← Фикх общий

Фикх общий · id 36977

شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان - حطيبة

أحمد حطيبة

Полный текст (387 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان - زكاة الفطر شرعت للمسلم بعض العبادات شكراً لله سبحانه بنوع من الشكر مغاير لما تعود عليه، ومن ذلك شرعية زكاة الفطر بعد صيام رمضان، ففيها شكر لله على نعمة الصيام، والتطهير من اللغو والرفث، والمواساة للفقراء، ولقد نظمها الإسلام فحدد من تجب عليه، ومتى تجب، وما مقدارها، ولمن تعطى، وهل تجوز الاستعاضة عنها بالقيمة، وغير ذلك مما يتعلق بها من أحكام.

стр. 317

الأدلة على وجوب زكاة الفطر الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين. زكاة الفطر تسمى: زكاة، ويسمونها: صدقة الفطر، ويسمونها: الفطرة، وهذا كله في كتب الفقهاء، والمقصد منها زكاة خلقة الإنسان، وكأن الفطرة: الخلقة، فهي زكاة على بدن هذا الإنسان في يوم العيد؛ حتى يطهر المسلم نفسه مما قد أصابه في خلال شهر رمضان من لغو ونحو ذلك. وزكاة الفطر فريضة، والعلماء كلهم على ذلك، فالجمهور على أن الفريضة هي الواجبة، وعند أبي الحنيفة أن هناك فرقاً بين الفرض والواجب، بناءً على أصله أن الفرض ما ثبت بالدليل المتواتر، والواجب ما ثبت بسنة الآحاد، وزكاة الفطر ثبتت بسنة النبي ﷺ ، ولذلك فهو يسميها واجبة، وإن كان عنده أنه إذا لم يخرجها الإنسان أثم، فاتفق الجميع على أنه إذا أخرجها فقد أخذ ثوابها، وإذا لم يخرجها مع علمه بوجوبها وقدرته عليها أثم على ذلك. ودليل وجوب زكاة الفطر ما في الصحيحين عن ابن عمر قال: (فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر -فسماها فريضة- صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير، على العبد والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين). ففرضها النبي ﷺ عليهم طعاماً حتى يجد الفقير في يوم العيد ما يطعمه، وأعياد المسلمين أعياد عظيمة، فيها يفرح المسلم، وقد جعل الله لنا عيدين في السنة، وفيهما ما فيهما من اللهو المباح. وأهم شيء أن الأعياد تبدأ بذكر الله ، ويكون فيها الصدقات، ففي الفطر تكون زكاة الفطر، وفي الأضحى تكون الأضحية. فزكاة الفطر قبلها شهر رمضان فيكون العبد قد صام وتقرب إلى الله بما استطاع من أعمال الخير في أعظم شهر في السنة، وفي الأضحى قبله العشر الأول من ذي الحجة، وهي أعظم أيام السنة، فقبل العيد عبادة، وإذا أكمل المسلم هذه العبادة أخذ الأجر من الله ففرح في يوم عيد الفطر، وفي يوم عيد الأضحى وثلاثة أيام التشريق، فهذا فضل من الله يفرح به المسلمون وبالعبادة التي أدوها له . ولما قدم النبي ﷺ المدينة كان لأهل المدينة يومان يلعبون فيهما، فقال: (قد أبدلكم الله خيراً منهما)، فهذه أعياد جاهلية أبدلهم الله بما هو خير منها: عيد الفطر وعيد الأضحى، وهما عيدان لأهل الإسلام. فصار العيد عند المسلمين: عيد الفطر وعيد الأضحى، فقبل عيد الأضحى عبادة، ثم يوم العيد يبدأ فيها بصلاة العيد، ثم يتقرب إلى الله بالهدي والأضحية ونحو ذلك. فهنا فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر صاعاً من تمر، وهذا كان قوتاً لأهل المدينة، ففي المدينة حدائق كثيرة فيها النخيل وأنواع التمور التي تزيد على الثلاثمائة نوع. فالنبي ﷺ فرض من الشيء الذي يجدونه والقوت الذي عندهم، وهو صاع من تمر أو شعير، والشعير لم يكونوا يزرعونه، وإنما كان يأتيهم من الشام، ويسمونه: درمك، فكان الرجل يعزله لنفسه، لأنه كان قليلاً ولم يكن كثيراً، وكان عيشهم غالباً هو عيش الشعير. فلم يكلفهم النبي ﷺ ما لا يجدونه، ولكن أمرهم بإخراج ما هو موجود في أغلب البيوت، وهو التمر والشعير. قال: (على العبد والحر، والذكر والأنثى)، والعبد لا يخرج عن نفسه ولكن يخرج عنه سيده، وأما الحر فيخرج عن نفسه، إلا إذا كان غيره يلي أمره فيخرج عنه، وكذلك الأنثى والصغير والكبير من المسلمين. وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة.

стр. 318

متى فرضت زكاة الفطر فرضت الزكاة بعد هجرة النبي ﷺ ، وكان ذلك في السنة الثانية قبل فرض رمضان، ثم فرضت زكاة الفطر في رمضان، وفرض الزكاة بعد فرض الصلاة، والزكاة كزكاة أموال فرضت في مكة، قال الله : ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلا تُسْرِفُوا﴾ [الأنعام:١٤١]. أي: حق المال، ولكن تحديد هذا الحق كمقدار ونصاب فإنه لم يحدد في مكة، وإنما كان ذلك في المدينة، فهذا فيه ربع العشر، وهذا فيه نصف العشر، وهذا فيه العشر، فحدد الله الأنصبة في المدينة. والعلة في زكاة الفطر أنها تطهر المسلم من الرفث واللغو.

стр. 319

شروط وجوب زكاة الفطر حتى تجب زكاة الفطر على العبد لا بد من ثلاثة شروط: الأول: الإسلام، الثاني: الحرية، الثالث: اليسار، فتؤدى عن الصغير والكبير، والذكر والأنثى من المسلمين، ولا تؤدى عن غير المسلمين، فلو كان للمسلم أبوان كافران فلا يجب عليه أن يخرج عليهما، ولا على أبنائه وزوجته إذا كانوا غير مسلمين، ولو كان عنده عبيد غير مسلمين فلا يخرج عنهم كذلك، وإنما تخرج الزكاة عن المسلم. الحر فالذي يملك مالاً يلزمه أن يخرجها بشرط اليسار. واليسار: هو أن يجد المسلم ما يزيد عن قوت يومه وليلته، وأما زكاة المال فإنها لا تجب إلا إذا بلغ هذا المال نصاباً، ومر عليه الحول، فعندما يكون المسلم غنياً، والأنصبة حددتها الشريعة الحكيمة. فشرط زكاة الفطر ليس ملك النصاب، ففي يوم العيد لا بد أن تعم الفرحة جميع المسلمين، فلا يأكل أحد والثاني إلى جانبه جائع، فمن كان عنده في يوم العيد ما يزيد على قوت يومه وليلته فليخرج هذه الزيادة، وهذا من الرحمة والتكافل الاجتماعي في الإسلام، ففي يوم العيد لا يبقى أحد فقيراً، فالكل يأكل، ولذلك كانت هذه الزكاة طعاماً، وهذه حكمة عظيمة، فقد لا يكون في البلد دكاكين يباع فيها الطعام يوم العيد، فيعطى الفقير طعاماً، ولا يعطى نقوداً؛ لأنه قد لا يجد من أين يشتري الطعام فيبقى جائعاً. فالاعتبار باليسار والإعسار حال الوجوب، فمن فضل عنه قوته وقوت من تلزمه نفقته ليلة العيد ويومه ولو صاع فهو موسر. والصاع مكيال يتسع حوالي كيلو ونصف تمراً، فلا هو قليل ولا كثير يشق على الناس. وفي ذلك رفق ومواساة، فهو رفق بالإنسان الذي يخرج المال فلا يخرج ماله كله، والمواساة للفقير، فيأكل كما تأكل الناس. فلو أن المسلم يملك صاعاً زائداً فيخرج عن نفسه ولا يلزمه أكثر من ذلك؛ لأن هذا هو الذي توفر عنده، فإذا كان لا يملك زيادة على قوت يومه وليلته لا يلزمه شيء، كما لا يجب عليه أن يستدين ليخرج زكاة الفطر، ولا تستقر في ذمته بعد ذلك؛ لأن وقت الوجوب قد انتهى، بخلاف من كان قادراً ولم يفعل فإنها تلزمه وتصير ديناً في عنقه. فاشترط العلماء أن يكون هذا المال الزائد زائداً على طعام يوم العيد وليلته، فائضاً عن حاجته، فقد يكون عنده مال ولكنه يحتاجه للعلاج مثلاً أو لإيجار المسكن أو غيره من حوائجه الأصلية، ففي هذه الحالة لا تجب عليه زكاة الفطر، فبعد أن يقضي هذه الحاجات يخرج الزكاة، ولو لم يبق معه فاضلاً عن حاجته إلا الشيء القليل أخرجه لقول النبي ﷺ : (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم).

стр. 320

عمن يخرج المسلم زكاة الفطر

стр. 321

حكم إعطاء الزكاة للمطلقة لو أن رجلاً طلق امرأته طلقة رجعية وهي مقيمة معه في البيت، فالمعلوم أن علاقتها لم تنفك بعدُ، فيلزمه النفقة عليها في فترة عدتها، ويلزمه كذلك الزكاة عنها، وأما إذا طلقها طلقة ثالثة وبانت منه فلا يلزمه الزكاة عنها، وفيما لو كانت المرأة حاملاً لا يلزمه أن يخرج عنها، وإنما يلزمه أن ينفق من أجل الجنين، والجنين ليس عليه زكاة فطر، وعلى ذلك لا يلزم أن يخرج عنه، ولا يلزمه أن يدفع عنها الزكاة في هذه الحالة. ولا تجب زكاة الفطر حتى تفضل عن نفقته ونفقة من تلزمه نفقته، قال النبي ﷺ (أبدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء، فهكذا وهكذا يقول: فبين يديه وعن يمينه وعن شماله) والمعنى: أخرج بحسب قدرتك، فأخرج عن نفسك وبعد ذلك عمن يلزمك: الأدنى فالأدنى. وفي الصحيحين من حديث حكيم بن حزام ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول) أي: أن الإنسان المؤمن ينبغي أن يعود نفسه على أن تكون يده هي اليد العليا، وصاحب اليد العليا هو المعطي، وصاحب اليد السفلى هو الآخذ، فليخرج ولينتظر من الله السعة والبركة والرزق من وراء ذلك. وقال ﷺ : (خير الصدقة عن ظهر غنى) أي: ما أبقى غنىً لصاحبه، فلا ينبغي أن يتصدق بماله كله ثم يظل مفلساً لا طعام له، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغني يغنه الله.

стр. 322

وقت وجوب زكاة الفطر أما متى تجب على الإنسان هذه الزكاة، أو ما هو الوقت الواجب بحيث إن من كان موجوداً في هذا الوقت: فعليه زكاة الفطر؟ ف الجواب أنه قد صح عن ابن عمر أنه قال: (فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر من رمضان على الناس)، فيكون وقت الوجوب هو بعد فطر الصائم في آخر يوم من رمضان، فإذا غربت الشمس على الصائم وقد جمع بين اليوم وبين غروب الشمس لزمته هذه الزكاة، فلو أن إنساناً توفي قبل غروب شمس أخر يوم من رمضان فليس عليه زكاة، وأما إذا غربت عليه الشمس ثم مات بعد ذلك فيلزم إخراج هذه الزكاة عنه؛ لأنه كان حياً في وقت الوجوب. وهذه الزكاة كما قال ابن عباس ﵄: (فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث)، وقوله: طهرة للصائم، متعلقة بالصوم، فكأن الصائم إذا أفطر من رمضان ثم أخرج زكاة الفطر طهر صومه مما عسى أن يكون قد حدث فيه من لغو، أو رفث. قوله: (وطعمة للمساكين) إطعام للمساكين، (من أدها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أدها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات). سبق أن ذكرنا أن غروب شمس أخر يوم من رمضان هو بدء وقت الوجوب، فلو ولد لرجل ولد، أو تزوج امرأة، أو ملك عبداً، أو أسلم الكافر بعد غروب الشمس، ولم يدرك شيئاً من رمضان فلا تلزمه زكاة الفطر، فلكي نقول عن فلان: إنه يلزمه إخراج زكاة الفطر لا بد أن يكون الذي يُخرَج عنه موجوداً في رمضان، وغربت عليه شمس أخر يوم من رمضان، فلو ولد له ولد قبل غروب شمس آخر يوم من رمضان لزم من ينفق عليه أن يخرج عنه زكاة الفطر.

стр. 323

حكم تعجيل زكاة الفطر عندما يتكلم العلماء على زكاة المال فإنهم يقولون: إن زكاة المال يجوز تعجيلها؛ لأن النبي ﷺ استلف من العباس زكاة سنتين، فكأن فقراً شديداً ألم بالمسلمين فاحتاجوا للمال، فما وجد النبي ﷺ إلا أن يبحث عمن عليه زكاة مال لم تجب بعد، فأخذ من العباس زكاة سنتين لا زكاة سنة واحدة، والسؤال هنا هل زكاة الفطر تلحق بزكاة المال؟ اختلف العلماء في ذلك، فذهب الإمام أبو حنيفة إلى قياس زكاة الفطر على زكاة المال، فقال: طالما أن زكاة المال يجوز إخراجها من أول الحول، فلتكن زكاة الفطر كذلك، وهذا القول وإن كان قياساً لشيء على مثيله فإنه قياس مع الفارق، فصحيح أن كليهما زكاة، لكن العلة في زكاة الفطر أن تغني الفقراء عن السؤال في يوم العيد، فهي طعمة للمساكين في هذا اليوم كما جاء في الحديث: (طهراً من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين)، فكيف تؤدى قبل العيد أو قبل رمضان، كما أنها إن تقدمت قد تتعرض للتلف. وأما الإمام الشافعي ﵀ فيقول: يجوز أن تخرج هذه الزكاة في رمضان كله، وما قيل في الرد على القول السابق يقال هنا أيضاً، فإذا أعطيت الزكاة في أول رمضان لمستحقها فقد يأكلها في أول رمضان، فإذا جاء يوم العيد لم يجد ما يغنيه، فنكون قد حرمناه من المال في يوم العيد، ولذلك فالراجح أن هذا لا يصلح أيضاً. وللحنابلة قولان في ذلك: الأول: يجوز أن نخرج من بعد نصف رمضان، وسيقال فيه ما قيل في الأقوال السابقة. والقول الثاني للحنابلة وهو قول الإمام مالك: أنها تخرج في ليلة العيد، أو عند الغدو إلى صلاة العيد، فاستحب الإمام مالك أنها تخرج عندما تغدو إلى صلاة العيد، وهذا ما اختاره ابن حزم أيضاً، وهو أن تخرجها وأنت خارج للصلاة، ولكن ثبت أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يخرجونها قبل العيد بيوم أو يومين كما جاء عن ابن عمر ﵄ أنه أخرجها قبل العيد بيوم أو بيومين، وكان ابن عمر ﵄ يعطيها للذين يقبلونها وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين، والحديث في صحيح البخاري وفيه أنه يجوز أن تخرج قبل العيد بيوم أو يومين، وابن عمر رضي الله ﵎ عنه هو من روى عن النبي ﷺ (أنه فرض صدقة الفطر على الذكر والأنثى، والحر، والمملوك، صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير)، وعلى هذا فيجوز أن تخرج وتعطى لمستحقها قبل يوم العيد بيوم أو يومين، وهذا أقصى ما يمكن أن يقال في تقديمها، وكلما تأخرت كان ذلك أفضل؛ لأجل أن ينتفع بها الفقير في العيد. وفي الصحيحين عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ (أمر بزكاة الفطر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة)، وقد أخذ من ذلك ابن حزم وغيره أن وقت الوجوب هو عند صلاة العيد أو بعد الفجر، فمن طلع عليه الفجر فهذا وقت الوجوب، وبنوا عليه كل المسائل التي ذكرناها قبل ذلك، لكن الراجح هو ما جاء في حديث: (فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر من رمضان)، وهذا أوجه؛ إذ يقال إذا أفطرت من رمضان فإفطارك بغروب شمس أخر يوم من رمضان.

стр. 324

حكم تأخير زكاة الفطر عن صلاة العيد لا يجوز تأخير زكاة الفطر عن صلاة العيد، ففي حديث ابن عباس الذي رواه أبو دواد قال: (فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين، من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات)، فلذلك لا يجوز تأخير الزكاة عن صلاة العيد إلا للضرورة، كما لو أن إنساناً كان قد أحضر الزكاة ليعطيها الفقراء قبل صلاة العيد فعاجله وقت صلاة العيد كأن لقى الناس قد شرعوا في الصلاة فالأولى في حقه أن يصلي أولاً، ثم يعطيها لمن يعطيها له بعد الصلاة؛ لأنه معذور. وكذا لو أن إنساناً أراد أن يعطيها لجاره فذهب إليه ليعطيه قبل العيد فلم يجده، فاحتفظ بها حتى حضر الظهر فلما رجع أعطاها له، فمثل هذين يجوز لهما أن يؤخرا إلى بعد الصلاة، وأما التأخير اختياراً إلى بعد صلاة العيد فإن صاحبها قد ضيع من فضيلتها من كونها زكاة فطر، بل صارت صدقة عادية من الصدقات. لذلك لا بد على الإخوة الذين يتلقون الزكاة لكي يخرجونها للفقراء أن يهتموا بأن يخرجوها قبل صلاة العيد، حتى لا تتأخر عن الفقراء. وقد يرد سؤالٌ هنا وهو: لو أن المرء وكل غيره بإخراج هذه الزكاة، فمتى يجوز له أن يعطيه أياها؟ و الجواب يجوز له أن يعطيه إياها في أي وقت شاء سواءً قبل رمضان، أو في رمضان على ألا يؤخرها عن صلاة العيد، فكونك توكل الوكالة شيء والإخراج للفقير شيء آخر، فلو أن رجلاً أراد السفر ثم أتى إلى المسجد وأراد أن يعطي زكاة فطره لمن يأخذها ليعطيها الفقراء، فإنه بذلك قد وكل إنساناً يخرجها عنه، وصار من أخذها مؤتمناً عليها، فعليه أن يحفظها إلى أن يأتي وقتها، ثم يخرجها وينوي عن صاحبها.

стр. 325

مقدار زكاة الفطر جاء في الحديث أنها صاع بصاع رسول الله ﷺ ، ففي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه قال: (كنا نخرج زكاة الفطر صاعاً من طعام، أو صاعاً من شعير). قوله: (صاعاً من طعام)، لعله قصد عموم الطعام، ثم فصل بعد ذلك، أو يقصد من طعام القمح إذ كان موجوداً عندهم القمح وكانوا يخرجون القمح أو الدقيق. قال: (أو صاعاً من شعير، أو صاعاً من تمر، أو صاعاً من أقط أو صاعاً من زبيب)، والملاحظ أن هذه الأشياء كلها مما يكال بالصاع، ولما لم يكن الصاع موجوداً في عصرنا، فقد حول هذا الصاع إلى وزن ومقداره حوالي: اثنين كيلو وربع من القمح، ويكون التمر حوالي: كيلو ونصف الكيلو، وإذا كان من الرز سيكون حوالي: اثنين كيلو ونصف الكيلو تقريباً، وإن كان الرز ليس مذكوراً في حديث أبي سعيد الخدري. والأقط: هو لبن الغنم أو الماعز يأتوا به الأعراب ويجففونه ثم يصنعون منه أقراصاً صغيرة، تحسباً أن تحصل مجاعة. أو انعدام زرع. وقد راعت الشريعة أن يخرج المسلم مما يتوفر عنده ويقدر عليه، فمن كان عنده زبيب فيخرج زبيباً، ومن كان عنده تمر فيخرج تمراً، وهكذا الذي عنده شعير والذي عنده قمح والذي عنده أقط، بحيث إن الفقير يجد أنك طالما تأكل شيئاً فعليك أن تعطيه مما تأكله، فإذا أعطيت للفقير ذلك فقد فعلت الذي قاله النبي صلوات الله وسلامه عليه. قال أبو سعيد: (وكان طعامنا الشعير والزبيب والأقط والتمر)، كأنه يقول: فرض علينا النبي ﷺ أن نخرج من الموجود عندنا، فهذا طعامنا الذي كنا نأكله، فقد كنا نخرج منه في عهد النبي ﷺ ، ومن ذلك نعلم أن على الناس أن يخرجوا ما يناسب الناس وما هو أنفع لهم، وما يقتاتونه في زمنهم، إذ أن ما كان يقتات عليه في زمن أبي سعيد بعضه لا يناسب الناس اليوم كالإقط مثلاً، كذا لو خير أحد الناس اليوم بين أن يعطى أرزاً أو قمحاً لاختار الأرز، وهكذا ينبغي أن يقاس على هذه الأشياء ما كان قوتاً للناس، فيعطي للفقير من قوت أهل البلد؛ لأنه الأنفع للفقير، فتبرأ ذمة المعطى إذا أعطى أرزاً، أو فولاً، أو عدساً، أو تمراً، أو زبيباً، وبحمد الله قد رسمت جداول معلقة في المسجد بهذه الأشياء وقيمة هذه الأشياء، ولذا فإنه يجوز إخراج الحبوب والثمار التي نص عليها النبي ﷺ ، وما ألحق بها أيضاً والنظر في ذلك إلى العلة؛ إذ المراد أن يُغني الفقير في يوم العيد، فيجد الطعام الذي يأكله. ويجوز دفع الزكاة إلى فقير واحد، فلو كانت العائلة خمسة أفراد أو ستة أفراد فأخرج كل واحد صاعاً ثم أعطيت لفقير واحد جاز، كما يجوز أن يقسم الفرد الواحد زكاته على أكثر من فقير، ويشترط أن يكون من يعطاها مستحقاً، ولا ينبغي أن يعطى الزكاة من لا يستعين بها على طاعة الله، ولا من يعصي الله ! كأن يكون إنساناً لا يصلي أو لا يصوم أو لا يحترم شعائر دين الله ، وإنما تعطى الزكاة لمن يطيع الله ، فتعطى لمن يصلي، وتعطى لمن يصوم، وأما الإنسان الذي يستهين بدين الله فلا يستحق أن يأخذ هذه الزكاة. ولو انعدمت الأشياء التي نص عليها النبي ﷺ في بلد ثم أخرجوا طعاماً آخر ليس هو الأنفع والأفضل من ذلك؛ فنص بعض الحنابلة منهم أبو عبد الله بن حامد على أنه إذا أخرج جبناً، أو لبناً، أو لحمة مع عدم وجود هذه الأشياء، أو مع وجودها، وكانت هذه أصلح وأنفع للفقير، فأعطى بمثل هذا القدر أجزأ ذلك عنه. وقد يتسائل البعض هل يجوز أن يخرج المرء قيمة هذه الأشياء المنصوص عليها؟ وهذه مسألة أختلف فيها الفقهاء على قولين، قول الجمهور منهم مالك والشافعي وأحمد وابن حزم وداود بن علي وغيرهم على أن ذلك لا يجوز فلا يجوز، وإذا أخرجت لم يجزئ. وقول أخر وهو قول عمر بن عبد العزيز ﵁، وقول أبي حنيفة، وقول الإمام البخاري، وهو قول معاذ: أنه يجوز إخراج القيمة، وقد نظرو هنا إلى الأنفع للفقير، فما كان أنفع للفقير يجوز أن يعطيه إياه، والراجح في هذه المسألة أن الأمر واسع فيها، فيجوز أن تخرج الأشياء التي نص عليها النبي ﷺ ، وإذا أخرجت مكانها قيمتها للفقير وكانت أنفع له أو احتاج إليها، أو هو طلبها مكان هذا الشيء، جاز أن تخرجها في ذلك، ولا يحتاج الأمر لكثير كلام فيها ولا كثير جدلٍ، فمن أخرج الأشياء المنصوصة فهذا حسن، وإذا وجد أن الفقير يحتاج إلى المال وهو أفيد له، كأن يكون لا يريد أن يأكل التمر أو القمح، بل يحتاج إلى أكل أخر غير هذا الشيء جاز أن يأخذ غيره، ولكن لا بد أن يكون بقيمة الأشياء المنصوصة، فمن وجد قيمة التمر أخرج قيمته، ومن وجد قيمة الزبيب وكان يريد أن يخرج قيمته جاز أن يخرج قيمته، وهكذا، وفي ذلك كلام جيد لـ شيخ الإسلام بن تيمية ﵀ يقول: إخراج القيمة للحاجة أو المصلحة أو العدل لا بأس بذلك، وضرب لها مثال فقال: كأن يكون المستحقون بالزكاة طلبوا منه أعطاء القيمة؛ لكونها أنفع، فيعطيهم أيها، فيقول: لو أن الفقراء قالوا: أنفع لنا أن تعطينا القيمة لا أن تعطينا ذلك، وكان هذا هو الأنفع لهم، أو أن الفقير سيعطى من القمح أو من غيره من الأشياء فيأخذها ثم يبعها فالأنسب أن الفقير يعطى المال، وله أن يشتري لنفسه ما يريد، وعلى ذلك فالأمر واسع في ذلك، فإذا أخرجت المنصوص عليها أجزأ عنك وكان أفضل لك، وإذا كان الأنفع للفقير بطلبه الآخر أعطيته الأخر، ولا نقول أنه لا يجزئ، والله أعلم.

стр. 326

شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان - أحكام المساجد وآدابها [١] لقد عظم الشرع المساجد وجعل لها أحكاماً وقوانين، كي تحفظ هيبتها وناموسها، فهي مكان عبادة رب الأرباب؛ لذا فهي بيوت مقدسة ومحترمة ولها أحكام خاصة، فمن هذه الأحكام: أنها ليست مكاناً للعب، ولا للقيل والقال، ولا للعبث، وإنما هي للذكر والتسبيح والطاعات. ومن هذه الأحكام: أن تنزه عن النجاسات والقاذورات، فتطيب وتبخر، وتحفظ عن كل قذر.

стр. 327

فضل المساجد وأحكامها

стр. 328

أخذ الزينة في بيوت الله الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. لقد ذكر النبي ﷺ في حديثه المساجد، وقال: (المسجد بيت كل تقي)، وذكرها الله سبحانه ﵎ في كتابه فقال: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن:١٨]، وقال سبحانه: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف:٣١]. فالله يأمر بالتوجه إلى المساجد وخاصة إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة، فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة:٩]، وقال: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة:١٨٧]، وقال: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة:١٨]. فقد شرف الله المساجد بهذه الإضافة إليه، إذاً فعلى الإنسان أن يلبس أفضل الثياب الطاهرة النظيفة التي يتجمل بها لبيت الله، والتي تليق به وتكون هذه الثياب ثياباً شرعية يتجمل بها للصلاة، فيلبس القميص، ويلبس الثياب التي تستره وتستر عورته إذا ركع وإذا سجد، كما قال الله: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف:٣١]، وأحياناً بعض الشباب تجده يلبس لبساً ضيقاً جداً فإذا ركع أو سجد يظهر ظهره وتنكشف عورته وهو راكع أو ساجد، فهذه ليست زينة للصلاة، بل عليهم أن يلبسوا ثياباً تليق بالصلاة. فإذا كان الإنسان يتعمد هذه الثياب الضيقة التي تكشف عورته فهذا لا صلاة له، وتبطل صلاته إذا تعمد هذا الشيء، وقد قال الله للنبي ﷺ : ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر:٤]، وقال لنا: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف:٣١]، وأمر النبي ﷺ بستر العورة فقال لـ جرهد: (لا تكشف فخذك، ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت، استر عورتك، فأمره بذلك ﷺ . إذاً فنأخذ الزينة التي تليق ببيت الله سبحانه، فتركع وتسجد وأنت مستتر لا ينكشف منك شيء. وهنا بعض الآداب الخاصة بالمسجد نتعلمها، الإنسان المسلم يحب بيت الله، ويريد أن يحشر يوم القيامة عند الله سبحانه وقد غطاه وظلله بحبه وملازمته لبيت الله سبحانه، وأن يجعله مع السبعة الذين يظلهم الله بظله، يوم لا ظل إلا ظله، ومنهم رجل قلبه معلق بالمسجد، خرج منه حتى يرجع إليه. فإذا جاء إلى بيت الله لم يأت للسمر، ولا للضحك، ولا ليسمع القصص، ولكن أتى لبيت الله لذكر الله: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨]. نسأل الله أن يظلنا بظله يوم لا ظل إلا ظله.

стр. 329

حكم المكث في المسجد للحائض والجنب ومن أحكام المساجد: أنه يحرم على الجنب المكث فيها، فقد طهر الله بيته، وأمر الموجودين فيه أن يكونوا طاهرين من الحدث الأكبر، فإذا جاء وقت الصلاة وجب على المرء أن يتوضأ، فإذاً يجوز المكث في المسجد مع الحدث الأصغر حتى يدخل في الصلاة. وأما الجنب أو المرأة الحائض أو النفساء: فليس لهم أن يمكثوا في المسجد، بل يحرم عليهم ذلك. ولقد ذكر الله ﵎ لنا أحكام المساجد فقال: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا﴾ [النساء:٤٣] إذاً فلا تقرب الصلاة وأنت جنب، وأما المساجد فيجوز لك أن تقربها وتدخلها وأنت على جنابة إذا كنت عابر سبيل، فلا عبور سبيل في الصلاة، وإنما عبور السبيل يكون في المساجد بيوت الله . فالإنسان الذي على جنابة يجوز له أن يعبر السبيل من المسجد إذا كان في طريقه إلى مكان الماء ليغتسل، فهنا يعبر منه، لكن إذا كان المسجد ليس طريقاً إلى مكان الإغتسال، فليس له أن يقرب المسجد وهو على جنابة. إن الجنب طاهر، والمني الذي يخرج من الجنب طاهر، فلو أنه أصاب شيئاً لم يجب عليك أن تغسله، ولكنك محدث حدثاً أكبر، ويلزمك أن ترفع هذا الحدث. والمرأة الحائض محدثة حدثاً أكبر، فيجب عليها الغسل، ولو أصاب دمها الأرض فلا بد من غسل الأرض أو الشيء الذي نزل عليه. فإذا: قال الله : ﴿وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء:٤٣] فمن باب أولى الحائض والنفساء، فليس لهما أن يدخلا المسجد في مثل هذه الحال. لكن يجوز لهن حضور صلاة العيد في المصلى، والمصلى ليس بمسجد، وإنما هو مكان ملحق به، وهو مكان خارج المسجد تصلي فيه النساء إذا كان الرجال يصلون في المسجد، أو إذا كان الجميع يصلون العيد في الصحراء، فالمرأة تحضر حتى تستمع للذكر، وحتى تشهد الخير ودعوة المسلمين. إذاً: فإذا كانت المرأة حائضاً أو نفساء، أو كان الرجل على جنابة فليس لهم أن يمكثوا في المسجد حتى يتطهروا. ولو احتلم إنسان في المسجد وجب عليه أن يخرج، وذلك كان يكون معتكفاً في المسجد وحدث له ذلك، ولا يوجد في المسجد دورة مياه، فوجب عليه أن يخرج ليغتسل، ثم يرجع إلى بيت الله سبحانه، إلا إذا عجز عن الخروج كأن تكون أبواب المسجد مغلقة ولا يستطيع أن يخرج، فهو معذور في هذه الحالة، أما إذا لم يكن له عذر فيجب أن يخرج من المسجد حتى يغتسل. وكذلك إذا خاف على نفسه أو ماله إن خرج من قطاع الطريق، أو أن يسرق منه ماله، فهو معذور أن يمكث في المسجد إلى أن يزول الخوف، وهذا إذا كانت المساجد ليست فيها دورات مياه، وأما الآن فكل المساجد تقريباً فيها دورات مياه، إذاً فيلزمه أن يغتسل إلا إذا خاف على نفسه من البرودة أو المرض. إذاً فيجوز للمحدث حدثاً أصغر أن يمكث في المسجد، كأن يجلس بعد صلاة الظهر ينتظر صلاة العصر في المسجد، والأفضل له أن يكون على وضوء؛ لأنه إذا كان على وضوء فإنه يكتب له أجر الصلاة مع أنه لا يصلي، وإنما جالس فقط ينتظر الصلاة، وأما المحدث حدثاً أكبر فهو الذي لا يجوز له ذلك، سواء قعد لغرض شرعي منتظر للصلاة، أو في اعتكاف مثلاً، أو ليسمع القرآن، أو يسمع درس علم، أو موعظة أو غير ذلك. ويجوز النوم في المسجد مع الحاجة، فإذا كان الإنسان معتكفاً في بيت الله فيجوز له أنه ينام فيه إذا كان له عذره في ذلك.

стр. 330

حكم الأكل والشرب في المسجد ولا بأس بالأكل والشرب في المسجد أيضاً للحاجة، ولا يصلح أن يجعل المسجد مكاناً للولائم والضيافات، لكن إذا كان الأكل والشرب تبعاً لشيء آخر فلا بأس به، كأن يكون الإنسان مقيماً في المسجد ومعتكفاً فيه عشرة أيام مثلاً، أو يكون الإنسان حارساً لبيت الله سبحانه وهو جالس بداخله للحراسة فله أن يأكل، وأما هكذا من غير داع إلى ذلك فإن المساجد لم تبن لهذا، وإنما بنيت لذكر الله وما والاه. فهناك أشياء تجوز بالتبع ولا تجوز بالأصل، مثل أن يذهب إلى بيت الله من أجل أن ينام؛ حتى لا تضيع عليه صلاة الفجر، فهذا النوم تابع لشيء، وأما أن يذهب المرء لينام قليلاً في بيت الله، فإذا جاء وقت الصلاة ذهب ولم يصل، كأن يكون جالساً في السوق يكد طول النهار، ثم يدخل المسجد لينام، وقبل صلاة الفجر يمشي ولا يصلي، فالمساجد لم تبن لهذا. وإذا أكل في بيت الله فعليه أن يجعل على الأرض مفرشاً أو شيئاً؛ حتى لا يقع ما يأكله على الأرض فيلوث المسجد.

стр. 331

حكم دخول المسجد لمن أكل ثوماً أو بصلاً أو ما له رائحة كريهة وليس لمن أكل ثوماً أو بصلاً أو كراثاً أو غيرها مما له رائحة كريهة أن يأتي إلى بيت الله سبحانه، طالما والرائحة موجودة فيه؛ لأن الناس ينفرون منه، والملائكة أشد نفوراً منه. إذاً: فهذا يؤذي الملائكة فليس له أن يحضر المسجد وهو على هذه الحال، وقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (من أكل ثوماً أو بصلاً فلا يقرب مسجدنا)، وفي رواية ذكر الكراث. وإذا خرج من الإنسان ريح وهو جالس في المسجد مع طول الوقت فلا يحرم عليه هذا، يقول العلماء: إنه لا يحرم إخراج الريح، لكن الأولى أن يجتنب ذلك، إذا كان يستطيع ذلك، فيذهب إلى دورة مياه ويقضي حاجته هناك فهذا الأفضل، فالملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم كما ذكرنا.

стр. 332

حكم البزاق في المسجد وكذلك لا يجوز أن يبزق في المسجد، ولا نظن إنساناً يفعل ذلك في مساجد مفروشة بالموكيت، وأما في الماضي فالمساجد ليست مفروشة، بل فيها حصى أو تراب، فكانوا يبصقون على الأرض، فالنبي ﷺ أخبر (أن البزاق في المسجد خطيئة)، وهناك فرق بين الخطأ والخطيئة، فالإنسان الذي أخطأ، أي: لم يصب، أما إذا فعل خطيئة فمعناه أنه وقع في ذنب كبير، فلذلك لما قال: (البصاق في المسجد خطيئة) أعطاك الكفارة التي تكفر ما فعلت، فقال: (وكفارتها دفنها).

стр. 333

تحريم البول والفصد والقيء والحجامة على أرض المسجد ويحرم البول والفصد والقيء والحجامة على أرض المسجد، والكلام هنا ليس في دورات المياه، فدورة المياه معمولة لذلك، لكن أن يفعل ذلك في أرض المسجد نفسها، فهذا يؤذي أرض المسجد الذي أمرنا بتطهيره. فيحرم إدخال النجاسة إلى المسجد، فأما من كان في بدنه نجاسة، أو به جرح، فإن خاف تلويث المسجد حرم عليه الدخول؛ لأنه سينجس أرض المسجد بهذا الدم أو غيره، فليذهب إلى بيته إلى أن يقف جرحه ثم يأتي إلى بيت الله سبحانه. وقد جاء في الحديث: (أن أعرابياً تبول في المسجد في قصة طويلة، فقام إليه الصحابة ينهرونه، فقال النبي ﷺ : لا تزرموه بولته) يعني: اتركوه يقضي حاجته فقد فعل هذا الشيء، (فتركوه حتى بال، ثم قال له النبي ﷺ : إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر). فالمساجد ليست مكاناً للتبول، ولا مكاناً لحط القاذورات، و (إنما هي لذكر الله ، ولاحظ إلى أسلوب القصر، فـ (إنما) أداة قصر، يعني: أن المساجد وضعت لهذا الشيء فقط، وما زاد على ذلك فلا، فالمساجد (إنما هي لذكر الله ، والصلاة، وقراءة القرآن) أو كما قال ﷺ . (فأمر رجل من القوم فجاء بدلو من ماء فشنه عليه)؛ وهذا حتى تطهر أرض المسجد.

стр. 334

حكم غرس الشجر في المسجد يكره غرس الشجر في المسجد؛ لأن المسجد ليس معمولاً للزينة، وهذه الشجر قد تضيق على الناس فلا يستطيعون الصلاة، فيحرم على الإنسان أن يضيق بيت الله على المصلين، لذلك (منع النبي ﷺ من التحلق يوم الجمعة قبل خطبة الجمعة)، فالناس إذا جلسوا حلقة في المسجد للقرآن أو للعلم فإن ذلك يضيق على الناس المسجد، فهذا قبل الصلاة، وأما في غير ذلك من الأوقات فلهم أن يتحلقوا لدراسة العلم.

стр. 335

حكم حفر الآبار في المساجد قال العلماء: يكره حفر البئر بداخل المسجد؛ كي لا يقع الناس في هذا البئر، ووجود هذا البئر يضيق على الناس مكان الصلاة، إذا احتاجوا إلى ذلك فيكون في خارج المسجد وليس في داخله، والآن لا نحتاج لمثل ذلك لوجود دورات مياه في المساجد.

стр. 336

حكم الخصومات في المسجد ويمنع أهل المسجد من الخصومة فيه، فليس المسجد مكان أخذ للخصومات، فبعض الناس يقول لخصمه: تعال إلى شيخ المسجد يقضي بيننا، فيجلسون فيه، وهذا يقول كذا وهذا يقول كذا، وترتفع الأصوات، فالمسجد ليس مكاناً للقضاء بين الناس، وإنما المسجد للصلاة. إن أبغض البلاد إلى الله أسواقها؛ لأن الأسواق هي محل الهيشات التي منعنا النبي ﷺ أن نحدثها في المسجد، فقال: (إياكم وهيشات الأسواق)، لذلك ننبه إخواننا البائعين الذين يبيعون في خارج المسجد فيرفعون أصواتهم بعد كل صلاة، ببيع الكتب والكاسيتات أن يتقوا الله، فقد قلبوا المسجد إلى سوق، ولا داعي لرفع الأصوات، فإذا كنت تبيع فأعرض سلعتك، فالذي يريد يشتري سيشتري، ورزقك سيأتيك، وأما التهليل والصياح فهذا لا يصلح. فلذلك نحذر البائعين خارج المسجد من ذلك، فهذا بيت الله سبحانه، فلا ينبغي أن ترفع صوتك، ولا أن تؤذي المصلين، وتؤذي النائمين المعتكفين، وتؤذي من يقرأ القرآن، فاتقوا الله سبحانه، واحذروا من هيشات الأسواق التي نهى النبي ﷺ عنها، فالأسواق هي شر بلاد الله، فلا تأت لنا بالسوق إلى باب المسجد.

стр. 337

حكم نشد الضوال في المساجد ويمنع نشد الضالة في المسجد، فالمسجد ليس مكاناً لنشد الضوال، فأحياناً بعض الناس يجد شيئاً، ومن ثم يدخل إلى المسجد فيصيح: من ضاع له كذا؟ فهذا حرام؛ فقد نهى النبي ﷺ عن ذلك. وإذا أحببت أن تعرف الضالة فاجلس خارج المسجد، فإذا خرج الناس من المسجد فأخبرهم بما وجدت، أو تعطيها لإدارة المسجد، والذي ضاع عليه شيء فإنه يذهب إلى هناك ويسأل عنها، فهذا أفضل لك ولهم.

стр. 338

وجوب احترام بيوت الله وحفظها واحترام أهلها إن المساجد بيوت الله سبحانه فعلينا أن نعمل على رقيها، وعلى احترامها، وعلى أن نوقر أهلها الذين يتعبون أنفسهم من أجل الناس، فانظروا إخوانكم في لجنة الزكاة كيف يحضرون في هذه الأيام ويجلسون ليل نهار من أجل توزيع الزكوات على الفقراء، فهم يتعبون تعباً شديداً، فندعوا لهم أن يعينهم الله سبحانه، وأن يعطيهم الثواب على قدر ما يبذلون لبيت الله سبحانه، ولا نبقى ننقد الناس، فهؤلاء يتعبون ويقولون لنا: لا نريد منكم جزاء ولا شكوراً، فنحن لا ندفع لهم شيئاً، لكنهم يدفعون لبيت الله ، ويبذلون الوقت الجهد، ويدفعون المال، ويتعبون أنفسهم من أجل بيت الله سبحانه، فهؤلاء يستحقون أن ندعوا لهم أن يتقبل الله منا ومنهم، وأن يرزقنا وإياهم جنته ورحمته. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 339

شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان - أحكام المساجد وآدابها [٢] إن المساجد لها أهميتها ومكانتها في هذا الدين، فهي شعار هذه الأمة، ورمز عبوديتها لله رب العالمين، ويكفي دليلاً على مكانتها أن كان أول عمل للنبي ﷺ هو بناء المسجد ففيها تبنى الرجال، ويتعلم دين الله تعالى، ولذلك رغب الإسلام في بنائها، سواء أكان البناء حسياً أم معنوياً. ولباني المسجد المعنوي آداب يلتزم بها، وأخلاق يتخلق بها في هذه الأماكن، فهي بيوت الله وتستحق كل العناية والاحترام والتقدير.

стр. 340

آداب المساجد

стр. 341

المنع من الخصومة في المساجد الحمد لله رب العالمين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. أما بعد: آداب المساجد آداب عظيمة ينبغي للمسلم أن يحافظ عليها ويعرفها, وأن يتعلمها ويعلمها غيره, فهي من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وحسن الخلق. فمن هذه الآداب: أن يمنع أهل المسجد من الخصومة فيه، والخصومة بمعنى: الاختصام، أي: أن يخاصم بعضهم بعضاً, ويشكو بعضهم بعضاً, ويرفعون أصواتهم فإنه ليس المسجد مكاناً لذلك.

стр. 342

عدم جواز إنشاد الضالة والبيع في المساجد ومن آداب المساجد المنع من نشد الضالة فيها, فإذا أضاع شخص شيئاً فلا يرفع صوته، فالنبي ﷺ دعا على من فعل ذلك وأمر بالدعاء عليه, فلا تعرض نفسك لأن يدعو عليك أحد من المسلمين, أو أن يستجاب لدعوة رسول الله ﷺ في ذلك, قال ﷺ كما في صحيح مسلم: (من سمع رجلاً ينشد ضالة في المسجد: فليقل: لا ردها الله عليك، فإن المساجد لم تبن لهذا)، فالذي لقي ضالة أو ضاع منه شيء فلا يقف في نصف المسجد ويقول: ضاع مني كذا, وإنما يخرج خارج المسجد فيقول هذا الكلام، وليس داخله، أو يأتي إلى إدارة المسجد فيضع الحاجة التي وجدها عندها، والذي ضاعت منه يذهب إلى المكان المخصص لذلك فيسأل عنها بعد ذلك. وكذلك جاء في الحديث عنه ﷺ : (إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك, وإذا رأيتم من ينشد ضالة فقولوا: لا رد الله عليك ضالتك). فإذاً: لا يجوز البيع في المسجد, ولكن إذا كان الإنسان عليه دين لآخر فلا بأس أن يقول له: خذ دينك فيعطيه؛ لأنه ليس هناك كلام كثير في هذا, وإذا كان هذا سيجلب الكلام الكثير فلا داعي له في المسجد، وكذلك إن كان سيرد لإنسان شيئاً ضاع منه من غير كلام في المسجد جاز, وإلا فليس المسجد محلاً لذلك. وفي صحيح مسلم من حديث بريدة: (أن رجلاً نشد في المسجد)، ومعنى نشد: أي رفع صوته, (فقال: من دعا إلى الجمل الأحمر؟)، الجمل شيء كبير، ومع ذلك لم يعذره النبي ﷺ ، (فلما قال ذلك, قال: لا وجدت! لا وجدت! إنما بنيت المساجد لما بنيت له). فإذا كان هذا جمل ضاع فكيف الذي تضيع منه حاجة تافهة ويقف في نصف المسجد ينادي: ضاع مني؟! هذا لا ينبغي له أن يقول ذلك.

стр. 343

عدم رفع الصوت في المساجد روى البخاري عن السائب بن يزيد ﵁ قال: (كنت قائماً في المسجد فحصبني رجل، قال: فنظرت فإذا عمر بن الخطاب ورجلان في آخر المسجد يرفعان أصواتهما حتى سمع عمر ﵁ , فينبغي خفض الأصوات في المساجد، ولا يقل أحد: أنا رجل كبير في السن فسامحوني، فليس هناك فرق بين الكبير والصغير، فالمسجد له آداب ومن آدابه أن لا ترفع صوتك في بيت الله , وأحياناً تقول لبعض الناس: اخفضوا أصواتكم، فيقول أحدهم: أنا الآن سأخرج، ويغضب عندما تنهره وتنهاه عن ذلك. وهذا عمر بن الخطاب صوته عال وممكن ينادي السائب بن يزيد: تعال يا سائب , اذهب إلى هذين الاثنين, ولكن عمر أدبه داخل المسجد أنه لا يرفع صوته فيه, فمن أجل أن ينادي ال سائب الذي بجواره أخذ حصى صغيرة من الأرض فحذفه بها، وعمل هذا عمر من أجل أن لا يرفع صوته في مسجد النبي ﷺ , فقال: اذهب فائتني بهما, فذهب ال سائب فجاء بهما إلى عمر، فقال: من أنتما؟ أو من أين أنتما؟ قالا: من أهل الطائف, قال: لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما, ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله ﷺ . فهذا أدب عمر ﵁، لم يناد ولم يقل: تعال يا سائب , وإنما أخذ حصى من الأرض فحذفه بها من أجل أن ينتبه, فكيف بنا نحن الذين نأتي إلى بيت ربنا فيقف الواحد وينادي على فلان من هنا، وعلى فلان من هنا, وإذا أراد أحد أن يدخل عمل إزعاجاً في المسجد, فهذا لا ينبغي، وقد نجد أحياناً بعض الشباب يجتمعون مع بعضهم جماعات قاعدين، جماعة هنا وجماعة هنا، وأصواتهم مرتفعة, وهذا لا يجوز في بيت الله , فبيت الله تمكث فيه الملائكة فلابد من الآداب الشرعية, كذلك النساء عندما يخرجن من المسجد في الدور الثاني يزعجن الناس المصلين بالكلام، وكذا قبل صلاة الجمعة، فهذا لا ينبغي في بيت الله , وإنما الذي ينبغي في بيت الله: الهدوء والسكينة والطمأنينة، كما قال تعالى: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨] وإنما بنيت المساجد لما بنيت له, وهو: ذكر الله وما والاه، وعالم أو متعلم.

стр. 344

صيانة المساجد مما يؤذيها والمصلين كذلك يصان المسجد عما يؤذيه ويؤذي المصلين، حتى من رفع الصبيان أصواتهم فيه, فالذي يأتي بابنه المسجد وهو يعلم أنه يلعب فلا يجوز له ذلك، والطفل الذي يفهم الصلاة كأن يكون ابن ثمان سنين أو تسع يؤتى به إلى المسجد ويؤدب بأن لا يرفع صوته، ولا يجري في المسجد ولا يوسخ فراشه، حتى يتربى الطفل مؤدباً في بيت الله، والمصلون عندما يرون الطفل مؤدباً يثنون على أبيه حيث أدبه وعلمه، وإذا كان الطفل يلعب في المسجد تكلموا على أبيه أنه ما أدبه ولا علمه، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن هذا من عظيم المنكرات، أي: رفع الصبيان أصواتهم في المسجد، وتوسيخهم حصيره, فهذا بيت الله فيجب علينا أن نلتزم بالآداب الشرعية فيه حتى نؤجر ويبارك لنا في أنفسنا وأولادنا، ويبارك لنا في الأدب. فإن الإنسان الذي يكون على خلق عظيم يكون مع النبي ﷺ يوم القيامة.

стр. 345

عدم اتخاذ المساجد مكاناً لمزاولة الحرف كذلك يكره أن يتخذ المسجد مكاناً لحرفة من الحرف حتى لو كانت بسيطة، ففي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر إنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن).

стр. 346

حكم استلقاء الرجل في المسجد إحدى رجليه على الأخرى أمام غيره كذلك لا يجوز استلقاء النائم في المسجد على ظهره واضعاً إحدى رجليه على الأخرى بحيث تبدو عورته, ولا يتخذ المسجد مكاناً للنوم إلا المعذور والمضطر، أما غيرهما فالمسجد للصلاة، فلو أن إنساناً نام على ظهره رافعاً إحدى رجليه على الأخرى فلعل عورته تنكشف بسبب ذلك فلا ينبغي له ذلك، ولا يجوز أن يفعلها الإنسان في داخل المسجد, ولكن إن كان مستتراً ووضع إحدى رجليه على الأخرى من تعب فلا مانع من أن يفعل ذلك. وقد جاء عن النبي ﷺ : (أنه نهى عن اشتمال الصماء، والاحتباء بثوب واحد، وأن يرفع الرجل إحدى رجليه على الأخرى وهو مستلق على ظهره)، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه فعل ذلك، وأنه استلقى على ظهره ووضع إحدى رجليه على الأخرى، ولعله من تعب كان به. ولذلك يقول الحافظ في الفتح: والظاهر أن فعله ﷺ كان لبيان الجواز، وكان ذلك في وقت الاستراحة لا عند مجتمع الناس؛ لما عرف من عادته من الجلوس بينهم بالوقار التام صلوات الله وسلامه عليه, فقد كان يجلس جلسة المتخشع المخبت المتواضع ويقول: (إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد) صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 347

حكم تشبيك الأصابع في المسجد يكره تشبيك الأصابع في المسجد إلا للحاجة كأن يكون الإنسان يشرح درساً علمياً, ويحتاج للتمثيل، كما قال النبي ﷺ : (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً , وشبك بين أصابعه). ففعل الرسول ﷺ هنا على وجه التمثيل للبيان، أما غير ذلك فقد نهى عنه النبي ﷺ وقال: (إذا توضأ أحدكم فأحسن وضوءه ثم خرج عامداً إلى المسجد فلا يشبكن يديه فإنه في صلاة)، فإذاً: نُهينا عن التشبيك بين الأصابع لأننا في صلاة. وهل يجوز التمطط الجري مزعجاً الناس في الشارع؟ لا، كذلك عندما نأتي الصلاة، فلنكن في وقار, فقد نهينا أن نسرع إلى الصلاة؛ لأننا في صلاة ونحن في الطريق.

стр. 348

استحباب عقد حلق العلم والمواعظ في المسجد يستحب عقد حلق العلم في المساجد وذكر الرقائق والمواعظ؛ لأن النبي ﷺ ذكر من وظائف المسجد: ذكر الله وما والاه, يعني: وما يتبع ذلك من صلوات وغيرها, وعالم ومتعلم, فالذي يجوز له رفع صوته في المسجد: العالم المدرس الذي يعلم الناس, وكذلك المتعلم الذي لعله يستفهم عن شيء لم يتضح له مما يقوله المعلم له, فهذا معلم وذاك عالم, وليس لغيرهم أن يرفعوا أصواتهم في بيت الله .

стр. 349

جواز التحدث في المسجد بالحديث المباح يجوز التحدث بالحديث المباح في المسجد وبأمور الدنيا، ولكل مقام مقال, فإذا كان الإنسان جالساً ينتظر الصلاة فلينشغل بذكر الله , أما إذا كان في وقت ليس فيه صلاة وانتهى من ذكر الله فلا بأس، كما كان الصحابة يجلسون بعد صلاة الفجر, فقد كانوا يصلون الصبح مع النبي ﵌، ثم بعد الصلاة يجلسون يذكرون الله إلى أن تطلع الشمس, ثم ينتظرون إلى أن ترتفع, وفي خلال وقت الانتظار يجلسون يكلم بعضهم بعضاً, ولكن لا يرفعون أصواتهم ويزعج بعضهم بعضاً, فكانوا يفعلون ذلك, وقد يذكر أحدهم شيئاً مما كان عليه في الجاهلية مما يعجب منه ويضحك منه؛ فيضحكون ويتبسم النبي ﷺ , فهذا جائز في مثل ذلك.

стр. 350

حكم إنشاد الشعر في المسجد إذا كان فيه دفاع عن الدين يجوز إنشاد الشعر في المسجد إذا كان دفاعاً عن دين الله ، ومدحاً لرب العالمين ولسيد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه, وتفهيماً للدين فهذا جائز, وقد فعل ذلك حسان ﵁ في المسجد في حياة رسول الله ﷺ وهو يسمع ذلك. وقد نهى النبي ﷺ عن تناشد الأشعار في المسجد إذا كان لا علاقة لها بالدين ولا بالعلم؛ لأن المساجد لم تبن لذلك, وإنما هي لذكر الله وما والاه, أو لعالم أو متعلم.

стр. 351

تنظيف المساجد وإزالة ما فيها من أذى يسن كنس المسجد وتنظيفه وإزالة ما يُرى فيه، والمسلم عليه أن ينظف بيت الله فلا يلقي الحصا ولا الشعر ولا التراب، وإذا دخل ينظر إلى حذائه إذا كان فيها تراب وخصوصاً في الصيف، فإذا كان في الحذاء تراب نظفها بإزالته ولا يؤذي أحداً عند تنظيفها، فإذا دخلت المسجد فضع الحذاء في المكان المخصص له، كذلك نظافة المسجد فلا تعتمد على من يكنسه فهذا الذي يعمل في المسجد ربما يكون واحداً أو اثنان وهذا قليل، فلا يقدر على أن يكنس ثلاثة أدوار في المسجد وينظفه إلا أن نساعده كلنا, وأن لا يرمي أحد شيئاً في المسجد حتى لا يؤذ غيره، وإذا وجد من ذلك شيئاً أزاله. ولا ينبغي للإنسان أن يرمي نوى التمر من طاقة المسجد إلى الشارع ويتعذر أن الناس كلهم يفعلون ذلك, بل لا بد أن يكون هناك فرق بينك وبين الناس, فضع النوى في مكانه المخصص له وأزله من الشارع، فإن في إزالة الأذى من الطريق أجر، وقد أخبر النبي صلوات الله وسلامه عليه في الحديث أن: (الإيمان بضع وسبعون شعبة أو بضع وستون شعبة، أعلاها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق). فكأن الذي لا يميط الأذى عن الطريق قد فقد شعبة من شعب الإيمان, فهذا الذي يتركها في الطريق، فما بالك بالذي يضعها فيه؟! جاء عن النبي ﷺ أنه دخل المسجد فرأى نخامة في القبلة، فاحمر وجهه صلوات الله وسلامه عليه, وأخذ عوداً فحكها، وجاءت امرأة من الأنصار فمسحتها، وجاءت بطيب وطيبت مكانها، فمدحها النبي ﷺ وقال: (ما أحسن هذا!). فالإنسان الذي يكنس بيت الله وينظفه له أجر عظيم عند الله، ويكفي في فضيلته أن امرأة كانت تقم المسجد في عهد النبي ﷺ , أي: ترفع القمامة أو أي شيء يؤذي المصلين من المسجد, فلما ماتت هذه المرأة كأن الناس احتقروها, فدفنوها من غير أن يؤذنوا بها النبي ﷺ ، فلما افتقدها سأل: أين فلانة؟ قالوا: ماتت ودفناها, فحزن النبي ﷺ وقال: (إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أصحابها، وإن الله ينيرها لهم بصلاتي عليهم, دلوني على قبرها, فدلوه على قبرها, فذهب يصلي عليها عند قبرها)، فصلى على هذه المرأة، مع أن هناك كثيراً ماتوا بالليل ودفنوا ولم يسأل عنهم، أو لما أخبروه سكت ﷺ ، لكن هذه المرأة لها فضيلة، فهي كانت تكنس مسجد النبي ﷺ , وكأن الذي يكنس بيت الله له فضيلة يستحق أن يحمد عليها، ويستحق أن يصلى عليه إذا مات ويدعى له, فالذي ينظف بيت الله ﵎ يعتبر من عمار بيوت الله، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [التوبة:١٨]. كذلك جاء عن جابر (أن رجلاً مر في المسجد بأسهم قد أبدى نصالها فأمره أن يأخذ بنصالها، لا يخدش المسلمين)، لأنه من الممكن أن يؤذي بها الناس في المسجد أو في الطريق, فأمره أن يمسك بالنصال حتى لا يؤذي أحداً من الناس وهو يسير داخل المسجد.

стр. 352

البداءة بالمسجد والصلاة فيه عند القدوم من سفر كذلك من الآداب: أنك لو كنت مسافراً فأول ما تقدم تأتي المسجد وتصلي فيه ركعتين إن استطعت ذلك, فهذا خير، وهذا ما كان يفعله النبي ﷺ إذا قدم من سفر، فإنه كان يبدأ بالمسجد فيصلي فيه ركعتين.

стр. 353

استحباب استحضار نية الاعتكاف عند دخول المسجد والمكث فيه ينبغي للجالس في المسجد لانتظار صلاة أو الاشتغال بعلم أو غير ذلك أن ينوي الاعتكاف، فإن جمهور أهل العلم على أن الاعتكاف لا حد لأقله, فيجوز أن تعتكف ساعة أو أكثر من ذلك, وذهب بعض أهل العلم مثل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وغيره إلى أن أقل الاعتكاف يوم أو ليلة. والراجح: أنه لا دليل ينص على ذلك, والدليل الذي استدل به شيخ الإسلام ﵀، هو: أن عمر نذر أن يعتكف ليلة في الجاهلية، فقال النبي ﷺ : (أوف بنذرك)، وهذا لا يكفي للتحديد، حتى نقول: إن أقل من ليلة ليس اعتكافاً. فإذا جئت إلى المسجد فيستحب لك أن تنوي الاعتكاف؛ لتحصل على أجر الاعتكاف وأجر انتظار الصلاة. ولا بأس بإغلاق المسجد في غير وقت الصلاة لصيانته, وهذا الذي يتعين الآن في زماننا حتى لا تمتهن، وتجد بعض المساجد اليوم إذا فتحت يدخل فيها الكثير من الناس ينامون ويستريحون فيها، فإذا أذن المؤذن للصلاة يذهب ولا يصلي، فلا يفتح المسجد لمثل هؤلاء، فتارك الصلاة لا يدخل المسجد يمتهن بيت الله، وبعضهم يدخن السيجارة في دورة المياه ينتهك حرمة بيت الله ويؤذي الملائكة، وإذا نصحته قال: هذا بيت الله أيش دخلك؟ فمثل هذا يمنع من دخول المسجد، ولا بأس بإغلاق المساجد من هؤلاء في غير أوقات الصلاة.

стр. 354

صلاة ركعتين تحية للمسجد يكره لداخل المسجد أن يجلس حتى يصلي التحية, قال النبي ﷺ : (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين)، فهذا الحديث لو كان وحده لكان دليلاً على وجوب تحية المسجد, وقد ذهب إلى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. ولكن الراجح: أن هذا الحديث ليس وحده، وإنما جاء معه ما جاء عن النبي ﷺ في ليلة المعراج: أن الله قال في الخمس الصلوات المفروضات: (هن خمس في العمل وخمسون في الأجر -إلى أن قال:- أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي). فعلى ذلك لا يزاد على هذه الفريضة. فالراجح: أن هذه الصلاة سنة، وليست فرضاً. كذلك لما أرسل ﷺ معاذاً في آخر حياته إلى اليمن -وتوفي النبي ﷺ ورجع معاذ بعد وفاته- أرسله بخمس صلوات في اليوم والليلة, وأنه لا أكثر من ذلك، فقال ﷺ : (فأخبرهم أن الله قد افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة). يتضح من ذلك: أنه إذا جاء عن النبي ﷺ أحاديث تفيد لزوم صلاتي الوتر وتحية المسجد فإنها تحمل على الندب أو على شدة الاستحباب, وليس على الوجوب. كذلك كما ذكرنا قبل ذلك أنه ينبغي للقاضي أن لا يتخذ المسجد مجلساً للقضاء, فلا يُتحاكم فيه، ولا تقام فيه الحدود؛ حتى لا ترتفع الأصوات والله أعلم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين.

стр. 355

شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان - أحكام المساجد وآدابها وأحكام صلاة العيد للمساجد آداب لا بد للمسلم أن يتحلى بها، فهي بيوت الله العامرة بالذكر والصلاة والعلم وغير ذلك، ويكره عند بنائها زخرفتها. ويحرم اتخاذ القبور مساجد، وحائط المسجد من داخله وخارجه له حكم المسجد. ويحرم الخروج من بعد الأذان حتى يصلى إلا لعذر، وبناء المساجد فضله عظيم عند الله سبحانه. وصلاة العيدين مشروعة، ولها آداب ومستحبات، والأحرى بالمسلم أن يلتزم بها
следующие страницы →