← Фикх общий

Фикх общий · id 36977

شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان - حطيبة

أحمد حطيبة

Полный текст (387 стр.). Показаны 351–387 · переход к 356.

стр. 351

تنظيف المساجد وإزالة ما فيها من أذى يسن كنس المسجد وتنظيفه وإزالة ما يُرى فيه، والمسلم عليه أن ينظف بيت الله فلا يلقي الحصا ولا الشعر ولا التراب، وإذا دخل ينظر إلى حذائه إذا كان فيها تراب وخصوصاً في الصيف، فإذا كان في الحذاء تراب نظفها بإزالته ولا يؤذي أحداً عند تنظيفها، فإذا دخلت المسجد فضع الحذاء في المكان المخصص له، كذلك نظافة المسجد فلا تعتمد على من يكنسه فهذا الذي يعمل في المسجد ربما يكون واحداً أو اثنان وهذا قليل، فلا يقدر على أن يكنس ثلاثة أدوار في المسجد وينظفه إلا أن نساعده كلنا, وأن لا يرمي أحد شيئاً في المسجد حتى لا يؤذ غيره، وإذا وجد من ذلك شيئاً أزاله. ولا ينبغي للإنسان أن يرمي نوى التمر من طاقة المسجد إلى الشارع ويتعذر أن الناس كلهم يفعلون ذلك, بل لا بد أن يكون هناك فرق بينك وبين الناس, فضع النوى في مكانه المخصص له وأزله من الشارع، فإن في إزالة الأذى من الطريق أجر، وقد أخبر النبي صلوات الله وسلامه عليه في الحديث أن: (الإيمان بضع وسبعون شعبة أو بضع وستون شعبة، أعلاها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق). فكأن الذي لا يميط الأذى عن الطريق قد فقد شعبة من شعب الإيمان, فهذا الذي يتركها في الطريق، فما بالك بالذي يضعها فيه؟! جاء عن النبي ﷺ أنه دخل المسجد فرأى نخامة في القبلة، فاحمر وجهه صلوات الله وسلامه عليه, وأخذ عوداً فحكها، وجاءت امرأة من الأنصار فمسحتها، وجاءت بطيب وطيبت مكانها، فمدحها النبي ﷺ وقال: (ما أحسن هذا!). فالإنسان الذي يكنس بيت الله وينظفه له أجر عظيم عند الله، ويكفي في فضيلته أن امرأة كانت تقم المسجد في عهد النبي ﷺ , أي: ترفع القمامة أو أي شيء يؤذي المصلين من المسجد, فلما ماتت هذه المرأة كأن الناس احتقروها, فدفنوها من غير أن يؤذنوا بها النبي ﷺ ، فلما افتقدها سأل: أين فلانة؟ قالوا: ماتت ودفناها, فحزن النبي ﷺ وقال: (إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أصحابها، وإن الله ينيرها لهم بصلاتي عليهم, دلوني على قبرها, فدلوه على قبرها, فذهب يصلي عليها عند قبرها)، فصلى على هذه المرأة، مع أن هناك كثيراً ماتوا بالليل ودفنوا ولم يسأل عنهم، أو لما أخبروه سكت ﷺ ، لكن هذه المرأة لها فضيلة، فهي كانت تكنس مسجد النبي ﷺ , وكأن الذي يكنس بيت الله له فضيلة يستحق أن يحمد عليها، ويستحق أن يصلى عليه إذا مات ويدعى له, فالذي ينظف بيت الله ﵎ يعتبر من عمار بيوت الله، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [التوبة:١٨]. كذلك جاء عن جابر (أن رجلاً مر في المسجد بأسهم قد أبدى نصالها فأمره أن يأخذ بنصالها، لا يخدش المسلمين)، لأنه من الممكن أن يؤذي بها الناس في المسجد أو في الطريق, فأمره أن يمسك بالنصال حتى لا يؤذي أحداً من الناس وهو يسير داخل المسجد.

стр. 352

البداءة بالمسجد والصلاة فيه عند القدوم من سفر كذلك من الآداب: أنك لو كنت مسافراً فأول ما تقدم تأتي المسجد وتصلي فيه ركعتين إن استطعت ذلك, فهذا خير، وهذا ما كان يفعله النبي ﷺ إذا قدم من سفر، فإنه كان يبدأ بالمسجد فيصلي فيه ركعتين.

стр. 353

استحباب استحضار نية الاعتكاف عند دخول المسجد والمكث فيه ينبغي للجالس في المسجد لانتظار صلاة أو الاشتغال بعلم أو غير ذلك أن ينوي الاعتكاف، فإن جمهور أهل العلم على أن الاعتكاف لا حد لأقله, فيجوز أن تعتكف ساعة أو أكثر من ذلك, وذهب بعض أهل العلم مثل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وغيره إلى أن أقل الاعتكاف يوم أو ليلة. والراجح: أنه لا دليل ينص على ذلك, والدليل الذي استدل به شيخ الإسلام ﵀، هو: أن عمر نذر أن يعتكف ليلة في الجاهلية، فقال النبي ﷺ : (أوف بنذرك)، وهذا لا يكفي للتحديد، حتى نقول: إن أقل من ليلة ليس اعتكافاً. فإذا جئت إلى المسجد فيستحب لك أن تنوي الاعتكاف؛ لتحصل على أجر الاعتكاف وأجر انتظار الصلاة. ولا بأس بإغلاق المسجد في غير وقت الصلاة لصيانته, وهذا الذي يتعين الآن في زماننا حتى لا تمتهن، وتجد بعض المساجد اليوم إذا فتحت يدخل فيها الكثير من الناس ينامون ويستريحون فيها، فإذا أذن المؤذن للصلاة يذهب ولا يصلي، فلا يفتح المسجد لمثل هؤلاء، فتارك الصلاة لا يدخل المسجد يمتهن بيت الله، وبعضهم يدخن السيجارة في دورة المياه ينتهك حرمة بيت الله ويؤذي الملائكة، وإذا نصحته قال: هذا بيت الله أيش دخلك؟ فمثل هذا يمنع من دخول المسجد، ولا بأس بإغلاق المساجد من هؤلاء في غير أوقات الصلاة.

стр. 354

صلاة ركعتين تحية للمسجد يكره لداخل المسجد أن يجلس حتى يصلي التحية, قال النبي ﷺ : (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين)، فهذا الحديث لو كان وحده لكان دليلاً على وجوب تحية المسجد, وقد ذهب إلى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. ولكن الراجح: أن هذا الحديث ليس وحده، وإنما جاء معه ما جاء عن النبي ﷺ في ليلة المعراج: أن الله قال في الخمس الصلوات المفروضات: (هن خمس في العمل وخمسون في الأجر -إلى أن قال:- أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي). فعلى ذلك لا يزاد على هذه الفريضة. فالراجح: أن هذه الصلاة سنة، وليست فرضاً. كذلك لما أرسل ﷺ معاذاً في آخر حياته إلى اليمن -وتوفي النبي ﷺ ورجع معاذ بعد وفاته- أرسله بخمس صلوات في اليوم والليلة, وأنه لا أكثر من ذلك، فقال ﷺ : (فأخبرهم أن الله قد افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة). يتضح من ذلك: أنه إذا جاء عن النبي ﷺ أحاديث تفيد لزوم صلاتي الوتر وتحية المسجد فإنها تحمل على الندب أو على شدة الاستحباب, وليس على الوجوب. كذلك كما ذكرنا قبل ذلك أنه ينبغي للقاضي أن لا يتخذ المسجد مجلساً للقضاء, فلا يُتحاكم فيه، ولا تقام فيه الحدود؛ حتى لا ترتفع الأصوات والله أعلم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين.

стр. 355

شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان - أحكام المساجد وآدابها وأحكام صلاة العيد للمساجد آداب لا بد للمسلم أن يتحلى بها، فهي بيوت الله العامرة بالذكر والصلاة والعلم وغير ذلك، ويكره عند بنائها زخرفتها. ويحرم اتخاذ القبور مساجد، وحائط المسجد من داخله وخارجه له حكم المسجد. ويحرم الخروج من بعد الأذان حتى يصلى إلا لعذر، وبناء المساجد فضله عظيم عند الله سبحانه. وصلاة العيدين مشروعة، ولها آداب ومستحبات، والأحرى بالمسلم أن يلتزم بها

стр. 356

تابع آداب المساجد

стр. 357

صلاة تحية المسجد الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. مما ذكرنا في آداب المساجد: أن النبي ﷺ قال: (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين). ففيه أن المسجد له تحية، فإذا دخلنا المسجد صلينا تحية المسجد، وهذه التحية سنة على ما قال جماهير أهل العلم. وإذا دخلت في أي وقت من الأوقات المسجد صليت تحية المسجد حتى ولو كان الخطيب على المنبر يخطب، فلك أن تصلي ركعتين وتتجوز فيهما، ولا تتخطى الرقاب في دخولك المسجد، إلا في ثلاثة أوقات قليلة ضيقة، وهي أوقات حرم علينا النبي ﷺ فيها صلاة النافلة وأن نؤخر الفريضة إليها اختياراً.

стр. 358

الأوقات التي يحرم فيها صلاة النافلة وسجود التلاوة الأوقات التي تحرم النافلة فيها هي: وقت شروق الشمس إلى أن تطلع، وقبيل الغروب أيضاً، وقبيل صلاة الظهر. أي: عند طلوع الشمس حوالي ربع ساعة، وبعد طلوعها بمقدار ثلث ساعة، ويحرم عليك فيها أن تسجد للتلاوة، أو تتنفل كتحية مسجد أو غيرها. كذلك قبيل صلاة الظهر بوقت قليل جداً بمقدار ركعة واحدة، هذا الوقت القليل الذي قبل صلاة الظهر اسمه وقت استقلال الظل بالرمح، وهو وقت تسجر فيه جهنم، ونهانا النبي ﷺ عن الصلاة فيها. كذلك قبل غروب الشمس، أي: في الوقت الذي بدأت فيه الشمس تنزل وتلامس الأفق، وستنزل تحت الأفق، وهذا الوقت يأخذ حوالي ثلث ساعة أو ربع ساعة، أيضاً تحرم فيه الصلاة. إذاً: فهذه ثلاثة أوقات تحرم فيها صلاة النافلة، فإذا دخلت المسجد فإما أن تجلس وإما أن تقف وتنتظر أذان الصلاة للفريضة.

стр. 359

تحريم اتخاذ القبور مساجد أيضاً مما يحرم في المساجد أن يقبر فيها، أو يُتخذ على القبر مسجد، فقد نهى النبي ﷺ في أحاديث كثيرة متواترة عنه أن تبنى المساجد على القبور، أو أن تتخذ القبور مساجداً. من هذه الأحاديث: حديث السيدة عائشة في الصحيحين: أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأتاها بالحبشة فيها تصاوير، فذكرتا للنبي ﷺ ذلك، وكانت السيدة أم سلمة وأم حبيبة ﵄ ممن هاجرن إلى الحبشة، فيذكران للنبي ﷺ أنهما رأتا في الحبشة كنيسة، وفيها صور كعادة النصارى في وضع صور بداخل الكنائس. فقال: (إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات، بنوا على قبره مسجداً وصوروا فيه تلك الصور، فأولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة). لاحظ أنه لم يقل: يسجدون للرجل الصالح، ولم يقل: يعبدون الرجل الصالح، قال: إن الرجل الصالح إذا كاد أن يموت يضعونه في قبر، ويبنون مسجداً فوق القبر، فنهانا عن ذلك صلوات الله وسلامه عليه. وفي صحيح مسلم عن جندب بن عبد الله البجلي ﵁ قال: (سمعت النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول: إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل) وهذا قبل أن يموت بخمسة أيام صلوات الله وسلامه عليه. يقول: (فإن الله تعالى قد اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً، ولو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد)، وما سمعنا أنهم عبدوا أنبياءهم على نبينا وعليهم الصلاة والسلام، إلا ما فعل النصارى مع المسيح، قال: (يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد؛ إني أنهاكم عن ذلك). فيحرم على المسلمين أن يبنوا المساجد على القبور أو أن يدخلوا قبور الصالحين بداخل المساجد.

стр. 360

استثناء المسجد النبوي من سائر المساجد في دخول قبر النبي ﷺ أما المسجد النبوي فلا يقاس ولا يلحق به غيره؛ لأنه أخبر أنه يدفن حيث يموت ﷺ ، ومات في غرفته صلوات الله وسلامه عليه، وغسل فيها ودفن فيها حيث مات ﷺ ، فلما وسعوا المسجد صار القبر بداخل مسجده ﵊. وكان الصحابة رضوان الله عليهم يتحرون أن يكون القبر بعيداً عن مسجده ﷺ ، أو على الأقل لا أحد يسجد إلى القبر، فبنوا سوراً بحيث يحرف عن القبر، فلا يسجد أحد إلى قبره ﷺ ، ثم بعد ذلك وسع المسجد على ما هو معروف عليه الآن، ومكان النبي ﷺ لا يلحق به غيره، ويحرم أن يحول من مكانه ﷺ ؛ لأنه أخبر أنه يدفن حيث يموت. وهذا خاص به ﷺ ، وليست سنة كما يزعم بعض من يكذبون ويقولون: إن اتخاذ القبور على المساجد سنة النبي ﷺ ، ويدعون على من يحرمون ذلك، ويقولون: أماتوا السنة أماتهم الله، ألا لعنة الله على الكذابين، ولعنة الله على من يكذب على النبي ﷺ ، ويفتري عليه أن هذه من سنته، والله ما هي من سنته، وإنما حرم النبي ﷺ ذلك، وقال: (إني أنهاكم عن ذلك) صلوات الله وسلامه عليه. فلا يحل لأحد أن يبني مسجداً على قبر لنهي النبي ﷺ عن ذلك. وروى الإمام أحمد عن أبي عبيدة بن الجراح ﵁ أنه قال: (كان آخر ما تكلم به النبي ﷺ : أن أخرجوا يهود الحجاز من جزيرة العرب، واعلموا أن شرار الناس الذين يتخذون القبور على المساجد) والذين يفعلون ذلك، والذين يفتون للناس بذلك، والذين يوحون بذلك، والذين يكذبون وينسبون ذلك إلى سنة النبي ﷺ ويقولون: إنها السنة، ألا لعنة الله على الكذابين، فإن النبي ﷺ حرم ذلك ومنعه ﵊.

стр. 361

الرد على من يحتج بما رواه موسى بن عقبة في جواز اتخاذ المساجد على القبور أما ما يتشدق به بعضهم ويقول: أين أنتم من الحديث الذي رواه موسى بن عقبة بإسناد صحيح أن أبا بصير لما مات بنى أبو جندل على قبره مسجداً. فقد كذبوا في ذلك، فلعنة الله على الكذابين، قالوا: بإسناد صحيح، ولا يوجد إسناد لهذا الحديث، بل هو أبعد من أن يرويه موسى بن عقبة عن الزهري ويذكر ذلك، ولم يشهد الزهري ذلك، ولم يشهد هذه القصة التي حدثت لـ أبي جندل وأبي بصير، هذه كانت في صلح الحديبية، وصلح الحديبية كان في ذي القعدة من سنة ست، ثم هاجر أبو جندل وجاء للنبي ﷺ وأبو بصير، فلما حدثت القصة المعروفة راح أبو جندل وأبو بصير عند مكان اسمه سيف البحر بين مكة وبين المدينة يقطعون الطريق على أهل مكة، فيذكر الإمام موسى بن عقبة عن الزهري: أن أبا بصير لما مات في هذا المكان دفنه أبو جندل وأقام عنده مسجداً، فـ الزهري ذكر ذلك، لكن من أين أتى به؟ والزهري حين يروي عن النبي ﷺ هناك اثنان بينه وبين النبي ﷺ . فهذا الحديث معضل، والمعضل من أنواع الحديث الضعيف، وهذا الحديث الذي يقولون عنه: بإسناد صحيح، ليس له إسناد إلا هذا، فـ موسى بن عقبة يقول: قال الزهري كذا، فذكر عن الزهري وأطلقه هكذا مرسلاً. ثم لو فرضنا صحة ذلك، فهل فعل ذلك أبو جندل بإذن النبي ﷺ ؟ كان بعيداً عن النبي ﷺ هو عند سيف البحر خائفاً أن يأتي المدينة، وقد أمر النبي ﷺ أن يرجع لأهل مكة، فلذلك كان بعيداً عند سيف البحر، وفعل ذلك بغير مشورة من النبي ﷺ . هذا لو صح هذا الشيء. ولو فرضنا أنه كان مشروعاً في ذلك الحين فهو منسوخ؛ لأن النبي ﷺ في آخر حياته وقبل وفاته بخمسة أيام حرم ذلك ومنعه. وإذا رأيتم مثل هذا الحديث مع الأحاديث الصحيحة المتواترة عن النبي ﷺ التي يحرم فيها بناء المساجد على القبور ثم يخرج من يزعم للناس أن هؤلاء كذابون، وهؤلاء أماتوا سنة النبي ﷺ ، وأنه لا مانع من اتخاذ الأضرحة في القبور، من أولى بهذه الدعوة؟ من قال خلاف ما قاله النبي ﷺ وأفتى للناس بذلك، أم الذي يتابع هدي النبي ﷺ ويحرم ما حرمه النبي صلوات الله وسلامه عليه، ففي الحديث: (نهى النبي ﷺ عن بناء المساجد فوق القبور). أما ما يتشدقون به ويقولون: أليس القرآن يقول: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ [الكهف:٢١]؟ فنقول: إنه لم يقل: قال الأنبياء، ولم يقل: قال الصالحون، بل قال: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ﴾ [الكهف:٢١] وهم الحكام، ومنذ متى كان الحكام لهم رأي في فقه أو في غير فقه، فهم لا يرجعون بعقولهم، فقد أحب الحاكم أن يبني عليه مسجداً ففعل هذا الشيء. ولو فرضنا أن هذا كان جائزاً في عصورهم فقد نسخ بشرعنا وبتحريم النبي ﷺ ذلك، فلا حجة لأحد أبداً أن يقول: يجوز اتخاذ الأضرحة واذهبوا إلى القبور وزوروها، ويذهب الناس لزيارة الأضرحة ويلفون حولها ويطوفون كما يطوفون بالكعبة ويسألونها من دون الله ، فهذا شرك وقد نهانا ربنا عن الشرك فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]. ففي الدعاء لا تدع ربك فقط، وليس لك أن تدعو غيره ، وإذا أردت التوسل فتوسل إلى الله بما هو مشروع في الدين، فتوسل إليه تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، وتوسل إليه بالعمل الصالح، ومن العمل الصالح حبك للأنبياء وللصالحين. وتوسل إلى الله بدعوة الصالحين لك، أما أن تتوسل بأموات، أو بقبور، أو بمشاهد، فهذا ما أنزل الله به من سلطان، بل قد حرمه النبي ﷺ كما في الأحاديث الصحيحة، ويقال لهذا الذي يقول: أين أخفيتم هذا الحديث: بل أنت أظهر لنا إسناده الذي تفتريه وتزعم أنه إسناد صحيح ولا حول ولا قوة إلا بالله.

стр. 362

حائط المسجد من داخله وخارجه له حكم المسجد ومن الأحكام التي يذكرها العلماء في المساجد: أن حائط المسجد من داخله وخارجه له حكم المسجد، فكما أنه لا يجوز تقذير المسجد من الداخل فكذلك لا يجوز تقذيره من الخارج، فلا يجوز لأحد أن يوسخ المسجد من الخارج، فداخل الحائط وخارجه سواء، فينبغي أن يصان خارج المسجد كما يصان داخله عما يقذره. كذلك ينبغي إذا دخل أحد المسجد أن يتفقد نعليه، وهذا ذكرناه قبل ذلك، وقال النبي ﷺ : (إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر فإن رأى في نعليه قذراً أو أذى فليمسحه وليصل فيهما). هذا حين كان المسجد مفروشاً بالحصباء وبالحصى والتراب، أما الآن وهو مفروش بالحصير والسجاجيد والموكيت فلا يجوز أن تدخل عليه بالحذاء؛ لأنك تقذره، وقد ذكرنا فتوى شيخ الإسلام ابن تيمية في تحريم تقذير حصر المسجد.

стр. 363

تحريم الخروج من المسجد بعد الأذان حتى يصلى إلا لعذر أيضاً من أحكام المساجد: أنه يحرم الخروج منها بعد الأذان حتى يصلى إلا لعذر. فإذا كنت داخل المسجد وسمعت الأذان فلا يجوز لك أن تخرج منها إلا لعذر، فمثلاً: إنسان أحدث ويريد أن يذهب للبيت ليتوضأ، أو تذكر أنه على جنابة ويريد أن يذهب إلى البيت ليغتسل، أو أنه اضطر لأنه إذا دخل المسجد فإن صاحبه يفوته وهو مسافر، فله عذر في ذلك كله، فخروج الإنسان لعذر من الأعذار جائز، وخروجه لغير عذر يحرم؛ لقول النبي ﷺ : (من أدركه الأذان وهو في المسجد ثم خرج لم يخرج لحاجة وهو لا يريد الرجعة فهو منافق) فالذي يدركه الأذان داخل المسجد ثم خرج لا ينوي الرجوع إلى المسجد وصفه النبي ﷺ بأنه منافق.

стр. 364

ما يقال عند دخول المسجد والخروج منه إن النبي ﷺ كان خارجاً لصلاة الفجر في المسجد فدعا ربه سبحانه وقال: (اللهم اجعل في قلبي نوراً، وفي لساني نوراً، واجعل في سمعي نوراً، واجعل في بصري نوراً، واجعل من خلفي نوراً، ومن أمامي نوراً، واجعل من فوقي نوراً، ومن تحتي نوراً، اللهم أعطني نوراً)، فينبغي لنا أن نسأل الله ما سأله نبيه ﷺ ، ويستحب لك إذا أتيت المسجد أن تدعو بهذا الدعاء. كذلك كان إذا دخل المسجد يدخل برجله اليمنى ويقول: (أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم). فإذا دخل المسلم المسجد فالمستحب عند الدخول تقديم الرجل اليمنى، وعند الخروج تقديم اليسرى وليس اليمنى. وفي دخولك تقول: (رب اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك)، وفي خروجك تقول: (رب اغفر لي أو تصلي على النبي ﷺ فتقول: اللهم صل على محمد، اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك)، وكلنا نحفظ هذه الأحاديث التي في دخول المسجد وفي الخروج من المسجد.

стр. 365

استحباب بناء المساجد يسن بناء المساجد، وفيها فضل عظيم، وكذا المشاركة في بناء المسجد وتعهدها وإصلاحها، وإصلاح دورات المياه فيها وإصلاح صنابيرها وأبوابها ونوافذها وأرضها وغير ذلك، فإصلاح المسجد من عمارة بيت الله ، وفيه أجر عظيم، وقال النبي ﷺ : (من بنى مسجداً يبتغي فيه وجه الله بنى الله له مثله في الجنة)، وفي حديث آخر: (من بنى مسجداً لله كمفحص قطاة أو أصغر بنى الله له بيتاً في الجنة) ومعنى: مفحص قطاة أي: بيت حمامة، فمسجد مثل عش الحمامة من سيصلي فيه؟ وكأن المعنى: أنه شارك في بناء المسجد، فإذا كان المسجد فرضاً يكلف ألف جنيه مثلاً واشترك فيه ألف واحد وكل واحد دفع جنيهاً، أصبح لكل واحد نصيب من هذا البناء العظيم. فهذا الجزء القليل لا يضيعه الله ، ومهما صغر الجزء الذي أنت تبرعت به للمسجد فإن الله قد يجعل لك خيراً منه في الجنة.

стр. 366

جواز بناء المسجد في موضع كان فيه كنيسة أو بيعة أو مقبرة أيضاً من الأحكام: أنه يجوز بناء المسجد في موضع كان فيه كنيسة أو بيعة أو مقبرة درست إذا أصلح ترابها، يعني: كأن يبني الناس المسجد على مكان كان فيه مزبلة، أو كنيسة وهدمت وخربت وهجرها أهلها، فأخذوا المكان أو اشتروه، ونظفوا الأرض وبنوا مسجداً فهذا جائز ولا شيء فيه، ولا يضر أنه كان غير ذلك، المهم أنه الآن أصبح مسجداً. لذلك فإن مسجد النبي ﷺ كان خربة، كان قبل هجرته ﷺ خربة لغلامين من الأنصار، فلما جاء النبي ﷺ قال: (يا بني النجار ثامنوني بحائطكم هذا). ومعنى: (ثامنوني) أي: أعطونا كي نشتري منكم هذا، وكان يحب أن يدفع ثمنه ﷺ ، فالأنصار قالوا: نحن نرضي الغلامين ولا نطلب أجراً إلا من الله. يعني: نحن سنشتريه من الغلامين ونطلب الأجر من الله، وليس من النبي ﷺ ، فالنبي ﷺ بنى معهم المسجد في القصة المعروفة.

стр. 367

ما يكره في بناء المساجد تكره زخرفة المسجد، والأصل أن يهتم المسلمون بتلاوة القرآن فيه لا بزخرفته وعدم الصلاة فيه، فإذا كان الناس يهتمون بزخرفة المساجد فإن هذه ستكون غايتهم، فيزخرفون ثم لا يصلون، فهذا شيء مكروه، وقد يصل إلى التحريم إذا كانت الزخرفة بما يحرم، كالذين يجعلون فيها الصور مثلاً، وهذا لا يجوز مهما كانت العلة، كأن توضع في جدران المسجد صور جهاد في فلسطين أو في أفغانستان أو نحو ذلك، فهذا لا ينبغي أن يكون في بيت الله ، والبعض يرسم صوراً للجهاد بيده كاركاتير أو غيره، ويقول: لأجل أن نحمس الناس، فإن هذا غير مطلوب في المسجد بل هو ممنوع، والملائكة لا تدخل بيتاً فيه كلب أو صورة، فليس لك أن تجعل في بيت الله ما يجعل الملائكة لا تدخل فيه. قال النبي ﷺ في الحديث: (لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد). وكثيراً من المساجد فيها من الزخرفة والافتخار ما فيها، ولا تجد فيها من يصلي، ففي صلاة الفجر تجد المسجد فارغاً فيه ثلاثة أو أربعة فقط، فالتباهي بالمسجد كالزخرفة ليس هذا هو المطلوب، وإنما المطلوب عمارة بيت الله سبحانه. بالذكر والصلاة والاعتكاف ودروس العلم، هذا الذي يكون إعمار المسجد به. قال ﷺ : (إذا زخرفتم مساجدكم وحليتم مصاحفكم فالدمار عليكم) أي: إذا كان هذا هو همكم، أي: تجميل المصاحف وتجميل المساجد ولا أحد يصلي فيها، وكأنه يقول: إذا نظرتم للقشور وتركتم الأصول، ونظرتم للزخارف وتركتم دين الله وراءكم ظهرياً، فهنا في هذه الحالة الدمار عليكم، أي: فانتظروا الدمار من الله . أيضاً مما ذكرناه قبل ذلك قوله ﷺ : (أحب البلاد إلى الله تعالى مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها). فينبغي أن يصان المسجد عما يصنع في السوق من صخب وإزعاج ورفع صوت وبيع وشراء وغير ذلك، على ما ذكرناه قبل ذلك.

стр. 368

جواز تسمية المسجد باسم شخص لا بأس أن يقال: مسجد فلان، ومسجد بني فلان، تقول: هذا مسجد الإمام البخاري، وهذا مسجد الإمام مسلم، ومسجد شيخ الإسلام، ومسجد كذا، فلا مانع من ذلك، قال: في مساجد الأنصار، مسجد بني فلان ومسجد بني فلان، لا مانع؛ لأنهم كانوا يقولون ذلك، ففي الحديث: (أن النبي ﷺ سابق بين الخيل التي أضمرت من الحفياء وكان أمدها ثنية الوداع، وسابق بين الخيل التي لم تضمر من الثنية إلى مسجد بني زريق)، فسمي مسجد في حياته ﷺ بمسجد بني زريق، وهذا هو الشاهد من هذا الحديث.

стр. 369

جواز مكث الحائض والجنب في المصلى الذي ليس بمسجد المصلى المتخذ للعيد وغيره -الذي ليس بمسجد- لا يحرم المكث فيه على الجنب والحائض، فنقول: نصلي العيد في المسجد والجمع في المسجد، والصلاة في مصلى في الشارع ليس له حكم المسجد إلا في أن لهم ثواب الجماعة، ولهم ثواب الجمعة وثواب العيد. فلا يحرم على المرأة الجنب أو الحائض أو الرجل الجنب المكث في مصلى في الشارع؛ لأن هذا مهما كان حكمه فهو شارع وليس مسجداً فيفرق بين الاثنين، ففي الحديث الذي في الصحيحين قالت أم عطية: (إن النبي ﷺ أمر الحيض أن يحضرن يوم العيد ويعتزلن المصلى). فأمر النبي ﷺ النساء الحيض أن يحضرن صلاة العيد مع الناس، ولا يصلين العيد لكن سيشهدن ويعتزلن المصلى، ولا تكون المرأة الحائض واقفة في وسط اللاتي يصلين فتقطع الصفوف عليهن، ولكن يعتزلن المصليات ويحضرن خطبة العيد ويشهدن الدعاء للمسلمين في ذلك.

стр. 370

أحكام العيد

стр. 371

معنى كلمة العيد معنى كلمة العيد: مشتقة من العود، أي: شيء يعود، فإما أنه يعود في كل سنة، أو لأنه يعود على المسلمين بالفرح، يعني: يفرحون كلما يأتيهم العيد، فيفرحون بطاعة الله وبعيد الفطر، ويفرحون أنهم صاموا رمضان، وجاء وقت إفطارهم، ويفرحون في عيد الأضحى بالحج وبالأضاحي وبغير ذلك.

стр. 372

حكم صلاة العيد وأقوال العلماء في مشروعيتها صلاة العيد سنة عند جمهور أهل العلم. وعند الحنابلة هي فرض كفائي، ومعنى فرض كفائي أي: أنها ليست فرضاً عينياً، ولكن إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين، فهذا قول قريب. والأحناف لهم قولان في حكمها: فـ أبو حنيفة قال: إنها واجبة، وباقي الأحناف قالوا: هي سنة، واختاروا ذلك مع قولهم: إنها من شعائر الدين، يعني: لو اجتمع المسلمون في مكان على أن يتركوها فيمنعون من ذلك، ويؤمرون بالصلاة حتى ولو قوتلوا على ذلك. وأجمع المسلمون على أن صلاة العيد مشروعة، وعلى أنها ليست فرضاً عينياً. وهذا نقله الإمام النووي في المجموع أي: أنها ليست فرضاً عينياً، فإذا جاء من يقول: إنها فرض عين، فيرد عليه بالإجماع، فالإجماع على أنها ليست فرضاً عينياً، وإنما الخلاف في هل هي سنة مؤكدة أم فرض كفائي؟ ففي الحالتين لم تكن واجبة على جميع الناس. والدليل على أنها ليست فرضاً عينياً: الحديث الذي في الصحيحين: (أن أعرابياً جاء إلى رسول الله ﷺ ثائر الرأس فقال: يا رسول الله! أخبرني ماذا فرض الله علي من الصلاة؟ فقال: الصلوات الخمس إلا أن تطوع شيئاً)، وربنا فرض الصلوات الخمس، وسمى غيرها تطوعاً، فمن هذا الباب صلاة العيد، وفي نهاية الحديث قال: (أفلح إن صدق) يعني: لما قال: لا أزيد على ذلك. أما من قال: إن النبي ﷺ قال: (أمرنا) تقول أم عطية: (أمرنا أن نخرج فنخرج الحيض والعواتق وذوات الخدور، فأما الحيض فيشهدن جماعة المسلمين ودعوتهم ويعتزلن مصلاهم) فهذا لا حجة فيه، فقد ذهب البعض إلى أن هذا حجة قوية؛ لأن صلاة العيد فرض عين، وهذا ليس فيه حجة؛ لأن المرأة الحائض لا صلاة عليها أصلاً، فإذا أمرها النبي ﷺ بالخروج فإنه لم يأمرها بصلاة العيد أصلاً، فهذه إذا أمرت فهو محمول على الندب، وليس على الوجوب؛ لأنها لم تصل أصلاً.

стр. 373

وقت صلاة العيدين وما يستحب فيها لا يستحب تأخير صلاة العيد عن وقتها، وقتها: بارتفاع الشمس بعد طلوعها، يعني: إذا كان وقت الشروق على الساعة مثلاً ستة وثلث، إذاً: تكون صلاة العيد سبعة إلا ثلث. إذاً: فنترك قرابة ثلث ساعة بعد شروق الشمس، فوقت صلاة العيد ممدود، ويخرج وقتها بزوال الشمس. إذاً: عند وقت الزوال يخرج وقت صلاة العيد، والمستحب في صلاة عيد الفطر أن تؤخر شيئاً، خمس دقائق، أو عشر، بحيث يدرك الناس إخراج زكاة الفطر. والمستحب في عيد الأضحى أن تصلى في أول وقتها؛ ليدرك الناس فيها ذبح الأضاحي وتوزيعها على الناس. جاء في حديث رواه أبو داود عن يزيد بن خمير الرحبي قال: (خرج عبد الله بن بسر صاحب رسول الله ﷺ مع الناس يوم عيد فطر أو أضحى، فأنكر إبطاء الإمام)، وكان إمام الصلاة متأخراً كثيراً فـ عبد الله بن بسر وهو صحابي أنكر، وقال: (إنا كنا قد فرغنا ساعتنا هذه، وذلك حين التسبيح) لأن الإمام تأخر جداً، فهو يخبر أننا كنا في هذا الوقت قد انتهينا من صلاة العيد وانصرفنا، يعني: في أيام النبي ﷺ ، ففيه أنه لا يستحب التأخير جداً بل (كان النبي ﷺ لا يخرج يوم الفطر حتى يطعم، ولا يطعم يوم الأضحى حتى يصلي)، وهذا فيه أنه قبل أن تخرج لصلاة عيد الفطر، فيستحب أن تأكل حتى تميز بين يوم الصيام ويوم العيد الذي فيه الفطر، فيستحب أن تأكل تمراً أو شيئاً وتخرج لصلاة العيد. وكلما بكرت كان أفضل، لكن الإمام يحضر في وقت الصلاة، فبمجرد حضوره يصلي بالناس صلاة العيد. والسنة: أن تصلى صلاة العيد في المصلى، وكلمة مصلى معناها: الفراغ الواسع الذي يسع العدد الكبير من الناس، إذا وجد مثل ذلك فتلك السنة، أي: أن يخرج الناس إلى الصحراء، كما كان في عهد النبي ﷺ ، وكما في الحديث: (كنا نخرج إلى الجبان) فالجبان معناها: الصحراء، فلكونهم يدفنون الناس في الصحراء أطلق الجبان على المقابر، لكن الأصل أن الجبان معناها: الصحراء، فكانوا يخرجون لصلاة العيد في الصحراء التي تسع كل الناس ويترك مسجده صلوات الله وسلامه عليه. والآن صعب أننا نأتي بصحراء في هذه الأماكن أو نخرج إليها، فعلى ذلك إذا وجد مسجد يتسع للناس فهذا أحسن، ويكون المسجد في الشارع، وهذا خير بحسب ما يتيسر للناس. ويستحب خروج النساء؛ لقول أم عطية: (أمرنا أن نخرج فنخرج الحيض) والحيض قلنا: يعتزلن المصلى. والأولى: أن يخص استحباب خروج النساء بمن يؤمن عليها وبها الفتنة، يعني: المفترض أن المرأة لما تخرج لصلاة العيد أو لأي صلاة في الجماعة أن لا تكون ذات فتنة، فلا تتبرج، ولا تتزين، ولا تضع رائحة؛ لنهي النبي ﷺ عن ذلك، وقالت السيدة عائشة ﵂: (لو رأى رسول الله ﷺ ما أحدث النساء لمنعهن المسجد كما منعت نساء بني إسرائيل). لكن الغرض: أنه إذا خرجت المرأة غير متطيبة، وغير متزينة، وخرجت للصلاة فلا مانع من ذلك، بل هو مستحب، وقد أمر النبي ﷺ بذلك. ويستحب الغسل للعيدين، ولا يوجد حديث صحيح بالغسل للعيدين وإنما قياساً على الجمعة، فالجمعة يجتمع فيها عدد كبير من الناس، والعيد أكبر عدداً، إذاً: فالغسل في العيد أولى، ولكن لا يوجد نص عن النبي ﷺ أنه أمر بذلك، وليس إلا القياس على الجمعة، وفعل الصحابي عبد الله بن عمر ﵁. ومن السنة: أن يلبس أحسن الثياب لصلاة العيد، وفي ذلك حديث طويل وفيه: (أن عمر وجد حلة تباع فاشتراها للنبي ﷺ حتى يلبسها في الوفد وفي العيدين) يعني: يتجمل للوفود ويتجمل في العيدين، فلم ينكر عليه النبي ﷺ ذلك، إنما أنكر عليه لأنه اشترى حريراً، فالنبي ﷺ قال لـ عمر: (إنما هذه لباس من لا خلاق له) يعني: التزين هذا لا بأس به، أما أن تأتيني بحرير ألبسه فهذا لباس من لا نصيب له في الآخرة. وأفضل ألوان الثياب التي تلبس للتجمل وللمسجد وللعيد وللجمعة البياض؛ لقوله ﷺ : (البسوا من ثيابكم البياض؛ فإنها أطهر وأطيب، وكفنوا فيها موتاكم). فإذا كان الثوب الأبيض غير نظيف، فيلبس أي ثوب، المهم أن يكون نظيفاً وحسناً ومشروعاً للصلاة. أما النساء: فإذا أردن الحضور فيتنظفن بالماء ولا يتطيبن؛ لقول النبي ﷺ : (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله) إذاً: فتخرج للمسجد وللصلاة، (ولكن ليخرجن وهن تفلات) يعني: غير متطيبات، والإنسان التفل: الذي لم يضع طيباً، ولم يستعد بطيب أو بتجمل للخروج. وذكرنا أن المشروع للمسلم أن يبكر لصلاة العيد؛ لأن النبي ﷺ حثهم على ذلك فكانوا يخرجون لصلاة العيد. ويقول أبو سعيد الخدري ﵁: (كان رسول الله ﷺ يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى فأول شيء يبدأ به الصلاة). إذاً: فالنبي ﷺ إمامهم أول ما يخرج للصلاة في الحال ﵊: (فيقوم مقابل الناس وهم جلوس على صفوفهم فيعظهم ويوصيهم ويأمرهم، فإن كان يريد أن يقطع بعثاً قطعه، أو يأمر بشيء أمر به، ثم ينصرف صلوات الله وسلامه عليه). ومن السنة: أنك إذا ذهبت للمسجد من طريق أن ترجع من طريق آخر، هذا إذا تيسر لك في طريقك إلى بيتك، أما إذا كان بيتك قريباً من صلاة العيد فلا شيء عليك، لكن النبي ﷺ كان يخرج لصلاة العيد من طريق ويرجع من طريق، ليسلم على أكبر عدد من المسلمين في طريقه ﵊، لذلك السنة: التسليم، فيسلم المسلمون بعضهم على بعض ويدعو بعضهم لبعض. فإن قيل: هل من سنة العيد أن يقبل بعضنا بعضاً بعد صلاة؟ الجواب الراجح: لا، ولم يثبت فيها شيء عن النبي ﷺ ، إنما الالتزام والتقبيل هذا كانوا يفعلونه في القدوم من السفر، فإذا قدم إنسان من سفر، كان يفعل ذلك، فيعتنق النبي ﷺ ويعتنقه، كما فعل بـ جعفر بن أبي طالب أو بـ أسامة أو بـ زيد بن حارثة، لكن إذا كان يلقى بعضنا بعضاً كل يوم فليس التقبيل أو العناق من سنة النبي ﷺ في ذلك، وإنما التسليم باليد فقط والدعاء. وفي الحديث: (كان النبي ﷺ إذا كان يوم عيد خالف الطريق) يعني: ذهب من طريق ورجع من آخر، وكأنه للتكثير من التسليم على المسلمين، والدعاء لهم، وشهادة الأرض له، وحين يكون ذاهباً يكبر، وحين يرجع أيضاً يكبر. وصلاة العيد لا أذان فيها ولا إقامة ولا نداء بالصلاة جامعة، فكل هذا لم يرد، وإنما عند مجرد حضور الإمام يقوم الناس ويصلون معه؛ لقول جابر: (لم يكن يؤذن يوم الفطر ولا يوم الأضحى) لم يكن هناك أذان على ذلك، وإنما كان النبي ﷺ بمجرد حضوره يصلي بالناس صلوات الله وسلامه عليه. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 374

شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان - أحكام صلاة العيد صلاة العيد شعيرة عظيمة من شعائر الإسلام، تتميز عن غيرها بما يصاحبها من سنن غير معهودة في الفرائض العادية، فشأنها أن تؤدى خارج المصر إن أمكن؛ ليجتمع كثير من الناس فيها، ولا صلاة قبلها ولا بعدها، ويسن فيها تكبيرات بعد تكبيرة الإحرام على اختلاف في عددها، وخطبة بعدها، تذكر الناس بنعم ربهم وتنبه غافلهم، وتمتلئ بالشكر للكريم المتعال.

стр. 375

المشروع في صفة صلاة العيد إن أيام عيد الفطر وعيد الأضحى أيام جعلها الله أفراحاً للمسلمين، فهم يلعبون ويبتهجون فيهما، وإنما يفرحون فيهما بالعبادة التي سبقتهما، فيفرحون بالصوم في عيد الفطر وبالحج في عيد الأضحى. وقد جعل الله عيدين للمسلمين: عيد الفطر وعيد الأضحى، ويبدأ فيها بالصلاة، وصفتها: ركعتان، وروى النسائي عن عمر ﵁ أنه قال: (صلاة الجمعة ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، وصلاة الأضحى ركعتان، وصلاة السفر ركعتان تمام غير قصر على لسان محمد ﷺ ، فصلاة العيد ركعتان، يكبر في الأولى سبع تكبيرات، وفي الثانية خمس تكبيرات، وهذا هو الذي ثبت عن النبي ﷺ ، وإن حدث خلاف بين الصحابة في العدد، أي: هل هو سبع تكبيرات في الأولى بتكبيرة الإحرام أم بغير تكبيرة الإحرام؟ فالجمهور على أنها سبع بتكبيرة الإحرام، واختار الشافعي أنها من غير تكبيرة الإحرام، والأمر سهل في ذلك، وذهب بعض الصحابة إلى أن التكبيرات في الأولى أربع بعد تكبيرة الإحرام؛ ليكون مجموعها خمساً، منهم ابن مسعود وحذيفة وأبو موسى رضي الله ﵎ عنهم. وقد روى أبو داود عن عائشة أن رسول الله ﷺ كان يكبر في الفطر والأضحى في الأولى سبع تكبيرات وفي الثانية خمساً سوى تكبيرتي الركوع، تريد أنه كان يكبر في قيامه سبع تكبيرات فإذا أرد أن يركع كبر تكبيرة الركوع. وإنما ذهب الشافعي إلى ما ذهب إليه لحديث آخر عن عائشة وهو قولها: كان رسول الله ﷺ يكبر في العيدين اثنتي عشرة تكبيرة سوى تكبيرة الافتتاح، وهذا لو صح كان حجة للشافعي في أن يكبر ثمان تكبيرات مع تكبيرة الإحرام، ولكن الحديث ضعفه الحافظ ابن حجر، فالحديث ضعيف. وعلى ذلك فالأرجح فيها أنها سبع تكبيرات في الركعة الأولى بتكبيرة الإحرام، وخمس في الركعة الثانية من غير تكبيرة القيام، وقد جاء عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: قال نبي الله ﷺ : (التكبير في الفطر سبع في الأولى وخمس في الآخرة والقراءة بعدهما كلتيهما). فهذا يقطع النزاع في ذلك وإن كان الأمر ميسوراً؛ لأن هذه التكبيرات كلها سنة إلا تكبيرة الإحرام، فهي ركن من أركان الصلاة.

стр. 376

حكم الصلاة قبل صلاة العيد أو بعدها ومما جاء عنه ﷺ في صلاة العيد: (أنه كبر ثنتي عشرة تكبيرة: سبعاً في الأولى وخمساً في الآخرة، ولم يصل قبلها ولا بعدها)، فدل على أنه لا صلاة قبل صلاة العيد ولا بعدها في مكان الصلاة، أي: في المصلى، لكن إذا رجع إلى البيت فالسنة أن يصلي ركعتين هما صلاة الضحى، فقد كان إذا رجع إلى بيته ﷺ صلى ركعتين.

стр. 377

هيئة التكبيرات والذكر بينها ويلتزم المأموم في هيئة التكبير بما يفعله الإمام، فإن كبر الإمام وسكت كان للمأموم أن يذكر الله بذكر مشروع، فإذا لم يسكت وتابع الإمام التكبيرات تابعه المأموم فيما يقول. وقد جاء عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن الوليد بن عقبة سأله عن الذكر بين التكبيرتين كيف هو؟ فذكر له أن يقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله، وهذا الذي ذكره ابن مسعود قد ورد عنه في حديث فقال: تكبر وتحمد ربك، وتصلي على النبي ﷺ ، ثم تدعو وتكبر، وفيه مشروعية السكتة بين كل تكبيرتين. قال العلماء: جاء عن الصحابة أشياء مختلفة فيها فإذا شئت قلت: سبحان الله والحمد لله والله أكبر وصليت على النبي ﷺ ، أو سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر وصليت على النبي ﷺ بحسب ما يسكت الإمام. والسؤال هل قال النبي ﷺ ذلك؟ الجواب لم يقل ذلك، ولكنه جاء من قول الصحابة ولعل مرجعهم يكون إلى النبي ﷺ . وعلى ذلك إذا سكت الإمام بين التكبيرتين سكتة تكفي استحب للمأموم أن يقول: سبحان الله والحمد لله والله أكبر، وصل على النبي ﷺ ، وإذا لم يسكت كان عليه أن يلتزم بما يقوله الإمام. أما هيئة التكبيرات: فإن شاء رفع يديه مع كل تكبيرة كصلاة الجنازة، وإن شاء لم يرفع إلا في الأولى فقط، ولم يثبت عن النبي ﷺ أنه رفع اليدين، إلا في تكبيرة الإحرام ولذلك حصل الخلاف بين العلماء في ذلك. فالجمهور على أنه يرفع في كل تكبيرة وذهب البعض منهم مالك وأبو حنيفة أو بعض الأحناف وغيرهم أنه لا يرفع إلا في تكبيرة الإحرام فقط؛ لأنه لا ينتقل من هيئة إلى هيئة أخرى، والأمر واسع في ذلك. ولا يقال: إن من يرفع في كل تكبيرة قد ابتدع، فإن شئت رفعت سواء رفع الإمام أم لم يرفع، وإن شئت لم ترفع، سواء في صلاة العيد، أو في صلاة الجنازة. ومن السنة أن يضع اليمنى على اليسرى بعد تكبيرة الإحرام وبين كل تكبيرتين.

стр. 378

إذا شك الإمام في عدد التكبيرات يشرع للمسلم بعد التكبيرة السابعة أن يتعوذ ويقرأ الفاتحة، ثم يقرأ ما تيسر بعد ذلك، ولو شك الإمام في عدد التكبيرات بنى على الأقل، فلو شك هل كبر ستاً أم سبعاً اعتبرها ستاً وأتم باقي التكبيرات، على أنه لو زاد أو نقص فلا شيء عليه، والأولى أن يستيقن فيبني على اليقين، ولو أنه كبر تكبيرة الإحرام ثم قرأ الفاتحة ونسي بقية التكبيرات فلا شيء عليه، كما أنه بعد أن انتقل إلى ركن وهو قراءة الفاتحة فلا يرجع إليها مرة أخرى؛ لأن وقتها قد انتهى ولا يلزمه سجود السهو؛ لأنها سنة من السنن وليست فريضة من الفرائض. وعلى ذلك فإذا كبر التكبيرات كلها فقد أتى بالسنة، وإذا نسي التكبيرات وكبر تكبيرة الإحرام فقط فلا شيء عليه.

стр. 379

الجهر بالتكبيرات والقراءة في صلاة العيد أجمعت الأمة على أن الإمام يجهر بالقراءة والتكبيرات، أما المأموم فلم يثبت أن الصحابة كانوا يجهرون كما يفعل بعض الناس، إلا إذا كان الصوت لن يصل إلا بهذه الطريقة جاز أن يجهر حينها من يوصل الصوت إلى من لا يصله. ولو أن الإنسان أدرك الإمام في الصلاة وهو يقرأ، كان عليه أن يكبر تكبيرة واحدة فقط، ثم يستمع لقراءة الإمام.

стр. 380

القراءة في صلاة العيد كان النبي ﷺ يقرأ في صلاة العيد بسورة ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١] في الأولى ويقرأ بسورة الغاشية بعد الفاتحة في الركعة الثانية، يقول النعمان بن بشير فيما رواه مسلم عنه: كان رسول الله ﷺ يقرأ في العيدين وفي الجمعة بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١]، و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية:١]. وكان النبي ﷺ إذا وافق يوم الجمعة يوم العيد صلى العيد وقرأ بهاتين السورتين -أي: الأعلى والغاشية- وصلى الجمعة وقرأ بهما أيضاً. ومن سنته أنه كان يقرأ في صلاة العيد بسورة ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق:١] في الركعة الأولى ويقرأ في الثانية بسورة القمر، وهذا إذا قدر الناس على ذلك، أما إذا كان الأمر يشق عليهم فيقرأ بما لا يشق في صلاة العيد.

стр. 381

خطبة العيد السنة أن تكون بعد الصلاة وليس لهم أن يخطبوا قبلها، فقد جاء عن ابن عباس في الصحيحين أنه قال: (شهدت الصلاة صلاة يوم الفطر مع رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان فكلهم يصليها قبل الخطبة ثم يخطبوا بعد، فنزل نبي الله ﷺ فكأني أنظر إليه حين يُجلس الرجالَ بيده، ثم أقبل يشقهم حتى أتى النساء مع بلال فقرأ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الممتحنة:١٢])، وبعد أن تلاها على النساء ﷺ قال لهن: (أنتن على ذلك؟)، أي: أنا سآخذ عليكن البيعة على هذه الأشياء التي ذكرها الله ، فقالت امرأة واحدة لم يجبه غيرها وكأنها المندوبة على النساء وليس كل النساء قلن: نعم نحن على ذلك، بل هن أأدب من ذلك، فواحدة فقط من النساء قالت للنبي ﷺ : (نعم يا رسول الله! قال: فتصدقن)، فأمرهن بالصدقة وبسط بلال ثوبه فجعلن يلقين بالفتخ -وهي نوع من الحلق- والخواتيم في ثوب بلال.

стр. 382

موقف الخطيب يجوز للخطيب أن يقف على الأرض حين يخطب العيد، ويجوز أن يقف على منبر مرتفع، فقد جاء عن جابر أنه قال: (قام النبي ﷺ يوم الفطر فصلى فبدأ بالصلاة ثم خطب، فلما فرغ نزل)، فدل ذلك على أنه كان على شيء مرتفع ونزل صلوات الله وسلامه عليه. قال ﵁: (فأتى النساء فذكرهن)، وذكرنا أن النبي ﷺ كان يصلي العيد في المصلى، فكان يخرج إلى الصحراء وتسمى المصلى كما تسمى الجبانة، وإنما يفعل ذلك ليصلي بكل المسلمين فإذا وجد مثل ذلك فهو الأفضل، وإلا فيصلون فيما يتيسر من ساحات أو مساجد واسعة كبيرة، وإن امتلأت المساجد صلى الناس في الطرقات حولها.

стр. 383

خطبة العيد إن شاء الإمام خطب خطبة واحدة، وإن شاء خطب خطبتين، لكن الأحاديث الواردة عن النبي ﷺ كلها تذكر أن النبي ﷺ قام وخطب خطبة للرجال، ثم خطبة أخرى للنساء، فكأن الرجال ما سمعوا إلا واحدة والنساء ما سمعن إلا واحدة. وليس فيها أنه خطب خطبتين للرجال، ولذا فيجوز للخطيب أن يخطب خطبة واحدة، وهذا أولى ويجوز أن يخطب خطبتين، فالذين قالوا: خطبتين قاسوها على الجمعة، ولكن النبي ﷺ لم يثبت عنه في حديث أنه خطب خطبتين، ولذلك يقول صاحب عون المعبود: وكل من روى عن النبي ﷺ لم يذكر سوى خطبة واحدة للرجال وأخرى للنساء. ومن السنة أن يفتتح الخطيب الخطبة بالحمد فيحمد الله سبحانه، وإن كان البعض يفضل أن يبتدئ الخطيب الخطبة بالتكبير، إلا أن هذا لم يثبت عن النبي ﷺ ، فلم يروى عنه أنه بدأ أي خطبة من خطبه ﷺ بالتكبير، وإنما يجوز أن يكبر في أثناء الخطبة.

стр. 384

استماع الخطبة ويستحب للناس استماع الخطبة ولا يجب عليهم، فمن شاء أن يجلس جلس فسمع ومن شاء أن ينصرف فله ذلك، ولكن ليس لهم أن يقطعوا الخطبة بالكلام أو بالضحك أو برفع الأصوات، فهذا غير جائز لا في الجمعة ولا في العيد ولا في أي مجلس من مجالس ذكر الله سبحانه، وذلك كما لا يجوز أن يرفع الناس أصواتهم على صوت الذي يقرأ القرآن والذي يذكر حديث النبي ﷺ . ويحدث أن بعض الناس في أثناء خطبة العيد يهتم أن يسلم على فلان ويصافح فلاناً، وقد لا يدرك أنه بذلك يعرض عن ذكر الله سبحانه، إذ الخطيب في خطبته يقول: قال الله، قال رسول الله ﵊، وهو متشاغل عن هذا الذكر بالمصافحة وغيرها، وهذا لا ينبغي، بل إن أردت أن تجلس لتسمع فاجلس، وإن أردت أن تنصرف فانصرف، ولك إذا انصرفت إلى بيتك أو في الطريق أن تسلم على من أحببت، أما إذا جلست فليس لك أن تتشاغل بغير الخطبة، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف:٢٠٤]، وقال النبي ﷺ : (إنا نخطب فمن أحب أن يجلس للخطبة فليجلس ومن أحب أن يذهب فليذهب)، ولا يجوز للحاضرين أن يشوشوا على الخطيب بكلام، أو ضحك، أو نحو ذلك، أو يشوشوا على المستمعين، ولكن إن شاءوا سمعوا وإلا انصرفوا.

стр. 385

حكم من فاتته صلاة العيد لو أن إنساناً فاتته صلاة العيد -كأن يأتي والخطيب يخطب- فإن المشروع في حقه إن كان خارج المسجد أن يجلس ليسمع الخطبة، وإن كان في المسجد فليصلي تحية المسجد، وله إذا صلى تحية المسجد أن يقرن بينها وبين صلاة العيد فيجمع النيتين، فينوي صلاة العيد مع تحية المسجد ويصلي. أما إذا فاتته صلاة العيد مع الإمام فلم يدرك الخطبة، أو أدركها في المصلى فعليه أن يصليها في بيته إذا رجع؛ لأن وقتها موسع إلى قبل صلاة الظهر، أما لو فاتت الناس صلاة العيد؛ لأنهم لم يروا الهلال أو لعارض آخر حتى حضرت صلاة الظهر فجاء أناس وأخبروا أنهم رأوا الهلال البارحة، فقد حدث مثل هذا في عهد النبي ﷺ ، إذ غم عليهم الهلال فأصبحوا يوم ثلاثين من رمضان صائمين واستمروا في الصيام إلى بعد صلاة الظهر، فجاء أناس من الأعراب فقالوا: نحن رأينا الهلال بالأمس، فصدقهم النبي ﷺ ، وأمر الناس بالإفطار وبالخروج في اليوم الثاني لصلاة العيد؛ لأن وقت صلاة العيد كان قد انتهى، فصلوا العيد في اليوم الثاني.

стр. 386

التكبير في العيدين يشرع ويسن ويستحب التكبير في العيدين، فيكبر المسلم في عيد الفطر من بعد صلاة الفجر إلى أن يخرج الإمام ليصلي بالناس، وعلى ذلك جمهور أهل العلم، وإن ذهب بعض العلماء كالإمام الشافعي إلى أن التكبير يكون من غروب شمس آخر يوم في رمضان، واحتج بقوله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة:١٨٥]، والمعنى كأنه يقول: إذا كملت العدة لرمضان فابدأ بالتكبير، إلا أن الإمام النووي وهو شافعي ﵀ يقول: هذا الاستدلال لا يصح إلا على مذهب من يقول الواو تقتضي الترتيب، يريد المذهب اللغوي القائل: إن الواو تقتضي الترتيب والتعقيب، والصواب: أن الواو تقتضي مطلق التعاطف فقط، ولا تقتضي ترتيباً ولا تعقيباً. وعلى ذلك فالراجح فيها: أن التكبير في عيد الفطر يكون من بعد صلاة الفجر إلى أن يخرج الإمام على الناس، أما التكبير في عيد الأضحى فيكون من فجر عرفة إلى عصر ثالث أيام التشريق أو قبل غروب الشمس في آخر أيام التشريق.

стр. 387

صيغة التكبير الذي صح من الصيغ في التكبير قول: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد، فقد جاء عن ابن مسعود فيما روى عنه ابن أبي شيبة أنه كان يكبر أيام التشريق: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله والله أكبر والله أكبر ولله الحمد، وهذا الذي قاله ابن مسعود روي بإسنادين في أحدهما شفع التكبير كما تقدم وهذا الأشهر، وفي الآخر بتثليث التكبير فيقول: الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، ولكن الأول أقوى من الثاني وكله جائز والأولى الأول. وقد جاءت صيغة أخرى للتكبير فذكر الحافظ ابن حجر عن سلمان أنه كان يقول: الله أكبر الله أكبر الله أكبر كبيراً، وهذا الذي ذكره الحافظ بهذه الصيغة لم نجده عن سلمان وإنما وجدناه بصيغة أخرى أطول من ذلك، وهي خلاف هذه. وذكر الحافظ ابن حجر أيضاً: أن الناس قد جاءوا بصيغة أخرى زادوا فيها أشياء لم يقلها النبي ﷺ ولم يذكرها الصحابة، فقال: وقد أحدث الناس في هذا الزمان زيادة لا أصل لها، فالصيغة الطويلة التي يقولها الناس في ذلك، لم تثبت عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه، وإن ثبت بعضها عن النبي ﷺ في غير العيدين، فقد ورد عنه ﷺ أنه كان إذا وقف على الصفا أو على المروة في الحج أو العمرة يكبر ثلاثاً: الله أكبر الله أكبر الله أكبر، ثم يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، وصدق عبده، وهزم الأحزاب وحده، ثم يدعو ﷺ . فهذه الصيغة قالها النبي ﷺ في غير العيد، فقالها وهو على الصفا وعلى المروة صلوات الله وسلامه عليه، وعلى ذلك يقال الذكر في موضعه وفي مكانه كما قال النبي ﷺ .