← Акыда

Акыда · id 36988

فتح المجيد شرح كتاب التوحيد - حطيبة

أحمد حطيبة

Полный текст (184 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

تفسير قوله تعالى (ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً) قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وقول الله : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥]، وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (قلت: يا رسول الله: أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله نداً وهو خلقك)). فقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا﴾ [البقرة:١٦٥] أنداد: جمع ند، والند: المثيل والنظير، يعني: جعل لله مقابلاً له يعطيه صفات الله ويعبده من دون الله . وقوله تعالى: ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥] أي: يحبون هؤلاء الأنداد كحب المؤمنين الله ، أو يحبون هؤلاء الأنداد بنفس القدر الذي يحبون به الله . إذاً: فالمشركون وزعوا المحبة التي لا تكون إلا لله بين الله وبين الأصنام والأوثان ومن يعبدونهم من دون الله، فهم قسموا المحبة بين الله سبحانه وبين هؤلاء الذين عبدوهم من دون الله، فكفروا بالله وأشركوا به، والله أغنى الشركاء عن الشرك، لا يقبل هذه المحبة حتى يكون الحب خالصاً له وحده لا شريك له، فيحب الله لأنه الإله الذي يحب، ولا يحب غيره على أنه إله. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥] أي: والذين آمنوا أشد حباً لله من هؤلاء في حبهم لله ولمعبوداتهم من دون الله . وذكر الله جزاء المشركين يوم القيامة، فقال: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ * إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ﴾ [البقرة:١٦٥ - ١٦٦]. فقوله تعالى: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾ [البقرة:١٦٥] أي: لو يروا هذا العذاب العظيم وما يحدث فيه ويحدث منهم، من تبرؤ من هذه الآلهة التي عبدوها من دون الله، وقراءة الجمهور: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾ [البقرة:١٦٥] وقرأها نافع وابن وردان عن أبي جعفر بخلفه، وابن عامر ويعقوب: (ولو ترى) والخطاب للنبي صلى. فقوله تعالى: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾ [البقرة:١٦٥] أي: إذ يرون بأعينهم العذاب، وقرأ ابن عامر: ﴿إِذْ يُرَوْنَ الْعَذَابَ﴾ [البقرة:١٦٥] بضم الياء يعني: يريهم الله هذا العذاب يوم القيامة فيرون أن القوة لله جميعاً، أو على القطع ﴿إِنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ [البقرة:١٦٥]، إذاً: يرون ذلك ويعلمون أن القوة لله جميعاً، أو يقول الله سبحانه في هذا الحال: ﴿إِنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [البقرة:١٦٥] وهذه قراءة أبي جعفر ويعقوب، وبكسر (إن): ﴿إِنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ [البقرة:١٦٥]. ويوم القيامة سيرى المشركون ما كان من أمرهم في الدنيا، وما كان من شركهم بالله سبحانه، فإن الجزاء يوم القيامة، إذ يرون القوة لله وحده لا شريك له، لا قوة لأشياعهم وأتباعهم، ولا قوة لآلهتهم التي عبدوها من دون الله سبحانه، ورأوا أن الله شديد العذاب. قال الله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا﴾ [البقرة:١٦٦] الآلهة والكبراء ﴿مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة:١٦٦] ممن كانوا وراءهم يتبعونهم ويعبدونهم من دون الله، إذاً: تبرأ المتبوعون الذين هم السادة الكبراء والآلهة الباطلة التي عبدت من دون الله سبحانه من الذين اتبعوهم، والذين ساروا وراءهم في الدنيا. وقوله تعالى: ﴿تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ﴾ [البقرة:١٦٦] أي: رأوا عذاب الله ، قال تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ﴾ [الفجر:٢٥] ﴿وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ [الفجر:٢٦]. أي: لا يعذب عذاب الله أحد، ولا يقدر أحد أن يعذب كعذاب الله سبحانه، ولا أن يوثق هؤلاء كما يوثقهم ربهم سبحانه، ويربطهم في نار جهنم والعياذ بالله، فهؤلاء يتبرأون ويقولون لله سبحانه: ﴿تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ [القصص:٦٣] والملائكة الذين عبدوا من دون الله يقولون: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ:٤١]. قال سبحانه: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ﴾ [البقرة:١٦٦]، أي: ما كان في الدنيا من أسباب ومنافع تصل بين الناس، فيتصل الإنسان بالإنسان عن طريق النسب، وعن طريق المصاهرة ومن الأسباب الاحتياج، هذا يحتاج لذاك، وهذا يتقرب من هذا لمنفعة، فيقطع هذا كله يوم القيامة، وتقطعت بهم أسباب المواصلة فلم يعد يتصل بعضهم ببعض يوم القيامة، ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة:١٦٧] أي: التابعون ﴿لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾ [البقرة:١٦٧] أي: لو نرجع ثانياً إلى الدنيا ﴿فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا﴾ [البقرة:١٦٧] أي: لو نحن نرجع مرة أخرى إلى الدنيا ونتبرأ من هؤلاء مثلما تبرأوا منا الآن، ولا مرجع إلى الدنيا مرة ثانية إنما هي مرة واحدة.

стр. 107

من الأمور المبينة لتفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله ومن الأمور المبينة لتفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله آية البقرة في الكفار الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة:١٦٧] براءة الكافر والفاسق يوم القيامة لن تنفعه، أما في الدنيا إذا تبرأ الإنسان من الشرك والمشركين فتنفعه هذه البراءة يوم القيامة، أما في الآخرة فقد مضى الوقت، قال تعالى: ﴿وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ [ص:٣]. قال المصنف رحمه الله تعالى: (ففي الآية: بيان أن من أشرك مع الله تعالى غيره في المحبة فقد جعله شريكاً لله في العبادة، واتخذه نداً من دون الله، وأن ذلك هو الشرك الذي لا يغفره الله، كما قال الله سبحانه: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة:١٦٧]. قال شيخ الإسلام: (فمن رغب إلى غير الله في قضاء حاجة أو تفريج كربة لزم أن يكون محباً له، ومحبته هي الأصل في ذلك)، والمعنى: أن الإنسان لا يرغب إلا إلى الله ، فلما يدعو يقول: يا رب، فإذا رغب إلى غير الله فقد طلب من غير الله ما لا يقدر عليه إلا الله ووقع في الشرك بذلك. يقول ابن القيم ﵀: (فتوحيد المحبوب: أن لا يتعدد محبوبه، أي: مع الله تعالى بعبادته له)، والمقصد هنا: الذي لا يكون إلا لله ، وهو حب يملأ قلب الإنسان، ويفضل ربه سبحانه على ما سواه ولا أحد معه ، ويكون مع هذا الحب الخوف الشديد من الله سبحانه، فالإنسان قد يحب إنساناً في الدنيا ولكن لا يخاف منه، قد يخاف من إنسان ويرعب منه ولكن لا يحبه، لكن جمع كمال الحب مع كمال الخوف والذل، هذا لا يكون إلا لله ، ولو أن الإنسان يخاف من ولي وقيل له: احلف بالله أنك لم تأخذ هذا الشيء، وقال: والله لم آخذ ذلك الشيء، فقيل له: احلف بفلان فخاف من ذلك، فهو يحبه ويخاف منه أن يعاقبه، فهذا مشرك بالله ؛ لأن الحب والخوف لا يكون إلا لله . يقول ابن القيم ﵀: (وتوحيد الحب أن لا يبقى في قلبه بقية حب حتى يبذلها له، فهذا الحب وإن سمي عشقاً فهو غاية صلاح العبد ونعيمه وقرة عينه، وليس لقلبه صلاح ولا نعيم إلا بأن يكون الله ورسوله أحب إليه من كل ما سواهما)، يعني: قوله: وإن سمي عشقاً في كلام أهل الدنيا وإلا فالتأدب مع الله أنه يحب بالألفاظ التي وردت في الكتاب وفي السنة، أما لفظة (عشق) لم تأتِ في القرآن ولا في السنة، فهو لا يقول: إنه قال ذلك عن الله، وإن سمي مثل ذلك، فالأدب مع الله أن لا نقول: غير ما قاله ، فنحن نحب الله، والذين آمنوا يحبون الله سبحانه وهم أشد حباً لله، ولم يقل عشقاً لله سبحانه. يقول ابن القيم ﵀: (وليس لقلبه صلاح ولا نعيم إلا بأن يكون الله ورسوله أحب إليه من كل ما سواهما، وأن تكون محبته لغير الله تابعة لمحبة الله تعالى، فلا يحب إلا لله ولا يحب إلا الله). وفي الحديث الصحيح: (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما) إذاً: لا ينفي أنه يحب غير الله وغير الرسول ﷺ ، فالمحبة موجودة، فهو يحب المؤمنين ويحب أهل الإسلام، ويحب نصر المسلمين، وفي قلبه الحب لأهل الدين، ولكن المقصود هنا: كمال المحبة، وكمال المحبة لا تكون إلا لله وحده ، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، فهو يحب إنساناً لكونه مطيعاً لله، ويحبه لكونه أمر أن يحبه لأنه مسلم، ويحب زوجته؛ لأن الله جعل بينهما مودة ورأفة ورحمة منه سبحانه فيحب على ذلك، فهو يحب ما أحب الله ويحب بحبه لله سبحانه. قال رسول الله ﷺ : (وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار) وهذا من كمال إيمان الإنسان، ومن وجد هذه الثلاثة الأشياء وجد كمال الإيمان وحلاوته. فمن حب الله سبحانه ورسوله صلوات الله وسلامه عليه: أن يحب في الله سبحانه. ومن كمال الإيمان أن يكره الكفر أهله، ويكره أن يرجع إلى الكفر كما يكره أن يقذف في النار، فيجتمع في قلبه الإيمان، ويكون قد ذاق حلاوته. يقول ابن القيم ﵀: (ومحبة رسول الله ﷺ هي من محبة الله تعالى، ومحبة المرء إن كانت لله فهي من محبته)، يعني: لا مانع أن يحب الناس، لكن يحب الناس حباً في الله سبحانه؛ لأنه أمر بذلك شرعاً، قال: (ويصدق هذه المحبة بأن تكون كراهيته لأبغض الأشياء إلى محبوبه وهو الكفر)، يعني: يكره ما يكرهه الله، وأبغض الأشياء إلى الله الكفر وأهله، كذلك المؤمن يكره هذا الذي هو بغيض عند الله . يقول ﵀: (ويصدق هذه المحبة بأن تكون كراهيته لأبغض الأشياء إلى محبوبه وهو الكفر بمنزلة كراهيته لإلقائه في النار أو أشد، ولا ريب أن هذا من أعظم المحبة). ثم قال: (وهي محبة تقتضي تقديم المحبوب فيها) أي: الذي تحبه لله تقدمه على كل شيء، إلى آخر كلامه ﵀. قال المصنف رحمه الله تعالى: (وفي الصحيحين (عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قلت يا رسول الله: أي الذنب أعظم؟)) أعظم الذنوب: الشرك بالله سبحانه، (قال: أن تجعل لله نداً وهو خلقك)، يعني: والحال أنه قد خلقه، فكيف يكون ذلك؟! الله يخلق والله يرزق ثم تجعل له نداً في ذلك، فهذا من أعظم الذنوب التي يقع فيها الإنسان.

стр. 108

حرمة الأموال والدماء بكلمة التوحيد والكفر بما يعبد من دون الله قال المصنف رحمه الله تعالى: وفي الصحيح يعني: في صحيح مسلم: (من قال لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله، حرم ماله ودمه وحسابه على الله ، أنت تقول: لا إله إلا الله، يعني: لا أعبد إلا الله ، فحصرت هذه العبادة أنها لا تكون إلا له وحده لا شريك له، والله يقول: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة:٢٥٦] فهما متلازمان، يتلازم حبك لله مع بغضك للشرك بالله والكفر به ، ويتلازم إيمانك بالله مع كفرك بالطاغوت، وبكل ما يعبد من دون الله ، والنبي ﷺ يؤكد هذا المعنى فيقول: (من قال لا إله إلا الله وكفر ما يعبد من دون الله) فعبد الله وحده لا شريك له، وقال: لا إله إلا الله محمد رسول الله ﷺ ودخل في هذا الدين (حرم ماله ودمه وحسابه على الله). وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة قال النبي ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به، فإذا فعلوا عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله)، فالأصل أن يأتي الإنسان بكلمة التوحيد فيعصم دمه ويعصم ماله، ومن قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وشهد للنبي ﷺ بالرسالة بهذه الكلمة دخل في هذا الدين، ولما دخل في هذا الدين نقول: عصم دمه وعصم ماله، إلا إذا ترك الصلاة وترك الزكاة وترك ما أمر الله به؛ لقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة:٥] ويقول أيضاً: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة:١١]. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله)، وفي الصحيحين عن ابن عمر ﵄ قال رسول الله ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله). إذاً: للدخول في الإسلام لا بد من قول: لا إله إلا الله، محمد رسول الله ﷺ ، والإقرار بما جاء من عند الله ، واليقين بذلك، الإتيان بشروط لا إله إلا الله المعروفة: العلم واليقين والقبول والانقياد والصدق والإخلاص والمحبة، وتارك الصلاة يعاقب، ولو وصل الأمر للمقاتلة؛ لكونه ترك أمراً من أمور الدين التي فرضها الله ، كما قاتل الصحابة مانعي الزكاة، وسموهم مرتدين، وإن لم يكونوا كلهم مرتدين، فمن مانعي الزكاة من ارتد وجحد هذه الزكاة فهذا مرتد، ومنهم من قاتل ورفض أن يدفعها تأولاً منه أن الزكاة كان يقبلها النبي ﷺ ، والذين مكان النبي ﷺ ليسوا مثله، فعلى ذلك لا نعطيها لهم، أو أنهم شحوا بها وبخلوا، أو أنهم قالوا: إن النبي ﷺ في وجوده كان يصلي علينا، قال تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة:١٠٣]، وهؤلاء ليسوا مثل النبي ﷺ ، ولكن الصحابة قاتلوا الجميع، وسموا هذا القتال: قتال المرتدين، باعتبار أن البعض كانوا مرتدين، ولكن ليس الجميع، فمن بخل بالزكاة ليس كافراً، والذي تكاسل عن الصلاة اختلف العلماء فيه، هل هو كافر أم ليس كافراً، والذي جحد الصلاة ورفض أن يصلي وقوتل وفضل أن يقتل على أن يصلي فهذا لا يظن به الإيمان، لكن من ترك الصلاة يؤتى به ويعذر على ذلك ويحبس، فإن صلى وإلا قتل على تركه للصلاة. فالإسلام يعصم الدماء ويعصم الأموال إلا بالحق. إذاً: فهذا مسلم معصوم الدم، لكنه تارك للصلاة، فيؤمر بالصلاة، فإن صلى وإلا قتل؛ لأنه ليس معصوماً الدم الآن إذا ترك هذه الصلاة وأصر على تركها، كذلك الزكاة يؤمر بإيتاء الزكاة، وتركه للزكاة وهو مقر بها ليس معناه أن هذا الإنسان كافرٌ أو خارج من الدين، ولكن كونه يمنع ويقاتل عليها فهذا يشكك في إسلامه، فإذا كان يرفض دفع الزكاة ويقاتل وهو يرفض دفعها ويظن أن من حقه أن يمنعها أو أنها ليست فريضة فرضها الله سبحانه فهو كافر، لكن إذا كان الإنسان منعها تكاسلاً أو بخلاً وشحاً فهذا تؤخذ منه الزكاة ويعزر على ذلك وليس كافراً. كذلك في أمر الصلاة إذا كان متكاسلاً عنها، فالراجح: أنه ليس كافراً كفراً مخرجاً من الملة إلا أن ينكر الصلاة ويجحدها، لكن للحاكم أن يعزر هذا الإنسان، وقد يصل به الأمر إلى أن يقتل تارك الصلاة والمانع للزكاة. قال المصنف رحمه الله تعالى: (وهذا من أعظم ما يبين معنى لا إله إلا الله، فإنه لم يجعل التلفظ بها عاصماً للدم والمال، بل ولا معرفة معناها مع لفظها، بل ولا الإقرار بذلك، بل ولا كونه لا يدعو إلا الله وحده لا شريك له، بل لا يحرم ماله ودمه حتى يضيف إلى ذلك الكفر بما يعبد من دون الله)، يعني: يقول: لا إله إلا الله، ويصاحبه الكفر بالطاغوت، والكفر بالمعبودات من دون الله، فإذا عبد الله، وتوسل ودعا ورجا وخاف من غير الله فيما لا يكون إلا لله فقد أشرك بالله ، فقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ [البقرة:٢٥٦]، فالإيمان بالله وتوحيده يلازمه الكفر بالأصنام وبكل ما يعبد من دون الله . يقول: (حتى يضيف إلى ذلك الكفر بما يعبد من دون الله فإن شك أو تردد). ولا بد من هذا القيد؛ لأنه ليس لازماً أن يقول: لا إله إلا الله وأنا أكفر بما يعبد من دون الله، فلم يأت عن النبي ﷺ أنه أمر أحداً أن يقول ذلك، فأنت تقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، والآية تقول: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ [البقرة:٢٥٦] فهذا مقتضى قول لا إله إلا الله، أي: إذا قال ذلك فاللازم له أنه يكفر بالطاغوت، إلا أن يصرح بخلاف ذلك، أي: يقول: لا إله إلا الله وهو يعبد من دون الله كذا وكذا، إذاً: فهذا لم يكفر بالطاغوت. وهذا هو الشرط المصحح لقوله: لا إله إلا الله، فلا يصح قولها بدون هذه الخمس التي ذكرها المصنف ﵀ أصلاً، قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٣]، وقال: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة:٥] فأمر بقتالهم حتى يتوبوا من الشرك، ويخلصوا أعمالهم لله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإن أبوا ذلك أو بعضه قوتلوا إجماعاً، ولكن لم يكفروا إجماعاً، فهم يقاتلون على ترك الصلاة، ولابد أن يفرق بين من يعترف بها ويتكاسل عنها وبين من يجحدها، فالذي يجحدها لم يدخل في دين الله ؛ لأن الله أمر بها، وهذا من المقطوع بعلمه في الدين، كذلك الزكاة، ولكن إن دخل في الإسلام وأقر بالصلاة وبالزكاة ولكنه تكاسل عن هذا أو ذاك لا يكفر بمجرد ذلك، ولكن يعزر ويحبس حتى يفعل ما أمر الله به. إذاً: فكلمة لا إله إلا الله وحدها تدخل الإنسان في دين الإسلام، فإذا ترك شيئاً مما جاء وعلم من الدين بالضرورة مستحلاً للترك، وأنه من حقه أن يشرع، ولا يريد هذا الذي أمر الله به، فهذا من الكفر، أما إذا هو مقر بذلك، موقن أنه من عند الله ولكنه متكاسل، فالراجح: أنه ليس كافراً خارجاً من الملة على ذلك، والله أعلم.

стр. 109

الأسئلة

стр. 110

تقسيم الميراث بين بعض الورثة دون آخرين السؤال هل يجوز لامرأة أن تعطي أساورها الذهبية لبناتها بالتساوي حتى لا يرث أحد معهن، وهي ليس لها أبناء رجال، ولكن لها زوج؟ الجواب هذه النية خطأ وخطر على الإنسان، أي: نية أن يعطي الميراث في حياته حتى لا يورث بعد حياته، فهذا غير جائز، ولكن العطية في غير مرض الموت تجوز للمرأة ويجوز للرجل، فلا بأس أن يعطي أولاده ويسوي بينهما، هذا أمر جائز، فالنبي ﷺ في قصة النعمان بن بشير لما أراد أن ينفل ابنه نفله، فامرأته قالت: أشهد النبي ﷺ ، فذهب يشهد النبي ﷺ على ذلك، فقال له النبي ﷺ : (ألك ولد غيره؟ قال: نعم، قال: أكل ولدك أعطيت؟) والزوجة لم تدخل في العطية، قال: (أكل ولدك أعطيت؟ قال: لا، قال: أتحب أن يكونوا لك في البر سواء؟ قال: نعم، قال: فاعدل بينهم) وقال: (لا تشهدني على جور) فالنبي ﷺ سمى ذلك جورا، فيجوز للرجل أن يعطي عطية لأولاده في حياته وهذا شيء جائز، وكذلك المرأة لبناتها فهذا جائز، لكن بغير هذه النية، أي: نية الحرمان من الميراث، يعني: لا تكون نيتها أن كل ميراثها من الذهب الذي معها تعطيه للبنات حتى لا يأخذ الزوج شيئاً منه فهذا غير جائز، لكن إن أعطت أشياء وتركت أشياء بغير هذه النية، أي: بقصد العطية للأولاد فهذا جائز، إلا أن يكون في مرض الوفاة.

стр. 111

كيفية استشعار مراقبة الله والشعور بالخوف والحياء منه سبحانه السؤال كيف أستشعر مراقبة الله ، يعني: الشعور بالخوف والحياء اللذين بمثابة الحاجز القوي الذي لا يمكن تخطيه وتجاوزه بالوقوع فيما حرم الله؟ الجواب يستشعر الإنسان مراقبة الله سبحانه بما ذكره والنبي ﷺ بقوله: (صلِّ صلاة مودع)، أي: يظن أن لا يصلي غيرها، إذاً: وأنت تصلي تظن أنك لن تصلي صلاة ثانية، وتراقب الله كأنه أمامك، وكأنك تنظر إليه أمامك، فلو أنك في عمل والمدير واقف أمامك، ستتقن العمل؛ لأنك تخاف من هذا المدير، ولله المثل الأعلى، فلو استشعرت أنك واقف أمام الله الذي سيحاسبك على هذا الذي تفعل، فأنت مراقب لله، ومراقبة الله: دوام التذكر أن الله يراك، وأنه يقدر عليك، وأنه سيحاسبك، وكلما عمل الإنسان شيئاً كلما تلفظ بقول من الأقوال، وكلما استحضر ذلك استحضر مراقبة الله سبحانه، وإذا استحضرت ذلك استحييت من الله؛ لأنك تعلم أنه يقدر عليك، وأن الله يملي للإنسان فإذا أصر على ذلك أخذه أخذ عزيز مقتدر ، فتستشعر الخوف من الله والحياء منه .

стр. 112

حكم القول: عزمت عليك بما عليك السؤال في قول عائشة ﵂: عزمت عليك بما لي عليك من الحق، يقول السائل: هل هذه الكلمة تعني: حلفتك، وهل هذا من الحلف بغير الله، وهو الحلف بحق الشخص؟ الجواب كلمة عزمت عليك تأتي بمعنى الحلف، فإذا قال: عزمت عليك بالله فهو حلف بالله ، وإذا قال: عزمت عليك فقط، رجعت إلى نية الإنسان، أي: هل مراده الحلق بالله أم ليس حلفاً؟ يعني: حسب ما يقصده الحالف وهذه الكلمة جاءت كثيراً في كلام الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، فهنا في قصة السيدة عائشة ﵂ قالتها لـ فاطمة ﵂، كما في الحديث الذي رواه البخاري عن عائشة ﵂: لما توفي النبي ﷺ ، قالت للسيدة فاطمة ﵂: عزمت عليك بما لي عليك من الحق لما أخبرتني، كأنها تقصد حلفت عليك بالله ، وشددت عليك في هذا القسم ولي عليك من الحق أن تبري يميني، فهذا حق الإنسان المسلم. إذاً: فالحلف هنا ليس بغير الله سبحانه، وإنما هو بالله ، فكأن السيدة عائشة تحلف، وتعني بـ: عزمت، أقسمت عليك بما لي عليك من الحق فافعلي، إذاً: من حقوق المسلم على المسلم أن يعوده إذا مرض، وأن يشيع جنازته إذا مات، وأن يبره إذا أقسم.

стр. 113

رحمة الله الواسعة السؤال في الحلقة الماضية قلت: لا إله إلا الله لها سبعة شروط من حققها دخل الجنة وقلت: سيأتي يوم القيامة إنسان بتسع وتسعين صحيفة مد البصر كلها معاصٍ لم يعمل خيراً قط، فيقول: لا إله إلا الله وتتطاير الصحف ويربح، فلماذا دخل الجنة على الرغم من أنه لم يعمل خيراً قط؟ الجواب أذكرك بحديث النبي ﷺ الذي ذكر فيه أن إنساناً كان عابداً لله سبحانه، وآخر كان عاصياً لله سبحانه، هذا عابد طيلة عمره، وذاك عاصٍ طيلة عمره، فالعابد يمر على العاصي ويقول: اتق الله، اتق الله، ولا يزال يقول له ذلك حتى قال له العاصي مرة من المرات: دعني وربي، ما أرسلت علي بوكيل دعني وربي، فلما قال ذلك قال العابد: والله لا يغفر الله لك، فقال الله : (من هذا الذي يتألى علي أن لا أغفر له! قد غفرت له وأدخلتك النار). فلا يسأل الله عما يفعل سبحانه، قال تعالى: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣] فلابد من التأدب مع الله . والحديث الذي عند الترمذي ورواه ابن ماجة وفيه: (أن الله سيخلص رجلاً من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة فينشر عليه تسعة وتسعين سجلاً، كل سجل مثل مد البصر، ثم يقول: أتنكر من هذا شيئاً؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا رب، فيقول: أفلك عذر؟ فيقول: لا يا رب، فيقول: بلى إن لك عندنا حسنة فإنه لا ظلم عليك اليوم، فتخرج بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، فيقول: أحضر وزنك، فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فقال: إنك لا تظلم، فتوضع السجلات في كفه والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات وثقلت البطاقة، فلا يثقل مع اسم الله شيء). فرحمة ربي العظيم عظيمة، ومع ذلك أخبرنا في الحديث أن من المؤمنين من يدخل النار قال النبي ﷺ : (لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له ثغاء) أو كما قال ﷺ ، فذكر البعير وذكر الشاة، وذكر الفرس، وذكر الإنسان، وذكر الرقاع، وذكر الصامت: الذهب أو الفضة، فيقول: (يا رسول الله أغثني، فأقول لا أملك لكم شيئاً قد بلغتكم) فهؤلاء الذين جاءوا يحملون هذه المظالم ويدخلون بها النار، لم يكونوا يقولون: لا إله إلا الله صدقاً، فهناك فرق بين هذا الإنسان الذي قال: لا إله إلا الله بعلم ويقين، وإقرار وصدق ومحبة فيغفر له بذلك ما كان من ذنوبه، وبين من قالها بغير توفر شروطها، والله أعلم من يستحق الجنة ممن قال: لا إله إلا الله ومن يستحق النار من أهل لا إله إلا الله، وفي رواية ل ابن ماجة قال: (فينشر له تسعة وتسعون سجلاً، كل سجل مد البصر، ثم يقول الله : هل تنكر من هذا شيئاً؟ فيقول: يا رب لا، فيقول: أظلمتك كتبتي الحافظون؟ ثم يقول: ألك عن ذلك حسنة؟ فيهاب الرجل)، فالرجل يخاف يوم القيامة، فأعماله في تسعة وتسعين سجلاً، ولم يقل: كلها معاصٍ وكبائر، ولكن سجلات الإنسان يُكتب فيها كل ما فعله من مباح ومكروه وحرام وطاعات، فيها كل ما فعل الإنسان، فكأن هذا الإنسان عرضت عليه السجلات فكانت مليئة بالسيئات ولم يقل: لم تكن له حسنة قط، حتى الإنسان الذي جاء به ربه سبحانه وقال: أعملت خيراً قط؟ قال: لا، قال أهل العلم: من الدهشة والحيرة نسي، وإلا فالله قد ذكره أنه عمل حسنة في يوم من الأيام، (أنه كان يبايع الناس فينظر الإنسان الموسر ويتجاوز عن المعسر، فالله قال: نحن أحق بذلك منك فتجاوز عنه)، ومع ذلك قال الرجل: إنه لم يعمل حسنة ولم يعمل خيراً قط؟ فهنا لم يعمل خيراً قط في ظنه، إذْ نسي مع الدهشة والخوف، ولفظ الحديث قال: (سيخلص رجلاً من أمتي) هذه رواية الترمذي، ورواية ابن ماجة: (يصاح برجل من أمتي) فيخاف الإنسان ويفزع لما يصاح وينادى به أمام الخلائق، وتعرض أمامه السجلات ولا يعرف شيئاً، ويظن أنها كلها سيئات، والإنسان إذا نظر في الدنيا أنه عصى الله ، وجيء به يوم القيامة وتذكر ذلك، ذهب وهله، وذهب ذهنه، وذهبت ذاكرته، فلا يتذكر خيراً فعله، مع كونه أمام رب العالمين ، فهنا الإنسان الذي أتى بكلمة لا إله إلا الله مخلصاً من قلبه مقراً موقناً بها محباً لها ولأهلها، محباً لله ، راضياً بدينه، مخلصاً في عمله، هذا تنفعه فهذا الكلمة يوم القيامة حتى وإن أتى بمعاصٍ كثيرة. نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. وصل اللهم وسلم على محمد وآله وصحابته أجمعين.

стр. 114

شرح كتاب فتح المجيد - من الشرك لبس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه من أنواع الشرك لبس الحلقة والخيط والرقى والتمائم، وهذا الشرك قد يكون أكبر وقد يكون أصغر، بحسب ما يكون في قلب اللابس لذلك، وقد جاءت الأدلة الكثيرة على النهي عن ذلك والزجر عنه، صيانةً للتوحيد، وحفظاً لجنابه.

стр. 115

حكم لبس الحلقة والخيط والرقى والتمائم

стр. 116

العلة من تحريم تعليق الحلقة والخيط الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. الباب السادس في كتاب التوحيد وهو: [باب من الشرك لبس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه. وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر:٣٨]. وعن عمران بن حصين ﵁: (أن النبي ﷺ رأى رجلاً في يده حلقة من صفر، فقال: ما هذه؟ قال: من الواهنة، فقال: انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهناً، فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبداً)، رواه أحمد بسند لا بأس به]. هذا الباب هو: (من الشرك لبس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه)، أي: أن يظن الإنسان أنه إذا وضع شيئاً من حجر أو نحوه في يده أو على مكان في جسده به مرض أن هذا الشيء يكشف هذا المرض، وقد يقول: إنه ليس هو الذي يكشف هذا المرض ولكن الله الذي يكشف هذا المرض، فيتعلق بهذه الحلقة أو بهذا الخيط الذي وضعه، وهذا من الشرك بالله ، وإذا أخذ شيئاً وهو يعلم أنه لا ينفع ولا يضر فيجعله على مكان الألم يظن أنه ينفعه فهو من الشرك كذلك. أما تداوي الإنسان بالأدوية التي جعلها الله أسباباً للشفاء فليس من هذا الباب، فإذا علق إنسان خرطوماً على يده يعتقد أنه يأتي له بالحظ أو ينفعه في المرض الذي هو فيه، فهذا لا ينفع ولا يضر وهو من الشرك، لكن لو علقوا له خرطوماً فيه محلولاً ووصلوه بالوريد، فالظاهر أن هذا خرطوم وذاك خرطوم، وهذا متعلق وذاك متعلق، ولكن الأسباب التي أجراها الله : أن هذا فيه شفاء بإذن رب العالمين وفيه دواء معلوم، أما ذاك الآخر فهو وهم من الإنسان، فيعتقد شيئاً لا يكون حقيقة، كذلك حين يلف إنسان خرقة على يده ويعتقد أن هذه الخرقة تنفع أو تضر. فهذا من الشرك. كذلك لو أن إنساناً أصيبت يده فوضع حولها الشاش والقطن. فهذه خرقة كالأولى، لكن الأولى كانت من الشرك لاعتقاده أنها تنفع وتضر، وأما الثانية فاعتقاده فيها أنها سبب جعله الله مداواة للجرح، وأجرى العادة على أنها تنفع إذا وضعها بهذه الطريقة، وهو أن يلف الجبس على رجله. ففرق بين ما أجرى الله به العادة أنه ينفع تطبباً، وبين ما لم تجر العادة بذلك، فيعتقد الإنسان أنه ينفع ويضر، وهو من الشرك بالله ، كمن لبس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه. فإذا كان يعتقد أنه إذا وضع ذلك في هذا المكان أن الله سيرفع البلاء، وقد كان أجرى الأسباب أن هذا يرفع البلاء بإذن الله لم يكن شركاً بالعادة التي أجراها الله لذلك، مثل الجبس الذي يلفه على يده. وإذا أخذ وتراً قديماً كان على بعير أو قوساً وأراد أن يعلقه على البعير معتقداً أن هذا الوتر سيمنع المرض عن هذا البعير فهذا ليس من التطبب وليس دواءً، وقد يزعم أن هذا الشيء يرفع المرض ولكن لم يأذن الله بذلك الشيء أن يكون سبباً في رفع المرض قبل ذلك، وقد يكون من وراء ذلك اعتقاد آخر وهو أن هذا الشيء القديم سيجذب الجن حتى يأتوا لشفاء هذا المريض، سواء أظهر ذلك الاعتقاد أو أخفاه. كما يعتقد بعض الناس فيما يعلقه من تمائم وغيرها أن الجن يعينونه أو يصرفون عنه الضر، وهذا أشرك بالله؛ لأنه اعتقد أن غير الله ينفع مع الله، أو يرفع البأس مع الله سبحانه، وقد لا يكون البلاء موجوداً ولكنه علق حلقة من أجل أن تمنعه مما يأتي، وكما يحصل من بعض الناس إذا اشترى بيتاً جديداً فإنه يذبح خروفاً على عتبة البيت، ويعتقد أن الدم الذي يسيل من الخروف هو قربان للجن حتى لا يؤذونه في يوم من الأيام، وقد لا يعتقد ذلك، ولكنه يقلد من يفعل هذا الشيء بزعم أن هذا ينفع أو يضر، وهذا من الشرك بالله ﵎.

стр. 117

وجوب اعتقاد أن النفع والضر بيد الله قول الله تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر:٣٨]، هذه الآية يذكر الله فيها أن الذي ينفع ويضر هو الله، ولا شيء ينفع ويضر مع الله ﵎. وهذه الآلهة والأصنام التي عبدوها من دون الله سبحانه إذا سئلوا عنها قال أهل الجاهلية: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله، أي: إن أصل عبادتنا لله، ولكن هذه وسائط بيننا وبينه، وهم بهذا اتخذوا وسائط لم يأمر الله بها، فهم يعتقدون أنها ستقربهم من الله ، وكأنهم اتخذوها شريكاً لله مع علمهم بأنها لا تنفع نفسها أو تضرها فضلاً عن غيرها. ((قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ)) متعجباً من هؤلاء وما يعبدون: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر:٣٨]، أي: أن هذه الأصنام والآلهة التي يعبدونها من دون الله لا تنفع ولا تضر، وقوله: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾ [الزمر:٣٨] هذه قراءة الجمهور، وقراءة البصريين أبي عمرو ويعقوب ((هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتٌ ضُرَّه)) أي: هل تقدر أن تكشف الضر الذي يريده الله بعبده؟ و الجواب لا: ﴿أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾ [الزمر:٣٨]، وأيضاً فيها قراءتان: ((هل هن ممسكات رحمَتِهِ))، و ((هل هن ممسكات رَحْمَتَهَ)) أي: هل يقدرن على أن يمسكن رحمة الله سبحانه ويمنعنها؟ ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر:٣٨] أي: الله هو الذي يكفيني ﴿عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر:٣٨] أي: أنا من المتوكلين على الله، والله يتوكل عليه كل متوكل ويعتمد عليه وحده في إصلاح شأنه وفي نفعه.

стр. 118

حجة أهل الجاهلية في عبادة آلهتهم يقول مقاتل في معنى هذه الآية فسألهم النبي ﷺ فسكتوا: أي: أنهم لا يعتقدون ذلك فيها. يعني: لما أمر الله أن يسألهم عن ذلك، فلم يقدروا على الجواب إلا أن يقولوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣]؛ لأنهم لا يعتقدون أنها تنفع أو تضر، ولكن يقولون: إنها تقربهم من الله، فهي واسطة بينهم وبين الله بزعمهم. يقول الله سبحانه: ﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ [النحل:٥٣]، أي: أن أهل الجاهلية في وقت الرخاء ونزول الخير يدعون غير الله ويتقربون إلى الآلهة، فإذا مسهم الضر لجئوا إلى الله وجأروا إليه، قال سبحانه: ﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ [النحل:٥٣] يجأر أي: يرفع صوته بالاستغاثة بالله ، ويطلب منه أن يكشف عنه الضر. ﴿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ [النحل:٥٤] أي: بعد أن يرتفع عنهم هذا الضر بفضل الله يرجع فريق منهم إلى الإشراك بالله سبحانه.

стр. 119

آثار الشرك على صاحبه ذكر المصنف في الباب عن عمران بن حصين ﵁: (أن النبي ﷺ رأى رجلاً في يده حلقة من صفر)، والصفر: النحاس، فقال: (ويحك ما هذه؟ قال: من الواهنة، قال: انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهناً، فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبداً)، الحديث معناه صحيح لكن إسناده ضعيف، فهو من رواية الحسن عن عمران، وقد قالوا: إن الحسن لم يسمع من عمران، وإن أثبت الإمام الحاكم أنه سمع منه، لكن في إسناده أيضاً مبارك بن فضالة، وهو إن كان صدوقاً لكنه يدلس ويسوي، والتسوية شر أنواع التدليس، فالحديث ضعيف حتى ولو كان الحسن سمعه من عمران، وقد ساق إسناد هذا الحديث قال الإمام أحمد: حدثنا خلف بن الوليد حدثنا المبارك -وهو مبارك بن فضالة - عن الحسن قال: أخبرني عمران، وفي هذه الرواية أن الحسن سمع من عمران، وإن كان لم يسمع الأحاديث التي يرويها عن عمران أو عبادة أو غيره. لكنه سمع منهم بعض الأحاديث، وبعضها دلسها عنهم، فالأحاديث التي سمعها منهم يقول فيها: أخبرني ولكن قوله أخبرني لا تنفع في هذا الحديث؛ لأن الراوي هو مبارك بن فضالة ومبارك كان مدلساً شر أنواع التدليس وهو تدليس التسوية، وقد عنعن هنا في روايته عن الحسن وهذا هو سبب ضعف الحديث. ومعنى الحديث: أنه لو مات وعليه هذه الحلقة وهو يعتقد أنها تنفع وتضر مع الله ﵎ فقد أشرك بالله، ولا يفلح المشرك إذا لقي الله ، والله يقول: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك)، (من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه)، ويقول لنا في القرآن: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، وكأنه يريد أن يقول: ينبغي على الإنسان المؤمن أن يحافظ على عبادة الله سبحانه وتوحيده، وأن يلجأ إلى الله وليس إلى غيره.

стр. 120

الله الحافظ والمعين وكان النبي ﷺ يعلم ذلك حتى الصغار من أصحابه، ففي الحديث الذي رواه الترمذي عن ابن عباس ﵁ يقول: (كنت خلف رسول الله ﷺ يوماً فقال: يا غلام إني أعلمك كلمات، احفظ الله يحفظك)، وفي رواية عند أحمد قال: (يا غلام أو يا غليم ألا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن؟ فقلت: بلى)، يا غليم تصغير له، فقد كان صغيراً ﵁، والغلام: هو الصبي الذي كاد يبلغ، وهو المراهق الذي راهق الحلم، وكان عمره حين توفي النبي ﷺ ثلاث عشرة سنة، وهذا يدل على أنه كان صبياً ﵁ حين قال له النبي ﷺ ذلك. وكأنه ﷺ يعلم المسلمين أن يعلموا أولادهم التوحيد فيشب الصغير وهو يعرف توحيد الله سبحانه ولا يشرك به شيئاً. قال في رواية الترمذي: (احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك)، ومعنى: حفظك لله أي: حفظك لدين الله ولأوامره ونواهيه وذلك بفعل الأوامر وترك المناهي، وأن تخاف من الله ، فأنت حينئذ حافظ لكتابه ولسنة نبيك ﷺ ، ومحافظ على دينك، فالله يحفظك ويحافظ عليك، ومعنى: (احفظ الله تجده تجاهك)، أي: في كل مأزق وفي كل شيء صعب وقعت فيه تجد الله معك يحفظك، (إذا سألت فاسأل الله)، هنا يعلمه التوحيد، وأن يدعو الله ولا يدعو أحداً سواه، قال: (وإذا استعنت فاستعن بالله)، أي: اعتقد أن الذي ينفعك ويعينك هو الله سبحانه، ولم ينف أن يستعين الإنسان بغيره فيما لا يقدر عليه، فالمؤمن يجعل الله وكيله ويكون اعتماده كله عليه سبحانه، ولا يمنع أن يجعل وكيلاً له من الناس يقوم ببعض حوائجه، فهذا معنى وذاك معنى آخر، فالوكالة في الدنيا: أن يقيم الإنسان شخصاً نائباً عنه في أمر يقدر عليه أو لا يقدر، فالوكالة مبناها على النيابة والأمانة، مع الاعتقاد أنه إذا طلب من الناس أن يعينوه في حمل شيء أو تيسير شيء من الأمور أنهم أسباب وأن الذي يفعل ذلك هو الله ، وهو الذي يقدر الجميع على ذلك، فهو نعم الوكيل، ونعم الناصر، وهو الذي يقدر الأقدار، ولا نافع ينفع معه ولا ضار يضر معه سبحانه، إذا اعتقد ذلك فلا مانع أن يستعين بالناس فيما سخر الله بعضهم لبعض، وفيما جعل الله فيه بعضهم لبعض سخرياً، ولابد من الاعتقاد كذلك أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأن العبد إذا أراد شيئاً والله لا يريده فإنه لن يكون، وإذا أراده الله يسره به أو بغيره، فنتيجة أي عمل يقوم به العبد الله هو الذي يملكها وحده لا شريك له.

стр. 121

قدرة الله فوق كل قدرة يقول النبي ﷺ : (واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك)، فالنبي ﷺ حين يجيش الجيوش لقتال الكفار في سبيل الله كان يعتقد بقول الله سبحانه: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧] فعلى المؤمن أن يأخذ بالأسباب في نصرة دين الله وبجمع المؤمنين للجهاد في سبيل الله، ولكن لابد من الاعتقاد أن النصر من عند الله وليس بأيدي هؤلاء. لذلك كان النبي ﷺ يصحح مفاهيم الصحابة حين يخطئ بعضهم في الفهم مثل سيدنا سعد بن أبي وقاص ﵁ حين ظن أنه من الأقوياء، وحين ظن أن الأقوياء من الصحابة فضل في القتال في سبيل الله ، فطلب من النبي ﷺ سيفاً شديداً قوياً وقال: أعطني هذا السيف، لعلك تعطيه من لا يبلي بلائي، فقال له النبي ﷺ : (اذهب فضعه من حيث أخذته)، فلما ظن سعد أن له قوة وأن له عاملاً من عوامل النصر قال النبي ﷺ : (وهل تنصرون إلا بضعفائكم)، فهل هنا بمعنى النفي، أي: ما تنصرون إلا بضعفائكم. وربما يقول قائل: إن القوي هو الذي يقاتل ويقهر عدوه، ولكن الحديث يقول غير ذلك، وهو أنكم إنما تنصرون بالضعفاء، فالضعيف في وقت القتال أشد الناس دعاءً لله وتضرعاً واستغاثة به سبحانه، فيأتي النصر مع دعاء هذا الضعيف، ويكون هذا النصر في الأصل من عند الله سبحانه القائل: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٢٦]، فينبغي على المسلمين أن يأخذوا بالأسباب ويجمعوا الجموع للجهاد في سبيل الله، وأن يعتقدوا أن هذه الأسباب التي يسر الله لهم النصر بها، ليست وحدها النصر إنما النصر من عند الله : ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧]. قال النبي ﷺ : (ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك)، أي: لو اجتمع الناس أن يضروا إنساناً ما قدروا إلا بشيء قد قدره الله، فينبغي على الإنسان ألا يتحسر ولا يغضب ويقول: لو كان كذا لكان كذا، فالله قد قدر له هذا الشيء أن يكون فما عليه إلا أن يرد أمره إلى الله سبحانه ويصبر على ما ابتلاه الله به، وليعلم أن هذا من قدر الله سبحانه، وما كان ليفر من هذا القدر أبداً.

стр. 122

النجاة في الاعتصام بحبل الله قال ﷺ : (رفعت الأقلام وجفت الصحف)، (رفعت الأقلام)، يعني: على ما انتهى من علم الله ، وهو أن فلاناً يعيش قدر كذا، ويموت في يوم كذا، ويفعل كذا وكذا، فكل شيء هو فاعله إلى أن يموت قد كتب عند الله في اللوح المحفوظ، و (جفت الصحف)، أي: بما هو كائن ومكتوب، فما سيفعله ويقوله كله مكتوب عند الله لن يزداد في قوله ولا عمله شيء فوق ما كتبه الله سبحانه في كتابه. وفي رواية أخرى للإمام أحمد بسند حسن، قال النبي ﷺ : (احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك)، وفي الرواية الأولى: (تجده تجاهك)، والمعنى واحد، (تعرف إليه في الرخاء يعرفك في الشدة)، فالنبي ﷺ يعلم الصبي الصغير أن يتعرف إلى الله في الرخاء وقد جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا سرك أن يستجاب لك في البلاء فأكثر من الدعاء في الرخاء)، رواه الترمذي وصححه الشيخ الألباني ﵀، وفيه أنك إذا أحببت أن يستجيب الله لك عندما تنزل بك بلية أو مصيبة فأكثر من الدعاء وعود لسانك عليه في وقت رخائك، ولا تتركه أبداً لا في رخاء ولا بلاء، فإذا كنت على ذلك فالله يستجيب لك. وهذا معنى قول النبي ﷺ لـ ابن عباس: (تعرف إليه في الرخاء يعرفك في الشدة)، أي: تعرف إلى الله في الرخاء والله يعرفك في كل وقت، ومعنى المعرفة هنا: أنك في الرخاء إذا أكثرت من الطلب والعبادة ففي وقت شدتك لا يتركك الله ترك المنسي، ولن يعاملك معاملة المنسيين، فعندما ترفع يدك تدعو ربك سبحانه فإن الملائكة تعرف ما تصنعه فتدعو لك، ويعرف الله لك صنيعك في وقت الشدة فيعطيك. قال: (وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، قد جف القلم بما هو كائن)، أي: كل ما ستفعله حتى تلقى الله مكتوب عند الله ، ومن المستحيل أن يزاد في ذلك؛ لأن علم الله لا يتغير. فلو أن الخلق كلهم جميعاً أرادوا أن ينفعوك بشيء لم يكتبه الله لك لم يقدروا عليه، فالذي كتبه الله لك هو الذي يصيبك فلا تبتئس إذا لم يأتك الشيء الذي تتمناه، وكم رأينا من أناس يتمنون بقاء الشيء، ويكتب شكاوى وطلبات والتماسات من أجل حاجة يريدها ثم لا يحصل على شيء، وقد يكون الذي لا يتمناه ولا يريده حتى يموت على ذلك. فعلى المؤمن أن يأخذ بالأسباب، ويعلم أنه لن يأتيه شيء لم يكتبه الله ولن يمنع شيئاً قد أراده الله ، الله ما ينفعه من أمر دينه وديناه. يقول: (وإن أرادوا أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يقدروا عليه، واعلم أن في الصبر على ما تكره خيراً كثيراً)، يعلم النبي ﷺ الصبي الصغير هذا الكلام العظيم، وهذه من الحكم النبوية الكريمة الجليلة حتى ينشأ هذا الصغير وقد علمه النبي ﷺ ذلك فينطق بالحكمة، ولذلك كان ابن عباس ﵁ حبر هذه الأمة وترجمان القرآن رضي الله ﵎ عنه ببركة دعاء النبي ﷺ له: (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل).

стр. 123

الصبر على المكاره في ذات الله يقول: (وإن أرادوا أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يقدروا عليه، واعلم أن في الصبر على ما تكره خيراً كثيراً)، أي: إذا أصبت بمصيبة فاصبر لأنك لا تملك شيئاً غير الصبر، فإذا تضجرت أو جزعت فقد قال النبي ﷺ : (فمن صبر فله الصبر، ومن جزع فله الجزع). وإذا صبرت فإن لك أجر الصبر، وإن جزعت فلن تنتفع بشيء، ولذلك قال ابن القيم ﵀: إن الإنسان إما أن يصبر صبر الكرام، وإما أن يسلو سلو البهائم، فالإنسان الكريم يبتلى فيتجلد ويصبر؛ لأنه يعرف أنها أزمة وستمر، ولا يوجد أزمة تبقى دائماً، فالله سبحانه سوف يزيحها عنه؛ لأنه يتوكل على الله ويعتصم به، فهذا هو صبر الكرام. وإما أن تسلو سلو البهائم، معنى ذلك: أن البهيمة إذا ضربها صاحبها فإنها تصرخ وفي النهاية تسكت وتنسى بعد ضرب وصراخ كثير، فهذا سلو البهائم، وهكذا فالإنسان بين الاثنين إن صبر فله الأجر عند الله، وإن جزع فله الجزع. يقول النبي ﷺ : (واعلم أن في الصبر على ما تكره)، ما يكرهه الإنسان ينبغي أن يصبر عليه، أما ما يحبه فإن حبه له سيدفعه إلى الصبر عليه، ولكن الصبر على المكروه فيه الخير والأجر الكثير. قال ﷺ : (واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً)، هذه أشياء جعلها الله معلقة على أشياء أخر، فإذا صبرتم نصركم الله وإذا اشتد الكرب جاء الفرج من عند الله سبحانه، ولذلك كانوا يقولون: اشتدي أزمة تنفرجي، أي: كلما تشتد الأزمة ويضيق الأمر يقترن الفرج وتحين النهاية، ويقول ربنا سبحانه: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح:٥ - ٦]، فكلما جاء العسر جاء معه يسران؛ لأن الله يقول: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح:٥]، فالعسر أتى معرفاً باللام في الآية الأولى والثانية فهو هو، أما اليسر فقد جاء منكراً في الآيتين هذا يسر وهذا يسر آخر، ولذلك جاء في الحديث: (لن يغلب عسر يسرين).

стр. 124

الأسباب المشروعة للعلاج ما ذكر في حديث عمران بن الحصين أن الذي علقه كان من الواهنة، وقالوا: إن المقصود بالواهنة: عرق في منكب الإنسان يحصل فيه ألم يصل إلى أطراف الأصابع أو من العضد إلى اليد، فكانوا يعلقون له هذا الشيء، فليس من العلاج أن يضع الإنسان على يده ذلك؛ لأن الله لم يجعله من الأسباب، ولكن هناك أسباباً أخرى يمكن أن تريحه من هذا الألم كأن يأخذ إبرة مثلاً فهي سبب من الأسباب المشروعة التي أجرى الله العوائد فيها أنها سبب للشفاء. أو يضع قطعة حديد على الألم ثم يوضع في هذا الحديد كهرباء وتمرر على تلك اليد، وينزل الله بها النفع، وأيضاً التدليك فإن الله أجرى في العادة أنه ينفع الإنسان، وعلى الإنسان أن يعلم أن الشفاء من عند الله جعله في هذه الخاصية التي كانت سبباً للنفع، أما أن يعتقد الإنسان أن الآلة التي استخدمها هي التي تنفع سواء أراد الله أم لم يرد فهذا من الشرك بالله ، وهذا الذي كان أهل الجاهلية يفعلونه، فيعلق أحدهم الحديد أو الأوتار زعماً منه أنها تمنع المرض قبل أن يأتي، والإنسان قد يفعل أشياء من ذلك ولا يكون شركاً بالله سبحانه، كأن يأخذ مصل إنفلونزا عندما يأتي فصل الشتاء، فالعادة التي أجراها الله سبحانه أن هذه تنفع بإذن الله، وقد يأخذ المصل ويكون المصل نفسه سبب إصابته بهذا المرض، وهذا المصل هو مكروبات مضعفة توضع في الجسم، فالله يجعل الجسم يقاومها ويفرز المواد التي تمنعها، فيبقى مستعداً لمقاومة أي شيء بعد ذلك، كأنه وضع عدواً ضعيفاً داخل الجسم فتقوى الجسم بصد هذا العدو، والذي قوى هذا الجسم هو الله ، فهذا ليس من الشرك، فالإنسان قد علم بالتجربة أن هذا ينفع بإذن الله، وقد يحدث ذلك النفع وقد لا يحدث، أما مجرد أخذ الحديدة ووضعها في مكان معين حتى يذهب المرض فهذا كأنه توكل على هذه الحديدة وأنها هي التي تذهب المرض.

стр. 125

حكم تعليق التمائم قال: وعن عقبة بن عامر ﵁ مرفوعاً للنبي ﷺ : (من تعلق تميمة فلا أتم الله له، ومن تعلق ودعة فلا ودع الله ل)، وفي رواية: (من تعلق تميمة فقد أشرك)، والرواية الأولى ضعيفة والثانية حسنة، ومعنى الحديث صحيح، فإن من تعلق تميمة فقد أشرك، والتمائم كما يقول المنذري: هي خرزة كانوا يعلقونها يرون أنها تدفع عنهم الآفات. كأن يعلق خرزة زرقاء في بيته، أو يعلق خمسة وخميسة، أو يعلق في سيارته قرن من أجل أن تمنع عنه ضراً يظن أنه سينزل به أو في بيته أو سيارته. فالاعتقاد أن هذه الأشياء تنفعه أو تدفع الضر وتمنع العين والحسد شيء لم يشرعه صاحب هذه الشريعة العظيمة، ولكن شرع لنا غيره، كقراءة آية الكرسي، والرقية بفاتحة الكتاب، وسورة الإخلاص، والمعوذتين، فهذه رقية مشروعة، وتلك أشياء مخترعة مبتدعة لم يأمرنا الله بها، بل نهينا عنها على لسان النبي ﷺ ، فالذي ينفع ويضر هو الله سبحانه، وهو الذي يشرع لنا أسباباً شرعية تمنع الضر عن الإنسان إلا إذا قدره الله له، فمن استخدمها فقد وحد الله؛ لأنه أخذ ما أتاه من عند الله سبحانه ﵎ وعمل به معتقداً أن الله وحده هو الذي ينفع ويضر، ومن تركها وأخذ بغيرها فكأنه يعتقد أن هذا الغير له أن يشرع مع الله ، فيقول له: اعبد هذا الحجر، وتوكل على هذا الصفر، وضع هذه الحديدة في مكان كذا، فترك أمر الله وأخذ أمر غيره، وأشرك به سبحانه؛ لأنه اعتقد أن هذا ينفع ويضر وقد نهاه النبي ﷺ عن ذلك، فوقع في الشرك من حيث لا يحتسب. وهناك رواية أخرى عند الإمام أحمد وصححها الشيخ الألباني ﵀ عن عقبة بن عامر: (أن رسول الله ﷺ أقبل إليه رهط فبايع تسعة وأمسك عن واحد)، جاء هؤلاء الرهط للنبي ﷺ يبايعونه فبايع تسعة منهم وأمسك عن العاشر لم يبايعه ﷺ ، (فقالوا: يا رسول الله! بايعت تسعة وأمسكت عن هذا)، أي: لم تبايع هذا؟ فقال ﷺ : (إن عليه تميمة). فالرجل كان عليه تميمة وهي علامة الشرك، وجاء يبايع على التوحيد، قال: (فأدخل يده فقطعها)، كأن الرجل كان يلبس على رقبته قلادة قد وضع فيها خرزة أو غيرها، فأدخل يده فقطعها فبايعه النبي ﷺ وقال: (من تعلق تميمة فقد أشرك). هذا الذي صح عنه ﷺ ، وعليه فإن معاني الأحاديث السابقة صحيحة، ولكن الذي صح لفظه عن النبي ﷺ هو هذا الحديث الأخير وهو قول النبي ﷺ : (من تعلق تميمة فقد أشرك). يقول: [ولـ ابن أبي حاتم عن حذيفة -هذا موقوف على حذيفة ﵁: أنه رأى رجلاً في يده خيط من الحمى فقطعه، وتلا قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦]]، وفي رواية عن عروة قال: دخل حذيفة على مريض فرأى في عضده سيراً فقطعه أو انتزعه، ثم قال: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦]، فكأن حذيفة بن اليمان الصحابي الجليل دخل على المريض الذي أصابته الحمى وقد ربط على ذراعه ربطتين ففهم حذيفة أن هذا الرباط وضعه الرجل من أجل أن يمنع الحمى، ولم تجر العادة أن الحمى تذهب بمثل ذلك، إنما الذي جرت به العادة أن يوضع المريض في إناء فيه ماء، وهذا ما أرشد إليه النبي ﷺ ، وهو أن الحمى من فيح جهنم، وأن هذا الماء يطفئ نار الحمى، أما أن يعلق خيطاً على يده فكأنه اعتقد أن هذا الخيط ينفعه من هذه الحمى مع الله ، فـ حذيفة أخبره أن هذا من الشرك، قال: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦]. وروى وكيع عن حذيفة أنه دخل على مريض يعوده فلمس عضده فوجد بها خيطاً فقال: ما هذا؟ قال: شيء رقي لي فيه، أي: أن الخيوط أو السيور كان يقرأ عليها، أو يدعى بدعوات أو غير ذلك، ثم تعطى له فيعلقها، ويظن أن الخيوط هي التي تنفع وليس الله سبحانه، وهذا لم تأت به الشريعة إنما الشرع هو أن تدعو للمريض أو تقرأ وتنفخ عليه. فقطع حذيفة ذلك وقال: لو مت وهو عليك ما صليت عليك، أي: لو أنك مت والخيط على يدك لما كنت صليت عليك.

стр. 126

ما جاء في الرقى والتمائم قال: [باب ما جاء في الرقى والتمائم]. وهذا كالباب السابق الذي ذكر فيه أن من الشرك لبس الحلقة والخيط والتميمة والودع وما يعلق في البيوت أو السيارات ونحوها من الشرك بالله . الرقى: جمع رقية وهي أن يرقي إنسان آخر، كأن ينفث عليه بقراءة قرآن أو بدعاء معتقداً أن الله هو الذي يشفي، وآخذاً بأسباب مشروعة ليست ممنوعة، فيشفيه الله بإذنه. والتمائم كما جاء في البخاري ومسلم عن أبي بشير الأنصاري ﵁: (أنه كان مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره فأرسل رسول الله ﷺ رسولاً ينادي في الناس: أن لا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر أو قلادة إلا قطعت). قوله: (لا يبقين في رقبة بعير قلادة)، القلادة: ما يقلد به الإنسان أو الدابة، أي: يجعل قلادة حول عنقه من حبل أو سلسلة أو نحوه. قوله: (من وتر أو قلادة إلا قطعت)، الوتر: هو الذي يكون في القوس بحيث يشده ويرمي به السهم. وكان أهل الجاهلية عندما يبقى عند أحدهم قوس يقطع منه الوتر القديم ويستبدله بآخر جديد، وهذا الوتر القديم فيه بركة فيربطه حول رقبة البعير حتى يمنع منه العين، وقد توارث الناس هذه العادة حتى أن النبي ﷺ وجد من معه فعلوا ذلك فأرسل إليهم: (أن لا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر)؛ لأن الأصل أن تكون القلادة من وتر ثم عمم فقال: (أو قلادة إلا قطعت).

стр. 127

الهدي النبوي في القلائد الممنوع أن توضع القلادة بهذا الاعتقاد، وإلا فالنبي ﷺ قد قلد هديه صلوات الله وسلامه عليه في حجة الوداع، فوضع قلادة من صوف فيها نعلان في رقبتها تكون علامة عليها إذا ضلت حتى تعرف أنها هدي للبيت فإذا وجدها أحدهم فإما أن يوصلها إلى البيت الحرام أو يذبحها إذا كانت بعيدة ويوزعها على الفقراء، هذه هي فائدة القلادة، والإشعار كذلك أن يأتي على سنام الجمل ويشق فيه بحديدة شقاً خفيفاً فإذا سال منه الدم مسح على سنام الجمل بحيث يكون واضحاً يعرف بذلك، فإذا ضلت ووجدها أحدهم عرف أنها هدي فيذبحها ويوزعها على الفقراء في ذلك المكان، وهذا هو السبب الذي من أجله قلد النبي ﷺ البعير بنعلين وشق سنامه.

стр. 128

قلائد أهل الجاهلية وعلة تحريمها أما القلائد التي كان يضعها أهل الجاهلية وبقيت إلى أن جاء الإسلام حتى نهى عنها النبي ﷺ فقد كانت توضع لدفع الضر والحسد عن المال أو الجمل. وقد جاء عن الإمام مالك أنه سئل عن القلادة فقال: ما سمعت بكراهتها إلا في الوتر، وكأن الإمام مالك يعني أن القلادة الممنوع منها هي الوتر فقط، والحديث ذكر المنع من الوتر أو أي قلادة أخرى، ولم يكن هناك فرق عند أهل الجاهلية بين أن تكون القلادة من وتر أو حبل يلف حول رقبة البعير أو نحوه يضعه في يده، فكلها مثل بعضها، فإن علقها في الرقبة كانت قلادة، وإن علقها في اليد كانت أساور، لا فرق بين ذلك كله طالما أن الاعتقاد أنها تنفع، وقد نهى النبي ﷺ عن أي مظهر من مظاهر الشرك، والذي جعل الإمام مالك رحمة الله عليه يقول: ما سمعت بكراهتها إلا في الوتر، هو تأدبه مع حديث النبي ﷺ الذي فيه أنه قلد هديه، وأيضاً ما جاء عن السيدة عائشة قالت: كنا نفتل قلائد هدي النبي ﷺ ، فكان الإمام مالك خشي أن يظن أن القلادة ممنوعة، ومن ثم يأتي إنسان ويقول: إذاً كيف قلد النبي ﷺ هديه؟ فقال: ما سمعت بكراهتها إلا في الوتر، وكأنه يقصد أن غير الوتر من القلائد جائز على الصورة التي فعلها النبي ﷺ ، وهو أن يكون علامة للبعير حتى إذا ضل عرف الناس أنه هدي، ولا يعني من ذلك ما كان يفعله أهل الجاهلية، فهذا كله حرام بسبب الاعتقاد أن هذه تنفع أو تدفع الضر، وهذا هو القياس الصحيح الذي يحمل عليه قول الإمام مالك ﵀.

стр. 129

أقسام الرقى والتمائم وحكمها عن ابن مسعود ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الرقى والتمائم والتولة شرك) رواه أحمد وأبو داود والحديث صححه الشيخ الألباني ﵀. والرقى تنقسم إلى: رقية مشروعة كالرقية بفاتحة الكتاب والإخلاص والمعوذتين وغير ذلك من الأدعية المعروفة، وهذه ليست مقصودة في هذا الحديث، والقسم الثاني: الرقية المخترعة الممنوعة، وهي من رقى الجاهلية والتي فيها استعانة بغير الله من الجن ونحو ذلك، هذه هي التي قصد النبي ﷺ أنها من الشرك بالله سبحانه. والتمائم: جمع تميمة، وهي الخرز الذي كانوا يجعلونه على أعناقهم أو أولادهم أو دوابهم يزعمون أنه يمنع الحسد، ويشفي من المرض، وينفع ويضر، فهذه العادة ومثلها مما يصنعه الناس من تعليق خرز أو خمسة وخميسة أو نحو ذلك ويزعمون أنه ينفع أو يضر كله من الشرك بالله.

стр. 130

معنى التولة وحكمها والتولة: سحر وهو أن تذهب المرأة إلى الساحر ليجعل لها سحراً يزعم أنه يحببها إلى زوجها فلا يتزوج عليها، وهذا من الشرك بالله سبحانه، وقد قال الله سبحانه عن هاروت وماروت: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ [البقرة:١٠٢]، فمن السحر ما يفرقون به بين الرجل وأهله، ومنه ما يقربون به بزعمهم بين الرجل وأهله، وهذا ما نهى عنه النبي ﷺ ، وأخبر أنه من الشرك بالله . روى أبو داود: عن زينب امرأة عبد الله بن مسعود وكان عبد الله بن مسعود رجلاً من الصحابة الأفاضل ومن فقهاء الصحابة رضي الله ﵎ عنه، وزوجته كانت من أغنياء الناس ومياسيرهم، وهي التي ذهبت تسأل النبي ﷺ هل من الممكن أن تعطي زكاتها لزوجها؟ فاستحيت أن تسأل هي بنفسها، فأرسلت من يسأل، فقال: (أي الزيانب؟ فقالوا: امرأة ابن مسعود فقال: لها أن تفعل ذلك)، وهو أن تعطي الزكاة لزوجها وأنه أحق من غيره. فـ زينب ﵂ قالت: إن عبد الله رأى في عنقي خيطاً، أي: معلقاً في رقبتها ومن الممكن أن يكون لحاجة تريدها، ومن الممكن كذلك أن تعلقه اعتقاداً من الاعتقادات الشركية، فقال: ما هذا؟ قالت: خيط رقي لي فيه وهذا من الأسباب الممنوعة والغير مشروعة، وهو أن يؤتى بخيط ويرقى فيه بأي شيء ثم يعلق هذا الخيط وكأنه الذي ينفع ويضر. قالت زينب: فأخذه ثم قطعه، أي: من رقبتها، ثم قال: أنتم آل عبد الله لأغنياء عن الشرك، وفي رواية: لقد أصبح آل عبد الله أغنياء عن الشرك. وفي رواية أخرى عند ابن ماجة أن زينب زوجة عبد الله بن مسعود قالت: كانت عجوز تدخل علينا من الحمرة، وكان لنا سرير طويل القوائم، وكان عبد الله إذا دخل تنحنح وصوت، وصوت أي: رفع صوته شيئاً بحيث لا يزعج أهل البيت، وهذا من الأدب، فالرجل إذا دخل بيته ينبغي عليه ألا يدخل عليهم فجأة فقد يكونون على هيئة يستحيون أن يراهم عليها، فيشعرهم بصوته أنه دخل، والأفضل أن يدخل ويسلم. قالت: فلما سمعت العجوز صوته احتجبت منه، فجلس إلى جانبي، فمسني فوجد خيطاً فقال: ما هذا؟ فقلت: رقي لي فيه من الحمى، فجذبه فقطعه، وكأن هذه المرأة العجوز هي التي رقت رقية في هذا الخيط وعلقته في رقبتها، فبعد أن قطع هذا الخيط قال ﵁: لقد أصبح آل عبد الله أغنياء عن الشرك، سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الرقى والتمائم والتولة شرك)، فهذه من الشرك بالله سبحانه.

стр. 131

من صور الرقى الشركية الرقية الشركية هي أن ترقي على عود أو حبل وتعلقه، قالت زينب: فقلت: لقد كانت عيني تقذف، أي: تقذف بالدمع وكنت أختلف إلى فلان اليهودي، أي: أذهب إليه، فإذا رقى سكنت، وهذه فتنة يختبر الله بها عباده هل سيثبتون على الإيمان أم لا، ومثلها أن يقال: إن فلاناً فيه صرع، وعندما يذهبون به إلى الكنيسة يذهب عنه الصرع، وعندما يأتي للصلاة يركبه العفريت ولا يدري كيف يصلي. وهذا ابتلاء وفتنة لأنه لم يتوكل هو وأهله على الله، إنما توكلوا على اليهود والنصارى فأضلهم الله ، فعندما قالت زينب ذلك قال لها عبد الله: إنما ذلك عمل الشيطان، فإذا كف اليهودي عن الرقية كان ينخسها بيده، أي: أن الشيطان هو الذي يفعل ذلك من أجل أن يأخذ منك أعظم شيء وهو التوحيد فتصيري مشركة، قال: إنما كان يكفيك أن تقولي كما كان رسول الله ﷺ يقول: (أذهب البأس رب الناس، واشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك، شفاءً لا يغادر سقماً). كأنه يقول هنا: إن الشيطان كان ينخس بإصبعه في عينك ويفعل هذا الشيء. وقد جاء عنه ﷺ مثل هذا المعنى في قوله: (ما من مولود إلا والشيطان ينخس بإصبعه في جنبه، فيستهل صارخاً إلا ما كان من مريم ﵍ وابنها المسيح ﵊، لما أتى الشيطان ليفعل ذلك جعل الله حاجزاً وحجاباً بينه وبينهما، فما استطاع أن يفعل شيئاً)؛ لذلك كانت السنة أن المولود حين يولد يؤذن في أذنه، فأول ما يسمع الأذان وما فيه من كلمات التوحيد التي يسمعها الشيطان فيفر، والشاهد من هذا: أن ابن مسعود ذكر أن الشيطان كان يأتي وينخس بإصبعه في عين زوجته زينب فإذا رقى هذا اليهودي فإن الشيطان يبعد إصبعه عن عينها؛ وذلك حتى تعتقد أن رقياه تنفع وتضر، ثم قال لها: إنما كان يكفيك أن تقولي كما كان رسول الله ﷺ يقول: (أذهب البأس رب الناس، واشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك، شفاءً لا يغادر سقماً)، والحديث صحيح.

стр. 132

الرقية المشروعة وشروطها جاء عن النبي ﷺ أنه رخص في الرقية من العين والحمى، وإذا كانت الرقية تجوز من العين والحمى فهي جائزة في غير ذلك، ولابد أن تكون الرقية المشروعة بما جاء من القرآن أو من السنة أو بأدعية مفهومة معلومة، أما أن تكون بشيء لا يفهم ولا يعلم فهذا غير مشروع. جاء في صحيح مسلم عن عوف بن مالك أنه قال: (كنا نرقي في الجاهلية فقلنا: يا رسول الله! كيف ترى في ذلك؟ قال: اعرضوا علي رقاكم)، ومعنى قوله: في الجاهلية: ما جاء من الرقى قبل القرآن والسنة، وقوله ﷺ لهم: (اعرضوا علي رقاكم)، يريد أن يعلم ما هو الدعاء الذي يقولونه في الرقية. فعرضوا عليه الرقى التي كانوا يقولونها في الجاهلية، فقال ﷺ : (لا بأس بالرقى ما لم تكن شركاً)، إذاً: الرقية أن تدعو بدعاء مفهوم ليس فيه شرك، فبدل ما تقول: أذهب البأس يا رب الناس، تقوله: يا رب اشفه أو غير ذلك طالما أنه ليس في دعائك شرك.

стр. 133

الهدي النبوي في الرقى يقول الإمام الخطابي ﵀: كان ﵊ قد رقى ورقي، فرقته في مرضه السيدة عائشة فكانت تأخذ بيديه ﷺ وتنفخ فيهما بـ ((قل هو الله أحد)) و ((قل أعوذ برب الفلق)) و ((قل أعوذ برب الناس)) وتمسح جسده بيده الكريمة الطاهرة صلوات الله وسلامه عليه، وقد أمر النبي ﷺ بتلك الرقية وأجازها، وقد استرقوا لبني فلان من العين، فأمر أن يرقوهم. فإذا كانت الرقية بالقرآن أو بأسماء الله تعالى فهي مباحة أو مأمور بها، وإنما جاءت الكراهة والمنع فيما كان منها بغير لسان العرب؛ لأنه ربما كان كفراً أو قولاً يدخله شرك. يقول الشارح: ومن ذلك ما كان على مذاهب الجاهلية التي كانوا يتعاطونها، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: كل اسم مجهول فليس لأحد أن يرقي به فضلاً عن أن يدعو به، وذلك كما يسمع من بعض الصوفية كلمات غير مفهومة في الرقية فتجد البعض يرقي ثم يقول: هذه البرهاوتية الصغرى أو البرهاوتية الكبرى، وهذه فيها اسم الله الأعظم، ولو فرضنا أن فيها اسم الله الأعظم فما الذي يجبرك على أن تدعو بها وليست بلغتك؟ وما يدريك أن فيها اسم الله الأعظم وأنت لا تفهم لغة هؤلاء، فقد تكون أدعية بالسريانية كما يذكر الشارح هنا حيث يقول: وذلك مثل قول أرباب الصوفية في أورادهم كركداً دهده أصبأ أهيا شراهية جلجلوت. وهذه كلمات لو فرضنا أن لها معنى عند أهلها، فما يدرينا أن هذا المعنى ليس من الكفر والاستعانة بغير الله سبحانه. والقرآن قد جاء فمنعنا أن نأخذ من غيره، فلما رأى النبي ﷺ في يد عمر بن الخطاب ﵁ كتاباً أو صحيفة كتبها له بعض اليهود، قال: ما هذه؟ قال: صفحة من التوراة كتبها لي فلان أتعظ بها، فقال النبي ﷺ منكراً عليه: (أترجون أن يهدوكم وقد أضلهم الله)، أي: كيف يهدونكم وقد أضلهم الله، (والذي نفسي بيده! لو كان موسى حياً ما وسعه إلا أن يتبعني)، وذلك أن القرآن قد نسخ كتاب موسى والكتب التي في أيدي اليهود، وفيه أضعاف أضعاف ما فيها من الحق، والحق الذي فيها منسوخ بالقرآن، فلا يجوز لإنسان مسلم أنه يتعاطى مثل هذه الرقى التي بغير كتاب الله سبحانه وبغير اللغة العربية. يقول السيوطي ﵀: قد أجمع العلماء على جواز الرقى عند اجتماع ثلاثة شروط: الأول: أن تكون بكلام الله أو بأسمائه وصفاته. الثاني: أن تكون باللسان العربي، فلا تجوز الرقية بما كان في التوراة من لغة سريانية. الثالث: أن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها، أي: أنت ترقي ولكن الذي ينزل الشفاء هو الله ، فإذا شاء شفاه، وإذا لم يشأ لم يشفه، وعلى قدر يقين الراقي على قدر ما يأتي من فرج الله وفضله ، وهذا من أهم الأشياء التي ينبغي أن تعتقد في الرقية.

стр. 134

حكم تعليق آيات من القرآن على المريض يقول المصنف ﵀: التمائم: شيء يعلق على الأولاد عن العين، لكن إذا كان المعلق من القرآن فرخص فيه بعض السلف، أي: إذا كان يعمل كحجاب للناس فهذا حرام لا يجوز، أما إذا كتب آية وعلقها على المريض أو وضع مصحفاً بجوار هذا الإنسان المريض، فالراجح أنه ليس من الشرك، ولكنها لم تكن الوسيلة التي شرعها لنا النبي ﷺ ، فلذلك ذكر بعض السلف عن عبد الله بن عمرو أنه كان يفعل ذلك بآية الكرسي، فكان يعلمها من كبر من أولاده، ومن كان صبياً يكتبها في لوح ويعلقها له، قال بعضهم: يعلقها له من أجل أن يحفظها؛ لأنه كان صبياً صغيراً، فالكبير كان يحفظه إياها والصغير يعلقها له. فهذا العمل وإن صح عن عبد الله بن عمرو ﵁ لكنه مختلف فيه، والأرجح أنه لا ينبغي أن يفعل ذلك سداً للذريعة، وذلك أن بعضهم سيكتب آيات ويضعها في جيبه أو يعلقها، والثاني سيكتب حجاباً والثالث سيقول: فيه خاتم سليمان، فينفتح بذلك باب الشرك، فينبغي منعه سداً للذريعة، ويعلم الناس كيف يدعون الله بما جاء في القرآن، وبما جاء في سنة النبي ﷺ من الرقية، أو بما دعت به العرب بلسانهم وخلا من الشرك بالله سبحانه. يقول المصنف ﵀: [والرقى هي التي تسمى العزائم، وخص منه الدليل ما خلا من الشرك، فقد رخص فيه رسول الله ﷺ من العين والحمى]. أي: أنه ﷺ رخص في الرقية من العين، وقال: (لا رقية إلا من عين أو حمى) أي: لا رقية أنفع من رقية العين أي: الحسد، والحمى: العقرب التي تلسع الإنسان، فإذا رقي فالله يذهب ذلك عنه، وثبت عنه ﷺ أنه أمر بالرقية، وأنه رقى نفسه، فكان إذا نام ﷺ رقى نفسه بالمعوذات كما سبق. يقول المصنف ﵀: [والتولة التي نهى عنها النبي ﷺ شيء يصنعونه يزعمون أنه يحبب المرأة إلى زوجها والرجل إلى امرأته، وعن عبد الله بن عكيم مرفوعاً: (من تعلق شيئاً وكل إليه)]، والحديث حسنه الشيخ الألباني ﵀، وفيه: أن الإنسان الذي يتعلق شيئاً من تميمة أو ودع ويظن أن هذا ينفع مع الله أو يضر أو أنها أسباب يجوز دفع المرض بها. يقول: (وكل إليه)، أي: يتركه الله سبحانه ينتظر الشفاء من هذا الذي علقه.

стр. 135

حكم من عقد لحيته أو تقلد وتراً أو استنجى برجيع أو عظم روى الإمام أحمد وأبو داود والنسائي عن رويفع قال: قال لي رسول الله ﷺ : (يا رويفع: لعل الحياة تطول بك، فأخبر الناس أن من عقد لحيته، أو تقلد وتراً، أو استنجى برجيع دابة أو عظم؛ فإن محمداً ﷺ بريء منه)، والحديث صحيح، وفيه أن النبي ﷺ تبرأ ممن صنع هذه الأشياء، وقوله: (لعل الحياة تطول بك)، قالوا: فيه علم من أعلام نبوته ﷺ حيث طالت حياة رويفع إلى أن مات في سنة ست وخمسين رضي الله ﵎ عنه، أي: أنه عاش بعد النبي ﷺ ستاً وأربعين سنة رضي الله ﵎ عنه، ومات ببرقة وهو أمير عليها وهو أنصاري رضي الله ﵎ عنه، قوله: فأخبر الناس أن من عقد لحيته، تعقيد اللحية كان من أفعال أهل الجاهلية التي يتعاظم ويفتخر بها بعضهم على بعض، فكانوا يظفرون اللحى كبراً، أو أنه من زي الأعاجم حيث كانوا يصنعونه تكبراً وعجباً فيفتلونها ويعقدونها، أو أن المعنى: أن الإنسان يعالج شعر لحيته كنوع من التفخيم لنفسه ليتعقد ويتجعد، قالوا: وهذا من أفعال أهل التأنيث، كالذي يهتم بشعر رأسه وشعر لحيته ويكثر من تسريحه فكأن هذا الأمر للنساء ليس للرجال، فنهى النبي ﷺ عن هذا كله في اللحية وشعر الرأس. وكذلك حلق بعض الشعر وترك بعضه من أفعال أهل الجاهلية، وقد نهى النبي ﷺ عن القزع وهو موجود الآن بكثرة بين الناس وهم يقلدون بصنيعهم هذا الغرب الكافر في صنيعهم، فالنبي ﷺ أخبر أن الذي يصنع ذلك متشبهاً بالكفار أو مستكبراً على المؤمنين أنه بريء منه، قال: (فإن محمداً بريء منه). وقوله ﷺ : (من عقد لحيته أو تقلد وتراً)، أي: أخذ الوتر ووضعه في الجمل من أجل أن يأتي له الحظ وحتى لا يحصل له مكروه، وقس على ذلك ما يلبسه الناس من أشياء يزعمون أنها تجلب الحظ، فبعضهم يلعب كرة ثم يضع تميمة من أجل أن تأتي له بالحظ ويغلب فيها، وهذه أشياء ذهبت بعقول المسلمين عن دين رب العالمين ولا حول ولا قوة إلا بالله. قال: (أو استنجى برجيع دابة)، نهانا النبي ﷺ عن ذلك، فالدابة إما أن تكون مأكولة اللحم أو غير مأكولة اللحم، فإذا كانت غير مأكولة اللحم فالرجيع الذي يخرج منها نجس، فإذا استنجى إنسان بنجاسة فقد زاد النجاسة نجاسة، وهذا لا يجوز، ومن نجس نفسه متعمداً فقد تبرأ منه النبي ﷺ ، أما إذا كان رجيع دابة مأكولة اللحم مثل البقرة فروثها طاهر، ولكن إذا استنجى به لوثه على دواب الجن، فقد أخبر النبي ﷺ أن العظام ورجيع الدواب المأكولة اللحم التي ذكر اسم الله عليها يصير طعاماً للجن ولدواب الجن، وكل عظم ذكر اسم الله عليه فإنه يصير لحماً مرة أخرى، ويكون طعاماً للجن، وقد طلب الجن من النبي ﷺ أن يعطيهم طعاماً فأباح لهم كل عظم ذكر اسم الله عليه يرجع إليهم أوفر ما يكون لحماً، فالذي يأخذ هذا العظم وينجسه فلا يأمن أن يدعو عليه الجن أو يفعلون به شيئاً فالطعام الذي أباحه النبي ﷺ للجن يحرم على هذا الإنسان أن ينجسه، وإلا فقد برئ منه النبي ﷺ . كذلك جعل النبي ﷺ لدواب الجن رجيع دواب المسلمين يكون طعاماً وعلفاً لها، فالذي يستنجي بذلك كأنه يقذره عليهم ويمنعهم من استخدامه فاستحق أن يبرأ منه النبي ﷺ .

стр. 136

ثواب من قطع تميمة من إنسان يقول المصنف ﵀: [وعن سعيد بن جبير قال: من قطع تميمة من إنسان كان كعدل رقبة]، كأن سعيد بن جبير قاله من عنده أو أنه رفعه، فلو رفعه يكون مرسلاً، والمرسل هو مرفوع التابعي إلى النبي ﷺ ، ولكن هذا من كلام سعيد بن جبير فليس له حكم المرفوع للنبي ﷺ ، وخاصة أنه لم يقل: قال النبي ﷺ ، ولو قال لحكم عليه بالضعف؛ لعدم وجود الواسطة بينه وبين النبي ﷺ فيكون مقطوعاً والله أعلم.

стр. 137

شرح كتاب فتح المجيد - من تبرك بشجرة أو حجر ونحوهما التبرك هو طلب البركة، وقد يكون مشروعاً وقد يكون ممنوعاً، فمن المشروع التبرك بالنبي ﷺ وبآثاره، ومنه طلب الدعاء من الصالحين؛ لأن السنة قد وردت بذلك. ومن الممنوع التبرك بآثار الصالحين، أو بقبورهم، وبالأشجار والأحجار وغيرها، وكثير من علماء وأئمة السلف لم يكفروا كثيراً من أهل البدع ممن اعتقد بأن التبرك بهذه الأشياء ينفع أو يضر مع أنهم قد يقعون في الكفر، فعذروهم لجهلهم، أو لأنهم متأولون فيما يعتقدونه ويفعلونه.

стр. 138

التبرك المشروع والتبرك الممنوع بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال المصنف ﵀ في كتاب التوحيد: [باب من تبرك بشجرة أو حجر ونحوهما. وقول الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾ [النجم:١٩ - ٢٠]. وعن أبي واقد الليثي ﵁ قال: (خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حنين ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها: ذات أنواط، فمررنا بسدرة فقلنا: يا رسول الله! اجعل لنا ذات أنواط، كما لهم ذات أنواط فقال رسول الله ﷺ : الله أكبر إنها السنن. قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف:١٣٨] لتركبن سنن من كان قبلكم) رواه الترمذي وصححه. هذا هو الباب التاسع في كتاب التوحيد، وفيه من تبرك بشجرة أو حجر ونحوهما. والتبرك هو: طلب البركة، وتفعل تفاعلاً: طلب شيئاً من آخر، فهنا التبرك: التفاعل الطلب، وهو أن يطلب البركة من غيره. والتبرك إما أن يكون بما جاء من كتاب الله سبحانه، ومن سنة نبيه ﷺ ، فتطلب البركة باتباعك لكتاب الله، واتباعك لهدي النبي ﷺ ، وحبك لذلك، وبركة عظيمة أن تقرأ القرآن وتعمل به، وتقرأ سنة النبي ﷺ وتعمل بها. أو تتبرك بآثار من آثار النبي صلوات الله وسلامه عليه، فقد ثبت أن الصحابة كانوا يتبركون بآثاره صلوات الله وسلامه عليه، فإذا طلب الإنسان البركة من غير ذلك، فقد طلب الشيء ممن لا يقدر على تحقيقه، ولا يجوز لإنسان عاقل أن يفعله، فإذا ذهب إنسان إلى شجرة أو حجر واعتقد أن في هذه الشجرة بركة، أو أن في هذا الحجر بركة، وطلب منه شيئاً، فليعلم أن هذه الحجرة أو الشجرة لا تملك لنفسها شيئاً حتى تملكه لغيرها. ولما كان اتباع القرآن عبادة لله قال لنا: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف:٩٦]. وأصل البركة آتية من السماء ومن الأرض بأمر الله ، فلا تأتي البركة إلا عن طريق أسباب شرعية، كالإيمان والتقوى، فالله يأمرنا بالإيمان، ويأمرنا بالتقوى حتى تأتينا البركة من السماء ومن الأرض. وتكون البركة باتباع النبي صلوات الله وسلامه عليه، وبطاعته ﷺ تفتح البركة من السماء والأرض، وقد جعل الله في النبي ﷺ خصائص عظيمة منها: أنه صلوات الله وسلامه عليه فيه بركة من الله سبحانه، فيدعو بالشيء فيتحقق بفضل الله ، ويتفل على شيء فيتحول بفضل الله إلى شيء مبارك، فالله جعل البركة في ريقه وفي دعواته ﷺ وفي رقيته ﵊ وفيما يلبسه ويلامس بدنه ﷺ ، أما ثوب غير النبي ﷺ فهو كغيره من الأثواب، لا نفع من ورائه إلا أن يلبسه النبي ﷺ فيكون فيه من أثر النبي ﷺ ، فيجوز لنا أن نتبرك بذلك، فالصحابي يجد النبي ﷺ يلبس ثوباً فيطلبه منه، ويقول: ما طلبته إلا ليكون كفناً لي؛ لأن الثوب مسه جسد النبي الطاهر صلوات الله وسلامه عليه فرجا البركة من ذلك. ولما كان الصحابة حول النبي ﷺ في يوم الحديبية تنخم فسقطت نخامته في يد أحدهم فأخذها ليمسح بها وجهه ويديه تبركاً بأثر النبي صلوات الله وسلامه عليه، وسكت النبي ﷺ على ذلك إقراراً له. ولكن لا يجوز أن يفعل هذا من غير النبي ﷺ . إذاً: تطلب البركة مما جاء من عند رب العالمين من كتاب وسنة، كذلك من آثار النبي ﷺ فقد ثبت أن الصحابة فعلوا ذلك. ولا يجوز لإنسان أن يطلب البركة من غير النبي ﷺ إلا أن يقصد بذلك الدعاء كأن يطلب من فلان أن يدعو له مثلاً، فدعاؤه بركة، فيرجو الفضل من الله ببركة دعاء هذا، فهذا فعله الصحابة رضوان الله عليهم بعد وفاة النبي ﷺ ، وذلك لما كانوا يستسقون فيطلبون من بعضهم أن يدعو الله ، وقد فعل ذلك عمر ﵁ حين أمر العباس بن عبد المطلب أن يدعو لهم، وهذا توسل إلى الله بالدعاء. فطلب البركة أو الوسيلة بالسبب المشروع جائز، وبالسبب غير المشروع لا يجوز. فمن الأشياء الممنوعة أن تطلب البركة من حجر، أو من شجر، وهذا فعل المشركين الذين كفرهم الله ، وأخبر أنه لن يقبل أعمالهم ولن يغفر لهم فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨].

стр. 139

تحريف مشركي العرب لأسماء الله قال الله : ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾ [النجم:١٩ - ٢٠]. فقوله: (أَفَرَأَيْتُمُ) بمعنى: أخبروني عن هؤلاء: (أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنثَى)، أي: القسمة بهذه الطريقة غير مرضية عندكم أنتم كبشر. وفي قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ [النجم:١٩] قراءات، وهذه قراءة الجمهور، وقراءة رويس عن يعقوب: (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَّ وَالْعُزَّى)، بتشديد التاء كأنه اسم فاعل، ولكل قراءة تفسير، فالقراءة الأولى بالتخفيف وهي قراءة جمهور القراء، فمعناها: أنهم حرفوا أسماء الله ، وادعوا له الإناث، وهذه هي القسمة التي وصفها الله بأنها قسمة ضيزى، فقال: ﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ [النجم:٢٢]، أي: قسمة فاسدة وجائرة كاذبة، وقسمة ظالمة لا يرضاها الإنسان لنفسه، فضلاً عن أن يرضاها لله ، وهي قولهم: هؤلاء الذكور لنا، وهؤلاء الإناث لله سبحانه. تعالى الله عما يقولون علواً كبير، فهؤلاء المشركون ألحدوا في أسمائه ، فحرفوا اسم الله وقالوا: اللات. والأصل هو الله، إلا أنهم جعلوا هذا الاسم أنثى فقالوا: (اللَّاتَ)، وسموا بها صنماً من أصنامهم، وكذلك (العزى)، شجرة من الأشجار، قالوا: إنها بدل العزيز، وكذلك مناة الثالثة الأخرى. فحرفوا أسماء الله وأطلقوها على أصنام لهم، يقولون: إن اللات صنم كانت لثقيف كما سيأتي. و (العزى) كان لقريش، وبني كنانة، و (مناة) لبني هلال، وقيل: كانت لهذيل وخزاعة. يقول الأعمش: سموا (اللَّاتَ)، من الإله، والعزى من العزيز، قال الطبري: وكانوا قد اشتقوا اسمها من اسم الله تعالى فقالوا: اللات مؤنثة منه. وقالوا: الأصنام بنات الله، وأخذوا لأنفسهم الذكور، ودفنوا بناتهم في التراب لأنهن يجلبن لهم العار بزعمهم، فرفضوا البنات وجعلوها لله ، فجعلوا الأصنام على أسماء الإناث، وقالوا: الملائكة بنات الله، والأصنام بنات لله سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيراً. يقول: وقالوا كذلك: (العزى) من العزيز، يقول ابن كثير: اللات كانت صخرة بيضاء منقوشة في بيت في الطائف مغطاة بأستار ولها سدنة، وحولها فناء عظيم معظم عند أهل الطائف، فأهل ثقيف ومن تبعهم يفتخرون بها على غيرهم من العرب. وقد بعث النبي ﷺ المغيرة بن شعبة فهدم هذا البيت وحرقه بالنار، فأهل الكفر كانوا يعبدون أصناماً، وهذه الأصنام أو الأوثان كانت على هيئة جسد، أو على هيئة شجر، أو على هيئة بيوت أو صخر عظيم، وأصل هذه الصخرة كما يقول ابن عباس ﵄: كانت عند رجل يلت بها السويق للحجيج، فلما مات عكفوا على قبره، وهذا ذكره الإمام البخاري، وقال ابن عباس: كان يبيع السويق والسمن عند صخرة، ويسلؤه عليها، فلما مات ذلك الرجل عبدت ثقيف الصخرة إعظاماً لصاحب السويق. وهناك روايات أخرى لهذه القصة وهي أن الرجل كان يصنع طعاماً للحجيج ليكرمهم فكانوا يحبونه، فلما توفي هذا الرجل عبدوا الصخرة التي كان يصنع عندها السويق، وهذا يدل على خفة عقولهم، فكيف يعبدون صخرة كان يعجن عليها الطعام؟! وفي رواية عن ابن عباس ﵁: كان الرجل يلت السويق على الحجر فلا يشرب منه أحد إلا سمن فعبدوه، والسويق هو دقيق الشعير، أو دقيق السلت، وهو نوع من أنواع الحبوب بين الشعير وبين القمح، فكان يصنع لهم السويق ويعجنه بلبن، وبعد ذلك يغلبه، ثم يعطيه للحجيج، فكانوا إذا أكلوا منه يسمنون، فزعموا أن له فضلاً وعبدوا هذا المكان الذي كان يجلس فيه الرجل من دون الله فهذه هي اللات. إذاً: (اللَّاتَّ) بتشديد التاء، وهو الرجل الذي كان يلت السويق. واللَّات بتخفيف التاء هي الصخرة التي كانت تعبد من دون الله، فعبدوا الصخرة وعبدوا الرجل من دون الله سبحانه. أما وَالْعُزَّى فيقول ابن جرير الطبري: كانت شجرة عليها بناءٌ وأستار بين مكة والطائف في موضع اسمه نخلة يمر به الحجيج، وكانت قريش يعظمونها ويعبدونها من دون الله، ولذلك قال أبو سفيان للمسلمين في يوم أحد: لنا العزى ولا عزى لكم، فقال النبي ﷺ للصحابة: (ألا تجيبونه؟ فقالوا: بماذا نجيبه؟ فقال: قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم). فالعزى لا تنفع ولا تضر ولكن الله هو ولينا وهو الذي ينصرنا، وليس لكم نصير من دون الله . وجاء في الحديث الذي رواه النسائي، وابن مردويه من حديث أبي الطفيل: (لما فتح رسول الله ﷺ مكة بعث خالد بن الوليد إلى نخلة وكانت بها العزى، وكانت على ثلاث سمرات، -والسمر شجر الشوك- فقطع السمرات وهدم البيت الذي كان عليها، ثم أتى النبي ﷺ فقال له: أرجع فإنك لم تصنع شيئاً، فرجع خالد ﵁ فلما أبصرته السدنة أمعنوا في الجبل وهم يقولون: يا عزى! يا عزى!) يدعون العزى من دون الله سبحانه، والسادن يطلق على خادم المعبد، فهؤلاء السدنة أمام هذه الشجرة أو هذا البيت. قال: (فأتاها خالد بن الوليد ﵁ فإذا هي امرأة عريانة ناشرة شعرها تحفن التراب على رأسها فعلاها بالسيف فقتلها، فرجع إلى النبي ﷺ فقال: تلك العزى)، يعني: كأن هذه المرأة كانت كاهنة، فتجلس بداخل هذا البيت، فيأتون إليها وينادونها فتجيبهم فيظنون أن هناك إلهاً في هذا البيت، ويسألونها فتصدق في أشياء -كما ذكرنا قبل ذلك أن الشياطين يلقون عليها ما يأتون به من خبر السماء، ويزيدون في الخبر الصادق مائة كذبة فتكذب هي بهذه الأخبار وربما تصدق- فتكون فتنة للعباد. والحديث رواه الطبراني وفيه يحيى بن المنذر اختلفوا في توثيقه وتضعيفه. وأما (مناة) فكان بالمشلل عند قديد بين مكة والمدينة، وهو الإله الثالث، وكأنه تحريف لأسم من أسماء الله سبحانه: المنان، فسموا هذا الصنم منان، ثم أدخلوا عليه التأنيث. وقيل: لكثرة ما يمنى عندها من الدماء، فبدل أن يذبحوا في منى ذبحوا في هذا المكان وسموه بذلك، وكانوا يتبركون به. يقول الإمام البخاري ﵀ في حديث عروة عن عائشة ﵂: إنها صنم بين مكة والمدينة. قال ابن هشام: فبعث رسول الله ﷺ علياً فهدمها عام الفتح. إذاً: الأصنام التي كانوا يعبدونها وهم في الجاهلية إما على هيئة صنم أو على هيئة بيت، أو على هيئة شجرة، فكلها أصنام عبدوها من دون الله . والغرض أن الصنم ليس معناه أنه الشاخص على هيئة الآدمي فقط، بل إن أي شيء يعبده الإنسان من دون الله سبحانه فهو صنم، وهو وثن، وإن كانوا يفرقون أحياناً بينهما فيقال: الصنم: ما كان على هيئة شخص، والوثن: أي شيء يعبد من دون الله سبحانه، أو يعكسون، لكن الغرض أن هذه الأشياء لم تكن بالضرورة على هيئة الأشخاص. فكل بيت يعبد من دون الله فهو صنم، وكل حجر يعبد من دون الله فهو صنم، وكل شجرة تعبد من دون الله فهي صنم كذلك، فهؤلاء عبدوا هذه الأشياء من دون الله سبحانه، يقول الله مسفهاً لهم: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنثَى﴾ [النجم:٢١]. أي: أقبلتم لأنفسكم الذكور وتبرأتم من البنات، وتنسبون إلى ربكم وخالقكم سبحانه ما تأنفون أنتم منه، أين عقولكم؟! ﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ [النجم:٢٢]، أي: قسمة جائرة، وهذه قراءة الجمهور، وقراءة قنبل عن ابن كثير (ضئزى) أي: جائرة. قال تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾ [النجم:٢٣]. يعني: هذه الأشياء التي زعمتم أنها آلهة ما هي إلا أسماء، وليس لها من حقيقة التسمية شيء، والله اسم ومسمى واحد، فالله الاسم، والله المسمى المألوه المعبود، وكل أسمائه سبحانه تدل على صفات حقيقة له، أما غيره من المخلوقين فيكون له اسم وقد لا يكون له حض ونصيب من هذا الاسم، فيكون الإنسان اسمه ممدوح مثلاً، ويكون مذموماً عند الناس، وهذا اسم على غير مسمى، كذلك الأوثان التي عبدوها قال الله : ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ﴾ [النجم:٢٣]، لا تتجاوز ذلك، كأسماء البشر، فيمكن للإنسان كبشر أن ينفع ويضر بإذن الله، ولكن هذه الأشياء لا تنفع نفسها ولا غيرها، قال: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم:٢٣]، أي: ليس عليها حجة بأيديكم أنها من عند الله سبحانه. ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ﴾ [النجم:٢٣]، هي مجرد شهوات باطلة في أنفسهم يريدون بها الفخر لهم ولقبائلهم. قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم:٢٣]، أي: جاءهم النبي ﷺ ومعه هذا القرآن العظيم.

стр. 140

شرح حديث: (اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط) يذكر المصنف ﵀ حديثاً رواه الترمذي عن أبي واقد الليثي وإن كان لم يسق لفظ الترمذي، ولكنه قريب مما ذكر هنا، وكذلك الشرح ذكر منه لفظ آخر. لفظ الترمذي في الحديث -وهو أيضاً عند الإمام أحمد - عن أبي واقد الليثي أن رسول الله ﷺ بعد فتح مكة توجه لقتال هوازن والطائف فخرج إلى حنين ﵊ ومر بشجرة للمشركين يقال لها: ذات أنواط كانوا يعلقون عليها أسلحتهم، وكان معه من جنود الإسلام من أهل المدينة عشرة آلاف مقاتل ﵊، وكان معه الطلقاء الذين دخلوا في الإسلام بعد دخول النبي ﷺ مكة وكانوا ألفي مقاتل، فدخلوا مع النبي ﷺ ومروا وهم ذاهبون ليجاهدوا معه ﵊ على شجرة للمشركين تسمى: ذات أنواط. والنُوط أو النَوط الشيء الذي يعلق به، يقال: مناط الحكم، يعني: متعلق الحكم، وهذه ذات أنواط، يعني: ذات علائق، تعلق بها السيوف، فلما كان المشركون يذهبون للقتال يمرون على هذه الشجرة ويعلقون بها السيوف يرجون بذلك حصول البركة. فاعتقدوا أن الشجرة تنفع وتضر، وهذا كفر بالله وشرك به سبحانه. فقال هؤلاء: يا رسول الله! اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط؟ يعني: اصنع لنا شيئاً نتبرك به، وهكذا فالإنسان عندما يكون حديث عهد بالإسلام قد يتكلم بكلام الكفر ويعذر بجهله في ذلك. أما الصحابة الأفاضل الذين تربوا مع النبي ﷺ فلا يقولون ذلك، إنما يقول ذلك من كان إسلامه حديثاً، وجهل معنى الإسلام. فأجابهم النبي ﷺ بقوله: (سبحان الله! لقد قلتم كما قال قوم موسى: ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف:١٣٨]). لأن بني إسرائيل لما نجاهم الله من فرعون وجنوده، وأغرق فرعون أمامهم ونجاهم من البحر سرعان ما كفروا بربهم سبحانه أو طلبوا أشياء هي في حقيقتها شرك بالله، وذلك أنهم قالوا: ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف:١٣٨]، وذلك أن معاشرة الكفار تجعل في نفس الإنسان شيئاً من التشبه بهم، فقوم موسى كانوا في مصر، وأهل مصر عباد أوثان، فقد كانوا يعبدون الشمس من دون الله، ويعبدون فرعون، ويصنعون أصناماً للفراعنة ويعبدونها من دون الله. فلما خرج بنو إسرائيل من هناك كان موسى يدعوهم ويعلمهم ﵊ فكأنهم حنوا لما كان عليه قبط مصر من عبادة الأصنام، فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم فقالوا: نريد إلهاً مثلهم، قال تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف:١٣٨]. أي: إنكم تجهلون ربكم ، وتقعون في الشرك بأقوالكم من حيث لا تدرون. وكذلك قال النبي ﷺ لأصحابه: (إنكم قلتم كما قال بنو إسرائيل لموسى). ثم قال ﷺ : (والذي نفسي بيده! لتركبن سنة من كان قبلكم)، هذا اللفظ للترمذي، والحديث رواه أيضاً الإمام أحمد بألفاظ أخرى قريبة من هذا اللفظ، وشارح كتاب التوحيد يقول: إن النبي ﷺ قال: (الله أكبر)، وهذه إحدى روايات الإمام أحمد والسُنن جمع، والسَنن مفرد، (قلتم: والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف:١٣٨])، وفي رواية قالوا: ونحن حدثاء عهد بكفر، فكأنه عذرهم ﷺ ، وإلا لقال لهم: قولوا: لا إله إلا الله مرة أخرى؛ حتى ترجعوا إلى الإسلام، ولكن كأنه عذرهم لما هم فيه من جهل.

стр. 141

فوائد من حديث: (اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط) من فوائد هذا الحديث ما ذكره الشارح حيث قال: في هذا الحديث الخوف من الشرك، وأن الإنسان قد يستحسن شيئاً يظن أنه يقربه إلى الله، وهو أبعد ما يباعده من رحمته. إن الإنسان إذا لم يتعلم دين الله فلعل عقله يدعوه إلى الشرك بالله فيقع فيه من حيث لا يدري، فهؤلاء أصحاب النبي ﷺ كانوا حديثي عهد بكفر، ومع ذلك طلبوا منه أن يجعل لهم ذات أنواط، وهي شجرة يعلقون بها سيوفهم ويتبركون بها، فرفض النبي ﷺ وأخبرهم أنهم وقعوا فيما وقع فيه بنو إسرائيل حين قالوا: ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا﴾ [الأعراف:١٣٨]. ومن الشرك والكفر بالله سبحانه أن يعتقد الإنسان ذلك، والنبي ﷺ عذرهم واكتفى بأن بين لهم صلوات الله وسلامه عليه أنه شرك. يقول ابن أبي شامة: ومن هذا القسم ما قد عم البلاء به من تزيين الشيطان للعامة تخليق الحيطان والعمد، وإسراج مواضع مخصوصة في كل بلد، يحكي لهم حاكم أنه رأى في منامه بها أحداً ممن شهر بالصلاح والولاية، فيفعلون ذلك ويحافظون عليه مع تضييعهم لفرائض الله تعالى وسننه، ويظنون أنهم متقربون بذلك. وهكذا فعباد القبور في كل مكان يعبدونها من دون الله سبحانه، ويرجون منها البركة، ولو كان أصحاب هذه القبور أحياءً لطلبوا من الله النفع، وطلبوا منه كشف الضر، فكيف يترك هؤلاء ربهم ويذهبون إلى قبر لا يملك صاحبه لنفسه شيئاً، فضلاً عن أن يملكه لغيره. فالاعتقاد أن القبر ينفع أو يضر مع الله سبحانه من الكفر بالله، ومن الشرك الأكبر الذي يخرج صاحبه من الملة، فلا يجوز لأحد أن يتوسل بقبر أو يطلب من القبر شيئاً، أو يتبرك به. ولكن الكثير من الناس يجهل هذا الشيء. ويذهب إلى مكان فيه رجل صالح، ويزعم أنه يصلي لله، ولا يطلب من هذا الصالح شيئاً ولكنه يذهب إلى هذا المكان رجاء البركة من الله بأن يأتي مصاحباً لهذا الرجل الصالح، فهذا من الشرك الأصغر. ففرق بين أن يعتقد أن هذا ينفع ويضر، وهذا من الشرك الأكبر، وبين أنه يعتقد أن الذي ينفعه أو يضره هو الله، ولكنه يرجو بركة هذا المكان، فهذا ليس من الشرك الأكبر الذي يخرج صاحبه من الملة، وإنما هو من الشرك الأصغر. قال ابن القيم: ما أسرع أهل الشرك لاتخاذ الأوثان من دون الله سبحانه، يقولون: إن هذا الحجر وهذه الشجرة، وهذه العين تقبل النذر، يعني: تقبل العبادة. فيذهب البعض فيتعبد عندها ويطلب منها ما لا يطلب إلا من الله ، ولذلك دعا النبي ﷺ ربه فقال: (اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد). واستجاب الله لنبيه ﷺ وسخر من يقومون بحفظ قبره من أن يأتي أحد ويرفع يديه ويدعوه من دون الله. وقال ﷺ : (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)، وحذرهم مما صنع هؤلاء. يقول الشارح هنا: وفي هذه الجملة من الفوائد: أن ما يفعله من يعتقد في الأشجار والقبور والأحجار من التبرك بها، والعكوف عندها، والذبح لها هو الشرك، ولا يغتر بالعوام والطغام، ولا يستبعد كون هذا الشرك بالله تعالى يقع في هذه الأمة. فإذا قال النبي ﷺ : (اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد)، فمن الممكن أن يقع الشرك في هذه الأمة. وإن كان الله استجاب له فيما يتعلق بقبره ﷺ إلا أن كثيراً من قبور الصالحين صارت أوثاناً تعبد من دون الله . ومن فوائد هذا الحديث: أن الاعتبار في الأحكام بالمعاني لا بالأسماء، لهذا جعل النبي ﷺ ما طلبوه منه كطلب بني إسرائيل، فهم يريدون شجرة يعلقون بها السيوف، وهذا تشبه بالمشركين، فالمشركون كانوا يتبركون بها حتى تنزل عليهم البركة، وينتصرون في الحرب، وهذا من الشرك بالله سبحانه؛ لأنهم اعتقدوا أن الشجرة تنفع أو تضر أو تعطي أو تمنع. وفي هذا الحديث أيضاً: علم من أعلام نبوته ﷺ ، وذلك في قوله: (لتركبن سنن من كان قبلكم). أي: ستقلدونهم فيها، فتعبدون غير الله سبحانه، وقد وقع في هذه الأمة الكثير من ذلك، فكثير من الناس يذهبون فيطوفون بقبر البدوي، ويدعونه من دون الله سبحانه، وينذرون لـ أبي العباس، وللبدوي وللحسين ولغيرهم، والنذر لا يكون إلا لله ، وصدق النبي ﷺ إذ يقول: (لتركبن سنن من كان قبلكم، شبراً بشبر، وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه وراءهم، قالوا: اليهود والنصارى؟ قال: فمن)، أي: أنكم تتبعونهم في شركهم وكفرهم وبدعهم وعوائدهم. وفي الحديث النهي عن التشبه بأهل الجاهلية، وأهل الكتاب فيما كانوا يفعلون، إلا ما دل الدليل على أنه من شريعة محمد ﷺ .

стр. 142

حكم التبرك بآثار الصالحين يقول الشارح هنا: إن ما ادعاه بعض المتأخرين من أنه يجوز التبرك بآثار الصالحين فممنوع. ولكن التبرك بالنبي ﷺ وبآثاره فهذا وارد، والصحابة تبركوا بشعر النبي ﷺ ، بل هو بنفسه أمر أبا طلحة أن يقسم شعره بين المسلمين، فأخذ أبو طلحة نصفه وقسم النصف الباقي بين الناس، فكانوا يتبركون بأثره ﵊ من ريقه الطاهر من ثيابه التي يلبسها من أثر وضوئه ﵊، وذكرنا في الحديث السابق كيف أن أناساً أتوه من مكان بعيد وعندهم بيت يعبدون فيه غير الله سبحانه فأمرهم النبي ﷺ أن يطهروه وأن يغسلوه بالماء، فطلبوا من النبي ﷺ ماء من وضوئه ﵊ يتبركون به، فأعطاهم ﷺ ، فذكروا له أن المار يتبخر في أثناء الطريق، قال: (أمدوه فإنه لا يزيد إلا طيباً)، أي: زيدوا عليه من ماء الطريق، فبركة الماء الذي استخدمه النبي ﷺ وما زاد إلا طيباً، وفعلاً أخذوا هذا الماء وغسلوا الكنيسة أو المكان الذي كان يعبد فيه غير الله ، وعبدوا الله فيه. وقد دلت الشريعة على جواز التبرك بآثاره ﷺ ، أما التبرك بآثار غير النبي ﷺ فلا يجوز؛ لأنه قياس مع الفارق، فلا أحد يساويه ﷺ والصحابة الذين يتبركون به ﷺ وبآثاره لم يكونوا يتبركون بأثر أحد بعده، ولو جاز ذلك لفعلوه، لكنهم لم يفعلوا ذلك، وإنما اكتفوا بما كان عندهم عن النبي ﷺ ، فلم يقل أحد منهم: تبرك بأثر أبي بكر وهو أفضل الأمة بعد النبي ﷺ ، ولا بأثر عمر، ولا بأثر عثمان، ولا علي رضي الله ﵎ عنهم. فلم يقل أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ذلك. ولو كان من الخير أن يتبرك بغير النبي ﷺ لفعله الصحابة أو بعضهم ولكن ذلك لم يحدث، قال الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة:١٠٠] وعلى ذلك فالعلماء الذين قالوا بجواز التبرك بآثار الصالحين إذا كان التبرك بدعوات الصالحين، كأن يدعو الصالح بالبركة، مع اعتقادهم أن الذي يبارك هو الله فهذا جائز، أما بأثر الصالح نفسه فهذا الأصل فيه المنع حتى يثبت الدليل؛ لأنه وسيلة وذريعة إلى الوقوع في الشرك بالله سبحانه. قد يأتي أناس ويظنون أن هذا رجل صالح، وأن أكله طيب يذكر فيه اسم الله سبحانه، فيأكلون من هذا الطعام فهذا لا بأس به، ولكن لعله يفتح على الناس بعد ذلك باباً من أبواب الشرك، فيظن أن هذا الطعام يجلب الخير أو يمنع الضر مثلاً. والتبرك بآثار الصالحين مسألة من مسائل الخلاف، وليست من مسائل الاتفاق، والخلاف فيها فيه نظر، إن كثيراً من العلماء قالوا: إذا جاز التبرك بآثار النبي ﷺ فليكن تبركاً بآثار غيره، ولكن باب سد الذريعة من الأبواب العظيمة في الشريعة، فلو انفتح باب التبرك بالصالحين سيفتح على الناس الشرك، لذلك يكتفى بالتبرك بما جاء عن النبي ﷺ فقط.

стр. 143

طلب المسلمين من النبي أن يجعل لهم ذات أنواط هل هو شرك أكبر أو أصغر ؟ يقول الشيخ ابن عبد الوهاب في المسألة الحادية عشرة: إن الشرك فيه أكبر وأصغر، والشرك الأكبر يخرج صاحبه من الملة، والشرك الأصغر لا يخرج صاحبه من الملة، كأن يحلف أحدهم بالله ثم يقع على لسانه الحلف بغير الله، ولا يقصد تعظيماً له مع الله سبحانه، فهذا لا نقول له: خرجت من الملة، ولكن نقول له تأديباً: قل لا إله إلا الله، كما أمر النبي ﷺ من قال ذلك أن يقول: لا إله إلا الله. والشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ كأنه أخذ من الحديث الذي فيه أنهم كانوا حدثاء عهد بجاهلية، فقالوا للنبي ﷺ : اجعل لنا ذات أنواط، فقال: هذا شرك أصغر وليس من الشرك الأكبر. أما الشيخ: حامد الفقيه في تعليقه على الجملة فقال: ليس ما طلبوه من الشرك الأصغر، ولو كان منه لما جعله النبي ﷺ نظير ما فعله بنو إسرائيل، وأقسم على ذلك، بل هو من الشرك الأكبر، كما أن ما طلبه بنو إسرائيل من الشرك الأكبر. والشيخ محمد بن عبد الوهاب يقول: إن هذا من الشرك الأصغر، وليس من الشرك الأكبر. فالصحابة طلبوا من النبي ﷺ شجرة يعلقون بها السيوف كما كان المشركون يعلقونها يرجون البركة، ويرجون النصر من الشجرة، فكأن المسلمين أرادوا ذلك فأجابهم النبي ﷺ بقوله: (الله أكبر إنها السنن! قلتم كما قالت بنو إسرائيل لموسى ﵊: ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا﴾ [الأعراف:١٣٨])، فشبه ما قالوه بما قالته بنو إسرائيل، وقد يكون التشبيه كلياً، وهو أن هذا كهذا، فيكون قولهم من الشرك الأكبر، أو يكون جزئياً والمعنى: تشابهتم معهم في أنهم طلبوا شيئاً لا يجوز لهم طلبه، فكان هذا شركاً أصغر فيكون في حق بني إسرائيل شرك أكبر وفي حق هؤلاء شرك أصغر. لذلك ذهب الشيخ ابن عبد الوهاب إلى أنهم شابهوا بني إسرائيل في جزئية. والشيخ حامد الفقيه يقول: هذا من الشرك الأكبر، وليس كذلك لأن النبي ﷺ لم يكفرهم، بل عذرهم بجهلهم، ثم إن ما فعله بنو إسرائيل صرحوا به وقالوا: ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا﴾ [الأعراف:١٣٨]، أي: إلهاً من دون الله نعبده، وكأن عقائد الفرعونيين كانت موجودة في قلوبهم، وإن كان موسى قد جاهدهم على التوحيد، ولكنهم سرعان أرادوا أن يرجعوا إلى ما كانوا يرونه من عبادة غير الله سبحانه، فطلبوا عبادة إله من دون الله سبحانه مجسماً يرونه، ومجرد أن ذهب موسى أربعين يوماً صنع لهم السامري عجلاً جسداً -من حلي كانت معهم- له خوار: ﴿فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾ [طه:٨٨] وعبدوه من دون الله، وهذا هو الكفر الأكبر، فرجع موسى وأخذ برأس أخيه يجره إليه: كيف تركتهم يفعلون ذلك، فأجابه: ﴿إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [طه:٩٤]. كذلك قوله لبني إسرائيل: ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف:١٣٨]، كأنهم جهلوا قدر الله ، وجهلوا عبادته وحقه عليهم، فقال: ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف:١٣٨]، ولم يكفرهم، فكذلك لم يكفر النبي ﷺ من كانوا معه ممن قالوا ذلك، وهذا فيه بيان أن الإنسان قد يطلب شيئاً لا يجوز له أن يطلبه، فيقع في الشرك بما طلب، ولكن يعذر بالجهل في ذلك؛ لأن النبي ﷺ لم يقل لهم: قولوا لا إله إلا الله حتى ترجعوا إلى الإسلام، أو لم يقل: لقد ارتددتم عن الدين فارجعوا إليه مرة أخرى، ولذلك اعتبر الشيخ محمد بن عبد الوهاب هذا من الشرك الأصغر، وفي كتابه كشف الشبهات اعتبرها من الشرك الأكبر، وكأن له قولين في هذه المسألة.

стр. 144

العذر بالجهل في مسائل الشريعة وضوابطه ومما جاء عن الشيخ محمد حامد الفقي في رسالة من رسائله قوله: إذا كنا لا نكفر من عبد الصنم الذي على قبر البدوي من العوام لأجل جهلهم وعدم من ينبههم، فكيف نكفر من لم يكفر ولم يقاتل؟ وكأنه يرد على من يقول: أنتم تكفرون الناس، فبعض الناس عندما يدعى إلى التوحيد وترك الشرك يقول: أنتم تكفرون الناس، فيرد عليهم ويقول: نحن لم نكفر أولئك مع أن ما يفعلونه كفر، وعذرناهم نكفرهم لأنهم جهال لم يعرفوا حقيقة الأمر. وهنا دليل على مسألة العذر بالجهل، فالذي يقع في الشرك بالله سبحانه وهو يعلم أن هذا شرك فهو كافر خارج من دين الإسلام، أما الذي يقع فيه وهو لا يعلم ذلك، وإنما يعتقد أنه محسن وهو في حقيقة أمره مسيء في ذلك، وذلك لبعده عن العلماء وعن الأخبار الشرعية فيعذر بجهله. يقول الله عن نبيه ﷺ : ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام:١٩]، فالنبي ﷺ منذر، قال الله له: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد:٧]، أي: ولكل قوم مرسل يهديهم ويدلهم، فإذ لم يصلهم كلام الله ، ولم يبلغهم ما قاله النبي ﷺ فيعذرون في ذلك حتى يبلغهم هذا الدين العظيم. يقول الله سبحانه: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥]. أي: لا نعذب أحداً من الخلق حتى نبعث رسولاً معه رسالة، ولم يقل: حتى نبعث نبياً، بل رسولاً معه رسالة من عند رب العالمين يخبر الناس ويبلغهم، وقال: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٤]. فجاء الذكر من عند رب العالمين على النبي ﷺ حتى يبين للخلق ما جاء من هذا القرآن العظيم. وقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لم يتبعني إلا أدخله الله النار). ففيه أن الإنسان الذي تبلغه دعوة النبي ﷺ لا يشترط أن يبلغه كل شيء فيها، ولكن يسمع بالنبي ﷺ ويسمع عن الرسالة، ويرفض أن ينظر في هذه الرسالة العظيمة وأن يتبعها، فيكون مآله إلى النار، والعياذ بالله. فمن لم يبلغه شيء من هذا الدين يعذر بالجهل، ومن بلغه شيء وجب عليه أن ينظر فيه، فإذا نظر فيه فقد سمع بالنبي ﷺ ، ولزمه اتباع هذا الدين. فإذا رفض ذلك ورده بعد أن سمع بالنبي ﷺ فسوف يحاسبه الله يوم القيامة على أنه رد رسالة النبي ﷺ . ومن الأدلة على العذر بالجهل: ما رواه البخاري ومسلم عن رجل ممن كانوا قبلنا قال لبنيه: إذا أنا مت فحرقوني، ثم ذروني في يوم شديد الريح، فإنه إن يقدر الله عليه ليعذبني عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين. فالرجل قال كلمة كفرية، وهي: إنه إن يقدر الله علي ليعذبني عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين؛ لأنه كان رجلاً مسرفاً على نفسه، ومن اعتقد أنه يقدر أن يهرب من الله أو يعجز الله فإنه يكفر بذلك. فلما مات أخذوه وأحرقوه، وفي يوم شديد الريح ذروا نصفه في البر ونصفه الآخر في البحر، فجمعه الله كما قال النبي صلوات الله وسلامه عليه، فأمر الأرض أن تأتي بأجزائه منها، وأمر البحر أن يأتي بأجزائه منه، فالأرض والبر والبحر كلها جنود من جنود الله سبحانه، فقام الرجل بين يدي الله فسأله ربه: (ما حملك على ما صنعت؟ فقال الرجل: خشيتك يا رب)، يعني: خوفي منك جعلني أجهل قدرك، فظن مع شدة خوفه من الله أنه يقدر أن يهرب من الحساب بهذا الذي فعله فغفر الله له وعذره بجهله، وكذلك عذر النبي ﷺ أصحابه بجهلهم، بل لما ذهب معاذ ﵁ إلى الشام -وهو سلطان العلماء- وجد أهل الشام يسجدون لأحبارهم ورهبانهم فجاء إلى النبي ﷺ وسجد له فقال: (ما هذا يا معاذ؟! قال: وجدتهم يسجدون لأساقفتهم وأنت أحق بذلك، قال: لا، لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها)، فنهاه النبي ﷺ عن هذا الذي فعل، فالسجود لغير الله لا يجوز في شريعتنا، وإن كان قد يجوز في الشرائع التي من قبلنا، كما ذكر الله أنه أمر الملائكة أن يسجدوا لآدم، وهذا سجود تحية. ولما جاء أبوا يوسف ﵊ دخلوا عليه وإخوته وخروا له سجداً يحيونه، وذلك كان جائزاً في الشرائع من قبل، أما في شريعتنا فلا يجوز السجود إلا لله سبحانه. فلما فعلها معاذ، وفعلها غيره مع النبي ﷺ نهاه النبي ﷺ عن هذا الذي فعله، وأخبره أنه لا يجوز السجود إلا لله سبحانه، ولم يكفره بهذه الشيء الذي فعله رضي الله تعالى عنه. وكذلك الجواري اللاتي كن يغنين فقالت إحداهن: وفينا نبي يعلم ما في غد. ومن اعتقد أن النبي ﷺ يعلم الغيب فقد وقع في الكفر بالله سبحانه، فالنبي ﷺ لا يعلم من الغيب إلا ما يعلمه الله عن طريق الوحي، أما هو بذاته فلا يعرف الغيب ﵊، وقد أمره ربه سبحانه في القرآن أن يقول: ﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ [الأنعام:٥٠]، فمن ادعى أنه يعلم الغيب فكأنه يكذب كلام رب العالمين. فلما قالت الجارية ذلك نهاها النبي ﷺ وقال لها: (لا تقولي هذا، لا يعلم الغيب إلا الله، قولوا ببعض قولكم، ولا يستجرينكم الشيطان)، أي: لا يأخذكم في الوقوع في مثل هذا الأمر. والنبي ﷺ أنكر على أصحابه بعضاً مما وقعوا فيه بدافع جهل بعضهم، فلما مدح ﷺ بشيء لا يصح أن يمدح به قال: (لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله)، ومع ذلك لم يكفرهم ﷺ ، ولم يأمرهم بأن يعودوا إلى الإسلام من جديد، وإنما عذرهم في ذلك، فقد يكون القول والاعتقاد من الكفر الأكبر المخرج لصاحبه من الملة، ولكن مع ذلك يعذر صاحبه لكونه يجهل هذا الأمر، ولبعده عن بلاد المسلمين، أو لكون هذا الأمر مما لا يعلمه إلا القليل. إن من أنكر آية في كتاب الله فقد كفر، ومن أنكر حكماً مجمعاً عليه فقد كفر، ولكن قد يعم الجهل في الناس فلا يعرفون أشياء هي في كتاب الله سبحانه، وعلى العموم من أنكرها فقد كفر، ولكن على الخصوص ينظر في هذا الذي ينكرها، هل يعلم أو لا يعلم. ففي عهد عمر ﵁ قال رجل من أهل الشام أناس يحدثونه عن الزنا، فقال: زنيت البارحة، فقيل له: سبحان الله ما تقول؟ قال: زنيت البارحة وأعلموه أن الله حرمه، فقال: ما علمته إلا الآن، فرفعوا الأمر إلى عمر ﵁ فأخبرهم أنه إذا كان كما يقول فلا ترجموه. ورجل آخر وقع بجارية امرأته ظناً منه أنها تحل له، فرفعوا أمره إلى عمر رضي الله تعالى عنه، فلما علم عمر أن هذا الرجل جاهل عذره بجهله ولم يقم عليه الحد، وإنما عزره وقال: إن عاد فارجموه. وليس معنى ذلك أن يفتح باب العذر بالجهل لكل من ارتكب جريمة أو معصية، ولكن يخوف ويعلم الحكم الشرعي، وأن هذا كفر مخرج من الملة، والواجب التوبة منه. وأيضاً لا يجوز لإنسان أن يكفر كل الناس، فلعله يكفر أباه وأمه، فإذا مات أبوه أو ماتت أمه يرث الاثنين، مع أنه إذا كانا كافرين فلا يجوز له أن يرثهما، ثم كيف يكفرهما ثم يدفنهما في مقابر المسلمين، مع أن الكافر لا يدفن في مقابر المسلمين، فالإنسان قد يقع بدعوة تشدد في شيء، ثم يناقض نفسه فيما ينبني عليه هذا الشيء الذي يقوله.

стр. 145

أقوال العلماء في مسألة العذر بالجهل من أقول الأئمة رضوان الله عليهم في هذه المسألة ما قاله الإمام الشافعي ﵀: لله تعالى أسماء وصفات جاء بها كتابه وأخبر بها نبيه ﷺ أمته، لا يسع أحد من خلق الله قامت عليه الحجة ردها؛ لأن القرآن نزل بها، وصح عن رسول الله ﷺ القول بها فيما روى عنه العدول. أي: أن أسماء الله وصفاته التي جاءت في القرآن والسنة واجب على المسلمين أن يؤمنوا بها، ولا يجوز لهم أن يردوها، فإن خالف أحد ما جاء في القرآن والسنة من أسماء الله وصفاته بعد إقامة الحجة عليه فهو كافر، أما قبل ثبوت الحجة. فمعذور بالجهل قال الشافعي؛ لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل ولا بالرؤية والفكر، ولا يكفر بالجهل بها أحد إلا بعد انتهاء الخبر إليه. والغرض من كلام الإمام رحمة الله عليه: أن الإنسان إذا لم يصله الخبر في الأمر فوقع في شيء يكفر به وهو لا يعلم فإنه يعذر بجهله في ذلك. يقول الخطابي في كتابه معالم السنن بعد أن ذكر حكم مانعي الزكاة: وأن الصحابة قاتلوهم، سواء من أنكر الزكاة فقاتلوه على أنه مرتد، أو من منعها متأولاً، فقاتلوا الجميع، ولكن لم يكفروا الجميع، وإنما كفروا من منعها إنكاراً لها فهذا مرتد عن دين الله سبحانه أما من تأول فيه فقوتل قتال البغاة. يقول ﵀: إذا أنكرت طائفة من المسلمين في زماننا فرض الزكاة وامتنعوا عن آدائها هل يكون حكمهم حكم أهل البغي؟ قال: لا، فإن من أنكر فرض الزكاة في هذه الأزمان كان كافراً بإجماع المسلمين. يقول ﵀: الفرق بين هؤلاء وأولئك أنهم إنما عذروا لأسباب وأمور لا يحدث مثلها في هذا الزمن، يعني: أن الذين كانوا في عهد أبي بكر ﵁ لما مات النبي ﷺ عذروا بأسباب وأمور ليست موجودة الآن، فكانوا يتأولون ويقولون: إن الله يقول: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة:١٠٣]، وهذا خطاب للنبي ﷺ فهو الذي يأخذ من أموالنا، وقد مات ﷺ ، ولا أحد يقوم مقامه. فعلى ذلك عذروا بجهلهم فلم يكفروا، ولكن من يقول ذلك في زماننا فلا يعذر بجهله، فقد استتب الأمر وعلم أن من أركان هذا الدين العظيم: إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، فمن أنكر الزكاة لا يقال عنه: إنه متأول كما تأول أولئك، فقد استقر الأمر وبلغ العلم للجميع في أمر الصلاة، وفي أمر الصوم, وفي أمر الزكاة. يقول ﵀: منها -أي: من الأسباب التي جعلت أولئك يعذرون بجهلهم- أن القوم كانوا جهالاً بأمور الدين وكان عهدهم بالإسلام قريباً، فدخلتهم الشبهة فعذروا، فأما اليوم وقد شاع دين الإسلام واستفاض في المسلمين علم وجوب الزكاة حتى عرفها الخاص والعام واشترك فيها العالم والجاهل فلا يعذر أحد بتأويل يتأوله. فمنكر الزكاة الآن لا يقال: إنه معذور، بل هو كافر، وكذلك الصلاة، فمن جحدها وأنكرها بعدما بلغه من كتاب الله سبحانه، ومن حديث النبي ﷺ في الأمر بها، فهو كافر كفراً أكبر مخرجاً من الملة. يقول ﵀: هذا إذا كان العلم منتشراً كالصلوات الخمس، وصوم رمضان، والاغتسال من الجنابة، وتحريم الزنا، وتحريم الخمر، ونكاح المحارم، ونحوها من الأحكام. فهذه أشياء عرفها الجميع الخاص والعام، وانتشرت في بلام المسلمين، وإنما يعذر بجهلها من ليس في بلاد المسلمين ممن لم تبلغه فرضيتها، كالرجل الذي زنا وهو في الشام ولم يعلم أن الزنا حرام، فعذر بجهله في ذلك. يقول ﵀: إلا أن يكون رجلاً حديث العهد بالإسلام، ولا يعرف حدود الإسلام فإنه إذا أنكر شيئاً منها جهلاً به لم يكفر، وكان سبيله سبيل أولئك القوم في بقاء اسم الدين عليهم. وقد يكون من أمور الدين ما هو مجمع عليه، ولكن لا يعلم ذلك جميع الناس، فلا يكفر من أنكرها. يقول ﵀: فأما ما كان الإجماع فيه معلوم من طريق علم الخاصة كتحريم الزواج بالمرأة على عمتها وخالتها، فمن أنكره جاهلاً لم يكفر. أي: ليس كل الناس يعرفون عدم جواز أن يتزوج الرجل المرأة وعمتها، أو المرأة وخالتها، وإن كان هذا الحكم مجمعاً عليه، فمن أنكر ذلك جاهلاً فلا يكفر، أما من جحد ذلك بعد معرفته الإجماع في المسألة فإنه يكفر. وكذلك من جهل أن القاتل عمداً لا يرث، وأنكر هذا الحكم فإنه لا يكفر، وإن كان هذا الحكم معروفاً عند العلماء، ولكنه ليس معروفاً عند آحاد الناس. وكذلك معرفة أن الجدة ترث السدس، فليس كل الناس يعرف أحكام المواريث، فحتى لو كان مجمعاً عليه وأنكره إنسان لجهله بالإجماع فإنه لا يكفر بذلك. وفي هذه المسألة كلام لـ ابن قدامة ﵀ في كتابه المغني، يقول فيمن جحد الصلاة: الجاحد لوجوبها إذا كان ممن لا يجهل مثله ذلك، فإن كان ممن لا يعرف الوجوب كحديث الإسلام والناشئ بغير دار الإسلام أو ببادية بعيدة من الأمصار وأهل العلم لم يحكم بكفره. فهذا معذور بجهله؛ لأنه وإن سمع بالإسلام إلا أنه لم يعرف الصلاة فأنكرها. ولذلك فإنه سيأتي يوم من الأيام لا يعرف الناس إلا لا إله إلا الله، فلا يعرفون صلاة ولا صوماً إلا هذه الكلمة يعرفها بعض عجائزهم. ولما روى حذيفة بن اليمان ﵁ هذا الحديث قال صلة بن زفر: وما تغني عنهم: لا إله إلا الله، فلم يرد عليه، ثم سأله ثانياً وثالثاً فالتفت إليه في الثالثة، وقال: تنقذه من النار. فهؤلاء لما كثر شرار الخلق ورفع علم الدين صاروا جهالاً لا يعرفون شيئاً عن الدين، وكما ذكرنا قبل أنه سيأتي يوم من الأيام -نسأل الله ألا يدركنا- يرفع فيه العلم، ويرفع فيه القرآن، ويبقى في الأرض شرار الخلق، لا يعرف إلا القليل منهم كلمة لا إله إلا الله، سمعوها من أجدادهم ومن آبائهم. ومن كلام أهل العلم في العذر بالجهل ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في الرد على البكري يقول: كنت أقول للجهمية من الحلولية الذين يزعمون أن الله يحل في الأشياء -حاشا الله تعالى عن ذلك- وكذلك النفاة الذين ينفون أن يكون الله تعالى فوق عرشه، يقول: أنا لو وافقتكم كنت كافراً؛ لأني أعلم أن قولكم كفر، وأنتم عندي لا تكفرون؛ لأنكم جهال، فهذا بعض كلام الأئمة في أمر العذر بالجهل. والذي ينبغي أن ينتبه له في هذه المسألة أنه لا ينبغي فتح الباب في العذر بالجهل فتحاً كبيراً يجعل العوام يفعلون المعاصي، ويقعون في الكبائر والكفر بالله سبحانه، ويجعلهم يتهاونون بسبب هذه القاعدة. ولا يضيق الأمر فيكفر المسلمون، ولكن عند الحاجة لذلك، فالقاضي الذي يحكم في قضايا الكفر قد يحكم بالكفر على أناس ويأتي إلى إنسان بعينه فلا يكفره، وإنما يعذره بجهله. وفي قضية من القضايا يقول فيها: من فعل كذا فقد كفر، دون أن يكفر المعين بعينه، فلعله يكون له عذر من الأعذار عند الله سبحانه. والله أعلم.
следующие страницы →