← Фикх общий

Фикх общий · id 36974

شرح كتاب الجامع لأحكام العمرة والحج والزيارة - حطيبة

أحمد حطيبة

Полный текст (460 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

حكم التضحية بمكسورة القرن وتجزئ التي لا قرن لها، وكذا مكسورة القرن، فالتي لا قرن لها هي الجماء كما جاء في الحديث، فإذا كانت الجماء مجزئة فالمكسورة القرن أيضاً مجزئة؛ لما جاء في السنن عن حجية بن عدي عن علي ﵁ قال: (البقرة عن سبعة، قال: قلت: فإن ولدت؟ قال: اذبح ولدها معها، قلت: فالعرجاء؟ قال: إذا بلغت المنسك؟ قال: قلت: فمكسورة القرن؟ قال: لا بأس، أمرنا أو أمرنا رسول الله ﷺ أن نستشرف العينين والأذنين). وذهب جمهور أهل العلم إلى أن المكسورة القرن غير مجزئة، فإذا أردت أن تشتري أضحية فلا تشتري مكسورة القرن خروجاً من الخلاف في ذلك، فالجمهور يمنعون؛ لحديث جري بن كليب عن علي ﵁: (أن النبي ﷺ نهى أن يضحى بعضباء الأذن والقرن)، ومعنى: (عضباء) أي: مقطوعة الأذن والقرن، ولكن الحديث في إسناده ضعف، فعلى ذلك فالأولى للإنسان أن يضحي بالسليمة التي ليست مكسورة القرن، لكن إذا كان المقطوع بعض القرن فالراجح أنها مجزئة، وذات القرن أفضل؛ لما في الصحيحين عن أنس ﵁ قال: (ضحى النبي ﷺ بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بيده ﷺ وسمى وكبر ووضع رجله على صفاحهما)، والأملح: هو الأبيض الذي هو ليس خالص البياض، لكن فيه بعض طبقات من سواد أو من حمرة، ومعنى: (أقرنين)، أي: مستويا القرنين، ذبحهما بيده، ﵊، وسمى وكبر ووضع رجله على صفاحهما، والصفحة: هي الجانب، والمعنى: على صفحة العنق جانب العنق، وصفحة الوجه جانبه، فكأنه مدد الخروف على الأرض وأمسك بيده اليسرى ﷺ رأسه، ووضع رجله على صفحته على جانبه الأيمن، أو من ناحية رقبته؛ من أجل أن يثبته على الأرض، وذبحه بيده صلوات الله وسلامه عليه، وقال في رواية: (ورأيته واضعاً قدمه على صفاحهما وسمى وكبر ﵊.

стр. 352

حكم التضحية بما ليس لها أسنان ومن أخذ الذئب شيئاً منها وتجزئ ذاهبة بعض الأسنان، لكن لو انكسرت جميع أسنانها فهذا معناه: أنها لا تأكل، وكيف تأكل وهي مكسورة كل الأسنان؟! فالغالب أن تكون هذه عجفاء وهذا يكون عيباً فيها فلا تجزئ في الأضحية. ولا تجزئ التي أخذ الذئب مقداراً بيناً من فخذها، أي: لو أن الذئب عدى عليها فأكل شيئاً منها، وكان هذا الشيء يسيراً غير بين فلا شيء في ذلك، لكن إذا أخذ جزءاً بيناً من فخذها فتكون غير مجزئة. ولا يمنع قطع الفلقة اليسيرة من العضو الكبير، فإذا كان العضو كبيراً كالفخذ وأخذ منه مقدار صغير إما بفم الذئب أو الكلب العقور ونحوهما فهذا مجزئ، لكن إذا كان المأخوذ شيئاً بيناً فهذا غير مجزئ، والشيء البين كما لو قطع الذئب أو نحوه إليتها كلها أو ضرعها أو عضواً منها فهي غير مجزئة.

стр. 353

حكم التضحية بالجرباء ومقطوعة بعض اللسان والموجوء والخصي ولا تجزئ الجرباء، فلو أن الشاة فيها جرب أو الناقة أو العجل أو البقرة، فلا تجزئ في الأضاحي؛ لأن العادة أن الجرب إن كثر فيها أفسد لحمها، لكن إن كان شيئاً يسيراً فلا شيء فيه؛ لعموم قوله ﷺ : (البين عورها البين مرضها)، وهكذا. ولا تجزئ مقطوعة بعض اللسان؛ لأن الغالب أنها لا تستطيع الأكل إلا به. ويجزئ الموجوء والخصي، أي: إذا كان الخروف أو العجل أو الجمل خصياً أو موجوءاً فالراجح: أنه يجزئ؛ لأن رسول الله ﷺ كان إذا أراد أن يضحي اشترى كبشين عظيمين سمينين أقرنين أملحين موجوءين، فليس هو ﷺ الذي فعل بهما ذلك، بل قد جاء عنه أنه نهى عن ذلك، وإنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون، وهو ﵊ اشتراه على هذه الهيئة، فدل ذلك على أن هذا ليس عيباً يمنع شراء الأضحية التي فيها ذلك. فذبح أحدهما ﵊ عن أمته، لمن شهد لله بالتوحيد وشهد له بالبلاغ ﵊، وذبح الآخر عنه وعن آله ﷺ ، وهذا الحديث من الأدلة على عدم وجوب الأضحية، فكأن النبي ﷺ لرحمته وحنانه رفع عن الأمة جميعها الحرج، فضحى بكبشين وقال: (هذا عن محمد وآله ﵊، فدل على أن الخروف يجزئ عن الرجل وعن أهل بيته، ثم إنه ﵊ ذبح كبشاً آخر وقال: (هذا عمن لم يضح من أمتي). إذاً: فالأمة فيها من يضحي وفيها من لم يضح، سواء بعذر أو بغير عذر؛ ولذا قال: (هذا عمن لم يضح من أمتي).

стр. 354

حكم من نذر التضحية بالمعيبة وإذا نذر التضحية بحيوان معين فيه عيب يمنع الإجزاء لزمه، أي: لو كان عنده خروف مقطوع الأذن أو مكسور القرن، أو كان فيه عجف، ففيه شيء مما لا يجزئ، فهذا الكبش لا ينفع للأضحية، ولكنه نذر أن هذا بعينه سأذبحه أضحية، فلو قال: إن شفى الله مريضي فلله علي نذر أن أذبح الخروف الموجود عندي في البيت، والموجود عنده على هذه الصورة، وجاء النذر على هذه الصورة، فهذا يلزمه أن يذبحه في الأضحية. إذاً: إن نذر التضحية بحيوان معين فيه عيب يمنع الإجزاء لزمه، أو قال: جعلت هذه أضحية، لزمه ذبحها للالتزام، ويثاب على ذلك، ويكون ذبحها قربة، وتفرقة لحمها صدقة، ولا تجزئ عن الهدايا والضحايا المشروعة. إذاً: فهذا من أجل النذر فقط، فأصبح مجزئاً، لكن ليس هو الأضحية التي أمرنا بها النبي صلوات الله وسلامه عليه، فلابد أن نفرق بين من وجب عليه أن يذبح هذا نذراً وله أجره في ذلك، وليس له أجر الأضحية التي أمر بها النبي ﷺ ، وبين الأضحية المشروعة؛ لأن الضحايا المشروعة من شروطها السلامة، أما النذر: فلو أشار إلى ضبية أو دجاجة وقال: هذه لله علي أن أذبحها أضحية، فيكون نذراً، لكن ليست أضحية؛ لأن الأضحية لابد أن تكون من بهيمة الأنعام. إذاً: فلو قال: علي دجاجة أن أذبحها أضحية، فهذا له أن يذبحه، ويتصدق به، لكنها ليست أضحية شرعية؛ لأنه لابد في الأضحية أن تكون من بهيمة الأنعام، من الإبل، أو البقر، أو الغنم، وإذا قلنا: الغنم فسيدخل فيها الماعز؛ لأن الله ذكر أن بهيمة الأنعام ثمانية أزواج: من الضأن اثنين، ومن الماعز اثنين، ومن الإبل اثنين، ومن البقر اثنين، فهذه هي بهيمة الأنعام.

стр. 355

أحكام ذبح الأضحية ويستحب أن يذبح أضحيته بنفسه إذا كان يجيد الذبح والقطع؛ لأن النبي ﷺ فعل ذلك في الحديث المتقدم، وينوي عند ذبحها أن هذه أضحية، وتجزئ النية المتقدمة قبل ذلك، وإذا كان قد اشتراها للأضحية وجاء العيد فذبحها ولم يستحضر النية في الذبح، وإنما كبر وسمى أو سمى وكبر وذبح، فتجزئ بالنية السابقة، فإن كان منذوراً نوى الذبح عن أضحيته المنذورة، وإن كان تطوعاً نوى التقرب بها.

стр. 356

جواز التوكيل في ذبح الأضاحي ويجوز الذبح للرجل وللمرأة، ويجوز أيضاً أن يوكلا فيه، فقد روى جابر في صفة حجة النبي ﷺ (أنه نحر ثلاثاً وستين بدنة بيده الكريمة ﵊، ثم أعطى علياً فنحر ما غبر -أي: ما بقي- وأشركه في هديه). وإذا أراد أن يوكل في الذبح فليوكل رجلاً مسلماً فقيهاً، أي: يفهم فقه الذبح، وعنده علم بالأضاحي، أو فقيهاً بباب الذبائح والضحايا، وما يتعلق بذلك؛ لأنه أعرف بشروطه وسننه. ولو أنه وكل امرأة تقوم بذلك فالراجح أنه يجزئ ويجوز، ولو وكل كتابياً -يهودياً أو نصرانياً- وهو الموجود عنده ولا يوجد أحد غيره، فالصحيح: أنه يجوز ذلك، أي: أن يوكل، وإن كان الأفضل ألا يفعل، وأن يوكل مسلماً، لكن إذا احتاج إلى ذلك فله أن يوكل كتابياً. وكذلك الصبي يجوز له أن يذبح إذا كان يجيده، ويوكله صاحب الأضحية في الذبح إذا كان لا يجيد الذبح. والمرأة الحائض والنفساء والصبي أولى من الكتابي، فلو كنت مخيراً فيمن يذبح له، فالمرأة أولى من الكتابي حتى ولو كانت حائضاً أو نفساء، والصبي أولى منه، ولو كان مخيراً بين صبي عمره عشر سنوات أو تسع ويجيد الذبح، وبين كتابي -يهودي أو نصراني- فيختار الصبي فهو أولى في ذلك. ويستحضر النية صاحب الهدي أو الأضحية أو النذر عند الدفع إلى الوكيل الذي يقوم بالذبح، ويستحب إذا وكل أن يحضر ذبحها، ويجوز ألا يحضر، سواء ذهب بضحيته إلى جزار ليذبحها عنده ويعطيه لحمها فيما بعد أو أنه يحضر وقت الذبح، والأولى أن يكون حاضراً، لكن إذا لم يفعل فهذا شيء يرجع إليه. ويستحب أن يتولى توزيع اللحم بنفسه، ويجوز أن يوكل من يقوم بذلك.

стр. 357

النية في الأضحية والنية شرط لصحة التضحية، ويجوز تقديمها على وقت الذبح، فسواء نوى وقت الذبح أن هذه أضحية أو قبل الذبح بساعة أو عندما اشتراها نوى ذلك فلا حرج، ولو وكل غيره ونوى عند ذبح الوكيل كفى ذلك، ولا حاجة إلى نية الوكيل، أي: أن صاحبها أعطاها للوكيل وهو ينوي أنها أضحية، والوكيل لا توجد عنده نية ولا غيرها، ولكن قال: باسم الله، الله أكبر وذبح، فنية الموكل مجزئة في هذا الأمر، أي: أنه نوى بها أضحية.

стр. 358

التضحية عن الغير وعن الميت ولو ضحى عن غيره بغير إذنه لم يقع عنه التضحية، فلو فرضنا أنك أتيت بشاة وتريد أن تذبحها عن فلان، فلابد من إذنه وموافقته على هذه العبادة، وإذا ذهبت لفعل ذلك فسيكون لك منة عليه، وقد لا يقبل منك هذه المنة، إذاً: فلا تذبح عن إنسان إلا مع نيته ذلك، وإنما تذبح عن نفسك أو من يلزمك أن تذبح عنه. وتجوز التضحية عن الميت، وهذه فيها خلاف بين أهل العلم، أي: هل يمكن أن أذبح أضحية وأقول: هذه عن والدي المتوفى؟ هذه المسألة مبنية على مسألة الصدقة عن الميت، وهل يصل الثواب للميت أو لا يصل؟ والراجح: أنه يجوز لإنسان أن يتصدق عن آخر ميت، والأضحية لا تخرج عن ذلك، أي: أنها صدقة عن الميت، فإذا ثبت النص عن النبي ﷺ فيمن سأله: (إن أمي انفلتت نفسها وأراها لو نطقت لتصدقت، أفيجزئ أن أتصدق عنها؟ قال: نعم)، إذاً: فالأضحية كذلك؛ لأنها باب من أبواب الصدقة، فيجوز للإنسان أنه يذبح الأضحية ويقول: هذه عن فلان المتوفى. وقد ذهب الحنفية والمالكية والحنابلة إلى جواز التضحية عن الإنسان المتوفى، إلا أن المالكية أجازوا ذلك مع الكراهة، والشافعية يقولون أيضاً بالجواز فيها، فإنه يتصدق عن الميت حتى ولو كان الأمر أضحية، أما ما جاء أن علياً كان يضحي عن النبي ﷺ فإسناده ضعيف، وفيه: (إن رسول الله ﷺ أوصاني أن أضحي عنه فأنا أضحي عنه)، لكن عموم جواز الصدقة عن الميت يدل على ذلك، وما الأضحية إلا باب من أبواب الصدقة.

стр. 359

آداب الذبح عندما تذبح الأضحية أو يذبحها الجزار فهناك آداب وسنن في ذلك، من هذه الآداب ما يلي:

стр. 360

حد السكين وإراحة الذبيحة الأول: يستحب تحديد السكين وإراحة الذبيحة؛ لما جاء عن النبي ﷺ في صحيح مسلم أنه قال: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته)، فأمر النبي ﷺ بأن تحسن الذبح، وأخبر أن الله سبحانه أمر بذلك، أي: أمر الله بالإحسان في كل شيء، فإذا قتلت -أي: في الجهاد في سبيل الله فلا تعذب أحداً من خلق الله بالتمثيل ونحوه، وإنما تجاهد وتقاتل لإعلاء كلمة الله على وفق شرع الله، يقول النبي ﷺ : (إذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح) أو (أحسنوا الذبحة)، كما هي في رواية أخرى، ثم قال: (وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته)، إذاً: فتحد الشفرة التي هي السكين وتريح ذبيحتك. وجاء في حديث السيدة عائشة أن النبي ﷺ قال لها: (هلمي المدية، ثم قال: اشحذيها بحجر)، فأمر بسن المدية التي هي السكين، قالت: (ففعلت، ثم أخذها وأخذ الكبش فأضجعه ثم ذبح). إذاً: فيستحب أن يحد السكين عند إرادة الذبح، وهذا من الآداب العظيمة الجميلة في ديننا الذي يقتضي الرحمة بالحيوان، والرحمة في ديننا شيء حقيقي ينبع من قلب المؤمن، وليست أموراً إعلامية فنظهر لأجلها في التلفزيون، أو من أجل أن نقول: نحن عندنا رحمة، وعندنا ديمقراطية، وعندنا كذا، وإنما هي آداب عظيمة من ديننا، نتقرب إلى الله بها، ليس كما يفعل من إذا كان أمام الناس يظهر الرحمة وأنه من أسمح الناس خلقاً، وإذا كان بعيداً عنهم يعذب ويقتل ويفعل ما يشاء، إذاً: فنستفيد من هذا الرحمة بالحيوان. وانظر في الحديث الذي رواه الطبراني في الكبير والبيهقي في السنن عن ابن عباس ﵄ قال: (مر رسول الله ﷺ على رجل واضع رجله على صفحة شاة وهو يحد شفرته)، الرجل كان مضجعاً للشاة ووضع رجله عليها، ويسن السكين وهي تلحظ إليه ببصرها، وتعرف أنه سيذبحها بهذه السكين، فقال النبي ﷺ : (أفلا قبل هذا؟!)، أي: هلا سننت السكين قبل إضجاعك لها بعيداً عنها؟! (أتريد أن تميتها موتتين؟!)، أي: بهذا الذي تفعل، فهنا النبي ﷺ نهاه أنه يسن سكينه أمام الذبيحة. وفي رواية قال: (أتريد أن تميتها موتات؟! هلا حددت شفرتك قبل أن تضجعها؟!)، أي: فتسن السكين قبل أن تضجعها. إذاً: فيستحب ألا يحد السكين بحضرة الذبيحة، وألا يذبح واحدة بحضرة أخرى، إلا أن يضيق المكان، أما إذا كثرت الذبائح وضاق المكان فلا بأس، فقد ثبت أن النبي ﷺ ذبح أو نحر ست أو سبع بدنات وكلهن يزدلفن -أي: يتقربن- بأيتهن يبدأ، وكذلك نحر إبله فما كان يجعل واحدة وراء الثانية، ولكن إذا تيسر للإنسان أن يذبح الذبيحة وليست أمام الأخرى فهذا الأفضل.

стр. 361

سرعة الذبح الثاني: يستحب ألا يجرها إلى مذبحها بعنف وشدة، ويستحب إمرار السكين بقوة وتحامل ذهاباً وعودة، وتعجيل إمرارها؛ ليكون أسرع وأسهل في ذبحها. الثالث: يستحب أن يكون الذابح متمرساً متدرباً على ذلك، فيذبح بيد قوية وينزل بالسكين مرة واحدة.

стр. 362

استقبال القبلة عند الذبح وتوجيه الذبيحة إليها الرابع: يستحب استقبال الذابح القبلة، وتوجيه الذبيحة إليها، وهذا مستحب في كل ذبيحة، لكنه في الهدي والأضحية أشد استحباباً، أن تكون الذبيحة موجهة إلى القبلة، وهذا بحسب ما يتيسر للإنسان الذي يذبح، فقد تكون الذبيحة سهلة، وقد تكون صعبة لا يقدر الذابح أن يذبحها بهذه الصورة المستحبة، إذاً: فحسبما يتيسر، لكن إن تيسر له استقبال القبلة فهو السنة وهو أفضل.

стр. 363

نحر الإبل وذبح البقر والغنم الخامس: يسن نحر الإبل وذبح البقر والغنم، وإن نحر البقر والغنم أو ذبح الإبل كره ذلك وأجزأ عنه، ودليل النحر قول الله : ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر:٢]، ونحر الإنسان معروف، فينحر الذابح بأن يطعن في لبة الذبيحة، والذبح من الأشياء التي فيها الرحمة بهذا الحيوان، أي: مجرد أن يذبح الحيوان أو ينحره فالدم ينقطع عن المخ، فيذهب الإحساس من الحيوان، ولذلك العلماء الذين يتكلمون في أمر الإعدام بأن يكون إما بأن يأخذ المعدوم الإبرة التي فيها سم فيموت، أو أن يضرب بالرصاص، أو نحو ذلك، يقولون: أفضل شيء -وهذا باعتراف الغربيين والأمريكان وغيرهم- في الإعدام وأرحم شيء فيه هو الذبح؛ لأن الذبح مجرد أن تنقطع منه العروق فليس هناك دم يصل إلى المخ فيذهب الإحساس. أما الخنق بأن يشد الحبل على رقبة الإنسان فما زال الدم يصل فيه إلى المخ، فينتظر عشر دقائق أو ربع ساعة وقلبه ما زال ينبض ويتألم ألماً شديداً. والسم الذي يوضع للإنسان -أي: حقنة سم- ينتظر الإنسان نصف ساعة وروحه ما زالت تخرج، إلى غاية أن تذهب في النهاية، ويتعذب عذاباً شديداً. وكلما فكروا في خلاف ما ذكره الله كان شيئاً باطلاً باعترافهم هم، وإن كانوا يعاندون في مسألة الذبح الإسلامي، يعاندون وهم أكثر من يعرف أن هذا الذبح أرحم بالحيوان من غيره، وإن كان الآن -على استحياء- يقولون: نحن نذبح فقط بعدما نضربها بالرصاص أولاً، فإما أن تضرب بطلقة في دماغها لتخديرها ثم تذبح، أو نحو ذلك، ولما ناقشهم بعض المسلمين من الأطباء قالوا: نحن يمكننا أن نذبح مباشرة، لكن ما الذي يعرفنا أنها هي الذبيحة، وقد تتخلص من يد الذابح وتقتل أحداً من الموجودين. إذاً: كأن نظراتهم ليست لرحمة الذبيحة، وإنما من أجل ألا تهلك أحد الناس، وكانوا في الماضي يمنعون الذبح أبداً، ثم نظروا نظرة اقتصادية مالية نظرة طمع، فقالوا: الحيوان بدمه وزنه أثقل، وإذا ذبحناها نخرج دمها فتصير خفيفة، إذاً: فنجعلها أثقل من أجل أن تأتي لنا بمال أكثر، فهذه نظرتهم، فأخزاهم الله بأن جعل الدم الذي بداخلها يعفن فيها ويفسد اللحم، ولا يبقى اللحم صالحاً الزمن الذي يريدونه، فتراجعوا قليلاً قليلاً ثم قالوا: دعنا نذبح، لكن قبل الذبح الذي فيه رحمة نطلق عليها رصاصاً ثم نذبح بعد ذلك. والإسلام ليس فيه هذه التمثيليات وهذه الخيالات التي يزعمونها، وفي النهاية يقرون بأن الحق في الإسلام، وأن الذبح أسهل ما يكون، والإسلام يقول لنا: إما أن تذبح وإما أن تنحر، فإما الذبح الذي هو قطع وفري الأوداج، فهناك عرقان عرق في الشمال وعرق في اليمين، وهما الاثنان في الرقبة، ومهمتهما: أن يوصلا الدم إلى مخ الإنسان والحيوان، وهناك في نصف الرقبة القصبة الهوائية التي توصل الهواء والأكسجين، ووراءها المريء الذي يبتلع به الطعام. فمن إكمال الذبح أن تقطع هذه الأربعة الأشياء، فإذا قطعت بعضها جاز الذبح، فإذا قطعت العرقين اللذين يوصلان الدم، أو قطعت الحنجرة التي توصل النفس فقد زهقت روح البهيمة، ولا شعور لها بعد ذلك بشيء، وإن كان فيها حركة واضطراب فإنما هي لدفع الدم الذي بداخلها للخروج إلى الخارج، ومن رحمة رب العالمين أن تقطع أكبر العروق الموجودة بحيث إن الدم الذي بالداخل يخرج كله أو أكثره بهذه الطريقة. والنحر: هو الطعن في اللبة، واللبة: ثغرة العنق في الحيوان الذي تنحره وهو الجمل، فتكون السكينة لها نصل طويل تطعن به داخل اللبة، فيصل إما للقلب مباشرة، أو إلى الشرايين الرئيسية التي تخرج من القلب، بحيث إنه يقطع الشرايين، فلا يوجد دم يصل إلى المخ في هذه الحالة وتستريح الذبيحة بذلك. فهذه الطريقتان في الإسلام: طريقة النحر، وطريقة الذبح للبهيمة، فيستحب في الإبل أن تنحر، ويستحب في البقر والغنم أن تذبح، وإذا عكس فالراجح أن ذلك صحيح.

стр. 364

استحباب نحر البعير قائماً معقولاً اليد اليسرى وإضجاع البقرة والشاة السادس: يستحب أن ينحر البعير قائماً على ثلاث قوائم معقول اليد اليسرى، قال الله : ﴿وَالْبُدْنَ﴾ [الحج:٣٦]، أي: الإبل ﴿جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج:٣٦]، إذاً: فتنحر الإبل وهي قائمة؛ لقوله تعالى: (صَوَافَّ)، أي: قائمة على أيديها وأرجلها، وقال ابن عباس (صَوَافَّ)، قياماً وكلمة (صواف) أو (صافنة) بمعنى: قائمة أيضاً، ولكن معقولة اليد اليسرى، قائمة على ثلاث أرجل أو ثلاث قوائم واليد اليسرى معقولة مربوطة. جاء في سنن أبي داود عن جابر ﵁ (أن النبي ﷺ وأصحابه كانوا ينحرون البدنة معقولة اليسرى، قائمة على ما بقي من قوائمها)، إذاً: فهذا فعل النبي ﷺ وأصحابه عندما ينحرون الجمال أو الإبل ينحرونها وهي واقفة على القوائم، ثم يأتي على يدها اليسرى فيثنيها ويربطها، فتبقى على هذه الحالة، أي: واقفة على اليد اليمنى وعلى الرجلين الخلفيتين، فإذا نحره على هذه الحالة فلعل الجمل يثور عليه فيقع، إذاً: فالسنة في نحر الجمل أن يكون على هذه الحالة، وجاء عن ابن عمر أنه أتى على رجل قد أناخ بدنته ينحرها فقال: (ابعثها قياماً مقيدة سنة محمد ﷺ . فإن لم يتيسر نحرها قائمة فباركة، فينظر الإنسان الأيسر فيها، وقد ذكر بعض العلماء ومنهم الخرشي المالكي: أن السنة أخذ الشاة برفق، وتضجع على شقها الأيسر، ورأسها مشرف، وتأخذ بيدك اليسرى جلدة حلقها من اللحي الأسفل بالصوف أو غيره، فتمده حتى تتبين البشرة، وتضع السكين في المذبحة، ثم تسمي الله، وتمر السكينة مراً مجهزاً من غير ترديد، ثم ترفع، ولا تنخع ولا تضرب بها الأرض. فقد جمع الآداب في هذه الجملة في شرحه لمختصر خليل في صفة الذكاة، قال: والسنة أخذ الشاة برفق، فيأخذ الشاة ومن ثم يضجعها على جانبها الأيسر، ويوجهها إلى القبلة، ورأسها مشرف، أي: مرتفع من أجل أن يطول لكي تذبح بسهولة. وتأخذ بيدك اليسرى جلدة حلقها من اللحي الأسفل ذي الصوف أو غيره -واللحي: هو عظم الفك الأسفل- بحيث يشد الجلد حتى يبعد الصوف ويتبين الجلد الذي الصوف موجود فيه، وقول الخرشي: وتضع السكين في المذبح، أي: تحت الحلق، وفوق الجوزاء، وسواء كان فوق الجوزاء أو تحتها فالراجح أنه مجزئ في الحالتين. وقوله: ثم ترفع ولا تنخع، النخع معناه: قطع العمود الفقري الذي يصل الرقبة كلها على بعضها، والنخع: مخ أبيض في فقرات العنق، أي: الأعصاب الموجودة داخل فقرات عنق الإنسان. ثم قال: وإلا كنت قد قتلتها قبل ذكاتها، وهذا محمول على العكس، أي: على أنه من ظهرها، فلو أنه أمسك الشاة وبدأ الذبح من قفاها فقد بدأ الذبح، ويكون قد قطع فقرات رقبتها من الخلف، فلن يصل إلى الأمام إلا وقد ماتت على هذه الحال، وحكم هذه الحالة ما قاله الخرشي: تكون قتلتها، إلا أن يكون المر مراً سريعاً فيكون قد ذبحها بذلك، وهذا خطأ، أي: أن يبدأ بالقفا قبل أن يبدأ من الأمام، ولو فرضنا أن السكين كانت حامية جداً فمجرد أن نزل بها من على الرقبة قطعت الرقبة كلها، فالراجح: أن الذبح صحيح، وقد أساء في ذلك. السابع: يستحب أن يضجع البقرة والشاة على جنبها الأيسر؛ لما جاء في حديث أنس أن النبي ﷺ ﷺ فعل ذلك.

стр. 365

التسمية عند الذبح الثامن: يجب أن يسمي عند الذبح؛ لحديث أنس: (ضحى النبي ﷺ بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بيده وسمى وكبر ووضع رجله على صفاحهما)، أي: على جانب كل واحد منهما. فيجب أن يسمي عند الذبح والنحر مع التذكر والقدرة، ومعنى القدرة: أي: أنه يمكن أن يكون الذابح متذكراً لكنه أخرس، أي: لا ينطق، فعلى هذا يكون غير مستطيع لذلك، وذبحه صحيح. ومما يدل على تحتم التسمية قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ * وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام:١١٨ - ١١٩]، وقوله سبحانه: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام:١٢١]، فلا تأكل مما لم يذكر اسم الله عليه، أي: الذي تعمد ألا يذكر اسم الله فذكر اسم غيره . أما اليهودي أو النصراني إذا ذبحا ولم يذكرا اسم الله ، فهل تصح الذبيحة؟ الراجح: أنها تصح ذبيحته، ويؤكل منها، وقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (سم أنت وكل)، فالإنسان الذي يذبح وهو متذكر للتسمية غير متأول فيها -على مذهب من المذاهب- ورفض أن يذكر اسم الله فلا تؤكل ذبيحته. أما الذي نسي فذبح، أو الذي له مذهب في ذلك كمذهب الشافعي ﵀: أن التسمية سنة وليست فرضاً، أو أنه يرى أنه لو سمى على ذبح شاة واحدة فيجزئ؛ لأنه سيذبح مائة مثلاً، فبدأ بالأولى وقال: باسم الله والله أكبر، ولم يسم بعد ذلك، فالراجح: صحة الذبح؛ لأنه متأول في ذلك. ولا عذر لمن يذبح غير متأول وهو متعمد ألا يذكر اسم الله سبحانه ويذكر اسم غيره، فهذا لا تؤكل ذبيحته.

стр. 366

استحباب عرض الماء على الذبيحة قبل ذبحها التاسع: استحب العلماء عرض الماء عليها قبل ذبحها؛ فلعلها أن تكون عطشانة فتشرب في هذه الحالة، وذكروا علة في ذلك فقالوا: هذا أعون على سهولة سلخ جلدها، فعندما تكون شاربة للماء تنتفخ قليلاً وهذا يساعد على سهولة سلخ الجلد.

стр. 367

سلخها بعد أن تبرد العاشر: يستحب ألا يقطع أعمق من الودجين والحلقوم، وألا يكسر العنق، ولا يقطع شيئاً منها قبل أن تخرج روحها، أي: إذا ذبحت فاصبر عليها إلى أن يخرج كل الدم الذي فيها، فلا تسلخ إلا عندما يكمل خروج الدم الذي فيها، فانتظر إلى أن تسكن الذبيحة، ثم ابدأ في السلخ بعد الذبح.

стр. 368

استحباب الأكل والتصدق من الأضحية الحادي عشر: بعدما ذبحت وقطعت فوزعها على من يستحقها، وقسمة الهدي والأضاحي قال الله فيها: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الحج:٣٦]. فأمر الله فيها: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج:٣٦]، و ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج:٣٦]. إذاً: فالسنة أن تأكل منها وتطعم القانع والمعتر، كما قال الله سبحانه، وأكثر أهل العلم على أن الأكل منها مستحب، فلو لم تأكل منها فلا شيء عليك. وجاء في صحيح مسلم عن ثوبان قال: (ذبح رسول الله ﷺ ضحيته ثم قال: يا ثوبان! أصلح لحم هذه، فلم أزل أطعمه منها حتى قدم المدينة)، فهذا فيه أنه ذبح أضحية وأكل منها صلوات الله وسلامه عليه، وكذلك جاء في الصحيحين عن جابر ﵁ قال: (كنا لا نأكل من لحوم بدننا فوق ثلاث، فرخص لنا النبي ﷺ فقال: كلوا وتزودوا وادخروا فأكلنا وتزودنا). فقد كان النبي ﷺ منعهم من أجل أن جماعة من الأعراب نزلوا المدينة دافة، وكانوا في غاية المسكنة والضعف وكانوا محتاجين إلى الطعام، فلو أن كل واحد من أهل المدينة ذبح أضحيته وأكل وادخر فلن يأكل الأعراب شيئاً، فالنبي ﷺ في هذه السنة نهاهم أن يتزودوا منها فوق ثلاث، فحدد ثلاثة أيام للأكل من الأضحية، وما زاد عن ذلك يعطي لهؤلاء الأعراب، ثم نسخ ذلك بقول النبي ﷺ : (كلوا منها وتزودوا). ومن لم يأكل من هديه وأضحيته فلا شيء عليه؛ فالأمر في الآية ليس للوجوب، وثبت في سنن أبي داود عن عبد الله بن قرط أن النبي ﷺ قال: (إن أعظم الأيام عند الله ﵎ يوم النحر، ثم يوم القر)، إذاً: يوم النحر أعظم الأيام؛ لأن فيه أغلب المناسك، من صلاة الفجر في المزدلفة، والوقوف عند المشعر الحرام، ورمي الجمرة، والحلق وهو نسك، والذبح والنحر، والطواف بالبيت، وهي كلها مناسك تكون في يوم العيد، فهو أعظم الأيام عند الله ، ثم يليه يوم القر الذي هو أول أيام التشريق وثاني أيام العيد. قال: (وقرب لرسول الله ﷺ بدنات خمس أو ست)، أي: في هذا اليوم يوم النحر قرب للنبي ﷺ بدنات خمس أو ست بدن (فطفقن يزدلفن إليه بأيتهن يبدأ)، وهذه كرامة من كراماته ﷺ ، ومعجزة من معجزاته، فالبدن أو الجمال كل منها يقرب للنبي رافع رقبته من أجل أن يبتدئ النبي ﷺ بذبحه أو بنحره، (فلما وجبت جنوبها قال: فتكلم كلمة خفية لم أفهمهما)، يقول الراوي ذلك، (فقلت: ما قال؟ قال: من شاء اقتطع)، فكأنه نحر هذه الجمال وتركها ولم يأخذ منها شيئاً، وهذا دليل على أنه لا يجب أن يأكل من لحم الأضحية، فقد نحرها النبي ﷺ وتركها للناس، وقال بصوت خفيف أو منخفض: (من شاء اقتطع)، أي: من يريد أن يأخذ فليأخذ، ولماذا ما قال بصوت عال؟ لعله خشي أن يحصل هجوم عليها، فلعله خفض صوته ليأخذ كل واحد منهم شيئاً بسيطاً فيكفي الجميع. إذاً: فلا يلزم الأكل منها سواء من الأضحية أو من الهدي، بل يجوز التصدق بالجميع وألا يأكل منها شيئاً، والأفضل: أن يتصدق بأكثرها، فإن تصدق بأدنى جزء منها كفاه؛ لأن اسم الإطعام والتصدق يقع عليه، فإن أراد الأكل من الأضحية أو من المنذورة أو من المتطوع بها فنقول: لك أن تأكل منها الثلث، وأن تهدي الثلث، وأن تعطي الفقراء البعض منها الذي يطلق عليه أنه صدقة، فإن لم تجد ما تعطي الفقراء فتأتي بلحم مثل القدر الذي أكلته وتوزعه على الفقراء. فأدنى الكمال: أن يأكل الثلث ويتصدق بالثلثين، وأكمله أن يأكل شيئاً ويتصدق بالباقي، ولذلك فإن النبي ﷺ لما نحر مائة بدنة في حجة الوداع أخذ من كل جمل قطعة لحم، وكان المجموع الذي أخذه شيئاً يسيراً أمام ما ذبح، إذ تصدق بالجميع وأخذ من كل جمل قطعة بحيث وضعها في قدر، وهي للنبي ﷺ ولمن معه، فأكلوه، والباقي كله للناس، فهذا هو الكمال. أما أدنى الكمال: فهو أن يأخذ شيئاً ويتصدق بشيء، فيأكل الثلث ويتصدق بالثلثين، أو يأكل الثلث ويتصدق بالثلث على المساكين ويهدي الثلث إلى الأغنياء، ولا يوجد حديث ذكر فيه النبي ﷺ هذا التقسيم، أي: ثلث للمضحي وثلث يتصدق به وثلث يهديه، ولكن أخذ من معنى هذه الآية، قال الله : ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج:٣٦]، فقوله: (فَكُلُوا مِنْهَا)، أي: يأكل جزءاً منها، وقوله: (وأطعموا القانع) وهو المسكين السائل، وهذا جزء ثانٍ، وقوله: (وَالْمُعْتَرَّ)، أي: الذي لم يسأل فتهدي إليه، فجعلها أثلاثاً، وإن كان لا يشترط قسمة ثلاثية بالعدل، فقد تقل نصيبك أنت وتزيد في الباقي.

стр. 369

مسائل متفرقة في الأضاحي الأولى: ليس له أن يتلف من لحم المتطوع بها شيئاً؛ بل يأكل ويطعم، فإذا تعمد إتلاف شيء غرم ما أتلفه؛ لأن هذه يتقرب بها لله ، فليس له أن يتلف شيئاً منها، فإذا تعمد أن يبيع شيئاً منها غرم ما باعه، فيتصدق بثمن الذي أخذه، أو يغرم مكان ما باعه منها. الثانية: يجوز أن يصرف القدر الذي لا بد من التصدق به ولو إلى مسكين واحد، فلو فرضنا أنه ذبح ووجد مسكيناً عنده عشرون ولداً فيعطيه ثلث الأضحية، وإن أعطى الأضحية كلها لهذا الفقير فله أن يفعل ذلك، فيعطي المساكين ولو حتى المسكين الواحد جميع الواجب الذي عليه. الثالثة: إن أعطى الجازر من الأضحية شيئاً أجرة له ضمنه؛ لأن الأجرة لا تعطى منها ولا حتى الجلد، ولذلك في حديث علي ﵁: (أمرني رسول الله ﷺ أن أقوم على بدنه، وأن أتصدق بلحمها وجلودها وأجلتها وألا أعطي الجزار منها، قال: نحن نعطيه من عندنا). إذاً: إذا كان على وجه الإجارة فلا يجوز، لكن إذا أعطاه على وجه الهدية وقد دفع له الأجرة جاز، ولو أعطى له الجلد هدية منها فجائز، وكذا لو أعطى له صدقة لفقره جاز، لكن أن يعطي الجزار منها على وجه الإجارة مقابل ما ذبح فهذا غير جائز. الرابعة: إن أطعم غنياً منها على سبيل الهدية جاز، وإن أتلف أجنبي منها شيئاً ضمنه، أي: يدفع قيمتها، ولو جاء إنسان أجنبي وأتلف جزءاً منها بأن رماه ونحو ذلك فأتلفه فعليه أن يضمن هذا الجزء الذي أتلفه. الخامسة: يجوز أن يدخر من لحم الأضحية، وقد كان ادخارها فوق ثلاثة أيام منهياً عنه؛ لما قلناه سابقاً: أن جماعة من الأعراب نزلوا عند النبي ﷺ في المدينة وكانوا فقراء، فلو أن أهل المدينة ادخروا من لحوم الأضحية فالأعراب لن يحصلوا شيئاً، فنهاهم في هذه السنة عن الادخار، ثم أباح لهم بعد ذلك صلوات الله وسلامه عليه. وإن أراد الادخار فالمستحب أن يكون من نصيب الأكل لا من نصيب الصدقة والهدية. أما بالنسبة للأضحية فالراجح: أنه إذا نذر أضحية فله أن يأكل منها، سواء كانت أضحية أو نذراً، فإن ضحى بها فيجوز له أن يصرفها مصرف الأضحية، لكنه أوجب على نفسه ذلك بكلمة النذر، فالأصح إذاً أنه يأكل منها ويطعم غيره؛ لأن النذر محمول على المعهود، والمعهود من الأضحية الشرعية ذبحها والأكل منها، والنذر لا يغير من صفة المنذور، إلا إذا كان نذره أن هذا لله وليس أضحية، فمثلاً: إذا قال: إن شفى الله مريضي فلله علي أن أذبح الشاة الفلانية، فذبح هذه الشاة، فعليه أن يتصدق بجميعها، فإن قال: أذبحها أضحية، فمصرفها مصرف الأضحية. السادسة: الهدي الواجب له أن يأكل منه، وأصحاب النبي ﷺ أكلوا من هدي التمتع الذي ذبحوه، لكن ليس له أن يأكل من الهدي المنذور، ولا من هدي الكفارة، ولا من جزاء الصيد. فمثلاً: إذا كان لبس الثياب في أثناء الإحرام فعليه دم في ذلك، فإذا ذبح فليس له أن يأكل منه، وكذلك إذا صاد صيداً في الحرم، كأن صاد حمامة في الحرم فقتلها، فعليه أن يطعم فقراء الحرم، فيذبح لهم شاة ويطعمهم، وليس له أن يأكل من ذلك. إذاً: هدي القران ثبت أن النبي ﷺ أكل من الجمال التي ذبحها، وهدي التمتع أهدى النبي ﷺ عن أزواجه -وكن متمتعات- البقر، وأرسل إليهن من لحمها ﵊. ولا يجوز بيع شيء من الهدي والأضحية نذراً كان أو تطوعاً؛ لقول النبي ﷺ في الحديث: (من باع جلد أضحيته فلا أضحية له)، فالذي يبيع الجلد فلا أضحية له، حتى ولو زعم أنه سيبيع ويتصدق بالمال، ولكن لك أن تنتفع بهذا الجلد أو أن تهديه أو تتصدق به، ومن تصدقت بالجلد عليه فله أن ينتفع به بأي شيء، حتى ولو بالبيع، إذاً: فلو تصدقت به لمسجد من المساجد يجمع جلود الأضاحي فلك ذلك، ولك أن تعطيه الإسعاف ليأخذوه ويبيعوه ثم يصنعوا بثمنه للفقراء في المستشفيات أشياء يشفون بها، فهذا يجوز، إذاً: فإذا تصدقت به فإنه يكفي، والذي أعطيته صدقة له أن يتصرف به بما يشاء ولو ببيعه. السابعة: يستحب أن يتصدق بجلال الهدي -أو الجلال: هي الأكسية التي تبقى موجودة على الهدي-؛ لحديث علي بن أبي طالب ﵁، ولا يكفي التصدق بالجلد والقرن، أي: لو أتى بأضحية كخروف وذبحه، وقال: علي أن أتصدق بشيء منه وسأتصدق بجلده وقرنه، فهذا لا ينفع؛ لأن الله قال: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا﴾ [الحج:٢٨]، وأنت لم تطعم بهذه الصورة. الثامنة: يجوز أن ينتفع بجلدها، فيصنع منه النعال والخفاف والفراء، ومن نذر الأضحية في عام فأخر عصى، أي: إذا نذر بقوله: لله علي أن أضحي هذا العام، وقدر، إن أخرها فيعصي بذلك ويلزمه القضاء، كمن أخر الصلاة. موضع الأضحية هو البلد الذي أنت فيه، ولكن الراجح: أنه يجوز لو كنت في بلد ووكلت إنساناً في بلد آخر أن يضحي عنك جاز لك ذلك، كبعض الناس يكون مسافراً في بلد ما، ثم يتصل بأهله في مصر مثلاً: اذبحوا الأضحية في العيد ووزعوا على الفقراء، فهذا جائز. والأفضل أن يضحي في داره بمشهد أهله، ويجوز نقل الأضحية بحسب الحاجة، والأفضل للإمام أن يضحي في المصلى، والإمام المراد به إمام المسلمين الذي هو الحاكم أو أمير الناس، فإذا صلى بهم فيستحب له أنه يضحي في مكان الصلاة. ويجوز للوصي أن يشتري لليتيم أضحية، أي: لو كان هناك يتيم وأنت تربيه وهو غني وله مال فيجوز أن تشتري له أضحية من ماله، ففيها جبر لقلبه وتطييب لخاطره. ويجوز إطعام الجيران من أهل الذمة من أضحية التطوع دون الواجب، فصدقة التطوع يجوز أن تعطي منها ولو للفقراء من أهل الذمة من اليهود أو النصارى من الجيران، وهذا في التطوع، أما الصدقة الواجبة كالزكاة والأضحية الواجبة والمنذورة فلا يجوز أن تعطى إلا للمسلمين، وجاء في حديث عند الترمذي عن مجاهد أن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁: ذبحت له شاة في أهله، فلما جاء قال: أهديتم لجارنا اليهودي؟ سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه). إذاً: ففهم من حديث النبي ﷺ أنه يجوز أن يهدى لأهل الذمة، لكن أهل العلم على أن الصدقة الواجبة كالزكاة أو النذر الواجب لا يجوز أن يعطى منها إلا للمسلمين، والله أعلم. نكتفي بهذا القدر، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 370

شرح كتاب الجامع لأحكام العمرة والحج والزيارة - أحكام الفرع والعتيرة والعقيقة الفرع والعتيرة نوعان من أنواع الذبائح المعروفة في الجاهلية، وقد عرفها العلماء بعدة تعاريف واختلفوا في حكمها بين مجيز لهما ومحرم. والعقيقة: هي ما يذبح عن المولود في اليوم السابع، وهي سنة نبوية متأكدة، ولها أحكامها وتفاصيلها المعروفة في كتب الفقه.

стр. 371

حكم الفرع والعتيرة في الشرع

стр. 372

تعريف الفرع والعتيرة الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. نتحدث اليوم عن حكم الفرع والعتيرة والعقيقة حتى نستكمل كتاب: الجامع لأحكام الحج في باب الفرع والعتيرة. الفرع والعتيرة: نوع من الذبائح التي تذبح، وجاء عن النبي ﷺ أحاديث في شأنها، فالفرع يفسره أهل العلم بأنه: أول نتاج الإبل والغنم، فصاحب الإبل، أول ما ينتج عنده من الإبل وتلد له هذه الإبل أول النتاج يسمى بالفرع. وكذلك إذا كان عنده أغنام ومواشي فأول النتاج هذا يسمى: الفَرَع أو الفرْع، وكان هذا معروفاً في الجاهلية، فقد كانوا يذبحون أول النتاج رجاء البركة من الله لهم في الأموال التي عندهم، وأن الأم يكثر نسلها، وكان أكثرهم يذبحون هذا الذبح لأصنامهم، فأهل الجاهلية كانوا يذبحون للأصنام ويرجون البركة من وراء ذلك، وكثرة النسل. وهناك تفسير آخر للفرع: وهو ما يذبحه صاحب الإبل إذا بلغت مائة. فيكون الفرع: هو أول النتاج، أي: مجرد ما تلد الإبل يذبح هذا الفرع، وكذلك إذا بلغ عدد الإبل ما يتمناه الرجل من مائة ناقة فبمجرد ما تصل إبله إلى مائة يذبح واحداً منها، فهذا هو معنى الفرع. والعتيرة أيضاً ذبيحة كانت تذبح في الجاهلية، وكان أهل الجاهلية يعظمون شهر رجب تعظيماً عجيباً، وكانوا يعظمون أشهر الحرم التي هي: ذو القعدة وذو الحجة وشهر المحرم، فهذه ثلاثة سرد، وواحد فرد وهو شهر رجب، فكانوا يعظمون شهر رجب أشد من تعظيمهم لباقي الأشهر، وكانت هذه البقية ينسئونها ويسمون المحرم صفراً بحيث يقاتل بعضهم بعضاً فيه، قال الله : ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ [التوبة:٣٧]. فهذه الأشهر الحرم كان أعظمها عندهم شهر رجب، وكانوا يذبحون فيه الذبيحة التي يسمونها بالعتيرة في أول عشرة أيام من رجب، ويسمونها أيضاً الرجبية.

стр. 373

حكم الفرع والعتيرة ولا يجب لا الفرع ولا العتيرة، والتقرب إلى الله هذا شيء عظيم، فتتقرب إلى الله في أي شهر من الشهور، وليس شرطاً في هذه الأشهر، فتتقرب إلى الله بالصدقة، وتتقرب إلى الله بالنسك والذبح، هذا كله جائز، لكن هل لابد أن تفعل هذه الأشياء التي كان يفعلها أهل الجاهلية ثم فعلها بعض المسلمين بعد ذلك، أم أن أمرها قد نسخ، أم ما هو حكمها؟ جاء في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا فرع ولا عتيرة)، وهذا نفي للجنس، (لا فرع) أي: ليس في الإسلام فرع ولا عتيرة؛ لأنه كان من فعل أهل الجاهلية، أو المعنى: ليس في الإسلام ما كان يصنعه أهل الجاهلية؛ لأنهم كانوا يذبحون لأصنامهم، وفي الإسلام لا يوجد مثل ذلك، ولكن اذبح لله في أي شهر. ومعنى آخر: (لا فرع ولا عتيرة) أي: واجبة، وقد بين الله لنا الصدقات الواجبة، وكيف تقسم، وكيف توزع على أصحابها، فالمال ليس فيه حق إلا الزكاة التي فرضها الله سبحانه إلا أن يحتاج الناس فيتكافلون فيما بينهم. فتكون الزكاة بينت الواجبات الأخرى، فما كان واجباً قبل ذلك من أشياء فقد جاءت الزكاة وبينت النصاب الذي يكون في المال، وفي أجناس المال وأنواعه، وكيف تخرج هذه الزكاة، وعلى من توزع. ولذلك نقول: لا بأس بالفرع والعتيرة في رجب وفي غيره شكراً لله وتعبداً, فهذا كله لا بأس به طالما أنه فعل لله سبحانه، فتشكر الله على ذلك، والدليل: ما رواه أبو داود وأحمد من حديث عائشة ﵂ أنها قالت: (أمرنا رسول الله ﷺ من كل خمسين شاة شاة)، فقد أمرهم النبي ﷺ بذلك. وقد ذكرنا قبل ذلك زكاة المال وزكاة بهيمة الأنعام، وأن الأغنام من بهيمة الأنعام التي جعل النبي ﷺ فيها قدراً معيناً، وقوله: (في كل خمسين شاة شاة) يحتمل الزكاة ويحتمل غيرها، وفي لفظ لـ أحمد: (أمرنا رسول الله ﷺ بالفرع)، وعليه فليس المراد به الزكاة. وأيهما يكون متقدماً حديث أبي هريرة أم حديث عائشة؟ لو قلنا: حديث أبي هريرة هو الأول، فيكون معناه: نهى النبي ﷺ عما كان يفعل في الجاهلية من فرع وعتيرة، ثم بعد ذلك نسخ هذا الحكم بحديث عائشة ﵂، فقد كانوا في الجاهلية يفعلونه، ثم منع، ثم أبيح وهذا محتمل، ولكن الاحتمال الأقرب: أن يكون حديث عائشة ﵂ جرى على ما كانوا عليه، ثم بعد ذلك جاء حديث أبي هريرة فمنع، وهذا هو الأرجح؛ لأن أبا هريرة كان إسلامه متأخراً، بعد العام السابع في خيبر، ومعناه: أنه سمع الشيء المتأخر، وأخبر عن النبي ﷺ أنه قال: (لا فرع ولا عتيرة). فقد كانوا في الجاهلية يفرعون ويعترون، فجاء الإسلام وبين لهم: اعملوا كذا واعملوا كذا لكن ليس على هيئة الوجوب، وإنما لبيان ما يصنعونه في ذلك، ثم لما ظنوا أن هذا واجب وأنه لابد أن يفعلوه، فقد يكونون فهموا ذلك من أحاديث النبي ﷺ كقوله: (الفرع حق)، فبين لهم أنه: (لا فرع) واجب عليكم، فلا يجب عليكم ذلك. وفي رواية الإمام أحمد ﵀: (أمرنا رسول الله ﷺ بالفرع من كل خمس شياه شاة)، والحديث الأول هو حديث عائشة، وهو قوله: (من كل خمسين) فيحمل على الزكاة، وفي رواية الإمام أحمد قال: (أمرنا بالفرع)، وبينت عائشة فقالت: (من كل خمس شياه شاة)، وهذا قدر كبير جداً، والزكاة لم تأتِ بذلك، فغايته أن يكون هذا مستحباً ولا يجب. قالت: (وأمرنا أن نعق عن الجارية شاةً وعن الغلام شاتين)، وباقي الحديث: (أمرنا بذلك ﷺ أي: بالعقيقة. وروى أبو داود عن نبيشة الهذلي ﵁ -وهذا الحديث صحيح- أنه قال: (نادى رجل رسول الله ﷺ : إنا كنا نعتر عتيرة في الجاهلية في رجب فما تأمرنا؟ قال: اذبحوا لله في أي شهر كان، وبروا الله ، وأطعموا). نقول: الأمر هنا على الوجوب، ولكن إذا كان الأمر جواباً للسائل فلا يدل على الوجوب، فإن الأمر يدل على الوجوب ابتداءً، ولكن عندما يسأل النبي ﷺ : هل نفعل كذا؟ فيقول: افعلوا، فيكون ورد جواباً على السائل، ولا يكون الجواب إلا كذلك، فلا يقال: هذا أمر على الوجوب، فعلى ذلك: هنا السائل سأل النبي ﷺ : كنا نذبح، فقال: (اذبحوا لله في أي شهر كان، وبروا الله ، وأطعموا)، وقال الرجل: (إنا كنا نفرع فرعاً في الجاهلية، فما تأمرنا؟). فقد كانوا يَعترون، والعتيرة: ذبيحة رجب، قال: (كنا نفرع فرعاً في الجاهلية فما تأمرنا؟) يعني: نحن في الجاهلية عندما تكثر غنمنا أو إبلنا نذبح واحدةً منها، أو عندما يأتي أول النتاج من الإبل نذبحه على حاله، من غير أن نطعمه ولا نمسه، فقال النبي ﷺ : (في كل سائمة فرع تغدوه ماشيتك)، السائمة: بهيمة الأنعام التي تسوم ولا تعلف، أي: تأكل من المراعي التي خلقها الله ، قال: (في كل سائمة فرع تغدوه ماشيتك حتى إذا استحمل للحجيج ذبحته فتصدقت بلحمه على ابن السبيل، فإن ذلك خير). فقوله: (إذا) بينت في آخر الحديث أن هذا من الخير الذي تفعله وليس هذا فرضاً واجباً عليك. فيكون حديث نبيشة فيه: أنهم كانوا يذبحون في رجب فقال لهم: اذبحوا لله في أي شهر، في أي شهر من الشهور، ولا تخصصوا رجب ولا غيره، ولكن اذبحوا لله . وقوله: (كنا نفرع في الجاهلية فما تأمرنا؟ قال: في كل سائمة فرع تغدوه ماشيتك)، تغدوه أي: تطعمه كما تطعم ماشيتك؛ لأنه كان في الجاهلية أول ما تلد الناقة وهو ما ليس له لحم إلا يسير جداً، وجلدة على عظم يذهب ويذبحه على هذه الحال. وعندما تذبحه على هذه الصورة فمن الذي سيستفيد منه؟ فحد الاستفادة من ورائه شيء يسير جداً، فلذلك قال ﷺ : (في كل سائمة فرع تغدوه ماشيتك) أي: كما تغدو ماشيتك، كذلك تغدو هذا، (حتى إذا استحمل للحجيج) أي: صار قوياً يستطيع أن يحمل الأحمال ويذبحه الإنسان في هدي ونحو ذلك، فهنا يجوز لك أن تذبحه، وقوله: (استحمل) أي: أطاق أن يحمل فوقه، ولم يعد صغيراً. وفي رواية أخرى أيضاً صحيحة عن مخنف بن سليم قال: (بينما نحن وقوف مع رسول الله ﷺ بعرفات إذ قال: يا أيها الناس! إن على كل أهل بيت في كل عام أضحية وعتيرة، أتدرون ما العتيرة؟ هذه التي يقول الناس: الرجبية). ولو كان هذا الحديث لوحده فيمكن أن يدل على أن كل أهل بيت يجب عليهم ذلك، ولكن عرفنا من الأحاديث السابقة: أن الأضحية عند جماهير أهل العلم سنة مستحبة، وليست فريضة واجبة، ولذلك كان أبو بكر وعمر ﵄ لا يضحيان؛ مخافة أن يظن الناس أنها واجبة. فيحمل هذا الحديث على استحباب الأضحية إذا قدر عليها، والعكس من باب أولى، إذا كانت الأضحية مستحبة فكذلك العتيرة تكون مستحبة. وهناك حديث آخر رواه أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: (وسئل رسول الله ﷺ عن الفرع؟ قال: والفرع حق). أي: ما كانوا يفعلونه في الجاهلية كان باطلاً، فقد كانوا يذبحون للأصنام، ولكن في الإسلام يذبحون لله ، فهذا من الحق، ومن الصدقة. قال: (وإن تتركوه حتى يكون بكراً ابن مخاض أو ابن لبون فتعطيه أرملة أو تحمل عليه في سبيل الله خير من أن تذبحه فيلزق لحمه بوبره، وتكفأ إناءك وتوله ناقتك) هنا في الحديث: يخبر النبي ﷺ أن الفرع حق، فيكون المعنى: لكم أن تفرعوا بالفرع الذي ذكره النبي ﷺ ، ولهذا قال لهم: هذا حق، فكونك تذبح لله هذا من الحق، ولكن بدل أن تذبحه وهو ما زال صغيراً اصبر عليه حتى يكبر قليلاً واذبحه أو تصدق به على الحاج، ولهذا قال: (والفرع حق، وأن تتركوه حتى يكون بكراً شغزباً ابن مخاض)، كلمة (شُغْزُباً) بعض علماء اللغة يخطئون في هذه الكلمة، فقالوا: والصواب أن يقول: (زُخْرُب) ومعناه: سميناً أو غليظاً اشتد لحمه، والله أعلم. لكن الغرض: أن الحديث قد يكون الراوي رواه بمعناه وعلى لغة من اللغات فذكره هكذا، فقال: (حتى يكون بكراً شغزباً ابن مخاض أو ابن لبون)، ابن مخاض: هو ما له سنة، وابن لبون: ما له سنتان، (فتعطيه أرملة) فليس شرطاً أن تذبحه، ولكن تعطيه وهو حي لامرأة أرملة، (أو تحمل عليه في سبيل الله خير من أن تذبحه)، وإذا ذبحه على هذه الاحل وهو ليس فيه لحم فما الذي سيستفيد منه؟ قال: (فيلزق لحمه بوبره وتكفأ إناءك وقوله ناقتك) أي: عندما يذبح وهو صغير على ما كانوا يفعلون في الجاهلية يلزق اللحم بالوبر، فلا تستطيع أن تخرج منه لحماً، ويكون جلده على عظمه، فلا توجد فائدة كبيرة من ورائه. (وتكفأ إناءك) وهنا يبين لهم النبي ﷺ أنه عندما يذبح الجمل وهو صغير، فلو ترك ترضعه أمه فإنه يبقى فيها اللبن، فهو يشرب من اللبن ويبقى لك منه، فأنت كسبت اللبن الذي أتى، لكن عندما تذبحه وهو صغير ستكفئ إناءك فلا يبقى لك اللبن. قال: (وتوله ناقتك) أي: تحزن وتفجع الناقة، فالناقة عندما يكون ابنها صغيراً فإنه يجعل الله فيها الحنان والرحمة على صغيرها، فإذا كبر واستغنى عنها انفصل، وكان سهلاً أن تذبحه بعد ذلك عندما يكبر، فلذلك قال: (وهو صغير) إذا ذبحته فقد لا تجد

стр. 374

العقيقة وأحكامها

стр. 375

تعريف العقيقة ومشروعيتها العقيقة: هي اسم لما يذبح عن المولود، فإذا ولد لك مولود فتذبح عن هذا المولود ما يسمى بالعقيقة. والعقيقة سنة متأكدة، حث عليها النبي ﷺ وفعلها، وبينها ﵊، فروى البخاري تعليقاً عن سلمان بن عامر الضبي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (مع الغلام عقيقة، فأهريقوا عنه دماً، وأميطوا عنه الأذى). قوله: (مع الغلام عقيقة) أي: مع مولد الغلام عقيقة تعق عنه. (فأهريقوا عنه دماً) أهرق بمعنى: أراق، وإما أن تذبح عنه من الغنم أو من غيرها من بهيمة الأنعام. (وأميطوا عنه الأذى) وجاء في حديث آخر: أنه يحلق شعره في يوم سابعه. وفي السنن عن سمرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (كل غلام رهينة بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه)، فالسنة أن تذبح هذه العقيقة في اليوم السابع (ويحلق ويسمى) ويحلق في يوم سابعه ويسمى كذلك، وكلمة (العقيقة) ذكرنا أنها اسم لما يذبح عن المولود، واستحب بعض أهل العلم أن يقال: النسيكة. وكلمة (العقيقة) قالوا: مشتقة من العق وهو بمعنى: القطع أو الشق؛ لأن العقيقة ذبح، ولذا لا يصح أن نشتري لحماً من السوق بالكيلو، فالعقيقة لابد فيها من الذبح؛ ولذلك اختار الإمام أحمد ﵀: أنها مأخوذة من العق وهو الشق والقطع؛ لأنك تقطعها وتشقها عندما تذبحها، فتقطع أوداجها ومريئها وحلقها. وذكر بعض أهل العلم ومنهم أبو عبيد الأصمعي أنه سميت الشاة التي تذبح عنه في هذه الحال بالعقيقة؛ لأنها تذبح في الوقت الذي يُحلق عنه شعره. قال في الحديث: (كل غلام رهينة)، و (كل) لفظ مطلق، فسواء ذكراً كان أو أنثى، ولفظ (الغلام) يطلق على الذكر، ولكن أطلق هنا من باب التغليب، والمقصود منه: كل من يولد له ذكر أو أنثى فعليه هذه العقيقة. وقوله: (رهينة) بمعنى: مرهون، يقال: هذا مال راهن بمعنى: باق قاعد، ومنه (الرهن) عندما يكون عليك دين لإنسان يقول لك: هات رهناً، أي: ضع عندي شيئاً أثبته عندي حتى تقضي هذا المال وإلا أخذت مالي من هذا الذي أودعته إياي. فقوله: (مرهون) كأنه ثابت وواقف لا يتحرك إلا بهذه العقيقة، وفسر الإمام أحمد هذا فقال: إن الغلام لو مات وهو صغير فإنه يسبق أبويه إلى الجنة ويشفع لهما، ولا يزال يأخذ بأيديهما ويحاج عنهما حتى يدخلهما الجنة، فقال: هذا الغلام مرتهن في شفاعته للوالدين بهذه العقيقة حتى تذبح عنه، هذا اختيار الإمام أحمد ﵀. وقال ابن الأثير في (النهاية): العقيقة لازمة لابد منها؛ لحديث: (كل غلام رهين بعقيقته) بمعنى: أنها ملازمة له، فهذه العقيقة لابد منها، والمقصد: التأكيد، فكما الرهن لابد أنك تفك رهنك، كذلك الغلام لابد أن تعق عنه، فقال: إن العقيقة لازمة له، ولابد منها، فشبه المولود في لزومها له وعدم انفكاكه منها بالرهن في يد المرتهن. قال التربشتي: أي: أنه كالشيء المرهون لا يتم الانتفاع به دون فكه، فمثلما يكون عندك مال مرهون عند شخص، فتأتي وتقول له: أريد أن أشتغل بهذا، فيقول لك: لا، حتى تدفع الثمن الأول، وكذلك الغلام إذا أردت أن تنتفع به وينالك من بركة الله عليه ونفعه لك لابد أن تعق عنه هذه العقيقة، فتستفيد من شكر النعمة، والبركة من وراء هذا الغلام. كذلك قالوا من معانيها: أنه أراد بذلك أن سلامة المولود ونشأه على الخصال المحمودة مرتهن بهذه العقيقة، أي: أن ينشئه الله تنشئة سليمة وفاضلة، فيكون مرهوناً بهذه العقيقة، وأنه يكون على خير بعد ذلك. وروى أبو داود عن ابن عباس ﵄: (أن رسول الله ﷺ عق عن الحسن والحسين كبشاً كبشاً). ورواه النسائي بلفظ: (عق رسول الله ﷺ على الحسن والحسين ﵄ بكبشين كبشين)، هذا صحيح وهذا صحيح، والحسن والحسين هذا وجد مرة وهذا وجد مرة، فيكون إما هذا وإما ذاك. أو يجمع بينهما فيقال: كلا الأمرين صحيح، أنه وجد مالاً يسيراً فعق عن هذا بكبش وعن هذا بكبش، فلما رزقه الله أكمل العقيقة فعق عن هذا كبشين، وعن هذا كبشين، وهذا الجمع أولى من رد أحد الحديثين. الخلاصة: أن الكبش الواحد يجزئ، والأفضل الكبشان؛ لما جاء عن النبي ﷺ في سنته وقوله ﵊.

стр. 376

من تلزمه العقيقة عن المولود إذا جاء لك مولود فمن يعق عنه؟ قالوا: من تلزمه نفقته من ماله لا من مال المولود، فيكون الذي تلزمه النفقة هو الأب، ولو فرضنا أن هذا المولود كان قد ورث مالاً من إنسان فتوفي هذا الشخص، أو ورث مال أمه التي ولدته وماتت فتركت له مالاً، فصار وارثاً من مالها وله مال كثير، فهل يقال: يعق عنه من ماله الذي صار إليه؟ قالوا: لا، الذي يعق عنه هو من ينتفع بهذه العقيقة بسبب هذا الغلام، وهو أبوه أو من يقوم بتربيته والنفقة عليه إن كان أبوه ميتاً.

стр. 377

حكم العقيقة والعقيقة سنة ولا تجب، هذا ما عليه جماهير أهل العلم، أن العقيقة سنة مؤكدة وليست فرضاً واجباً؛ لما روى أبو داود والنسائي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: (سئل رسول الله ﷺ عن العقيقة، فقال: لا يحب الله العقوق)، وكأنه كره الاسم؛ لأنه كان شائعاً بينهم ذلك، ولكن كأن هذا ذكره بعقوق الوالدين فقال: (لا يحب الله العقوق)، ولم يقل: لا يحب الله العقيقة، ولكن الاسم ذكره بشيء، فذكر هذا الشيء، فقال الرجل لرسول الله ﷺ : (إنما نسألك عن أحدنا يولد له) كأن الرجل وجد أن النبي ﷺ صار ذهنه إلى شيء آخر، وهو العقوق فقال: نحن لم نسأل عن العقوق، ولكنا نسأل عن المولود الذي يولد لنا ماذا نعمل له؟ فقال النبي ﷺ : (من أحب أن ينسك عن ولده فلينسك عنه، عن الغلام شاتان مكافئتان، وعن الجارية شاة)، وهنا ذكر النسك، والنسك معناه: الذبح. ولاحظ أنه ﷺ عبر بلفظ العقيقة في الأحاديث السابقة، فقال ﷺ فيما رواه البخاري تعليقاً: (مع الغلام عقيقة)، وقال في حديث سمرة في السنن: (كل غلام رهينة بعقيقته)، فعبر بكلمة (العقيقة)، فليس في التعبير بكلمة (العقيقة) تحريم ولا كراهة ولا منع، أما الذي في الحديث فهو الكراهة للعقوق؛ ولذلك الرجل وضح للنبي ﷺ وقال: أنا لا أسأل عن العقوق، وإنما أسأل عن العقيقة التي مع المولود؟ فقال النبي ﷺ : (من أحب أن ينسك عن ولده فلينسك عنه) وقوله: (من أحب) لا يدل على الوجوب، فهو يقول: إذا أحببت افعل كذا، من أحب فليفعل كذا، وهذا صارف للأمر عن الوجوب في جملة الأحاديث، فدل الحديث على أن العقيقة ليست فريضة، وإنما هي سنة متأكدة. قال: (من أحب أن ينسك عن ولده فلينسك عنه، عن الغلام شاتان مكافئتان وعن الجارية شاة) قوله: (شاتان مكافئتان) يعني: متشابهتان في نفس الحجم والسن ويقال: (مكافِئتان) أي: تكافئ كل واحدة الأخرى. (وعن الجارية شاة) فقد جعل النبي ﷺ في الغلام الذكر شاتين، وفي الجارية شاة، وهذه أشياء تعبدية، نتعبد لله بذلك، وقد قال الله في الإرث: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء:١١]، وجعل النبي ﷺ في العقيقة عن الغلام شاتين وعن الجارية شاة، فنفعل ما قاله النبي صلوات الله وسلامه عليه، ولا معنى لأن يعقد الإنسان وينظر ما هو الفرق بين الاثنين؟ هل نفع هذا أكثر ونفع هذا أقل؟ نقول: هكذا أمرنا النبي ﷺ أن نعق عن الغلام بشاتين وعن الجارية بشاة واحدة. يقول الإمام النووي في (المجموع): العقيقة مستحبة عند الشافعي ومالك وأبي ثور وجمهور العلماء، وهو الصحيح المشهور من مذهب الإمام أحمد ﵀. وبعض أهل العلم ذكروا أنها واجبة، وهذا قول بريدة بن الحصيب الأسلمي والحسن البصري، وأبي الزناد وداود الظاهري، ورواية عن أحمد، وإن كان الراجح في مذهب الإمام أحمد أن العقيقة سنة وليست فريضة. والإمام أبو حنيفة ﵀ رأى أن العقيقة ليست واجبة ولا سنة، بل اعتبرها بدعة من البدع. يقول الإمام الشافعي ﵀: أفرط في حكم العقيقة رجلان: رجل قال: إنها واجبة، ورجل قال: إنها بدعة، أي: الذي قال: إنها واجبة أفرط في ذلك، والذي قال: إنها بدعة أفرط في ذلك، والصحيح أنها سنة؛ لقول النبي ﷺ : (من أحب أن ينسك عن ولده فلينسك عنه، عن الغلام شاتان مكافئتان، وعن الجارية شاة). وروى الإمام أحمد عن عائشة ﵂ قال: (أمرنا رسول الله ﷺ أن نعق عن الجارية شاة، -يجوز تقول: أن نَعُق، وأن نَعِق- وعن الغلام شاتين، وأمرنا بالفرع من كل خمس شياه شاة)، وهنا الأمر بالفرع ليس على الوجوب، وكذلك الأمر بالعقيقة ليس على الوجوب.

стр. 378

يعق عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة والسنة: أن يعق عن الغلام شاتين وعن الجارية شاة، روى الترمذي عن عائشة ﵂: (أن رسول الله ﷺ أمرهم عن الغلام شاتان مكافئتان وعن الجارية شاة)، وعنها قالت: (أمرنا رسول الله ﷺ أن نعق عن الجارية شاة، وعن الغلام شاتين، وأمرنا بالفرع من كل خمس شياه شاة). وروى الترمذي عن أم كرز: (أنها سألت رسول الله ﷺ عن العقيقة؟ فقال: عن الغلام شاتان وعن الأنثى واحدة، ولا يضركم ذكراناً كن أم إناثاً). فيجوز أن يذبح شاة سواء كانت ذكراً أو أنثى، فيذبح خروفاً أو نعجة، فهذا كله جائز فيها، فإن عق عن الغلام شاة حصل بذلك أصل السنة. ولو أن شخصاً ولد له ولدان فذبح عنهما شاة واحدة لم تحصل العقيقة، وكأنه عق عن كل غلام بنصف شاة، فلا يصلح هذا.

стр. 379

ما تشرع منه العقيقة لابد أن تكون العقيقة من بهيمة الأنعام، بل بعض أهل العلم ألزم أن تكون من الأغنام لا من غيرها، وهذا كان رأي سيدنا أبي بكر الصديق ﵁، أنها تكون من الغنم. وعند جمهور العلماء أنه يجوز أن تكون العقيقة من الغنم ومن البقر، ويجوز أن تكون من الإبل، ولكن ذهب الإمام أحمد ﵀ إلى أنها إذا كانت من البقر فلابد أن تكون بقرة كاملة عن الغلام، ومن الإبل يكون جملاً كاملاً عن الواحد، فلا يشاركه فيها سبعة في البقرة أو في الإبل كما يشاركون في الهدي، فرأى أنها تكون واحدة عن الواحد، وسننظر كلام أهل العلم في ذلك. مسألة: لو ذبح بقرة أو بدنة عن سبعة أولاد أو اشترك فيها جماعة جاز، وهذا اختيار الجمهور: أنه يجوز أن يذبح البقرة عقيقة عن سبعة أولاد، وكأن السبع مكان الخروف وسواء أرادوا كلهم العقيقة أو أراد بعضهم العقيقة وبعضهم اللحم كما سبق في الأضحية. وهنا نقول: إن الإمام أحمد رأى أن تكون البدنة أو البقرة عن الواحد، أي: من الإبل أو البقر أو الغنم تكون الواحدة عن الواحد ولا يكون أكثر من ذلك، ففي الغنم اتفق الجميع على ذلك، وهذا فعل النبي ﷺ وأمره. فالأفضل أن يذبح من الغنم، وهذا أفضل من أن يشارك في البقر أو في الإبل، لكن لو ذبح بقرة كاملة أو جملاً كاملاً عن واحد، فهذا أفضل من أن يذبح كبشاً واحداً، فذبح الشاة أفضل من الاشتراك في بقرة أو ناقة.

стр. 380

ما يجزئ في العقيقة والمجزئ في العقيقة هو المجزئ في الأضحية، أي: مثلما ذكرنا في الأضحية، فقد ذكرنا السن، وذكرنا أنها لابد أن تكون خالية من عيوب الأضحية، وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: (أربع لا تجزئ -أو لا تجوز- في الأضاحي: العرجاء البين عرجها، والعور البين عورها، والمريضة البيِّن مرضها، والعجفاء التي لا تنقي)، فذكر النبي ﷺ عيوباً فيها، فعلى ذلك التي فيها مثل هذه العيوب لا تنفع في الأضحية، وكذلك لا تنفع في العقيقة، فلا تجزئ دون الجذعة من الضأن أو الثنية من المعز والإبل والبقر، والجذع من الضأن: ما له ستة أشهر وما له سنة أفضل، والثني من المعز: التي أكملت سنة ودخلت في الثانية، ومن البقر ما أكملت سنتين ودخلت في الثالثة، ومن الإبل ما أكملت أربع سنوات أو خمس سنوات ودخلت في التي تليها. وعلى ذلك: فالمجزئ في العقيقة هو الذي يجزئ في الأضحية. وكذلك يشترط سلامتها من العيوب كما يشترط سلامة الأضحية منها، فلا تكون عوراء، ولا هزيلة، ولا عرجاء، ولا مريضة، ويكون منظرها منظراً جميلاً كما فعل النبي ﷺ في أضحيته، فكذلك يفعل في العقيقة. ويستحب أن يأكل منها ويتصدق ويهدي كما في الأضحية، فيذبح العقيقة ويأكل منها، ويهدي منها، ويتصدق منها، فهذا كله جائز.

стр. 381

وقت ذبح العقيقة متى تذبح هذه العقيقة؟ السنة أن تذبح العقيقة في اليوم السابع من الولادة، ولو ذبحها قبل ذلك أو بعد ذلك فهو مجزئ، ولكن الأفضل التقيد بالسنة، فيحسب يوم الولادة، وهذا فيه خلاف بين العلماء: هل يوم الولادة محسوب من ضمنها أو أنه يلغى ويعد سبعة أيام بعده؟ الراجح أن يوم الولادة محسوب؛ لقوله ﷺ في حديث سمرة بن جندب: (كل غلام رهينة بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه) فاليوم الذي يولد فيه المولود هذا أول الأسبوع من يوم الولادة، فإن ولد في الليل حسب اليوم الذي يلي تلك الليلة، ولو ذبح العقيقة بعد السابع أو قبله وبعد الولادة أجزأه، وسواء ذبح أول ما يولد الغلام أو أخر إلى اليوم العاشر، أو إلى اليوم العشرين فكله مجزئ، ولكن الأفضل أن تكون في اليوم السابع. وإن ذبح العقيقة قبل الولادة كأن تكون زوجته حاملاً فيستعجل ويذبح العقيقة، فلا تجزئ عنه، فليست هذه عقيقة في هذه الحال، بل تكون شاة لحم؛ لأن وقتها بعد الولادة؛ ولأن النبي ﷺ قال: (كل مولود رهين -أو كل غلام رهين- بعقيقته). ولا تفوت العقيقة بتأخيرها عن السابع، فلو جاء اليوم الثامن وهو لم يذبح، كأن يكون ليس عنده نقود، وانتظر إلى الشهر القادم حتى تتيسر له النقود، ولو ذبح بعد سنة أو سنتين، أو ما ذبح عنه فعق عن نفسه بعد ذلك حين ملك مالاً فكل هذا يجزئ في العقيقة، وتكون العقيقة مجزئة في ذلك، فلا تفوت بتأخيرهما عن السبعة الأيام، لكن يستحب ألا تؤخر عن سن البلوغ. يقول الإمام الترمذي: والعمل على هذا عند أهل العلم، فيستحبون أن يذبح عن الغلام العقيقة يوم السابع، فإن لم يتهيأ يوم السابع فيوم الرابع عشر، فإن لم يتهيأ عق عنه يوم إحدى وعشرين، وهذا نسبه لأهل العلم فقال: أهل العلم قالوا ذلك. والراجح: أنه لم يصح عن النبي ﷺ في ذلك شيء، يقول الحافظ ابن حجر: لم أرَ هذا صريحاً إلا عن أبي عبد الله البوشنجي، ونقله صالح بن أحمد عن أبيه، وورد فيه حديث أخرجه الطبراني من رواية إسماعيل بن مسلم عن عبد الله بن بريدة عن أبيه، وإسماعيل بن مسلم ضعيف، ولذلك قال: إنه تفرد به، وذكر الطبراني أنه تفرد بهذا الحديث، فلا يصح عن النبي ﷺ أنه إذا أخر العقيقة عن السابع ينتظر إلى يوم أربعة عشر، ثم إلى اليوم الواحد والعشرين، فلا يصح في هذا حديث. ولو فرضنا أن الإنسان فعل ذلك أجزأ، فنقول: إنها تجزئ في أي وقت حتى البلوغ، ويستحب ألا يتجاوز فيها سن البلوغ، وإذا لم يعق عن الغلام أبوه جاز أن يعق عن نفسه بعد ذلك. كذلك جاء حديث ضعيف عن النبي ﷺ -ونريد أن نبين ضعفه فقط- عن جعفر بن محمد عن أبيه، وقد رواه أبو داود في المراسيل ورواه البيهقي أن النبي ﷺ قال في العقيقة التي عقتها فاطمة عن الحسن والحسين ﵄: (أن ابعثوا إلى بيت القابلة بِرِجْلٍ، وكلوا وأطعموا، ولا تكسروا منها عظماً)، فذكر كثير من العلماء أنه يستحب ألا تكسر العقيقة، ولكن لم يصح الحديث بذلك عن النبي ﷺ . وذكروا أن السنة أن يهدى إلى القابلة أو الطبيبة التي ولدتها، فيهدون لها رجل العقيقة، وهذا أيضاً لم يصح في ذلك، وكونه لم يصح فهل معناه: أنه لا يهدي للقابلة منها شيئاً؟ لا، بل اهدِ ما شئت، اهد الرجل أو غيرها فليس في ذلك سنة، فلا ننسب إلى النبي ﷺ ما لم يصح عنه صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 382

استحباب حلق رأس المولود يوم سابعه ويستحب حلق رأس المولود يوم سابعه سواء كان ذكراً أو أنثى، وهذا ليس فرضاً واجباً، والذي يقوم بذلك هو من يتقن هذا العمل، وليس أي إنسان يحلق، فإن جلد الرأس يكون رقيقاً جداً، فربما يجرحه من لا يتقن الحلاقة، ففي اليوم السابع يحلق رأس المولود سواء كان ذكراً أو أنثى، استحباباً وليس فرضاً، وشعر المولود يكون شعراً ضعيفاً، وعندما يحلق بالموسى فإن الجلد يتفتح فينشأ شعر آخر أقوى من هذا الشعر، فهذا أمر النبي ﷺ به لفائدة: أنه يقوى الشعر في هذا الوقت. ويستحب أن يتصدق بوزن شعره فضة، فقد روى الترمذي عن محمد بن علي بن الحسين عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: (عق رسول الله ﷺ عن الحسن بشاة وقال: يا فاطمة! احلقي رأسه وتصدقي بزنة شعره فضة، قال: فوزنته فكان وزنه درهماً أو بعض درهم)، حوالي ثلاثة جرامات من الفضة أو أقل.

стр. 383

حكم التصدق بثمن العقيقة وهنا مسألة: ذبح العقيقة أفضل من التصدق بثمنها، فإن بعض الناس قد يقول: لو اشتريت لحماً صافياً فإنه يكون أفضل للناس، فنقول: لا، الذبح نفسه عبادة، فلذلك عندما تذهب إلى الحج وتكون متمتعاً أو قارناً فلا ينفع أن تقول: سآتي بلحم وأوزعه على الفقراء، ولكن لابد من الذبح، فيسمى هذا هدي التمتع وهدي القران، وهذا فرض واجب، فالله أمر به، ولا يجزئ عن ذلك أن تشتري لحماً، وكذلك في العقيقة قال النبي ﷺ : (مع الغلام عقيقة، فأهريقوا عنه دماً، وأميطوا عنه الأذى).

стр. 384

حكم تسمية المولود يوم مولده ويجوز أن يسمى المولود يوم مولده، وقد جاء في الحديث هنا: (أنه يسمى) أي: في اليوم السابع، ويجوز أن يسمى قبل ذلك، وقد ثبت الحديث في صحيح مسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ولد لي الليلة غلام فسميته باسم أبي إبراهيم). فلما ولد للنبي ﷺ إبراهيم من مارية القبطية أصبح الصبح وقال: (ولد لي الليلة -أي: الماضية- غلام وسميته باسم أبي إبراهيم)، فهو ما لم ينتظر إلى اليوم السابع بل سماه في يوم ولادته، فيجوز أن يسمى المولود في يوم الولادة، ولا يتأخر عن اليوم السابع.

стр. 385

استحباب تحنيك المولود عند ولادته جاء في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: (ولد لي غلام فأتيت به النبي ﷺ فسماه إبراهيم وحنكه بتمرة)، فهو جاء به إلى النبي ﷺ ، فسماه النبي ﷺ إبراهيم بن أبي موسى الأشعري قال: (ودعا له بالبركة). وهنا سنة سنها النبي ﷺ ، أنه كان يسمي المواليد بأسماء الأنبياء، فسماه إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، ودعا له بالبركة، وكذلك حنكه. وفي الصحيحين عن أنس ﵁ قال: (ولد لـ أبي طلحة غلام فأتيت به النبي ﷺ فحنكه وسماه عبد الله). وهنا حنكه النبي ﷺ ، وما ذكر أنه في اليوم السابع، فكان أول ما أصابه من ريق النبي ﷺ ؛ لتناله بركة ريقه الشريف الطاهر صلوات الله وسلامه عليه. والتحنيك: أن يأخذ تمرة بفمه ويمضغها مضغاً جيداً فتختلط بريقه صلوات الله وسلامه عليه، ويأخذ منها على إصبعه ويحنك الغلام، أي: يمسح حنك الغلام من الداخل بإصبعه بهذه التمرة، فيبتلع الغلام هذا الريق مع هذه التمرة أو الجزء من التمرة فتناله بركة ريق النبي صلوات الله وسلامه عليه. وقد قلنا: إنه يجوز تأخير التسمية إلى اليوم السابع، وجاء في الحديث أنه ﷺ قال: (كل غلام رهينة بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه، ويحلق ويسمى)، فذكر التسمية أنها في اليوم السابع، وفعله ﷺ كان بعدما ولد الغلام مباشرة. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 386

شرح كتاب الجامع لأحكام العمرة والحج والزيارة - العقيقة وما يتعلق بها من أحكام والنهي عن معاقرة الأعراب يسن أن يعق عن المولود الذكر شاتان وعن الأنثى شاة في يوم سابعه، ويحلق شعره ويتصدق بوزنه فضة، ويسمى اسماً حسناً، ويتجنب في ذلك الأسماء القبيحة، أو التي يتشاءم الناس من سماعها، وقد غير النبي ﷺ أسماء بعض أصحابه القبيحة إلى أسماء حسنة، ويجوز أن يكنى المولود. وقد نهى الشرع عما يفعله العرب من معاقرة ومفاخرة بذبح الإبل ليعلم من أكثر ذبحاً من الآخر؛ لأنها مما أهل لغير الله به.

стр. 387

أحكام العقيقة الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. تكلمنا في الحديث السابق عن أحكام العقيقة، وبلغنا إلى ما يتعلق بهذه الأحكام من التسمية، وذكرنا أن النبي ﷺ قال في حديث سمرة: (كل غلام رهينة بعقيقته، تذبح عنه يوم سابعه ويحلق ويسمى)، فهذه سنن تتعلق بهذه المسألة، فكأنه مرتهن النفع بهذا الغلام في الدنيا والآخرة حتى تؤدى عنه العقيقة. ولو أن الغلام توفي وهو صغير فهو يشفع لأبيه وأمه يوم القيامة، وشفاعته مرتهنة بأن يكون الأب قد عق عن هذا الغلام، هذا تفسير الإمام أحمد ﵀. وذكر غيره أنه مرتهن أي: محبوس عن النفع حتى يفعل والده هذه العقيقة، ويجوز للوالد أن يعق عن الغلام بشاتين، وبشاة عن الأنثى، وإذا لم يتيسر الأمر جاز أن يعق بشاة عن الأنثى أو الذكر، لكن السنة شاتان عن الذكر وشاة عن الأنثى، كما قدمنا في الحديث السابق.

стр. 388

حكم العقيقة العقيقة سنة وليست فريضة، ولذلك قال النبي ﷺ : (من ولد له غلام فأحب أن ينسك عنه فلينسك)، فأرجع محبة أبيه لذلك، وهذا يصرف من الوجوب إلى محبة الإنسان، فكونه أرجع الأمر إلى المحبة دليل على أنها سنة ولست فريضة واجبة.

стр. 389

حكم تسمية العقيقة بذلك يجوز أن نقول: عقيقة، وقد ثبتت أحاديث عن النبي ﷺ بهذا اللفظ، ويجوز أن نقول: نسيكة، وإن كانت الأحاديث فيها قليلة جداً، وفي الحديث عن النبي ﷺ لما سأله الرجل عن العقيقة قال: (لا يحب الله العقوق)، ليس معناه: لا يحب الله العقيقة، ولا أنه كره لكم هذه التسمية، ولكن الرجل قال يوضح للنبي ﷺ : لا أسأل عن العقوق، ولكن الرجل منا يولد له، فقال النبي ﷺ (من ولد له غلام فأحب أن ينسك فلينسك بشاتين عن الغلام وبشاة عن الجارية)، فكأن الرجل ذكر اللفظ بشيء وهو العقوق، فقال له: (لا يحب الله العقوق)، لكن لم يقل: لا يحب الله أن تسمى العقيقة عقيقة، بل هذا ينافي ما ذكر من ألفاظ في أحاديث أخرى بتسميتها عقيقة، مثل: (كل غلام رهينة بعقيقته)، فسماها عقيقة ﷺ ، فلا يكره أن يقال: عقيقة فلان، وإنما المكروه العقوق كراهة تحريم.

стр. 390

وقت ذبح العقيقة يتعلق بالعقيقة: أنها تذبح في اليوم السابع، وإذا لم تكن في اليوم السابع ففي أي وقت، والمستحب أنه لا يتجاوز الغلام البلوغ إلا وقد ذبحت العقيقة بحسب ما تيسر للإنسان، فإذا لم يذبح عنه شيء من بهيمة الأنعام جاز له هو أن يعق عن نفسه بعد ذلك. وفي الحديث أنه: يعق عنه في السابع، وإن لم يكن ففي الرابع عشر، وإن لم يكن ففي الحادي والعشرين، وهذا لا يصح عن النبي ﷺ ، فعلى ذلك إذا لم يتمكن في اليوم السابع من مولد الغلام، ففي أي وقت بعده.
следующие страницы →