Полный текст (460 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
حكم حج المجنون
المجنون إما أن سيحج وحده فلا يصح منه ذلك؛ لأنه لا عقل له فلا يصح منه الحج، وإما أن إنساناً آخر يقوم معه بالحج فينوي عنه ويأخذه إلى المناسك، ويقف به في عرفة، فهذا أمر آخر، فيصح منه كثواب له، أي: كثواب لهذا الإنسان، لكنها ليست حجة الإسلام؛ لأن المجنون لا تجب عليه حجة الإسلام.
روى أصحاب السنن عن عائشة ﵂ أنَّ النبي ﷺ قال: (رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يكبر، وعن المجنون حتى يعقل أو يفيق).
وفي رواية: (رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المبتلى حتى يبرأ، وعن الصغير حتى يكبر)، إذاً: هؤلاء رفع عنهم قلم الإثم، وقلم التكليف، وأجمعت الأمة على أنه لا يجب الحج على المجنون.
فالمجنون لا يجب عليه الحج، ولكن لو حج به وليه فحكمه حكم الصبي الصغير الذي رفعته المرأة للنبي ﷺ .
والمغمى عليه يعتبر غير مفيق، وحكمه حكم المجنون؛ لأنه لا عقل له في هذه الحالة، فلا يصح منه حج الفريضة، ولو أن إنساناً أغمي عليه من أول الإحرام وعند إرادة الإحرام أخذ وهو مغمى عليه، أي: لم يحرم عن نفسه وحملوه وأخذوه إلى عرفة أو إلى مزدلفة وغيرها، وطافوا به وسعوا به فكل هذا لا يصح منه كحجة الإسلام، فالمغمى عليه: لا يجوز أن يحرم عنه غيره؛ لأنه ليس لديه عقل، ويرجى برؤه عن قريب، فهو كالمريض، فلا يطاف ولا يفعل به أفعال الحج إلا إذا كان قد أفاق من إغمائه، فعلى ذلك يحمل طالما أن عقله موجود معه.
فالإنسان الذي يفيق كالإنسان الذي تأتيه نوبات الصرع وتطول معه، وتمكث معه أياماً وهو مصروع فيذهب عقله ثم يفيق بعد ذلك، ثم يذهب عنه عقله وهكذا، فالذي يجن ويفيق إذا كان في خلال مدة الإفاقة يتمكن فيها من الحج ووجدت الشروط الباقية لزمه الحج، وإلا فلا.
وإذا كان يأتي له الجنون في فترة أو في فصل معين من السنة وفي فصول أخرى لا يأتيه الجنون، وحج به في خلال ذلك وهو مفيق فالحج منه صحيح.
ولو سافر الولي بالمجنون إلى مكة فلما وصل إلى مكان الإحرام أفاق فأحرم صح حجه وأجزأه عن حجة الإسلام، ولو فرضنا أن هذا الإنسان أخذه وليه ليحج به وهو مجنون، وأخذ يعمل عنه المناسك، فإذا كان على هذه الحالة فلا يصح منه عمل بالمباشرة، وإنما الذي يصح فعل الغير عنه، فحكمه حكم الصبي الصغير، ويكون حجه تطوعاً، وليس حجة الفريضة، لكن لو فرضنا أنه أدرك ورجع إليه عقله ففعل المناسك وأداها، فعلى ذلك تصح عنه حجة الإسلام، حتى لو كان في البداية مجنوناً ثم رجع عقله هنالك.
ويشترط لصحة مباشرته بنفسه للحج إفاقته عند الإحرام والوقوف والطواف والسعي، أي: عند أداء الأركان لابد أن يكون عقله حاضراً؛ فإذا كان أثناء هذه الأفعال مفيقاً عاقلاً: عند الإحرام والطواف والوقوف بعرفة والسعي، فعلى ذلك حجه صحيح.
стр. 72
حج الصبي
روى البخاري عن سالم بن يزيد قال: (حج بي مع رسول الله ﷺ وأنا ابن سبع سنين).
وروى مسلم عن ابن عباس عن النبي ﷺ : (أنه لقي ركباً بالروحاء فقال: من القوم؟ قالوا: المسلمون.
فقالوا: من أنت؟ قال: رسول الله ﷺ ، فرفعت إليه امرأة صبياً فقالت: ألهذا حج؟ قال: نعم ولك أجر).
فلا يجب الحج على الصبي ويصح منه رضيعاً كان أو مراهقاً، والرضيع هو الذي يرضع فقط خلال السنتين.
والمراهق: هو الذي كاد يبلغ، أي: الذي هو دون البلوغ، كاد يبلغ ولكن لم يبلغ، ثم إن كان مميزاً أحرم بنفسه بإذن وليه، والمميز حده الحنابلة بأنه ما بلغ سن التمييز وهو سبع سنين.
وعند الشافعية حدوه بسبع أو ثمان، والإمام النووي حد له حداً فقال: الصواب في حقيقة الصبي المميز: أنه الذي يفهم الخطاب ويحسن رد الجواب ومقاصد الكلام ونحو ذلك، ولا يضبط بسن مخصوص؛ بل إنه يختلف باختلاف الأفهام، أي: أنه ليس لازماً أن يكون سن التمييز سبع سنين بالضبط، فقد يكون أكثر أو أقل، المهم أن هذا يفهم الكلام ويعرف يرد الجواب، ويفرق بين الأشياء، فهو المميز، كما أن أصل التمييز هو ذلك، يقول الفيوفي في المصباح المنير: تميز الشيء بمعنى: انفصل عن غيره، والفقهاء يقولون: سن التمييز والمراد: سنٌّ إذا انتهى إليها عرف مضاره ومنافعه، وكأنه مأخوذ من (ميزت الأشياء) إذا فرقتها بعد المعرفة بها.
وإن كان الصبي أو الصبية مميزين أحرما بأنفسهما بإذن الولي، فإن استقل الصبي وأحرم بنفسه بغير إذن وليه لم يصح، أي: لو أن الصبي أحرم وقال: لبيك عمرة أو لبيك حجاً من غير إذن الولي فلا يصح منه ذلك، ولوليه تحليله إذا رأى في ذلك المصلحة.
أما الصبي غير المميز فيحرم عنه وليه، وهو ما كان عمره ثلاث أو أربع سنوات، وليس معناه: أنه يلبسه لبس الإحرام، ولكن يحرم بمعنى: ينوي عنه، إذاً: يحرم الولي عن الصبي بأن يعقد له الإحرام كما سيأتي، سواء كان الولي حلالاً أو كان محرماً، وسواء كان حج عن نفسه أو لم يحج، فعلى ذلك الذي يحرم عن الصبي بمعنى: ينوي له ذلك فيجرده ويلبسه لبس الإحرام، ويجعله يطوف أو يسعى أو يوكل به من يفعل به ذلك في المناسك ويصح ذلك.
стр. 73
الولي الذي يحرم عن الصبي
والولي الذي يجوز له عقد الإحرام عن الصبي هو الأب، وهذا الأصل في الولي، وكذلك الجد الصحيح عند عدم وجود الأب، والجد الصحيح: هو أبو الأب، والجد ليست له ولاية مع وجود الأب، فإذا وجد الأب فالولاية للأب، وكذلك يجوز للوصي والقيم، فللحاكم أن يعين إنساناً قيِّماً على الصبي الصغير، أو الوصي الذي أوصى إليه أبوه قبل أن يموت فقال: يا فلان، أنت وصيي على هذا الصبي، افعل به كذا وكذا، فالوصي والقيِّم يجوز لهما أن يعقدا الإحرام عن الصبي.
أما الأم والإخوة والأعمام وسائر العصبات فليس لهم ذلك إذا لم يكن لهم وصية، فالأم إذا أوصى الأب إليها، أو أذن الحاكم لها في ذلك، إذ إنَّ الأم هي المتصرفة في مال الصبي وهي أشفق من يقوم بذلك على هذا الصبي، فإذا أذن لها الحاكم في التصرفات المالية على الصبي فلها ذلك، وليس هذا لكونها أمه، ولكن لكونها وصية.
إذاً: الأم عندها رحمة وشفقة، لكن الولاية المالية للولي الذي هو الأب أصلاً، والأم يكون لها ذلك إذا كان بإذن الحاكم، فيكون للأم الولاية أو جعلها وصية على مال الصبي أو قيمة.
والأم والإخوة والأعمام وسائر العصبات ليس لهم ذلك إذا لم يكن لهم وصية أو إذن من الحاكم في ولاية المال، فإن أحرمت أمه عنه، فالراجح: أنه يصح والمفترض على هذه المقدمة أنه لا يصح، ولكن كيف نقول لا يصح والنبي ﷺ قال: (له حج ولك أجر)؟ فعلى ذلك فإن الأم التي رفعت صبيها للنبي ﷺ وسألت: (ألهذا حج؟ قال: له حج ولك أجر) دلَّ على أنها مأجورة على ذلك، فإذا كانت هذه حجت للصبي من مالها، فله حج ولها أجر على ذلك، وإن كانت حجَّت للصبي من ماله، وكانت هي القيمة على ماله أو الوصية عليه، فكذلك له أجر على ذلك ولها أجر.
стр. 74
صفة إحرام الولي عن الصبي
الإحرام بمعنى: عقد النية، والنية في القلب، ويصير الصبي محرماً بمجرد أن ينوي الولي، كما أنك تحرم عن نفسك بالنية ثم تقول: لبيك حجاً ولبيك عمرة، فالولي يقول: عقدت الإحرام لفلان أو لا يقول ولكن نوى في قلبه أنه الآن صار فلان هذا محرماً، كما إذا عقد له النكاح فيصير متزوجاً بذلك.
وإذا صار الصبي محرماً بإحرامه أو إحرام وليه عنه فعل بنفسه ما قدر عليه، وفعل عنه وليه ما لا يقدر عليه الصبي، فيغسله الولي عند إرادته الإحرام -وهذا كما يصنع الكبير بنفسه كذلك يصنع مع الصغير- فيغسله عند إرادة الإحرام ويجرده من المخيط ويلبسه الإزار والرداء والنعلين، وإن تأتى منه المشي يطيبه وينظفه، هذا قبل أن يحرم عنه ثم يحرم الصبي أو يحرم عنه الولي.
ويجب على الولي أن يجنبه ما يجتنبه الرجل الكبير، فَيحرم عليه أن يضع الطيب، أو يقص أظفاره أو يقص شعره، كذلك يمنع الولي الصبي من ذلك.
стр. 75
صفة حج الصبي أو حج الولي عنه
فإن قدر الصبي على الطواف بنفسه علمه فطاف، أو أخذه بيده وطاف معه إن لم يكن يقدر، فيحمله ويطوف به أو يُركِبه ويطوف به، فإن كان غير مميز صلى الولي عنه ركعتي الطواف، أي: إذا كان صبياً صغيراً لا يعقل ذلك فبعد ما حمله وطاف به بالبيت فالولي سيصلي ركعتي الطواف عن هذا الصبي، وإن كان مميزاً أمره الولي فصلاهما بنفسه، وإذا كان الصبي عمره ثمان أو تسع سنوات فعلى الولي أن يأمره أن يصلي ركعتين عند المقام.
ويشترط إحضار الصبي إلى عرفات سواء المميز وغيره، ولا يكفي حضور الولي عنه، فالحج عبادة بدنية ومالية، إذْ لا بد من حضور الأبدان في المواقف، فهنا الولي أحرم عن الصبي للعذر، لكن لا يصح أن يقف عنه بعرفة فلابد أن يحضر الصبي معه في عرفة.
كذا يحضره إلى مزدلفة والمشعر الحرام ومنى وسائر المواقف؛ لأن كل ذلك يمكن فعله من الصبي، ويجمع الولي في إحضاره عرفات بين الليل والنهار، مثلما أن الكبير يلزمه أن يقف في عرفات حتى تغرب الشمس، كذلك لا بد أن يقف بالصبي الصغير أو يوقفه حتى تغرب الشمس، فإن ترك الجمع بين الليل والنهار أو ترك مبيت المزدلفة، أو مبيت ليالي منى وجب الدم في مال الولي؛ لأن الولي هو الذي قصر في ذلك، وهي شاة عن ترك واجب من الواجبات في مال الولي؛ لأن التقصير منه، فإن قدر الطفل على الرمي أمره به وإلا رمى الوليُّ عنه.
ويستحب إن استطاع أن يضع الحصاة في يد الطفل فيرمي الطفل الجمرات، وذلك إذا لم يكن هناك زحام ويقدر على ذلك، فيحمل الوليُّ الطفل ويجعله يرمي، فإذا لم يستطع فالولي هو الذي يصنع ذلك عنه.
стр. 76
نفقة الصبي في سفره وفي الحج
نفقة الصبي في سفره وفي الحج يحسب منها قدر نفقته في الحضر من مال الصبي، وأما الزائد بسبب السفر فمن مال الولي، هذا لو تخيلنا أن هذا الصبي له مال، وقد يكون الصبي وارثاً من أبيه مالاً كثيراً، لكن هل لكونه وارثاً مالاً يأخذه الولي ويحج به حجاً يكلفه مالاً كثيراً فتكون النفقات باهظة على الصبي؟ يقول الفقهاء: لا يجوز التلاعب بمال الصبي، فأنت ستحججه لكونه له مال، فحج الصبي يكون على قدر النفقات المطلوبة منه، وإذا زدت عن النفقات المطلوبة منه، فتدفع أنت من عندك هذه الزيادة، فالزيادة إذا تعمد الولي أن ينفق مالاً كثيراً فيكون من ماله هو، ولكن على قدر الحج وقدر المناسك وقدر النفقة التي كانت في الحضر ينفق عليه من ماله في هذا المكان، والزائد بسبب السفر من مال الولي.
ولو أحرم الصبي بغير إذن الولي جاز للولي أن يحلله كما قدمنا، فلو فرضنا أن الصبي يعيش في مكة مع أبيه، وعمره عشر سنوات، وقال: لبيك حجاً في موسم الحج وأراد أن يحج، ورفض أبوه ومنعه من ذلك، فله أن يحلله حتى بعد ما أحرم، طالما أن إحرامه بغير إذن وليه.
стр. 77
حكم ارتكاب الصبي محظوراً من محظورات الإحرام
إذا ارتكب الصبي محظوراً من محظورات الإحرام فالمحظور على الكبير محظور على الصغير، ولكنه مرفوع عن الصغير قلم الإثم، وهنا الخطاب مع الصغير، وخطاب التكليف ليس موجوداً مع الصغير حتى نقول له: عليك الإثم في كذا، ولكن خطاب الوضع موجود، بحيث إنه لو أتلف شيئاً فعليه في هذا الإتلاف ما يكون من جزاء، فلو أن الصبي قتل صيداً في إحرامه أو في الحرم فجزاء الصيد موجود، وهنا خطاب الوضع أنه مكلف بذلك: إذا فعل كذا يلزم فيه كذا.
وإن كان الإثم مرفوعاً عن الكبير -فإن محظورات الإحرام فيها ما يختلف عمده وسهوه كاللباس والطيب- فالصغير من باب أولى، فإذا لبس الكبير القميص أو العمامة أو البرنس وهو ناسٍ فلا شيء عليه، والصبي الصغير كذلك لا شيء عليه في ذلك.
وإذا تعمد الكبير فعليه دم، وإذا تعمد الصغير فقد قدمنا في الكلام عن العمرة أن العلماء اختلفوا في ذلك، فذهب الإمام الشافعي إلى أنه يلزمه الدم في ذلك، على خلاف بين الشافعية في ذلك.
وذهب الإمام أحمد والأحناف إلى أنه لا يلزم الصبي شيء، والأحوط في ذلك: أنه إذا كان الصبي مميزاً يعقل ذلك ويفهم وفعل شيئاً من هذه المحظورات فعليه دم، هذا الأحوط وليس الواجب.
ونقول: الأحوط؛ لأن الصبي لو صلى صلاة الظهر مثلاً بغير وضوء لأمرناه أن يعيد الصلاة، لأن هذه عبادة من العبادات، وهو صلاها بغير شروطها، أو فعل فيها ما يبطلها فأمرناه بالإعادة، والحج عبادة أيضاً، فإذا فعل فيها شيئاً ينقصها فيلزم في ذلك الدم على الأحوط في ذلك.
إذاً: ما يختلف عمده وسهوه في اللباس والطيب قيل: لا فدية فيه على الصبي؛ لأن عمده خطأ، وقيل: عليه الفدية هو الأحوط.
وما لا يختلف عمده وسهوه كالصيد وحلق الشعر وتقليم الأظفار فعليه فيه الفدية، وهذا هو ما فيه استهلاك الشيء وإتلافه، لأنه صاد صيداً فأهلك هذا الصيد، أما حلق الشعر فعليه فيه الفدية على الاحتياط في ذلك، لكن جزاء الصيد عليه جزاء اتفاقاً.
стр. 78
إذا وجبت الفدية على الصبي فهل تكون في مال الصبي أو في مال الولي ؟
اختلف العلماء في الفدية إذا وجبت هل تكون في مال الصبي أو في مال الولي؟ بمعنى: لو أن الصبي عمل شيئاً فنقول للولي: كيف عمل الصبي ذلك وأنت معه؟ ولماذا لم تمنعه؟ فإذا وجدته فتركته يصنعها فمن مالك أنت، فإذا رأيته يقص شعره وأنت تشاهد ذلك فيلزمك أنت الفدية من مالك، وإذا وجدته يأخذ الطيب ويضعه وأنت تسكت عن ذلك فيلزمك الفدية في ذلك من مالك، فالأصح: أنها في مال الولي، وهذا مذهب الإمام مالك، هذا إذا أحرم بإذن الولي، وهي كالفدية الواجبة على البالغ بفعل نفسه، فإن اقتضت صوماً أو غيره فعله وأجزأه، وإذا كان الصبي مخيراً في الفدية بين أشياء منها الصوم فصام الصبي أجزأه ذلك، فإن أحرم الصبي بغير إذن الولي فالفدية في مال الصبي، فلو أن صبياً عمره اثنتا عشرة سنة وحج من غير إذن الولي كأن يكون من أهل مكة، وفي موسم الحج خرج مع الناس وحج ووقع في هذه الأشياء فتكون الفدية من ماله، إذا قتل صيداً أو نحو ذلك.
وإن كانت فدية تخيير بين الصوم وغيره واختار الصبي أن يفدي بالصوم صام ويجزئه؛ لأن صوم الصبي صحيح.
ولو أراد الولي في فدية التخيير أن يفدي عنه بالمال لم يجز؛ لأنه غير متعين فلا يجوز صرف المال فيه، فإذا كان في الفدية التخيير وطلب الصبي أن يصوم فقال الولي: سندفع المال؛ لم يجز ذلك، وليترك الصبي يصوم إذا كان المال غير متعين.
ولو طَيَّب الولي الصبي أو ألبسه أو حلق رأسه أو قلمه فهذه الأفعال من محظورات الإحرام، فالفدية في مال الولي؛ لأنه انتهك حرمة الإحرام، وكذا لو طيبه أجنبي أو حلق له شعره وهو محرم فالفدية في مال الأجنبي الذي فعل ذلك؛ لأن الإحرام مناسك وعبادة، ولا يجوز لأحد أن يتلاعب بالمناسك والعبادة، وإن فعل الولي ذلك لحاجة الصبي ومصلحته فالفدية في مال الصبي.
إذاً: الفدية في مال الولي وليست في مال الصبي إذا ألجأه الولي إلى التطيب، أو فوته الولي الحج، بمعنى: أنه بعد ما أحرم الصبي بإذن الولي وقبل أن يأخذه إلى عرفات أمره أن يخلع لباس الإحرام، ولم يتركه يكمل حجه، ومعلوم أن الحج عرفة، فلا بد من إكمال الحج، والذي انتهك هذا الإحرام لهذا الصبي هو الولي فالفدية في مال الولي.
إذاً: إذا ألجأه إلى التطيب أو فوت عليه الحج بأن حبسه بعد ما أحرم ومنعه من الوقوف في عرفة، أو منعه من فعل المناسك، والحج عرفة؛ فات منه الحج، وبسبب هذا الفوات يلزمه الدم في مال من فوت عليه الحج وهو الولي.
وإذا تمتع الصبي أو قرن فدم التمتع أو دم القران في مال الصبي، فإذا حج قارناً أو متمتعاً وله مال فيأخذ من ماله.
стр. 79
حكم الصبي إذا أفسد حجه بالجماع
ولو جامع الصبي في إحرامه كأن يكون عمر الصبي اثنتي عشرة سنة وليس بالغاً وفعل ذلك فسد الحج ويلزمه القضاء بعد ذلك، ولو جامع الصبي في إحرامه ناسياً فلا يفسد الحج؛ لأن الكبير لو نسي ولم يكن كاذباً لم يفسد حجه بالجماع، فإذا كان صبياً وناسياً لم يفسد، لكن لو حج وجامع عامداً يفسد الحج.
ونقول: يلزم القضاء على الكبير، فهل الصبي يلزمه القضاء في ذلك؟ الراجح: أنه لا يلزمه القضاء وإنما الذي عليه حجة الإسلام بعد ذلك، ويلزمه هنا الهدي في ذلك، وهل الهديُ على الوجوب أمْ أن عليه الكفارة في ذلك؟ اختلف العلماء في ذلك، والفرق بين الصبي الذي جامع وبين من تطيب أو لبس فلزمته الفدية: أن المجامع قد فسد حجه، والآخر لم يفسد حجه فيجبر بالفدية.
إذاً: الصبي الذي وقع في الجماع في أثناء المناسك هناك قول عند الشافعية: أنه يلزمه القضاء، وأصل هذا أنه واجب وعليه الكفارة في ذلك.
والقول الآخر: أنه لا يلزمه ذلك، وهذا هو الذي نميل إليه، مع وجود القول الآخر بأنه أفسد الحج مثلما أفسده الكبير، وألزمناه بالفدية أيضاً فنلزمه بالفدية، لكن دليل الترجيح: أن هذا صبي صغير ولا يجب عليه الحج ابتداءً، فلو قلنا: إنه أفسد هذا الحج ويلزمه القضاء لأوجبنا عليه قضاءً وهو صبي صغير بحكم تكليفي وليس بحكم وضعي.
وذهب بعض العلماء إلى أنه إذا أفسد الحج بالجماع فعليه أن يمضي في هذا الفاسد، وعليه أنه يقضي كالكبير، وعليه أيضاً الفدية، وقد قلنا: إن الأرجح: أن الصبي الصغير غير مكلف الآن، والأفضل أن يمضي في هذا الحج الفاسد الذي أفسده بالجماع، وبالنسبة للكفارة فرق العلماء بين من تطيب فعليه الفدية، وبين من جامع، وقالوا: ليس عليه فدية؛ لأنه فسد الحج، ولم نلزمه بقضاء لكونه صغيراً والصغير لا يجب عليه ذلك.
وهل عليه هدي في ذلك أو فدية؟ قالوا: لا نلزمه بهدي ولا فدية، فإذا قلنا: لماذا ألزمتموه بالفدية إذا وضع الطيب أو لبس الثياب ولم تلزموه هنا؟ قالوا: الذي لبس الثياب أو وضع الطيب حجه صحيح فأردنا جبر حجه ليكتمل أجره فيه.
أما هذا فحجه فاسد ولا إثم عليه فبأي ذنب نلزمه بالفدية؟ فيكفيه ما تكلفه، وليس له أجر في هذا الذي فعل، فليس له شيء فيه، والذي نميل إليه هنا أن حجه فسد بذلك، ولا يلزمه المضي فيه ولا الكفارة على قول من أقوال أهل العلم، وفرق بينه وبين من ألزمناه بالهدي أو بالفدية لكون هذا يجبر الخلل في حجه، فيصح منه الحج، ويكون كاملاً بهذا الذي جبره، أما هذا فقد فسد منه فلا نلزمه بقضاء؛ لأن الصبي لا وجوب عليه أصلاً فلا يلزم بالقضاء ولا بالكفارة، إذ كيف نقول له: أكمل وهو قد أفسده، لكن الذي يلزمه ذلك هو الكبير في هذه المسألة مع وجود الخلاف بين العلماء في ذلك، وقد فصلنا خلاف العلماء في ذلك.
إذا نوى الولي أن يعقد الإحرام للصبي فمر به على الميقات ولم يعقد ثم عقده بعد ذلك وجبت الفدية في مال الولي خاصة، فإذا أراد أن يحرم عن الصبي فأخذه من أجل أن يحج به، ولما جاء به إلى الميقات قال: لن أحرم عنه الآن ومر به على الميقات وتجاوزه وهو غير محرم، وهو ناوٍ أن يحج بهذا الصبي، فمجاوزة الميقات وهو غير محرم الإثم فيها على الولي، إذاً: الفدية في مال الولي.
стр. 80
حكم المجنون كحكم الصبي في الحج عنه
وحكم المجنون حكم الصبي الذي لا يميز في جميع ما سبق، ولو خرج الولي بمن قد جن بعد استقرار فرض الحج عليه، وأنفق على المجنون من ماله، فإن لم يفق حتى فات الوقوف غرم الولي زيادة نفقة السفر.
ومن استقر عليه الحج وكان عاقلاً وبدأ فيه شيءٌ من الجنون، فخرج الولي به وقد استقر عليه حج -أي: عاد إليه عقله- وجب عليه الحج.
والإنفاق على المجنون في خلال هذه الفترة يكون من مال الولي، فإن لم يفق حتى فات الوقوف يغرم الولي نفقة السفر أيضاً، كما يغرم النفقة كلها.
وإذا أفاق وأحرم وحج فلا غرم، فإذا كان هذا عاقلاً وجب عليه الحج ثم جن وأخذه الولي ليحج به وأنفق الولي في خلال ذلك، فإذا أفاق أخذ الوليُّ ماله من هذا الذي صار عاقلاً الآن، وإذا لم يفق فالولي هو الذي سيغرم المال؛ لأنه وقت خروجه به كان مجنوناً.
ويشترط لاحتسابه عن حجة الإسلام إفاقته عند الأركان: الإحرام، والوقوف، والطواف، والسعي، والمغمى عليه لا يصح إحرام وليه عنه ولا رفيقه عنه؛ لأنه غير زائل العقل ويرجى برؤه عن قرب، فإذا أغمي عليه فلينتظر ولا يتجاوز به الميقات حتى يفيق، والعادة في المغمى عليه أنه يغمى عليه ساعة أو ساعتين أو يوماً ثم بعد ذلك يفيق، فعلى ذلك لا يحرم عنه أحد، وينتظرونه حتى يفيق.
стр. 81
حكم حج العبد
أجمعت الأمة على أن العبد لا يلزمه الحج؛ لأن منافعه مستحقة لسيده، فليس هو مستطيعاً بإجماع، فلا يلزمه الحج ولا يجب عليه، لكن إن أذن له سيده صح منه، وليست حجة الإسلام، ولكنْ تغني عن حجه في وقته.
وإن أحرم العبد بإذن السيد لم يكن للسيد تحليله، سواء بقي نسكه صحيحاً أو أفسده.
стр. 82
أحوال الصبي والعبد إذا حجا وبلغ الصبي وأعتق العبد
فإن أحرم الصبي بالحج ثم بلغ أو العبد ثم أعتق فلهما أربعة أحوال: الحالة الأولى: أن يكون البلوغ والعتق بعد فراغ الحج، كصبي صغير عمره ثلاث عشرة سنة، فلما حج وانتهى من المناسك بلغ، فهذه الحجة لا تجزئ عن حجة الإسلام.
كذلك إذا حج العبد وبعد ما انتهى من الحج أعتقه سيده فلا يجزئ عن حجة الإسلام وإنما هو تطوع، ويلزمه إن استطاع بعد ذلك حجة الإسلام؛ لقول النبي ﷺ : (أيما صبي حج ثم بلغ فعليه حجة أخرى، وأيما عبد حج ثم أعتق فعليه حجة أخرى).
الحالة الثانية: أن يكون البلوغ والعتق قبل الفراغ من الحج، لكنه بعد خروج وقت الوقوف بعرفات، أي: خرج وقت الوقوف بعرفات بمضي ليلة العيد حتى طلع الفجر في يوم العيد، فليس هناك وقوف بعرفة، فلو أن هذا الإنسان كان عبداً ووقف بعرفات حتى غربت الشمس وذهب إلى المزدلفة قبل الفجر فقال له سيده: أنت حر فصار حراً، فعليه أن يلحق ويذهب إلى عرفات فيقف بعرفات حتى تكون له هذه حجة الإسلام.
وكذلك إن كان الصبي خرج من عرفات ووصل إلى المزدلفة ثم نام فاحتلم بالليل وصار بالغاً، فإنه يرجع إلى عرفة ليقف فإن وقف يجزئ ذلك عن حجة الإسلام، لكن إذا لم يقف بعرفة حين بلغ أو أعتق فلا تجزئ هذه الحجة عن حجة الإسلام؛ لأنهما لم يدركا وقت العبادة، وقد قال النبي ﷺ : (الحج عرفة).
الحالة الثالثة: أن يكون بلوغ الصبي أو عتق العبد قبل الوقوف بعرفات أو حال الوقوف، فتصح وتجزئ عن حجة الإسلام.
الحالة الرابعة: أن يكون بعد الوقوف بعرفات وقبل خروج وقت الوقوف، فإذا رجع إلى عرفة صحت منه الحجة، ولو فرضنا أنه بلغ وهو في مزدلفة قبل الفجر فرجع إلى عرفة ووقف ولو لحظة من الليل قبل طلوع الفجر صحت منه الحجة، وكذلك العبد الذي أعتق لو رجع إلى عرفة قبل طلوع الفجر صح منه الحج.
ولو لم يعد هذا ولا ذاك إلى عرفة حتى طلع الفجر لم يجزئ عن حجة الإسلام وكان تطوعاً، فإذا أجزأه عن حجة الإسلام فالذي سنقوله عن الصبي الذي بلغ سنقوله عن العبد الذي أعتق.
ولو فرضنا أن هذا العبد الذي قد أعتق كان حجه مفرداً، وهو في حال رقه قدم فطاف طواف القدوم بالبيت، وسعى بعدها سعي الحج، ثمَّ وقف بعرفة وهو عبد، ثمَّ توجه إلى مزدلفة بالليل فأعتق ورجع إلى عرفات ووقف بها، فالسعي الذي سعاه قبل ذلك كان عن حجة التطوع، ويلزمه الآن سعي الركن الذي هو عن حجة الإسلام.
إذاً: لا بد أن يسعى الآن، يطوف طواف الركن ويسعى بعده مرةً أخرى؛ لأن السعي الماضي لا يجزئ عن حجة الإسلام.
إذاً: لا بد من السعي؛ لأنه ركن قد وقع في حال النقص فوجب إعادته، بخلاف الإحرام فإنه مستدام، فلا نقول له: رجع وأحرم من الميقات مرةً ثانية؛ لأن وقت الميقات قد مضى، لكن السعي ما زال الوقت باقياً، والإحرام مستدام، أي: في كل وقت هو محرم، ولا يلزمه في ذلك دم لا إساءة ولا تقصير.
والطواف في العمرة مثل الوقوف في الحج؛ إذ إن الطواف في العمرة ركن من الأركان كالوقوف في الحج، والطواف متفق على أنه ركن في العمرة، لكن السعي مختلف فيه هل هو ركن من أركان العمرة، أم هو واجب من واجباتها، أم هو سنة فيها؟ فلو أنه طاف بالبيت فأعتق قبل الطواف أو بلغ الصبي قبل الطواف صارت العمرة الواجبة عليه.
وإذا أعتق بعد ما طاف بالبيت، فهذا ركن من أركان العمرة، فالطواف في العمرة كالوقوف في الحج، فإذا بلغ أو أعتق قبله أجزأته عن عمرة الإسلام، وكذا لو بلغ أو أعتق في أثناء طوافه بالبيت، وإذا كان بعده فلا.
стр. 83
حكم حج السفيه
من حجر عليه لسفه وقد وجب عليه الحج فليس للولي أن يدفع المال إليه؛ بل يصحبه وينفق عليه بالمعروف.
والسفيه هو الذي لا يتصرف في المال إلا بسفه فيضيع المال، فهذا هو المحجور عليه، يحجر عليه لحظ نفسه؛ لأنه سفيه يخشى عليه أن يضيع ماله، فإذا وجب عليه الحج فلابد أن يكون الولي معه، ولا يعطيه المال، وإنما الولي هو الذي ينفق عليه؛ لأنه محجور عليه لسفهه لحظ نفسه.
إذاً: يصحبه الولي وينفق عليه، أو ينصب قيماً ينفق عليه من ماله.
فلو شرع في حج تطوع بعد الحجر فللولي تحليله إن كان يحتاج إلى مؤنة تزيد على نفقته المعهودة، أي: سفيه حجر عليه الحاكم لكونه سفيهاً يبذر في المال ويضيعه ولا يعرف كيف يصرفه، فإذا حج حجة الفريضة، ثم بعد ذلك بسبب سفهه أراد أن يحج حج التطوع فللولي أن يمنعه من ذلك، أي: للذي قام أو أقيم عليه أن يمنعه من ذلك، فلو لم تزد هذه عن نفقته المعهودة، ولم يكن لهذا الإنسان كسب يفي، أو كان له كسب يفي مع قدر النفقة المعهودة والمؤنة في السفر وجب إتمامه ولم يكن له تحليله.
إذاً: هناك فرق بين أن يحج السفيه حج الفريضه ومعه مال ومعه الولي أو القيِّم، وبين أن يحج حج نافلة ومن الممكن أن ماله يسع ذلك ويزيد، ولكن الولي له أن يمنعه من ذلك إذا وجده سفيهاً سيضيع المال والمال لا يكفي، وإذا كان المال سيكفي فيقيم معه من يكون رقيباً على هذا المال وينفق عليه.
إذاً: لو شرع السفيه في حجة تطوع بعد الحجر فللولي تحليله إن كان يحتاج إلى مؤنة تزيد على نفقته المعهودة، ولم يكن له كسب، فإن لم تكن هذه المؤنة تزيد على نفقته المعهودة أو كان له كسب يكسب ماله فعلى ذلك لا يحلله الولي أو القيم عليه، ولكن يجعل معه من يقوم بالإنفاق عليه ويحرص حتى لا يضيع منه المال.
стр. 84
حكم حج الأغلف
يصح حج الأغلف وهو الذي لم يختن، كأن كان نصرانياً أو وثنياً وأسلم ولم يكن قد ختن، وأراد أن يحج فنقول: يصح منه الحج حتى لو كان على هذه الحالة.
стр. 85
حكم من حج بمال حرام أو ركب للحج دابة مغصوبة
من حج بمال حرام أو راكباً دابة مغصوبة أثم وصح حجه وأجزأه، فلو أن إنساناً معه مال وأراد الحج، ولما ذهب للحج فعل شيئاً من المحرمات كأن ركب الباخرة وأخذ تأشيرة مزورة وسافر بها للحج أو نحو ذلك، فهناك فرق بين من ارتكب الإثم وبين من يصح منه العمل، فالحج صحيح ومعناه صحيح وسقط عنه وجوب الإعادة أو القضاء.
إذاً: العمل أجزأ، أما أنه مقبول فالعلم عند الله سبحانه.
إذاً: من حج بمال حرام أو راكباً دابةً مغصوبة أثمَ وصح الحج وأجزأ، فلا نقول له: حُجَّ ثانية، وقبوله هذا أمره إلى الله .
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصلِّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 86
شرح كتاب الجامع لأحكام العمرة والحج والزيارة - شروط وجوب الحج [٢]
الاستطاعة شرط من شروط الحج، ولا تتحقق الاستطاعة إلا بوجود الزاد والراحلة، ووجود نفقة الأهل والعيال، ومن له أو عليه دين فله أحكام خاصة، ومن شروط الاستطاعة وجود المسكن، ويجوز للحاج أن يزاول التجارة، ولا يجوز له الحج ببيع بضاعة يتكسب بها، ولا بد للحاج أن يكون بدنه صحيحاً، آمناً في الطريق على نفسه وماله، ولا يجوز سفر المرأة للحج والعمرة بدون محرم، فإن لم يوجد المحرم لم تعد مستطيعة، وللحج عن المعضوب والميت أحكام مبسوطة في موضعها.
стр. 87
الاستطاعة في الحج وأنواعها
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
تكلمنا في الحديث السابق عن بعض شروط وجوب الحج، فمن الشروط التي ذكرها أهل العلم: الإسلام، والبلوغ، والعقل، والحرية، والاستطاعة.
وهذه الشروط اتفقوا عليها، فلا يجب الحج على إنسان إلا أن يكون مسلماً، عاقلاً، بالغاً، حراً، مستطيعاً، ووقفنا عند الشرط الخامس: وهو الاستطاعة، وذكرنا شرطين آخرين اختلف فيهما العلماء وهما السادس والسابع: أمان الطريق، وإمكان المسير.
فالاستطاعة شرط لوجوب الحج بإجماع المسلمين، فقد أجمع المسلمون على أن الاستطاعة شرط حتى يجب على الإنسان الحج، ودليله من القرآن: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران:٩٧]، فهذا الشرط متفق عليه وأجمع العلماء عليه؛ لأن الله سبحانه قيد الحج به.
الاستطاعة نوعان: استطاعة بالنفس، واستطاعة بالغير، والمستطيع بنفسه هو الذي يخرج ليحج بنفسه، وفيه شروط سنذكرها.
وأما الاستطاعة بالغير فهو الذي لا يقدر على الحج لأنه معذور، كأن يكون مريضاً مرضاً مزمناً لا يقدر على الحج معه ولا على الركوب، لكن قد يجد من يستنيبه ليحج عنه، وهذه هي الاستطاعة بالغير.
стр. 88
الاستطاعة بالنفس وشروطها
إذا كان المسلم مستطيعاً أن يحج بنفسه فلابد من توافر خمسة شروط:
стр. 89
صحة البدن شرط من شروط الاستطاعة بالنفس
الشرط الأول: أن يكون بدنه صحيحاً بحيث يقدر على الركوب والنزول بغير مشقة شديدة، فإن وجد مشقة شديدة كالمشلول أو أقطع الرجلين الذي لا يقدر على الحركة إلا بمساعدة غيره ولا يجد من يعينه على ذلك فليس هذا مستطيعاً.
стр. 90
وجود الزاد والماء من شروط الاستطاعة بالنفس
الشرط الثاني: وجود الزاد والماء في المواضع التي جرت العادة بوجوده فيها.
ويشترط في وجود الزاد والماء أن يكون بثمن المثل، فإذا كان سينزل في مكان أثناء الطريق وسيمكث فيه فترة طويلة، والماء في هذا المكان صعب وجوده، أو يوجد ولكن يبيعونه بثمن غال جداً لا يقدر على مثله، فالحج لا يجب عليه؛ لأنه غير مستطيع.
وثمن المثل المعين في الماء والزاد هو القدر اللائق المناسب في ذلك الزمان والمكان، فإن وجدهما بثمن المثل لزمه تحصيلهما والحج، سواء كانت الأسعار غالية أو رخيصة، طالما أنه قادر على ذلك في هذا المكان وفي هذا الزمان.
وإذا كان لا يجد ما يصرفه في الزاد والماء لكنه كسوب يكتسب ما يكفيه من نفقة، فالراجح أنه لا يلزمه الحج تعويلاً على الكسب.
ولو فرضنا أنه وجد ثمن التذكرة التي سيسافر بها للحج، ووجد التأشيرة، ولكنه سينزل في مكان ما وليس لديه عمل يعمله، وفرضنا أنه كسوب في بلده، يستطيع أن ينزل في مكان ويعمل، ولكن ما يدرينا هل سيعمل هناك ليكسب مالاً ويأتي بما يقدر عليه أم أنه لا يعمل؟ فإذا كان على هذه الحال فإنه يدخل في كونه ليس مستطيعاً.
стр. 91
وجود الراحلة شرط من شروط الاستطاعة بالنفس
الشرط الثالث: وجود الراحلة، فإن كان بينه وبين مكة مسافة تحتاج إلى ركوب لم يلزمه الحج إلا إذا وجد الراحلة التي يركب عليها؛ ليكون مستطيعاً بنفسه، فإن لم يجد ذلك أو وجده بأكثر من ثمن المثل فلا يلزمه الحج؛ لأنه لا يجد الشيء الذي يركبه كالسيارة أو الطائرة أو الباخرة، ولكن إذا وجده بثمن المثل فالحج عليه واجب ويلزمه مع باقي الشروط، أو كان يجد هذا الشيء ولكن ليس معه ثمنه، أو كان الثمن مرتفعاً جداً بحيث لا يقدر على مثله فهذا ليس مستطيعاً الآن، فإذا كان عاجزاً عن الثمن لم يلزمه الحج، سواء قدر على المشي وهو معتاد على ذلك أم لا.
أما الناذر فيستحب له الحج، ولا يجب عليه؛ لأنه لا يجد ما يصل به إلى هناك، وأما في الماضي فقد كان الإنسان يستطيع أن يمشي مسافات طويلة، أما الآن فيصعب على الإنسان أن يمشي من بلد إلى بلد، بل مستحيل أنه يمشي من بلد إلى بلد إلا إذا كان رحالة ولديه إذن خاص بالخروج من بلد إلى بلد على قدميه، أما الآن فالسفر من بلد إلى بلد لابد له من وسيلة حتى يسمح له بالخروج، وقد كنا من قبل نلزمه ونقول له: أنت قادر، وأنت قوي، وتستطيع أن تمشي من مصر إلى هناك على رجليك إذا لم يكن هناك مشقة شديدة، أما إذا كان في سفره مشقة شديدة جداً فلا تأمر الشريعة بذلك حتى يكون واجباً عليه، لكن إن فعل ذلك فالحج صحيح، والراجح أننا لا نقول له: أنت شاب ومتعود وقادر على المشي فلابد أن تمشي من مصر إلى هناك؛ لوجود المشقة الشديدة، فلا يلزمه ذلك.
стр. 92
حكم حج من عليه دين
أما من وجد ما يشتري به الزاد والراحلة وهو محتاج إليه لدين عليه لم يلزمه الحج، سواء كان الدين حالاً أو مؤجلاً، بمعنى: أنه لا يجوز له أن يدفع تذكرة الطائرة أو الباخرة أو السيارة التي سيسافر بها؛ لأن عليه ديناً، ويلزمه أن يسدد هذا الدين إذا حل وقت الدين، وأما إذا كان الدين مؤجلاً، ولكن صاحبه يطلبه منه، فمثلاً: أنت عليك عشرون ألف جنيه ديناً، ومعك الآن عشرة آلاف جنيه قد تستطيع أن تحج بها، ولكن صاحب الدين قد يطلب منك هذا المال في أي وقت، فهل يجب عليه الحج؟ الراجح: أنه لا يجب عليه، لكن إن كان الدين مؤجلاً واستأذن من صاحب الدين وأذن له جاز له أن يحج، وأما إذا كان الدين حالاً لم يلزمه أن يحج، ولصاحب الدين أن يمنعه من الحج حتى يأخذ منه ماله؛ لأنه سيصرف ما معه في الحج ولن يجد ما يقضي به الدين؛ ولأن حق الآدمي المعين أولى بالتقديم لتأكده، والله تعالى لم يوجب عليه الحج إلا مع الاستطاعة، وإذا رضي صاحب الدين بتأخيره إلى ما بعد الحج لم يلزمه، أي: لم يجب عليه الحج، فلو فرضنا أن عليه ديناً ومعه مال، والمال يكفي، فإما أن يسدد دينه وإما أن يحج به، وصاحب الدين أذن له بالحج، فهل يصير الحج بهذا الإذن واجباً عليه؟ الراجح: أنه لا يجب عليه؛ لأن الأولى أن يسدد دينه بهذا المال، ولأنه قد يحج وقد يموت فلا يجد صاحب الدين من يقضي له دينه.
стр. 93
حكم حج من له دين
أما من كان له دين عند الناس وجاء وقت الحج، فإما أن يكون في حكم الواجد لهذا المال، بحيث: لو طلب هذا المال فإنه سيحصل عليه، وإما أن يكون في حكم المعدوم، بحيث لو طلبه فإنه لا يحصل عليه، فإن كان يمكن تحصيله في الحال بأن كان الدين حالاً على غني مقر قادر على الوفاء وليس مماطلاً، فيلزم هذا الرجل أن يطلب ماله ممن عليه الدين؛ لأنه يريد الحج، فكأن المال حاصل في يده الآن، وإن لم يمكنه تحصيله بأن كان مؤجلاً أو حالاً، ولكن لا يمكنه التقاضي أو طلب الدين بسبب أن سداد الدين لم يأت وقته بعد، كأن أقرضه قبل شهر لمدة سنة، فهذا لا يلزمه الحج؛ لأنه غير مستطيع، أو حل وقت سداد الدين ولكنه على معسر فمن أين يدفع هذا المعسر؟! أو كان الدين على جاحد وصاحب الدين ليس له من يشهد له، وليس عنده بينة، فلا يجب الحج في هذه الصور التي ذكرناها؛ لأن الجاحد في حكم العدم، فهو لن يدفع إلا إذا أتى ببينة، وإن أتى ببينة ففي وقت ما يقاضيه ويرجع إليه المال قد يفوته وقت الحج؛ لأن الجاحد قد يكون معسراً، فلا نلزمه بأن يستدين ليحج وإن كان له مال عند غيره؛ لأنه لا يدري هل سيأخذ هذا المال أم لا؟
стр. 94
وجود نفقة الأهل والعيال شرط من شروط الاستطاعة بالنفس
الشرط الرابع: أن يجد نفقة عياله وأهله ومن تلزمه نفقته، فحتى يكون مستطيعاً بنفسه لابد أن يكون صحيحاً ليس مريضاً وأن يكون قادراً على الحج من غير مشقة، وأن يقدر على الانتقال من مكان إلى مكان، ولابد أن يجد الزاد والطعام في الطريق، ويجد الراحلة التي يصل عليها إلى هناك، كذلك لابد أن يجد نفقة عياله مدة ذهابه ورجوعه، فإن لم يجد النفقة على عياله خلال هذه الفترة فلا يلزمه الحج؛ لأن النفقة على الأهل مقدمة على الحج؛ لأنها واجبة عليه، فإن لم ينفق عليهم فقد ضيع أهله.
وفي حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (كفى بالمرء إثماً أن يحبس عمن يملك قوته)، وهذا الحديث رواه مسلم، ورواه أبو داود بلفظ: (كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت) أي: كفاه إثماً أن يضيع من يلزمه أن يقيته ويعطيه قوته.
وهذا الحديث في نفقة من تلزمه النفقة من طعام وشراب، وكذلك الكسوة إن كانوا محتاجين إلى الكسوة، خاصة إذا دخل الشتاء وليس عندهم كسوة فلا يصرف المال في الحج ويتركهم بلا كسوة؛ حفاظاً على صحتهم.
стр. 95
وجود المسكن للأهل شرط من شروط الاستطاعة بالنفس
الشرط الخامس: لابد من توافر المسكن لهم؛ لأن السكن من حاجات الإنسان الضرورية ولو بأجرة يدفعها.
مسألة: إن احتاج إلى مسكن أو كتب علم يحتاج إليها ونحوها وليس معه ما يفضل عن ذلك، فإنه لا يلزمه بيع ذلك المسكن ولا الكتب ولا الثياب ليحج، إلا أن يكون عنده ما يفضل عن ذلك، كأن يكون عنده بيتان: بيت يعيش فيه، والبيت الآخر مقفل ليس محتاجاً له في شيء، فهذا زائد عن حاجته، ويجوز له بيعه من أجل الحج.
وكذلك إنسان عنده كتب علم كثيرة يحتاج إلى بعضها وأكثرها لا يحتاج إليها، ولو باعها لصار معه نفقة للحج، فيلزم هذا الإنسان أن يفعل ذلك، لكن من كان عنده كتب علم كثيرة وهو يحتاج إليها؛ لأنه من طلبة العلم ويريد أن يصبح من العلماء، فلا يلزمه أن يبيع هذه الكتب في هذه الحالة.
стр. 96
حكم تقديم النكاح على الحج
من كان صحيح البدن، وعنده الزاد والراحلة، وعنده نفقة الأهل الموجودين والكسوة والمسكن وغير ذلك، لكنه يريد أن يتزوج، فهو بين خيارين: إما أن يحج بالمبلغ الذي معه، وإما أن يتزوج به، فهذا الذي يريد الزواج: إما أن تتوق نفسه إلى النكاح ويخشى على نفسه العنت، وإما أنه لا يخشى على نفسه العنت، ففي هذه الصورة الثانية يلزمه أن يحج.
وأما في الصورة الأولى: إذا كان يخشى على نفسه العنت فيجب عليه أن يتزوج بهذا المال، ثم بعد ذلك يحج إن وجد ما يتيسر له معه الحج.
وقد ذكر الإمام النووي في هذه المسألة أنه إذا كان واجداً للنفقة التي تمكنه من الحج فإنه يكون مستطيعاً، ثم يقول: صرح خلائق من الأصحاب أنه يلزمه الحج ويستقر في ذمته، ولكن له صرف هذا المال في النكاح وهو أفضل.
فكأنه يريد أن يقول: إذا كان لا غنى له عن الزواج الآن ويخاف على نفسه العنت وعنده مال، فقد وجب عليه الحج، ولكن يصرف هذا المال في النكاح، ولأن الحج قد وجب فعليه أن يجمع المال بعد ذلك ويحج.
هذا قول من الأقوال، وقد عللوا لهذا القول بأن صرف المال في النكاح أفضل في هذه الحالة وإن كان ليس واجباً، ويبقى الحج في ذمته؛ لأن النكاح من الملاذ ولا يمنع وجوب الحج، لكن هذا القول فيه نظر؛ لأن هذا المال إما أن يصرفه في الحج وإما أن يصرفه في النكاح، فإن صرفه في النكاح فنقول له: أنت واجب عليك الحج؛ لكن لأنك خائف من العنت ومن الوقوع في الزنا والعياذ بالله، فقدم النكاح، فهنا أمامه واجبان: الحج واجب، والنكاح مع خوف العنت والوقوع في الزنا واجب، فإذا قلنا: اصرفه في النكاح لأنه واجب، فكيف سنقول: يجب عليه الواجب الآخر وهو الحج وهو لا يجد ما ينفق فيه؟! وينبني على هذه المسألة ما ذكره الإمام النووي عن خلائق من الشافعية: أنه إذا توفي هذا الإنسان صار الحج ديناً عليه، مع أنه ليس لديه مال الآن إذا توفي، لكن الراجح: أنه إذا أنفق هذا المال في النكاح الذي وجب عليه انتفى عنه وجوب الحج؛ لأنه صار غير مستطيع الآن، فلا يجب عليه الحج مع عدم الاستطاعة، فإن لم يخف العنت، ولم يخف الوقوع في الزنا قدم الحج؛ لأن النكاح في هذه الحالة تطوع والحج فريضة واجبة فيكون الحج هو الواجب.
стр. 97
حكم الحج على من عنده بضاعة يتكسب بها
إذا كانت له بضاعة يتكسب بها كفايته وكفاية عياله، أو كان له عرض تجارة يحصل من غلته كل سنة كفايته وكفاية عياله وليس معه ما يحج به غير ذلك، ولا يفضل بعده شيء؛ لم يلزمه الحج؛ لئلا ينقطع ويحتاج إلى الناس.
فالتاجر إن كانت له بضاعة فلا نقول له: بع البضاعة التي عندك واصرف الثمن للحج؛ لأن عياله لا يجدون ما يأكلونه ولا يجد التاجر ما ينفق به عليهم، ولابد من وجود رأس مال معه ليستمر دكانه قدر ما يكفيه وعياله فقط فلا يفرط فيه، كأن يكون له رأس مال عشرة آلاف جنيه في كل شهر، ومع تشغيلها في التجارة يحصل له ما يكفيه هو وعياله، فلو قلنا له: بع التجارة كلها وخذ رأس المال هذا وحج به لصار مفلساً لا شيء معه، ولذلك نقول: ما زاد عن ذلك بعه واذهب لتحج.
وقوله: (وعرض تجارة)، يجوز أن تقول: عرَض وعرْض، لكن عرْض هي الأكثر فيها وهي بمعنى المتاع، والعرَض بمعنى العطاء وبمعنى الطمع ويأتي بمعنى المتاع أيضاً، ولذلك جاء في حديث عن النبي ﷺ أنه قال: (ليس الغنى عن كثرة العرَض) أي: بكثرة المتاع، لكن الغالب عند الفقهاء أن العرْض بمعنى: عروض التجارة.
стр. 98
حكم مزاولة الحاج للتجارة
يستحب للحاج أن يكون متخلياً عن التجارة ونحوها في طريقه، فإن خرج بنية الحج والتجارة فحج واتجر صح حجه وسقط عنه فرض الحج، لكن ثوابه دون ثواب المتخلي عن التجارة، قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة:١٩٨] قال ابن عباس: في مواسم الحج.
إذاً: لا حرج عليك في ذلك، وقد كان الصحابة يتحرجون في ذلك؛ ولذلك يقول ابن عباس ﵄: (كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقاً في الجاهلية، فلما كان الإسلام فكأنهم تأثموا فيه، فنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة:١٩٨] في مواسم الحج)، هكذا قرأها ابن عباس، وكأنها قراءة تفسيرية أو أن زيادة: (في مواسم الحج) قراءة شاذة.
وقد رواه أبو داود عن ابن عباس وفيه: (أن الناس في أول الحج كانوا يتبايعون بمنى وعرفة وسوق ذي المجاز ومواسم الحج فخافوا البيع وهم حرم، فنزلت الآية: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة:١٩٨]).
وروى أبو داود عن أبي أمامة التيمي قال: (كنت رجلاً أكري في هذا الوجه، وكان ناس يقولون لي: إنه ليس لك حج، فلقيت ابن عمر ﵄ فقلت: يا أبا عبد الرحمن! إني رجل أكري في هذا الوجه -يعني: أؤجر الدواب في هذا الكراء- وإن ناساً يقولون لي: إنه ليس لك حج، فقال ابن عمر ﵄: أليس تحرم وتلبي، وتطوف بالبيت، وتفيض من عرفات، وترمي الجمار؟! قال: قلت: بلى، قال: فإن لك حجاً؛ جاء رجل إلى النبي ﷺ فسأله عن مثل ما سألتني عنه، فسكت عنه رسول الله ﷺ فلم يجبه، حتى نزلت هذه الآية: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة:١٩٨] فأرسل إليه رسول الله ﷺ وقرأ عليه هذه الآية، وقال: لك حج).
وفي هذه الآية تتجلى رحمة الله بعباده؛ فإن الإنسان الذي يحج يجوز له أثناء حجه أن يتاجر مع الناس ويؤدي المناسك وحجه صحيح، ولكن الذي يذهب متفرغاً للعبادة أفضل بكثير ممن يذهب للعبادة ويشتغل بالتجارة؛ لأن الانشغال بالتجارة يجعل التاجر يقصر كثيراً في أمور العبادة، في نوافلها، وفي الفرائض التي يأتي بها، وكما نرى في مواسم الحج فهناك تقصيرات وتفريطات ممن يتاجرون في الحج.
стр. 99
أمن الطريق شرط من شروط وجوب الحج
نحن قلنا: هناك خمسة شروط اتفق العلماء عليها، على خلاف في بعضها، فلابد أن يكون مسلماً بالغاً حراً مستطيعاً عاقلاً، وهذه شروط لوجوب الحج، وبعضها شروط مع الإجزاء، وبعضها مع الصحة، لكن كلها شروط للوجوب.
أما الشرط السادس: فهو أمن الطريق، فالإنسان الذي يريد الحج لابد أن يكون آمناً في طريقه، بحيث يخرج من بلده إلى مكة من غير أن يمنعه أحد في الطريق؛ فيشترط ألا يوجد في الطريق لصوص ولا قطاع طريق ولا أي عدو في الطريق.
واتفق جمهور العلماء على أن هذا الشرط من شروط وجوب الحج، لكن في مذهب أحمد الراجح أنه يلزمه الحج، وهناك قول آخر للإمام أحمد وهو قول جمهور العلماء أنه لا يلزمه؛ لأنه غير مستطيع حقيقة.
إذاً: يشترط لوجوب الحج أمن الطريق في ثلاثة أشياء: أن يكون آمناً على نفسه، وعلى ماله، وعلى عرضه، ولا يشترط الأمن الغالب في الحضر، بل الأمن في كل مكان بحسبه، فأما النفس فمن خاف عليها من سبع أو عدو كافر أو مسلم أو غير ذلك لم يلزمه الحج إن لم يجد طريقاً آمناً آخر، وكذلك المال، فلو خاف الحاج على ماله في الطريق من عدو أو غيره لم يلزمه الحج.
стр. 100
حكم حج المرأة التي لم تجد محرماً إلا بأجرة
مسألة: إذا لم تجد المرأة محرماً يحج بها فإنه لا يلزمها الحج، ولو امتنع محرم المرأة من الخروج معها إلا بأجرة لزمها أن تعطيه، فلو أننا فرضنا أن امرأة غنية ولها محارم فقراء وهي تريد الحج فتحتاج إلى أن تأخذ معها محرماً كأخيها مثلاً أو عمها أو خالها، ووراء كل واحد منهم عائلة ونفقات، وهو يعمل للكسب يوماً بيوم، فإذا سافر معها إلى الحج ضيع أهله، وقد جاء في الحديث: (كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت)، فإذا قال لها: لا أقدر أن أحج معك إلا أن تعطيني أجرة؛ لأن أهلي في حاجة إلى نفقة، فإذا دفعت لي أجرة خرجت معك، فإنه يلزمها ذلك؛ لأنه لا يجوز لها أن تحج حتى تأمن في الطريق ولا تضيع أهل هذا المحرم، لكن إذا كان هذا المحرم قد وجب عليه الحج، وهو قادر على ذلك، فيخرج معها وليس له أن يأخذ أجرة على ذلك.
إذاً: لو امتنع محرم المرأة من الخروج معها إلا بأجرة لزمها أن تعطيه، فإما أن تكون حجة هذا المحرم التي سيحجها حج تطوع، أو أن وراءه عيالاً يحتاجون إلى نفقة وسيضيعهم بالذهاب مع المرأة للحج، فله أن يطلب أجرة.
стр. 101
حكم حج الأعمى ومقطوع اليدين أو الرجلين
أما الأعمى ومقطوع اليدين ومقطوع الرجلين إن وجدوا زاداً وركوباً ووجدوا من يقودهم ويهديهم عند النزول ويركبهم وينزلهم، وقدروا على الركوب بلا مشقة شديدة لزمهم الحج بأنفسهم، ولم يجز لهم الاستئجار للحج عنهم، هذا إذا كان الأعمى متعوداً في البلد على أن يذهب للصلاة في المسجد ويستطيع أن يعود بدون مشقة عليه أو معه من يقوده، وكذلك في الحج إذا كان معه من يقوده ويذهب به ومعه المال، فإنه يلزمه الحج في هذه الحالة.
وأما الإنسان المقطوع اليدين فإذا كان معتاداً في البلد على أنه يقضي حاجاته بنفسه، أو يجد من يذهب معه إلى الحج ولا مشقة عليه في ذلك، فإنه يلزمه الحج.
وكذلك مقطوع الرجلين إذا كانت له عجلة يركب عليها، والأمر يسير عليه وهو متعود على الحركة، ويخرج إلى العمل كل يوم على عجلته، ويجد من يقوده في الحج ويذهب معه، فإنه يلزمه الحج في هذه الحالة.
ولكن إذا اعترض هؤلاء المشقة الشديدة، وليسوا متعودين على هذا الشيء، كأن يكون الأعمى قعيداً في بيته لا يخرج، فإذا خرج أصابه خوف ورعب من الناس ولا يستطيع أن يمكث في مكان وحده، أو يجد مشقة شديدة في التجول أو الذهاب، فإذا وجدت المشقة الشديدة التي مثله لا يقدر عليها فهو غير مستطيع بنفسه، ففي هذه الحالة لا يلزمه أن يحج بنفسه وإنما يستأجر من يحج عنه.
إذاً: هناك فرق بين إنسان قادر على الخروج وقادر على أداء المناسك، وقادر على الركوب من غير مشقة، وبين إنسان يكون عليه في ذلك مشقة شديدة لا يقدر معها على عمل المناسك.
стр. 102
القائد في حق الأعمى كالمحرم في حق المرأة
لو فرضنا أن الأعمى إنسان غني جداً وقائده خادم عنده ويدفع له أجرة على ذلك، فقال له: تعال لكي تحج معي، فقال له الأجير: أنا لا أقدر أن أحج معك إلا إذا أعطيتني أجرة الحج؛ لأن ورائي عيالاً سأضيعهم إذا ذهبت معك، فإذا طلب الأجرة خلال الفترة التي يحج فيها معه لكي ينفق على عياله فله ذلك، فمثله مثل المحرم مع المرأة.
إذاً: هنا القائد في حق الأعمى كالمحرم في حق المرأة، فلو امتنع القائد من الخروج معه إلا بأجرة لزمه أن يعطيه إذا كان قادراً.
стр. 103
حكم سفر المرأة للحج والعمرة مع نسوة ثقات
لا يلزم المرأة الحج ولا العمرة إلا إذا أمنت على نفسها بزوج أو محرم، وهذا اتفاق بين العلماء، ولكن الخلاف في أنه إذا لم يكن معها محرم وحجت مع نسوة ثقات فهل لها ذلك أم لا؟ مذهب الإمام الشافعي في مسألة سفر المرأة للحج والعمرة بدون محرم أنه إذا وجدت المرأة نسوة ثقات فإنها تحج معهن إذا كانت تأمن على نفسها معهن، وهو قول في مذهب الإمام أحمد أيضاً، وهو قول الإمام مالك ﵀، وهذا في حجة الفريضة، أما غير الفريضة فلا يجوز لها أن تحج مع نسوة ثقات.
كذلك العمرة إذا كانت فريضة عند من يوجبها من هؤلاء، فالإمام الشافعي يوجب العمرة، وكذلك الإمام أحمد، أما الإمام مالك وأبو حنيفة فإنهما لا يوجبان العمرة، فالذي يوجب العمرة يقول بجواز عمرتها مع نسوة ثقات.
إذاً: لا يجوز للمرأة أن تسافر لحج التطوع أو لسفر زيارة وتجارة ونحوهما مع نسوة ثقات أو امرأة ثقة؛ لأنه ليس بسفر واجب، وإنما في السفر الواجب فقط لها أن تحج مع نسوة ثقات.
стр. 104
أدلة عدم جواز سفر المرأة إلا مع ذي محرم
أما الأدلة التي تدل على أن المرأة لا تسافر إلا مع محرم فمنها ما جاء في الصحيحين من حديث ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: (لا تسافر المرأة ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم).
وفي رواية لـ مسلم: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة ثلاث ليال إلا ومعها ذو محرم).
وفي الصحيحين أيضاً عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر يوماً وليلة ليس معها ذو حرمة).
стр. 105
استئذان المرأة لزوجها في حج الفريضة والنافلة
ينبغي للمرأة ألا تحرم بغير إذن زوجها إذا كان الحج نافلة، وللزوج أن يمنعها، وكذلك يلزمها أن تستأذن زوجها في حج الفريضة، لكن لا يجوز للزوج أن يمنعها طالما أنه قد وجب عليها الحج ومعها المحرم الذي يخرج بها.
جاء في حديث ابن عباس ﵄: (أن رسول الله ﷺ خطب وقال: لا يخلون رجل بامرأة، ولا تسافر امرأة إلا مع محرم، فقام رجل فقال: يا رسول الله! إن امرأتي خرجت حاجة، وإني اكتتبت في غزوة كذا، قال: فانطلق فحج مع امرأتك)، في هذا الحديث أنه يستحب للرجل أن يكون مع امرأته في الحج، وليس للزوج منع زوجته من حجة الإسلام كما قدمنا، فإن أرادت حج إسلام أو حج تطوع أو عمرة واستأذنت الزوج في خروجها للحج فأذن لها، وأتت بالتأشيرة ولبست إحرامها وخرجت محرمة فليس له أن يمنعها لا من حج فريضة ولا من حج تطوع، طالما أنه أذن لها وخرجت فأحرمت، ويلزمه تمكينها من إتمامه ولا يجوز له تحليلها؛ لأنه لا يجوز التحلل إلا إذا أرادت المرأة الخروج ثم توفي الزوج فيلزمها العدة، ولا يجوز لها أن تسافر، إلا إن كانت قد سافرت بالفعل، كأن تكون قد ركبت الطائرة، ويصعب عليها أن ترجع لتعتد فلها على ذلك أن تكمل سفرها.
стр. 106
حكم حج من يسأل الناس في طريقه للحج
أما من عادته أن يسأل الناس الطعام والشراب في أثناء طريقه إلى الحج، فهذا لا يلزمه الحج، ولم يأمره الله بذلك، والإنسان الذي يمد يده إلى الناس ويطلب من الناس الأموال وهو مستغن عن ذلك يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة من لحم، قد تساقط لحم وجهه من شدة حرجه وحيائه يوم القيامة من الله .
إذاً: الاستطاعة بالنفس لها شروط وهي: أن يكون بدنه صحيحاً بحيث يقدر على الركوب، وأن يجد الزاد والراحلة، وأن يجد نفقة أهله، ويجد المسكن لهم، وليس عليه أجرة للدار، ولديه كتب علم وليس مضطراً أن يبيعها، فعلى ذلك يلزمه أن يحج.
стр. 107
إمكان المسير شرط من شروط وجوب الحج
الشرط السابع لوجوب الحج: إمكان المسير، أي: أن يأمن من فوت الحج وعرفة، فإذا كان سيدرك الوقوف بعرفة فإنه يلزمه الحج مع الشروط السابقة التي ذكرناها، وإذا كان من المستحيل أن يدرك عرفة، كأن يغلق المطار أمام الحجاج ولن يصل إلى هناك إلا بعد فوات يوم عرفة، فإن إمكان المسير غير متهيئ لهذا الإنسان؛ لأنه يكون قد انتهى وقت الحج وفاته الحج.
وإمكان المسير من أجل إدراك الحج معتبر بما جرت به العادة، أما لو أمكنه المسير بأن يحمل على نفسه ويسير سيراً يجاوز العادة أو يعجز عن تحصيل آلة السفر لم يلزمه السعي؛ فإمكان المسير بحسب الإنسان وبحسب المكان الذي هو فيه، فمن الناس من يكون موجوداً في المدينة، ومنهم من يكون موجوداً في مكة، ومنهم من يكون موجوداً في مصر أو في مكان بعيد، وكل واحد له وقت في وصوله.
إذاً: يشترط أن يكون الطريق آمناً، وأن يكون من الممكن الوصول إلى عرفة قبل فوات الحج، وهذا عند الحنابلة من شروط لزوم السعي، أما عند الجمهور فإنها من شروط الاستطاعة، وهو الراجح؛ لأنه إن لم يتمكن من الوقوف بعرفة فاته الحج، فكيف نوجب عليه الحج وهو لم يتمكن من الوصول إلى عرفة؟!
стр. 108
الحج والعمرة عن المعضوب والميت
كلمة (المعضوب) مأخوذة من العضب، والعضب: هو الضعف الذي يكون في الإنسان، فالمعضوب: هو الضعيف الذي لا يقدر على الحج؛ لكبر سنه أو لكونه مريضاً مرضاً شديداً، أو كان المرض مرضاً مزمناً، فهو لا يستطيع الحج.
روى البخاري ومسلم عن ابن عباس ﵄: (أن امرأة من خثعم قالت: يا رسول الله! إن فريضة الله في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: نعم، قال: وذلك في حجة الوداع).
وهذا يعني: أن هذا لم ينسخ بشيء؛ حيث كان ذلك في آخر حياة النبي ﷺ ، بعدما نزل قول الله : ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران:٩٧].
وعن أبي رزين العقيلي: (أنه أتى النبي ﷺ فقال: إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة ولا الظعن؟ قال: حج عن أبيك واعتمر) فأمره النبي ﷺ أن يحج عن أبيه؛ لكونه ذكر أن أباه لا يقدر على الحج ولا على العمرة ولا على الظعن، أي: ركوب الراحلة.
стр. 109
الفرق بين الحج عن المعضوب والحج عن الميت
لا يجزئ الحج ولا العمرة عن المعضوب بغير إذنه؛ لأن هذا حي عاقل له إذنه بخلاف الميت، فإنه ليس محتاجاً لإذن، لكن الحي لابد من إذنه طالما أنه يعقل وأن إدراكه موجود، بخلاف قضاء الدين؛ لأن الحج عن الميت يعتبر ديناً، والنبي ﷺ قال: (أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت قاضيه؟ قال: نعم، قال: فدين الله أحق بالقضاء).
والحج عبادة، والعبادة تحتاج إلى نية، وقضاء الدين معاملة ولا تحتاج إلى نية، فلو فرضنا أن واحداً عليه دين وذهبت وسددت عنه ذلك الدين، فالمطلوب أن يقضى الدين، ولا يحتاج إلى نية في الأداء سواء نوى صاحبه أو لم ينو، بخلاف الحج فإنه لو لم ينوه فإنه لا يأخذ أجر هذا الحج بغير نية منه؛ فلذلك لابد للإنسان الذي يحج عن المعضوب من إذنه.
والحج والعمرة عن الميت يجبان عند استقراره عليه، سواء أوصى به أو لم يوص؛ لأن النبي ﷺ قال: (دين الله أحق بالقضاء) فالإنسان المتوفى إذا ترك مالاً وهو لم يحج فلابد أن يحج عنه.
والذي يحج عن الميت سواء كان قريباً له وارثاً أو غير وارث أو كان أجنبياً عنه وحج عنه كل ذلك يجزئه.
стр. 110
حكم حج المرء عن غيره قبل أن يحج عن نفسه
ولا يجوز لمن عليه حجة الإسلام أو حجة قضاء أو نذر أن يحج عن غيره، فالإنسان الذي عليه حجة الإسلام ليس له أن يكون وكيلاً أو نائباً عن إنسان آخر، فلابد أن يحج عن نفسه أولاً وبعد ذلك يحج عن هذا الآخر، كذلك من عليه عمرة الإسلام لا يعتمر عن غيره حتى يعتمر عن نفسه.
روى أبو داود عن ابن عباس: (أن النبي ﷺ سمع رجلاً يقول: لبيك عن شبرمة، فقال: من شبرمة؟ قال: أخ لي أو قريب لي.
قال: أحججت عن نفسك؟ قال: لا، قال: حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة)، فالنبي ﷺ أمره أن يحج عن نفسه أولاً وبعد ذلك يحج عن شبرمة.
وفي لفظ للبيهقي وابن خزيمة أيضاً: (قال: فاجعل هذه عنك، ثم حج عن شبرمة).
فإن أحرم المرء عن غيره ولم يحج عن نفسه وقعت عن نفسه.
следующие страницы →