← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 36976

شرح جامع الترمذي - الراجحي

عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

Полный текст (266 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ما جاء أن مسح الرأس مرة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب: ما جاء أن مسح الرأس مرة. حدثنا قتيبة، حدثنا بكر بن مضر، عن ابن عجلان عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن الربيع بنت معوذ بن عفراء: (أنها رأت النبي ﷺ يتوضأ، قالت: مسح رأسه، ومسح ما أقبل منه وما أدبر، وصدغيه وأذنيه مرة واحدة)]. قال في الشرح: [الربيع -بالتصغير والتسكين- بنت معوذ بن عفراء الأنصارية النجارية، من صغار الصحابة]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وفي الباب عن علي وجد طلحة بن مصرف بن عمرو. قال أبو عيسى: وحديث الربيع حديث حسن صحيح. وقد روي من غير وجه عن النبي ﷺ : (أنه مسح برأسه مرة). والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم. وبه يقول جعفر بن محمد وسفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق: رأوا مسح الرأس مرة واحدة]. قال في الشرح: [قال الشوكاني: وفي تصحيحه نظر، فإنه رواه من طريق ابن عقيل. انتهى]. وقول الشوكاني قول صحيح، لكن قد يقال: إن ابن عقيل هنا لم يخطئ؛ لأنه وافق الثقات في أن المسح مرة واحدة؛ ولأنه وافق الأحاديث الصحيحة في هذا. فالمسح لا يكرر، إنما التكرار أو التثليث في الأعضاء ثلاثاً: الوجه واليدين والرجلين، أما الرأس فهو مرة واحدة. قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن منصور المكي قال: سمعت سفيان بن عيينة يقول: سألت جعفر بن محمد عن مسح الرأس: أيجزئ مرة؟ فقال: إي والله]. قال في الشرح: [قال محمد بن منصور بن داود الطوسي أبو جعفر العابد: وسألت جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي المعروف بـ الصادق].

стр. 37

ما جاء أنه يأخذ لرأسه ماءً جديداً قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب: ما جاء أنه يأخذ لرأسه ماء جديداً. حدثنا على بن خشرم، أخبرنا عبد الله بن وهب، حدثنا عمرو بن الحارث، عن حبان بن واسع عن أبيه عن عبد الله بن زيد ﵁: (أنه رأى النبي ﷺ توضأ، وأنه مسح رأسه بماء غير فضل يديه)]. وهذا لا شك فيه، بل هو واجب أن يأخذ ماء جديداً للرأس. قال أبو عيسى: [هذا حديث حسن صحيح. وروى ابن لهيعة هذا الحديث عن حبان بن واسع عن أبيه عن عبد الله بن زيد ﵁: (أن النبي ﷺ توضأ، وأنه مسح رأسه بماء غير فضل يديه). ورواية عمرو بن الحارث عن حبان أصح؛ لأنه قد روي من غير وجه هذا الحديث عن عبد الله بن زيد ﵁ وغيره: (أن النبي ﷺ أخذ لرأسه ماء جديداً). والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم: رأوا أن يأخذ لرأسه ماء جديداً]. قال في الشرح: [واستدلوا على ذلك بحديث الباب، قال أبو الطيب السندي في شرح الترمذي: وبه أخذ علماؤنا -يعني: الحنفية- غير أنهم قالوا: هذا إذا أصابت يده شيئاً بحيث لم يبق البلل في يده، وهو لا ينافي الحديث، بل العلة تقتضيه، نعم ظاهر هذا الحديث الإطلاق، فيأخذ ماء جديداً على كل حال، لكن الحديث الثاني مسح رأسه بماء غبر، أي: بقي من فضل يديه، يدل على الذي ذهب إليه علماؤنا، فهم حملوا أحد الحديثين على حالة، والآخر على حالة أخرى، ففيه جمع بين حديثين، ولا شك أن الجمع أولى]. والحديث الثاني يحتاج إلى ثبوت، وكأن الأحناف يرون أنه لا بأس أن يمسح رأسه إذا بقي في يديه بلل من غسل يديه، وهذا يحتاج إلى دليل، فالأفضل أنه يأخذ ماءً جديداً، فيأخذ ماءً للوجه وماءً لليدين وماءً للرأس، وماءً للرجلين، أما أن يمسح الرأس بما بقي من البلل في يديه فهذا يحتاج إلى دليل. قال في الشرح: [قلت: رواية: (مسح بما غبر) تفرد بها ابن لهيعة وهو ضعيف، وخالف فيها عمرو بن الحارث، وهو ثقة حافظ، فهذه الرواية غير محفوظة، نعم أخرج أبو داود عن الربيع بنت معوذ: (أن النبي ﷺ مسح برأسه من فضل ماء كان في يده)، قال السيوطي في مرقاة الصعود: احتج به من رأى طهورية الماء المستعمل، وتأوله البيهقي على أنه أخذ ماء جديداً وصب نصفه، ومسح ببلل يده ليوافق حديث عبد الله بن زيد، ومسح رأسه بماء غير فضل يديه، أخرجه مسلم والمصنف يعني: أبا داود والترمذي. انتهى كلام السيوطي. قلت: إن صح حديث الربيع بنت معوذ هذا فلا حاجة إلى تأويل البيهقي، بل يقال: كلا الأمرين جائزان، إن شاء أخذ لرأسه ماء جديداً، أو إن شاء مسحه بفضل ما يكون في يده، لكن في سنده ابن عقيل وفيه مقال مشهور كما عرفت، وفي متنه اضطراب، فإن ابن ماجة أخرج من طريق شريك عن عبد الله بن عقيل عن الربيع بنت معوذ قالت: (أتيت النبي ﷺ بميضأة فقال: اسكبي، فسكبت فغسل وجهه وذراعيه، وأخذ ماء جديداً فمسح به رأسه مقدمه ومؤخره). فالقول الراجح: هو أن يؤخذ لمسح الرأس ماءً جديداً. والله تعالى أعلم]. وقد أخرج ابن ماجة من طريق شريك عن عبد الله بن عقيل عن الربيع بنت معوذ ﵂ قالت: (أتيت النبي ﷺ بميضأة فقال: اسكبي، فسكبت، فغسل وجهه وذارعيه، وأخذ ماء جديداً، فمسح به رأسه: مقدمه ومؤخره). فالقول الراجح هو أن يؤخذ لمسح الرأس ماءً جديداً، بل هو الصواب والمتعين؛ لأن الأحاديث التي فيها: أنه مسح رأسه بما بقي من البلل من ماء يده لم تصح.

стр. 38

ما جاء في مسح الأذنين ظاهرهما وباطنهما

стр. 39

شرح حديث: (مسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ما جاء في مسح الأذنين ظاهرهما وباطنهما. حدثنا هناد حدثنا عبد الله بن إدريس عن محمد بن عجلان عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس: (أن النبي ﷺ مسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما). قال أبو عيسى: وفي الباب عن الربيع. قال أبو عيسى: وحديث ابن عباس حديث حسن صحيح. والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم: يرون مسح الأذنين ظهورهما وبطونهما]. وصححه أيضاً ابن خزيمة وابن مندة كما تقدم. وعبد الله بن إدريس هو عبد الله بن يزيد بن عبد الرحمن الأودي الكوفي، ثقة فقيه عابد، من الثامنة. وابن عجلان هو محمد، صدوق، إلا أنه اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة. وزيد بن أسلم ثقة. وعطاء بن يسار ثقة. ومسح الأذنين ثابت في الأحاديث الصحيحة، ولا يصح الوضوء إلا بمسح الأذنين، ومن لم يمسح أذنيه لم يصح وضوؤه؛ لأنهما من الرأس، فيمسح باطنهما بالسبابتين وظاهرهما بالإبهامين.

стр. 40

ما جاء أن الأذنين من الرأس

стр. 41

شرح حديث: (الأذنان من الرأس) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ما جاء أن الأذنين من الرأس. حدثنا قتيبة حدثنا حماد بن زيد عن سنان بن ربيعة عن شهر بن حوشب عن أبي أمامة ﵁ قال: (توضأ النبي ﷺ فغسل وجهه ثلاثاً، ويديه ثلاثاً، ومسح برأسه، وقال: الأذنان من الرأس). قال أبو عيسى: قال قتيبة: قال حماد: لا أدري هذا من قول النبي ﷺ أو من قول أبي أمامة. قال: وفي الباب عن أنس. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن، ليس إسناده بذاك القائم. والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم: أن الأذنين من الرأس، وبه يقول سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق. وقال بعض أهل العلم: ما أقبل من الأذنين فمن الوجه، وما أدبر فمن الرأس. قال إسحاق: وأختار أن يمسح مقدمهما مع الوجه ومؤخرهما مع رأسه. قال الشافعي: هما سنة على حيالهما: يمسحهما بماء جديد]. هذا قول، لكن الصواب أنه لا يأخذ لهما ماءً جديداً، وإنما يمسحهما تبعاً للرأس. وقول المصنف: (ليس إسناده بذاك القائم) أي: ليس بالقوي، لأن فيه شهر بن حوشب، وفيه كلام. قال ابن دقيق العيد في الإلمام: وهذا الحديث معلول من وجهين: أحدهما الكلام في شهر بن حوشب، والثاني: الشك في رفعه -يعني: هذا من قول أبي أمامة أو من قول النبي ﷺ ، ولكن شهراً وثقه أحمد ويحيى والعجلي ويعقوب بن شيبة. وسنان بن ربيعة أخرج له البخاري، وهو وإن كان قد لُيّن، فقد قال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به. وقال ابن معين: ليس بالقوي. فالحديث عندنا حسن، والله أعلم. اهـ.

стр. 42

ما جاء في تخليل الأصابع

стр. 43

شرح حديث: (إذا توضأت فخلل الأصابع) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ما جاء في تخليل الأصابع. حدثنا قتيبة وهناد قالا: حدثنا وكيع عن سفيان عن أبي هاشم عن عاصم بن لقيط بن صبرة عن أبيه قال: قال النبي ﷺ : (إذا توضأت فخلل الأصابع). قال: وفي الباب عن ابن عباس والمستورد -وهو ابن شداد الفهرى - وأبي أيوب الأنصاري. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. والعمل على هذا عند أهل العلم: أنه يخلل أصابع رجليه في الوضوء، وبه يقول أحمد وإسحاق، وقال إسحاق: يخلل أصابع يديه ورجليه في الوضوء. وأبو هاشم اسمه: إسماعيل بن كثير المكي. تكملة الحديث: (وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً). فيه مشروعية تخليل الأصابع حتى يبلغها الماء، فيخلل ما بين أصابع اليدين والرجلين، وكذلك المبالغة في الاستنشاق إلا إذا كان صائماً؛ لئلا يصل شيء من الماء إلى جوفه. والحديث أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي والشافعي وابن الجارود وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والبيهقي مطولاً ومختصراً، وصححه أيضاً البغوي وابن القطان. والتخليل مستحب؛ حتى يبلغ الماء إلى جميع الأصابع، وهذا من إسباغ الوضوء، وإذا وصل الماء إلى ما بين الأصابع كفى، فالمهم وصول الماء إلى ما بين الأصابع، وإن لم يصل إلا بالتخليل -وكان الماء قليلاً- فلابد أن يخلل حتى يبلغ الماء ما بين الأصابع.

стр. 44

شرح حديث: (إذا توضأت فخلل بين أصابع يديك ورجليك) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا إبراهيم بن سعيد -هو الجوهري - حدثنا سعد بن عبد الحميد بن جعفر حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن موسى بن عقبة عن صالح مولى التوأمة عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: (إذا توضأت فخلّل بين أصابع يديك ورجليك). قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب]. قال الشوكاني في (نيل الأوطار): فيه صالح مولى التوأمة، وهو ضعيف، ولكن حسنه البخاري؛ لأنه من رواية موسى بن عقبة عن صالح، وسماع موسى عنه قبل أن يختلط.

стр. 45

شرح حديث دلك النبي أصابع رجليه بخنصره في الوضوء قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا قتيبة حدثنا ابن لهيعة عن يزيد بن عمرو عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن المستورد بن شداد الفهري قال: (رأيت النبي ﷺ إذا توضأ دلك أصابع رجليه بخنصره). قال أبو عيسى: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة]. وابن لهيعة ضعيف، لكن الأحاديث يشد بعضها بعضاً، فهذا الحديث يشده الحديث الأول: حديث لقيط، وإذا وصل الماء إلى ما بين الأصابع فالتخليل مستحب، فإن لم يصل فلابد من التخليل، وهو حينئذٍ واجب. وغرابة هذا الحديث والذي قبله ترجع إلى الإسناد، ولا ينافي ذلك الحسن، قاله ابن سيد الناس، وقد شارك ابن لهيعة في روايته عن ابن عمرو، والليث وعمرو بن الحارث. فالحديث إذاً صحيح سالم عن الغرابة. كذا في النيل. وعلى كل حال فالحديث الأول كافٍ، وإذا لم يصح فيكون من الشواهد، فالحديثان شاهدان للحديث الأول.

стр. 46

ما جاء (ويل للأعقاب من النار)

стр. 47

شرح حديث: (ويل للأعقاب من النار) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ما جاء (ويل للأعقاب من النار). حدثنا قتيبة قال حدثنا عبد العزيز بن محمد عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (ويل للأعقاب من النار)]. قال: وفي الباب عن عبد الله بن عمرو وعائشة وجابر بن عبد الله وعبد الله بن الحارث -هو ابن جزء الزبيدي - ومعيقيب وخالد بن الوليد وشرحبيل بن حسنة وعمرو بن العاص ويزيد بن أبي سفيان. قال أبو عيسى: حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح. وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: (ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار). قال: وفقه هذا الحديث: أنه لا يجوز المسح على القدمين إذا لم يكن عليهما خفان أو جوربان]. وهذا الحديث ثابت في الصحيحين، وفيه أنه ينبغي للإنسان أن يلاحظ العقب. وقوله: (ويل)، أي: شدة العذاب. والعقب هو: مؤخر القدم. وفي اللفظ الآخر: (ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار) فينبغي للإنسان أن يبلغ الماء، وسبب الحديث: (أن النبي ﷺ أقبل على بعض الصحابة وقد تقدموا، فأدركتهم الصلاة فجعلوا يمسحون أعقابهم، فنادى النبي ﷺ بأعلى صوته: ويل للأعقاب من النار). وهذا التعريف الذي أشار إليه الترمذي رواه الطبراني في الكبير وابن خزيمة في صحيحه من حديث عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي مرفوعاً، ورواه أحمد موقوفاً عليه. وأما أصل الحديث الذي قرره الشيخان فلفظه: (ويل للأعقاب من النار). وقد أخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة. قوله: (وفقه هذا الحديث أنه لا يجوز المسح على القدمين إذا لم يكن عليهما خفان أو جوربان). خلافاً للرافضة، فهم يرون أنه يمسح على ظاهر القدمين إذا كانتا مكشوفتين، وإذا كان عليهما الخفان فتنزعان ويمسح ظهور القدمين! وهذا من أبطل الباطل. فإذا كانت الرجلان مكشوفتين فلابد من غسلهما، وإن كانتا مستورتين ولبس الخف على طهارة بالشروط فإنه يمسح عليهما، والأحاديث في المسح على الخفين متواترة، روى ذلك عن النبي ﷺ أكثر من صحابي.

стр. 48

ما جاء في الوضوء مرة مرة

стр. 49

شرح حديث توضؤ النبي مرة مرة قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ما جاء في الوضوء مرة مرة. حدثنا أبو كريب وهناد وقتيبة قالوا: حدثنا وكيع عن سفيان ح قال: وحدثنا محمد بن بشار حدثنا يحيى بن سعيد قال حدثنا سفيان عن يزيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس: (أن النبي ﷺ توضأ مرة مرة). قال أبو عيسى: وفي الباب عن عمر وجابر وبريدة وأبي رافع وابن الفاكه. قال أبو عيسى: وحديث ابن عباس ﵄ أحسن شيء في هذا الباب وأصح. وروى رشدين بن سعد وغيره هذا الحديث عن الضحاك بن شرحبيل عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر بن الخطاب: (أن النبي ﷺ توضأ مرة مرة). قال: وليس هذا بشيء، والصحيح ما روى ابن عجلان وهشام بن سعد وسفيان الثوري وعبد العزيز بن محمد عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس عن النبي ﷺ ]. هذا رواه البخاري في الصحيح، وفيه دليل على جواز الوضوء مرة مرة. ومعنى: (مرةً مرةً): أنه يعمم أعضاء الوضوء في غسلها مرة واحدة، فيغسل وجهه مرة واحدة، ويغسل كل يد إلى المرفق مرة واحدة، ويمسح رأسه مرة واحدة، ويغسل كل رجل مرة واحدة. والمراد بالمرة: تعميم العضو بالماء، سواء كان بغرفة أو بغرفتين، وإذا لم يعمم إلا بأن يأخذ عدة غرفات فيعتبر مرة واحدة إذا عمم الوضوء في الغسل، فسواء كان مرة بغرفة أو غرفتين أو ثلاث، فإنه يعتبر مرة، وهذا ثابت عن النبي ﷺ أنه توضأ مرة مرة، ومرتين مرتين، وثلاثاً ثلاثاً، وتوضأ مخالفاً.

стр. 50

ما جاء في الوضوء مرتين مرتين

стр. 51

شرح حديث توضؤ النبي مرتين مرتين قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ما جاء في الوضوء مرتين مرتين. حدثنا أبو كريب ومحمد بن رافع قالا: حدثنا زيد بن حباب عن عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان قال حدثني عبد الله بن الفضل عن عبد الرحمن بن هرمز -هو الأعرج - عن أبي هريرة: (أن النبي ﷺ توضأ مرتين مرتين). قال أبو عيسى: وفي الباب عن جابر. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن ثوبان عن عبد الله بن الفضل، وهو إسناد حسن صحيح. قال أبو عيسى: وقد روى همام عن عامر الأحول عن عطاء عن أبي هريرة ﵁: (أن النبي ﷺ توضأ ثلاثاً ثلاثاً)]. وهذا أيضاً ثابت في الصحيح، وفيه صفة ثانية للوضوء، وأنه توضأ مرتين مرتين، بمعنى: أنه عمم كل عضو مرتين مرتين، ففي الحديث الأول يعمم كل عضو مرة مرة، وفي هذا الحديث يعمم كل عضو من أعضاء الوضوء الأربعة مرتين مرتين، إلا الرأس فإنه لا يمسحه إلا مرة.

стр. 52

ما جاء في الوضوء ثلاثاً ثلاثاً

стр. 53

شرح حديث توضؤ النبي ثلاثاً ثلاثاً قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ما جاء في الوضوء ثلاثاً ثلاثاً. حدثنا محمد بن بشار حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن أبي إسحاق عن أبي حية عن علي: (أن النبي ﷺ توضأ ثلاثاً ثلاثاً). قال أبو عيسى: وفي الباب عن عثمان وعائشة والربيع وابن عمر وأبي أمامة وأبي رافع وعبد الله بن عمرو ومعاوية وأبي هريرة وجابر وعبد الله بن زيد وأبي بن كعب. قال أبو عيسى: حديث علي أحسن شيء في هذا الباب وأصح؛ لأنه قد روي من غير وجه عن علي رضوان الله عليه. والعمل على هذا عند عامة أهل العلم؛ أن الوضوء يجزئ مرة مرة، ومرتين أفضل، وأفضله ثلاث، وليس بعده شيء. وقال ابن المبارك: لا آمن إذا زاد في الوضوء على الثلاث أن يأثم. وقال أحمد وإسحاق: لا يزيد على الثلاث إلا رجل مبتلى]. وهذه صفة ثالثة من صفات الوضوء، وهي أن يعمم العضو ثلاثاً، فيغسل وجهه ثلاثاً، ثم يغسل يده اليمنى ثلاثاً، ثم يده اليسرى ثلاثاً ثم يمسح رأسه مرة، ثم يغسل رجله اليمنى ثلاثاً، ثم رجله اليسرى ثلاثاً، وهذا أكمل أنواع الوضوء، فأكملها أن يعمم كل عضو ثلاثاً، وليس له أن يزيد على الثلاث. وهذا أيضاً ثابت في الصحيحين. قوله: (حديث علي أحسن شيء في هذا الباب وأصح؛ لأنه قد روي من غير وجه عن علي ﵁، والعمل على هذا عند عامة أهل العلم: أن الوضوء يجزئ مرة مرة، ومرتين أفضل، وأفضله ثلاث، وليس بعده شيء) وهو كما قال أبو عيسى ﵀: يجزئ عن الوضوء مرة، ومرتين مرتين، وثلاثاً ثلاثاً، وهو الأفضل، وليس بعده شيء. وهناك صفة رابعة، وهي الوضوء مخالفاً، بأن يغسل بعض الأعضاء مرة، وبعضها مرتين، وبعضها ثلاثاً، وهذا جائز أيضاً. قوله: (إلا رجل مبتلى) أي: مبتلى بالوسواس، ولذا فلا ينبغي للإنسان أن يزيد على الثلاث، وقد جاء في بعض الروايات: (من زاد فقد تعدى وأساء وظلم).

стр. 54

ما جاء في الوضوء مرة ومرتين وثلاثاً

стр. 55

شرح حديث توضؤ النبي ﷺ مرة مرة ومرتين مرتين وثلاثاً ثلاثاً قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ما جاء في الوضوء مرة ومرتين وثلاثاً. حدثنا إسماعيل بن موسى الفزاري حدثنا شريك عن ثابت بن أبي صفية قال: قلت لـ أبي جعفر: حدثك جابر: (أن النبي ﷺ توضأ مرة مرة، ومرتين مرتين، وثلاثاً ثلاثاً)؟ قال: نعم. قال أبو عيسى: وروى وكيع هذا الحديث عن ثابت بن أبي صفية قال: قلت لـ أبي جعفر: (حدثك جابر ﵁ أن النبي ﷺ توضأ مرة مرة؟ قال: نعم، وحدثنا بذلك هناد وقتيبة؟ قال: حدثنا وكيع عن ثابت بن أبي صفية). قال أبو عيسى: وهذا أصح من حديث شريك؛ لأنه قد روي من غير وجه هذا عن ثابت نحو رواية وكيع، وشريك كثير الغلط. وثابت بن أبي صفية هو أبو حمزة الثمالي]. وهذه هي الصفة الرابعة للوضوء، وهي أن يتوضأ مخالفاً، فيغسل بعض الأعضاء مرة، ويغسل بعضها مرتين، وبعضها ثلاثاً، فهذه الصفات الأربع السابقة كلها جائزة، وأكملها أن يتوضأ ثلاثاً ثلاثاً.

стр. 56

ما جاء فيمن يتوضأ بعض وضوئه مرتين وبعضه ثلاثاً

стр. 57

شرح حديث عبد الله بن زيد في صفة وضوء النبي ﷺ قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ما جاء فيمن يتوضأ بعض وضوئه مرتين وبعضه ثلاثاً. حدثنا محمد بن أبي عمر حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن عبد الله بن زيد: (أن النبي ﷺ توضأ، فغسل وجهه ثلاثاً، وغسل يديه مرتين مرتين، ومسح برأسه، وغسل رجليه مرتين). قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. وقد ذكر في غير حديث: (أن النبي ﷺ توضأ بعض وضوئه مرة وبعضه ثلاثاً). وقد رخص بعض أهل العلم في ذلك: لم يروا بأساً أن يتوضأ الرجل بعض وضوئه ثلاثاً، وبعضه مرتين أو مرة]. وهذا فيه جواز أن يغسل بعض الأعضاء مرتين، وبعضها ثلاثاً. والحديث أخرجه الشيخان.

стр. 58

شرح جامع الترمذي_ أبواب الطهارة [٥] بينت السنة النبوية أكمل صفات الوضوء، وكيف كان وضوء النبي ﷺ ، كما ذكرت بعض الأحكام المتعلقة بالوضوء، كحكم وضوء الرجل بفضل طهور المرأة، وحكم الإسراف بالماء في الوضوء، وحكم التمندل بعد الوضوء.

стр. 59

ما جاء في وضوء النبي ﷺ كيف كان قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ما جاء في وضوء النبي ﷺ كيف كان؟ حدثنا هناد وقتيبة قالا: حدثنا أبو الأحوص عن أبي إسحاق عن أبي حية قال: (رأيت علياً توضأ فغسل كفيه حتى أنقاهما، ثم مضمض ثلاثاً، واستنشق ثلاثاً، وغسل وجهه ثلاثاً، وذراعيه ثلاثاً، ومسح برأسه مرة، ثم غسل قدميه إلى الكعبين، ثم قام فأخذ فضل طهوره فشربه وهو قائم، ثم قال: أحببت أن أريكم كيف كان طهور رسول الله ﷺ . قال أبو عيسى: وفي الباب عن عثمان وعبد الله بن زيد وابن عباس وعبد الله بن عمرو والربيع وعبد الله بن أنيس وعائشة رضوان الله عليهم]. هذا الحديث فيه مشروعية استحباب الوضوء ثلاثاً، حيث يغسل كل عضو ثلاثاً ثلاثاً، وهي أكمل ما ورد في الوضوء من الصفات، ولم يذكر هنا أنه غسل الرجلين ثلاثاً، ولا شك أنه يعمل على أنه غسل رجليه ثلاثاً، وهذا الكيفية ثابتة عنه ﷺ في النسائي وفي الصحيح وفي غيره، وهو ثابت أيضاً من حديث حمران وزيد وعبد الله بن زيد وعبد الله بن برجس، وفيه مشروعية الغسل ثلاثاً، وهذا مستحب، ويجوز الوضوء مرتين مرتين، ومرة مرة، ويجوز مخالفاً. قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا قتيبة وهناد قالا: حدثنا أبو الأحوص عن أبي إسحاق عن عبد خير ذكر عن علي مثل حديث أبي حية إلا أن عبد خير قال: (كان إذا فرغ من طهوره أخذ من فضل طهوره بكفه فشربه). وفيه جواز الشرب قائماً، وأن النهي محمول على التنزيه، وفيه استعمال فضل الوضوء في الشرب، ولهذا شرب علي فضله قائماً، وقال: إن ناساً يكرهون هذا. فبين لهم أن هذا لا كراهة فيه. [قال أبو عيسى: حديث علي رواه أبو إسحاق الهمداني عن أبي حية وعبد خير والحارث عن علي. وقد رواه زائدة بن قدامة وغير واحد عن خالد بن علقمة عن عبد خير عن علي ﵁ حديث الوضوء بطوله، وهذا حديث حسن صحيح. قال: وروى شعبة هذا الحديث عن خالد بن علقمة فأخطأ في اسمه واسم أبيه، فقال: مالك بن عرفطة عن عبد خير عن علي. قال: وروي عن أبي عوانة عن خالد بن علقمة عن عبد خير عن علي. قال: وروي عنه: عن مالك بن عرفطة، مثل رواية شعبة. والصحيح: خالد بن علقمة]. وهذا الحديث ثابت.

стр. 60

ما جاء في النضح بعد الوضوء قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ما جاء في النضح بعد الوضوء. حدثنا نصر بن علي الجهضمي وأحمد بن أبي عبيد الله السليمي البصري قالا: حدثنا أبو قتيبة سلم بن قتيبة عن الحسن بن علي الهاشمي عن عبد الرحمن الأعرج عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (جاءني جبريل فقال: يا محمد! إذا توضأت فانتضح). قال أبو عيسى: هذا حديث غريب. قال: وسمعت محمداً يقول: الحسن بن علي الهاشمي منكر الحديث. قال: وفي الباب عن أبي الحكم بن سفيان وابن عباس وزيد بن حارثة وأبي سعيد الخدري. وقال بعضهم: سفيان بن الحكم أو الحكم بن سفيان. واضطربوا في هذا الحديث]. قوله: (هذا حديث غريب) قد أخرجه ابن ماجة. وقوله: (وسمعت محمداً يقول: الحسن بن علي الهاشمي منكر الحديث). قال في شرح النخبة: قولهم: متروك، أو ساقط، أو فاحش الغلط، أو منكر الحديث، أشد من قولهم: ضعيف، أو: ليس بالقوي، أو: فيه مقال. اهـ. قال الذهبي في الميزان: ضعفه أحمد والنسائي وأبو حاتم والدارقطني، وقال البخاري: منكر الحديث. اهـ. قلت: حديث الباب ضعيف، وفي الباب أحاديث عديدة، يدل بمجموعها على أن له أصلاً. وقد بوب الترمذي: النضح بعد الوضوء، والنسائي قال في سننه: باب النضح، والأحاديث في هذا ضعيفة، لكن الشارح يرى أن مجموعها يدل على أن له أصل؛ لأن هذا إنما يفعل إذا كان عنده وسواس، فيرش ما حوله حتى تزول عنه الوساوس، لئلا يتوهم أنه خرج من ذكره شيء. قال أبو بكر بن العربي: اختلف العلماء في تأويل الحديث على أربعة أقوال: معناه: إذا توضأت فصُبَّ الماء على العضو صباً، ولا تقتصر على مسحه؛ فإنه لا يجزئ فيه إلا الغسل. معناه: استبرئ الماء -أي: استبرئ البول -بنثر الذكر والتنحنح، يقال: نضحت: استبرأت، وانتضحت: تعاطيت الاستبراء له. الثالث معناه -وهذا هو المتبادر إلى الذهن-: إذا توضأت فرُشَّ الإزار الذي يلي الفرج؛ ليكون ذلك مُذهباً للوسواس. الرابع معناه: الاستنجاء بالماء إشارة إلى الجمع بينه وبين الأحجار، فإن الحجر يخفف الوسخ، والماء يطهره، وقد حدثني أبو مسلم المهدي قال: من الفقه الرائق: الماء يذهب الماء، معناه: أن من استنجى بالأحجار لا يزال البول يرشح فيجد منه البلل، فإذا استعمل الماء نسب الخاطر ما يجد من البلل إلى الماء، وارتفع الوسواس. انتهى كلام ابن العربي ملخصاً. وقال الخطابي في معالم السنن: الانتضاح هاهنا: الاستنجاء بالماء، وكان من عادة أكثرهم أن يستنجوا بالحجارة ولا يمسون الماء، وقد يتأول الانتضاح أيضاً على رش الفرج بالماء بعد الاستنجاء؛ ليدفع بذلك وسوسة الشيطان. اهـ. وذكر النووي عن الجمهور أن الثاني هو المراد هاهنا، وهو: رش الفرج، والانتضاح: رش الماء. وفي جامع الأصول: الانتضاح: رش الماء على الثوب ونحوه، والمراد به أن يرش على فرجه بعد الوضوء ماءً؛ ليذهب عنه الوسواس الذي يعرض له، لتوهمه خروج شيء من ذكره، فإذا كان ذلك المكان بللاً ذهب ذلك الوسواس. وقيل: أراد بالانتضاح: الاستنجاء بالماء؛ لأن الغالب أنه كان من عادتهم أنهم يستنجون بالحجارة. اهـ. قلت: والحق أن المراد بالانتضاح في هذا الحديث هو الرش على الفرج بعد الوضوء، وكما يدل عليه ألفاظ أكثر الأحاديث الواردة في هذا الباب. قوله: (وقال بعضهم) -أي: بعض الرواة-: (سفيان بن الحكم أو الحكم بن سفيان) بالشك. وقوله: (واضطربوا في الحديث) أي: في إسناد هذا الحديث. قال الحافظ ابن الأثير: ورواه روح بن القاسم وشعبة وشيبان ومعمر وأبو عوانة وزائدة وجرير بن عبد الحميد وإسرائيل وهري بن سفيان مثل سفيان على الشك، وقال شعبة وأبو عوانة وجرير: عن الحكم أو ابن الحكم. ورواه عامر وأصحاب الثوري على الشك، إلا عفيف بن سالم والفريابي، فإنهما روياه فقالا: الحكم بن سفيان من غير شك، ورواه زيد بن خالد عن منصور عن الحكم عن أبيه، ورواه مسعر عن منصور فقال: عن رجل من ثقيف. ولم يسمّه. وممن رواه ولم يشك: سلام بن أبي مطيع وقيس بن الربيع وشريك، فقالوا: عن الحكم بن سفيان، ولم يشكوا. فالأرجح أنه الحكم بن شريك.

стр. 61

ما جاء في إسباغ الوضوء قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ما جاء في إسباغ الوضوء. حدثنا علي بن حجر أخبرنا إسماعيل بن جعفر عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: (ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط)]. والإسباغ: الإبلاغ، وهو الإتمام حتى يعمم العضو. قوله: (وكثرة الخطا إلى المساجد) أي: أن يمشي إلى المساجد، فيكون المسجد بعيداً عنه فيكثر الخطا إليه. وقوله: (وانتظار الصلاة بعد الصلاة) أي: انتظارها بقلبه وعنايته به، ويبدو أن معناه: أن يكون جالساً في المسجد، لكن قد ينتظرها وهو يذهب لحوائجه، وكل هذا بعنايته وقلبه، فيكون قلبه معلقاً بالمسجد حتى يعود إليه، كما في الحديث الآخر: (ورجل قلبه معلق بالمساجد)، وما كان النبي ﷺ يجلس في المسجد، بل كان يخرج من المسجد يبلغ الدين، ويقابل الوفود، ويصل الرحم، ويدعو إلى الله، وهكذا الإنسان يخرج لقضاء حوائجه، والكسب لأولاده، وصلة رحمه، ومقابلة إخوانه، وإذا جاء وقت الصلاة ذهب إلى المسجد، وإذا جلس في المسجد في وقت فراغه فهذا نور على نور. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وحدثنا قتيبة حدثنا عبد العزيز بن محمد عن العلاء نحوه. وقال قتيبة في حديثه: (فذلكم الرباط، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط) ثلاثاً. قال أبو عيسى: وفي الباب عن علي وعبد الله بن عمرو وابن عباس وعَبيدة ويقال عُبيدة بن عمرو وعائشة وعبد الرحمن بن عائش الحضرمي وأنس. قال أبو عيسى: حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح. والعلاء بن عبد الرحمن هو ابن يعقوب الجهني الحرقي، وهو ثقة عند أهل الحديث].

стр. 62

ما جاء في التمندل بعد الوضوء قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ما جاء في التمندل بعد الوضوء. حدثنا سفيان بن وكيع بن الجراح حدثنا عبد الله بن وهب عن زيد بن حباب عن أبي معاذ عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: (كان لرسول الله ﷺ خرقة ينشف بها بعد الوضوء). قال أبو عيسى: حديث عائشة ليس بالقائم، ولا يصح عن النبي ﷺ في هذا الباب شيء. وأبو معاذ يقولون هو سليمان بن أرقم، وهو ضعيف عند أهل الحديث. قال: وفي الباب عن معاذ بن جبل]. وهذا الحديث ضعيف؛ لكن الذي جاء هو التنشف في الغسل، أما التنشف في الوضوء فمسكوت عنه، وعلى هذا فلا يصح أن النبي ﷺ كان له منديل يتنشف به، بل العلماء يقولون: ويباح أن ينشف أعضاءه. وهذا في الوضوء، أما في الغسل فالأصل ألا يتنشف، كما في حديث ميمونة قالت: (فأتيته بخرقة فلم يردها، فجعل ينثر الماء بيديه في الغسل)، وإن تنشف فلا حرج. قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا قتيبة حدثنا رشدين بن سعد عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم عن عتبة بن حميد عن عبادة بن نسي عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ بن جبل ﵁ قال: (رأيت النبي ﷺ إذا توضأ مسح وجهه بطرف ثوبه)]. وهذا الحديث ضعيف؛ لأن فيه رشدين بن سعد، وفيه أيضاً عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، وهما ضعيفان. وفيه أنه إذا توضأ مسح وجهه بثوبه. [قال أبو عيسى: هذا حديث غريب، وإسناده ضعيف]. وصدق المصنف في ذلك. [ورشدين بن سعد وعبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي يضعفان في الحديث. وقد رخص قوم من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم في المنديل بعد الوضوء]. يعني أنه مباح، لكن هذا لا يثبت عن النبي ﷺ . قال الميموني: سمعت أحمد بن حنبل يقول: رشدين بن سعد ليس يبالي عمن روى، لكنه رجل صالح. أي: صالح في نفسه، بمعنى: أنه عابد صالح، لكن روايته ضعيفة. قال المصنف ﵀: [ومن كرهه إنما كرهه من قبل أنه قيل: إن الوضوء يوزن، وروي ذلك عن سعيد بن المسيب والزهري]. يعني: أن من كره التمسح والتنشف بعد الوضوء، إنما كرهه لإزالته القطرات، وهي توزن، فهذا وجه من كره التنشف: أنه يرى أن الوضوء يوزن. والله أعلم بالصواب. وبعضهم أعلّه، وهذا يحتاج إلى دليل. قال المصنف ﵀: [حدثنا محمد بن حميد الرازي حدثنا جرير قال حدثنيه علي بن مجاهد عني، وهو عندي ثقة عن ثعلبة عن الزهري قال: إنما كره المنديل بعد الوضوء؛ لأن الوضوء يوزن]. بعض الرواة قد يحدث بالحديث ثم تمضي مدة طويلة وينسى، فيقال له: هل حدثت بهذا قبل إحدى عشرة سنة؟ فيقول: ما حدثت بهذا، فيقال له: بل حدثت به، لأنه من الضابطين، ثم يروي الحديث عن تلميذه ويحدث به، فيقول: حدثني تلميذي عني أني أخبرته، فيريوه عنه تلميذه عن نفسه، وهذا كما حصل هنا. وهذا الحديث ضعيف؛ لأن فيه ابن حميد الرازي، وهو حافظ ضعيف، وكان ابن معين حسن الرأي فيه.

стр. 63

فيما يقال بعد الوضوء قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب فيما يقال بعد الوضوء. حدثنا جعفر بن محمد بن عمران الثعلبي الكوفي حدثنا زيد بن حباب عن معاوية بن صالح عن ربيعة بن يزيد الدمشقي عن أبي إدريس الخولاني وأبي عثمان عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله ﷺ : (من توضأ فأحسن الوضوء، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين، فُتحت له ثمانية أبواب الجنة يدخل من أيها شاء)]. قال أبو عيسى: وفي الباب عن أنس وعقبة بن عامر. قال أبو عيسى: حديث عمر قد خولف زيد بن حباب في هذا الحديث. قال: وروى عبد الله بن صالح وغيره عن معاوية بن صالح عن ربيعة بن يزيد عن أبي إدريس عن عقبة بن عامر عن عمر، وعن ربيعة عن أبي عثمان عن جبير بن نفير عن عمر. وهذا حديث في إسناده اضطراب، ولا يصح عن النبي ﷺ في هذا الباب كبير شيء، قال محمد: وأبو إدريس لم يسمع من عمر شيئاً]. وهذا الحديث في الصحيح، ولفظه في الصحيح: (من توضأ فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء)، وزيادة الترمذي: (اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين). وقد أخطأ الترمذي فيما زعم من اضطراب الإسناد في هذا الحديث، وبأنه لا يصح في الباب كثير شيء، وأصل الحديث صحيح مستقيم الإسناد، وإنما جاء الاضطراب في الأسانيد التي نقلها الترمذي منه أو ممن حدثه بها. قال أحمد بن حنبل في المسند: حدثنا أبو العلاء الحسن بن سوار حدثنا ليث -يعني الليث بن سعد - عن معاوية -هو معاوية بن صالح - عن أبي عثمان عن جبير بن نفير وربيعة بن يزيد عن أبي إدريس الخولاني وعبد الوهاب بن بخت عن الليث بن سليم الجهني، كلهم يحدث عن عقبة بن عامر قال: قال عقبة: (كنا نخدم أنفسنا، وكنا نتداول رعية الإبل بيننا فأصابني رعية الإبل فروحتها بعشي، فأدركت رسول الله ﷺ وهو قائم يحدث الناس، فأدركت من حديثه وهو يقول: ما منكم من أحد يتوضأ فيسبغ الوضوء ثم يقوم فيركع ركعتين يقبل عليهما بقلبه ووجهه إلا وجبت له الجنة وغفر له، قال: فقلت: ما أجود هذا! قال: فقال قائل بين يدي: التي كان قبلها يا عقبة! أجود منها، فنظرت فإذا عمر بن الخطاب، قال: فقلت: وما هي يا أبا حفص؟ قال: إنه قال قبل أن تأتي: ما منكم من أحد يتوضأ فيسبغ الوضوء، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء). فهذا أصل الحديث، وهذا أجود أسانيده وأوضحها. وحديث عمر هذا أخرجه مسلم في صحيحه من وجه آخر بدون زيادة: (اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين)، وذكر الترمذي أن في إسناده اضطرب ولا يصح فيه شيء كبير. قال الحافظ في (التلخيص) بعد ذكر كلام الترمذي هذا ما لفظه: لكن رواية مسلم سالمة من هذا الاعتراض.

стр. 64

ما جاء في الوضوء بالمد قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ما جاء في الوضوء بالمد. حدثنا أحمد بن منيع وعلي بن حجر قالا: حدثنا إسماعيل بن علية عن أبي ريحانة عن سفينة ﵁: (أن النبي ﷺ كان يتوضأ بالمد، ويغتسل بالصاع)]. وهذا ثابت في الصحيحين: (أن النبي ﷺ كان يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع). والمد: حفنة ملئ كفي الرجل المتوسط. والصاع: أربعة أمداد. وثبت عنه ﷺ : (أنه توضأ بثلثي المد)، وقد اغتسل بالمد إلى خمسة أمداد. قال المصنف ﵀: [قال: وفي الباب عن عائشة وجابر وأنس بن مالك. قال أبو عيسى: حديث سفينة ﵁ حديث حسن صحيح]. والحديث قد أخرجه مسلم. قال المصنف ﵀: [وأبو ريحانة اسمه: عبد الله بن مطر. وهكذا رأى بعض أهل العلم الوضوء بالمد والغسل بالصاع. قال الشافعي وأحمد وإسحاق: ليس معنى هذا الحديث على التوقيت: أنه لا يجوز أكثر منه ولا أقل منه: وهو قدر ما يكفي]. هذا فعل النبي ﷺ ، فإذا اكتفى الإنسان بالصاع فلا بأس، وإلا زاد، لكن بلا يسرف.

стр. 65

ما جاء في كراهية الإسراف في الوضوء بالماء قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ما جاء في كراهية الإسراف في الوضوء بالماء. حدثنا محمد بن بشار قال حدثنا أبو داود الطيالسي قال حدثنا خارجة بن مصعب عن يونس بن عبيد عن الحسن عن عتي بن ضمرة السعدي عن أبي بن كعب ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إن للوضوء شيطاناً يقال له: الولهان، فاتقوا وسواس الماء). قال: وفي الباب عن عبد الله بن عمرو وعبد الله بن مغفل. قال أبو عيسى: حديث أبي بن كعب ﵁ حديث غريب، وليس إسناده بالقوي، والصحيح عند أهل الحديث؛ لأنّا لا نعلم أحداً أسنده غير خارجة، وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن الحسن: قوله -يعني: من قول الحسن - ولا يصح في هذا الباب عن النبي ﷺ شيء وخارجة ليس بالقوي عند أصحابنا، وضعفه ابن المبارك]. قوله: (لأنا لا نعلم أحداً أسنده) أي: رواه مرفوعاً. وقوله: (وخارجة ليس بالقوي عند أصحابنا) أي: عند أهل الحديث، قاله الطيبي. قال الذهبي عن خارجة في الميزان: وهّاه أحمد، وقال ابن معين: ليس بثقة، وقال أيضاً: كذاب، وقال البخاري: تركه ابن المبارك ووكيع، وقال الدارقطني وغيره: ضعيف. قال الذهبي: انفرد بخبر: (إن للوضوء شيطاناً يقال له الولهان). وهذا إنما ثابت في الشيطان الذي في الصلاة، وهو شيطان يقال له: خنزب، لما قال له عثمان بن أبي العاص ﵁: إن الشيطان يلبس علي الصلاة، قال: (ذاك شيطان يقال له خنزب)، فهذا ثابت، وأما الشيطان الذي يقال له: الولهان. فحديثه ضعيف. وخارجة بن مصعب أبي الحجاج الثقفي متروك، وكان يدلس عن الكذابين.

стр. 66

ما جاء في الوضوء لكل صلاة قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ما جاء في الوضوء لكل صلاة. حدثنا محمد بن حميد الرازي حدثنا سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق عن حميد عن أنس ﵁: (أن النبي ﷺ كان يتوضأ لكل صلاة طاهراً أو غير طاهر، قال: قلت لـ أنس: فكيف كنتم تصنعون أنتم؟ قال: كنا نتوضأ وضوءاً واحداً). قال أبو عيسى: وحديث حميد عن أنس حديث حسن غريب من هذا الوجه، والمشهور عند أهل الحديث حديث عمرو بن عامر الأنصاري عن أنس ﵁. وقد كان بعض أهل العلم يرى الوضوء لكل صلاة استحباباً، لا على الوجوب]. محمد بن حميد الرازي حافظ ضعيف، وحميد مدلس. وسلمة بن الفضل الأبرش -بالمعجمة- مولى الأنصار، صدوق، وابن إسحاق هو: صاحب المغازي. قوله: (حسن غريب) تفرد به محمد بن إسحاق وهو مدلس، وقد رواه عن حميد معنعناً. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقد روي في حديث عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: (من توضأ على طهر كتب الله له به عشر حسنات). قال: وروى هذا الحديث الإفريقي عن أبي غطيف عن ابن عمر عن النبي ﷺ . حدثنا بذلك الحسين بن حريث المروزي حدثنا محمد بن يزيد الواسطي عن الإفريقي وهو إسناد ضعيف]. وسند هذا الحديث قد مر في أبي داود أنه ضعيف، وكذلك زيادة زيد بن جدعان عند السيوطي، وهو ضعيف. قال المصنف ﵀: [قال علي بن المديني: قال يحيى بن سعيد القطان: ذكر لـ هشام بن عروة هذا الحديث فقال: هذا إسناد مشرقي]. يعني: رواته من أهل المشرق. قال المصنف ﵀: [قال: سمعت أحمد بن الحسن يقول: سمعت أحمد بن حنبل يقول: ما رأيت بعيني مثل يحيى بن سعيد القطان]. قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن بشار حدثنا يحيى بن سعيد وعبد الرحمن -هو ابن مهدي - قالا: حدثنا سفيان بن سعيد عن عمرو بن عامر الأنصاري قال سمعت أنس بن مالك ﵁ يقول: (كان النبي ﷺ يتوضأ عند كل صلاة، قلت: فأنتم ما كنتم تصنعون؟ قال: كنا نصلي الصلوات كلها بوضوء واحد ما لم نحدث). قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وحديث حميد عن أنس حديث جيد غريب حسن]. وهذا الحديث رواه البخاري. ولكن النبي ﷺ في غزوة الفتح جمع الصلوات كلها بوضوء واحد، ولما سأله عمر قال: (عمداً فعلته يا عمر!) أي: أنه فعله لبيان الجواز.

стр. 67

ما جاء أنه يصلي الصلوات بوضوء واحد قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ما جاء أنه يصلي الصلوات بوضوء واحد. حدثنا محمد بن بشار حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه ﵁ قال: (كان النبي ﷺ يتوضأ لكل صلاة، فلما كان عام الفتح صلى الصلوات كلها بوضوء واحد، ومسح على خفيه، فقال عمر: إنك فعلت شيئاً لم تكن فعلته، قال: عمداً فعلته)]. في هذا الحديث دليل على جواز أن تصلى الصلوات المتعددة بوضوء واحد، سواء صلى صلاتين أو ثلاثاً أو أربعاً أو خمساً، فإن النبي ﷺ صلى يوم الفتح الصلوات الخمس بوضوء واحد. والحديث أخرجه مسلم وأبو داود وابن ماجة والنسائي والدارمي وابن خزيمة وأحمد. قال المصنف ﵀: [قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. وروى هذا الحديث علي بن قادم عن سفيان الثوري، وزاد فيه: (توضأ مرة مرة). قال: وروى سفيان الثوري هذا الحديث أيضاً عن محارب بن دثار عن سليمان بن بريدة: (أن النبي ﷺ كان يتوضأ لكل صلاة). قال: ورواه وكيع عن سفيان عن محارب عن سليمان بن بريدة عن أبيه. قال: ورواه عبد الرحمن بن مهدي وغيره عن سفيان عن محارب بن دثار عن سليمان بن بريدة عن النبي ﷺ مرسلاً. وهذا أصح من حديث وكيع. والعمل على هذا عند أهل العلم؛ أنه يصلي الصلوات بوضوء واحد ما لم يحدث، وكان بعضهم يتوضأ لكل صلاة استحباباً وإرادة الفضل. ويروى عن الإفريقي عن أبي غطيف عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: (من توضأ على طهر كتب الله له به عشر حسنات)، وهذا إسناد ضعيف. وفي الباب عن جابر بن عبد الله: (أن النبي ﷺ صلى الظهر والعصر بوضوء واحد)]. حديث ابن عمر المذكور هو في سنن أبي داود، وقد رواه أبو داود بسند ضعيف بلفظ: (من توضأ على طهر كتب الله له عشر حسنات)، يعني: توضأ وهو على وضوء؛ وهذا من باب النشاط إذا كان عنده كسل مثلاً، ولابد في تجديد الوضوء أن يكون بين الوضوءين مدة، أما أن يعيد الوضوء بعد وضوئه الأول مباشرة فهذا لا يشرع.

стр. 68

ما جاء في وضوء الرجل والمرأة من إناء واحد قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ما جاء في وضوء الرجل والمرأة من إناء واحد. حدثنا ابن أبي عمر حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن أبي الشعثاء عن ابن عباس ﵄ قال: حدثتني ميمونة ﵂ قالت: (كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد من الجنابة). قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. وهو قول عامة الفقهاء: أن لا بأس أن يغتسل الرجل والمرأة من إناء واحد. قال: وفي الباب عن علي وعائشة وأنس وأم هانئ وأم صبية الجهنية وأم سلمة وابن عمر. قال أبو عيسى: وأبو الشعثاء اسمه: جابر بن زيد]. وفيه جواز اغتسال الرجل وامرأته من إناء واحد، لأنها حل له وهو حل لها، وقد جاء أيضاً: (أنه ﷺ اغتسل هو وعائشة من إناء واحد، وإذا بقي بقية تقول: دع لي، فيقول لها: دعي لي). وهذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم. وجاء أيضاً في الحديث: (كان الرجال والنساء يتوضئون على عهد رسول الله ﷺ جميعاً)، ورواه البخاري في الصحيح، وهو محمول على أحد أمرين: إما أن المراد بالرجال مع النساء من محارمه، أو أن المراد بذلك: غسل الأطراف قبل الحجاب؛ لأن الوضوء هو: غسل الأطراف، يعني: غسل الوجه واليدين.

стр. 69

ما جاء في كراهية فضل طهور المرأة قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ما جاء في كراهية فضل طهور المرأة. حدثنا محمود بن غيلان قال حدثنا وكيع عن سفيان عن سليمان التيمي عن أبي حاجب عن رجل من بني غفار قال: (نهى رسول الله ﷺ عن فضل طهور المرأة). قال: وفي الباب عن عبد الله بن سرجس. قال أبو عيسى: وكره بعض الفقهاء الوضوء بفضل طهور المرأة، وهو قول أحمد وإسحاق: كرها فضل طهورها ولم يريا بفضل سؤرها بأساً]. وهذا النهي محمول على التنزيه؛ لما ثبت عن النبي ﷺ أنه اغتسل بفضل ماء ميمونة، ففعله ﵊ للشيء يدل على أن النهي للتنزيه، لكن تركه أولى، إلا إذا احتاج الإنسان إليه فلا حرج. قوله: (فضل سؤرها) يعني: بقية الأكل والشرب، فالسؤر: ما بقي في الإناء الذي شربت منه، أو من الطعام الذي أكلت منه، لكن هذا إنما هو في فضل الطهور في الوضوء. قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن بشار ومحمود بن غيلان قالا: حدثنا أبو داود عن شعبة عن عاصم قال: سمعت أبا حاجب يحدث عن الحكم بن عمرو الغفاري ﵁: (أن النبي ﷺ نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة) أو قال: (بسؤرها). قال أبو عيسى: هذا حديث حسن. وأبو حاجب اسمه: سوادة بن عاصم. وقال محمد بن بشار في حديثه: (نهى رسول الله ﷺ أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة). ولم يشك فيه محمد بن بشار].

стр. 70

ما جاء في الرخصة بالتطهر بفضل طهور المرأة قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ما جاء في الرخصة في ذلك. حدثنا قتيبة حدثنا أبو الأحوص عن سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس ﵁ قال: (اغتسل بعض أزواج النبي ﷺ في جفنة، فأراد رسول الله ﷺ أن يتوضأ منه، فقالت: يا رسول الله! إني كنت جنباً، فقال: إن الماء لا يجنب). قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. وهو قول سفيان الثوري ومالك والشافعي]. وهذا يدل على أن النهي للتنزيه وليس للتحريم؛ لأن الرسول ﷺ اغتسل بفضلها، وفعله ﵊ للشيء الذي نهى عنه يدل على أن النهي للتنزيه، والقاعدة: أنه إذا نهى عن شيء ثم فعله دل ذلك على أن النهي ليس للتحريم، وإنما هو للتنزيه، والقاعدة أيضاً يقول: أنه إذا أمكن الجمع بين الحديثين فلا يعدل للنسخ. والحنابلة يقولون: لا يجوز الوضوء بفضل المرأة، بشرط أن تكون بالغة، وتخلو به، وتتطهر منه طهارة شاملة من حدث، واختلال شرط من هذه الشروط لا يمنع التطهر به. ولا يقال: إن فعله ﷺ خاص به إلا بدليل يدل على الخصوصية، لأن الشريعة عامة في الأصل. والحديث أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي، وقال الحافظ في البلوغ: وصححه ابن خزيمة، وقال في الفتح: وقد أعله قوم بـ سماك بن حرب راويه عن عكرمة؛ لأنه كان يقبل التلقين، لكن قد رواه عنه شعبة، وهو لا يحمل عن مشايخه إلا صحيح حديثهم. اهـ

стр. 71

شرح جامع الترمذي_ أبواب الطهارة [٦] جاءت السنة النبوية ببيان أن الأصل في الماء الطهارة، وأنه إذا كان قلتين لم يحمل الخبث، كما جاءت أيضاً بالنهي عن البول في الماء الراكد، وطهورية ماء البحر، ونضح بول الغلام قبل أن يطعم، وحكم بول ما يؤكل لحمه.

стр. 72

ما جاء أن الماء لا ينجسه شيء قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ما جاء أن الماء لا ينجسه شيء. حدثنا هناد والحسن بن علي الخلال وغير واحد قالوا: حدثنا أبو أسامة عن الوليد بن كثير عن محمد بن كعب عن عبيد الله بن عبد الله بن رافع بن خديج عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (قيل: يا رسول الله! أنتوضأ من بئر بضاعة، وهي بئر يلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن؟ فقال رسول الله ﷺ : إن الماء طهور لا ينجسه شيء). [قال أبو عيسى: هذا حديث حسن، وقد جود أبو أسامة هذا الحديث، فلم يرو أحد حديث أبي سعيد في بئر بضاعة أحسن مما روى أبو أسامة، وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن أبي سعيد. وفي الباب عن ابن عباس وعائشة]. حديث أبي سعيد هذا يدل على أن الأصل في الماء الطهارة، وأن الماء طهور لا ينجسه شيء، أي: إذا لم تتغير أحد أوصافه، فإذا تغيرت أحد أوصافه بالنجاسة تنجس، وليس المقصود أن المراد ما يلقى فيها، بل المراد: أنها تأتي الريح وتلقي فيها الحيض والنتن ولحوم الكلاب، فقال النبي ﷺ : (إن الماء طهور لا ينجسه شيء).

стр. 73

ما جاء أن الماء إذا كان قلتين لم يحمل الخبث قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا هناد قال حدثنا عبدة عن محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن ابن عمر ﵄ قال: (سمعت رسول الله ﷺ وهو يسأل عن الماء يكون في الفلاة من الأرض وما ينوبه من السباع والدواب؟ قال: فقال رسول الله ﷺ : إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث)]. هذا هو حديث القلتين، وقد اختلف العلماء في تصحيحه وتضعيفه، والراجح أنه لا بأس بسنده، وقد أخذ به جمهور العلماء والفقهاء، وقالوا: إن القلتين حد فاصل، فإذا بلغ الماء القلتين فإنه لا يحمل الخبث ولا يتنجس إلا إذا تغير أحد أوصافه الثلاثة، أما إذا كان دون القلتين فإنه ينجس ولو لم تتغير أوصافه، فعملوا بمفهوم الحديث. فقالوا: إن الحديث له منطوق وله مفهوم، فمنطوقه: أن الماء إذا بلغ القلتين فإنه لا ينجس ولا يحمل الخبث إلا إذا تغير أحد أوصافه، وهذا بالإجماع، أما إذا لم يبلغ القلتين فإنه ينجس بمجرد الملاقاة ولو لم تتغير أوصافه؛ عملاً بمفهوم الحديث. وذهب بعض المحققين كشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وجماعة من أهل العلم: إلى أن الماء لا ينجس إلا بالملاقاة، قليلاً كان أو كثيراً، وقالوا: إن مفهوم حديث القلتين ألغاه حديث أبي سعيد: (إن الماء طهور لا ينجسه شيء)، فهذا الحديث ألغى مفهوم حديث القلتين، والمنطوق مقدم على المفهوم، وهذا هو الصواب. وجمهور العلماء قد أخذوا بحديث القلتين كما ذكرنا -حديث ابن عمر - وقالوا: إن ما كان دون القلتين فإنه ينجس، والقلة تقارب قربتين ونصف، يعني: تكون إلى خمس قرب، وقد حددها بعضهم بأنها: ذراع وربع، طولاً وعرضاً وعمقاً، فإذا كان هناك حفرة طولها ذراع وربع، وعرضها ذراع وربع، وعمقها ذراع وربع، فهذه هي القلتان. والحديث يفيد أنه ينبغي للإنسان أن ينتبه ويتأمل في الماء القليل إذا أصابه نجاسة، هل تغير أو لا؟ فأما إذا كان أكثر من القلتين فالغالب في هذه الحالة أنه لا يتغير. وبعض المساجد يكون فيها خزان واسع، فتسقط فيه طيور أو حمام، فإذا تغير الطعم أو اللون أو الريح فإنه ينجس، ويلزم إزالة هذا الماء كله، وأما ما جاء في الفأرة لما وقعت في السمن، قال: (ألقوها وما حولها وكلوه) فهذا في السمن الجامد، والمعروف أن السمن أقل ميوعة من الماء، فالماء ما فيه إشكال، وفي رواية: (إن كان جامداً فألقوها وما حولها، وإن كان ذائباً فلا تقربوه)، لكن هذه رواية ضعيفة. قال المصنف ﵀: [قال عبدة: قال محمد بن إسحاق: القلة هي الجرار، والقلة التي يستقى فيها. قال أبو عيسى: وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق، قالوا: إذا كان الماء قلتين لم ينجسه شيء، ما لم يتغير ريحه أو طعمه، وقالوا: يكون نحواً من خمس قرب]. واستدلوا بحديث الباب، وأما حديث الشافعي وأحمد، فهو حديث صحيح قابل للاحتجاج، وقد ضعفه جماعة، لكن الحق أنه صحيح، قال الحافظ أبو بكر العراقي في أماليه: قد صحح هذا الحديث الجم الغفير من الأئمة الحفاظ: الشافعي وأبو عبيد وأحمد وإسحاق ويحيى بن معين وابن خزيمة والطحاوي وابن حبان والدارقطني وابن مندة والحاكم والخطابي والبيهقي وابن حزم وآخرون. وقال الحافظ في (فتح الباري): رواته ثقات، وصححه جماعة من أهل العلم. وقال فيه أيضاً: الفصل بالقلتين أقوى لصحة الحديث فيه، وقد اعترض الطحاوي من الحنفية بذلك، وقال في بلوغ المرام: صححه ابن خزيمة وابن حبان. وقال في (التلخيص): قال الحاكم: صحيح على شرطهما، وقد احتج بجميع رواته، وقال ابن مندة: إسناده على شرط مسلم، وقال ابن معين: الحديث جيد الإسناد، وقال ابن دقيق العيد: هذا الحديث قد صححه بعضهم، وهو صحيح على طريق الفقهاء؛ لأنه وإن كان مضطرب الإسناد مختلفاً في بعض ألفاظه، فإنه يجاب عنه بجواب صحيح بأن يمكن الجمع بين الروايات. انتهى ما في (التلخيص). والذين لم يقولوا بحديث القلتين، فمنهم من صرح بصحته، واعتبر العمل به من الإجمال في معنى القلة، قال الحافظ في (الفتح) قول: من لا يعتبر إلا التغير وعدمه قوي، لكن الفصل بالقلتين أقوى؛ لصحة الحديث، وقد اعترف الطحاوي من الحنفية بذلك، لكنه اعتذر عن القول به، فإن القلة في العرف تطلق على الكبيرة والصغيرة، كالجرة، ولم يثبت من الحديث تقديرهما، فيكون، مجملاً فلا يعمل به، وقواه ابن دقيق العيد، لكن استدل له غيرهما، فقال أبو عبيد القاسم بن سلام: المراد القلة الكبيرة، إذ لو أراد الصغيرة لم يحتج لذكر العدد، فإن الصغير بين].

стр. 74

ما جاء في كراهية البول في الماء الراكد قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ما جاء في كراهية البول في الماء الراكد. حدثنا محمود بن غيلان حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يتوضأ منه). قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. وفي الباب عن جابر]. فيه دليل على تحريم البول في الماء الراكد، وأن النهي هنا للتحريم، فلا يجوز للإنسان أن يبول في الماء الراكد. والمعنى: لا يبولن في الماء الراكد ولو لم يغتسل فيه؛ لأنه قد يحتاج إلى الاغتسال فيه؛ فيقذره على غيره، فإذا بال هذا وهذا تقذر هذا الماء. ونقل عن مالك: أنه حمل النهي على التنزيه فيما لا يتغير، وهو قول الباقين في الكثير، قال القرطبي: يمكن حمله على التحريم مطلقاً على قاعدة سد الذريعة؛ لأنه يفضي إلى تنجيس الماء، وهذا هو الصواب.

стр. 75

ما جاء في ماء البحر أنه طهور قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ما جاء في ماء البحر أنه طهور. حدثنا قتيبة عن مالك ح وحدثنا الأنصاري إسحاق بن موسى قال حدثنا معن قال حدثنا مالك عن صفوان بن سليم عن سعيد بن سلمة -من آل ابن الأزرق- أن المغيرة بن أبي بردة -وهو من بني عبد الدار - أخبره أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: (سأل رجل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ من ماء البحر؟ فقال رسول الله ﷺ : هو الطهور ماؤه الحل ميتته)]. هذا الحديث فيه دليل على طهورية ماء البحر وفيه أنه ينبغي للمفتي أن يزيد السائل إذا كان يحتاج لذلك، فإن السائل قد سأل النبي ﷺ عن التطهر بماء البحر، فأخبره النبي ﷺ بحكم ميتته؛ لأنه قد يحتاج إلى معرفة حكم الميتة ما دام أنه يركب البحر، فلهذا قال: (هو الطهور ماؤه، الحل ميتته)، ففيه زيادة المفتي على سؤال المستفتي إذا كان متعلقاً به ويحتاج إليه. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وفي الباب عن جابر والفراسي ﵄. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. وهو قول أكثر الفقهاء من أصحاب النبي ﷺ ، منهم: أبو بكر وعمر وابن عباس ﵃، لم يروا بأساً بماء البحر. وقد كره بعض أصحاب النبي ﷺ الوضوء بماء البحر، منهم: ابن عمر وعبد الله بن عمرو، وقال عبد الله بن عمرو: وهو نار]. يعني: أصل النار. قال المباركفوري في شرح الترمذي: قوله: (وقال عبد الله بن عمرو: وهو نار) قال القاضي أبو بكر بن العربي: أراد به طبق النار؛ لأنه ليس بنار في نفسه. انتهى. وقيل: إنه أراد أنه ضار يورث المرض. ما قال ابن العربي هو الراجح وهو الظاهر، قال الشوكاني في (النيل): فإن قيل: كيف شكّوا في جواز الوضوء بماء البحر؟ قلنا: يحتمل أنهم لما سمعوا قوله ﷺ : (لا تركب البحر إلا حاجاً، أو معتمراً، أو غازياً في سبيل الله؛ فإن تحت البحر ناراً، وتحت النار بحراً) أخرجه أبو داود وسعيد بن منصور في سننه عن ابن عمر ﵄ مرفوعاً؛ فظنوا أنه لا يجزئ التطهر به، وقد روي موقوفاً على ابن عمر بلفظ: (ماء البحر لا يجزئ من وضوء ولا جنابة؛ إن تحت البحر ناراً، ثم ماءً، ثم ناراً حتى عدّ سبعة أبحر وسبعة أنيار). وروي أيضاً عن ابن عمرو بن العاص ﵄ أنه لا يجزئ التطهر به، ولا حجة في أقوال الصحابة، لاسيما إذا عارضت المرفوع والإجماع. وحديث ابن عمر المرفوع قال فيه أبو داود: رواته مجهولون، وقال الخطابي: ضعفوا إسناده، وقال البخاري: ليس هذا الحديث بصحيح، وله طريق أخرى عند البزار، وفيها ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف. قال الشيخ أحمد شاكر: هذا رأي لـ عبد الله بن عمر إن صح إسناده إليه. قال صاحب التحفة: وقد صحح هذا الحديث غير الترمذي، كـ ابن المنذر وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وابن مندة وأبو محمد البغوي، كذا في (قوت المفتدي)، والحديث أخرجه أيضاً مالك والشافعي عنه، والأربعة، وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والبيهقي، وصححه البخاري فيما حكى عنه الترمذي، كذا (في التلخيص).
следующие страницы →