سبع حصيات ورميها مرة واحدة مهما تكن الظروف، ومهما يكن العذر فيها، فإنه أحياناً مع الزحام الشديد تريد أن تخرج الحصاة من يدك الشمال لتأخذها باليمين ومع شدة الزحام يصعب ذلك، فتضع يدك هذه على هذه وتأخذ منها الجمرة وترميها فيكون هذا صعباً جداً، فلابد من رمي كل حصاة وحدها. الحكم في رمي جمرة العقبة إذا أخرها كالحكم في رمي أيام التشريق في أنها إذا لم ترم يوم النحر رميت من الغد، ويلزمه الترتيب بنيته، فهذه عن جمرة البارحة فيذهب ويرمي سبع حصيات ثم هذه عن اليوم يرميها بسبع حصيات.

стр. 410

حكم من ترك رمي الجمرات من ترك الرمي في الأيام كلها فعليه دم، ومن ترك رمي أحد الأيام الثلاثة فعليه ثلث دم، ومن ترك بعض الحصيات فعليه أن يتصدق بطعام. إذاً: الرمي كله الواجب عليه يوم العيد، واليوم الذي يليه يكون يوم القر، واليوم الثالث يوم النفر الأول، ومجموع الرمي كله الراجح أنه واجب، فإذا ترك الرمي كله كان عليه دم، فإذا ترك جزءاً منه يوماً منه أو بعضاً منه كان عليه بقدر هذا الذي ترك. إذاً: يقسم الرمي الواجب عليه، والواجب عليه هو رمي ثلاثة أيام، فإذا ترك الثلاثة كان عليه دم، فإذا ترك بعضها ولم يرجع لرميه كان عليه جزء دم، فيوم العيد ثلث دم، واليوم الذي يليه ثلث دم، واليوم الذي يليه ثلث دم. فمن ترك الرمي في الأيام كلها فعليه دم، ومن ترك رمي أحد الأيام الثلاثة فعليه ثلث دم، ومن ترك بعض الحصيات فعليه أن يتصدق بطعام، وإذا انتهى ولم يرجع إلى رمي هذه الجمرات كان عليه بعض الشيء، والواجب الذي عليه إذا لم يمكث إلى ثالث أيام التشريق آخر أيام العيد ونفر مع المتعجلين، كان عليه رمي ثلاثة: يوم العيد واليوم الذي يليه والذي يليه، والثلاثة فيها دم، فإذا ترك بعضها يوماً كاملاً، أي: ترك إحدى وعشرين حصاة لم يرمها فعليه ثلث دم، وإذا رمى يوم العيد وثاني أيام التشريق وثالث يوم نفر من غير أن يرمي، أو رمى قبل الزوال وانطلق كان عليه ثلث دم أو أن يرجع ويرميها، ولو ترك الجمرة الثالثة يتصدق بشيء، وهنا لن نقول: ثلث الدم. ومتى خرج قبل رميه فات وقته واستقر عليه الفداء: الواجب في ترك الرمي إذا خرج من دون أن يرمي أي شيء من الجمرات كان عليه دم كامل في ذلك. والواجب أن يرمي بعد الزوال عند وقت صلاة الظهر ولا يجوز قبله، إلا إذا كان قضاء عن اليوم السابق؛ لأن اليوم السابق له أن يرميه حتى قبل طلوع الفجر، لكن لو لم يتمكن فرمى بعد طلوع الفجر فيكون هذا قضاء عن اليوم السابق، لكن لا يرمي لليوم الذي هو فيه إلا بعد الزوال.

стр. 411

وقت رمي الجمرات أيام التشريق اختلف العلماء في وقت رمي الجمرات في أيام التشريق: هل هو من بعد الزوال أم لا؟ اختيار الإمام أبي حنيفة على تفصيل في مذهبه أنه قبل الزوال، وجمهور أهل العلم ومنهم صاحبا أبي حنيفة محمد بن الحسن وأبو يوسف على أنه لا يجوز الرمي في كل أيام التشريق إلا بعد الزوال، وعن أبي حنيفة قولان: قول: أنه يجوز أن يرمي في أيام التشريق كلها قبل الزوال. وقول آخر: أنه في آخر أيام التشريق يوم النفر الثاني إذا مكث في البيت يجوز أن يرمي قبل الزوال، وهذا وافقه عليه إسحاق بن راهويه. إذاً: أبو حنيفة خالفه صاحباه في أنه لا يجوز الرمي في أيام التشريق إلا بعد الزوال، وأبو حنيفة اختلف عنه القول: هل آخر يوم فقط من أيام التشريق يرخص له أن يرمي قبل الزوال وينفر؟ هذا قول وافقه عليه إسحاق، والقول الثاني: أنه في كل أيام التشريق له أن يرمي قبل الزوال، لكن خالفه صاحباه؛ لأن النص لم يأت بذلك، فلم يرم النبي ﷺ إلا بعد الزوال. والصواب قول جمهور أهل العلم: أنه لا يجوز الرمي إلا بعد الزوال. وهناك أيضاً خلاف في امتداد وقت الرمي هل يمتد إلى الليل أو لا يمتد؟ مذهب الشافعي: أنه يجوز أن يرمي حتى قبل الفجر الثاني أداء، فإذا كان بعده فيكون قضاء. ومذهب مالك: أنه لا يجوز له أن يرمي بعد غروب الشمس, وهذا الراجح في المسألة، والإمام أحمد يرى أن قوله: (رميت بعدما أمسيت) أنه في يوم العيد، فلا يرمي بالليل، لكن الراجح: أن المساء يدخل فيه الليل على مقتضى المعنى اللغوي، فعلى ذلك يجوز أن يرمي، وهذا رخصة للناس وتيسيراً عليهم في أن يرمي بالنهار وبالليل.

стр. 412

الحكمة من رمي الجمرات الحكمة من الرمي: يذكر الإمام النووي ﵀ ذلك ويقول: قال العلماء: أصل العبادة الطاعة، وكل عبادة فلها معنى قطعاً؛ لأن ربنا لا يأمرنا بشيء هباء، ولا يأمرنا بشيء لغير حكمة، وإنما كل شيء بحكمة علمها من علمها وجهلها من جهلها، فالعبادات كلها لحكم من الله ، فالشرع لا يأمر بالعبث، فمعنى العبادة قد يفهمه المكلف وقد لا يفهمه، فالحكمة من الصلاة: التواضع، والخضوع، وإظهار الافتقار إلى الله ، والذل بين يديه سبحانه. والحكمة من الصوم: كسر النفس، وقمع الشهوات، والإحساس بإحساس الإنسان الفقير الجائع المسكين المحروم فيعطف عليه. والحكمة من الزكاة: المواساة بماله للفقير، ويستشعر أن هذا محتاج فيعطيه. والحكمة من الحج: أن يقبل العبد على ربه سبحانه أشعث أغبر من مسافات بعيدة إلى بيت الله سبحانه، كإقبال العبد إلى مولاه ذليلاً، فهو يقبل موحداً ربه سبحانه، مستشعراً يوم القيامة يوم يقوم الناس لرب العالمين، فيستشعر في وقوفه بعرفة وطوافه بالبيت شعور العبد الذليل بين يدي مولاه ، وأنه محتاج إلى ربه يدعوه ويرجو منه رحمته . ومن العبادات: السعي بين الصفا والمروة، وهي عبادة يستشعر بها كيف كانت هاجر تجري في هذا المكان بين الصفا والمروة تبحث عن الماء لابنها، فهذه حكمة من الحكم، ولا نقول: إنها كل الحكم، والحكمة الحقة يعلمها الله ، فأمرنا بذلك لكي يستشعر الإنسان في ذهابه من الصفا إلى المروة ورجوعه من المروة إلى الصفا احتياجه إلى الله ، والإلحاح على ربه في الدعاء، فيقف هنا فيدعو، ويقف هنا فيدعو، فهو محتاج إلى ربه في كل وقت، ولعل هذا الدعاء لم يستجب ولن يستجاب إلا الدعاء الثاني، فيتعود على الإلحاح والله يحب من عبده أن يلح عليه في الدعاء، فيستجيب له . ورمي الجمرات من هذه العبادات، يرمي فيتخيل إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام وهو يرمي الشيطان بهذه الجمرات، فالإنسان يفعل كما فعل إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فقد روى الحاكم عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ : (أن إبراهيم الخليل ﷺ لما أتى المناسك عرض له الشيطان عند جمرة العقبة، فرماه بسبع حصيات حتى ساخ في الأرض)، أي: حتى دخل بداخل الأرض وغاص وهرب من إبراهيم ﵊: (ثم عرض له عند الجمرة الثانية فرماه بسبع حصيات حتى ساخ في الأرض، ثم عرض له في الثالثة فرماه بسبع حصيات حتى ساخ في الأرض) قال ابن عباس ﵄: الشيطان فارجمون، وملة أبيكم فاتبعون. هذا الحديث المرفوع والموقوف فيه بيان الحكمة وهي: أنك تتشبه بإبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام وأنت ترمي بهذه الحصيات، ولكن الذي يوصل ذلك هو الله ، فلست أنت الذي ستوجع الشيطان عندما ترمي الجمرة بشدة أو ترمي بطوب أو بحديد أو برصاص، ليس هذا الذي سيؤلم الشيطان، وإنما الله هو الذي يفعل ذلك. مثل الإشارة في الصلاة بالسبابة، فأنت تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله ﵊، وتشير بالتوحيد، والنبي ﷺ يقول: (لهي أشد على الشيطان من الحديد)، إذاً: إشارتك بالتوحيد، وتحريكك للسبابة أشد على الشيطان من الحديد، فلا يقل أحد: سأحركها بشدة من أجل تكون أشد! ولكن الحركة وحدها وكونك أشرت بالتوحيد هذه أشد على الشيطان من الضرب بالحديد، والذي يفعل ذلك بالشيطان هو الله ، إذاً نحن علينا الاتباع والاقتداء بالنبي ﷺ ، والله هو الذي يفعل بالشيطان ما يريده سبحانه. إذاً: عندما نرمي الجمرات نرمي بالحصى الصغير، ونرمي مثلما رمى إبراهيم، ولا نأتي بحجر أكبر من أجل أن نؤلم الشيطان أكثر! فهذا من البدع، ولم يأمر النبي ﷺ بذلك، وإنما نهى عن ذلك، ونهاهم أن يؤذي بعضهم بعضاً.

стр. 413

الإنابة في رمي الجمرات العاجز عن الرمي بنفسه لمرض أو حبس ونحوهما يستنيب من يرمي عنه، إذاً: يجوز للإنسان المريض أو المرأة التي لا تقدر مع شدة الزحام، أو للعجوز، أو الشيخ الكبير أن يوكل أو يستنيب من يرمي عنه؛ لأن وقت الرمي وقت مضيق، وقد تنتهي أيام العيد من غير أن يرمي، ويكون عليه دم في ذلك، وسواء كان المرض مرجو الزوال أو غير مرجو الزوال، وسواء استناب بأجرة أو بغيرها، وسواء استناب رجلاً أو امرأة كل هذا جائز، وأحياناً مجموعة من النساء توكل إنساناً للرمي عنها؛ لأنها لا تقدر أن تذهب إلى الجمرات فترميها، فيجوز أن يرمي عن نفسه وعن هذه وعن غيرها. ولو أغمي على المحرم قبل الرمي ولم يكن أذن في الرمي عنه لم يصح؛ لأن الاستنابة إقامة الغير مقام نفسك، وأنت الآن لم تستنب إنساناً ولم توكل أحداً، فلا يصح أن يتوكل لك من غير أن توكله، فلو أن إنساناً مغمى عليه، فلا يأتي آخر ويقول: سأرمي عن فلان، فهو لم يوكلك أصلاً في ذلك. إذاً: الاستنابة تكون عن الإنسان المفيق وليس عن المغمى عليه، لكن إذا كان قد أذن له وكان مريضاً وقال: يا فلان! ارم عني في هذه الأيام فلا أقدر أن أرمي، ثم أغمي عليه في خلال هذه الأيام، فلا شيء عليه، فالآخر يرمي عنه وفي هذه الحالة لا يحتاج إلى إذن جديد. وينبغي أن يستنيب العاجز حلالاً أو من قد رمى عن نفسه، فإن استناب من لم يرم عن نفسه فينبغي أن يرمي النائب عن نفسه: مثل النيابة في الحج، فالذي يحج عن غيره لابد أن يكون قد حج عن نفسه، وكذلك الذي سيرمي عن الغير لابد أن يكون قد رمى عن نفسه، فإذا استنابك إنسان في الرمي فترمي عن نفسك أولاً، ثم ترمي عن هذا الإنسان. أيضاً لو أن الذي يرمي عن نفسه وعن غيره بدأ بالجمرة الأولى، ثم الثانية ثم الثالثة عن نفسه، ثم رجع فرمى عن الآخر فقد خرج من الخلاف الذي في المسألة. والراجح: أنه يجوز أن يرمي عن نفسه ثم عن غيره، فعند الجمرة الأولى يرمي عن نفسه بنية أنها لنفسه، ثم يرمي بنية أنها لفلان، وهذا قول الأحناف، وقول في مذهب الشافعية، وهو الذي نختاره في مثل هذا الزحام الموجود الآن، ويصعب جداً أن نأمر إنساناً بقول الجمهور: ارم الثلاث ثم ارجع للأولى وارمها حتى الثالثة، فالراجح: أنه لا يوجد دليل يمنع من أن يرمي عن نفسه ثم يرمي عن غيره وهو في مكانه ذلك، فيرمي عن نفسه الجمرة الأولى، ثم يرميها عن غيره، ثم يتقدم إلى الثانية ويرميها عن نفسه، ثم يرميها عن غيره، والثالثة كذلك.

стр. 414

المبيت بمنى ليالي أيام التشريق المبيت بمنى ليالي التشريق الثلاث من الواجبات في الحج وليس من أركان الحج، إلا أنه إذا نفر النفر الأول سقط مبيت الليلة الثالثة، إذاً: الليلة الأولى يبيتها وهي صباح ثاني أيام العيد، والليلة الثانية هي صباح ثالث أيام العيد، فلو أنه جلس حتى غروب الشمس في هذا اليوم بمنى فيلزمه أن يبيت الليلة الثالثة، لكن لو أنه رمى عند الزوال وانصرف قبل غروب الشمس فلا يلزمه المبيت إلا في الليلتين السابقتين. والأكمل أن يبيت بها كل الليل من المغرب حتى الفجر، لكن لو أنه كان في وقت الغروب خارج منى، ثم رجع عند العشاء أو بعده، فالنصف الثاني من الليل لابد أن يكون فيها، فالواجب أن يبيت بها معظم الليل، هذا الفرض الواجب الذي عليه.

стр. 415

حكم من ترك المبيت أو بعضه ليالي التشريق بمنى فإن ترك مبيت ليالي التشريق الثلاث لزمه دم، وإن ترك إحدى الليالي الثلاث فعليه ثلث دم: إذا ترك الثلاث كلها ونفر من غير أن يوكل من يرمي له الجمرات فعليه دم، وإذا كان معذوراً في رمي الجمرات فينصرف ولا يبيت، ثم يوكل في ذلك، فهذا لا شيء عليه، وإذا كان لا عذر له في رمي الجمرات ويقدر على الرمي فوكل من غير عذر فعليه دمان: دم من أجل ترك الرمي، ودم من أجل ترك المبيت. وإن ترك إحدى الليالي الثلاث فعليه ثلث دم، ولو ترك ليلة المزدلفة وليالي التشريق فعليه دمان، دم لليلة مزدلفة؛ لأنه واجب من الواجبات، ودم لليالي منى، هذا فيمن لا عذر له، ففي ليلة المزدلفة قد يكون معذوراً في أنه لم يبت فيها، كإنسان أحرم في يوم عرفة أو في ليلة العيد، وكان محصوراً أو ممنوعاً حتى توجه ووقف في عرفة قبل فجر العيد، فهذا لا يجب عليه المبيت بمزدلفة؛ لأنه فاته فسقط عنه، ولا يجب عليه دم. ولو خرج من عرفات راكباً السيارة ومتوجهاً إلى المزدلفة، وفي الطريق تعطلت السيارة، أو مع شدة الزحام وصلوا مزدلفة وقت الضحى، فكيف يبيت فيها؟ فهذا معذور ولا شيء عليه، لكن الذي يلزمه وهو غير المعذور إذا ترك مع قدرته التوجه إلى المزدلفة وذهب إلى منى مباشرة فعليه دم بسبب ترك المبيت.

стр. 416

ترك المبيت بمنى لأهل الأعذار من ترك مبيت مزدلفة أو منى لعذر مثل رعاء الإبل وأهل السقاية فلا دم عليهم، فرعاة الإبل لا يستطيع أن يترك إبله، فقد تسرق، أو لا تأكل فتموت، أو يحدث لها أي شيء، وكذلك أهل السقاية لا دم عليهم، ويلحق بهم من كان مريضاً مرضاً شديداً واضطروا لنقله إلى المستشفى مثلاً بسبب ذلك. وقد جاء في الحديث: (أن رسول الله ﷺ رخص لرعاء الإبل في البيتوتة يرمون يوم النحر، ثم يرمون الغداة ومن بعد الغد بيومين، ويرمون يوم النفر)، وفي الصحيحين عن ابن عمر ﵄ قال: (استأذن العباس بن عبد المطلب ﵁ رسول الله ﷺ أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته، فأذن له)، ورواه أحمد بلفظ: (أن العباس استأذن رسول الله ﷺ في أن يبيت بمكة أيام منى من أجل السقاية، فرخص له). وفي هذا الحديث دليل على وجوب المبيت بمنى، وكونه رخص لهذا فهو لغيره عزيمة وليست رخصة، وهو من مناسك الحج؛ لأن التعبير بالرخصة يقتضي ذلك، وأن الإذن وقع للعلة المذكورة، وإذا لم توجد هذه العلة ولم يوجد معنى هذه العلة لم يحصل الإذن، ولم تحصل الرخصة. ورعاء الإبل وأهل السقاية لهم إذا رموا جمرة العقبة يوم النحر أن ينفروا ويدعوا المبيت بمنى ليالي التشريق. إذاً: المبيت في ليالي التشريق لا يكون واجباً عليهم من أجل السقاية؛ لأنهم يكونون موجودين في مكة يسقون الحجيج، وأهل الرعاء: الذي يبيعون للحجيج الإبل والشياه وغيرها في موسم الحج لا يقدر أن يبيت مع الناس؛ لأنه سيحضر غنمه وإبله ويدخلها مع الناس في هذا المكان، فعلى ذلك يحتاجون أن يبيتوا في الخارج بإبلهم وأغنامهم. وللصنفين جميعاً أن يدعوا رمي يوم القر وهو الأول من أيام التشريق، ويقضوه في اليوم الذي يليه قبل رمي ذلك اليوم، وليس لهم ترك يومين متواليين، والمعنى: إذا كانوا في يوم العيد رموا ولهم أن ينفروا، ويذهبوا عند إبلهم وغنمهم أو عند السقاية، وسيأتون في اليوم الثاني لرمي الجمرة لهذا اليوم وللغد، وإما أنهم لن يأتوا يوم القر ويمكثون هنالك ويأتون يوم النفر الأول ليرموا للبارحة ولهذا اليوم، فهم سيرمون يومين بالخيار، ويوم العيد لابد من الرمي فيه، وبعد ذلك سيخرجون لرعاية الإبل أو لسقاية الحجيج، وإما أن يأتوا في اليوم الثاني للرمي عن هذا اليوم واليوم الذي يليه، أو لا يأتون في يوم القر ويأتون في اليوم الثالث من أيام العيد يرمون عن البارحة وعن هذا اليوم. وإن تركوا رمي اليوم الثاني من أيام التشريق بأن خرجوا اليوم الأول بعد الرمي عادوا في اليوم الثالث، وإن تركوا رمي اليوم الأول بأن خرجوا يوم النحر بعد رمي جمرة العقبة عادوا في اليوم الثاني، ثم لهم أن ينفروا مع الناس، وإذا غربت الشمس والرعاء بمنى لزمهم المبيت تلك الليلة ورمي الغد. والراعي لابد من أن يبيت، إلا إذا تعذر الأمر في أن الإبل ستموت لو لم يكن معها بالليل فهذا أمر آخر، لكن الرخصة كانت لمن يسقي أنه لا يبيت؛ لأن السقيا يحتاجونها بالليل والنهار، ورعاء الإبل الغالب أنه لا يحتاج لذلك إلا بالنهار وقت المبيع، لكن إذا استدعى الأمر ليلاً ونهاراً فالظاهر أنه يرخص له كسقاة الحجيج. ويجوز لأهل السقاية أن ينفروا بعد الغروب؛ لأن عملهم بالليل، بخلاف الرعي، والنبي ﷺ رخص للعباس، فنقول: غير أهل السقاية لابد لهم من المبيت إلا أصحاب الأعذار من هؤلاء، ورخصة السقاية لا تختص بـ العباس، ولكن لكل من يقوم بهذا الأمر. ومن المعذورين في ترك المبيت ليلة المزدلفة وليالي منى من أصحاب الأعذار في ذلك: من له مال يخاف ضياعه لو اشتغل بالمبيت، فلو كان له إبل أو بقر أو أغنام موجودة في مكان خارج منى، وتحتاج للحراسة، ولو دخل وبات في منى ضاعت وسرقت في هذا المكان، فيرخص له أن يبيت مع ماله ولا يلزمه شيء، أو كان يخاف على نفسه، أو كان به مرض يشق معه المبيت، ولو بات في منى قد يحدث له شيء فيحتاج إلى المبيت في المستشفى هذه الليالي، فهذا معذور. أو كان معه مريض يحتاج إلى تعاهده، كإنسان معه أبوه وهو في المستشفى، ويحتاج إلى أن يكون معه في هذا الوقت، فهذا عذر له ورخصة أشد من رخصة السقاية والرعاية، أو كانا يطلب ضالة أو تائهاً تاه منه كابنه أو أمه يبحث عنها في خارج منى، فهذا أيضاً معذور، إذ كيف سنلزمه بالمبيت وهو يبحث على التائه؟ أو يشتغل بأمر آخر يخاف فوته، فيجوز له ترك المبيت ولا شيء عليه في ذلك. وكذلك من ضاقت عنهم منى مع شدة الزحام، فهذا عذر من الأعذار الموجودة الآن، فقد يصلون إلى منى فلا يجدون مكاناً يبيتون فيه، أو لا توجد لهم خيام ومكان بمنى، أو لم يستطيعوا دخولها وضاعت الليلة وهم خارج منى، وهذا يحدث كثيراً، كمن ذهب ليرمي الجمرة وبعد ذلك ذهب وطاف بالبيت، ثم أراد الرجوع فلم يجد شيئاً يوصله، والزحام شديد جداً فظل محبوساً خارج منى فترة طويلة، وأحياناً يحولونهم على طرق أخرى، فيذهب ولا يستطيع الوصول إلى منى، فهذا معذور في ذلك، فقد ضاع عليه الليل وهو على هذه الحال، إذاً: الراجح أنه لا شيء عليه في ذلك وهو معذور. ولو ترك المبيت بمزدلفة أو بمنى ناسياً كان كتركه عامداً: هذه صورة ثانية، فالمعذور لا شيء عليه، فقد حاول أن يدخل منى ولكنه ما استطاع، لكن هذا نسي ونام في مكة، فحكمه حكم المقصر، فإذا كانت ليلة واحدة فعليه ثلث دم، وفي الليالي الثلاث دم كامل.

стр. 417

النفر من منى إذا مكث الحجاج في منى أيام التشريق، ورموا الجمرات بعد الزوال وباتوا في منى، يأتي بعد ذلك النفر في آخر الأيام، والنفر إما أن يكون في اليوم الأول من أيام النفر وهو ثالث أيام العيد، أو في اليوم الثاني، ويجوز النفر في اليوم الثاني من أيام التشريق، ويجوز في اليوم الثالث من أيام التشريق، وهذا مجمع عليه؛ لقوله سبحانه: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة:٢٠٣]، والتأخير حتى رابع أيام العيد أفضل؛ لأن هذا فعل النبي ﷺ ، ومن أراد النفر الأول فينفر قبل غروب الشمس، وإذا غربت الشمس وهو في منى فيلزمه أن يبيت في هذه الليلة هنالك، فإذا نفر قبل غروبها سقط عنه مبيت ليلة اليوم الثالث من أيام التشريق، ورمي اليوم الثالث، ولا دم عليه، ولو لم ينفر حتى غربت الشمس وهو مازال في منى لزمه المبيت بها تلك الليلة ورمي يومها. فيجوز للحاج التعجيل في النفر من منى في اليوم الثاني ما لم تغرب الشمس، ولا يجوز بعد الغروب، وهذا مذهب الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد، أما مذهب أبي حنيفة فلو دخل عليه الليل فله أن ينفر حتى قبل الفجر، وإذا طلع عليه الفجر في آخر أيام العيد آخر أيام التشريق فيلزمه المكث لرمي الجمرات. والجمهور احتجوا بقول الله : ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [البقرة:٢٠٣]، وهذا تعجل في اليوم الثاني فانصرف، وفي الآية ذكر اليوم ولم يذكر الليلة، هذا قول الجمهور وهو الأولى في ذلك، ويدل عليه ما جاء عن عمر ﵁ قال: (من أدركه المساء في اليوم الثاني بمنى فليقم إلى الغد حتى ينفر مع الناس). وجاء عن ابن عمر كذلك بإسناد صحيح: (من غربت عليه الشمس من أوسط أيام التشريق وهو بمنى فلا ينفرن حتى يرمي الجمار من الغد)، وعلى ذلك من غربت عليه الشمس وهو هناك في منى فيبيت حتى آخر أيام العيد، لكن لو رحل فغربت الشمس وهو سائر، وهذا يحصل كثيراً مع الزحام الشديد، فالحجاج قد يركبون الباص، والباص لا يتحرك مع الزحام حتى تغرب الشمس وهم مازالوا في منى، فهؤلاء لهم حكم الراحل، أما الماكث في الخيمة المقيم فيلزمه أن يبيت، لكن الذي أخذ بالأسباب وركب سيارته لكن مع شدة الزحام لم يخرج، فلا شيء عليه حتى لو خرج وقت العشاء. وإذا نفر من منى النفر الأول أو الثاني انصرف من جمرة العقبة وهو يكبر ويهلل، ولا يصلي الظهر بمنى، بل يصليها بالمنزل -وهو المحصب- أو غيره، ولو صلاها بمنى جاز على حسب ما تيسر له. وهذا الكلام إذا كان المكان في آخر أيام العيد سهلاً، فمثلاً خمسة وتسعون في المائة من الحجيج نفروا في اليوم الأول، فسوف تكون منى فارغة في آخر أيام العيد، ولو رأيت الحجيج، ورأيت الزحام وشدته والعبادة لله سبحانه، فستعرف الفرق بين ثالث يوم العيد ورابع يوم العيد، ففي ثالث يوم العيد ترى منظر الحجاج والتلبية والتكبير وذكر الله تستشعر بالحج، أما في آخر أيام العيد ومنى فارغة تستشعر بالوحشة، وبعد ذلك عندما تذهب تزور منى تحس بالفرق بين وجود الحجيج في منى وبين فراغها، ففي أيام الحج تستشعر بمعنى العبادة، فالذي ينفر من منى في آخر أيام التشريق هذا أفضل له، والأفضل أن يرمي عند وقت الزوال، ولا يصلي الظهر في منى بل في مكة أو في المحصب، وهو مكان عند الحجون ناحية مقبرة مكة، واسمه: المحصب، أو الأبطح، أو البطحاء، أو المعرس، وهو المكان الذي توجه إليه النبي ﷺ بعدما نفر وصلى الظهر هنالك ﵊.

стр. 418

طواف الوداع ليس على الحاج بعد نفره من منى إلا طواف الوداع، وهو ليس من مناسك الحج، ولكنه تابع له، وواجب عليه أن يطوف هذا الطواف. فيستحب إذا خرج من منى أن ينزل بالمحصب؛ لأن النبي ﷺ نزل به، وجاء عن أنس: (أن رسول الله ﷺ صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء ورقد رقدة بالمحصب، ثم ركب إلى البيت فطاف للوداع به)، والمحصب: داخل بيوت مكة، فيصعب أن تجري في الشارع وتنزل وتعمل هذه الأشياء، إذاً تذهب إلى مكة فتصلي الظهر والعصر والمغرب والعشاء هنالك في مكة. وجاء عن عائشة قالت: نزول الأبطح ليس بسنة، إنما نزله رسول الله ﷺ لأنه كان أسمح لخروجه، وجاء عن ابن عباس مثل ذلك أيضاً. وطواف الوداع سمي طواف الوداع لأنه توديع البيت، وسمي طواف الصدر لأنه يصدر من البيت، من صدور الناس من مكة عند صدورهم من منى.

стр. 419

وقت طواف الوداع وحكمه ووقته بعد فراغ المرء من جميع أموره؛ ليكون آخر عهده بالبيت، على ما جرت به العادة في توديع المسافر إخوانه وأهله، فيكون آخر شيء يودع أهله قبل أن يسافر، إذاً: البيت أولى آخر من تودعه بيت الله . فإذا أراد الخروج طاف للوداع، وصلى ركعتي الطواف: فمثلاً: رجل يريد أن يسافر من مكة إلى المدينة، أو من مكة إلى بلده، فيطوف طواف الوداع، وهو واجب؛ لما جاء عن ابن عباس ﵁ فيما رواه مسلم قال: (كان الناس ينصرفون في كل وجه، فقال رسول الله ﷺ : لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت)، وهو عبادة مستقلة تلزم كل من حج. وفي العمرة يسن أن تطوف للوداع، ولكنه في الحج فرض؛ لما جاء عن النبي ﷺ ، وليس هو من ضمن المناسك التي يقوم بها الإنسان في الحج، ولكن هذا تابع لهذا الذي أداه، لقول ابن عباس: (كان الناس ينصرفون في كل وجه، فقال رسول الله ﷺ : لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت)، وفي رواية أخرى: (لا ينفرن أحد من الحاج حتى يكون آخر عهده بالبيت)، وفي رواية ثالثة عن ابن عمر: (من حج البيت فليكن آخر عهده بالبيت إلا الحُيض، رخص لهن رسول الله ﷺ . إذاً: الحاج لابد أن يطوف طواف الوداع، والراجح: أنه ليس من مناسك الحج. جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (ثلاث للمهاجر بعد الصدر)، أي: أنه إذا انتهى من مناسك الحج يمكث ثلاثاً، وفي رواية: (للمهاجر إقامة ثلاث بعد الصدر بمكة) كأنه يقول: لا يزيد عليها فليس له أن يمكث إلا ثلاثة أيام، وليس له أن يطوف الوداع في هذه الأيام الثلاثة في أولها، بل يطوف بعدما ينتهي. إذاً: الذي هاجر من مكة إلى المدينة ليس من حقه أن يقيم بمكة بعد ذلك، إذ الهجرة لله سبحانه، وليس له أن يرجع إلى مكة، فيحرم على المهاجر أن يرجع إلى مكة مرة أخرى، ولذلك فإن مكة كانت أحب البلاد إلى النبي ﷺ ، ولم يكن له ﷺ أن يقيم بها، فهاجر إلى المدينة هجرة لله ، وكذلك الصحابة الذين هاجروا معه من مكة إلى المدينة ليس لهم أن يرجعوا فيقيموا بمكة بعدما فتحت، فماذا لهم؟ لهم إذا ذهبوا لحج أو عمرة أن يمكثوا بعدما أنهوا المناسك ثلاثة أيام فقط. فهنا في هذا الحديث يقول للمهاجرين: ليس لكم أن تقيموا بمكة بعدما انتهت المناسك إلا ثلاثاً، وإذا انتهت مناسك هؤلاء فالحج انتهى، ويقيمون ثلاثة أيام، ثم نأمرهم بطواف الوداع إذا خرجوا. إذاً: طواف الوداع ليس من مناسك الحج، وإنما هو شيء تابع له، فإذا حج الإنسان البيت وانتهى من مناسكه كلها وجب عليه أن يطوف طواف الوداع، وجمهور أهل العلم على أن طواف الوداع واجب، والبعض يقول: هو من مناسك الحج، والبعض يقول: إنه ليس من المناسك، وهذا الراجح، فهو متعلق بالذهاب للحج، فيلزمه أن يطوف هذا الطواف.

стр. 420

حكم من ترك طواف الوداع وإذا خرج بلا وداع عصى ولزمه العود للطواف؛ لأمر النبي ﷺ بذلك، ما لم يبلغ مسافة القصر، أي: إذا بدأ في السفر انتهى أمر طواف الوداع، فلا يجب عليه العود، وإنما يلزمه دم بتركه هذا الواجب.

стр. 421

حكم طواف الوداع على الحائض والنفساء ليس على الحائض ولا على النفساء طواف وداع، فهو رخصة، فالحائض التي طافت طواف الإفاضة وحاضت بعده لا يلزمها أن تنتظر انقضاء الحيض حتى تطوف طواف الوداع، ويسقط عنها هذا الطواف. قالت عائشة ﵁: (حاضت صفية ليلة النفر، فقالت: ما أراني إلا حابستكم)، وكانت طافت طواف الإفاضة، فأخبرت عائشة بذلك النبي ﷺ فقال: (عقرى حلقى، أطافت يوم النحر؟!) قوله: (عقرا حلقا) كلمة تقال للتعجب، وأصلها الدعاء، كأنه دعا عليها بالعقر وأن تجرح، وحلقى بمعنى وجع الحلق، وهذا غير مقصود، لكنها كلمة تقال للتعجب؛ لأن النبي ﷺ يتعجب منها، فقال هذه الكلمة، مثل كلمة: تربت يداك، يقولها الإنسان على وجه التعجب، وليس المعنى: أدعو عليك بالفقر، ولكن يقولها على وجه التعجب، (فقيل للنبي ﷺ : إنها طافت يوم النحر، قال: فانفري).

стр. 422

حكم المكث بعد طواف الوداع بمكة لو طاف يوم النحر للإفاضة وطاف بعده للوداع، ثم أتى منى ثم أراد النفر منها في وقت النفر إلى وطنه واقتصر على طواف الوداع السابق لم يجزئ؛ لأنه مازال هنالك في الحرم، ومنى حرم. إذاً: إذا طاف طواف الوداع بمكة، وذهب ومكث في منى ثلاثة أيام، وبعد ذلك أراد الرجوع إلى بلده، فنقول له: ارجع مرة ثانية للبيت وطف به ثم اخرج. وليس على المقيم بمكة الخارج إلى التنعيم وداع، فلو أن إنساناً مقيماً بمكة يريد عمرة، فإنه يخرج للتنعيم ويرجع بهذه العمرة، فلا يلزمه أن يطوف للوداع، ولو فرضنا أنه فعل هذا الأمر جاز خروجه، لكن لا يجب عليه ولا يلزمه طواف وداع. ولو ترك طوفة من السبع ورجع إلى بلده لم يحصل الوداع؛ فليزمه دم بذلك. ولو طاف للوداع ثم اشتغل بتجارة أو إقامة فعليه إعادته. أما لو ترك شيئاً في الفندق وذهب ليطوف للوداع، ورجع مرة ثانية للفندق وأخذ أشياءه وانتظر السيارة فكل هذا لا شيء عليه، لكن إذا كان السفر غداً، وهذا اليوم سيطوف للوداع، وبعد ذلك في الليل سيشتري أشياء وكذا، وغداً الليل سيسافر فلا ينفع، فلابد أن يكون طواف الوداع هو آخر الأشياء، ولا تنشغل بعده إلا بسفرك، أي: تجهز حقائبك وتأخذها إلى السيارة حتى لو مكثت في السيارة ساعتين أو ثلاثاً؛ لأن حكمك حكم الراحل فلا شيء عليك، لكن إذا انشغلت بتجارة أو صناعة أو رجوع للمبيت في الفندق لكي تنام وتصبح تشتري حاجات، فنقول: ارجع مرة ثانية وودع البيت، بحيث يكون آخر الأشياء هو الوداع للبيت.

стр. 423

استحباب الالتزام في طواف الوداع إن فرغ من طواف الوداع، وصلى ركعتي الطواف خلف المقام، يستحب أن يأتي الملتزم فيلتزمه ويدعو بخيري الدنيا والآخرة، وبأي شيء دعا حصل المستحب، ويأتي بآداب الدعاء؛ من الحمد لله تعالى، والثناء عليه، والصلاة على رسول الله ﷺ . فإذا كنت تودع البيت يستحب أن تأتي الملتزم، وهو المكان الذي بين الحجر وباب البيت، وقد التزمه النبي ﷺ ، بمعنى: احتضنه وجعل صدره ويديه عليه ودعا ربه في هذا المكان؛ فيستحب ذلك، فقد جاء عن عمرو بن شعيب عن أبيه قال: (طفت مع عبد الله - شعيب طاف مع عبد الله بن عمرو بن العاص - فلما جئنا دبر الكعبة قلت له: ألا تتعوذ؟ -أي: ألا تدعو الله متعوذاً به النار؟ - قال: نعوذ بالله من النار، ثم مضى حتى استلم الحجر، وأقام بين الركن والباب فوضع صدره ووجهه وذراعيه وكفيه هكذا وبسطهما بسطاً -أي: جعل وجهه على البيت وكأنه يحتضن البيت- ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يفعله). فآخر شيء يفعله الحاج هو طواف الوداع، ثم يصلي ركعتين، ويذهب عند الملتزم إن استطاع ويقف ليدعو، ثم ينصرف ويرجع إلى بلده. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 424

شرح كتاب الجامع لأحكام العمرة والحج والزيارة - مجمل أعمال الحج والعمرة وأحكام الفوات والإحصار الحج ركن من أركان الإسلام، وفريضة عظمى تعكس عبودية المؤمن لمولاه واستكانته بين يديه، فالحج يذكره بأبي الأنبياء إبراهيم ﵇، ويذكره بهول المحشر، ويجعله يكثر من ذكر الله، فيرجع كيوم ولدته أمه إن شاء الله. ومن رحمة الله أن جعل في أحكام الحج ما يرفع الحرج، ويفتح باب الرخصة لمستحقيها، فقد شرع في الأركان والواجبات ما يحل إشكال ما يطرأ على المؤمن من موانع تمنعه من مواصلة حجه، وذلك ما يعرف بأحكام الفوات والإحصار.

стр. 425

كيفية الحج والعمرة الحمد لله رب العالمين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. تكلمنا عن مناسك العمرة, ومناسك الحج, ونذكر هنا ملخصاً لمناسك الحج والعمرة: فمثلاً: إذا أراد الإنسان أن يحج من مصر، فالمستحب في حقه أن يتمتع بالعمرة إلى الحج, فينوي العمرة ويلبي إذا أحرم عند الميقات بقوله: لبيك اللهم عمرة.
следующие страницы →