Полный текст (387 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
تصح نية صيام الفرض في جميع الليل وحكم الأكل بعد النية قبل الفجر
تصح النية في جميع الليل، فإذا نوى بعد غروب الشمس أنه غداً صائم تنفع هذه النية، ولا يشترط أنها تكون قبل الفجر مباشرة، ولكن في أي وقت من الليل من الغروب إلى قبيل الفجر يجوز له النية فيه.
وإذا نوى الصوم بالليل ثم أكل أو شرب فهذا لا ينقض نيته، فبالليل نوى أنه غداً صائم، وبعدما نوى أكل أو شرب فلا شيء عليه، ولا تنقتض هذه النية بشيء.
وكذلك لو نوى ونام ثم انتبه قبل الفجر فأكل فلا شيء عليه، وتكفيه تلك النية.
стр. 37
جواز النية من النهار في صوم النفل
يصح صوم النفل بنية من النهار، وقد ذكرنا أن النبي ﷺ فعل ذلك، ففي صحيح مسلم عن عائشة ﵂ قالت: (قال لي رسول الله ﷺ ذات يوم: يا عائشة! هل عندكم شيء؟) يعني: من طعام، فهو يريد أن يأكل ﷺ ، وقوله هذا يدل على أنه كان مفطراً، (فقالت: يا رسول الله! ما عندنا شيء، قال: فإني صائم)، فالنية الآن من النهار، فقد كان في البداية ناوياً أن يفطر، فلم يلق طعاماً فصام صلوات الله وسلامه عليه، فدل ذلك على أنه يجوز لك أن تصبح وأنت تريد الإفطار، فإن لم تجد إفطاراً حولت النية إلى الصوم فتصير صائماً وتؤجر عليه.
إذاً: ففي صيام التطوع الله يرخص لعباده في أشياء حتى يحببهم في التطوع في العبادة، ولذلك في صلاة النافلة يجوز لك أن تصلي وأنت قاعد حتى ولو لم تكن مريضاً، ولكن الأجر على نصف القائم، وأما الفريضة فلا يجوز لك أن تصلي قاعداً إلا إذا لم تستطع القيام، إذاً لماذا في النافلة يجوز أن تصلي وأنت قاعد؟ يجوز ذلك للتحبيب في النافلة، فالإنسان طبيعته فيها الكسل، فتوسوس له نفسه بأني متعب ولا أستطيع أن أقوم وأصلي، فنقول له: ممكن تصلي وأنت قاعد، فإذا صلى وهو قاعد، تعود على النافلة مع الزمن، فيقوم بعد ذلك يصلي وهو قائم، ويقول: لماذا آخذ نصف الأجر وأنا أقدر أن آخذ الأجر كاملاً؟! إذاً: أصلي وأنا قائم.
فكذلك في الصيام يخفف الله تيسيراً على العبد، وتحبيباً له في التطوع، فإذا أصبح وليس عنده طعام، فيجوز له أن ينشئ نية الصيام من النهار، إلا أن يكون في أيام يكره فيها الصيام أو يحرم فيها الصيام، كيوم العيد مثلاً، ويوم الجمعة يكره الصيام فيه منفرداً إلا أن يكون يصوم يوماً ويفطر يوماً، أو أن يصوم يوماً قبله أو يوماً بعده.
ففي الحديث السابق أن النبي ﷺ قال: (فإني صائم، قالت عائشة: فخرج رسول الله ﷺ فأهديت لنا هدية أو جاءنا زور، قالت: فلما رجع رسول الله ﷺ قلت: يا رسول الله! أهديت لنا هدية أو جاءنا زور وقد خبأت لك شيئاً، قال: ما هو؟ قالت: قلت: حيس، قال: هاتيه، قالت: فجئت به فأكل، ثم قال: قد كنت أصبحت صائماً).
وهذا الحديث كأنه جمع يومين مع بعض وليس يوماً واحد، ففي أحد الأيام كما في أحاديث أخرى عن عائشة رضي الله ﵎ عنها أنه كان أصبح مفطراً ولكن لم يأكل، فلما لم يجد طعاماً نوى الصيام وصام، وفي يوم آخر أصبح وقد نوى الصيام ﷺ ، وبعد ذلك أتته السيدة عائشة فقالت: أهدي لنا هدية، فقال: ما هي الهدية؟ قالت: حيس، وهو طعام حلو يتخذ من التمر والسمن، فأكل منه وأفطر ﷺ .
وهذا من رحمته بأمته صلوات الله وسلامه عليه، وذلك أن الصائم أمير نفسه، فإن شاء أكمل صومه، وإن شاء أفطر، ولو أن النبي ﷺ لم يفعل ذلك لكان كل إنسان صائم عليه أن يستمر فيه، ولشق عليه صوم التطوع، لكن كون النبي ﷺ فعل ذلك دل على أنه يجوز أن تصبح وأنت صائم، ثم يبدو لك أن تفطر لعذر من الأعذار أو لغير عذر فلك ذلك؛ لفعل النبي ﷺ ، وقد جاءت رواية في هذا المعنى، وهي قوله ﷺ : (إذاً أفطر اليوم وقد فرضت الصوم)، قوله: (فرضت) هنا ليس معناها أنها فريضة، بل معناه: كنت نويت الصوم، ثم أفطر ﷺ .
وفي حديث آخر قال ﷺ بعد ذلك: (إنما مثل صوم المتطوع كمثل الرجل يخرج من ماله الصدقة، فإن شاء أمضاها، وإن شاء حبسها)، وهذا يعطي لنا حكماً آخر وهو: أن المتطوع بالصوم كالمتطوع بالصدقة، وليس هو كالمتطوع بالصلاة؛ لأن الصلاة إذا أحرمت بها فليس لك أن تخرج منها، فالصلاة تكون تطوعاً إذا أنت لم تدخل، فإذا أردت أن تصلي فصل وإذا لم ترد أن تصلي فلا تصل، لكن إذا دخلت في الصلاة فأحرمت بها فليس لك أن تخرج منها، فهي إذاً غير الصوم وغير الصدقة، فالصدقة في جيبك، فإذا نويت أن تعطي فلاناً صدقة، ثم بدا لك ألا تفعل فإنك تؤجر على أنك نويت أن تفعل الصدقة، وهذا من كرم الله العظيم سبحانه، والصيام كذلك، فإذا نوى إنسان أن يصوم وأصبح صائماً، ثم بدا له أن يفطر بعد ذلك أفطر، فهذا الصائم تطوعاً كالذي يريد أن يتصدق بالصدقة، فكلاهما أمير نفسه إن شاء أمضى ذلك وإن شاء لم يفعل.
وفي أي وقت من النهار نوى صيام التطوع أجزأه، سواء في ذلك ما قبل الزوال وبعده، فمثلاً في صوم التطوع إذا بقي إلى وقت الظهر وما أكل، فجاء عند وقت الظهر فقال: أكمل صومي، فالراجح أن له ذلك.
ومثل إنسان كان نائماً لم ينو صوماً، ثم استيقظ من النوم قبيل المغرب فالراجح أنه يجوز له ذلك، تحبيباً للمسلم في الصوم، وهذا في التطوع وليس في رمضان وليس في فريضة.
والشرط في ذلك ألا يكون قد طعم قبله، فلا يكون قد أكل وشرب وبعد ذلك يقول: سنصوم لا، بل يشترط ألا يكون قد أكل أو شرب بعد الفجر.
ويؤجر على صيام يوم كامل، وهذا مثل أن يتصدق الإنسان بصدقة ويؤجر عليها عشر حسنات، وآخر يتصدق ويؤجر مائة، فلن يستوي هذا مع إنسان كان ناوياً للصيام من قبل الفجر، غداً صائم، لكن من حيث الأجر فيكون له أجر صيام يوم كامل، وأما المضاعفة فأمرها إلى الله ، فيضاعف لمن يشاء.
стр. 38
تعيين النية في الصيام
يشترط تعيين النية في صوم القضاء والكفارة، يعني: طالما أنه صيام واجب فلابد من تحديد النية، فمثلاً أنوي أني اليوم صائم صوم رمضان فيكفي، وإذا كان علي صيام من رمضان فأنوي أني صائم غداً عن اليوم الذي كان في رمضان، ولا ينفع أن أقول: سأصوم وبعد ذلك أنوي كفارة يمين أو كفارة عن كذا، أو ظهار، أو لرمضان.
إذاً: لا بد من نية في الليل أنه صائم غداً صيام الفريضة.
ولا يشترط تعيين سبب الكفارة، ولو عين وأخطأ لم تجزئ الكفارة، كتعيين كفارة يمين، أو كفارة ظهار، أو كفارة قتل خطأ، فإذا نوى أنه يصوم غداً صيام عن هذه الكفارة فأطلق وقال: أنا علي كفارات وسأبدأ الصيام من غداً وما حدد، جاز له أن يبدأ الصيام ويصرفه لأي نوع من هذه الكفارات، إلا إذا نوى من الليل وقال: غداً أصوم عن كفارة قتل الصيد مثلاً، فأصبح بالنهار وقال: أنا أحول النية وأجعلها للكفارة أخرى، فهنا لا تتحول النية، ولكن تظل على هذا الشيء، إذاً لو عين النية وأخطأ لم يجزئها في مسألة أخرى.
ولو عين النية وأخطأ مثل أن يقول: علي يوم من رمضان وغداً سأقضي هذا، فلما صام هذا اليوم تبين له أنه لا يوجد عليه قضاء من رمضان، وإنما كان عليه كفارة يمين، فلا تنفع هذه مكان هذه؛ لأنه صامه قضاء لرمضان، فيكون صومه نافلة، ولا ينقلب إلى شيء آخر من الكفارة.
стр. 39
حكم صيام التطوع بنية مطلقة
يصح صيام التطوع بنية مطلقة كما تصح الصلاة بنية مطلقة، ولكن الأفضل هو تعيين النية في الصوم المرتب، فمثلاً ينوي أن غداً يوم الإثنين سأصوم؛ لأن يوم الإثنين يوم ترفع فيه الأعمال، ولو أنه صام بنية مطلقة، لأجزأ ورفعت فيه الأعمال أيضاً، ولكن الأفضل أنه ينوي اقتداء بالنبي ﷺ ، فقد كان يصوم الإثنين والخميس.
وكذلك في صوم عاشوراء إذا صام بنية مطلقة، فإنه مأجور عليها، لكن الأفضل أن ينوي أن هذا صوم عاشوراء، وكذلك في يوم عرفة ينبغي أنه ينوي أن هذا صيام عرفة؛ بحيث يؤجر على أنه اختار أن يصوم في اليوم الذي ذكر النبي ﷺ فيه تلك الفضيلة العظيمة، ولو صامه بنية مطلقة فإنه يؤجر عليه أيضاً بما جاء في الكفارة التي ذكر النبي ﷺ .
стр. 40
حكم الجزم بالنية في الصيام
ينبغي أن تكون النية جازمة في الصيام فلا يبقى متردداً في التطوع، أنا صائم أو غير صائم، وإذا أصبح يتردد أصوم أو لا أصوم، ويظل على ذلك إلى أن تغرب الشمس، فلا يعد صياماً؛ لأنه لابد من الجزم بالنية.
وفي صوم الفريضة لابد بالجزم بالنية بالليل كما قدمنا.
стр. 41
حكم صوم الفرض بنية من النهار
يصح صوم الفرض بنية من النهار في العذر الشديد جداً، مثل أن يصبح الناس فجاء إنسان وقال: رأينا الهلال بالأمس، وهذا إذا كانت رؤيا عين.
ففي عهد النبي ﷺ أصبحوا صائمين في يوم الثلاثين من رمضان، فجاء بعض الأعراب وقالوا: رأينا الهلال ونحن في الطريق، وأهل المدينة كانوا صائمين، وأخبروا بذلك بعد الظهر، فالنبي ﷺ أمر أصحابه بالإفطار، وخرجوا إلى العيد في اليوم الثاني مع أن يوم العيد هو هذا اليوم الذي كانوا فيه، ولكن هذا اليوم قد انتهى فسيخرجون إلى العيد من اليوم الثاني.
وكذلك يكون الأمر إذا لم يروا الهلال وأصبحوا مفطرين، ثم جاءهم من يقول: رأينا الهلال، وأخذ بكلام هذا الإنسان وقبلت شهادته، فيجوز لمن لم يكن قد أكل أن ينوي نية من النهار وأن يصوم، وإن كان الأحوط في هذه الحالة أن يقضي ذلك اليوم، والراجح من حيث الدليل أنه يجزئه، كصيام عاشوراء حين كان فريضة، ثم نسخ، فقد كان صيامه فريضة والنبي ﷺ أمرهم أن يصوموا من النهار، ففي مثل هذه الحالة يجوز.
стр. 42
حكم التردد في الصيام في آخر يوم من رمضان
إذا كان في آخر رمضان فقال في ليلة الثلاثين من رمضان: أصوم غداً إن كان من رمضان، وفعلاً كان من رمضان، فهنا يجوز صومه ذلك، وإن كان من العيد أفطر.
ولو كان عليه قضاء فقال: أصوم غداً قضاء أو تطوعاً، فهذا لا ينفع هنا، وهو ينفع في رمضان على الراجح، والفرق أن رمضان لن يقدر أن يستدرك هذا الشيء فيه، فإذا قال بالليل: لو كان غدا رمضان فأنا صائم عن رمضان، وإن كان غير رمضان فأنا صائم تطوع، فأصبح فكان من رمضان، فتنفع هذه النية.
لكن لو أن إنساناً تردد في النية، وقال: أنا غداً صائم قضاء أو تطوعاً، ولم يجزم بأحدهما، فنقول له: لا بد من الجزم؛ لأن هذا الأمر بيدك فتستطيع أن تقضي غداً أو في أي وقت آخر، فلك الخيار إما أن تنوي قضاء أو تنوي تطوعاً، فالتطوع لك الخيار فيه، فعلى ذلك إذا قال: إني غداً صائم إما قضاء عن يوم من رمضان، أو تطوعاً، وأصبح الصبح على هذه النية المترددة، فإن الصيام يكون تطوعاً ولا يجزئ أن يكون فريضة في هذه الحالة والله أعلم.
نكتفي بهذا القدر، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 43
شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان - مسائل في النية وبداية ونهاية الصوم
لا بد من تبييت النية من الليل للصوم، وهناك مسائل تتعلق بالنية في الصوم، فمن نوى الصوم ثم نوى قطعه جازماً فقد أفطر وإن لم يأكل، ومن نوى قطعه متردداً فلا شيء عليه وصومه صحيح، ولا صيام لمن لم يبيت النية من الليل إلا أن يكون معذوراً بنوم أو نسيان، والصيام يبدأ من أول الفجر الصادق حتى غروب الشمس يقيناً.
стр. 44
مسائل تتعلق بالنية في الصوم
стр. 45
حكم من نوى قطع الصوم جازماً أو متردداً
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
تكلمنا في الحديث السابق عن النية في الصوم وأن صوم الفريضة لا يصح إلا بنية، ولابد أن يبيت النية من الليل كما قدمنا، ولو دخل إنسان في صوم ثم نوى قطعه جازماً بنية الخروج فهذه من المسائل التي تتعلق بالنية، فإذا نوى مسلم من الليل أنه غداً صائم وأصبح بالنهار وهو على هذه النية عازماً على الصوم ثم بدا له أن يقطع هذه النية فإما أن يكون متردداً، أو أن يكون جازماً بقطع النية، يعني: كأن يقول: أنا الآن مفطر إذا وجدت طعاماً سآكل، فإذا عزم على الخروج خرج في الحال ولو لم يأكل، فإذا تردد في الخروج كإنسان مريض تردد وقال: أفطر لأنني معذور بالمرض ولا أكمل الصوم؛ فإنَّ التردد لا شيء فيه، والصوم صحيح، لكن الجزم بأنه خرج من الصوم كأنه نفى النية وألغاها، فعلى ذلك الآن هو مفطر؛ لأننا ذكرنا أن الصيام هو إمساك مع نية، فلا بد من الاثنين، فإذا وجد الإمساك والنية نسيها الإنسان فلا شيء، ولو تردد فيها وقال: أكمل أو أفطر؟ فلا شيء، لكن إذا عزم وجزم بأنه لا نية للصوم وقال: أنا مفطر الآن، فقد بطل صومه.
ولو كان صائماً عن نذر فنوى قَلْبَهُ إلى كفارة أو عكس ذلك، أي لو أنه صائم عن نذر، كأن يكون نذر أن يصوم يوم الاثنين القادم -في غير رمضان- وجاء يوم الإثنين وأصبح وهو صائم بهذه النية، ثم تذكر أن عليه كفارة يمين الآن وهو بالنهار، فأراد أن يقلب نيته إلى كفارة يمين، فإنه لا يصلح ذلك، والراجح أن صومه صحيح وهو عن النذر وليس عن الكفارة، ولا ينقلب الصوم لشيء آخر بخلاف من نوى من الليل -فقال: أنا غداً صائم، إما قضاء رمضان وإما عن النذر، ولم يجزم بواحدة حتى طلع عليه الصبح فصام، فصومه الآن صوم نافلة وليس فريضة، لأنه لابد ليكون قضاءً من عزم في نيته على أن هذا صوم قضاء، وإذا كان عن كفارة لا بد من عزم، وإذا كان عن نذر لا بد من عزم كذلك، فإذا أصبح عليه الصبح ولم يجزم، ولكنها مجرد نية أنه يصوم ولم يحدد عن أي شيء، فلا يصلح أن يحدد بعد أول نهار ويكون صومه هذا نافلة.
стр. 46
حكم الحائض إذا نوت الصوم قبل انقطاع حيضها ثم انقطع في الليل
من المسائل التي تتعلق بنية الصوم: إذا نوت الحائض صوم الغد قبل انقطاع حيضها ثم انقطع في الليل، فهنا لا يشترط في وقت النية أن تكون المرأة طاهرة من الحيض، ولكن العادة قد تكون معروفة عندها، فهي تعرف أنها في يوم كذا في نهار رمضان أنها حائض، وأن هذا آخر يوم لها في دورتها، ومنتظرة خلال الليل أن تنقطع تماماً، وتعلم أنه قبل الفجر ستكون قد قطعت الدورة، فلو أنها نوت في أثناء حيضها وهي تعلم انقطاعه في الليل فالنية صحيحة وتجزئها، فإذا أصبحت وكانت طاهرة فصيامها صحيح.
стр. 47
أي فعل يدل على الصوم في الليل يكفي في نية الصوم
الإنسان لو تسحر ليتقوى على الصوم أو عزم في أول الليل أن يتسحر في آخره، أو قال: أتسحر للصوم أو أشرب لدفع العطش، هذا كله يصلح نية للصوم؛ لأنه فعل ذلك بقصد الصوم، فعلى ذلك فهذه نية تجزئ في الصوم، ولا يشترط أن يقول: أنا غداً صائم، بل أي فعل فعله من أجل الصوم كالسحور ونحو ذلك، فهو نية تجزئه.
стр. 48
حكم تعقيب الصائم النية بقوله: إن شاء الله
لو عقب النية بقوله: إن شاء الله أنا غداً صائم، فهذه الكلمة تقال على وجهين، إما أن يقصد التبرك بهذه الكلمة وتأكيد العزم فيما يقول، فهذا لا يؤثر في صومه وصومه صحيح، أو يقصد بها التعليق، مثال ذلك: إنسان يقول لك: ائتني بالليل، فتقول له: إن شاء الله، فأنت تركت الأمر للقدر، وإذا شاء الله ذهبت إليك، فأنت لست عازماً أصلاً أنك تأتيه، وتركت الأمر للظروف، إذا شاء الله ذهبت إليك، هذا هو التعليق على المشيئة، والتعليق على المشيئة لا يصلح في نية الصوم، بخلاف من يقول: أنا صائم غداً إن شاء الله ويقصد بهذه الكلمة التبرك بها والعزم.
стр. 49
حكم من نسي نية الصوم في رمضان حتى مطلع الفجر
لو أن إنساناً جاء عليه الليل ونسي النية حتى الفجر، أو أنه نام قبل المغرب وقام بعد الفجر، ومعلوم أنَّ النية تكون بكل ليلة، لكن هذا لم يبيت النية لأنه نام أو نسي.
قال النبي ﷺ في أمر الصلاة: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها) فالقياس الصحيح هنا أن يقال: نية الصوم تكون إذا استيقظ ولم يأكل، فقد نوى أنه يصوم فتجزئ، وخاصة أن مسألة النية في النهار للعلماء فيها قولان: فمذهب الإمام أبي حنيفة أن النية مجزئة لأي صائم، وفي أي صوم فريضة أو نافلة، فله أن ينوي من النهار، ومذهب الجمهور ومنهم مالك والشافعي وأحمد أنه لابد من تبييت النية إلا مع العذر وهذا هو الصحيح، إذاً: لابد من النية إلا أن يوجد عذر، وسبب الاستثناء في العذر ما جاء في عاشوراء أنه فرض عليهم صومه في عام واحد وأمرهم النبي ﷺ في النهار أن يصوموه، فأجزأت هذه النية، فعلى ذلك لو أن الإنسان نام قبل غروب الشمس فلم يستيقظ إلا بعد طلوع الفجر فهذا معذور بالنوم، وإذا كان يعذر في الصلاة فليعذر هنا، فلينو إذا استيقظ من نومه، ويصوم هذا اليوم، وإذا نسي طول الليل كأن يقرأ القرآن أو كان يصلي، ولم يستحضر في قلبه أن يوم غدٍ من أيام رمضان حتى طلع الفجر، فإننا نقول: يجزئه الآن أن ينوي من النهار، وهذا مذهب أبي حنيفة ومذهب ابن حزم في هذه المسألة واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وغيرهم، فهذا معذور ولا يقاس على المعذور غيره، إذاً: لا صيام لمن لم يبيت النية من الليل، إلا أن يكون معذوراً بنوم أو بنسيان.
стр. 50
حكم النية في الليل ثم قطع النية قبل الفجر
لو نوى في الليل ثم قطع النية قبل الفجر، نحن نقول: الصيام لابد فيه من إمساك مع نية ولو حكماً؛ لأنه ليس من الممكن أبداً أن نقول للصائم: اذكر طول النهار من الفجر حتى المغرب نية الصوم، هذا بعيد؛ لأن الإنسان ينسى ويأكل ناسياً ويسهو وهكذا، فصعبٌ أن يتذكر النية طول النهار، إنما نقول: تعتبر له النية حكماً حتى يقطع هذه النية، فلو أنه نوى في الليل ثم قطع النية قبل الفجر، أي: نوى عند العشاء الصوم وجاء قبل الفجر وقال: لا، إنني مسافر غداً لن أصوم، فعلى ذلك فهو مفطر؛ لأنه قطع النية قبل الفجر، ولا تجزئه النية التي كانت في الليل، فإن لم يسافر هذا الذي قطع النية فإنه يلزمه الإمساك، ولا يجزئه عن رمضان، بل عليه القضاء بعد ذلك.
стр. 51
حكم من علم أن عليه صوماً واجباً لا يدري هل هو من رمضان أو نذر أو كفارة
لو علم أن عليه صوماً واجباً ولا يدري هل هو من رمضان أو نذر أو كفارة؟ نقول: هنا لا يكلف الله نفساً إلا وسعها، صُم ثلاثة أيام بنية الصوم الذي وجب عليك، أي: بنية الصوم الواجب ولا يلزم التحديد الآن؛ لأنه يشق عليك، والله سبحانه يقول: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨].
стр. 52
مسائل تتعلق ببداية ونهاية الصوم
إنَّ الصيام يبدأ من أول الفجر حتى غروب الشمس، إذاً: ينقضي الصوم ويتم بغروب الشمس، وهذا من رحمة الله سبحانه، إذْ خفف علينا بعدما كان الصوم يبدأ من العشاء حتى غروب شمس اليوم الثاني، فيصام ثلاثاً وعشرين ساعة في اليوم! فالله خفف وجعل الليل للأكل والشرب والجماع، قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة:١٨٧] إذاً: من طلوع الفجر الصادق حتى غروب الشمس.
وهذا بإجماع المسلمين؛ لقول النبي ﷺ : (إذا أقبل الليل من هاهنا، وأدبر النهار من هاهنا، وغربت الشمس فقد أفطر الصائم) فقد أشار النبي ﷺ أن الليل آتٍ من هنا، والشمس تتحرك من المشرق إلى المغرب، وكلما تتحرك من مكان تخلف خلفها مكاناً للظلِّ ومكاناً للَّيل، فالظلمة تبدأ يسيراً شيئاً فشيئاً حتى تعمَّ الظلمة جميع المكان، فيكون هذا الليل بغروب الشمس، إذاً: إذا جاء الليل من هاهنا وغرب النهار من هاهنا، فقال النبي ﷺ : (وأدبر النهار)، وقال: (وغربت الشمس) لأنه ليس ضرورياً إذا أدبر النهار أن تكون قد غربت الشمس، ولكن قد يكون هذا في تخيلك أنت وفي نظرك، فقد يُدبر النهار بسحابات انتشرت في السماء، ولم تغرب الشمس، فعلى ذلك لا بد من غروب الشمس، والذي يقف عند البحر، أو في أفق واسع أمامه في صحراء أو نحوها يرى الشمس وهي تغرب، تنزل رويداً رويداً حتى تنزل تحت الأفق.
قال العلماء: الأحوط أن يمسك جزءاً يسيراً بعد الغروب؛ لأن الذي يرى الشمس وهي تغرب، يجد أن الشمس حين تنزل تحت الأفق يكون فوقها شعاع يسمى الشفق الأحمر، وكأن هذا الشفق يخبر الإنسان أن الشمس لم تنزل بالكامل تحت الأفق، ولذلك لا بد من الاحتياط.
والدخول في الصوم يكون بطلوع الفجر الثاني وهو الفجر الصادق، وذكرنا أن الفجر الذي سماه النبي ﷺ الفجر الكاذب هو ضوء يكون في السماء مستطيلاً، والفجر الصادق يكون ضوءاً أو خيطاً مستعرضاً في الأفق من المشرق إلى المغرب.
روى البخاري ومسلم عن عدي بن حاتم ﵁ قال: لما نزلت ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة:١٨٧] قلت: يا رسول الله إني أجعل تحت وسادتي عقالين، عقالاً أبيض وعقالاً أسود أعرف الليل من النهار، فقال رسول الله ﷺ : (إن وسادك لعريض، إنما هو سواد الليل وبياض النهار)، فـ عدي بن حاتم أخطأ في هذا الشيء، وأخذ بمقتضى ما يفهم هو من اللغة، أنه خيط أبيض وخيط أسود، فأخذ حبلين، حبلاً أبيض وحبلاً أسود، ووضعهما تحت وسادته ليتبين هذا من ذاك، فبيَّن له النبي ﷺ هذا الخطأ وأن قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ﴾ [البقرة:١٨٧] يقصد به: بياض النهار، وسواد الليل.
أيضاً جاء في حديث النبي ﷺ الذي رواه مسلم عن سمرة بن جندب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يغرنكم من سحوركم) أي: من أكل السحور (أذان بلال ولا بياض الأفق المستطيل هكذا حتى يستطيل هكذا) إذا كان الأفق أمامكم بطول السماء، فليس هو الفجر، لكن الفجر الذي يكون خيطه مستعرضاً آتياً من المشرق إلى المغرب وتراه أمامك.
стр. 53
جواز الأكل والشرب والجماع إلى طلوع الفجر الثاني
يجوز الأكل والشرب والجماع إلى طلوع الفجر الثاني أي: الفجر الصادق، لقوله سبحانه: ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة:١٨٧]، ولو أن إنساناً يقف وينظر إلى الفجر وينظر إلى الأفق أمامه بين المشرق والمغرب حتى يتبين له الفجر وما زال يشك، هل طلع الفجر أم لم يطلع؟ فطالما أنه يشك فله أن يأكل حتى يتبين له ذلك، وهذا قد يختلف باحتمال النظر، فمن الناس من نظره قوي، وهذا نظره أضعف منه، فإذا تبين طلوع الفجر لك وجب عليك الصوم، لكن الآن لدينا الساعة ونعرف طلوع الوقت الصادق عن طريقها، فإذا تأكدْنا أنَّ هذا وقت الفجر فلا يجوز لنا أن نأكل أو نشرب، بل من كان في فمه طعام فليقذف هذا الطعام على ما قدمنا في بحث قبل ذلك.
جاء عن ابن عباس ﵄ أنه أرسل رجلين ينظران في الفجر، فقال أحدهما: أصبحت، وقال الآخر: لا، وكان ذلك بعد ما عمي ﵁، ففي آخر حياته صار ضريراً ﵁، فكان يرسل من ينظر في الفجر، فأرسل رجلين فقال الأول: أصبحت، وقال الثاني: لا، فقال: اختلفتما، أرني طعامي أو أرني شرابي فشرب ﵁؛ لأنه ذكر في الآية التبين، والآن لم يتبين، ولكن يختلف أنظار الناس، فمن تبين له بالنظر أن الفجر طلع لم يجُزْ له أن يأكل ولا أن يشرب، ومن عرف بالساعة أن الآن وقت الفجر الصادق فعلى ذلك لا يجوز له أن يأكل أو يشرب بعد طلوع الفجر.
стр. 54
عدم الأكل والشرب إلا بعد التيقن من غروب الشمس
ينبغي ألا يأكل حتى يتيقن الغروب، فتستيقن بساعتك إذا كانت مضبوطة، أو إذا كانت متأخرة فاصبر حتى تسمع الأذان في المسجد أو في المذياع فتعرف أن الوقت قد جاء، أو إذا كنت في صحراء أو عند البحر وترى الشمس وهي تغرب، فانتظر حتى تستيقن أن الشمس قد غربت.
стр. 55
حكم من أكل ظاناً غروب الشمس فبانت طالعة أو ظاناً أن الفجر لم يطلع فبان طالعاً
من أكل ظاناً غروب الشمس فبانت طالعةً أو ظاناً أن الفجر لم يطلع فبان طالعاً، فأحياناً الإنسان يضبط المنبه ليتسحر على الساعة كذا، ثمَّ يقوم للسحور ويأكل ويشرب وبعد ذلك يتبين أنَّ المنبه كان واقفاً، وأن الفجر قد طلع قبل فترة، فعلى ذلك أكل بعد طلوع الشمس، والعكس كذلك عند غروب الشمس يكون قبل الغروب يرى الدنيا قد أظلمت، ويظن أن الشمس غربت فيأكل وبعد ذلك يتبين له أنَّ المؤذن ما زال يؤذن، فالأول أكل بعد طلوع الفجر، والآخر أكل قبل غروب الشمس، فالاثنان لو أنهما اقتحما هذا العمل من غير تحرٍّ ومن غير سؤال، واندفعا إليه يلزمهما القضاء يوماً مكان هذا اليوم الذي ضيعاه، لكن إذا كان الأمر مشتبهاً، فالراجح في هذه الصورة: أنه عمل ما عليه، فالأمارات تدله على أن الشمس غربت الآن فهو أفطر بناءً على ذلك، فالراجح: أن هذا لا شيء عليه، لا يلزمه القضاء، وصومه صحيح، وبمجرد أنه عرف أنه أخطأ فعليه أن يمسك.
إذاً: حكمه حكم الناسي والنبي ﷺ قال في الحديث: (إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) وإذا كان الناسي في وسط النهار أكل حتى شبع وشرب حتى ارتوى وبعد ذلك تذكر أنه صائم، فقول: أطعمك الله وسقاك، ولا شيء عليك فليكن الحكم كذلك في المخطئ، إذا كان هذا المخطئ قد أخذ بالأسباب.
لكن إنسان لم يأخذ بالأسباب أصلاً، قام من النوم فرأى الليل مظلماً ولم يكلف نفسه أن ينظر في ساعة، وأحياناً الإنسان يختان نفسه في ذلك، فيأكل ويشرب، ثم ينظر في الساعة، فرأى أن الوقت وقت الظهر، فإننا نقول له: أفطرت ويلزمك الإمساك وعليك القضاء، فنفرق بين إنسان تحرى فأخطأ ولا شيء عليه، وإنسان لم يتحرَ في ذلك فيلزمه القضاء.
وهذا الذي ذكرناه جاء في حديث مرفوع في صحيح البخاري عن أسماء ﵂ قالت: (أفطرنا على عهد النبي ﷺ في يوم غيم ثم طلعت الشمس) ولم يأمرهم النبي ﷺ بالقضاء ولو أمرهم لذكرت: قضينا هذا اليوم، ولكن لم تذكر شيئاً، فدل على أنه لم يأمرهم النبي ﷺ بشيء، لكن راوي هذا الحديث عن أسماء ﵂ هو عروة بن الزبير، وابنه هشام بن عروة يروي الحديث عن فاطمة بنت المنذر عن أسماء، قيل لـ هشام بن عروة: فأمروا بالقضاء؟ فقال هشام من عند نفسه ﵁: لابد من قضاء، ولم يرفعه للنبي ﷺ ، ولا ذكره عن أسماء ﵁، بل أبوه عروة بن الزبير كان يرى أنه لا يلزم القضاء في ذلك، فقول عروة أولى من قول ابنه، فهذا عروة من فقهاء التابعين ﵁ وهو أقرب للصحابة من هشام، وهشام أبعد ﵁.
وحدث نفس الشيء في عهد عمر رضي الله ﵎ عنه وأنهم أفطروا، يقول زيد بن وهب: كنت جالساً في مسجد رسول الله ﷺ في رمضان في زمن عمر بن الخطاب فأوتينا بعساس فيها شراب من بيت حفصة، يعني: أخرجت السيدة حفصة ﵂ أقداحاً كبيرة فيها تمر وماء ونحو ذلك للصائمين يفطرون عليها، وهذا من كرمها ﵂، قال: فشربنا ونحن نرى أنه من الليل، ثم انكشف السحاب فإذا الشمس طلعت، إذاً: الذي حصل في عهد النبي ﷺ حصل في عهد عمر ﵁، قال: فجعل الناس يقولون: نقضي يوماً مكانه، فقال عمر: والله لا نقضي ما تجانفنا بإثم، فعلى ذلك الإنسان إذا أخطأ وظنَّ أن الشمس غربت وبان له بأمارات أنها غربت من سماع مؤذن أو من نظر في ساعة فتبين أنه أخطأ فالراجح: أنه يلزمه الإمساك ولا شيء عليه، بخلاف من لم يتبين له بأمارة، إنسان نظر فوجد السماء غائمة وقال: الليل قد جاء، ولم يكلف نفسه أن يتحرى أو ينظر في الساعة ولم يسأل ولم يسمع مؤذناً فأكل فتبين أن الليل لم يأت؛ فهذا يلزمه القضاء، فنفرق بين الاثنين، والله أعلم.
نكتفي بهذا القدر.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم.
وصلِّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 56
شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان - مسائل في النية وما يحرم على الصائم وما يباح له
جاء الشارع الحكيم ببيان ما يحل للصائم وما يحرم، ابتداءً بنية الصيام وانتهاءً بالإفطار، وبين العلماء حكم استعمال الصائم للبخاخ والحقن الشرجية والعضلية والوريدية وأطقم الأسنان وغير ذلك، فينبغي للمسلم أن يعلم الأحكام المتعلقة بدينه، بحيث يجتنب ما يبطله ويفسده.
стр. 57
جواز صوم الحائض والنفساء يدركهما الفجر قبل أن يغتسلا
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
من مسائل النية في الصوم ما ذكرنا وأشرنا إليه قبل ذلك، لو انقطع دم الحائض والنفساء في الليل فنوتا صوم الغد صح صومهما، سواء اغتسلتا أو لم تغتسلا، فلا تعلق للصيام بالاغتسال، إنما الصلاة هي التي لها تعلق بالاغتسال، فلو أن المرأة طهرت من حيضها أو من نفاسها بالليل ونوت الصيام ونامت وهي على هذا الحال، وأصبحت بعد الفجر فالصوم صحيح، وإن كان التي طهرت من الليل يلزمها أن تغتسل لتصلي ما عليها من صلاة الوقت.
قال الله : ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة:١٨٧]، فذكر الله المباشرة وأنها تكون حتى يتبين الفجر، فإذا جازت المباشرة وهي الجماع إلى قبيل الفجر، فمعناه: أن هذا الإنسان سواء كان رجلاً أو امرأة سيطلع عليه الفجر وهو على جنابة من الجماع، ومع ذلك إذا صام فصومه صحيح، طالما أنه نوى من الليل.
فإذا كان يجوز الجماع إلى قبيل الفجر، فطلع الفجر ولم يغتسل ونوى الصوم صومه صحيح، فيقاس على ذلك الحيض والنفاس.
وفي الصحيحين من حديث أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال: (كنت أنا وأبي فذهبت معه حتى دخلنا على عائشة ﵂، فقالت: أشهد على رسول الله ﷺ إن كان ليصبح جنباً من جماع غير احتلام ثم يصوم) يعني: أنه كان يأتي أهله ﷺ فيؤذن المؤذن الفجر وهو لم يغتسل بعد من الجنابة، فيصبح جنباً ثم يصوم ﵊، فدل هذا على أن الصوم لا تعلق له بالاغتسال.
كذلك جاء في صحيح مسلم عن عائشة: (أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ يستفتيه فقال: يا رسول الله! تدركني الصلاة وأنا جنب أفأصوم؟) يعني: يكون نائماً على جنابة حتى أذان الفجر، فتدركه صلاة الفجر وهو على جنابة، فالنبي ﷺ قال: (وأنا تدركني الصلاة وأنا جنب فأصوم)، هنا القياس، إذا كان النبي ﷺ هو أتقى خلق الله صلوات الله وسلامه عليه يفعل ذلك، فدل هذا على أنه جائز، فقال الرجل للنبي ﷺ : (لست مثلنا يا رسول الله! قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال ﷺ : والله إني أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي) يعني: الأمر ليس أن الله غفر له، فإن له أن يفعل ما يشاء، لا، وإنما النبي ﷺ مع أن الله قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فقد كان أشد اجتهاداً في العبادة يقول: (أفلا أكون عبداً شكوراً) صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 58
حكم الصائم يشك في طلوع الفجر وعنده طعام وشراب
من المسائل التي أشرنا إليها قبل ذلك أنه إذا طلع الفجر وتبين له وفي فمه طعام فليلفظه، أما من لم يتبين له الفجر، بل ما زال شاكاً، فهذا إذا كان أشكل عليه هل طلع الفجر أو لم يطلع ومعه طعام أو ماء فليشرب وليأكل، وعلى هذا يتنزل حديث النبي ﷺ في هذا المعنى، لكن إذا كان قد تبين له فعلم يقيناً بطلوع الفجر فالآية أخبرت أنه لا بد من الصوم الآن، قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ﴾ [البقرة:١٨٧] يعني: ابدأ صومك من طلوع الفجر الصادق، والأحاديث الكثيرة جاءت عن النبي ﷺ فيها أن الفجر فجران: فجر يحل الطعام والشراب، وفجر يحرمه، فالفجر الصادق يحرم الطعام والشراب، سواء كان الطعام أو الشراب على فيك أو ليس على فيك، أما حديث: (إذا أذن المؤذن والإناء على يد أحدكم فلا يضعه حتى يشرب) فهو حديث صحيح رواه أبو داود وغيره، لكن معناه: إذا كان أحدكم سمع المؤذن ولم يتبين طلوع الفجر وما زال في شك، فهو لا يدري هل المؤذن أذن في الوقت أو قبله؟ فهذا له أن يشرب كما جاء عن ابن عباس ﵄ أنه أرسل رجلين ينظران في الفجر، أحدهما قال: طلع الفجر، والآخر قال: لم يطلع، قال: شككتما، وكان ابن عباس قد أضر في آخر حياته في بصره، فقال: اختلفتما، ناولني شرابي.
إذاً: طالما أنه شك حتى ولو أذن المؤذن فله أن يشرب هذا إذا كان يرى أن المؤذن أذن قبل الفجر، أما إذا استيقن أن الفجر قد طلع فليس له أن يشرب، بل إذا كان الطعام في فمه لزمه أن يلفظه، وإذا كان مجامعاًَ أهله لزمه أن ينزع وإلا يلزمه القضاء.
стр. 59
بيان ما يحرم على الصائم من حيث الإجمال
يحرم على الصائم ما ورد في الحديث أن الله ﵎ يقول: (يدع طعامه وشرابه من أجلي، ويدع شهوته من أجلي) أي: يحرم عليه الطعام والشراب والشهوة.
وقال الله : ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ [البقرة:١٨٧]، هذا بالليل، ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة:١٨٧] يعني: يمتنع الصائم عن الطعام والشراب في النهار إلى الليل.
فإذا أكل أو شرب في النهار وهو ذاكر للصوم عالم بالتحريم، فيلزمه أن يمسك بقية ذلك اليوم ويلزمه القضاء ويأثم بذلك؛ لأنه أبطل صومه متعمداً.
ويحرم عليه مع الطعام والشراب ما يلحق بهما مثل السجائر، فلو شربها يحرم عليه ويفطر بها؛ لأن الدخان يتجمع في جوفه فيفطر بذلك، كذلك إذا كان يتعاطى المخدرات والعياذ بالله يشمها أو يأكلها أو يجعلها في جسده، يحرم عليه هذا كله، والمسكرات بأشكالها كل هذا إذا وصل إلى جوف الإنسان أو أدخله إلى جسده يحرم عليه؛ لأنه يذهب عقله الذي أمر أن يحافظ عليه، قال النبي ﷺ في الحديث: (من شرب الخمر ولم ينتش لم تقبل له صلاة ما دام في جوفه أو عروقه منها شيء، وإن مات مات كافراً) والخمر هو ما خامر العقل وخالطه، سواء سميناه خمراً أو مخدرات أو حشيشاً أو أفيوناً، أو غيرها من الأسماء، كلما خامر العقل وخالطه فهو خمر.
فالذي يشرب شيئاً من ذلك قليلاً أو كثيراً فإن النبي ﷺ قال: (لم تقبل له صلاة ما دام في جوفه) يعني: إذا وصل الخمر إلى جوفه، فإنه يحتاج إلى أيام حتى يخرج؛ لأنه قد امتزج بطعامه وشرابه ودمه وعروقه، فخلال هذه المدة لا يقبل الله له صلاة ما دام في جوفه أو عروقه منها شيء، وإن مات مات كافراً، إن كان مستحلاً لها، مات كافراً كفراً أكبر، وإن كان مرتكباً للمعصية متعمداً لذلك فهو من أفعال الكفر، كفر العمل.
الصورة الأولى: أنه لم يذهب عقله، ولم ينتش.
أما إذا انتشى وذهب عقله بشرب الخمر والمخدرات واختلط فقال: (وإن انتشى لم تقبل له صلاة أربعين ليلة، وإن مات مات كافراً)، والعياذ بالله.
стр. 60
حكم الاكتحال وقطرة العين للصائم
لا يفطر الصائم بالاكتحال، لو وضع كحلاً في عينيه لا يفطر بها وإن كان الأولى أن يجتنبه؛ لأنه قد يحس بطعمه في فمه، لكن فرضنا أنه وضع وأحس بطعمه في حلقه فيلزمه أن يتفله ويزيل ما في حلقه من أثر الكحل.
قس على ذلك القطرة التي تجعل في العين، فلو وضع قطرة أثناء الصيام فإن القطرة لا تفطر صاحبها، وإذا نزلت القطرة إلى حلق الإنسان وطعم مرارة القطرة فيلزمه أن يتفل القطرة، بحيث إنه لا يبقى أثرها في فمه، لكن لو تعمد أن يبتلع القطرة فإنه يفطر.
стр. 61
حكم الحقن الشرجية والعضلية والوريدية وحقن التغذية للصائم
لا يفطر الصائم بالحقنة الشرجية التي تدخل إلى معدة الإنسان وإلى جوف الإنسان، والحقنة الشرجية المقصود منها شيء إخراج ما يدخل في شرج الإنسان وأمعائه، أما إذا كانت الحقن الشرجية ستدخل وتمكث بداخل الأمعاء لتمتص منها الأمعاء وتتغدى، ففي هذه الحالة يفطر بها، لكن الحقنة الشرجية العادية المعروفة التي تستخدم لإخراج الفضلات من جوف الإنسان لا تفطر ولا يفطر الصائم من مداوة إحليله أو فرجه، ولا يفطر بمداوة المأمومة والجائفة، وهو قول بعض أهل العلم وهو الراجح أيضاً، والمأمومة هي شجة تكون في دماغ الإنسان تصل إلى الغشاء المحيط بالمخ، وسميت مأمومة؛ لأنها وصلت إلى أم الدماغ، فالمأمومة إذا وضع الصائم لها دواء، ودخل الدواء إليها فالراجح أنه لا يفطر بذلك؛ لأن هذا ليس طعاماً ولا شراباً، وليس من مجاري الطعام والشراب.
كذلك الجائفة، يعني: إنسان بطنه مفتوحة ومخيطة، فجعل أدوية فيها فإنه لا يفطر بذلك.
أيضاً الحقنة في العضل أو في الوريد وكذلك الأقماع المهبلية هذه كلها لا تفطر؛ لأنها ليست طعاماً ولا شراباً وإنما يتداوى بها وتدخل من غير مجاري الطعام والشراب.
أما حقن التغذية، إذا كان الشخص يعيش على حقن التغذية بحيث تصير حياته عادية ويحس بشبع فهذا يفطر بذلك.
إذاً: هناك فرق بين الحقنة للتداوي والعلاج التي ليس فيها تغذية، وبين أن تكون الحقنة فيها مكونات من محلول السكر أو غيره من الأمور المغذية، فإذا كان الإنسان يأخذ الحقن للعلاج وليس للتغذية فالراجح أن هذه الحقن لا تفطر، أما الحقن المغذية فهي تفطر.
стр. 62
حكم نقل الدم وتغسيل الكلى والبخاخ أثناء الصوم
نقل الدم للمريض الراجح أنه ليس فيه مادة للتغذية للإنسان، وإنما هو كعضو من الأعضاء التي تنقل إلى الإنسان، هذا الدم في الإنسان ناقل للأغذية وناقل للأملاح وناقل للأشياء من مكان إلى مكان في الإنسان، ولا يعيش بدونه، فيحتاج إليه، فإذا نقل إليه دم فهذا ليس غذاء وليس يجري مجرى الطعام والشراب، فالراجح أنه أيضاً لا يفطره.
وقس على ذلك أيضاً إذا كان إنسان يعمل غسيل كلى بالنهار، إذا كان مجرد ما يخرج الدم يتفلتر ويرجع إلى الإنسان، أو يوضع عليه بعض أملاح ونحو ذلك مما يحتاج إليه إلى (اكترونيات) الدم ونحو ذلك، فالراجح أن هذا لا يفطر، لكن إذا وضعت له مواد تغذية معها محلول للتغذية بحيث إنه يعيش على هذا المحلول ويقوم مقام الطعام والشراب، فهنا نرجع إلى مسألة التفرقة بين التغذية وبين غيرها.
كذلك يباح للمريض الذي عنده أزمة كمريض القلب مثلاً الذي يستعمل البخاخ المحتوى على غاز يستنشقه بحيث إنه ينزل على القصبة الهوائية وعلى الرئة، ولا ينزل على المريء وعلى المعدة، وإنما ينزل على القصبة الهوائية وعلى الرئة، والأفضل أن يجتنب ذلك، لكن لو احتاج إليه استخدمه؛ وذلك بأن يطرأ له المرض في وسط النهار فله أن يستخدم ذلك، ولا يفطره في النهار هذا الغاز، أما إذا كانت بودرة، فأخذها وجعل يستنشقها بحيث تنزل على لسانه ويبتلعها وهذا يفطر بها، لكن إذا كان مجرد غاز يستنشقه وينزل على القصبة الهوائية فالراجح أن هذا لا يفطره.
стр. 63
حكم استخدام الأقراص الدوائية في نهار رمضان
الأقراص الدوائية لا يجوز أن تبتلع في نهار رمضان، ولكن أحياناً مريض القلب يأخذ قرصاً ويجعله تحت اللسان، فإذا كانت الأقراص تمتصها العروق التي تحت اللسان، ولا يبتلع منها شيئاً، فالراجح أنه لا يفطره، أما إذا كانت تذوب في الريق ويبلعه فإنه يفطر بذلك.
لذلك هذه المسألة تكون عند الضرورة فقط ولا يبتلع منها شيئاً، وإنما يتركها تذوب تحت اللسان بحيث إنها تمتص من الأغشية المخاطية الموجودة في اللسان، فلا تفطر في هذه الصورة.
стр. 64
حكم استعمال الطيب للصائم وابتلاع ما لا يؤكل في العادة
يجوز للصائم أن يضع طيباً ويشمه، ولا يوجد دليل على المنع من ذلك.
ويفطر الصائم بأكله الطعام والشراب ذاكراً ومتعمداً، وكذلك لو أكل شيئاً غير معتاد أكله، كأن أخذ حبة تراب فأكلها، فإنه يفطر بذلك، كذلك لو ابتلع خمسة ريالات، فهذا شيء لا يؤكل، ولكن لو حدث متعمداً فإنه يفطر بذلك، أما لو أنه حصل عن غير قصد فلا شيء عليه.
стр. 65
حكم ابتلاع الصائم للطعام المتبقي بين أسنانه
إذا بقي بين الأسنان طعام، فنقول: يستحب للصائم أن يتسوك، كما جاء عن النبي ﷺ : (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء -أو عند كل وضوء- وعند كل صلاة) نقول: استخدم السواك، وقال ﷺ : (السواك مطهرة للفم مرضاة للرب)، فالنبي ﷺ يأمر به، ويخاف أنه يلزم به فيشق على الأمة، فيستحب بعد السحور أن تستخدم السواك، وتزيل ما بقي من الطعام بين الأسنان، لكن لو فرضنا أنه بقي بعض من الطعام في خلل الأسنان، وفي النهار ابتلعته دون قصد فلا شيء عليك، وصيامك صحيح، لكن لو أن إنساناً وجد طعاماً بين أسنانه وابتلعه وهو متعمد لذلك وذاكر لصومه، فإنه يبطل صومه بذلك.
стр. 66
حكم ابتلاع الريق
ابتلاع الريق لا يفطر، فلو أن الإنسان ابتلع ريقه، سواء كان قليلاً أو كثيراً لا يفطر الإنسان به، كذلك لو جمع ريقه وبلعه فإن صومه صحيح؛ لأن الريق شيء مخلوق بداخله.
أما لو اختلط ريقه بما يمكن التحرز منه بتفله فإنه يفطر بابتلاعه، مثل الإنسان الذي يتوضأ ويتمضمض فيبقى الماء في فمه فيبتلعه؛ فإنه يفطر بذلك، لكن إذا تفل مرة واحدة فلا يلزمه أن يستمر في التفل كما يفعل البعض، وتأتي له حالة وسوسة، حتى إن بعضهم يقول: أحاول أن أحافظ على وضوئي من أجل ما أتوضأ وأنا صائم؛ لأني حين آتي إلى المضمضة ما أتمضمض، خشية أن أفطر بسبب ذلك! فهذه وسوسة من الشيطان، ليس هذا الشيء مطلوباً، وإنما تتمضمض كما تتمضمض وتتفل مرة واحدة وليس أكثر من ذلك، وبعد ذلك الماء الذي كان موجوداً في فمك يبقى له رطوبة، وأثر برودة في ريقك، وتظنه أنه ماء، ولا يلزمك أن تتفله.
стр. 67
حكم ابتلاع الدم الخارج بسبب قلع السن أو الضرس
لو قلع سناً في نهار رمضان ونزف جرحه فليس له أن يبتلع الدم، ولكن يضع قطناً عليه ويعض عليه بقوة بحيث إن الدم لا ينزل ويتوقف، فلو أنه تعمد أن يبتلع الدم، فإنه يفطر بذلك؛ لأنه ليس له أن يبتلعه، إلا إذا غلبه أمر الدم، فنزل إلى جوفه غصباً عنه، فلا شيء عليه في ذلك.
بعض الصائمين قد يخلع ضرسه في نهار رمضان ويظل يتمضمض من أجل أن يوقف الدم، نقول: لن يقف الدم، بل سيزيد خروج الدم، وتشق على نفسك بذلك، لكن ضع عليه قطنة وعض عليها بقوة حتى يقف الدم بذلك.
стр. 68
شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان - ما يحرم على الصائم وما يباح له [١]
الصوم ركن من أركان الإسلام وفريضة فرضها الله على المسلمين، وهو الإمساك عن الطعام والشراب والشهوة وسائر المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس بنية التقرب إلى الله تعالى.
وللصوم أحكام كثيرة ومسائل مهمة ينبغي لكل مسلم أن يعلمها ولا يتجاهلها من أجل أن يؤدي فريضة الصيام على أكمل وجه.
стр. 69
الصيام وأحكامه
стр. 70
تعريف الصيام
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
أما بعد: الصيام: هو الإمساك عن الطعام والشراب والشهوة من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس بنية التقرب إلى الله سبحانه ﵎.
ويجب على كل مسلم بالغ عاقل، أما المرأة فيزاد عليها أن تكون طاهرة من الحيض والنفاس.
والمفطرات هي: الطعام أو الشراب أو الجماع في نهار رمضان.
стр. 71
حكم من تقيأ في نهار رمضان
من المفطرات تعمد القيء في نهار رمضان كأن يضع أصبعه في حلقه من أجل أن يخرج ما في بطنه، أما لو غلبه القيء فلا يفطر، لحديث: (من ذرعه القيء فلا شيء عليه)، وذرعه القيء معناه: غلبه القيء، لكن إذا تعمد أن يجعل أصبعه في جوفه أو أن يضغط على بطنه من أجل أن يخرج ما فيها فإنه يفطر بذلك.
والدليل على ذلك ما رواه أبو داود أو الترمذي من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (من ذرعه القيء فليس عليه قضاء، ومن استقاء عمداً فليقض)، ومن ذرعه القيء أيْ: غلبه فليس عليه قضاء، فالذي يخرج من بطنه شيء ثم يرجع إلى جوفه بدون تعمد منه فهو معذور فيه ولا شيء عليه، لكن إن تعمد ابتلاعه فإنه يفطر بذلك.
стр. 72
حكم وضع قطرة الأنف للصائم
لو استنشق شيئاً كالسعوط فوصل إلى حلقه أفطر بذلك، والسعوط شيء يضعه المريض في الأنف ويستنشقه ويصل إلى حلقه، فما وصل إلى الحلق ثم إلى الجوف فإنه مفطر.
إذاً: وضع القطرة في الأنف تفطر إذا وصلت إلى الحلق، لكن لو أن الإنسان أتى بقطنه مبلولة بشيء من نقط الأنف التي تسمى (روزلين) أو غيرها ومسح بها داخل أنفه ولم ينزل شيء إلى حلقه ولم يستنشق شيء منه فهذا لا يفطر، وهذا حكمه مثل حكم المضمضة ومن ثم يتفل ولم ينزل شيء إلى حلقه لأن مجرى الأنف يتصل بالحلق وينزل فيه.
стр. 73
حكم المبالغة في الاستنشاق للصائم
لو أنه بالغ في الاستنشاق متعمداً فإنه يفطر؛ لأن النبي ﷺ نهى عن ذلك وقال ل لقيط بن صبرة (وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً)، وهذا من النظافة العظيمة في هذا الدين القيم، فالوضوء فيه مضمضة وهي: تطهير الفم وهذا تطهير ظاهر، وأيضاً تطهير باطن أن ذنوب الفم تنزل في أثناء المضمضمة، وكذلك الاستنشاق فهو تطهير لما في الأنف من أتربة وجراثيم ما زالت على الشعيرات الأنفية ونحو ذلك فتخرج هذه الأشياء مع الاستنشاق.
فأمرنا النبي ﷺ بمبالغة الاستنشاق، وهو أنْ تجعل الماء في أنفك وتستنشقه بقوة بحيث يصل إلى داخل الأنف ثم تخرجه لكي ينظف مجرى النفس في أنفك، فقال ﷺ : (وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً)، فنهى النبي ﷺ الصائم عن المبالغة في الاستنشاق؛ لأن الأنف له مجرى إلى الحلق وإلى الجوف، فإذا كنت صائماً فلا تفعل ذلك، أما من استنشق ولم يبالغ فيه فسبقه الماء إلى جوفه فالراجح أنه لا شيء عليه إذا كان كذلك؛ لأنه معذور أو أنه نسي في ذلك، أمَّا لو تعمد الاستنشاق وعلم أنه صائم وأنه لا يجوز له أن يبالغ في الاستنشاق وعلم أنه لو بالغ فيه فإنه سينزل إلى حلقه فإنه يفطر بذلك، فإذا لم يقصد الفطر أو ظن أنه يحبسها بحيث لا تصل إلى حلقه فالراجح في هذه الصورة الثانية أنه لا يفطر بذلك.
стр. 74
حكم من جامع زوجته في نهار رمضان
الصائم يمسك عن الطعام وعن الشراب وعن الشهوة، وقد أجمعت الأمة على تحريم الجماع على الصائم سواء كان هذا في القبل أو في الدبر أو بأي صورة من صور الإتيان.
قال الله : ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة:١٨٧]، فيباح للرجل أن يأتي أهله بالليل ويحرم عليه أن يأتيها في النهار، أما غير زوجته وأمته فيحرم عليه أن يأتيها في الليل أو في النهار.
ثم ذكر الله سبحانه ﵎ بعد ذلك فقال: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة:١٨٧]، يعني: امتنعوا عن الطعام والشراب والجماع من طلوع الفجر الصادق إلى تيقن غروب الشمس.
وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (يقول الله : الصوم لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وأكله وشربه من أجلي)، والمعنى: أمسك عن الطعام والشراب والشهوة من أجل الله سبحانه ﵎.
وكذلك في الصحيحين (أن رجلاً جاء للنبي ﷺ فقال: يا رسول الله! هلكت قال: وما أهلكك؟ قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم، فقال رسول الله ﷺ : هل تجد رقبة تعتقها؟ فقال: لا، فقال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا، قال: فهل تستطيع إطعام ستين مسكيناً؟ قال: لا، قال: فسكت النبي ﷺ ، فبينا نحن على ذلك أتي النبي ﷺ بعرق فيه تمر).
أي: زنبيل فيه تمر (فقال: أين السائل؟ قال: أنا، قال: خذها فتصدق بها)، وفي رواية أنه قال: (احترقت! فقال النبي ﷺ : وما أحرقك؟! فذكر أنه أتى امرأته وهو صائم).
فأعان النبي ﷺ هذا الرجل لفقره فهو لا يجد رقبة يعتقها، ولا يقدر أن يصوم شهرين متتابعين ولا يستطيع إطعام ستين مسكيناً، وهو أفقر رجل في المدينة، فقال للنبي ﷺ : (فوالله ما بين لابتيها أفقر منا يا رسول الله).
ولابتا المدينة هما الحرتان، واللابة أرض ذات حجارة سوداء، وأحجار المدينة بيضاء وكذا أرضها، ولذلك كانت تسمى بيثرب واليثرب الأرض البيضاء، وطرفا المدينة فيها حجارة سوداء، وتسمى اللابة أو اللوبة أو الحرة، فقال الرجل: ما بين طرفي المدينة من أدناها إلى أقصاها لا يوجد أحد أفقر مني وأهلي، فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه ﵊، ثم قال (أطعمه أهلك)، فهذا الرجل وقع في معصية وتاب إلى الله سبحانه ﵎ منها ولم يكن معه الكفارة فأعطاه النبي ﷺ ما يكفر به وهو إطعام ستين مسكيناً، وعذره النبي ﷺ لفقره فقال: (أطعمه أهلك).
والوقاع هو أن يجامع الرجل زوجته الحرة أو أمته في أي وقت ليل أو نهار إلا في وقت حيضها ونفاسها، فإذا كان في رمضان فيحرم عليه ذلك بالنهار، ومن صفات المؤمنين المفلحين أنهم يمسكون أنفسهم عن الوقوع في الزنا قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون:٥ - ٦]، وملك اليمين هي الأمة التي يشتريها الإنسان بماله ليتسرى بها، ويجوز له أن يأتيها فمثلها مثل الزوجة.
ويحرم على الرجل أن يأتي المرأة في دبرها أو أن يقع في الزنا أو اللواط، فإذا فعل شيئاً من ذلك في نهار رمضان فقد أبطل صيامه ويأثم بذلك وعليه القضاء والكفارة.
стр. 75
حكم القبلة والمباشرة للصائم
القبلة للرجل هي أن يقبل امرأته في نهار رمضان أو المباشرة بمعنى مس بشرة الجلد بأن يضع يده على خدها أو على يدها، فهل يجوز له ذلك؟ روى الإمام أحمد من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: (كنا عند النبي ﷺ فجاء شاب فقال: يا رسول الله! أقبل وأنا صائم؟ فقال النبي ﷺ : لا، فجاء شيخ فقال: أأقبل وأنا صائم؟ فقال: نعم)، قال الراوي (فنظر بعضنا إلى بعض فقال رسول الله ﷺ : قد علمت لم نظر بعضكم إلى بعض، إن الشيخ يملك نفسه).
فهنا النبي ﷺ يجيب الرجلين بإجابتين مختلفتين، فضروري أن يحصل عند الجالسين عنده شيء من اللبس، ولكن استحيوا من النبي ﷺ أن يقولوا له: أنت نسيت أو أنت قلت الذي مضى، فنظر بعضهم إلى بعض فبادرهم ﷺ قبل أن يقولوا ذلك فقال: (إن الشيخ يملك نفسه)، إذاً: العلة هي أن الشاب قد لا يملك نفسه، إذاً: القبلة نفسها ليست محرمة وحكمها حكم المضمضة بالماء، فالمضمضة لا تفطر الصائم إذا لم يبالغ فيها ويسبقه الماء إلى جوفه، فكذلك هذا الشاب إذا كان يملك نفسه يجوز له أن يقبل زوجته، أما الشيخ فالعادة أنه يملك نفسه فيجوز له.
وجاء في الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: (كان النبي ﷺ يقبل ويباشر وكان أملككم لإربه) أي: كان أملككم لعضوه ولشهوته صلوات الله وسلامه عليه، فهو أملك الناس لشهوته ﵊.
وأيضاً جاء في مسند الإمام أحمد أن الأسود قال: (قلت يا عائشة! أيباشر الصائم؟ قالت: لا)، والمباشرة مس البشرة كالتقبيل وغيره ثم قال: (قلت: أليس كان رسول الله ﷺ يباشر وهو صائم؟ قالت: إنه كان أملككم لإربه) أيْ: السيدة عائشة تعرف أن النبي ﷺ كان يقبلها ﵂، ولكن كأنها علمت من حال هذا وأمثاله أنهم لا يملكون أنفسهم إذا قبلوا، فقد يقعون في الجماع فيصبح عليهم القضاء والكفارة وقد لا يقدرون على ذلك، فالشاب يجوز له أن يقبل وهو صائم إذا كان يملك نفسه، وإذا كان لا يملك نفسه فلا يجوز له.
وجاء في الحديث أن عمر ﵁ قال: (هششت فقبلت وأنا صائم) أي: أصابه شيء من السعادة والفرح والحبور فقبل امرأته وهو صائم، ومن ثم تذكر أنه وقع في خطأ فذهب إلى النبي ﷺ فقال: (قلت: يا رسول الله! صنعت اليوم أمراً عظيماً قبلت وأنا صائم! فقال النبي ﷺ : أرأيت لو مضمضت وأنت صائم؟!).
هذا الحديث يدل على استخدام القياس الصحيح (لو مضمضت وأنت صائم؟ فقال: قلت: لا بأس به، فقال: فمه؟) أي: مثلك يفهم هذه المسألة من البداية طالما أنك لم تقع في الجماع فلا شيء عليك لفعلك ذلك.
وجاء في صحيح مسلم عن عمر بن أبي سلمة ربيب النبي ﷺ وابن السيدة أم سلمة زوجة النبي ﷺ وزوجها الأول أبو سلمة ﵁، فـ عمر كان شاباً وليس شيخاً كبيراً فسأل النبي ﷺ فقال: (أيقبل الصائم؟) أي: هل ممكن أن أقبل زوجتي وأنا صائم؟ فقال ﷺ : (عن هذا اسأل أمك، فسألها فأخبرته أن رسول الله ﷺ كان يصنع ذلك، فقال: يا رسول الله! قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال له رسول الله ﷺ : أما والله إني لأتقاكم لله وأخشاكم له).
فالحديث الأول فيه أنَّ النبي ﷺ منع الشاب من القبلة، فإن النبي ﷺ علم أنه وأمثاله لا يملكون أنفسهم، وأنهم لو قبلوا قد يقعون في الجماع بعد ذلك فكأنه منعه من باب سد الذريعة.
إذاً: إذا قبل الرجل امرأته وهو صائم فلا شيء عليه في ذلك إلا إذا كان لا يملك نفسه فيقع في الجماع حتى لا يفسد على نفسه الصوم.
следующие страницы →