Полный текст (266 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
شرح جامع الترمذي_ أبواب الطهارة [٦]
جاءت السنة النبوية ببيان أن الأصل في الماء الطهارة، وأنه إذا كان قلتين لم يحمل الخبث، كما جاءت أيضاً بالنهي عن البول في الماء الراكد، وطهورية ماء البحر، ونضح بول الغلام قبل أن يطعم، وحكم بول ما يؤكل لحمه.
стр. 72
ما جاء أن الماء لا ينجسه شيء
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ما جاء أن الماء لا ينجسه شيء.
حدثنا هناد والحسن بن علي الخلال وغير واحد قالوا: حدثنا أبو أسامة عن الوليد بن كثير عن محمد بن كعب عن عبيد الله بن عبد الله بن رافع بن خديج عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (قيل: يا رسول الله! أنتوضأ من بئر بضاعة، وهي بئر يلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن؟ فقال رسول الله ﷺ : إن الماء طهور لا ينجسه شيء).
[قال أبو عيسى: هذا حديث حسن، وقد جود أبو أسامة هذا الحديث، فلم يرو أحد حديث أبي سعيد في بئر بضاعة أحسن مما روى أبو أسامة، وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن أبي سعيد.
وفي الباب عن ابن عباس وعائشة].
حديث أبي سعيد هذا يدل على أن الأصل في الماء الطهارة، وأن الماء طهور لا ينجسه شيء، أي: إذا لم تتغير أحد أوصافه، فإذا تغيرت أحد أوصافه بالنجاسة تنجس، وليس المقصود أن المراد ما يلقى فيها، بل المراد: أنها تأتي الريح وتلقي فيها الحيض والنتن ولحوم الكلاب، فقال النبي ﷺ : (إن الماء طهور لا ينجسه شيء).
стр. 73
ما جاء أن الماء إذا كان قلتين لم يحمل الخبث
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا هناد قال حدثنا عبدة عن محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن ابن عمر ﵄ قال: (سمعت رسول الله ﷺ وهو يسأل عن الماء يكون في الفلاة من الأرض وما ينوبه من السباع والدواب؟ قال: فقال رسول الله ﷺ : إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث)].
هذا هو حديث القلتين، وقد اختلف العلماء في تصحيحه وتضعيفه، والراجح أنه لا بأس بسنده، وقد أخذ به جمهور العلماء والفقهاء، وقالوا: إن القلتين حد فاصل، فإذا بلغ الماء القلتين فإنه لا يحمل الخبث ولا يتنجس إلا إذا تغير أحد أوصافه الثلاثة، أما إذا كان دون القلتين فإنه ينجس ولو لم تتغير أوصافه، فعملوا بمفهوم الحديث.
فقالوا: إن الحديث له منطوق وله مفهوم، فمنطوقه: أن الماء إذا بلغ القلتين فإنه لا ينجس ولا يحمل الخبث إلا إذا تغير أحد أوصافه، وهذا بالإجماع، أما إذا لم يبلغ القلتين فإنه ينجس بمجرد الملاقاة ولو لم تتغير أوصافه؛ عملاً بمفهوم الحديث.
وذهب بعض المحققين كشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وجماعة من أهل العلم: إلى أن الماء لا ينجس إلا بالملاقاة، قليلاً كان أو كثيراً، وقالوا: إن مفهوم حديث القلتين ألغاه حديث أبي سعيد: (إن الماء طهور لا ينجسه شيء)، فهذا الحديث ألغى مفهوم حديث القلتين، والمنطوق مقدم على المفهوم، وهذا هو الصواب.
وجمهور العلماء قد أخذوا بحديث القلتين كما ذكرنا -حديث ابن عمر - وقالوا: إن ما كان دون القلتين فإنه ينجس، والقلة تقارب قربتين ونصف، يعني: تكون إلى خمس قرب، وقد حددها بعضهم بأنها: ذراع وربع، طولاً وعرضاً وعمقاً، فإذا كان هناك حفرة طولها ذراع وربع، وعرضها ذراع وربع، وعمقها ذراع وربع، فهذه هي القلتان.
والحديث يفيد أنه ينبغي للإنسان أن ينتبه ويتأمل في الماء القليل إذا أصابه نجاسة، هل تغير أو لا؟ فأما إذا كان أكثر من القلتين فالغالب في هذه الحالة أنه لا يتغير.
وبعض المساجد يكون فيها خزان واسع، فتسقط فيه طيور أو حمام، فإذا تغير الطعم أو اللون أو الريح فإنه ينجس، ويلزم إزالة هذا الماء كله، وأما ما جاء في الفأرة لما وقعت في السمن، قال: (ألقوها وما حولها وكلوه) فهذا في السمن الجامد، والمعروف أن السمن أقل ميوعة من الماء، فالماء ما فيه إشكال، وفي رواية: (إن كان جامداً فألقوها وما حولها، وإن كان ذائباً فلا تقربوه)، لكن هذه رواية ضعيفة.
قال المصنف ﵀: [قال عبدة: قال محمد بن إسحاق: القلة هي الجرار، والقلة التي يستقى فيها.
قال أبو عيسى: وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق، قالوا: إذا كان الماء قلتين لم ينجسه شيء، ما لم يتغير ريحه أو طعمه، وقالوا: يكون نحواً من خمس قرب].
واستدلوا بحديث الباب، وأما حديث الشافعي وأحمد، فهو حديث صحيح قابل للاحتجاج، وقد ضعفه جماعة، لكن الحق أنه صحيح، قال الحافظ أبو بكر العراقي في أماليه: قد صحح هذا الحديث الجم الغفير من الأئمة الحفاظ: الشافعي وأبو عبيد وأحمد وإسحاق ويحيى بن معين وابن خزيمة والطحاوي وابن حبان والدارقطني وابن مندة والحاكم والخطابي والبيهقي وابن حزم وآخرون.
وقال الحافظ في (فتح الباري): رواته ثقات، وصححه جماعة من أهل العلم.
وقال فيه أيضاً: الفصل بالقلتين أقوى لصحة الحديث فيه، وقد اعترض الطحاوي من الحنفية بذلك، وقال في بلوغ المرام: صححه ابن خزيمة وابن حبان.
وقال في (التلخيص): قال الحاكم: صحيح على شرطهما، وقد احتج بجميع رواته، وقال ابن مندة: إسناده على شرط مسلم، وقال ابن معين: الحديث جيد الإسناد، وقال ابن دقيق العيد: هذا الحديث قد صححه بعضهم، وهو صحيح على طريق الفقهاء؛ لأنه وإن كان مضطرب الإسناد مختلفاً في بعض ألفاظه، فإنه يجاب عنه بجواب صحيح بأن يمكن الجمع بين الروايات.
انتهى ما في (التلخيص).
والذين لم يقولوا بحديث القلتين، فمنهم من صرح بصحته، واعتبر العمل به من الإجمال في معنى القلة، قال الحافظ في (الفتح) قول: من لا يعتبر إلا التغير وعدمه قوي، لكن الفصل بالقلتين أقوى؛ لصحة الحديث، وقد اعترف الطحاوي من الحنفية بذلك، لكنه اعتذر عن القول به، فإن القلة في العرف تطلق على الكبيرة والصغيرة، كالجرة، ولم يثبت من الحديث تقديرهما، فيكون، مجملاً فلا يعمل به، وقواه ابن دقيق العيد، لكن استدل له غيرهما، فقال أبو عبيد القاسم بن سلام: المراد القلة الكبيرة، إذ لو أراد الصغيرة لم يحتج لذكر العدد، فإن الصغير بين].
стр. 74
ما جاء في كراهية البول في الماء الراكد
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ما جاء في كراهية البول في الماء الراكد.
حدثنا محمود بن غيلان حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يتوضأ منه).
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
وفي الباب عن جابر].
فيه دليل على تحريم البول في الماء الراكد، وأن النهي هنا للتحريم، فلا يجوز للإنسان أن يبول في الماء الراكد.
والمعنى: لا يبولن في الماء الراكد ولو لم يغتسل فيه؛ لأنه قد يحتاج إلى الاغتسال فيه؛ فيقذره على غيره، فإذا بال هذا وهذا تقذر هذا الماء.
ونقل عن مالك: أنه حمل النهي على التنزيه فيما لا يتغير، وهو قول الباقين في الكثير، قال القرطبي: يمكن حمله على التحريم مطلقاً على قاعدة سد الذريعة؛ لأنه يفضي إلى تنجيس الماء، وهذا هو الصواب.
стр. 75
ما جاء في ماء البحر أنه طهور
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ما جاء في ماء البحر أنه طهور.
حدثنا قتيبة عن مالك ح وحدثنا الأنصاري إسحاق بن موسى قال حدثنا معن قال حدثنا مالك عن صفوان بن سليم عن سعيد بن سلمة -من آل ابن الأزرق- أن المغيرة بن أبي بردة -وهو من بني عبد الدار - أخبره أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: (سأل رجل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ من ماء البحر؟ فقال رسول الله ﷺ : هو الطهور ماؤه الحل ميتته)].
هذا الحديث فيه دليل على طهورية ماء البحر وفيه أنه ينبغي للمفتي أن يزيد السائل إذا كان يحتاج لذلك، فإن السائل قد سأل النبي ﷺ عن التطهر بماء البحر، فأخبره النبي ﷺ بحكم ميتته؛ لأنه قد يحتاج إلى معرفة حكم الميتة ما دام أنه يركب البحر، فلهذا قال: (هو الطهور ماؤه، الحل ميتته)، ففيه زيادة المفتي على سؤال المستفتي إذا كان متعلقاً به ويحتاج إليه.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وفي الباب عن جابر والفراسي ﵄.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
وهو قول أكثر الفقهاء من أصحاب النبي ﷺ ، منهم: أبو بكر وعمر وابن عباس ﵃، لم يروا بأساً بماء البحر.
وقد كره بعض أصحاب النبي ﷺ الوضوء بماء البحر، منهم: ابن عمر وعبد الله بن عمرو، وقال عبد الله بن عمرو: وهو نار].
يعني: أصل النار.
قال المباركفوري في شرح الترمذي: قوله: (وقال عبد الله بن عمرو: وهو نار) قال القاضي أبو بكر بن العربي: أراد به طبق النار؛ لأنه ليس بنار في نفسه.
انتهى.
وقيل: إنه أراد أنه ضار يورث المرض.
ما قال ابن العربي هو الراجح وهو الظاهر، قال الشوكاني في (النيل): فإن قيل: كيف شكّوا في جواز الوضوء بماء البحر؟ قلنا: يحتمل أنهم لما سمعوا قوله ﷺ : (لا تركب البحر إلا حاجاً، أو معتمراً، أو غازياً في سبيل الله؛ فإن تحت البحر ناراً، وتحت النار بحراً) أخرجه أبو داود وسعيد بن منصور في سننه عن ابن عمر ﵄ مرفوعاً؛ فظنوا أنه لا يجزئ التطهر به، وقد روي موقوفاً على ابن عمر بلفظ: (ماء البحر لا يجزئ من وضوء ولا جنابة؛ إن تحت البحر ناراً، ثم ماءً، ثم ناراً حتى عدّ سبعة أبحر وسبعة أنيار).
وروي أيضاً عن ابن عمرو بن العاص ﵄ أنه لا يجزئ التطهر به، ولا حجة في أقوال الصحابة، لاسيما إذا عارضت المرفوع والإجماع.
وحديث ابن عمر المرفوع قال فيه أبو داود: رواته مجهولون، وقال الخطابي: ضعفوا إسناده، وقال البخاري: ليس هذا الحديث بصحيح، وله طريق أخرى عند البزار، وفيها ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف.
قال الشيخ أحمد شاكر: هذا رأي لـ عبد الله بن عمر إن صح إسناده إليه.
قال صاحب التحفة: وقد صحح هذا الحديث غير الترمذي، كـ ابن المنذر وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وابن مندة وأبو محمد البغوي، كذا في (قوت المفتدي)، والحديث أخرجه أيضاً مالك والشافعي عنه، والأربعة، وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والبيهقي، وصححه البخاري فيما حكى عنه الترمذي، كذا (في التلخيص).
стр. 76
التشديد في أمر البول
قال المصنف ﵀: [باب: ما جاء في التشديد في البول.
حدثنا هناد وقتيبة وأبو كريب قالوا: حدثنا وكيع عن الأعمش قال: سمعت مجاهداً يحدث عن طاوس عن ابن عباس ﵄: (أن النبي ﷺ مر على قبرين فقال: إنهما يعذبان وما يعذبان في كبير، أما هذا فكان لا يستتر من بوله، وأما هذا فكان يمشي بالنميمة)].
فيه بيان أن هذين الأمرين من أسباب عذاب القبر، فالمشي بالنميمة، وعدم الاستبراء من البول أمران محرمان، وهما من كبائر الذنوب، فيجب التنزه من البول والاستتار منه، جاء في الحديث: (تنزهوا من البول؛ فإن عامة عذاب القبر منه).
وكذلك النميمة، وهي: نقل الكلام من شخص إلى شخص، أو من جماعة إلى جماعة على وجه الإفساد.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال أبو عيسى: وفي الباب عن زيد بن ثابت وأبي بكرة وأبي هريرة وأبي موسى وعبد الرحمن بن حسنة ﵃.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
وروى منصور هذا الحديث عن مجاهد عن ابن عباس، ولم يذكر فيه: عن طاوس، ورواية الأعمش أصح.
قال: وسمعت أبا بكر محمد بن أبان البلخي مستملي وكيع يقول: سمعت وكيعاً يقول: الأعمش أحفظ لإسناد إبراهيم من منصور].
قال الخطابي في (معالم السنن): قوله: (لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا): فإنه من ناحية التبرك بأثر النبي ﵊، ودعائه بالتخفيف عنهم, وكأنه ﷺ جعل مدة بقاء النداوة فيهما حداً لما وقعت به المسألة من تخفيف العذاب عنهما، وليس ذلك من أجل أن في الجريد الرطب معنىً ليس في اليابس، والعامة في كثير من البلدان أن تفرش الخوص في قبور موتاهم، وأراهم ذهبوا إلى هذا، وليس لما تعاطوه من ذلك وجه.
قلت: وهذا خطأ، والصواب أن ذلك خاص بالنبي ﷺ .
قال صاحب (تحفة الأحوذي): قوله: (وروى منصور هذا الحديث عن مجاهد عن ابن عباس).
منصور هذا هو ابن المعتمر، (ورواية الأعمش أصح، أي: رواية الأعمش بذكر طاوس بين مجاهد وابن عباس أصح من رواية منصور، ثم بيَّن الترمذي وجه كونه أصح بقوله: سمعت أبا بكر إلى آخره.
وروى البخاري هذا الحديث في صحيحه على الوجهين، قال الحافظ في (الفتح): وإخراجه له على الوجهين يقتضي صحتهما عنده، فيحمل على أن مجاهداً سمعه من طاوس عن ابن عباس، ثم سمعه من ابن عباس بلا واسطة أو العكس، ويؤيده أن في سياقه عن طاوس زيادة على ما في روايته عن ابن عباس، وصرح ابن حبان بصحة الطريقين معاً.
وقال الترمذي: رواية الأعمش أصح.
انتهى.
قلت: وقال البخاري أيضاً: إن رواية الأعمش أصح، قال الترمذي في (العلل): سألت محمداً: أيهما أصح؟ فقال: رواية الأعمش أصح.
انتهى.
ويؤيد صحة الروايتين: أن شعبة بن الحجاج رواه عن الأعمش كما رواه منصور، ولم يذكر طاوساً، قاله العيني.
قلت: شعبة إمام النقد.
стр. 77
ما جاء في نضح بول الغلام قبل أن يطعم
[باب: ما جاء في نضح بول الغلام قبل أن يطعم.
حدثنا قتيبة وأحمد بن منيع قالا: حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن أم قيس بنت محصن ﵂ قالت: (دخلت بابن لي على النبي ﷺ : لم يأكل الطعام، فبال عليه، فدعا بماء فرشه عليه)].
فيه دليل على أن بول الغلام الذي لم يأكل الطعام نجاسته مخففة، وأنه يكفيه الرش، ولا يلزم فيه الغسل، وهذا بخلاف ما إذا أكل الطعام، فإنه لابد من غسله، ولا يكفي فيه الرش والنضح، وكذلك الجارية الأنثى.
وقد اختلف العلماء في سبب الفرق بينهما، فقيل: إن سبب التفريق: أن الغلام بوله ينتشر ويتفرق في عدة مواضع، بخلاف الأنثى فإن بولها لا يتفرق، فكانت المشقة في غسل بول الغلام أكبر، فلذلك يكتفي فيه بالرش.
وقيل: إن الناس يكثرون من حمل الذكر ويحبونه أكثر من الأنثى، فتعم به البلوى في بوله فاكتفي بالرش.
وقيل: إن الأنثى مخلوقة من لحم؛ لأن حواء مخلوقة من آدم، وآدم من طين، وقيل غير ذلك، وكل هذه مجرد تعاليل، والمهم هو الحكم الشرعي، فنقول: سمعنا وأطعنا.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال: وفي الباب عن علي وعائشة وزينب ولبابة بنت الحارث وهي: أم الفضل بن عباس بن عبد المطلب وأبي السمح وعبد الله بن عمرو وأبي ليلى وابن عباس ﵃.
قال أبو عيسى: وهو قول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ، والتابعين، ومن بعدهم مثل أحمد وإسحاق، قالوا: ينضح بول الغلام، ويغسل بول الجارية، وهذا ما لم يطعما، فإذا طعما غُسلا جميعاً].
قال العلامة ابن القيم في (إعلام الموقعين): وهذا من محاسن الشريعة وتمام حكمتها ومصلحتها، والفرق بين الصبي والصبية من ثلاثة أوجه: أحدها: كثرة حمل الرجال والنساء للذكر، فتعم البلوى ببوله، فيشق عليهم غسله.
الثاني: أن بوله لا يَنْزل في مكان واحد، بل ينزل متفرقاً ههنا وههنا، فيشق غسل ما أصابه كله، بخلاف بول الأنثى].
الثالث: أن بول الأنثى أخبث وأنتن من بول الذكر، وسببه حرارة الذكر ورطوبة الأنثى، فالحرارة تخفف من نتن البول، وتذيب منها ما يحصل مع الرطوبة، وهذه معان مؤثرة يحسن اعتبارها في الفَرْق.
قلت: وهذه التعليلات لا يجزم بأنها هي الفوارق قطعاً.
وعقَّب أحمد شاكر بقوله: وسواء سُلِّم لـ ابن القيم هذا التعليل أم لم يسلِّم، وسواء عرفنا الحكمة في الفرق بينهما أم لم نعرف، فإن الواجب على الفقيه أن يتبع أمر رسول الله حيث وجده، ولا يضرب له الأمثال.
قلت: الواجب هو اتباع الدين، وأما الحكمة فإن عرفت فالحمد لله، وإلا صرنا إلى الدليل وإن لم نعرفها.
стр. 78
حكم بول ما يؤكل لحمه
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: ما جاء في بول ما يؤكل لحمه.
حدثنا الحسن بن محمد الزعفراني حدثنا عفان بن مسلم حدثنا حماد بن سلمة حدثنا حميد وقتادة وثابت عن أنس ﵁: (أن ناساً من عرينة قدموا المدينة فاجتووها، فبعثهم رسول الله ﷺ في إبل الصدقة، وقال: اشربوا من ألبانها وأبوالها، فقتلوا راعي رسول الله ﷺ ، واستاقوا الإبل، وارتدوا عن الإسلام، فأُتي بهم النبي ﷺ ، فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وسمل أعينهم، وألقاهم بالحرة قال أنس: فكنت أرى أحدهم يكدُّ الأرض بفيه حتى ماتوا.
وربما قال حماد: يكدم الأرض بفيه حتى ماتوا)].
وفي لفظ آخر: أن أنس قال: (إن هؤلاء سرقوا وقتلوا وحاربوا الله ورسوله وارتدوا).
وفي هذا دليل على طهارة أبوال ما يؤكل لحمه؛ لأن النبي ﷺ أمرهم أن يشربوا من أبوال الإبل، ولم يأمرهم بغسل أفواههم لكونها نجسة، فدل هذا على أنها طاهرة، أعني: بول الإبل والبقر والغنم وكل ما يؤكل لحمه.
وفيه أن النبي ﷺ أقام عليهم حد الحرابة، فقطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وسمرت أعينهم كما فعلوا بالراعي، فقد سمروا عينه، وتُركوا في الحرة يَستسقون ولا يُسقون.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وقد روي من غير وجه عن أنس ﵁].
قلت: هو في الصحيحين، وعند أبي داود والنسائي وابن ماجة.
والسمر هو: أن يحمى المسمار من الحديد بالنار ويوضع على أعينهم.
كما فعلوا بالراعي.
والمحاربون إذا تابوا بينهم وبين ربهم بعدما أخذوا تصح توبتهم، ويكون الحد مطهراً لهم.
فمن ارتد عن الإسلام ثم تاب بعد الردة وقبل الموت صحت توبته؛ لكن يقام عليه حد الحرابة؛ لقوله : ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ﴾ [المائدة:٣٣]، فكل واحد تقطع يده اليمنى ورجله اليسرى، فأقام عليهم النبي ﷺ حد القصاص والحرابة والردة جميعاً، فالقصاص كان في سمر أعينهم، والحرابة في قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، والردة تركوا حتى ماتوا، ولما قطعت أيديهم وأرجلهم لم تحسم بالزيت، بل تركت تنزف دماً حتى ماتوا؛ لأنهم ارتدوا.
فإذا فعل شيئاً اقتص منه، وأما إذا قطع الطريق ولم يفعل شيئاً فتقطع يده ورجله من خلاف فقط.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهو قول أكثر أهل العلم، قالوا: لا بأس ببول ما يؤكل لحمه].
وهذا خلافاً للشافعي، فإنه يقول: بنجاسة بول ما يؤكل لحمه، وهذا قول ضعيف، والصواب قول أكثر العلماء.
وأما قول الشارح: وهو قول مالك وأحمد وطائفة من السلف، ووافقهم من الشافعية: ابن خزيمة وابن المنذر وابن حبان والإصطخري والروياني، وذهب الشافعي والجمهور إلى القول بنجاسة الأبوال والأرواث كلها من مأكول اللحم وغيره.
فلعله يعني بالجمهور هنا جمهور الشافعية، وأما جمهور العلماء فهم على خلاف هذا.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا الفضل بن سهل الأعرج البغدادي حدثنا يحيى بن غيلان حدثنا يزيد بن زريع حدثنا سليمان التيمي عن أنس بن مالك ﵁ قال: (إنما سمل النبي ﷺ أعينهم لأنهم سملوا أعين الرعاة).
قال أبو عيسى: هذا حديث غريب، لا نعلم أحداً ذكره غير هذا الشيخ عن يزيد بن زريع.
وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة:٤٥]، وقد روي عن محمد بن سيرين قال: إنما فعل بهم النبي ﷺ هذا قبل أن تنزل الحدود].
وهذا الحديث أخرجه مسلم في كتاب القسامة من صحيحه.
стр. 79
شرح جامع الترمذي_ أبواب الطهارة [٧]
لقد بينت الشريعة المطهرة جملة من نواقض الوضوء، ومن ذلك خروج الريح والصوت من الدبر، ومس الذكر، والأكل من لحم الإبل، والنوم المستغرق، وغير ذلك مما لا يسع المسلم جهله لتعلقه بمعرفة ما تصح به صلاته.
стр. 80
ما جاء في الوضوء من الريح
стр. 81
شرح حديث: (لا وضوء إلّا من صوت أو ريح)
قال المصنف ﵀: [باب: ما جاء في الوضوء من الريح.
حدثنا قتيبة وهناد قالا: حدثنا وكيع عن شعبة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا وضوء إلا من صوت أو ريح).
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح].
قلت: هذا الحديث أخرجه أحمد وابن ماجه وابن خزيمة.
وهذا يدل على ما دل عليه الحديث الآخر في الصحيح، وهو أن النبي ﷺ قال: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ)، وفسر أبو هريرة الحدث بالفساء أو الضراط.
стр. 82
شرح حديث: (إذا كان أحدكم في المسجد فوجد ريحاً بين إليتيه)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا قتيبة حدثنا عبد العزيز بن محمد عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إذا كان أحدكم في المسجد فوجد ريحاً بين إليتيه فلا يخرج حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً)].
أي: أن المقصود حتى يتحقق؛ لأنه دخل في الوضوء بيقين، فلا يخرج منه بشك، فاليقين لا يزول بالشك، وقد جاء في الحديث الصحيح عند أبي داود: (إذا وجد أحدكم في بطنه شيئاً فأشكل عليه فلا يخرج حتى يسمع صوتاً، أو يجد ريحاً).
قال رحمه الله تعالى: [قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وهو قول العلماء أن لا يجب عليه الوضوء إلا من حدث، يسمع صوتاً أو يجد ريحاً].
أي أن المراد التحقق، وذلك بسماع صوت، أو أن يجد ريحاً، أو أن يجد بللاً على ذكره مثلاً، فالمراد أن يتحقق.
قال رحمه الله تعالى: [وقال عبد الله بن المبارك: إذا شك في الحدث؛ فإنه لا يجب عليه الوضوء حتى يستيقن استيقاناً يقدر أن يحلف عليه.
وقال: إذا خرج من قُبُل المرأة الريح وجب عليها الوضوء، وهو قول الشافعي وإسحاق].
قلت: الريح إنما تخرج من الدبر فقط لا من القبل، فإذا خرج من قبل المرأة فليس بريح.
قال صاحب (تحفة الأحوذي): وقال أصحاب أبي حنيفة: خروج الريح من القبل لا يوجب الوضوء.
وقال القاري في (المرقاة): توجيه قول الحنفية أنه نادر فلا يشمله النص، كذا قيل، والصحيح ما قاله ابن الهمام من أن الريح الخارج من الذكر اختلاج لا ريح، فلا ينقض، كالريح الخارجة من جراحة في البطن.
انتهى.
قلت: وكذلك إذا خرج من قبل المرأة فليس بريح.
قال: وقال بعض علماء الحنفية في شرحه (لشرح الوقاية): اتفق أصحابنا على أن الريح الخارجة من الدبر ناقضة، واختلفوا في الخارجة من الذكر وقبل المرأة: فروى القدوري عن محمد: أنه يوجب الوضوء، وبه أخذ بعض المشايخ.
وقال أبو الحسن: لا وضوء فيهما، إلا أن تكون المرأة مفضاة، والمفضاة: هي التي اختلط سبيلاها: القبل والدبر، وقيل: مسلك البول والحيض، فيستحب لها الوضوء، وكان الشيخ أبو حفص الكبير يقول: إذا كانت المرأة مفضاة يجب عليها الوضوء، وإن لم تكن مفضاة لا يجب، وهكذا ذكر هشام في نوادره عن محمد.
قلت: هذا صحيح؛ لاحتمال أن تكون من الدبر، وفي هذه الحالة يجب الوضوء.
قال: ومن المشايخ من قال في المفضاة: إذا كان الريح منتناً يجب الوضوء، وما لا فلا، كذا في (الذخيرة)].
قلت: خروج الريح من قبل المرأة لا يوجب الوضوء، لكن ذلك من باب الاحتياط، ولاسيما إذا كان يخرج بدون اختيارها، فهذا أمر لا حيلة لها فيه، فلعل عبد الله بن المبارك ذكر ذلك من باب الاحتياط.
وذكر المسجد في هذا الحديث ليس بقيد، فلو كان خارج المسجد فلا يجب عليه الوضوء إلا إذا تيقن أو غلب على ظنه الحدث.
стр. 83
شرح حديث: (إن الله لا يقبل صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمود بن غيلان حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إن الله لا يقبل صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ)].
قلت: وهذا رواه الشيخان.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وفي الباب عن عبد الله بن زيد وعلي بن طلق وعائشة وابن عباس وابن مسعود وأبي سعيد ﵃.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح].
стр. 84
ما جاء في الوضوء من النوم
стр. 85
شرح حديث ابن عباس في صلاة النبي بعد نومه في سجود غط فيه
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: ما جاء في الوضوء من النوم.
حدثنا إسماعيل بن موسى كوفي وهناد ومحمد بن عبيد المحاربى -المعنى واحد- قالوا: حدثنا عبد السلام بن حرب الملائي عن أبي خالد الدالاني عن قتادة عن أبي العالية عن ابن عباس ﵄: (أنه رأى النبي ﷺ نام وهو ساجد حتى غط أو نفخ، ثم قام يصلى، فقلت: يا رسول الله! إنك قد نمت؟! قال: إن الوضوء لا يجب إلا على من نام مضطجعاً، فإنه إذا اضطجع استرخت مفاصله)].
قلت: هذا الحديث ضعيف.
قال صاحب (تحفة الأحوذي): قال أبو داود: قوله في الوضوء: (وأنه نام مضطجعاً) هو حديث منكر لم يروه إلا يزيد أبو خالد الدالاني عن قتادة، وروى أوله جماعة عن ابن عباس لم يذكروا شيئاً من هذا.
قلت: ليست بصحيحة نسبته إليه، فهو ليس من كلامه.
وقد صح الحديث: (ولكن من غائط وبول ونوم)، فالمهم هو الاستغراق، فإذا نام واستغرق انتقض وضوؤه، سواء أكان مضطجعاً أم غير مضطجع، فالعبرة في النوم بالاستغراق.
قال رحمه الله تعالى: [قال أبو عيسى: وأبو خالد اسمه يزيد بن عبد الرحمن.
قال: وفي الباب عن عائشة وابن مسعود وأبي هريرة ﵃].
قال الشارح: واعلم أن الترمذي لم يحكم على حديث ابن عباس ﵄ المذكور بشيء من الصحة أو الضعف ههنا، وقد تكلم عليه في علله المفرد، وقد تكلم عليه غيره من أصحاب الحديث.
قال الحافظ في (التلخيص): مداره على يزيد أبي خالد الدالاني وعليه اختلف في ألفاظه، وضعف الحديث من أصله أحمد والبخاري فيما نقله الترمذي في (العلل المفرد)، وأبو داود في السنن والترمذي وإبراهيم الحربي في علله وغيرهم.
وقال البيهقي في (الخلافيات): تفرد به أبو خالد الدالاني، وأنكره عليه جميع أئمة الحديث.
وقال في (السنن): أنكره عليه جميع الحفاظ، وأنكروا سماعه من قتادة، وقال الترمذي: رواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن ابن عباس قوله، ولم يذكر فيه أبا العالية، ولم يرفعه.
انتهى.
قلت: صح الحديث: (ولكن من غائط وبول ونوم).
قال أبو داود: وذكرت حديث يزيد الدالاني لـ أحمد بن حنبل فانتهرني استعظاماً له، فقال: ما لـ يزيد الدالاني يُدخِل على قتادة؟! ولم يعبأ بالحديث.
يقول الترمذي في (العلل): وسألت محمداً عن هذا الحديث فقال: هذا لا شيء، رواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن ابن عباس، ولم يذكر فيه أبا العالية، ولا أعرف لـ أبي خالد الدالاني سماعاً من قتادة.
قلت: ذكر شعبة أن قتادة لم يسمع من أبي العالية إلا أربعة أحاديث، ثم ذكرها ولم يذكر هذا فيها.
стр. 86
شرح حديث أنس: (كان أصحاب رسول الله ينامون ثم يقومون ولا يتوضئون)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن بشار حدثنا يحيى بن سعيد عن شعبة عن قتادة عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ ينامون ثم يقومون فيصلون ولا يتوضئون].
والمراد بالنوم هنا أنهم كانوا ينعسون، والنعاس لا يضر.
قال رحمه الله تعالى: [قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
قال: وسمعت صالح بن عبد الله يقول: سألت عبد الله بن المبارك عمن نام قاعداً معتمداً فقال: لا وضوء عليه.
قال أبو عيسى: وقد روى حديث ابن عباس سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن ابن عباس قوله، ولم يذكر فيه أبا العالية، ولم يرفعه.
واختلف العلماء في الوضوء من النوم، فرأى أكثرهم أنه لا يجب عليه الوضوء إذا نام قاعداً أو قائماً حتى ينام مضطجعاً، وبه يقول الثوري وابن المبارك وأحمد.
وقال بعضهم: إذا نام حتى غلب على عقله وجب عليه الوضوء، وبه يقول إسحاق].
قلت: هذا هو الأصل، فإذا نام واستغرق ولم يسمع من حوله، وصار لا يدري ما يجري حوله؛ فهذا يجب عليه الوضوء، وأما إذا نعس نعاساً يسمع معه ما يجري حوله فهذا لا وضوء عليه.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال الشافعي: من نام قاعداً فرأى رؤيا، أو زالت مقعدته لوسن النوم فعليه الوضوء].
فهذا يستدل به على أنه نوم مستغرق.
قلت: الراجح أنه إذا نام واستغرق بحيث لا يفهم ما يجري حوله بسبب الاستغراق؛ انتقض وضوؤه، وأما إذا كان نومه نعاساً فلا ينقض الوضوء؛ لأن الصحابة كانوا ينعسون ويغطون في النعاس ثم يقومون إلى الصلاة ولا يتوضئون، فلم ينكر النبي ﷺ عليهم ذلك.
والاستغراق يكون غالباً في نوم المضطجع، وبعض الناس قد يستغرق وهو قائم.
والمراد بالاستغراق هنا الاستغراق في النوم، وأما إذا استغرق ليستريح ولم ينم فلا يعد مستغرقاً في النوم.
стр. 87
ما جاء في الوضوء مما غيرت النار
стр. 88
شرح حديث: (الوضوء مما مست النار ولو من ثور أقط)
قال المصنف ﵀: [باب: ما جاء في الوضوء مما غيرت النار.
حدثنا ابن أبي عمر قال: حدثنا سفيان بن عيينة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (الوضوء مما مست النار ولو من ثور أقط.
قال: فقال له ابن عباس ﵄: يا أبا هريرة! أنتوضأ من الدهن؟! أنتوضأ من الحميم؟! قال: فقال أبو هريرة: يا ابن أخي! إذا سمعت حديثاً عن رسول الله ﷺ فلا تضرب له مثلاً)].
الحميم: هو الماء الحار، وهذا كان في أول الإسلام، فكان الناس يتوضئون مما مسته النار، فإذا شربوا حميماً -كالقهوة والشاي اليوم أو غيرهما مما مسته النار-، أو أكلوا طعاماً؛ فإنهم يتوضئون، ثم نسخ الوضوء مما مست النار إلا لحم الإبل، فهو مستثنى من ذلك، يقول النبي ﷺ : (توضئوا من لحوم الإبل، ولا تتوضئوا من لحوم الغنم) كما في حديث جابر، وفي الحديث الآخر: (سئل ﷺ : أنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: إن شئتم، قالوا: أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم).
فلحم الإبل مستثنى مما سبق، فيتوضأ منه سواء أكان نيئاً أم مطبوخاً، والصواب أن جميع أجزاء الإبل تنقض الوضوء، وبعض العلماء يرى أن الذي ينقض هو اللحم الأحمر دون الشحم والأمعاء والكرش وغيرها مما ليس بلحم أحمر.
والصواب الأول، فالله تعالى لما حرم لحم الخنزير قال: ﴿وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ﴾ [البقرة:١٧٣] فشمل جميع أجزاء الخنزير، فكلها محرمة حتى شحمه وعصبه، وكذلك الحال في الوضوء من لحم الإبل.
وفي هذا الحديث نجد أن أبا هريرة يرى أن الحكم الأول من الوضوء مما مست النار ما زال باقياً.
والثور من الأقط هو اللبن إذا أحمي عليه بالنار فصار قطعاً.
وقوله: [(فقال له ابن عباس: يا أبا هريرة: أنتوضأ من الدهن؟! أنتوضأ من الحميم؟! قال: فقال أبو هريرة: يا ابن أخي! إذا سمعت حديثاً عن رسول الله ﷺ فلا تضرب له مثلاً)].
صدق في ذلك أبو هريرة ﵁، فينبغي للإنسان المسلِّم لله ولرسوله إذا سمع الحديث أن يقول: سمعنا وأطعنا، ولا يضرب الأمثال، ولا يعارض النص برأي ولا بفهم.
وقد ذكر الشيخ أحمد شاكر رواية عن ابن عباس في (المسند) تشبه هذه الرواية في المعنى، قال الإمام أحمد في مسنده: حدثنا عبد الرزاق وابن بكر قالا: أخبرنا ابن جريج قال: أخبرني محمد بن يوسف أن سليمان بن يسار أخبره أنه سمع ابن عباس ورأى أبا هريرة وهو يتوضأ، فقال: أتدري مما أتوضأ؟ قال: لا، قال: أتوضأ من أثوار أقط أكلتها، قال ابن عباس: ما أبالي مما توضأت، أشهد لرأيت رسول الله ﷺ أكل كتف لحم ثم قام إلى الصلاة وما توضأ: قال: وسليمان حاضر ذلك منهما جميعاً].
قال: وهذا إسناده صحيح، رواته أئمة ثقات، وهو مع رواية الترمذي يدلان على أن الجدل في هذا كان شديداً بين ابن عباس وأبي هريرة، وأنه لم يقتنع أحدهما بحجة الآخر.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وفي الباب عن أم حبيبة وأم سلمة وزيد بن ثابت وأبي طلحة وأبي أيوب وأبي موسى ﵃.
قال أبو عيسى: وقد رأى بعض أهل العلم الوضوء مما غيرت النار، وأكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين ومن بعدهم على ترك الوضوء مما غيرت النار].
قال الحازمي في كتاب (الاعتبار): قد اختلف أهل العلم في هذا الباب، فبعضهم ذهب إلى الوضوء مما مست النار، وممن ذهب إلى ذلك ابن عمر وأبو طلحة وأنس بن مالك وأبو موسى وعائشة وزيد بن ثابت وأبو هريرة وأبو غرة الهذلي وعمر بن عبد العزيز وأبو مجلز لاحق بن حميد وأبو قلابة ويحيى بن يعمر والحسن البصري ﵏.
وذهب أكثر أهل العلم وفقهاء الأمصار إلى ترك الوضوء مما مست النار، ورأوه آخر الأمرين من فعل رسول الله ﷺ .
قلت: وهو الصواب، فهو آخر الأمرين، ويدل على هذا حديث جابر: (كان آخر الأمرين من النبي ﷺ ترك الوضوء مما مست النار).
قال: وممن لم ير منه الوضوء: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وابن عباس وعامر بن ربيعة وأبي بن كعب وأبو أمامة وأبو الدرداء والمغيرة بن شعبة وجابر بن عبد الله رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، ومن التابعين: عبيدة السلماني وسالم بن عبد الله والقاسم بن محمد ومن معهم من فقهاء أهل المدينة، ومالك بن أنس والشافعي وأصحابه، وأهل الحجاز وعامتهم، وسفيان الثوري وأبو حنيفة وأهل الكوفة وابن المبارك وأحمد وإسحاق.
انتهى كلام الحازمي.
قلت -القائل صاحب التحفة-: والظاهر الراجح ما ذهب إليه أكثر أهل العلم، والله تعالى أعلم.
اهـ قلت: وظاهر الكلام أن أبا هريرة بقي على الأمر الأول من الوضوء مما مست النار، وخالفه ابن عباس في هذا، واشتد النزاع بينهما.
стр. 89
ما جاء في ترك الوضوء مما غيرت النار
стр. 90
شرح حديث جابر في صلاة الرسول الظهر والعصر بعد أكله من شاة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: ما جاء في ترك الوضوء مما غيَّرت النار.
حدثنا ابن أبي عمر حدثنا سفيان بن عيينة حدثنا عبد الله بن محمد بن عقيل سمع جابراً ﵁، قال سفيان: وحدثنا محمد بن المنكدر عن جابر ﵁ قال: (خرج رسول الله ﷺ وأنا معه، فدخل على امرأة من الأنصار، فذبحت له شاة فأكل، وأتته بقناع من رطب فأكل منه، ثم توضأ للظهر وصلى، ثم انصرف فأتته بُعلَالة من عُلالة الشاة فأكل، ثم صلى العصر ولم يتوضأ)].
عبد الله بن محمد بن عقيل في حفظه شيء، ولكنه هنا متابَع من قبل محمد بن المنكدر، فزال ما كنا نخشاه من خطأ عبد الله بن محمد بن عقيل.
قال الشيخ أحمد شاكر: هذا حديث صحيح ليست له علة.
وقد حاول بعضهم أن يعله، فنقل البيهقي في (المعرفة) عن الشافعي أنه قال: لم يسمع ابن المنكدر هذا الحديث من جابر، وإنما سمعه من عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر، وهو مردود برواية ابن جريج عند أحمد وأبي داود.
قلت: ومحمد بن المنكدر مدلس وقد عنعن هنا، لكن في السند الآخر عبد الله بن محمد بن عقيل وفيه ضعف، فرواية كل منهما تقوي رواية الآخر وتجبرها.
قال الشيخ أحمد شاكر: والذي دفعهم إلى هذه الشبهة في التعليل -يعني الذين أعلوا هذا الحديث- أن سفيان بن عيينة شك في سماع ابن المنكدر هذا الحديث من جابر، كما روى أحمد عن سفيان: سمعت ابن المنكدر غير مرة يقول: عن جابر، وكأني سمعته مرة يقول: أخبرني من سمع جابراً، وظننته سمعه من ابن عقيل، وابن المنكدر وعبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر فهذا الإسناد يفهم منه أن سفيان سمعه من ابن المنكدر وابن عقيل كلاهما عن جابر، ثم شك في أن ابن المنكدر سمعه من جابر، ولكن غيره لم يشك، واليقين مقدم على الشك.
انتهى.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وفي الباب عن أبي بكر الصديق وابن عباس وأبي هريرة وابن مسعود وأبي رافع وأم الحكم وعمرو بن أمية وأم عامر وسويد بن النعمان وأم سلمة ﵃.
قال أبو عيسى: ولا يصح حديث أبي بكر في هذا الباب من قبل إسناده، إنما رواه حسام بن مصك عن ابن سيرين عن ابن عباس عن أبي بكر الصديق ﵃ عن النبي ﷺ ، والصحيح إنما هو عن ابن عباس عن النبي ﷺ ، هكذا روى الحفاظ.
قلت: وحديث أبي بكر ذكره الشارح فقال: قوله: (وفي الباب عن أبي بكر الصديق) قال: (إن النبي ﷺ نهش من كتف ثم صلى ولم يتوضأ)، أخرجه أبو يعلى والبزار، وفيه حسام بن مصك وقد أجمعوا على ضعفه، كذا في (مجمع الزوائد).
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وروي من غير وجه عن ابن سيرين عن ابن عباس عن النبي ﷺ .
ورواه عطاء بن يسار وعكرمة ومحمد بن عمرو بن عطاء وعلي بن عبد الله بن عباس وغير واحد عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ ، ولم يذكروا فيه (عن أبي بكر الصديق)، وهذا أصح.
قال أبو عيسى: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين ومن بعدهم، مثل سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق، رأوا ترك الوضوء مما مست النار، وهذا آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ، وكأن هذا الحديث ناسخ للحديث الأول حديث الوضوء مما مست النار].
قلت: وهذا هو الصواب، فيكون ناسخاً له، أو ناسخاً للوجوب مع بقاء الاستحباب، فيجمع بينهما بأن هذا محمول على استحباب الوضوء، وهذا محمول على الجواز، أو على النسخ، وحمله على الاستحباب أولى؛ لأن فيه العمل بالدليلين معاً.
стр. 91
ما جاء في الوضوء من لحوم الإبل
стр. 92
شرح حديث: (سئل رسول الله عن الوضوء من لحوم الإبل)
قال المصنف ﵀: [باب: ما جاء في الوضوء من لحوم الإبل.
حدثنا هناد حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن عبد الله بن عبد الله الرازي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب ﵁ قال: (سئل رسول الله ﷺ عن الوضوء من لحوم الإبل فقال: توضئوا منها، وسئل عن الوضوء من لحوم الغنم؟ فقال: لا تتوضئوا منها)].
هذا الحديث دليل على وجوب الوضوء من أكل لحوم الإبل، وهو حديث صحيح ثابت، ومثله حديث جابر بن سمرة أن النبي ﷺ قال: (توضئوا من لحوم الإبل، ولا تتوضئوا من لحوم الغنم)، وهذا خاص بلحم الإبل، سواءٌ أكان نيئاً أم مطبوخاً، وأما حديث جابر بن عبد الله (كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مست النار) فهو عام يستثنى منه لحوم الإبل.
وذهب الجمهور إلى أن لحم الإبل لا ينقض الوضوء، وظنوا أنه داخل في عموم حديث جابر: (كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مست النار)، والصواب أن لحم الإبل مخصص من هذا العموم للأدلة السابقة، لذا فأكل لحوم الإبل ينقض الوضوء مطبوخاً كان أو نيئاً، ولو لم تمسه النار، وإلى هذا ذهب طائفة من أهل الحديث ومنهم: الإمام أحمد وابن خزيمة وجماعة من أهل الحديث.
والصواب أن هذا النقض عام بجميع أجزاء الإبل، فالله تعالى لما حرم لحم الخنزير قال: ﴿أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ﴾ [الأنعام:١٤٥] فشمل شحمه بالإجماع.
وقال بعض العلماء: إن النقض خاص بلحم الإبل الأحمر فقط، وأما الكرش والشحم والرأس والعصب فلا ينقض، والصواب أن جميع أجزاء الإبل تنقض، وأما مرق الإبل ولبنها فلا ينقض الوضوء.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وفي الباب عن جابر بن سمرة وأسيد بن حضير.
قال أبو عيسى: وقد روى الحجاج بن أرطاة هذا الحديث عن عبد الله بن عبد الله عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أسيد بن حضير، والصحيح حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب، هو قول أحمد وإسحاق، وروى عبيدة الضبي عن عبد الله بن عبد الله الرازي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن ذي الغرة الجهني.
وروى حماد بن سلمة هذا الحديث عن الحجاج بن أرطاة فأخطأ فيه، وقال فيه: عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبيه عن أسيد بن حضير، والصحيح: عن عبد الله بن عبد الله الرازي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب.
قال إسحاق: صح في هذا الباب حديثان عن رسول الله ﷺ : حديث البراء، وحديث جابر بن سمرة.
وهو قول أحمد وإسحاق، وقد روي عن بعض أهل العلم من التابعين وغيرهم أنهم لم يروا الوضوء من لحوم الإبل، وهو قول سفيان الثوري وأهل الكوفة].
قلت: وهو قول غيرهم أيضاً، كـ مالك والشافعي وجماعة.
قال في (تحفة الأحوذي): قوله: (فقال: توضئوا منها) فيه دليل على أن أكل لحوم الإبل ناقض للوضوء.
قال النووي: اختلف العلماء في أكل لحوم الجزور، فذهب الأكثرون إلى أنه لا ينقض الوضوء.
قلت: الأكثرون هنا هم الجمهور، وكلام الترمذي السابق: [وقد روي عن بعض التابعين]، كأنه يشير به إلى أنه قول الأقل.
قال النووي: اختلف العلماء في أكل لحوم الجزور، فذهب الأكثرون إلى أنه لا ينقض الوضوء، وممن ذهب إليه الخلفاء الأربعة الراشدون: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وابن مسعود وأبي بن كعب وابن عباس وأبو الدرداء وأبو طلحة وعامر بن ربيعة وأبو أمامة وجماهير التابعين، ومالك وأبو حنيفة والشافعي وأصحابهم.
وذهب إلى انتقاض الوضوء به أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه ويحيى بن يحيى وأبو بكر بن المنذر وابن خزيمة، واختاره الحافظ أبو بكر البيهقي، وحُكيَ عن أصحاب الحديث مطلقاً، وحكي عن جماعة من الصحابة.
واحتج هؤلاء بحديث جابر بن سمرة الذي رواه مسلم، قال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه: صح عن النبي ﷺ في هذا حديثان: حديث جابر وحديث البراء، وهذا المذهب أقوى دليلاً، وإن كان الجمهور على خلافه.
قلت: صدق، وقوله بأن هذا قول الخلفاء الأربعة فيه نظر؛ فإن ذلك يحتاج إلى ثبوت النقل عنهم، ثم كيف يخفى هذا على الخلفاء الأربعة ولاسيما الشيخين؟! فبعيد أن يخفى عليهم مثل هذا الحكم.
قال: وقد أجاب الجمهور عن هذا الحديث بحديث جابر: (كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مست النار)، ولكن هذا الحديث عام، وحديث الوضوء من لحوم الإبل خاص، والخاص مقدَّم على العام.
انتهى.
قال الحافظ في (التلخيص): قال البيهقي: حكى بعض أصحابنا عن الشافعي قال: إن صح الحديث في لحوم الإبل قلت به.
قال البيهقي: قد صح فيه حديثان: حديث جابر بن سمرة وحديث البراء، قاله أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه.
انتهى.
قلت: فيكون مذهباً له.
стр. 93
الوضوء من مس الذكر
стр. 94
شرح حديث: (من مس ذكره فلا يصل حتى يتوضأ)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: الوضوء من مس الذكر.
حدثنا إسحاق بن منصور قال: حدثنا يحيى بن سعيد القطان عن هشام بن عروة قال: أخبرني أبي عن بسرة بنت صفوان ﵂ أن النبي ﷺ قال: (من مس ذكره فلا يصل حتى يتوضأ).
قال: وفي الباب عن أم حبيبة وأبي أيوب وأبي هريرة وأروى بنت أنيس وعائشة وجابر وزيد بن خالد وعبد الله بن عمرو ﵃].
قلت: قال البخاري: هو أصح شيء في هذا الباب.
أي: حديث بسرة بنت صفوان، وهو يوجب الوضوء من مس الذكر إذا مس اللحم اللحم من دون حائل، وأما إذا مسه من وراء قفازين، أو من وراء الثوب فلا.
والمراد بالكف هنا ظاهر الكف أو باطنه، فإذا مس ذكره بظهر كفه أو بطنها انتقض وضوؤه، وأما إذا مسه بذراعه، أو برجله، أو مسه من وراء حائل فلا.
وهو أصح من حديث طلق بن علي أنه سأل النبي ﷺ عن الرجل إذا مس ذكره فقال: (هو بضعة منك) فهذا قاله النبي ﷺ قديماً حين جاءه طلق بن علي وهو يبني مسجده ﵊، فهو منسوخ بحديث بسرة عند جمع من أهل العلم، وهو أرجح وأصح عند آخرين، ولهذا قال البخاري: هو أصح شيء في هذا الباب.
قال رحمه الله تعالى: [قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وهكذا روى غير واحد مثل هذا عن هشام بن عروة عن أبيه عن بسرة.
وروى أبو أسامة وغير واحد هذا الحديث عن هشام بن عروة عن أبيه عن مروان عن بسرة ﵂ عن النبي ﷺ نحوه، حدثنا بذلك إسحاق بن منصور حدثنا أبو أسامة بهذا.
وروى هذا الحديث أبو الزناد عن عروة عن بسرة ﵂ عن النبي ﷺ .
حدثنا بذلك علي بن حجر قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن عروة عن بسرة عن النبي ﷺ نحوه.
وهو قول غير واحد من أصحاب النبي ﷺ والتابعين، وبه يقول الأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق، قال محمد: وأصح شيء في هذا الباب حديث بسرة].
قلت: محمد هو البخاري.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال أبو زرعة: حديث أم حبيبة في هذا الباب أصح، وهو حديث العلاء بن الحارث عن مكحول عن عنبسة بن أبي سفيان عن أم حبيبة ﵂.
وقال محمد: لم يسمع مكحول من عنبسة بن أبي سفيان، وروى مكحول عن رجل عن عنبسة غير هذا الحديث، وكأنه لم ير هذا الحديث صحيحاً].
قال صاحب التحفة: قوله: (وفي الباب عن أم حبيبة وأبي هريرة وأروى بنت أنيس وعائشة وجابر وزيد بن خالد وعبد الله بن عمرو)، وأيضاً في الباب عن سعد بن أبي وقاص وأم سلمة وابن عباس وابن عمر وطلق بن علي والنعمان بن بشير وأنس وأبي بن كعب ومعاوية بن حيدة وقبيصة.
فأما حديث أم حبيبة فأخرجه ابن ماجه والأثرم، وصححه أحمد وأبو زرعة، كذا في (المنتقى).
وقال الخلال في العلل: صحح أحمد حديث أم حبيبة، وقال ابن السكن: لا أعلم به علة.
كذا في (التلخيص).
وأما حديث أبي أيوب فأخرجه ابن ماجة.
وأما حديث أبي هريرة فتقدم تخريجه، وأما حديث أروى ابنة أنيس -بضم الهمزة وفتح النون مصغراً- فأخرجه البيهقي، قال الحافظ في (التلخيص): وسأل الترمذي البخاري عنه فقال: ما تصنع بهذا؟! لا تشتغل به.
وأما حديث عائشة فأخرجه الدارقطني وضعفه، قال الحافظ: وله شاهد من حديث عبد الله بن عمرو.
وأما حديث جابر فأخرجه ابن ماجه والأثرم، وقال ابن عبد البر: إسناده صالح.
وقال الضياء: لا أعلم بإسناده بأساً.
وقال الشافعي: سمعت جماعة من الحفاظ غير ابن نافع يرسلونه.
وأما حديث زيد بن خالد فأخرجه أحمد والبزار.
وأما حديث عبد الله بن عمرو فأخرجه أحمد والبيهقي من طريق بقية حدثني محمد بن الوليد الزبيدي حدثني عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رفعه: (أيما رجل مس فرجه فليتوضأ، وأيما امرأة مست فرجها فلتتوضأ).
قال الترمذي في (العلل) عن البخاري: هو عندي صحيح.
وأما حديث سعد بن أبي وقاص فأخرجه الحاكم.
وأما حديث أم سلمة فذكره الحاكم.
وأما حديث ابن عباس فأخرجه البيهقي، وفي إسناده الضحاك بن حمزة، وهو منكر الحديث.
وأما حديث ابن عمر فأخرجه الدارقطني والبيهقي.
وأما حديث طلق بن علي فأخرجه الطبراني وصححه.
وأما حديث النعمان بن بشير فذكره ابن منده.
قلت: قال الطبراني: حدثنا الحسن بن علي الفسوي حدثنا محمد بن محمد الحنفي حدثنا حماد بن محمد الحنفي قال: حدثنا أيوب بن عتبة عن قيس بن أيوب بن عتبة عن قيس بن طلق عن أبيه طلق بن علي عن النبي ﷺ قال: (من مس فرجه فليتوضأ)].
وقال: لم يروه عن أيوب بن عتبة إلا حماد بن محمد، وقد روى الحديث الآخر حماد بن محمد، وهما عندي صحيحان، ويشبه أن يكون سمع الحديث الأول من النبي ﷺ -يعني السابق قبل هذا- ثم سمع هذا بعد، فوافق حديث بسرة وأم حبيبة وأبي هريرة وزيد بن خالد الجهني.
قلت: وكل هذه الروايات تقوي حديث بسرة، وتدل على أن العمل عليه دون حديث طلق بن علي: (إنما بضعة منك)، بل قد روي عن طلق بن علي نفسه حديث: (من مس فرجه فليتوضأ)، وفيه بعض الضعف، وهو يوافق حديث بسرة، فهو يؤيد أن حديث طلق بن علي الأول إما منسوخ، أو مرجوح بتقديم حديث بسرة بنت صفوان عليه.
وأما من قال: إن هذا الحديث يدل على الاستحباب جمعاً بينه وبين حديث طلق بن علي فليس بظاهر؛ لأنه ليس هناك دليل يدل على الاستحباب.
فالصواب أن حديث طلق إما منسوخ أو ضعيف، وأنه يجب الوضوء من ذلك، فالأحاديث صريحة في وجوب الوضوء.
قال الشارح: وقال الحافظ الحازمي في كتاب (الاعتبار): وممن روي عنه الإيجاب -يعني إيجاب الوضوء من مس الذكر- من الصحابة: عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وأبو أيوب الأنصاري وزيد بن خالد وأبو هريرة وعبد الله بن عمرو بن العاص وجابر وعائشة وأم حبيبة وبسرة بنت صفوان وسعد بن أبي وقاص -في إحدى الروايتين- وابن عباس -في إحدى الروايتين- رضوان الله عليهم أجمعين، ومن التابعين: عروة بن الزبير وسليمان بن يسار وعطاء بن أبي رباح وأبان بن عثمان وجابر بن زيد والزهري ومصعب بن سعد ويحيى بن كثير عن رجال من الأنصار، وسعيد بن المسيب -في أصح الروايتين- وهشام بن عروة والأوزاعي وأكثر أهل الشام والشافعي وأحمد وإسحاق، والمشهور من قول مالك أنه كان يوجب منه الوضوء.
اهـ قلت: وهذا الحكم عام؛ لأن الأحاديث التي فيها لفظة: (فرج) تشمل الرجال والنساء، ويجب الوضوء من المس ولو كان بدون قصد.
وبعضهم يسأل عن القابلة تضع قضيباً في يدها فتولد المرأة الحامل، فهل ينتقض وضوءها؟ فنقول: نعم ينتقض، وهذه حالة ليست دائمة، بل هي نادرة، فينبغي لها أن تتوضأ ولا يكلفها ذلك شيء.
стр. 95
ما جاء في ترك الوضوء من مس الذكر
стр. 96
شرح حديث طلق بن علي في ترك الوضوء من مس الذكر
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: ما جاء في ترك الوضوء من مس الذكر.
حدثنا هناد حدثنا ملازم بن عمرو عن عبد الله بن بدر عن قيس بن طلق بن علي -هو الحنفي - عن أبيه ﵁ عن النبي ﷺ قال: (وهل هو إلا مضغة منه أو بضعة منه).
وفي الباب عن أبي أمامة ﵁.
قال أبو عيسى: وقد روي عن غير واحد من أصحاب النبي ﷺ وبعض التابعين أنهم لم يروا الوضوء من مس الذكر، وهو قول أهل الكوفة وابن المبارك].
قال صاحب (تحفة الأحوذي): قوله: (وفي الباب عن أبي أمامة).
أخرجه ابن ماجه، وفي سنده جعفر بن الزبير، وهو متروك والقاسم وهو ضعيف.
قال الحافظ الزيلعي: وهو حديث ضعيف، قال البخاري والنسائي والدارقطني في جعفر بن الزبير: متروك، والقاسم أيضاً ضعيف.
قوله: (وقد روي عن غير واحد من أصحاب النبي ﷺ وبعض أنهم لم يروا الوضوء من مس الذكر، وهو قول أهل الكوفة وابن المبارك.
قال الحازمي في كتاب (الاعتبار): وقد اختلف أهل العلم في هذا الباب، فذهب بعضهم إلى حديث طلق بن علي، ورأوا ترك الوضوء من مس الذكر، روي ذلك عن علي بن أبي طالب وعمار بن ياسر وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وحذيفة بن اليمان وعمران بن حصين وأبي الدرداء وسعد بن أبي وقاص في إحدى الروايتين، وسعيد بن المسيب في إحدى الروايتين، وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي وربيعة بن عبد الرحمن وسفيان الثوري وأبي حنيفة وأصحابه ويحيى بن معين وأهل الكوفة.
اهـ واستدل هؤلاء بحديث طلق بن علي المذكور في هذا الباب.
وأجاب ابن الهمام عن حديث بسرة بنت صفوان المذكور في الباب المتقدم بأن حديث طلق بن علي يترجح عليه بأن حديث الرجال أقوى؛ لأنهم أحفظ للعلم وأضبط، ولهذا جُعلت شهادة امرأتين بمنزلة رجل.
قلت: وهذه دعوى تحتاج إلى دليل.
قال: وفيه أن بسرة بنت صفوان لم تنفرد بحديث إيجاب الوضوء من مس الذكر، بل رواه عدة من رجال الصحابة، منهم: أبو هريرة، وحديثه صحيح كما عرفت، ومنهم عبد الله بن عمرو، وحديثه -أيضاً- صحيح كما عرفت، ومنهم جابر، وإسناد حديثه صالح كما عرفت، ومنهم زيد بن خالد وسعد بن أبي وقاص وابن عباس وابن عمر وغيرهم، وتقدم تخريج أحاديثهم.
قلت: إذاً: فالقول بأن بسرة انفردت به من تعصب الحنفية المعروف، فقد رواه عدة من الصحابة.
قال: وأجاب بعضهم بأن حديث طلق أثبت من حديث بسرة، فقد أسند الطحاوي إلى ابن المديني أنه قال: حديث ملازم بن عمرو أحسن من حديث بسرة، وعن عمرو بن علي الفلاس أنه قال: حديث طلق عندنا أثبت من حديث بسرة.
وفيه أن الظاهر أن حديث بسرة هو الأثبت والأقوى والأرجح، قال البيهقي: يكفي في ترجيح حديث بسرة على حديث طلق أن حديث طلق لم يخرجه الشيخان، ولم يحتجا بأحد من رواته، وحديث بسرة قد احتجا بجميع رواته، كذا في (التلخيص).
وقال في حاشيته على شرح الوقاية: إن أحاديث النقض أكثر وأقوى من أحاديث الرخصة.
اهـ وأجاب بعضهم بأن حديث بسرة منسوخ بحديث طلق، وفيه أن هذا دعوى من غير دليل، بل الدليل يقتضي خلافه كما ستعرف عن قريب.
وأجاب بعضهم بأن المراد بالوضوء في حديث بسرة الوضوء اللغوي، أو غسل اليد.
وفيه أن الواجب أن تحمل الألفاظ الشرعية على معانيها الشرعية، على أنه قد وقع في حديث ابن عمر عند الدارقطني: (فليتوضأ وضوءه للصلاة).
وقال بعضهم: إن حديث بسرة وحديث طلق تعارضا فتساقطا، والأصل عدم النقض.
وذكر في المغني رواية عن أحمد في تعمد مس الذكر، فقال: فصل: فعلى رواية النقض لا فرق بين العامد وغيره، وبه قال الأوزاعي والشافعي وإسحاق وأبو أيوب وأبو خيثمة؛ لعموم الخبر، وعن أحمد: لا ينتقض الوضوء إلا بمسه قاصداً مسه.
قال أحمد بن الحسين: قيل لـ أحمد: الوضوء من مس الذكر؟ فقال: هكذا، فقبض على يده، وهذا قول مكحول وطاوس وسعيد بن الجبير وحميد الطويل، قالوا: إن مسه يريد وضوءاً وإلا فلا شيء عليه؛ لأنه لمس، فلا ينقض الوضوء من غير قصد، كلمس النساء.
قلت: هذه رواية مرجوحة.
قال رحمه الله تعالى: [قال أبو عيسى: وقد روي عن غير واحد من أصحاب النبي ﷺ وبعض التابعين أنهم لم يروا الوضوء من مس الذكر، وهو قول أهل الكوفة وابن المبارك، وهذا الحديث أحسن شيء روي في هذا الباب].
قلت: وهذا كما قال البخاري.
قال رحمه الله تعالى: [وقد روى هذا الحديث أيوب بن عتبة ومحمد بن جابر عن قيس بن طلق عن أبيه، وقد تكلم بعض أهل الحديث في محمد بن جابر وأيوب بن عتبة، وحديث ملازم بن عمرو عن عبد الله بن بدر أصح وأحسن].
قوله: [وهذا الحديث أحسن شيء روي في هذا الباب].
قال في الشرح: وأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه، وصححه ابن حبان والطبراني وابن حزم، وقال ابن المديني: هو أحسن من حديث بسرة، وضعفه الشافعي وأبو حاتم وأبو زرعة والدارقطني والبيهقي وابن الجوزي، وادعى فيه النسخ ابن حبان والطبراني وابن العربي والحازمي وآخرون، كذا في (التلخيص).
قلت: الخلاف مشهور، لكن حديث بسرة أصح.
قلت: والصواب أن المس خاص باليد، ففي بعض الروايات: (من مس فرجه بيده فليتوضأ)، واليد إذا أطلقت فالمراد بها الكف، كما قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:٣٨]، والمراد الكف إلى الرسغ، والمراد بالكف ظاهره وباطنه.
وهذا قول عطاء والأوزاعي، وقال مالك والليث والشافعي وإسحاق: لا ينقض مسه إلا بباطن كفه؛ لأن ظاهر الكف ليس بآلة اللمس، فأشبه ما لو مسه بفخذه.
ولكن الصواب أن الباطن والظاهر سواء، فلا فرق في الكف بين ظاهرها وباطنها، وأما المس بالذراع أو الرجْل أو الفخذ فلا ينقض الوضوء.
стр. 97
شرح جامع الترمذي_ أبواب الطهارة [٨]
من الأحكام الشرعية الثابتة في ديننا ما يتعلق بنواقض الوضوء، وفي جملة منها وفاق بين أهل العلم، وفي جملة منها نزاع بينهم، ومن ذلك القبلة، والقيء، والرعاف، كما أن من أحكام الوضوء وجوب حصوله بالماء المطلق دون المقيد، ويتصل بذلك معرفة طهارة المياه، ومن جملتها مياه آسار الحيوانات.
стр. 98
ما جاء في ترك الوضوء من القبلة
стр. 99
شرح حديث عائشة: (أن النبي قبّل بعض نسائه ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ)
قال المصنف ﵀: [باب: ما جاء في تَرك الوضوء من القبلة.
حدثنا قتيبة وهناد وأبو كريب وأحمد بن منيع ومحمود بن غيلان وأبو عمار الحسين بن حريث قالوا: حدثنا وكيع عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن عروة عن عائشة ﵂: (أن النبي ﷺ قبّل بعض نسائه ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ، قال: قلت: من هي إلا أنت؟ قال: فضحكت).
قال أبو عيسى: وقد روي نحو هذا عن غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين، وهو قول سفيان الثوري وأهل الكوفة، قالوا: ليس في القبلة وضوء.
وقال مالك بن أنس والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق: في القبلة وضوء، وهو قول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين].
قلت: لأن القبلة مس، فالقبلة بالفم مس للمرأة، وفاعل ذلك ينتقض وضوؤه عند الشافعية والحنابلة، وكذلك ينتقض وضوؤه إذا كان عن شهوة، والمعروف أن القبلة إنما تكون عن شهوة، والصواب أن المس لا ينقض الوضوء، سواء أكان عن شهوة أم عن غير شهوة، إلا إذا خرج منه شيء فإنه ينتقض الوضوء، وأما قوله تعالى: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء:٤٣] فالمراد به الجماع.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وإنما ترك أصحابنا حديث عائشة عن النبي ﷺ في هذا لأنه لا يصح عندهم؛ لحال الإسناد].
قال صاحب (تحفة الأحوذي): فهو ضعيف، لكن قال الشوكاني في (النيل): الضعيف منجبر بكثرة رواياته، وبحديث لمس عائشة ﵂ لبطن قدم النبي ﷺ ، والاعتذار عن حديث عائشة في لمسها لقدمه بما ذكره ابن حجر في (الفتح) من أن اللمس يحتمل أنه كان بحائل، أو أن ذلك خاص به تكلف ومخالفة للظاهر.
انتهى كلامه.
وهذا الحديث أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجة.
قال صاحب (تحفة الأحوذي): قوله: (عن عروة) قال الحافظ الزيلعي في (نصب الراية): لم ينسب الترمذي عروة في هذا الحديث أصلاً، وأما ابن ماجة فإنه نسبه فقال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا وكيع حدثنا الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن عروة بن الزبير عن عائشة فذكره، وكذلك رواه الدارقطني، ورجال هذا السند كلهم ثقات.
انتهى وكذلك قال الحافظ ابن حجر، وقال: وأيضاً فالسؤال الذي في رواية أبي داود ظاهر في أنه ابن الزبير؛ لأن المزني -يعني عروة المزني - لا يجسر أن يقول ذلك الكلام لـ عائشة.
انتهى كلام الحافظ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وإنما ترك أصحابنا حديث عائشة عن النبي ﷺ في هذا؛ لأنه لا يصح عندهم لحال الإسناد، قال: وسمعت أبا بكر العطار البصري يذكر عن علي بن المديني قال: ضعف يحيى بن سعيد القطان هذا الحديث جداً، وقال: هو شبه لا شيء، قال: وسمعت محمد بن إسماعيل يضعف هذا الحديث، وقال: حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من عروة].
قال صاحب (تحفة الأحوذي): قوله: (وقال: هو شبه لا شيء) يعني أنه ضعيف، والحديث أخرجه أبو داود وابن ماجة.
قال ابن أبي حاتم في كتاب (المراسيل): ذكر أبي عن إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين قال: لم يسمع حبيب بن أبي ثابت عن عروة، وكذلك قال أحمد: لم يسمع من عروة.
انتهى.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقد روي عن إبراهيم التيمي عن عائشة (أن النبي ﷺ قبلها ولم يتوضأ)، وهذا لا يصح أيضاً، ولا نعرف لـ إبراهيم التيمي سماعاً من عائشة، وليس يصح عن النبي ﷺ في هذا الباب شيء].
قلت: حبيب بن أبي ثابت ثقة فقيه جليل، وكان كثير الإرسال والتدليس، كما في (التقريب).
وقد اختلف في عروة هذا هل هو ابن الزبير أو المزني، والصواب أنه عروة بن الزبير؛ لأن عروة المزني لا يجرؤ على أن يسأل عائشة هذا السؤال.
وقال أبو داود: ولقد ثبت في أحاديث أخر أن حبيب بن أبي ثابت يروي عن عروة بن الزبير.
стр. 100
ما جاء في الوضوء من القيء والرعاف
стр. 101
شرح حديث: (قاء فأفطر فتوضأ)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: ما جاء في الوضوء من القيء والرعاف.
حدثنا أبو عبيدة بن أبي السفر -وهو أحمد بن عبد الله الهمداني الكوفي - وإسحاق بن منصور -قال أبو عبيدة: حدثنا وقال إسحاق: أخبرنا- عبد الصمد بن عبد الوارث حدثني أبي عن حسين المعلم عن يحيى بن أبي كثير قال: حدثني عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي عن يعيش بن الوليد المخزومي عن أبيه عن معدان بن أبي طلحة عن أبي الدرداء ﵁: (أن رسول الله ﷺ قاء فأفطر فتوضأ، فلقيت ثوبان في مسجد دمشق فذكرت ذلك له، فقال: صدق، أنا صببت له وضوءه)].
قال أبو عيسى: وقال إسحاق بن منصور: معدان بن طلحة.
قال أبو عيسى: وابن أبي طلحة أصح].
قال أبو عيسى: وقد رأى غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم من التابعين الوضوء من القيء والرعاف، وهو قول سفيان الثوري وابن المبارك وأحمد وإسحاق.
وقال بعض أهل العلم: ليس في القيء والرعاف وضوء، وهو قول مالك والشافعي.
وقد جود حسين المعلم هذا الحديث، وحديث حسين أصح شيء في هذا الباب، وروى معمر هذا الحديث عن يحيى بن أبي كثير فأخطأ فيه فقال: عن يعيش بن الوليد عن خالد بن معدان عن أبي الدرداء، ولم يذكر فيه الأوزاعي، وقال: عن خالد بن معدان، وإنما هو معدان بن أبي طلحة].
وهذا -إن صح- محمول على تعمد القيء، وأنه قد يكون مريضاً، والمريض له أن يتقيأ إن كان مضطراً حتى يزول ما يحس به من التعب والألم، أما إن عصر بطنه، أو أدخل أصابعه في حلقه فتقيأ متعمداً فهذا يفطر.
وأما إذا غلبه القيء وذرعه فلا يفطر، وفي الحديث: (من استقاء عمداً فليقض، ومن ذرعه القيء فلا قضاء عليه).
قال الشارح رحمه الله تعالى: وأورده الحافظ في التلخيص بهذا اللفظ، حيث قال: حديث أبي الدرداء أن رسول الله ﷺ قاء فأفطر رواه أحمد وأصحاب السنن الثلاثة وابن الجارود وابن حبان والدارقطني والبيهقي والطبراني وابن منده والحاكم من حديث معدان بن أبي طلحة عن أبي الدرداء أن رسول الله ﷺ قاء فأفطر.
قال معدان: فلقيت ثوبان في مسجد دمشق إلخ، ورواه الطحاوي بهذا اللفظ في شرح الآثار.
فمن يروم الاستدلال بحديث الباب على أن القيء ناقض للوضوء لا بد له من أن يثبت أن لفظ (توضأ) بعد لفظ (قاء) محفوظ، فما لم يثبت هذان الأمران لا يتم الاستدلال.
وقال الشارح: قلت: الاستدلال بحديث الباب موقوف على أمرين: الأول: أن تكون الفاء في (فتوضأ) للسببية، وهو ممنوع كما عرفت، والثاني: أن يكون لفظ (فتوضأ) بعد لفظ (قاء) محفوظاً، وهو محل تأمل، فإنه روى أبو داود هذا الحديث بلفظ (قاء فأفطر)، وبهذا اللفظ ذكر الترمذي في كتاب الصيام حيث قال: وروي عن أبي الدرداء وثوبان وفضالة بن عبيد أن النبي ﷺ قاء فأفطر.
قال: وإنما معنى هذا الحديث أن النبي ﷺ كان صائماً فقاء، فضعف (فأفطر) لذلك].
إذاً: المحفوظ في الصيام بلفظ قاء فأفطر، أما (فتوضأ) ففي ثبوتها نظر، ويحتمل أنه توضأ بعد ذلك لسبب آخر غير القيء، وقد تكون فاء (فتوضأ) للسببية، أي: قاء فتوضأ من أجل القيء، فإذا ثبت أن الفاء سببية صار القيء يوجب الوضوء، وفي ثبوتها نظر، لكن في الصيام يحمل على أنه تقيأ متعمداً فأفطر، أما وجوب الوضوء ففيه نظر.
стр. 102
ما جاء في الوضوء بالنبيذ
стр. 103
شرح حديث الوضوء بالنبيذ
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ما جاء في الوضوء بالنبيذ: حدثنا هناد حدثنا شريك عن أبي فزارة عن أبي زيد عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (سألني النبي ﷺ : ما في إداوتك؟ فقلت: نبيذ، فقال: تمرة طيبة وماء طهور، قال: فتوضأ منه).
قال أبو عيسى: وإنما روي هذا الحديث عن أبي زيد عن عبد الله عن النبي ﷺ .
وأبو زيد رجل مجهول عند أهل الحديث لا تعرف له رواية غير هذا الحديث].
هذا حديث ضعيف رواه الإمام أحمد أيضاً في المسند، وقال: لا يعمل به ولا يصح العمل به، والنبيذ هو العصير، والعصير لا يتوضأ به؛ لأنه ليس ماءً مطلقاً، وإنما هو مقيد، والله تعالى يقول: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء:٤٣]، ويقال له: ماء نبيذ، والماء المقيد يسلب عنه اسم الماء المطلق إذا كان معصوراً مع بعض الأشجار، أو الفواكه، أو كان فيه لبن أو ما أشبه ذلك فتغير اسمه، أي: سلب الاسم بسب اختلاطه بشيء آخر، فلا يصح الوضوء به.
والسند فيه أبو زيد، وهو مجهول، وشريك، وهو شريك القاضي ساء حفظه لما تولى القضاء.
стр. 104
أقوال العلماء في الوضوء بالنبيذ
قال الشارح رحمه الله تعالى: وقد رأى بعض أهل العلم الوضوء بالنبيذ، منهم: سفيان الثوري وغيره.
وهذا ضعيف، وأظنه مذهب الأحناف.
قال: وقال بعض أهل العلم: لا يتوضأ بالنبيذ، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق.
قلت: وهو الصواب؛ لأنه ليس ماءً مطلقاً وإنما هو ماء مقيد، ولا يتوضأ إلا بالماء المطلق، أما المقيد -كعصير الأشجار وعصير الفواكه، والماء الذي اختلط باللبن أو صب فيه حبر فتغير، وصار لا يسمى ماءً إلا بالقيد- فلا يتوضأ به.
قال: وقال إسحاق: إن ابتلي رجل بهذا فتوضأ بالنبيذ وتيمم أحب إلي.
قلت: لأنه مشكوك فيه، أي: توضأ بالنبيذ ثم تيمم لأنه شاك؛ فيتيمم من باب الاحتياط؛ لاحتمال أنه لا يجوز الوضوء به فيجمع بين الأمرين.
والصواب أنه إذا لم يجد ماء تيمم، فإن كان عنده عصير فواكه ولم يجد ماء فلا يتوضأ من العصير، بل يتيمم.
قال رحمه الله تعالى: [قال أبو عيسى: وقول من يقول: لا يتوضأ بالنبيذ أقرب إلى الكتاب وأشبه؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء:٤٣]].
والحديث أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجة.
قال الشارح رحمه الله تعالى: قوله: (وقد رأى بعض أهل العلم الوضوء بالنبيذ، منهم سفيان وغيره) ومنهم أبو حنيفة، قال في شرح الوقاية: فإن عدم الماء إلا نبيذ التمر، قال أبو حنيفة بالوضوء به فقط، وأبو يوسف بالتيمم فحسب، ومحمد بهما، انتهى.
واستدل لهم بحديث عبد الله بن مسعود المذكور في الباب، وقد عرفت أنه ضعيف لا يصلح للاحتجاج، وروي أن الإمام أبا حنيفة رجع إلى قول أبي يوسف، قال القاري في المرقاة: وفي (خزانة الأكمل) قال: التوضؤ بنبيذ التمر جائز من بين سائر الأشربة عند عدم الماء، ويتيمم معه عند أبي حنيفة، وبه أخذ محمد، وفي رواية عنه: يتوضأ ولا يتيمم، وفي رواية: يتيمم ولا يتوضأ.
وبه أخذ أبو يوسف وروى نوح الجامع أن أبا حنيفة رجع إلى هذا القول، انتهى.
وقال العيني في شرح البخاري (ص٨٤٩، ج١) ما لفظه: وفي أحكام القرآن لـ أبي بكر الرازي عن أبي حنيفة في ذلك ثلاث روايات: إحداها: يتوضأ به ويشترط فيه النية ولا يتيمم، وهذه هي المشهورة.
قال قاضي خان: هو قوله الأول، وبه قال زفر، والثانية: يتيمم ولا يتوضأ.
رواها عنه نوح بن أبي مريم وأسد بن عمر والحسن بن زياد، قال قاضي خان: وهو الصحيح عنه والذي رجع إليه، وبها قال أبو يوسف وأكثر العلماء، واختار الطحاوي هذا.
والثالثة: روي عنه الجمع بينهما، وهذا قول محمد انتهى.
وقال بعض أهل العلم: لا يتوضأ بالنبيذ وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق، وبه قال أكثر العلماء وجمهورهم، ودليلهم أن النبيذ ليس بماء، قال الله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء:٤٣] وأجابوا عن حديث الباب بأنه ضعيف لا يصلح للاحتجاج، وضعف الطحاوي -أيضاً- حديث عبد الله بن مسعود، واختار أنه لا يجوز بالنبيذ الوضوء في سفر ولا في حضر، وقال: إن حديث ابن مسعود روي من طرق لا تقوم بمثلها حجة، وقد قال عبد الله بن مسعود: إني لم أكن ليلة الجن مع النبي ﷺ ، ووددت أني كنت معه).
[وقول من قال: لا يتوضأ بالنبيذ أقرب إلى الكتاب وأشبه؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء:٤٣] أي: والنبيذ ليس بماء.
قال ابن العربي في العارضة: والماء يكون في تصفيته ولونه وطعمه، فإذا خرج عن إحداها لم يكن ماء.
وقال: فلم يجعل بين الماء والتيمم واسطة، وهذه زيادة على ما في كتاب الله ، والزيادة عندهم على النص نسخ، ونسخ القرآن عندهم لا يجوز إلا بقرآن مثله أو بخبر متواتر، ولا ينسخ الخبر الواحد إذا صح، فكيف إذا كان ضعيفاً مطعوناً فيه؟! انتهى.
تنبيه: قال صاحب العرف الشذي: وأما قول: إنه يلزم الزيادة على القاطع بخبر الواحد، فالجواب أنه وإن كان الماء المنبذ مقيداً في بادئ الرأي إلا أن العرب يستعملون النبيذ موضع الماء المطلق، فلم يكن على طريق التفكه، بل يكون مثل الماء المخلوط بالثلج المستعمل في زماننا، فإنه لا يقول أحد بأنه ماء مقيد.
انتهى.
قال الشارح: قلت: هذا الجواب واه جداً؛ فإن النبيذ لو كان مثل الماء المخلوط بالثلج لم يقع الاختلاف في جواز التوضؤ به عند عدم الماء.
قلت: الثلج هو ماء منعقد، وليس مثل النبيذ، بل الثلج ينعقد من الماء ويذوب فيكون ماء، فليس مثل النبيذ.
قال الشارح رحمه الله تعالى: والعجب كل العجب أنه كيف تفوه بأن النبيذ مثل الماء المخلوط بالثلج، ومعلوم أن الثلج نوع من أنواع من المياه الصرفة، فالماء المخلوط به ماء صرف، وأما النبيذ فليس بماء صرف، بل هو ماء اختلط به أجزاء ما ألقي فيه من التمر وغيره.
стр. 105
ما جاء في المضمضة من اللبن
стр. 106
شرح حديث تمضمض النبي بعد شربه اللبن
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: في المضمضة من اللبن: حدثنا قتيبة حدثنا الليث عن عقيل عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس ﵄ (أن النبي ﷺ شرب لبناً فدعا بماء فمضمض، وقال: إن له دسماً).
قال: وفي الباب عن سهل بن سعد الساعدي وأم سلمة ﵄.
قال أبو عيسى: وهذا حديث حسن صحيح.
وقد رأى بعض أهل العلم المضمضة من اللبن، وهذا عندنا على الاستحباب، ولم ير بعضهم المضمضة من اللبن].
المضمضة من اللبن مستحبة وليست بواجبة، وجاء في حديث آخر أن النبي ﷺ شرب لبنا ولم يتمضمض، فدل على الجواز.
стр. 107
كراهة رد السلام غير متوضئ
стр. 108
شرح حديث ابن عمر: (أن رجلاً سلم على النبي وهو يبول فلم يرد عليه)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في كراهة رد السلام غير متوضئ: حدثنا نصر بن علي ومحمد بن بشار قالا: حدثنا أبو أحمد ومحمد بن عبد الله الزبيري عن سفيان عن الضحاك بن عثمان عن نافع عن ابن عمر ﵄: (أن رجلاً سلم على النبي ﷺ وهو يبول، فلم يرد عليه).
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وإنما يكره هذا عندنا إذا كان على الغائط والبول، وقد فسر بعض أهل العلم ذلك، وهذا أحسن شيء روي في هذا الباب.
قال أبو عيسى: وفي الباب عن المهاجر بن قنفذ وعبد الله بن حنظلة وعلقمة بن الفغواء وجابر والبراء ﵃].
والحديث أخرجه مسلم.
قال الشارح رحمه الله تعالى: أما حديث المهاجر بن قنفذ فأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجة بلفظ: (إنه سلم على النبي ﷺ وهو يتوضأ فلم يرد عليه حتى فرغ من وضوئه فرد عليه، وقال: إنه لم يمنعني أن أرد عليك إلا أني كرهت أن أذكر الله إلا على طهارة)، وفي لفظ أبي داود: (وهو يبول).
وأما حديث عبد الله بن حنظلة فأخرجه أحمد بلفظ: (إن رجلاً سلم على النبي ﷺ وقد بال، فلم يرد عليه النبي ﷺ حتى قال بيده إلى الحائط، يعني أنه تيمم).
قال الهيثمي في مجمع الزوائد: فيه رجل لم يسم.
انتهى.
وأما حديث علقمة بن الفغواء فأخرجه الطبراني في الكبير بلفظ قال: (كان رسول الله ﷺ إذا أهرق الماء نكلمه فلا يكلمنا حتى يأتي منزله فيتوضأ وضوءه للصلاة، قلنا: يا رسول الله! نكلمك فلا تكلمنا ونسلم عليك فلا ترد علينا حتى نزلت آية الرخصة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [المائدة:٦]).
قال الهيثمي: وفيه جابر الجعفي، وهو ضعيف.
انتهى.
وأما حديث جابر -وهو ابن عبد الله ﵄ فأخرجه ابن ماجة وقد تقدم لفظه، وفي الباب عن جابر بن سمرة أيضاً قال: (دخلت على رسول الله ﷺ وهو يبول، فسلمت عليه فلم يرد علي، ثم دخل بيته ثم خرج، فقال: وعليكم السلام)، أخرجه الطبراني في الكبير والأوسط، وقال: تفرد به الفضل بن أبي حسان.
قال الهيثمي في مجمع الزوائد: لم أجد من ذكره.
وأما حديث البراء -وهو ابن عازب ﵄ فأخرجه الطبراني في الأوسط بلفظ: (إنه سلم على النبي ﷺ وهو يبول فلم يرد ﵇ حتى فرغ)، قال الهيثمي: فيه من لم أعرفه.
انتهى.
قال الشارح ﵀: قوله: (فلم يرد عليه) في هذا دلالة على أن المسلم في هذه الحالة لا يستحق جواباً، وهذا متفق عليه بين العلماء، بل قالوا: يكره أن يسلم على المشتغل بقضاء حاجة البول والغائط، فإن سلم كره له رد السلام، ويكره للقاعد لقضاء الحاجة أن يذكر الله تعالى بشيء من الأذكار، فلا يرد السلام، ولا يشمت العاطس، ولا يحمد الله تعالى إذا عطس.
قلت: الكراهة للتحريم، فلا يجوز له أن يتكلم إلا للضرورة، كأن يتكلم -مثلاً- إذا قرب أعمى من حفرة أو ما أشبه ذلك، أما رد السلام فليس له أن يرد وهو على هذه الحالة.
قال الشارح رحمه الله تعالى: وفي حديث جابر بن عبد الله عند ابن ماجة: (أن رجلاً مر على النبي ﷺ وهو يبول فسلم عليه، فقال له رسول الله ﷺ : إذا رأيتني على مثل هذه الحالة فلا تسلم علي، فإنك إن فعلت ذلك لن أرد عليك) ا.
هـ.
وهل يسلم على المتوضئ في المغاسل؟
و
الجواب
لا بأس إذا كانت المغاسل خارج الحمام، أما إذا كانت داخل الحمام فيكون الأمر من هذا الباب.
قال البوصيري في الزوائد: إسناد حديث جابر حسن.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [إنما يكره هذا عندنا إذا كان على الغائط والبول، وقد فسر بعض أهل العلم ذلك.
يريد حديث: (لا يذكر الله إلا على طهر) والحديث عن النبي ﷺ أنه لما سلم عليه أتى الحائط وتيمم، ثم رد السلام، وكراهة التنزيه تشمل غير المتوضئ، لكن جاء في بعض الأحاديث أن هذا قبل أن تنزل آية الوضوء.
قال الشارح ﵀: قوله (وإنما يكره هذا) أي: رد السلام (إذا كان) أي الذي سلم عليه (على الغائط والبول)، وأما إذا فرغ وقام؛ فلا كراهة في رد السلام، وعلى هذا فلا مطابقة بين الحديث والباب، إذ الحديث خاص والباب عام.
قلت: لكن لعله يريد أن العموم يشمل كراهة التنزيه، وأن الأولى أن لا يرد ﵇ حتى يتوضأ، لكن كون الإنسان لا يرد السلام إلا إذا كان على وضوء، وأن الكراهة في حقه كراهة تنزيه فيه نظر، فأرى أنه لا بأس برد السلام ولا حرج في ذلك، ويدل على هذا أن النبي ﷺ كان يذكر الله على كل أحيانه، والسلام من الذكر.
стр. 109
ما جاء في سؤر الكلب
стр. 110
شرح حديث (يغسل الإناء إذا ولغ فيه الكلب سبع مرات)
قال المصنف ﵀: [باب ما جاء في سؤر الكلب: حدثنا سوار بن عبد الله العنبري حدثنا المعتمر بن سليمان سمعت أيوب يحدث عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (يغسل الإناء إذا ولغ فيه الكلب سبع مرات، أولاهن أو أخراهن بالتراب، وإذا ولغت فيه الهرة غسل مرة)].
أخرج الشيخان وغيرهما أن الكلب إذا ولغ في الإناء يغسل سبع مرات أولاهن بالتراب، وفي لفظ: (إحداهن بالتراب) والأولى أن تكون الأولى حتى يغسلها ما بعدها.
أما الهرة فسؤرها طاهر؛ لأنها ليست بنجسة، أما حديث (أمرت بغسل الأنجاس سبعاً) فهو حديث ضعيف عند أهل العلم، والحديث ثابت في شأن الكلب.
قال رحمه الله تعالى: [قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق وقد روى هذا الحديث من غير وجه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ نحو هذا ولم يذكر فيه: (إذا ولغت فيه الهرة غسل مرة)].
وغسل الكلب سبع مرات ثابت في الصحاح والسنن والمسانيد.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال: وفي الباب عن عبد الله بن مغفل ﵁].
قال الشارح رحمه الله تعالى: قوله: (وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ نحو هذا ولم يذكر فيه: (إذا ولغت فيه الهرة غسل مرة)، قال الحافظ في الدراية بعد نقل هذا الحديث عن جامع الترمذي، وذكر قوله هذا: وقد أخرجه أبو داود وبين أن حديث الهر موقوف.
انتهى.
أي: موقوف على أبي هريرة.
قال الشارح رحمه الله تعالى: وقال البيهقي في المعرفة: حديث محمد بن سيرين عن أبي هريرة: (إذا ولغ الهر غسل مرة)، فقد أدرجه بعض الرواة في حديثه عن النبي ﷺ في ولوغ الكلب ووهموا فيه، والصحيح أنه في ولوغ الكلب مرفوع، وفي ولوغ الهر موقوف، ميزه علي بن نصر الجهضمي عن قرة بن خالد عن ابن سيرين عن أبي هريرة ووافقه عليه جماعة من الثقات.
وروى الدارقطني هذا الحديث في سننه من طريق أبي بكر النيسابوري عن حماد وبكار عن أبي عاصم عن قرة بن خالد عن محمد عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (طهور الإناء إذا ولغ فيه الكلب يغسل سبع مرات، الأولى بالتراب، والهرة مرة أو مرتين)، قرة يشك.
ثم قال الدارقطني: قال أبو بكر: كذا رواه أبو عاصم مرفوعاً، ورواه غيره عن قرة ولوغ الكلب مرفوعاً، وولوغ الهر موقوفاً.
انتهى.
следующие страницы →