← Фикх общий

Фикх общий · id 36977

شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان - حطيبة

أحمد حطيبة

Полный текст (387 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

حكم من تقيأ في نهار رمضان من المفطرات تعمد القيء في نهار رمضان كأن يضع أصبعه في حلقه من أجل أن يخرج ما في بطنه، أما لو غلبه القيء فلا يفطر، لحديث: (من ذرعه القيء فلا شيء عليه)، وذرعه القيء معناه: غلبه القيء، لكن إذا تعمد أن يجعل أصبعه في جوفه أو أن يضغط على بطنه من أجل أن يخرج ما فيها فإنه يفطر بذلك. والدليل على ذلك ما رواه أبو داود أو الترمذي من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (من ذرعه القيء فليس عليه قضاء، ومن استقاء عمداً فليقض)، ومن ذرعه القيء أيْ: غلبه فليس عليه قضاء، فالذي يخرج من بطنه شيء ثم يرجع إلى جوفه بدون تعمد منه فهو معذور فيه ولا شيء عليه، لكن إن تعمد ابتلاعه فإنه يفطر بذلك.

стр. 72

حكم وضع قطرة الأنف للصائم لو استنشق شيئاً كالسعوط فوصل إلى حلقه أفطر بذلك، والسعوط شيء يضعه المريض في الأنف ويستنشقه ويصل إلى حلقه، فما وصل إلى الحلق ثم إلى الجوف فإنه مفطر. إذاً: وضع القطرة في الأنف تفطر إذا وصلت إلى الحلق، لكن لو أن الإنسان أتى بقطنه مبلولة بشيء من نقط الأنف التي تسمى (روزلين) أو غيرها ومسح بها داخل أنفه ولم ينزل شيء إلى حلقه ولم يستنشق شيء منه فهذا لا يفطر، وهذا حكمه مثل حكم المضمضة ومن ثم يتفل ولم ينزل شيء إلى حلقه لأن مجرى الأنف يتصل بالحلق وينزل فيه.

стр. 73

حكم المبالغة في الاستنشاق للصائم لو أنه بالغ في الاستنشاق متعمداً فإنه يفطر؛ لأن النبي ﷺ نهى عن ذلك وقال ل لقيط بن صبرة (وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً)، وهذا من النظافة العظيمة في هذا الدين القيم، فالوضوء فيه مضمضة وهي: تطهير الفم وهذا تطهير ظاهر، وأيضاً تطهير باطن أن ذنوب الفم تنزل في أثناء المضمضمة، وكذلك الاستنشاق فهو تطهير لما في الأنف من أتربة وجراثيم ما زالت على الشعيرات الأنفية ونحو ذلك فتخرج هذه الأشياء مع الاستنشاق. فأمرنا النبي ﷺ بمبالغة الاستنشاق، وهو أنْ تجعل الماء في أنفك وتستنشقه بقوة بحيث يصل إلى داخل الأنف ثم تخرجه لكي ينظف مجرى النفس في أنفك، فقال ﷺ : (وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً)، فنهى النبي ﷺ الصائم عن المبالغة في الاستنشاق؛ لأن الأنف له مجرى إلى الحلق وإلى الجوف، فإذا كنت صائماً فلا تفعل ذلك، أما من استنشق ولم يبالغ فيه فسبقه الماء إلى جوفه فالراجح أنه لا شيء عليه إذا كان كذلك؛ لأنه معذور أو أنه نسي في ذلك، أمَّا لو تعمد الاستنشاق وعلم أنه صائم وأنه لا يجوز له أن يبالغ في الاستنشاق وعلم أنه لو بالغ فيه فإنه سينزل إلى حلقه فإنه يفطر بذلك، فإذا لم يقصد الفطر أو ظن أنه يحبسها بحيث لا تصل إلى حلقه فالراجح في هذه الصورة الثانية أنه لا يفطر بذلك.

стр. 74

حكم من جامع زوجته في نهار رمضان الصائم يمسك عن الطعام وعن الشراب وعن الشهوة، وقد أجمعت الأمة على تحريم الجماع على الصائم سواء كان هذا في القبل أو في الدبر أو بأي صورة من صور الإتيان. قال الله : ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة:١٨٧]، فيباح للرجل أن يأتي أهله بالليل ويحرم عليه أن يأتيها في النهار، أما غير زوجته وأمته فيحرم عليه أن يأتيها في الليل أو في النهار. ثم ذكر الله سبحانه ﵎ بعد ذلك فقال: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة:١٨٧]، يعني: امتنعوا عن الطعام والشراب والجماع من طلوع الفجر الصادق إلى تيقن غروب الشمس. وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (يقول الله : الصوم لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وأكله وشربه من أجلي)، والمعنى: أمسك عن الطعام والشراب والشهوة من أجل الله سبحانه ﵎. وكذلك في الصحيحين (أن رجلاً جاء للنبي ﷺ فقال: يا رسول الله! هلكت قال: وما أهلكك؟ قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم، فقال رسول الله ﷺ : هل تجد رقبة تعتقها؟ فقال: لا، فقال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا، قال: فهل تستطيع إطعام ستين مسكيناً؟ قال: لا، قال: فسكت النبي ﷺ ، فبينا نحن على ذلك أتي النبي ﷺ بعرق فيه تمر). أي: زنبيل فيه تمر (فقال: أين السائل؟ قال: أنا، قال: خذها فتصدق بها)، وفي رواية أنه قال: (احترقت! فقال النبي ﷺ : وما أحرقك؟! فذكر أنه أتى امرأته وهو صائم). فأعان النبي ﷺ هذا الرجل لفقره فهو لا يجد رقبة يعتقها، ولا يقدر أن يصوم شهرين متتابعين ولا يستطيع إطعام ستين مسكيناً، وهو أفقر رجل في المدينة، فقال للنبي ﷺ : (فوالله ما بين لابتيها أفقر منا يا رسول الله). ولابتا المدينة هما الحرتان، واللابة أرض ذات حجارة سوداء، وأحجار المدينة بيضاء وكذا أرضها، ولذلك كانت تسمى بيثرب واليثرب الأرض البيضاء، وطرفا المدينة فيها حجارة سوداء، وتسمى اللابة أو اللوبة أو الحرة، فقال الرجل: ما بين طرفي المدينة من أدناها إلى أقصاها لا يوجد أحد أفقر مني وأهلي، فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه ﵊، ثم قال (أطعمه أهلك)، فهذا الرجل وقع في معصية وتاب إلى الله سبحانه ﵎ منها ولم يكن معه الكفارة فأعطاه النبي ﷺ ما يكفر به وهو إطعام ستين مسكيناً، وعذره النبي ﷺ لفقره فقال: (أطعمه أهلك). والوقاع هو أن يجامع الرجل زوجته الحرة أو أمته في أي وقت ليل أو نهار إلا في وقت حيضها ونفاسها، فإذا كان في رمضان فيحرم عليه ذلك بالنهار، ومن صفات المؤمنين المفلحين أنهم يمسكون أنفسهم عن الوقوع في الزنا قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون:٥ - ٦]، وملك اليمين هي الأمة التي يشتريها الإنسان بماله ليتسرى بها، ويجوز له أن يأتيها فمثلها مثل الزوجة. ويحرم على الرجل أن يأتي المرأة في دبرها أو أن يقع في الزنا أو اللواط، فإذا فعل شيئاً من ذلك في نهار رمضان فقد أبطل صيامه ويأثم بذلك وعليه القضاء والكفارة.

стр. 75

حكم القبلة والمباشرة للصائم القبلة للرجل هي أن يقبل امرأته في نهار رمضان أو المباشرة بمعنى مس بشرة الجلد بأن يضع يده على خدها أو على يدها، فهل يجوز له ذلك؟ روى الإمام أحمد من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: (كنا عند النبي ﷺ فجاء شاب فقال: يا رسول الله! أقبل وأنا صائم؟ فقال النبي ﷺ : لا، فجاء شيخ فقال: أأقبل وأنا صائم؟ فقال: نعم)، قال الراوي (فنظر بعضنا إلى بعض فقال رسول الله ﷺ : قد علمت لم نظر بعضكم إلى بعض، إن الشيخ يملك نفسه). فهنا النبي ﷺ يجيب الرجلين بإجابتين مختلفتين، فضروري أن يحصل عند الجالسين عنده شيء من اللبس، ولكن استحيوا من النبي ﷺ أن يقولوا له: أنت نسيت أو أنت قلت الذي مضى، فنظر بعضهم إلى بعض فبادرهم ﷺ قبل أن يقولوا ذلك فقال: (إن الشيخ يملك نفسه)، إذاً: العلة هي أن الشاب قد لا يملك نفسه، إذاً: القبلة نفسها ليست محرمة وحكمها حكم المضمضة بالماء، فالمضمضة لا تفطر الصائم إذا لم يبالغ فيها ويسبقه الماء إلى جوفه، فكذلك هذا الشاب إذا كان يملك نفسه يجوز له أن يقبل زوجته، أما الشيخ فالعادة أنه يملك نفسه فيجوز له. وجاء في الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: (كان النبي ﷺ يقبل ويباشر وكان أملككم لإربه) أي: كان أملككم لعضوه ولشهوته صلوات الله وسلامه عليه، فهو أملك الناس لشهوته ﵊. وأيضاً جاء في مسند الإمام أحمد أن الأسود قال: (قلت يا عائشة! أيباشر الصائم؟ قالت: لا)، والمباشرة مس البشرة كالتقبيل وغيره ثم قال: (قلت: أليس كان رسول الله ﷺ يباشر وهو صائم؟ قالت: إنه كان أملككم لإربه) أيْ: السيدة عائشة تعرف أن النبي ﷺ كان يقبلها ﵂، ولكن كأنها علمت من حال هذا وأمثاله أنهم لا يملكون أنفسهم إذا قبلوا، فقد يقعون في الجماع فيصبح عليهم القضاء والكفارة وقد لا يقدرون على ذلك، فالشاب يجوز له أن يقبل وهو صائم إذا كان يملك نفسه، وإذا كان لا يملك نفسه فلا يجوز له. وجاء في الحديث أن عمر ﵁ قال: (هششت فقبلت وأنا صائم) أي: أصابه شيء من السعادة والفرح والحبور فقبل امرأته وهو صائم، ومن ثم تذكر أنه وقع في خطأ فذهب إلى النبي ﷺ فقال: (قلت: يا رسول الله! صنعت اليوم أمراً عظيماً قبلت وأنا صائم! فقال النبي ﷺ : أرأيت لو مضمضت وأنت صائم؟!). هذا الحديث يدل على استخدام القياس الصحيح (لو مضمضت وأنت صائم؟ فقال: قلت: لا بأس به، فقال: فمه؟) أي: مثلك يفهم هذه المسألة من البداية طالما أنك لم تقع في الجماع فلا شيء عليك لفعلك ذلك. وجاء في صحيح مسلم عن عمر بن أبي سلمة ربيب النبي ﷺ وابن السيدة أم سلمة زوجة النبي ﷺ وزوجها الأول أبو سلمة ﵁، فـ عمر كان شاباً وليس شيخاً كبيراً فسأل النبي ﷺ فقال: (أيقبل الصائم؟) أي: هل ممكن أن أقبل زوجتي وأنا صائم؟ فقال ﷺ : (عن هذا اسأل أمك، فسألها فأخبرته أن رسول الله ﷺ كان يصنع ذلك، فقال: يا رسول الله! قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال له رسول الله ﷺ : أما والله إني لأتقاكم لله وأخشاكم له). فالحديث الأول فيه أنَّ النبي ﷺ منع الشاب من القبلة، فإن النبي ﷺ علم أنه وأمثاله لا يملكون أنفسهم، وأنهم لو قبلوا قد يقعون في الجماع بعد ذلك فكأنه منعه من باب سد الذريعة. إذاً: إذا قبل الرجل امرأته وهو صائم فلا شيء عليه في ذلك إلا إذا كان لا يملك نفسه فيقع في الجماع حتى لا يفسد على نفسه الصوم.

стр. 76

من جامع زوجته فنزع مع طلوع الفجر فأنزل إذا جامع الرجل زوجته قبل الفجر فسمع الأذان فنزع مع طلوع الفجر وأنزل أي: خرج منه المني فالراجح أن صومه صحيح؛ لأنه عمل بما في الآية قال الله سبحانه تبارك: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة:١٨٧]، فأحل الله الجماع في الليل إلى قبيل الفجر مباشرة فإذا جامع في الليل فقد أخذ بما ذكر الله سبحانه، ثم نزع قبيل الفجر بثوان أو أنه سمع النداء فنزع فخرج منه المني بعدما نزع فالراجح أنه لا شيء عليه ويصوم هذا اليوم.

стр. 77

حكم نظر الصائم إلى المرأة لو أن الصائم نظر إلى زوجته أو إلى غيرها فلا شيء عليه، وسواء نظر لزوجته أو إلى غيرها مرة واحدة أو مرات ولم يحدث له شيء فلا شيء عليه، وكذلك لو أنه باشر أو قبل. لكن لو نظر إلى امرأته أو إلى أجنبية فاستثارت شهوته بهذه النظرة ثم أدام النظر فيها حتى خرج منه المني فقد بطل صومه بهذه الحالة؛ لأنه الذي استدعى هذا الفعل؛ ولأنه يعلم أنه بهذه الحالة يخرج منه المني فكأنه يستدعيه بهذا الشيء فيبطله، لكن لو نظر إلى امرأة نظرة واحدة ثم صرف بصره عنها فاستثارت نفسه لغلبة غلمته وشهوته فلم يتمالك أن خرج منه المني فلا شيء عليه. ونفرق بين من نظر فاستدام النظر حتى خرج منه المني فبطل صومه وبين من نظر مرة واحدة فلا شيء عليه لقول النبي ﷺ : (إنما لك النظرة الأولى). ولو أن إنساناً ذهب فكره إلى بعيد فإذا به يقع في هذا الأمر فخرج منه المني فالراجح أنه لا شيء عليه، ولكن يصرف فكره ويتفكر فيما هو فيه من الصيام والامتناع عن الشهوة وغير ذلك.

стр. 78

حكم الاستمناء باليد للصائم وغيره الجماع في نهار رمضان حرام، والوقوع في الزنا أو غيره كالاستمناء باليد حرام في رمضان وغير رمضان، فمن استمنى بيده في نهار رمضان فهذا حرام ويبطل صومه لذلك، وعليه أن يتوب إلى الله وعليه أن يقضي يوماً مكانه، أما من جامع فعليه القضاء والكفارة.

стр. 79

حكم من قبل زوجته فأمذى وهو صائم لو أن إنساناً قبل امرأته فخرج منه المذي أو تفكر في الجماع ومقدماته فأمذى، فالراجح أن خروج المذي لا يبطل الصيام بخلاف خروج المني فإنه يبطله، فمن نظر أو باشر أو قبل فخرج منه المني فعليه القضاء بسبب ذلك.

стр. 80

حكم من أفطر ناسياً من أفطر ناسياً فالراجح والصواب أنه لا شيء عليه، وكذلك إذا كان جاهلاً في غير بلاد المسلمين، أما في بلاد المسلمين فلا يصدق أنه يجهل أن الطعام والشراب من مبطلات الصيام، فلا يقبل منه ذلك، والذي يقول أنه يجهل ذلك فهو كذاب، أما في بلاد الكفر فقد يعتاد الناس أن يصوموا عما فيه الروح، وما ليس فيه الروح يأكلونه، فمن دخل منهم في الإسلام فقد يتصور الصيام كذلك، فإذا به يصوم عن الأشياء الذي كان يصوم عنها قبل ذلك، فالراجح في ذلك أن هذا جاهل فيعلم ولا يلزم بالقضاء، فمن أخطأ فأفطر ناسياً أو جاهلاً وتذكر أنه كان صائماً يكمل صومه سواء كان في صوم فريضة أو في صوم نافلة، فلا فرق بين صوم الإثنين والخميس وصوم رمضان وصوم كفارة وصوم النذر وصوم كفارة الظهار ونحو ذلك. فإذا نسي فأكل أو شرب قليلاً أو كثيراً فلا شيء عليه طالما أنه ناسي، لكن لو أنه أكل وهو ناسي فتذكر أنه صائم ثم استمر في الأكل فقد صار مفطراً الآن. وكثير من الناس يظن أن الفطر ناسياً في صوم النافلة يبطله وهذا خطأ، ولا فرق بين النسيان في صوم الفريضة وصوم النافلة، فمن نسي في ذلك فلا شيء عليه، والدليل على ذلك قول النبي ﷺ : (إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)، وكذلك قوله ﷺ : (إذا نسي فأكل وشرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه). (ورجل سأل النبي ﷺ أنه أكل وهو ناسي فقال له النبي ﷺ : الله أطعمك وسقاك)، وقال في رواية أخرى: (من أكل أو شرب ناسياً فلا يفطر)، فمن أكل أو شرب ناسياً فلا شيء عليه، ولا يتمادى في الفطر وليتم صومه وليس عليه قضاء. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 81

شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان - ما يحرم على الصائم وما يباح له [٢] نهى النبي ﷺ عن الحجامة للصائم في بادئ الأمر ثم رخص فيها، ما لم يكن فيه ضررٌ على الصائم، ويكره مضغ العلك للصائم، ويجوز للصائم مضغ الطعام لولده إذا لم يحصل الاستغناء عن مضغه، والصائم ينزه صومه عن اللغو والرفث وقول الزور والسب والشتم والغيبة والنميمة، وهذه كلها من آداب الصوم وأحكامه، فلا بد للصائم أن يلتزمها.

стр. 82

حكم الحجامة للصائم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. وصلنا في كتاب الصيام إلى مسألة الحجامة للصائم، والحجامة معروفة وصى بها الملائكة النبي صلوات الله وسلامه عليه، وأخبروا أن فيها شفاء، والحجامة سحب الدم بطريقة معينة ومن مواضع معينة في جسم الإنسان، وفيها شفاء من أمراض كثيرة بإذن الله ، ولعل المسلمين كانوا هجروها فترة طويلة، حتى جاء العلم الحديث وأثبت أن الحجامة فيها بفضل الله شفاء كما قال النبي ﷺ فرجعوا إليها مرة ثانية.

стр. 83

ذكر ما جاء من احتجام النبي ﷺ ونهيه عن الحجامة ثم ترخيصه فيها الحجامة: هي تشريط في جلد الإنسان في مواضع معينة يشفط بها الدم من هذا الموضع فيكون فيه شفاء لأمراض يعلمها الله ، وجاء عن النبي ﷺ أنه احتجم وهو صائم، وجاء عنه أنه نهى عن الحجامة، وجاء عنه أنه رخص في الحجامة، وجملة الأحاديث التي جاءت عنه ﷺ في النهي عن الحجامة: (مر برجلين أحدهما يحجم الآخر فقال: أفطر هذان؟)، وجاء عنه أنه رخص في الحجامة ﷺ ، الرخصة تكون بعد العزيمة، فكأنه نهى عن الحجامة ﷺ ، ثم بعد ذلك رخص صلوات الله وسلامه عليه فيها، وإنما كرهت للصائم لأنه يضعف بسبب ذلك. ففي صحيح البخاري عن ابن عباس ﵁ (أن النبي ﷺ احتجم وهو محرم، واحتجم وهو صائم)، فدليل الجواز: (احتجم وهو محرم واحتجم وهو صائم)، ﷺ ، وجاء عنه أنه قال: (أفطر الحاجم والمحجوم)، وجمع العلماء بين هذا وبين كونه احتجم وبين كونه رخص ﷺ : بأنه لعل هذا في وقت، ثم جاءت الرخصة بعد ذلك، أو أنه قال ذلك باعتبار ما يئول إليه، فقد يئول الأمر بالمحجوم أن يضعف، يخرج منه الدم فيضعف بسبب ذلك. والحاجم كان في الماضي يشفط الدم بفمه، وذلك بوضع أنبوبة في فمه ويشفط بها، وكان في أيام النبي ﷺ لا يوجد أنابيب، إنما كان يأتي بقرن مجوف ويجعله على المكان الذي يشرطه، ومن ثم يشفط منه، فلعل الدم ينسحب إلى فمه ويقع في الفطر بسبب ذلك، ولذلك قال النبي ﷺ : (أفطر الحاجم والمحجوم). وجاء عن أنس ﵁ قال: (أول ما كرهت الحجامة للصائم أن جعفر بن أبي طالب احتجم وهو صائم فمر به رسول الله ﷺ فقال: أفطر هذان ثم رخص النبي ﷺ في الحجامة للصائم) لاحظ الحديث فيه ترتيب، فالنبي ﷺ قال: (أفطر هذان ثم رخص) إذاً: هنا النهي كان عزيمة في الوقت، ثم جاءت الرخصة للخروج عن هذا النهي الذي هو عزيمة، فيحمل النهي على الكراهة فقط، ولذلك في سنن أبي داود عن رجل من أصحاب النبي ﷺ (أن رسول الله ﷺ نهى عن الحجامة والمواصلة)، وسيأتي الكلام عن المواصلة، قال: (ولم يحرمهما)، صحابي يقول ذلك، ففهم من النبي ﷺ أنه لم يحرم ذلك، قال: (إبقاء على أصحابه)، فلو أنهم احتجموا ونزل منهم كمية من الدم لضعفوا وما استطاعوا الصيام، فإبقاء عليهم حتى يقدروا على الصوم نهاهم عن الحجامة، (فقيل له: يا رسول الله! إنك تواصل إلى السحر، فقال: إني أواصل إلى السحر وربي يطعمني ويسقيني)، وسيأتي الكلام فيه. إذاً: هنا الحديث فيه: (أن النبي ﷺ نهى عن الحجامة)، وأنه (احتجم وهو صائم)، ﷺ وأنه رخص في الحجامة، إذاً: جملة الأحاديث أن النهي كان في وقت، حين قال: (أفطر هذان)، إذاً: كان على التحريم، ثم بعد ذلك رخص النبي ﷺ وثبتت الرخصة فتجوز الحجامة في أثناء الصيام. والحجامة: إخراج دم من الإنسان، ويقاس على ذلك التبرع بالدم في نهار رمضان، فلو أن إنساناً مريضاً يحتاج إلى الدم ويطلب متبرعين بالدم لهذا المريض واحتاجوا لذلك، فالراجح: أن هذا لا يفطر الصائم؛ لأن النبي ﷺ رخص في الحجامة، واحتجم وهو صائم صلوات الله وسلامه عليه، فلو أن إنساناً تبرع بالدم وهو صائم فصومه صحيح ولا يلزمه الإعادة، ولكن الإنسان إذا كان هذا يضعفه، ويئول أمره إلى أنه يفطر، فلا يتبرع بالدم في أثناء صومه إلا للضرورة. إذاً: حديث: (أفطر الحاجم والمحجوم) الراجح: أن هذا إما باعتبار ما يئول إليه أمرهما، أو أن هذا منسوخ بأن النبي ﷺ رخص بعد ذلك.

стр. 84

حكم مضغ العلك للصائم يكره للصائم مضغ العلك، والعلك: اللبان، وهو نوع من اللبان قوي ليس له طعم ولا يتفتت في فم الإنسان، فهذا لا يحرم عليه وإنما يكره له؛ لأنه يجمع الريق ويورث العطش، وكانوا يحتاجون إلى ذلك أحياناً ليجروا به الريق، ولكن على قدر ما يجر الريق على قدر ما يورث العطش من بعده، فيكره ذلك. وأهل المدينة وأهل مكة وأهل الحجاز بلاد حارة جداً، والصوم يشق عليهم، لكن الآن يسهل عليهم الصوم؛ لوجود مراوح وتكييفات، وأشياء تيسر ذلك عليهم، ولكن تخيل في عهد النبي ﷺ الحرارة القاسية العالية جداً تتجاوز الخمسة والخمسين درجة مئوية، والصحابة يشكون إلى النبي ﷺ حر الظهيرة وإنه يسجد ويطيل السجود على الأرض فقالوا: (شكونا إلى رسول الله ﷺ حر الأرض فلم يشكنا) يعني: لم يرفع ولم يزل عنا شكوانا، صلى كما كان يصلي ﷺ ، ولم يرخص في شيء ﵊، فكانوا يصلون ويأتي أحدهم بكمه ويطيله حتى يضع كفه عليه من حرارة الأرض، فلو كنت أنت هناك في عمرة وحج، فجرب هل تستطيع أن تصلي في الشارع، فلو قُدِّرَ لك أنك تصلي في الشارع، وليس على بلاط الحرم، فإنك ستجد الأمر لو صليت على إسفلت الشارع تتسلخ منه، ولو حصل لك مرة وأنت في الحرم ما لقيت حذاءك وخرجت حافياً لتشتري حذاءً من السوق، فإن المسافة الذي تمشيها حافياً كافية لسلخ رجليك فيها، والصحابة كان منهم الحفاة رضوان الله ﵎ عليهم، وكانوا يصلون مع النبي ﷺ ويشتكون إليه شدة الحر، ولكن هو الأمر على ما فرضه الله . إذاً يكره للصائم مضع اللبان، لكن لو أخذ لباناً فيه سكر ومضغه وهو صائم فيفطر بلا شك في ذلك؛ لأنه ابتلع السكر الذي فيه، وإذا مضغ شيئاً يتفتت في فمه وابتلعه يفطر بذلك، ولكن العلك نوع جيد قوي من اللبان لا طعم له.

стр. 85

ما يكره للصائم يكره للصائم مضغ الخبز وذوق المرق والخل وغيرهما من غير عذر، فلا يبق الإنسان شرهاً يمر على الحلة فيها إدام فيذوق ويتفل، فإن هذا ممنوع منه، فإذا ابتلعه أفطر بذلك، لكن يكره له ذلك، فإن كان الإنسان طباخاً أو يصنع أشربة للناس فإنه يجوز له أن يتذوق ويتفل بعده، إذاً: يذوق هذا الشيء هذا جائز لا يكره له؛ لأنه يطبخ للناس ويعد أشربة لهم، فهذا يجوز له، ولذلك ذكر أنه يكره للصائم مضغ الخبز وذوق المرق والخل وغيرهما من غير عذر، لكن إن كان لعذر من أعذار كالمرأة تطبخ وتريد أن تذوقه لتعرف هل هو حلو أو مر أو غير ذلك فإنه يجوز لها ذلك، لكن تذوق وتتفل ولا تبتلع، فلو ابتلعت أفطرت.

стр. 86

حكم الصائم إذا أراد مضغ الطعام لولده ولم يحصل الاستغناء عن مضغه إن احتاج الصائم إلى مضغ الطعام لولده أو غيره ولم يحصل الاستغناء عن مضغه، فالشريعة عظيمة كريمة ورحيمة، فإنه يمكن الآن أن تأخذ اللبن الصناعي وتضعه في الرضَّاعة وتعطيه للطفل الرضيع، ولكن في الماضي لا يُعرف هذا الشيء، ولعل المرأة تأتي وترضع ابنها وهي صائمة، ولا يوجد لبن في صدرها فتحتاج إلى أن تمضغ الطعام وتضعه في فم ابنها، فيجوز لها ذلك بشرط أنها لا تبلع أثره. قال ابن عباس ﵁ لا بأس أن يتطعم القدر أو الشيء، ابن عباس يقول: لا حرج أن يتطعم القدر حتى يطبخ الطعام جيداً، أو المرأة تتذوق الطعام، وقال الحسن: لا بأس بالمضمضة والتبرد للصائم، فالصائم يمضمض للوضوء أو يمضمض من شدة العطش؛ لأن الحر شديد جداً عليه، فاحتاج أن يضع ماء في فمه ليبرد فمه ويتفل بعد ذلك، فإن هذا جائز، هذا قول الحسن البصري، يعني: لا بأس بالمضمضة والتبرد للصائم أو دخول الحمام فيقف تحت الدش عند شدة الحر أو يغطس في البحر عند شدة الحر.

стр. 87

ذكر ما يجب على الصائم أن ينزه به صومه يجب على الصائم أن ينزه صومه عن الشتم والتشاجر وسوء الخلق والهمز واللمز والفحش، فالصائم ليس صائماً عن طعام وشراب وشهوة فقط، بل الإنسان يمسك لسانه ويتأدب بآداب الإسلام في الصيام، ولا بد أن يوجد فرق بين يوم الصوم ويوم الإفطار، ففي يوم الصوم يزداد حسن الخلق عند المؤمن، فلا يؤذ أحداً من خلق الله ، ويتمرن على ذلك في رمضان حتى يستمر على الأخلاق الطيبة دائماً، فينتهي رمضان ويكون على نفس الأخلاق الطيبة عاماً بعد عام. قال الله : ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ [الهمزة:١]، والهمز واللمز: العيب، يهمز بالإشارة ويلمز باللسان، يهمز من أمامه ويلمز من خلفه، فهو هماز ولماز، فالهمزة: الإنسان الكثير الهمز في الخلق، والهمزة على وزن فُعَلة، كما يقال: فلان صُرعَة يعني: إنسان بطل وقوي، فلان هُمَزَة يعني: كثير الهمز في الناس، لُمَزَة يعني: لماز في الناس، يلمز فيهم ويعيب ويقدح فيهم. وفي الحديث يقول النبي ﷺ : (ليس المؤمن بالطعان ولا باللعان ولا الفاحش ولا البذيء)، فالإنسان المؤمن طيب الخلق لا يكذب إلا فيما رخص الله فيه، في ثلاثة أشياء يجوز له أن يعرض، فإن لم يقدر على التعريض فله البوح في ذلك، في الحرب يكذب وفي الإصلاح بين الناس، كذلك إذا كان يحدث امرأته، وغير هذه الثلاثة الأشياء لا يجوز للإنسان أن يكذب، فالمؤمن صادق ولا يحتاج إلى أن يحلف، لأن الكاذب دائماً يؤكد كلامه بالحلف فيحلف كثيراً. ولذلك ذم الله الحلاف وقال: ﴿حَلَّافٍ﴾ [القلم:١٠]، وذكر الإنسان الذي يهمز والمشاء بالنميم والكثير الحلف والمهين، فالإنسان الذي يحلف بالله ويقسم كثيراً فكأنه يهين هذا اليمين العظيم، فلا تطع مثل هذا الإنسان الحلاف الكثير الحلف؛ لأنه يكذب في النهاية. أيضاً يقول ﷺ : (ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان)، الطعن في الناس أن يعيب في الناس ولا يعجبه أحد، فهذا الطعان هل يستحق أن يوصف بأنه مؤمن قريب من الله وعلى درجة عالية، وأنه على أخلاق النبي ﷺ ؟! هذا الطعان في الخلق لا يستحق ذلك. قال: (ولا اللعان) أي: الكثير اللعن، يسب كثيراً، ويشتم الناس ويلعن في الناس. قال: (ولا الفاحش) أي: يتكلم بالفحش من القول، فإذا به يتكلم عن النساء، ويتكلم عن الجماع، ويتكلم بأشياء فيفحش، ويتكلم في غير موضع هذا الكلام، والبذيء: كثير الشتم بلسانه، إذا أغاظه أحد مباشرة يسب ويشتم، فليس المؤمن بهذه الأخلاق، والصائم كذلك؛ لأن الصائم إنسان مؤمن يتقرب إلى الله بالصوم، والصوم فيه الصبر، والصبر يكون عن مثل هذه الأخلاق التي نهى النبي ﷺ عنها. وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (الصيام جنة فلا يرفث ولا يجهل وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل: إني صائم)، مرتين، فقوله: (الصيام جنة) أي: وقاية وحماية للإنسان، فالصوم المقبول: الذي يحميك من نفسك، ويحمي الناس من شرك ويحميك من عذاب ومن غضبه الله ، فاحذر أن ترفث أو أن تتكلم بالكلام الفاحش والبذيء، أو أن تتكلم بالكلام الذي لا يقال إلا في أوقات معينة، ككلام الرجل مع امرأته فيقول مثل هذا الكلام مع الخلق، فإن هذا لا يجوز. قال: (فلا يرفث ولا يجهل)، فالإنسان الجاهل الذي لا يعرف معلومة من المعلومات يتعلم، ولكن الجهل هنا جهل الأخلاق، أن يكون جاهلاً في خلقه عصبي كثير الغضب، كثير الشتم والمشادة مع الناس، لا يمسك نفسه وهو صائم. فالصائم عبد لله، يتواضع لله ، ويصوم ويري من نفسه أنه عبد، وأنه ممسك عن الطعام والشراب والشهوة، ويري ربه من نفسه حسن الخلق، فهذا المؤمن لا يرفث ولا يجهل، ولو أن أحداً تعرض له بذلك وأراد أن يتعارك معه، لا يدخل معه في التعارك، ولكن يقول: إني صائم، ويبتعد عن ذلك، فيذكر نفسه ويذكر غيره أن الصيام لا ينبغي فيه ذلك، أي: إني صائم لا تجهل علي فإني لا أرد عليك بالجهل، أيضاً فيه زجر لمن يؤذي الصائم، فإن هذا صائم لله لا يصوم لك أنت، صائم لله، فهل تظن أنك حين تؤذيه أن الله يتركك؟ هذا ليس ممكناً أبداً، أن تؤذي إنساناً صائماً ويقول لك: أنا صائم لا أرد عليك، بل ترد عليك الملائكة، ويرد عليك ربك ، ويجازيك ربك على ما تصنع، لذلك احذر من أن تؤذي الصائم. رأينا في حديث لـ أبي بكر الصديق ﵁ وهو مع النبي ﷺ ، وجاء رجل يشتم أبا بكر ﵁ فحلم أبو بكر ﵁ وسكت، والرجل ما زال يشتم ويشتم ويشتم وأبو بكر ساكت، والنبي ﷺ ساكت، وفي النهاية حين الرجل زاد من الشتم رد عليه أبو بكر ﵁، فقام النبي ﷺ وتعجب أبو بكر وقال: هو يشتمني يا رسول الله! وأنت موجود، فلما رددت عليه وانتصفت منه قمت! فقال النبي ﷺ : (إنه كان هناك ملك يرد عنك)، ما قال شيئاً إلا ورده عليه الملك، الملك يرد عليه الذي يقول، وأنت لست أحق بهذا الوصف، فالله يكذب هذا الكذاب، ويصدق الملك بما يقول، فالملك يشهد على هذا الإنسان بأنه بذيء وأنه طويل اللسان، وأنه كذاب وكفى بهذه الشهادة ليعاقب عليه هذا الإنسان، فلما انتصف وانتصر أبو بكر ﵁ حضر الشيطان ليوسوس لـ أبي بكر قل له كذا، وقل له أيضاً، وقل له أيضاً، فقام النبي ﷺ وقال: (لم أكن لأقعد في مجلس فيه الشيطان). لذلك إذا إنسان عابك وأساء إليك فثق أن الله يدافع عنك ، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج:٣٨]. ويحرم على الصائم الغيبة والنميمة وقول الزور ونحو ذلك، قال النبي ﷺ : (من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه)، (من لم يدع قول الزور)، الزور: القول المزور، وأصله انحراف، زور: انحرف، فقول الزور: القول المنحرف عن الصواب والمائل عن الحق، فلا بد أن تدع قول الزور فلا تكذب في كلامك ولا تنافق ولا تراء ولا تشهد على إنسان زوراً، دع عنك كل ما هو انحراف عن دين الله . قال: (والعمل به) أي: العمل بمقتضى هذا الزور، يقول الكلام الكذب فيقنع به من أمامه أنه صادق وهو كذاب، ثم يعمل بمقتضى ذلك فيأخذ حق غيره، قال النبي ﷺ : (لعل أحدكم يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له بنحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئاً فهي قطعة من النار فليأخذ أو فليذر). إذاً: إذا تحاكم اثنان إلى القاضي، ولعل أحدهما يجيد الكلام ويتكلم بالزور ويكذب ويعمل بمقتضاه، والقاضي يحكم له فيأخذ حق غيره، إذاً: هذا قول الزور، وهذا العمل بمقتضى قول الزور. قال: (والجهل) أي: السخط وسوء الخلق (فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه)، ومعنى ذلك: أن صومه ليس مقبولاً، فهل نأمر هذا الإنسان أن يفطر؟ لا يقال له: افطر، ولكن يقال: إن الله لا يقبل مثل هذا الصوم، كما أنه لا يقبل الصلاة من إنسان يسرق أو يصلي ويزني ويفعل الفاحشة، فإن هذه الصلاة لم تنهك عن الفحشاء والمنكر، وربنا يقول: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت:٤٥]، فهي صلاة غير مقبولة، لو كانت صلاة مقبولة لنهتك عن الفحشاء والمنكر، فإن كانت غير مقبولة لا نقول له: لا تصل، ولكن نأمر بالصلاة، والأمر لله في القبول أو عدمه. أيضاً في الحديث يقول النبي ﷺ : (رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع، ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر)، رب صائم صام وأفطر على أعراض الناس وأفطر على الكذب وأفطر على إيذاء الناس، ورب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش، وليس له أجر ولا ثواب، كذلك: (رب قائم ليس له من قيامه إلا السهر)، قام يصلي حتى تعبت قدماه وأصبح يؤذي خلق الله، فهذا لا تقبل منه هذه الصلاة، ولو كانت صلاة مقبولة لنهته عن الفحشاء والمنكر. وقال في الحديث الآخر: (ليس الصيام من الأكل والشرب فقط، إنما الصيام من اللغو والرفث)، أيضاً جاء عنه ﷺ أنه قال: (لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدروهم)، يخمشون أظفارهم، قَلَبَها الله نحاساً يخمش ويمزع بها وجهه ويمزع بها صدره، قال النبي ﷺ (فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟! قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم) أي: يجلسون مع بعضهم يتكلمون في سيرة فلان وسيرة علان، يأكلون في لحوم الناس ويقعون في أعراضهم، وسمى النبي ﷺ ذلك من الربا، بل أربى الربا قال: (إن من أربى الربا استطالة الرجل في عرض أخيه بغير حق)، هذه بعض الأشياء التي جاء عن النبي ﷺ النهي عنها. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 88

شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان - رخص الفطر لأصحاب الأعذار فرض الله على عباده الصيام كما فرضه على الأمم السابقة، ومن رحمة الله بعباده أنه لم يكلفهم إلا بما يقدرون عليه، فرخص الفطر لأهل الأعذار وهم: الكبير العاجز عن الصيام، والمريض، والمسافر سفراً مباحاً أو سفر طاعة، وأوجب الفطر على الحائض والنفساء، وكل هذا يدل على رحمة الله بعباده، وأنه لم يكلفهم من العمل إلا ما يقدرون عليه.

стр. 89

من أحكام الحائض والنفساء في الصيام الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. ذكرنا في الحديث السابق بعض الأعذار التي يعذر فيها الإنسان في جواز الفطر، كمن يغمي عليه من أول النهار إلى آخر النهار، أو من الفجر إلى غروب الشمس، فلا يكون في هذه الحالة صائم، وإنما عليه أن يقضي مكان ذلك اليوم، أما إذا أغمي عليه في جزء من النهار -وكان قد نوى الصيام في الليل- وفاق باقي النهار، فسواء قل وقت الإغماء أو كثر فالراجح أن صومه يكون صحيحاً. من أصحاب الأعذار: الحائض والنفساء، فلهما العذر بسبب الحيض والنفاس، ويجوز لهما الإفطار، بل لا يجوز لهما أن يصوما في وقت الحيض أو النفاس، وهذا بإجماع، فقد أجمع أهل العلم على أن الحائض والنفساء لا يحل لهما الصوم بسبب الحيض أو النفاس، وأنهما يفطران في رمضان أيام الحيض والنفاس، وأنهما إذا صاما لم يجزئهما الصيام. وليس معنى لزوم الإفطار أن تأكل وتشرب، ولكن المعنى أنه يحرم عليها أن تنوي الصوم، وإنما تنوي الإفطار. إذاً: الحائض أو النفساء إذا لم تأكل شيئاً في النهار فلا شيء عليها إن لم تنو الصيام، لكنها إذا أمسكت بنية التقرب والعبادة والصوم حرم عليها وأثمت على ذلك؛ لأنه وجد فيها المانع الذي يمنع من قبول هذا الصوم، لما روى مسلم عن معاذة ﵂ قالت: سألت عائشة ﵂ فقلت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت عائشة: أحرورية أنت؟ والحرورية: هم الخوارج، ولهم أشياء يتشددون فيها في الدين؛ بسبب جهلهم وشدة التزامهم ببعض العبادات وبصورة معينة، وكثيراً ما يكونون مخطئين في أقوالهم أو في فتواهم، وفي عدم رجوعهم لأصحاب النبي ﷺ الأفاضل، حتى يتعلموا منهم، فكانوا يسيئون ويخطئون ويقعون في أشياء عظيمة وخطيرة، ومع ذلك يدعون أنهم على الحق والصواب! فكأن عائشة تقول لـ معاذة: أتريدين أن تصومي وأنت حائض أو نفساء تشبهاً بالحرورية الخوارج؟ فقالت معاذة: لست بحرورية ولكني أسأل، وكأنها تسأل عن دليل ذلك، فقالت عائشة ﵂: كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة، والمعنى أنه كان يصيبهن ذلك في عهد النبي ﷺ ، فتكون المرأة حائضاً أو نفساء والنبي ﷺ يأمرها أن تقضي الصيام، ولا يأمرها بقضاء الصلاة. وكونه يأمرها بالقضاء فالأداء لا يجوز لها، وإلا لما أمرها النبي ﷺ بالقضاء. فالحائض تقضي الصيام، أما الصلاة فلا يجوز لها أن تؤديها أو تقضيها؛ لصعوبة ذلك عليها، فلذلك خفف الله سبحانه عنها في الصلاة، فلا تقضيها وإنما تقضي الصوم. والحديث رواه البخاري بلفظ: كنا نحيض مع النبي ﷺ -يعني في وقته وزمانه- فلا يأمرنا به، أو قالت: فلا نفعله، فالذي لا يأمرهن بقضاء الصلاة، ويأمرهن بقضاء الصوم هو النبي صلوات الله وسلامه عليه. وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (أليس إحداكن إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟ فذلك من نقصان دينها) وهذا في حديث طويل، وفيه: (أن النبي ﷺ خرج في أضحى أو فطر -أي: في عيد أضحى، أو في عيد فطر- إلى المصلى -وهو مكان صلاة العيد- فمر على النساء فقال: يا معشر النساء! تصدقن فإني أريتكن أكثر أهل النار، فسألن النبي ﷺ وقلن: وبم يا رسول الله؟! فقال: تكثرن اللعن وتكفرن العشير)، ومعنى أن النساء يكثرن اللعن أي: يكثرن الشتم، وكثيراً ما يكون اللعن على ألسنتهن. ثم قال: (وما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن، قلن: وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله؟! قال: أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟ قلن: بلى، قال: فذلك من نقصان عقلها -فجعل شهادة المرأتين بشهادة رجل واحد- فقال: أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟ قلن: بلى، قال: فذلك من نقصان دينها). والشاهد في الحديث: أن المرأة إذا حاضت ليس لها أن تصوم. والحائض والنفساء سواء، وإن كان الحديث نص على الحائض فإن النفساء مثلها، كدم الحيض، والحكم واحد.

стр. 90

متى وجد الحيض في جزء من النهار فسد صوم ذلك اليوم إذا وجد الحيض في جزء من النهار -بعد أن نوت المرأة الصوم- فسد الصوم ولزم المرأة أن تفطر وعليها القضاء، سواء وجد الحيض في أول اليوم أو في آخره، حتى ولو قبل الغروب بدقيقة، فإذا وجد الحيض أو النفاس بطل الصوم.

стр. 91

حكم صيام الحائض والنفساء متى نوت الحائض الصوم تعبداً لله وأمسكت مع علمها بتحريم ذلك أثمت ولم يجزئها؛ لأنه لابد وأن تنتفي موانع الصيام، ولو أن إنساناً أراد أن يصلي وهو على غير وضوء، والماء موجود أمامه فهو آثم؛ لأنه استهان بأمر الصلاة، وأراد أن يقف بين يدي الله على غير الحالة التي أمر أن يقف بها، فهو مأمور أن يتطهر، وأن يقف بين يدي الله وهو طاهر، فلو أنه فعل ذلك لما قبلت منه هذه الصلاة ويأثم على ذلك؛ لأنه تقرب بما جعله الله حراماً، بل لو دخل في الصلاة وأحدث لزمه أن يخرج منها، ولا يجوز له أن يكملها. وكذلك المرأة الحائض والنفساء إذا أرادت أن تتقرب لله بالصيام وهي ممنوعة منه فلا يجوز لها ذلك وتأثم عليه. وكذلك الإنسان الذي يأتي في يوم العيد مثلاً ويقول: أتقرب إلى الله في هذا اليوم بالصوم، فهذا يأثم بذلك؛ لأنه لا يجوز للإنسان أن يتقرب إلى الله إلا بما أراده وبما يقبله منه، فلا يتقرب إليه بما يرده عليه، وبما نهاه عنه سبحانه. وأما لو أمسكت الحائض أو النفساء لا بنية الصوم لم تأثم بذلك، طالما أنها لم تنو التقرب إلى الله بالصيام، فربما تركت الأكل لأنها لا تريده لا لأنها صائمة، فالصوم إمساك مع نية، أما إذا وجد الإمساك ولم توجد النية فلا يكون ذلك صياماً.

стр. 92

حكم الحائض إذا طهرت أثناء النهار إذا طهرت الحائض في أثناء النهار استحب لها إمساك بقيته ولا يلزمها، وهذا هو الصواب، فالصيام يكون يوماً كاملاً لا نصف يوم، فإذا انقطع عنها الحيض عند الفجر أو قبله في الليل ولكنها مازالت تشك في نزوله إلى أن أتى وقت الظهر تأكدت أنه قد ارتفع فليس لها أن تنوي الصوم، ولا يجب عليها أن تصوم، ولكن استحب كثير من العلماء أن تتشبه بالصائم وتمسك بقية يومها، لكن لا يلزمها ذلك، وكأنهم قاسوا ذلك على يوم عاشوراء لما أمر النبي ﷺ من أفطر أن يصوم ويكمل يومه، ففي هذه الحالة إذا طهرت المرأة من الحيض في نصف النهار مثلاً يجوز لها أن تمسك الباقي، ولكن لا يلزمها ذلك؛ لأنه لا يحسب لها صوم.

стр. 93

الكبير الذي لا يقدر على الصوم والمريض الذي لا يرجى برؤه الشيخ الذي يجهده الصوم والمرأة العجوز والمريض الذي لا يرجى برؤه هؤلاء لا يلزمهم الصوم ابتداء، ولكن يلزمهم البدل من الصوم؛ لأنه إذا لزمهم الصوم لزمهم القضاء بعد ذلك، والعذر الذي أفطروا من أجله غير مرتفع، فلا قدرة لهم على الصوم؛ لأن الشيخوخة مستمرة والمرض مستمر، ولا يلزم القضاء إلا إذا كان المريض يرجى برؤه، فإذا شفاه الله لزمه أن يصوم، فإذا تأكدنا أن هذا المرض مرض مزمن لا يزول، وليس له شفاء، فإن من أفطر في هذه الحالة عليه أن يطعم عن كل يوم مسكيناً. إذاً: الشيخ الذي يجهده الصوم ويشق عليه بحيث لا يطيقه إلا بمشقة شديدة فله أن يفطر ويطعم عن كل يوم مسكيناً. وكذلك المرأة العجوز لها نفس الحكم. والشيخ الكبير يطلق عليه شيخ، والمرأة الكبيرة يطلق عليها عجوز، ولا يطلق العجوز على الرجل إنما على المرأة. والمريض الذي لا يرجى برؤه، والذي أصيب بمرض مزمن، وأمره الأطباء بالإفطار؛ لأن الصيام سيضره ويزيد في مرضه أو يهلكه فلا صوم عليه؛ لقول الله : ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨]، ونقل ابن المنذر الإجماع على ذلك. هؤلاء لا يلزمهم الصوم ابتداء وإنما تلزمهم الفدية؛ لأن أعذارهم لا تزول، فيلزم كلاً منهم أن يفدي بأن يطعم عن كل يوم مسكيناً، وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد. ومذهب مالك: أنه لا يلزمهم لا صوم ولا فدية، وهذا اختيار ابن المنذر وابن حزم؛ لأنهم تركوا الصوم للعجز عنه فلم تجب عليهم الفدية، والفدية انتقال من شيء إلى شيء، والشيخ أو المريض عاجز أن ينتقل، فعلى ذلك لا شيء عليه، كما لو ترك الصوم لمرض اتصل به الموت، فلا يصام ولا يطعم عنه؛ لأنه اتصل مرضه بالموت، فقالوا: هذا أيضاً مريض اتصل مرضه بالموت. ودليل الجمهور القائلين بأنه لابد من الإطعام كما يقول ابن قدامة هو قول الله : ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤]، وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة:١٨٤] والحديث بين أن هذه الآية كانت للذين يقدرون على الصوم مع المشقة، ثم صارت رخصة للذين يشق عليهم الصوم مشقة شديدة؛ بسبب كبر السن أو المرض الشديد الذي لا يرجى برؤه، فينتقل هؤلاء إلى الإطعام. يقول ابن عباس مفسراً لهذه الآية: نزلت رخصة للشيخ الكبير. ولأن الأداء صوم واجب، فجاز أن يسقط إلى الكفارة كالقضاء، والمعنى: أن الأداء الذي يسقط إلى القضاء يسقط أيضاً إلى الكفارة. وقول الإمام مالك قول وجيه، ولكن طالما أن هناك حديثاً يفسر معنى الآية بأنها رخصة فيلزمنا العمل به. إلا أن الإمام مالك ومن أخذ بقوله كـ ابن حزم وغيره قالوا: إن هذا المريض مرضاً مزمناً لا يرجى برؤه لو أنه اتصل به المرض إلى أن مات، فلا يلزم أحداً أن يصوم أو يطعم عنه، وذلك عند الجميع، إذاً: إذا كان بعد وفاته لا يلزمه ذلك ففي حياته أيضاً لا يلزمه صيام ولا يلزمه فدية. يقول ابن قدامة: المريض إذا مات لا يجب الإطعام عنه؛ لأن ذلك يؤدي إلى أن يجب على الميت ابتداء، والمعنى: أنه لا يجب على غيره الإطعام، بل يلزمه هو ثم ينتقل إلى غيره، كذلك الصيام من مات وعليه صوم صام عنه وليه، هذا إذا وجب عليه أنه يصوم وتمكن من ذلك ولم يفعل، فلو مات يأثم؛ لأنه تمكن ولم يفعل، فهذا يصوم عنه وليه، وهذا الذي اتصل مرضه الشديد بوفاته إذا قلنا: يلزمه الإطعام فكيف نلزم إنساناً لا أهلية له وهو ميت؟ فنقول: ابتداء يلزمه الإطعام حتى ينتقل إلى غيره، وهذا ميت فلا يلزمه وإنما يلزمه إذا تمكن من الصيام. وإذا رجعنا إلى الإمام مالك فالذي لا يلزمه الإطعام بعد وفاته؛ لأنه اتصل مرضه بالموت لا يلزمه كذلك في حياته، هذا بخلاف ما إذا أمكنه الصوم فلم يفعله؛ لأن وجوب الإطعام يستند إلى حال الحياة. وكأن ابن قدامة يريد أن يقول: إن هذا يلزمه في حياته أن يصوم، فإذا كان غير قادر فلينتقل إلى بدل هذا الصوم وهو أن يطعم عنه. والشيخ الهرم والعجوز والمريض مرضاً مزمناً كل هؤلاء لهم ذمة صحيحة، فإن كانوا عاجزين عن الصيام، وليسوا في مرض الموت وجب عليهم الإطعام، فإن عجزوا عن الإطعام فلا شيء عليهم؛ لقوله سبحانه: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]. إذاً: الحديث الذي جاء عن ابن عباس والذي يفيد الإطعام عن هؤلاء فيه حجة ملزمة.

стр. 94

مقدار الفدية الفدية إطعام مسكين لكل يوم؛ لما روى البخاري عن عطاء: أنه سمع ابن عباس ﵄ يقرأ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة:١٨٤] وكأنه يقرؤها ويفسرها: بأنهم لا يطيقونه. ويطيق: يكلف بالصوم، فيكون فيه مشقة شديدة، فلا يطيقه ولا يقدر عليه. قال ابن عباس: ليس بمنسوخ، وإنما الشيخ والكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فيطعمان مكان كل يوم مسكين، كأنه يقول: الآية خصصت هؤلاء، وليست منسوخة ولا مرفوعة الحكم بالكلية، فجزء منها رفع حكمه، والجزء الآخر باق، فأول ما نزلت كان من يطيق الصوم يجوز له أن يفطر ويطعم، فـ ابن عباس يقول: ليست منسوخة بالكلية، فالنسخ بمعنى الرفع والإزالة للحكم كله، وهذه الآية خصصت بالبعض، وهم الشيخ الكبير، والمرأة العجوز، وكذلك المريض مرضاً مزمناً. وقال أيضاً البخاري في صحيحه: وأما الشيخ الكبير إذا لم يطق الصيام فقد أطعم أنس -بعدما كبر- عاماً أو عامين، وذلك أنه لما كبر في السن وشق عليه أن يصوم أطعم ﵁، فكأن فعله فسر معنى الآية. فـ ابن عباس قال وأنس فعل ﵁، فأطعم عاماً أو عامين عن كل يوم مسكيناً خبزاً ولحماً، وأفطر رضي الله تعالى عنه، وفي هذا جواز إطعام الخبز في الفدية، وهذا الصواب، ولا يجب عليه أن يطعم الطعام الذي يجزئ في زكاة الفطر كالقمح أو الشعير، كما ذهب إليه بعض من أهل العلم، فالراجح أنه يجوز له أن يطعم خبزاً ولحماً، أو يطعم ما يأكل منه الناس. وروى أبو يعلى في مسنده عن أيوب بن أبي تميمة قال: ضعف أنس عن الصوم، فصنع جفنة من ثريد، فكأنه أتى بشربة ونحوها ووضع فيها الخبز واللحم، فدعا ثلاثين مسكيناً فأطعمهم ﵁. ويجزئ في ذلك مد من طعام، والمد: ملء الكفين أو ربع الصاع، فصاع التمر قدر بكيلو ونصف تقريباً، وربعه هو الذي نسميه المد. كذلك المد إذا كان من القمح أو من الأرز ونحو ذلك سيكون حوالي نصف كيلو أو أكثر قليلاً، هذا إذا كان الإنسان سيطعم أقل ما عنده، فيجزئ عنه ذلك. ولكن العادة أن ذلك ليس بطعام أكثر الناس، فما كان طعاماً للإنسان فليعط مثله للفقير، والأفضل أن يطعم مسكيناً من أوسط ما يطعم أهله، والذي يأكل منه قياساً على كفارة اليمين، وهذا الأنفع للفقير. قال ابن قدامة في كتاب الكفارات: أما مقدار ما يعطى كل مسكين وجنسه فقد نص أحمد على أنه يجزئ الدقيق والخبز، فلو أعطينا الفقير دقيقاً أو خبزاً أجزأ ذلك، وروي عنه: لا يجزئ الخبز، وهو قول مالك والشافعي؛ لأنه خرج عن حالة الكمال، ولكن في مثل زماننا عندما نخير الفقير بين القمح والخبز فسوف يأخذ الخبز. إذاً: فالأفضل في الكفارات أن تكون مما يأخذه الفقير ويأكله مباشرة، ولذلك فإن الراجح أنه يجزئ الخبز. يقول ابن قدامة مرجحاً ذلك: قال الله : ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ [المائدة:٨٩] وهذا قد أطعمهم من أوسط ما يطعم أهله فثبت أنه يجزئه. وروى الإمام أحمد في كتاب التفسير عن ابن عمر: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة:٨٩] قال: الخبز واللبن. وفي رواية: الخبز والتمر، والخبز والزيت، والخبز والسمن. وعن علي: الخبز والتمر، والخبز والسمن، والخبز واللحم، وسبق أن أنس بن مالك أطعمهم العيش واللحم. يقول: وهذا يفارق الزكاة، فزكاة الحبوب والثمار تكون من الحبوب، ولا يصلح أن تكون من ثمن تلك الحبوب أو من أي شيء آخر. والواجب في الحبوب العشر أو نصف العشر منها، والثاني: أن دفع الزكاة يراد بها الاقتيات إذا كانت الزكاة من الحبوب والثمار فلا يجوز أن يصنع للفقير بدلها خبزاً؛ لأن الحبوب أنفع له، فسوف يدخره خلال السنة وينتفع به، أما الخبز فسوف ينتفع به يوماً أو يومين ثم ينتهي، ولذلك فإن الزكاة بأن تعطي للفقير ما يقتات عليه وينتفع به لفترة طويلة، وهذا هو الفرق بينهما وبين الكفارة، فالكفارة تعطى للفقير ليأكلها، والزكاة ليأكلها وليدخرها ويقتات عليها. يقول: الخبز أقرب؛ لأنه قد كفاه مؤنة طحنه وخبزه.

стр. 95

الفرق بين المريض مرضاً يرجى برؤه ومن لا يرجى برؤه هناك فرق بين المريض مرضاً لا يرجى زواله وبين المريض مرضاً يرجى زواله، فالمريض مرضاً يرجى زواله سوف يمرض أسبوعاً أو أسبوعين أو شهراً وبعد ذلك يشفى، والعادة في هذا المرض أنه يشفى بإذن الله ، وإذا كانت العادة أنه لا يشفى من مثل هذا المرض فهو مما لا يرجى برؤه، وقد ينعكس الأمر، والله على كل شيء قدير، وهذا حسب العادة والظاهر. فإذا مرض الإنسان مرضاً يرجى برؤه وزواله ولحقته مشقة ظاهرة في الصوم فلا يجب عليه الصيام، فإن شاء صام وإن شاء أفطر، ثم يقضي مكان هذه الأيام التي أفطرها. ولا يشترط أن ينتهي إلى حالة لا يمكن فيها الصوم، فإذا أصبح مريضاً غير قادر على أن يصوم، أو يمكن أن يصوم ولكن سيشق عليه مشقة شديدة، وعرف من مقدمات هذا المرض ذلك، فيباح له الفطر؛ لما لحقه بالصوم من مشقة يشق احتمالها. أما المرض اليسير الذي لا يلحق المريض به مشقة ظاهرة، وكانت العادة أن مثل ذلك المرض يستطيع معه أن يكمل الصوم فليس له أن يفطر. وإذا أصبح الصحيح صائماً قد نوى الصيام ثم مرض جاز له الفطر، ولا يجب عليه الصيام.

стр. 96

حكم الشيخ العاجز والمريض الذي لا يرجى برؤه إذا أفطر ثم قدر على الصوم المريض أو الشيخ الكبير الذي لا يقدر على الصوم إذا أفطر وأطعم عن كل يوم مسكيناً، ثم جاء رمضان الذي بعده فإذا بالله يمن عليه بصحة وعافية بحيث يكون قادراً على الصوم فلا يلزمه الصيام طالما أنه أطعم عن كل يوم مسكيناً، لكن لو فرضنا أنه في رمضان لم يقدر على الصوم وظن أن هذه الحالة سوف تستمر ولم يكن قد أطعم، وبعد شهرين أو ثلاثة شفي من مرضه وأصبح قادراً على الصوم فهذا يلزمه أن يقضي الصوم. والفرق بينهما أن الأول أطعم في وقت يجوز له ذلك، والثاني لم يفعل ذلك حتى شفي من مرضه، إذاً: إن شفي المريض قبل أن يفدي لزمه الصوم، وإن شفي بعد الفدية فلا يلزمه.

стр. 97

حكم تعجيل الفدية قبل دخول رمضان لا يجوز للشيخ العاجز والمريض الذي لا يرجى برؤه تعجيل الفدية قبل دخول رمضان، فإذا وجب الصوم ولم يقدر الإنسان عليه انتقل إلى الفدية، فتكون واجبة عليه بعد الفطر، فإذا علم قبل دخول رمضان أنه غير قادر على الصوم وأنه سيطعم عن كل يوم مسكيناً فلا يجوز له أن يطعم إلا بعد دخول رمضان وبعد أن يلزمه الصيام. ومثل ذلك من يقول: أنا أقدر الآن أن أطعم عشرة مساكين، وسوف أطعمهم كفارة لليمين الذي سوف أحلفه في المستقبل، فهذا لا ينفع ولا يقبل؛ لأنه واجب لسبب والسبب غير موجود، فإذا حلف اليمين فحنث فعليه الكفارة وإذا حلف ولم يحنث لا يجب عليه شيء. فوجوب الكفارة لا يكون إلا بعد أن يحلف ويحنث، أو حلف وأراد الحنث، كمن يحلف أنه لن يذهب إلى المكان الفلاني ثم أحب أن يذهب إلى هذا المكان؛ لأنه وجد أنه من الطاعة أن يذهب، فهذا يكفر عن يمينه، ولذلك في الحديث: يقول النبي ﷺ : (إني والله لا أحلف على يمين فأجد غيرها خيراً منها إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني، أو كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير) فدل على جواز الأمرين، سواء حلف وحنث، أو حلف ونوى الحنث. وهكذا في هذه المسألة فالذي لم يدخل عليه رمضان كيف علم أنه سيدخل عليه حتى يكفر؟ فلا يكفر إلا إذا دخل عليه رمضان ووجب عليه الصوم ولكنه أفطر لذلك العذر الدائم. ومن المعلوم أنه في آخر رمضان يجوز له أن يطعم، أو في انتهاء كل يوم، وكذلك إذا أخرج الفدية كل يوم عند الفجر فإنه يجوز له ذلك؛ لأنه في وقت الفجر وجب عليه الصوم وهو لا يقدر عليه، فيجوز له عند فجر كل يوم أن يطعم مسكيناً. وأما قبل الفجر فإنه لا يجوز؛ لأنه لزمته النية من الليل، فلم ينو؛ لأنه لا يقدر على الصوم، فلم يجز له في هذا الوقت أنه يطعم.

стр. 98

المسافر في نهار رمضان يجوز للمسافر في نهار رمضان أن يفطر، فالعذر ثابت للمريض والمسافر؛ لقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤]؛ وفي هذه الآية محذوف تقديره: من كان مريضاً فأفطر لزمه أن يقضي، وهذا نوع من أنواع الدلالات، وهي دلالة الاقتضاء، فالكلام فيه حذف أو شيء مضمر والمقام يقتضي أن نعبر عنه بذلك. إذاً من كان منكم مريضاً فأفطر أو على سفر فأفطر، لكن المريض الذي لم يفطر، أو المسافر الذي لم يفطر ليس عليهما عدة من أيام أخر، وهذه تسمى دلالة الاقتضاء: من كان منكم مريضاً فأفطر لزمه أن يقضي مكان اليوم الذي أفطره. روى أصحاب السنن عن أنس بن مالك الكعبي -غير أنس بن مالك الخزرجي الأنصاري ﵁ قال: (أغارت علينا خيل رسول الله ﷺ ، فأتيت ﷺ فوجدته يتغدى فقال: ادن فكل -أي: يتناول طعام الإفطار في الصباح، والغداء في الغدو، ونحن نقول: الغداء أي: طعام الظهر، ولكن الغداء أصلاً معناه طعام الصبح وهو الإفطار- قال: فقلت: إني صائم، فقال ﷺ : ادن أحدثك عن الصوم، إن الله تعالى وضع عن المسافر الصوم، وشطر الصلاة) أي: رخص الله للمسافر أن يفطر وعليه أن يقضي، وطالما أنه سيصلي فليس عليه قضاء؛ لأنه قد أتى بشطر الصلاة. وهذا حديث حسن صحيح. فإن كان سفره فوق مسافة القصر على اختلاف بين العلماء في مسافة القصر فنقول: ابتداء إذا كان السفر مسافة قصر وليس سفر معصية فله الفطر في رمضان، والسفر قد يكون واجباً، وقد يكون مستحباً، وقد يكون مباحاً، وقد يكون مكروهاً، فللمسافر أن يفطر في ذلك، أما إذا كان سفر معصية فليس له أن يفطر فيه؛ لأن الإفطار في السفر إعانة على مشقة السفر، وهذا الذي يسافر ليعصي المفترض أن يمنع من السفر، كأن يسافر ليشتري خمراً، أو يزني، فالأصل أن يمنع، ولا يجوز له أن يفطر أو يقصر؛ لأنه بهذه الرخصة أعين على المعصية. إذاً: إذا كان سفره فوق مسافة القصر، وليس السفر في معصية فله الفطر في رمضان؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤] سواء كان سفر حج أو جهاد أو تجارة، وأنواع السفر: سفر حج، وهذا قد يكون فريضة، وقد يكون مستحباً، وسفر جهاد وهذا قد يكون فرض عين أو كفاية أو قد يكون مستحباً، أو سفر تجارة فقد تكون مستحبة أو مباحة أو مكروهة، ونحو ذلك من الأسفار. ومذهب الأئمة الأربعة: أنه يجوز للمسافر أن يصوم وأن يفطر، فالأيسر عليه يفعله. وأما في الصلاة فقد استحب الجمهور قصرها في السفر، وذهب الأحناف إلى أنه يجب القصر. والمسافر تجب عليه الصلاة ولا يصح أن يقال له: إذا رجعت من السفر فاقضها كالصيام، ولكن له أن يصلي الرباعية ركعتين، لكن الصوم لا يقال له: صم نصف الصوم، فإما أن يصوم أو يفطر، وإذا أفطر لزمه القضاء وبقي متعلق بذمته، وإذا صام فليس عليه قضاء.

стр. 99

اختلاف العلماء في أيهما أفضل في السفر الصوم أو الفطر اختلف العلماء في أيهما أفضل: الصوم في السفر أو الإفطار؟ والراجح في ذلك: هو أن الأيسر عليه يفعله سواء الصوم أو الإفطار. روى البخاري ومسلم عن أبي الدرداء ﵁ قال: (خرجنا مع النبي ﷺ في بعض أسفاره في يوم حار، حتى يضع الرجل يده على رأسه من شدة الحر، وما فينا صائم إلا ما كان من النبي ﷺ وابن رواحة)، والمعنى أن هذا الصوم كان فريضة في رمضان، فالذي كان صائماً هو النبي ﷺ وابن رواحة وبقية الصحابة كانوا مفطرين. وعن جابر كما في الصحيحين: (كان رسول الله ﷺ في سفر فرأى زحاماً ورجلاً قد ظلل عليه فقال: ما هذا؟ قالوا: صائم، فقال: ليس من البر الصوم في السفر)، وهذا الحديث لا يؤخذ الجزء الأخير منه من غير نظر إلى سببه، فلا يقال: إن قوله: ليس من البر الصوم في السفر تعتبر قاعدة عامة؛ لأنه إنما قال ذلك نتيجة سبب من الأسباب، فلا ينبغي أن يلغى السبب ويؤخذ بالنتيجة، فالنبي ﷺ ، صام في السفر، ولكنه رأى ﷺ رجلاً صائماً في السفر وحوله أناس مزدحمين كل يقدم له خدمة، فقال: (ما هذا؟) فقالوا: صائم. إذاً: كان القوم مسافرين، والسفر قطعة من العذاب، وكل واحد مشغول بنفسه، وهذا الصائم شغلهم وضيق عليهم بحيث وصل إلى مشقة لا يقدر معها على الصوم، فقال النبي ﷺ : (ليس من البر الصيام في السفر)؛ لأنه ليس من التقرب إلى الله أن تشق على صاحبك وتجعل الناس يخدمونك. إذاً هذا الحديث فيما إذا كان الصائم سيشق على نفسه وعلى رفقته. وعن أنس -كما في الصحيحين- قال: كنا نسافر مع النبي ﷺ فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم، فلا الصائم يعيب على المفطر، ولا المفطر يعيب على الصائم، فطالما الصائم لا يتعب غيره فلا بأس أن يصوم، قال الله : ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥]، فالأفضل هو الأيسر، والله يريد بنا اليسر. وأيضاً عن ابن عمر -كما في المسند مرفوعاً-: (إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته)، فالله يكره من عبده أنه يأتي المعصية، كذلك يحب من عبده أن يأتي الرخصة. وروى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂: أن حمزة بن عمرو الأسلمي قال للنبي ﷺ : أأصوم في السفر؟ وكان كثير الصيام -والمعنى أن الرجل كان كثير الصيام في غير رمضان، فلما جاء عليه شهر رمضان سأل النبي ﷺ ذلك- فخيره النبي ﷺ وقال: (إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر)؛ لأنه إذا أفطر في رمضان لزمه القضاء بعد رمضان، كسائق السيارة من الإسكندرية إلى القاهرة فهو مسافر دائماً، فله أن يفطر في رمضان، وله أن يصوم، وإذا أفطر لزمه القضاء بعد رمضان، ولعله يكون مسافراً أيضاً، فالذي يتيسر له من الأمرين يفعله سواء كان الصوم أو الإفطار. كذلك في الصحيحين عن ابن عباس ﵄ قال: (خرج رسول الله ﷺ من المدينة إلى مكة، فصام حتى بلغ عسفان، ثم دعا بماء فرفعه إلى يديه ليريه الناس، فأفطر ﷺ ، فظل صائماً إلى أن وصل إلى عسفان، وبعد ذلك بلغه أن الناس شق عليهم الصوم، فأفطر ﷺ أمام الناس. وكان ذلك في فتح مكة في رمضان. وفي رواية: (أن ذلك كان بعد العصر). إذاً النبي ﷺ الذي يقتدي به الناس أفطر بعد العصر وإن كان الوقت قد قرب من المغرب، ولكنه وجد أن ذلك سيشق على الناس فأفطر صلوات الله وسلامه عليه حتى يفطر الناس، فكان ابن عباس ﵄ يقول: قد صام رسول الله ﷺ وأفطر -يعني في السفر- فمن شاء صام ومن شاء أفطر. ويذكر الحافظ ابن حجر مذاهب العلماء في الصوم أو الإفطار في السفر، فأكثرهم كـ مالك والشافعي وأبي حنيفة على أن الصوم أفضل لمن لم يشق عليه؛ لأنه إذا صام لا يتعلق بذمته. وقال كثير من العلماء: الفطر أفضل؛ عملاً بالرخصة، فإذا كان الإنسان لم يرفض الرخصة أصلاً ولكن خاف ألا يتمكن من القضاء، والأداء سهل عليه كان الصوم أفضل له. وقال آخرون: هو مخير بين الأمرين، وقال آخرون: أفضلهما أيسرهما، وهذا الأرجح، فإذا تيسر الصوم صام، وإن شق الصوم أفطر، وإن كان الصيام أيسر كمن يسهل عليه الأداء ويشق عليه القضاء بعد ذلك فالصوم في حقه أفضل، وكثير من الناس يسهل عليهم الصيام، فإذا دخل رمضان اعتاد على الصيام، وصام مع الناس وارتاح من القضاء. وآخر يشق عليه وهو مسافر أن يصوم، فقد يمرض أو يعطش عطشاً شديداً لا يقدر معه على أن يقضي حاجته في سفره، فهذا الأفضل في حقه أن يفطر؛ حتى يتمكن من قضاء حاجاته، ثم يقضي بعد ذلك. فالفطر أفضل لمن اشتد عليه الصوم وتضرر به كما ذكرنا، كذلك من ظن أنه رغب عن سنة النبي ﷺ ورفض الرخصة، فالأفضل أن يأخذ بالرخصة التي رخصها الله له. إذاً: الذي قبل الرخصة وصام له ذلك، والذي قبل الرخصة وأفطر له ذلك، لكن الذي رد الرخصة ورفضها فالأفضل في حقه أنه لا يعرض عن رخصة رخصها الله له ولو بالقول؛ لأن النبي ﷺ يقول: (من رغب عن سنتي فقد رغب عني، أو فليس مني). كذلك من خاف على نفسه العجب أو الرياء، فقد يكون مسافراً مع الناس، والكل مفطر فيخاف أن يصيبه العجب من كلام الناس، فالأفضل في حقه أنه يبتعد عن الرياء وأن يفطر، وغيره يجوز له أن يصوم ويجوز له الإفطار كما قدمنا. روى البخاري ومسلم عن أنس ﵁ قال: (كنا مع النبي ﷺ أكثرنا ظلاً الذي يستظل بكسائه، وأما الذين صاموا فلم يعملوا شيئاً، وأما الذين أفطروا فبعثوا الركاب وامتهنوا وعالجوا). فالصائمون في تلك الحالة فائدة صيامهم مقتصرة عليهم لا تتعدى إلى غيرهم، لكن الذين أفطروا قاموا وخدموا الجميع وأحضروا الطعام، وبعثوا الركاب، وامتهنوا أي: قاموا بالمهنة وبقضاء حوائج المسافرين، فكان نفعهم متعدياً، فقال النبي ﷺ : (ذهب المفطرون اليوم بالأجر). فإذا كان الصائمون لهم أجر على قدر صيامهم، فالأجر العظيم أخذه المفطرون الذين قاموا بأمر السفر، ويسروا على غيرهم، وقاموا بما طلب منهم، فكان لهم الأجر العظيم، فكأنه إذا قورن أجر الصائم بأجر هؤلاء في تعبهم وامتهانهم لكان أجر الصائم قليلاً بالنسبة لأجر ذلك المفطر، وليس معنى ذلك أن الصائم ليس له أجر، بل له أجر عظيم، ولكن أجر أولئك الذين قاموا بالخدمة أعظم. أيضاً أخرج مسلم من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (سافرنا مع رسول الله ﷺ إلى مكة ونحن صيام -أي: في فتح مكة في رمضان- فنزلنا منزلاً فقال رسول الله ﷺ : إنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم فأفطروا -فكانت رخصة- فمنا من صام ومنا من أفطر). ومعنى (إنكم قد دنوتم) أي قربتم من العدو، فالفطر أقوى لكم؛ حتى تقدروا على قتال أعدائكم، فمنهم من صام ومنهم من أفطر، قال: (فنزلنا منزلاً فقال رسول الله ﷺ : إنكم مصبحوا عدوكم والفطر أقوى لكم فأفطروا، فكانت عزيمة) أي: أن الصبح هو موعد القتال، وربما يصعب عليهم القتال وهم صائمون، فأمرهم بالإفطار ﷺ ؛ لأن الفطر أقوى لهم. ففي المرة الأولى كانت رخصة؛ لأن العدو مازال بعيداً فلم يعزم عليهم، لكنهم لما أصبحوا لقتال العدو قال لهم: أفطروا، قال: (فأفطروا إلا قليلاً منهم، فقال النبي ﷺ -لما سمع أن فلاناً وفلاناً ما أفطروا-: أولئك العصاة) وهذا دليل على أن أمره لهم كان عزيمة. فقد كانوا ذاهبين إلى مكة مكان الكفر ليحولوه إلى بلد للإسلام، وقد لا يقدرون مع الصوم على ذلك، فعليهم أن يفطروا، وإذا أفطر أحدهم وقاتل حتى قتل فإنه في هذه الحالة لم يتمكن من القضاء، فما عليك شيء، ولا يصوم عنه وليه، فكان الأفضل لهؤلاء أن يفطروا؛ لأنه أقوى لهم، ولذلك قال ﷺ عمن لم يفطروا: (أولئك العصاة). ونسبته ﷺ الصائمين إلى العصيان؛ لأنه عزم عليهم أن يفطروا؛ لأنهم مصبحوا العدو، فأصبحوا صائمين. وكذلك الحديث الذي رواه النسائي عن جابر بلفظ: (أن رسول الله ﷺ مر برجل في ظل شجرة يرش عليه الماء فقال: ما بال صاحبكم هذا؟ قالوا: صائم يا رسول الله، فقال: إنه ليس من البر أن تصوموا في السفر، وعليكم برخصة الله التي رخص لكم فاقبلوه) فقد قال هذا الكلام لسبب معين فما كان مثله كان كذلك.

стр. 100

مسافة القصر الراجح في مقدار السفر الذي يجوز فيه الفطر والقصر أنه ما يسمى سفراً، وخرج فيه الإنسان من مكان إلى مكان آخر، أو من بلدة إلى أخرى فله أن يفطر وله أن يقصر من الصلاة فيه، فما سمي سفراً عرفاً سواء كان قصيراً أو طويلاً يجوز فيه القصر والفطر، بشرط ألا يقل السفر عن أقل مسافة قصر فيها النبي ﷺ ، فأقل المسافات التي قصر فيها النبي ﷺ كما جاءت في الحديث: (أنه كان يقصر ﷺ إذا سافر ثلاث فراسخ أو ثلاثة أميال)، وفي هذه الرواية شك، وفي بعض الروايات: (ثلاثة أميال) بغير شك، فعلى ذلك يحطاط بثلاثة فراسخ، ومقدارها نحو ستة عشر كيلو من آخر عمران البلد، أي: بعد آخر البيوت التي يعيش فيها، فإذا كان بين قرية وأخرى مسافة ستة عشر كيلو فما فوقها فله أن يقصر وأن يفطر. قال يحيى بن يزيد الهنائي: (سألت أنساً عن قصر الصلاة فقال: كان رسول الله ﷺ إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ صلى ركعتين). لكن العلماء أخذوا بأطول من ذلك، فذهب مالك والشافعي وأحمد إلى أنه مسيرة يومين على الإبل أو الأقدام، قالوا: وتقديرها بستة عشر فرسخاً أي: بمقدار واحد وثمانين كيلو متراً تقريباً. واختار البخاري أنها مسيرة يوم وليلة، وكأنه على النصف من ذلك، أي: بمقدار أربعين كيلو متراً. وقال أبو حنيفة: أنها مسيرة ثلاثة أيام، وبعض فقهاء الأحناف يقولوا: أنها تقدر بخمسة عشر فرسخاً، وذلك ست وسبعون كيلو متراً. إذاً من العلماء من يرى أنها ستة عشر فرسخاً، والبعض يرى أنها خمسة عشر فرسخاً، ولكن الحديث على أنها ثلاثة فراسخ أو ثلاثة أميال، فإذا احتطنا في الأخذ بالحديث تكون ثلاثة فراسخ، وتقدر بستة عشر كيلو، ويقيد ذلك بأن يسمى سفراً عرفاً. وقد يكون ما بين آخر العمران الذي بين بلد وآخر حوالي ستة عشر كيلو. يقول ابن تيمية ﵀: تنازع العلماء: هل يختص القصر والفطر بسفر دون سفر، أم يجوز في كل سفر؟ قال: وأظهر القولين أنه يجوز في كل سفر، قصيراً كان أو طويلاً، كما قصر أهل مكة خلف النبي ﷺ بعرفات ومنى، وبين مكة وعرفة نحو بريد، يعني: أربعة فراسخ، بما يقدر بواحد وعشرين كيلو متراً، والمعنى: أنه قصر أهل مكة وكانوا وراء النبي ﷺ في عرفات، ولم يأمرهم بإتمام الصلاة. يقول: ولم يحد النبي ﷺ مسافة القصر بحد لا زمنه ولا مكانه، والأقوال مذكورة في ذلك ومتعارضة، وليس على شيء منها حجة، والواجب أن يطلق ما أطلقه صاحب الشرع -يعني: النبي ﷺ ويقيد ما قيده، فيقصر المسافر الصلاة في كل سفر، وكذلك في جميع الأحكام المتعلقة بالسفر من القصر، والصلاة على الراحلة، والمسح على الخفين، ومن قسم الأسفار إلى سفر طويل وقصير، وخص بعض الأحكام بهذا وبعضها بهذا فليس معه حجة يجب الرجوع إليها. هذا كلام شيخ الإسلام ﵀ وهو كلام قوي متين، فالراجح: أنه إذا سمي السفر سفراً، أو سميت المسافة التي يقطعها الإنسان من بلد إلى أخرى سفراً فيجوز له أن يقصر من الصلاة، وأن يفطر، والله أعلم. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 101

شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان - رخص الفطر لأصحاب الأعذار ومسائل في رؤية الهلال تحري هلال شهر رمضان وغيره من الأشهر المرتبطة بعبادات معينة من الأمور التي ندب إليها الشرع لضبط دخول الشهر وخروجه، وسائر هذه الشهور يلزم لإثبات دخولها وخروجها وجود شاهدي عدل إلا ما يكون به إثبات دخول رمضان فيكفي فيه شاهد عدل واحد، كما بين ذلك النبي صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 102

جواز الفطر لمن سافر أثناء يوم في رمضان بدأه بالصيام الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. ذكرنا في الحديث السابق أعذاراً ذكرها الله سبحانه تبارك تعالى في كتابه وذكرها النبي ﷺ في سنته فيمن يباح له أن يفطر في نهار رمضان، قال الله سبحانه: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤]، وذكرنا أن دلالة الاقتضاء هنا تعطي معنى أن من كان منكم مريضاً فأفطر في نهار رمضان فعليه عدة من أيام أخر، ومن كان منكم مسافراً فأفطر في نهار رمضان فعليه أن يصوم مكانها عدة من أيام أخر. وذكرنا أن المرض هو أي مرض يشق على الإنسان معه الصوم، فإذا كان المرض يسيراً لا يشق معه الصوم ولا يعتبره الكثيرون من الناس شيئاً من المرض كالجرح في اليد، أو خلع الضرس فهذا ليس من المرض الذي من أجله يفطر الإنسان، لكن إذا أصبح يشق عليه، ويحتاج إلى تداوي، أو أنه يرهقه ويتعبه في صيامه، فيكون هذا مرضاً معه يترخص بأن يفطر في نهار رمضان، وعليه عدة من أيام أخر. وإذا كان مسافراً والراجح أن السفر هو ما سمي سفراً عرفاً، فله أن يفطر فيه، ونقول: إن أقل ما ثبت عن النبي ﷺ في مسافة سافرها وقصر فيها الصلاة أنه سافر ثلاثة فراسخ أو ثلاثة أميال شك الراوي في العدد، والثلاثة الأميال تساوي ستة كيلو تقريباً، وثلاثة فراسخ تساوي حوالي ستة عشر كيلو تقريباً، فعلى ذلك الاحتياط فيها أن تكون أقل مسافة هي ثلاثة فراسخ. ويشترط أن يكون بين آخر العمران في بلده وبين البلدة التي يذهب إليها على الأقل مثل هذا القدر الذي هو ثلاثة فراسخ، فيجوز له أن يقصر من الصلاة، بل يستحب له ذلك، ويجوز له أن يفطر في السفر، وقد ذكرنا أن الراجح أن يعمل الأيسر عليه فالنبي ﷺ صام في السفر وأفطر في السفر ﷺ ، وكذلك الصحابة كانوا يسافرون فمنهم الصائم ومنهم المفطر فلا يعيب بعضهم على بعض، فيجوز للإنسان المسافر أن يتم صومه، ويجوز له أنه يفطر فما كان أيسر عليه فعله. إذا سافر أثناء يوم من رمضان فله الفطر فيه إذا ركب وخلف بلدته وراءه، وهنا بعض العلم يقول: قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥]، وكثير من العلماء يقولون: إنه إذا أصبح صائماً فهذا شاهد ولزمه الصوم، فلو أنه سافر يلزمه أن يتم صيام اليوم، لكن الراجح في ذلك أنه حتى ولو أصبح صائماً فكما يجوز له إذا مرض أن يفطر فيجوز له إذا سافر أن يفطر أيضاً ويجوز أن يمسك، والدليل ما رواه مسلم عن جابر بن عبد الله ﵄: (أن رسول الله ﷺ خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان، فصام حتى بلغ كراع الغميم -اسم مكان- فصام الناس، فقيل له: إن الناس قد شق عليهم الصيام وإنما ينظرون فيما فعلت، فدعا بقدح من ماء بعد العصر فرفعه حتى نظر الناس إليه، ثم شربه فقيل له بعد ذلك: إن بعض الناس قد صام فقال: أولئك العصاة، أولئك العصاة)؛ لأنهم كانوا مثبطي عدوهم بعد ذلك، فالنبي ﷺ أفطر بعد العصر وهذا دليل على أن الإنسان قد يكون صائماً في أول اليوم ثم مع مشقة السفر يفطر في آخر اليوم، وهذا جائز له. فإذا سافر الصائم يجوز له بعد أن يدخل في حكم المسافر أن يترخص بالإفطار وله أن يتم صومه.

стр. 103

الخلاف في جواز إفطار المسافر قبل سفره روى أبو داود وأحمد عن عبيد بن جبر قال: (كنت مع أبي بصرة الغفاري صاحب النبي ﷺ في سفينة من الفسطاط في رمضان)، يذكر أنه كان مع أبي بصرة الغفاري وخرج من الفسطاط في سفينة. (فرفع) يعني: شراع السفينة. (ثم قرب غداه) أي: قدموا له الأكل ليأكل. (فلم يجاوز البيوت حتى دعا بالسفرة) يعني: ركب السفينة ومضت بهم ولكنهم لم يزالوا يروا بيوتاً من ورائهم، فأصبحوا مسافرين فأفطر أبو بصرة ﵁. قال: (فقلت: ألست ترى البيوت؟!) أي: ألا ترى البيوت أمامك؟ قال أبو بصرة: (أترغب عن سنة رسول الله ﷺ ، فأكل. وفي رواية أخرى: (ركبت مع أبي بصرة من الفسطاط إلى الإسكندرية في سفينة)، من الفسطاط في القاهرة حتى يصل إلى الإسكندرية، فالمسافة مسافة قصر ولكنه أفطر بعد أن ركب السفينة مباشرة، بمجرد أن ركب السفينة بدأ بالإفطار بعدما تحركت السفينة. وروى الترمذي عن محمد بن كعب أنه قال: أتيت أنس بن مالك في رمضان وهو يريد سفراً، وقد رحلت له راحلته، ولبس ثياب السفر، فدعا بطعام فأكله، فقلت له: سنة، قال: سنة؟ ثم ركب. وقصة أنس بن مالك ﵁ توضح أن محمد بن كعب ذهب إليه وقد جهز نفسه للسفر، وقد كان في بيته أو قابله خارج المدينة، فكلا الأمرين محتمل، يُحتمل أنه كان في بيته وجهز له ركوبته وقبل أن يركب أفطر ثم انطلق، وهو متأكد أنه مسافر فانطلق، فيستدل به البعض أنه يجوز له أن يفطر في بيته ثم يخرج. والراجح: ليس له أن يفطر حتى وإن فعل أنس رضي الله ﵎ عنه ذلك؛ لأن العلماء قالوا: فعل أنس يحتمل التأويل، فيحتمل أن محمد بن كعب قابله وهو في بيته، ويحتمل أنه قابله وهو خارج المدينة، ولذلك يجوز عند جماهير العلماء أنه إذا ركب وخرج من المدينة وخلفها وراءه حتى لو أنه يرى بيوت المدينة وهو خارجها أن يفطر؛ لأنه عزم على السفر وتأكد أنه في سفر، فعلى ذلك فعل أنس بن مالك ﵁، فيحتمل أنه خرج من المدينة وقابله محمد بن كعب هنالك، ويحتمل أنه كان في المدينة أو كان في بيته، فالحديث محتمل، يقول: أتيت أنس بن مالك في رمضان وهو يريد سفراً وقد رحلت له راحلته أي: جهزتها، ولبس ثياب السفر، فدعا بطعام فأكله، فقلت له: سنة؟! قال: سنة، ثم ركب. وأيضاً الاحتمال وارد في قوله: قلت له: سنة؟! كأنه يقول: سنة إذا كان يوم من رمضان وأنت شاهد الشهر وأردت الخروج فخرجت فلك أن تفطر، هل هذه سنة؟! فقال: سنة، ويحتمل: سنة أنك تأكل قبل أن تخرج؟! فيقول: إنها سنة، فلما كانت دلالة الحال يتطرقها الاحتمال فيبعد بها الاستدلال. وقد قلنا: إن كثيراً من العلماء يستدلون بالآية: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥]، أنه إذا كنت مقيماً في البلد وأصبحت صائماً ثم خرجت مسافراً ليس لك أن تفطر، فكأن أنساً هنا يقول: لا، سنة أن أفطر، وجاء بهذه السنة من فعل النبي ﷺ وهو في سفره لفتح مكة ﵊، فقد أصبح صائماً وأفطر بعد العصر ﵊. إذاً: السنة إذا سافرت وأنت صائم لك أن تفطر وهذا ما يحتمله هذا الحديث. يقول الترمذي: ذهب بعض أهل العلم إلى هذا الحديث وقالوا: للمسافر أن يفطر في بيته قبل أن يخرج وليس له أن يقصر الصلاة حتى يخرج من جدار المدينة أو القرية، وهو قول إسحاق بن راهويه. ولكن جماهير العلماء لم يقولوا بذلك، وإنما قالوا: طالما أن اسمه مسافر فله أن يقصر وله أن يفطر، وإذا لم يسمَّ مسافراً ليس له أن يقصر أو أن يفطر، أما التفرقة بين القصر والإفطار أن له أن يقصر إذا خرج وليس له أن يقصر وهو موجود، حتى وإن كان ناوياً للسفر، وله أن يفطر وهو في بيته وليس له أن يقصر الصلاة، فهذه تفرقة بين متشابهين، لكن الأحوط في ذلك أنه ليس له أن يقصر ولا أن يفطر إلا إذا خرج من البلد؛ لأنه إذا خرج من البلد الآن صار مسافراً، أما وهو في المدينة فلا يطلق عليه مسافر، فلو تخيلنا إنساناً في بيته وهو في نهار رمضان فأفطر فالعذر للمسافر وأنت لست مسافراً ما زلت في البلد، فقد تخرج لتركب القطار، وبعد أن تصل إلى محطة القطار تجد القطار قد فاتك، فإذاً أنت ما زلت مقيماً وأفطرت فكيف تفطر وأنت لم تتيقن من السفر؟! بخلاف من ركب القطار وتحرك به القطار فيكون الآن قد أيقن أنه مسافر فعلى ذلك له أن يفطر بعدما تحرك وخرج، وليس وهو في البلد فيحتمل أن يخرج ويحتمل ألا يخرج. فالجميع اتفقوا على أن المسافر إذا كان في البلد ليس له أن يقصر الصلاة، وهذه أسئلة يسألها البعض ويقول: أنا مسافر، والآن وقت صلاة الظهر وأنا على محطة القطار، وسنركب القطار وسنصل هناك بعد المغرب فهل لي أن أصلي الظهر والعصر جمع تقديم وأنا في هذا المكان؟! فليس له ذلك؛ لأنه مقيم وليس مسافراً، لكن لو خرج في الطريق وخرج به القطار من البلد، وصار يطلق عليه مسافراً، فلو نزل في محطة من المحطات فصلى الظهر والعصر فيجوز له أن يجمع ويقصر، فيقصر الصلاة ويجمع بين الظهر والعصر؛ لأن وصفه الآن مسافر. إذاً: الأحوط والأرجح في الدليل أنه ليس له أن يقصر ولا أن يفطر إلا إذا تيقن أنه صار مسافراً، فيكون بذلك خارج البلد. قال ابن قدامة في المغني: ولا يباح له الفطر حتى يخلف البيوت وراء ظهره، أي: يجازوها. وقال الحسن: يفطر في بيته يوم يريد أن يخرج. ولعله أخذه من قول أنس: سنة. يقول ابن قدامة قول الحسن شاذ، وأول فعل أنس بقوله: فأما أنس فيحتمل أنه قد كان برز من البلد خارجاً منه فأتاه محمد بن كعب في منزله، فلما كان فعل أنس يحتمل أنه قد يكون في منزله أو خارج من المنزل خارج البلد وأتاه محمد بن كعب هناك فبعد الاستدلال به، قال: ولنا قول الله ؛ لأن هذه القاعدة والأصل قول الله : ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥]. إذاً: من كان شاهداً مقيماً يلزمه الصيام، والرخصة للمسافر وللمريض وهذا ليس واحداً من الاثنين فلا يوصف بكونه مسافراً إلا بعد خروجه من بلده. وإن أصبح صائماً فسافر جاز أن يفطر في اليوم الذي سافر فيه، وهذا هو الراجح من حيث الدليل، لفعل النبي ﷺ فقد كان مسافراً وصائماً فأفطر في آخر النهار، ولكن البعض الذي يمنع يقول: إن النبي ﷺ كان مسافراً أصلاً من أول النهار، وقد نوى الصيام ﷺ ولكنه كان مسافراً أياماً وليالي، وهذا اليوم الذي أفطر فيه من هذه الأيام كان بالليل مسافراً وبالنهار ليس مسافراً، وكلامنا ليس في هذا المجال، ولكن كلامنا فيمن أصبح وهو مقيم، فإذاً: على ذلك الآية تقول: ﴿فَمَنْ شَهِدَ﴾ [البقرة:١٨٥] وهذا شهد الشهر، هذا متعارض مع كونه في أول النهار كان شاهداً مقيماً وفي آخر النهار كان مسافراً فيلزمه أن يصومه، وهذا قول البعض. يقول ابن قدامة في إباحة فطر اليوم الذي سافر فيه: هذه المسألة تختلف عن المسألة السابقة؛ فالمسألة السابقة كانت على اليوم الذي هو مسافر فيه فهل يفطر من البلد أو بعد أن يخرج من البلد؟ أما هذه المسألة إذا نوى الصيام من الليل وأصبح صائماً، فجاء وقت الظهر فبدا له أن يسافر فهل له أن يفطر؟ فالبعض يمنع، لأنه كان شاهداً حاضراً فلزمه حكم الآية: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥]، وليس مسافراً في أول النهار. البعض الآخر يقول: له أن يفطر، وهو قول: عمر بن شرحبيل والشاعري وإسحاق بن راهويه وداود بن علي الظاهري وابن المنذر، وهذه رواية عن أحمد ﵀ وهو الراجح من حيث الدليل، لحديث أبي بصرة الغفاري أنه ذكر أنه سنة، وأبو بصرة كان في البلد بعدما ركب المركب وتحرك وهو يرى البيوت فأفطر، فلما سئل قال: سنة، فدل على أنه إذا أصبح صائماً وركب وتحرك به المركب أو القطار ونحوه له أن يفطر بعد ذلك؛ لأن أبا بصرة فعل ذلك وقال: سنة. وأيضاً أنس على أحد التأويلين فعل ذلك وقال: سنة. والدليل العقلي: أنه لو كان مسافراً بالليل واستمر سفره بالنهار يبيح له الفطر في ذلك، فإذا وجد في أثنائه أباحه، كالمرض فالإنسان إذا كان مريضاً بالليل وتوقع أن يصبح بالنهار والمرض ما زال به، فله أن ينوي الإفطار ويكون مفطراً بالليل وبالنهار، فكذلك في أمر المسافر، إذا كان مسافراً بالليل وهو يعلم أنه لن يصل قبل آخر النهار من اليوم التالي فله ألا ينوي الصيام وينوي الإفطار بالليل، ويكون بالنهار أيضاً مفطراً، فوجد العذر بالليل فله أن ينوي بالليل أنه سيفطر في يومه الثاني، لأنه مسافر فيه فإذا وجد هذا العذر بالنهار بالمرض فله أن يفطر، فليقِس عليه ذلك في الصيام. إذاً: المريض بالليل إذا نوى أنه سيفطر غداً؛ لأن المرض شديد ولن يعافى منه حتى النهار، فله أن يفطر، فإذا أصبح سليماً ومرض بالنهار فله أيضاً أن يفطر، فالمسافر قياساً عليه إذا كان بالليل مسافراً فنوى أنه غداً سيفطر لأنه في حالة سفر، فله ذلك، فإذا وجد السفر في أثناء النهار الذي صام فيه، فله أن يفطر قياساً على المرض؛ ولأنه أحد الأمرين المنصوص عليهما في إباحة الفطر بهما، فأباحه أثناء النهار كالآخر. الرواية الثانية وهي التي

стр. 104

حكم فطر من كانت السفينة مسكنه وأهل البادية في تنقلاتهم يقول ابن قدامة: فأما من كانت السفينة مسكنه ومعه في السفينة امرأته وجميع مصالحه، ولا يزال مسافراً، فهذا لا يقصر ولا يفطر. فلو تخيلنا مثل هذا، أن الإنسان عنده سفينة وهذه السفينة بمثابة بيته وهو مقيم بها دائماً يذهب ويأتي وهو فيها فيقول: هذا حكمه أنه مقيم بداخل هذه السفينة طالما أنه لا يخرج منها ومعه أهله ومعه عياله فيها، وهذا الشيء يتخيل فقط، لكنه حقيقة ليس موجوداً. وإذا كان الإنسان يسافر من بلد إلى بلد وفرضنا أن له بيتاً في كل بلد يسافر إليه، فعندما يصل إلى مسكنه في المكان الفلاني فحكمه حكم المقيم، لكن أثناء السفر في الطريق فله أن يفطر وله أن يجمع ويقصر، فهو في حكم المسافر وعلى ذلك سيجتمع حكم القصر في الطريق والإتمام في البيت؛ لوجود مكان يأوي إليه وله أهل فيه، لكن الصوم لا يصح فيه هذا الشيء، لأنه أثناء الطريق بالنهار له أن يصوم أو يفطر، وإذا جلس في البلد يوماً كاملاً فيلزمه أن يصوم. أما أهل البادية الذين يشتون في مكان ويصيفون في مكان، وهذا معروف عنهم أنهم يشتون في المكان الذي فيه الكلأ والمرعى، ويصيفون في مكان آخر، فيتوجهون إلى المكان الذي فيه الكلأ والعشب لأغنامهم أو لبهيمة الأنعام، فأثناء طريقهم يكونون في حكم المسافر، وإذا وصلوا إلى مكان المشتى أو مكان المصيف يكونون في حكم المقيم. إذاً: في مشتاهم أو مصيفهم يتمون الصلاة ويلزمهم الصيام، وخلال المشي في الطريق لهم أن يقصروا ولهم أن يصوموا أو يفطروا. فحتى لو كان متنقلاً فعليه أن يصوم؛ لأنه مكانه، ولكن في الطريق من المشتى والعكس له أن يصوم وله أن يفطر.

стр. 105

حكم المسافر إذا قدم من سفره في نهار رمضان (إذا أفطر المسافر لزمه القضاء ولا فدية) والمسافر يلزمه القضاء ولا يلزمه الفدية؛ لقوله سبحانه: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤]. (أما إذا قدم المسافر في أثناء يوم قد ترخص فيه وأفطر أو برأ المريض وهو مفطر) مثلاً: لو أن إنساناً كان مسافراً ورجع من السفر في وقت الضحى، وهو مفطر، أو كان مريضاً وشفاه الله في أول النهار وكان مفطراً، فالأولى والأفضل التشبه بالصائمين، لكن لا يلزمه أن يتم يومه، وليس من الممكن أن يجتمع حكمان أنه يجوز له في أول النهار أن يترخص ويفطر، ثم نلزمه وهو مفطر أنه يجب عليه الصيام، والبعض من أهل العلم أوجبوا عليه ذلك، وهو قول أبي حنيفة وقول الأوزاعي والأظهر عند الحنابلة أنه يجب عليه الإمساك. أما عند الشافعي فهو مستحب، والأفضل أن يتشبه بالصائمين ويراعي حرمة اليوم، فيستحب له أن يكمل الصيام وهذه رواية عن أحمد، أنه لا يجب عليه أن يصوم، فكيف يكون في أول اليوم مفطراً بعذر وله رخصة أن يفطر، ثم نقول: يجب عليك أن تصوم بقية اليوم؟! لا يجتمع في اليوم جواز الإفطار مع وجوب الصوم فيه. قال مالك: لا يجب ولا يستحب الإمساك. وهو قول قوي في هذه المسألة، وإن كانت المراعاة للصائمين ولحرمة اليوم أن يحتاط فيمسك بقية يومه استحباباً وليس وجوباً. ولا يأكلان - أي: المسافر والمريض - عند من لا يعرف عذرهما لخوف التهمة، فالمسافر بعد أن نزل في مكان وهو نازل قد يعرفه البعض فله أن يأكل وقد لا يعرفه البعض، فيراعي ألا يتهمه الناس، فيقال: فلان مفطر وهم لا يعرفون أنه مسافر أو أنه مريض، فالإنسان يحافظ على نفسه ولا يأكل عند من لا يعرف عذره، فإذا أراد أن يأكل فعليه أن يخبر أنه مسافر أو يخبر أنه مريض، والإخبار هنا لينفي عن نفسه التهمة، ولكي لا يقتدي به إنسان فاسق فيقلده عندما يراه، وهو إنسان لا يصوم وهو يخفي على الناس أنه مفطر، وبمجرد أن يلقى هذا المسافر يأكل، فيقلده ويفطر مثله، فالأفضل: ألا يفطر إلا عند من لا يتهمه. (وإذا قدم المسافر أو برئ المريض وهما صائمان) فلو أن إنساناً أصبح وهو مريض مرضاً شديداً يشق معه الصوم، فصبر على مرضه وواصل صومه، فجاء وقت الظهر وقد شفاه الله ، فليس له رخصة أن يفطر. وكذلك لو كان إنسان مسافراً، وأصبح صائماً وهو مسافر فوصل إلى البلد المقيم فيه، فليس له رخصة أن يفطر. فمن كان صائماً في أول النهار سواء كان مريضاً أو مسافراً الصيام الشرعي الذي تصحبه النية من الليل، فعلى ذلك يلزمه أن يتم صيامه وليس له أن يقول: أنا أترخص؛ لأن حكمه حكم الصحيح وليس المريض، وحكمه الآن مقيم وليس مسافراً. ولو قدم المسافر ولم يكن قد نوى من الليل صوماً ولم يأكل في نهاره قبل قدومه، فله أن يفطر؛ لأن صومه غير شرعي، فصيام رمضان لا بد فيه من النية في الليل ومن الأفضل أن يمسك مراعاة لحرمة اليوم.

стр. 106

حكم صوم المسافر في رمضان عن غير رمضان [ولا يجوز للمسافر ولا للمريض أن يصوم في رمضان عن غيره] فلا يصح في رمضان الصيام لقضاء نذر أو كفارة، فصوم رمضان يلزمك نية لصيام رمضان الذي أنت فيه، وعندما ينتهي رمضان اقض ما عليك، سواء كان عن قضاء أو نذر أو كفارة أو تطوع، فإن صام أحدهما شيئاً من ذلك لا يصح صومه لا عن رمضان ولا عما نوى له. فالمعنى: أن الإنسان إذا نوى من الليل أنه سيصوم قضاء للأيام التي أفطرها في السنة الماضية، فهو لم ينو صيام اليوم وإنما نوى صيام شيئاً آخر، فلا يصح أن يصوم في هذا اليوم غيره؛ لأن اليوم لا يستوعب إلا شيئاً واحداً، بخلاف وقت الصلاة فهو يستوعب صلوات كثيرة، فإذا جاء وقت صلاة الظهر فصلى فيه صلاة الظهر التي فاتته في اليوم السابق، ثم نوى صلاة الظهر لليوم الذي هو فيه أو ضاعت منه صلاة الصبح، فيصليها الآن في وقت صلاة الظهر، ويصح ذلك؛ لأن الوقت يستوعب صلوات كثيرة لكن وقت الصوم لا يستوعب إلا صوماً واحداً، والصائم يلزمه أمران: النية والإمساك، فهو ممسك ولكن النية ليست نية صحيحة، فقد نوى أن يصوم شيئاًً غير صيام رمضان، فلا تصح هذه النية، وعلى ذلك لا يصح هذا الصوم لا عن اليوم ولا عن الصوم الذي نواه.

стр. 107

حكم المسافر إذا قدم من سفره فوجد امرأته طهرت من الحيض فجامعها في رمضان [إذا قدم المسافر في أثناء نهار رمضان وهو مفطر فوجد امرأته قد طهرت في أثناء النهار من حيض أو نفاس أو برئت من مرض وهي مفطرة فجامعها فليس عليه كفارة؛ لأنه مفطر بعذر] أي: كان مسافراً وقدم وهو مفطر، وامرأته كانت حائضاً وطهرت من حيضها، فلا يجب عليه الصوم وهي لا يجب عليها الصوم، فإذا اغتسلت فجامعها فلا شيء عليه ولا عليها إلا القضاء بالأصل؛ لأنه كان مفطراً في أول اليوم وهي كانت مفطرة بعذر.

стр. 108

حكم الحامل والمرضع [الحامل والمرضع إن خافتا من الصوم على أنفسهما أو على ولدهما أفطرتا وقضتا ولا فدية عليهما كالمريض]. المرأة الحامل قد تخاف على نفسها وقد تخاف على جنينها، والمرضع قد تخاف على نفسها وقد تخاف على ولدها، فعلى ذلك يجوز لها أنها إذا خافت على نفسها أو على ولدها الإفطار، ويلزمها القضاء عند الجميع، واختلف العلماء في وجوب الفدية من عدم وجوبها، ففي حديث أنس بن مالك الكعبي أن النبي ﷺ قال: (إن الله تعالى وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة، وعن الحامل أو المرضع الصيام) حديث حسنه الترمذي، وقال الألباني: حديث حسن صحيح، وقال الترمذي: العمل على هذا عند أهل العلم، أي: أكثر أهل العلم، وقال بعض أهل العلم: الحامل والمرضع تفطران وتقضيان وتطعمان. وراوي الحديث هو أنس بن مالك الكعبي وهذا ليس خادم رسول الله ﷺ ؛ لأن خادم النبي ﷺ اسمه أنس بن مالك الأنصاري الخزرجي ﵁، فلو ذكر أنس بن مالك فقط، فسيكون خادم النبي ﷺ الخزرجي الأنصاري ﵁، ولكن لا بد من بيانه لأن الإطلاق ينصرف إلى أنس بن مالك ﵁ الصحابي الأنصاري خادم النبي ﷺ ، فحديث أنس الكعبي: (إن الله تعالى وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة، وعن الحامل أو المرضع الصيام) الحامل: يطلق على المرأة الحامل الخائفة على نفسها أو الخائفة على ولدها، وهذا إطلاق، والتقييد يحتاج لدليل، والتقييد أن الحامل هي التي خافت على نفسها أو خافت على ولدها فيحتاج لدليل، وإذا وجدنا الدليل عملنا به، والمرضع مطلق فأي امرأة مرضع يجوز لها أن تفطر طالما أنها مرضع وأن هذه الرضاعة قد تؤثر عليها أو تؤثر على ولدها، فهذا الحديث فيه أن الله وضع عن الحامل والمرضع الصوم. يقول الترمذي: قال بعض أهل العلم: الحامل والمرضع تفطران وتقضيان وتطعمان، وهذا قول سفيان الثوري ومالك والشافعي وأحمد. سفيان من أهل الكوفة، ومالك في المدينة، والشافعي في الحجاز مكي، وأحمد ﵀، فهؤلاء الأربعة أجمعوا على ذلك، يقول: [أكثر العلماء يقولون: الحامل والمرضع تفطران وتقضيان وتطعمان. وقال بعضهم: الحامل والمرضع تفطران وتطعمان ولا قضاء عليهما، وإن شاءتا قضتا ولا إطعام عليهما وبه يقول إسحاق]، ولم يذكر قول أبي حنيفة فهو أوجب القضاء فقط وهو الراجح في هذه المسألة. قال البخاري في صحيحه: باب قوله تعالى: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٨٤]. وقال الحسن وإبراهيم في المرضع أو الحامل: إذا خافتا على أنفسهما أو ولدهما تفطران ثم تقضيان. يذكر البخاري: باب قول الله تعالى:: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٨٤]، فمعنى ذلك أن الإنسان الذي يكون مريضاً أو على سفر عليه عدة من أيام آخر. (وعلى الذين يطيقونه) أي: كبار السن ونحوه ممن لا يقدرون على الصوم إلا بمشقة شديدة تجهدهم، فعليهم فدية طعام مسكين، ولا صيام عليهم، والمسافر والمريض إذا أفطرا فعليهما الصيام. وقال الحسن البصري وإبراهيم النخعي في المرضع والحامل: إذا خافتا على أنفسهما أو ولدهما. فكأنه يميل لهذا القول، أن المرضع سواء خافت على نفسها أو خافت على الجنين، والحامل سواء خافت على نفسها أو خافت على جنينها فإنهما تفطران ثم تقضيان فألحقهما بالمريض والمسافر. وروى البيهقي عن ابن عباس ﵄ قال: (رخص للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة في ذلك وهما يطيقان الصوم أن يفطرا إن شاءا ويطعما عن كل يوم مسكين، ولا قضاء عليهما، ثم نسخ ذلك بهذه الآية ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥] وثبت للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة إذا كانا لا يطيقان الصوم والحبلى والمرضع إذا خافتا أفطرتا وأطعمتا كل يوم مسكين) الحديث رواه الإمام أبو داود ولكن اخترنا رواية البيهقي؛ لأنها طويلة وصحيحة، ورواية أبي داود صحيحة ولكنها مختصرة اختصاراً موهماً، ذكر ذلك الشيخ الألباني ﵀ وقال: إنها مختصرة اختصاراً مخلاً، وسنرى الفرق بين الروايتين، فرواية البيهقي عن ابن عباس: (رخص للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة في ذلك وهما يطيقان الصوم أن يفطرا إن شاءا ويطعما كل يوم مسكين ولا قضاء عليهما)، وهذا أول ما فرض الصيام، قال تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة:١٨٤]، فإذا كانا يقدران على الصيام لهما أن يصوما ولهما أن يفطرا، وإذا أفطر فإنه يطعم مسكيناً ولا يقضي بعد ذلك ولا شيء عليه. (ثم نسخ ذلك بهذه الآية: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥]، وثبت للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة إذا كانا لا يطيقان الصوم عليهما الإطعام)، فالصوم يحتاج لمجهود شديد منهما وهما لا يطيقانه فلهما الإفطار وعليهما الفدية وهي إطعام مسكين كل يوم. (والحبلى والمرضع إذا خافتا أفطرتا وأطعمتا كل يوم مسكين) فهو يقول: أن الحبلى والمرضع تلحقان بالشيخ والشيخة إذا خافتا، ولم يقيد الخوف فيكون الخوف على الإطلاق، الخوف على النفس أو الخوف على الصبي أو الجنين. (أفطرتا وأطعمتا)، وهذا قول مطلق حتى إذا كانتا قادرتين على الصيام بعد ذلك، وهذا قول ابن عباس ومذهبه ﵁، وهو يرى أنه إذا أفطرت المرضع أو الحامل فعليها أن تطعم كل يوم مسكيناً، وكذلك ابن عمر قال ذلك، وإن كان الراجح في ذلك أن نفرق بين من أفطرت بسبب الرضاعة أو بسبب الحمل وتقدر على الصيام فبعد ذلك يلزمها؛ لأن حكمها حكم المريض، والمريض يلزمه أن يصوم قضاء، أو أنها لا تقدر لا على الصيام ولا تقدر بعد ذلك على القضاء بسبب الحمل والرضاعة المتكرر، فعلى ذلك تفطر وتطعم ولا شيء عليها أكثر من ذلك كما سيأتي. ولفظ الإمام أبي داود عن ابن عباس: (كانت رخصة للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة وهما يطيقان الصيام أن يفطرا ويطعما مكان كل يوم مسكين، والحبلى والمرضع إذا خافتا على أولادهما). فنلاحظ هنا أنه قال: (كانت رخصة للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة وهما يطيقان الصيام أن يفطرا ويطعما)، ولم يذكر أنه بعد ذلك نسخ هذا الشيء، فكأن هذا الأمر باقٍ، بخلاف لفظ البيهقي فقد ذكر وزاد رواية ثم نسخ ذلك في هذه الآية، فمن شهد منكم الشهر فليصمه وثبت للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة إذا كانا لا يطيقان، لذلك ذكرنا أن لفظ البيهقي أوضح في هذه المسألة، ولفظ الإمام أبي داود أخصر، والاختصار يوهم أن الحكم القديم معمولٌ به. وروى الإمام ابن جرير الطبري عن ابن عباس ﵄ قال: (إذا خافت الحامل على نفسها والمرضع على ولدها في رمضان يفطران ويطعمان مكان كل يوم مسكيناً ولا يقضيان صوماً) أي: ومن يحتج بقول ابن عباس من الأئمة رضوان الله عليهم يقول: ابن عباس قال: تطعمان والآية تقول: إنهما تقضيان، فنجمع بين القضاء مع الإطعام. لكن ابن عباس هنا نص على أنهما تفطران وتطعمان مكان كل يوم مسكيناً ولا تقضيان صوماً. وفي رواية أخرى عن ابن عباس أنه رأى أم ولد له حاملاً، وأم الولد هي أمة كان يملكها ابن عباس واستولدها فصارت أم ولد له، وجدها حاملاً أو مرضعاً، قال: أنت بمنزلة الذي لا يطيق، فعليك أن تطعمي مكان كل يوم مسكيناً، ولا قضاء عليك، وفي رواية أن هذا إذا خافت على نفسها، ورواه الدارقطني بلفظ: أنت من الذين لا يطيقون الصيام، عليك الجزاء وليس عليك القضاء. وفي رواية أخرى عن ابن عباس وابن عمر قالا: الحامل والمرضع تفطر ولا تقضي. وعن ابن عمر أن امرأته سألته وهي حبلى، فقال: أفطري وأطعمي عن كل يوم مسكيناً ولا تقضي. وعن نافع قال: كانت بنت لـ ابن عمر تحت رجل من قريش، وكانت حاملاً فأصابها عطش في رمضان، فأمرها ابن عمر أن تفطر وتطعم عن كل يوم مسكيناً. فهذه الآثار عن ابن عباس وعن ابن عمر فيها أنه لم يفرق بين إذا خافت على النفس أو خافت على الولد. إذاً: الحامل والمرضع تفطران فإذا قدرتا على القضاء يلزمهما ذلك، فليسا بأولى من الإنسان المريض والمسافر، فالمرأة الحامل بعد أن تضع وهي ترضع تقدر على الصيام فيلزمها قضاء رمضان، وكذلك المرأة المرضع إذا كانت في رمضان والصيام يمنع اللبن أن ينزل وستتعب تعباً شديداً بسبب ذلك، ج

стр. 109

تلخيص مذاهب العلماء في حكم الحامل والمرضع في الصيام والفطر لخص الإمام النووي مذاهب العلماء في الحامل والمرضع في كتابه المجموع على أربع مذاهب: المذهب الأول: يفطران ويطعمان ولا قضاء عليهما، وهذا ذكرناه عن ابن عمر وعن ابن عباس وأيضاً سعيد بن جبير فيه، وهو أن المرأة الحامل والمرضع التي تخاف على نفسها أو تخاف على الجنين إذا خافتا فأفطرتا فعليهما الإفطار والفدية، فتفدي عن كل يوم بإطعام مسكين، وليس عليها القضاء، وهذا هو القول الأول. المذهب الثاني وهو قول الإمام مالك: يفرق بين الحامل والمرضع، فالحامل تفطر وبعد ذلك عليها القضاء، والمرضع تفطر وتقضي وتفدي، فعلى المرضع كلا الأمرين. المذهب الثالث: قول مجاهد والشافعي وأحمد يفرقون بين أن تخاف المرأة الحامل أو المرضع على النفس أو تخاف على الولد، فإذا خافت على نفسها عليها أن تفطر ثم بعد ذلك تقضي ولا فدية، وإذا خافت على الجنين أو على الولد، فتفطر وعليها القضاء مع الفدية. المذهب الرابع: قول عطاء بن أبي رباح والحسن والزهري والأوزاعي وأصحاب الرأي -يعني: الأحناف-: أنهما يفطران ويقضيان ولا فدية وحكمهما كالمريض وبه قال ابن المنذر، وهو أوجه الأقوال وأقواها، لكون المرأة الحامل أو المرضع مشبهة بالمريض، والمريض يلزمه أن يقضي، فهذه يلزمها القضاء، فإذا تعذر عليها القضاء، لها أن تطعم عن كل يوم مسكيناً ولا يلزمها القضاء، فإذا احتاطت المرأة بذلك وأخذت بقول الشافعي وأحمد ومن قبلهما مجاهد أنها إذا خافت على الجنين أو على الطفل أفطرت ثم قضت وأطعمت فهذا طيب؛ ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ [البقرة:١٨٤]، فيكون من باب التطوع أما أنه واجب، فالراجح أنه لا يجب إلا الصوم، وإذا تعذر ذلك فتطعم مكانه كل يوم مسكيناً.

стр. 110

وجوب صيام رمضان برؤية الهلال لا يجب صوم رمضان إلا برؤية الهلال، فإن غمي عليهم وجب عليهم أن يستكملوا شعبان ثم يصوموا لما روى البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة ﵁، قال: قال النبي ﷺ : (صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غبي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين) وفي لفظ مسلم: (فإن غمي عليكم فأكملوا العدد). إذاً: إذا لم يظهر الهلال نتم شعبان، فإذا كنا في شهر شعبان ولم يظهر رمضان فنكمل شعبان ثلاثين يوماً، ولذلك جاء في رواية أخرى: (لا تقدموا الشهر بيوم ولا بيومين إلا أن يوافق ذلك صوماً كان يصومه أحدكم، صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين ثم أفطروا)، فالألفاظ: (غم)، (غبي)، (غمي)، كلها بمعنى واحد وهو عدم ظهور الهلال لسبب من الأسباب. وجاء في السنن عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تصوموا قبل رمضان، صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته) فلا تصم قبل رمضان احتياطاً. والذي ليس متعوداً على أن يصوم في شعبان ولا في غير شعبان ويأتي ليصوم يوم الشك، ويقول: سوف أصوم هذا اليوم فربما يكون من رمضان فهذا لا يجوز؛ لأن النبي ﷺ يقول: لا تصم احتياطاً لرمضان ولكن إذا ثبتت الرؤيا فصم، (صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته)، وهذا الحديث فيه (فإن حالت دونه غياية -يعني: سحابة- فأكملوا ثلاثين يوماً) يعني: ليس مطلوباً أن نبحث ونفتش وراء السحاب عن الهلال، فإذا ظهر الهلال ثبت الشهر، وإذا لم يظهر الهلال فعلى ذلك (صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته). وفي رواية للنسائي قال ﷺ : (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته وانسكوا لها -أي تعبدوا-، فإن غم عليكم فأكملوا ثلاثين، فإن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا) فيكون الأصل في الرؤيا أن يشهد شاهدان، وهذا في رؤية هلال رمضان أو في غيره، وسيأتي أنه في رمضان يجوز الشاهد الواحد؛ لفعل ابن عمر وأخذ النبي ﷺ بشهادته وحده رضي الله ﵎ عنه. وقوله: (صوموا لرؤيته) هذا يحتمل أن يكون ليلاً أو نهاراً، فإذا كان بالليل فيكون الصوم باليوم الذي يليه، وإذا كان بالنهار فيكون باليوم الذي يليه أيضاً. قال جمهور العلماء في قول النبي ﷺ : (فإن غم عليكم، فاقدروا له) المعنى: احسبوا أول الشهر والرواية الأخرى توضحها (فأتموا عدة شعبان ثلاثين، واحتاطوا لشهر شعبان من أوله)؛ لأنك ستبني صيام رمضان عليه إذا لم تر الهلال، فمعنى (اقدروا له) أي: انظروا في أول الشهر واحسبوا تمام الثلاثين لقوله ﷺ : (فأكملوا العدة ثلاثين). وروى أبو داود من حديث عائشة ﵂: (كان رسول الله ﷺ يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ من غيره، ثم يصوم لرؤية رمضان)، والمعنى أنه كان يهتم برؤية هلال أول شعبان؛ لأنه سيبني عليه رؤية هلال رمضان أو إكمال شعبان ثلاثين. (فإن غم عليه عد ثلاثين) أي: عد ثلاثين من شعبان ثم صام ﷺ .
следующие страницы →