Полный текст (184 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
أنواع الشرك
يقول النبي ﷺ : (أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، فسئل عنه فقال: الرياء).
فالشرك يقسمه العلماء باعتبار ما يظهر وما يخفى: إلى شرك ظاهر وشرك خفي، والشرك الظاهر: إما أن يكون شركاً أكبر، وإما أن يكون شركاً أصغر، والشرك الخفي الرياء.
فقد يقع الإنسان في الشرك الأكبر بأن يجعل لله نداً سبحانه.
وقد يقع في الشرك الأصغر كأن يقع في الرياء، أو في يسير من الرياء، أو ينسب شيئاً لا يكون إلا لله لغير الله ، كقول القائل: لولا البط في الدار لهاجمنا اللصوص مثلاً، أو لولا نباح الكلب لجاء اللصوص.
فينسى الله ويذكر غيره.
وقد يقسم العلماء الشرك إلى قسمين: شرك أكبر، وشرك أصغر.
فالشرك الأكبر: اتخاذ الند والعديل له سبحانه.
والشرك الأصغر: ما كان من أقوال يقولها كما ذكرنا، أو كان من يسير الرياء.
وسواء جعلنا القسمة ثلاثية: شرك أكبر، وشرك أصغر، والرياء شرك خفيف، أو جعلناها ثنائية وقلنا: شرك أكبر، وشرك أصغر، فالشرك الأصغر يدخل فيه اليسير من الرياء.
ونص الحديث السابق في مسند الإمام أحمد وعند الطبراني والبيهقي عن محمود بن لبيد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: الرياء.
يقول الله تعالى يوم القيامة إذا جازى الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء).
والحديث صححه الشيخ الألباني رحمه الله تعالى في السلسلة الصحيحة، وفيه أن النبي ﷺ جعل الرياء أن يعمل الإنسان العمل الذي يكون لله فينظر فيه إلى الناس فيسمع ويرائي.
والسمعة ومأخوذة من السمع، والرياء مأخوذ من البصر.
ففي السمعة يريد أن يسمع الناس عنه، فيشتهر بأنه من أهل الدين والصلاح؛ فيقصد غير الله ، وقد يكون ذلك في العمل كله، أو في بعض العمل، ولا ينجو منه إلا من رحم الله سبحانه.
والرياء: أن يعمل العمل أمام الناس ويبتغي مدحهم على ذلك.
فالرياء والسمعة فيهما الشهرة بين الناس؛ ولذلك كان السلف يخافون من الشهرة، وكانوا يطلبون الخمول، ومعنى الخمول: عدم الشهرة، وليس معناه: ترك العمل.
وقوله ﷺ : (إن أخوف ما أخافه عليكم)، الخطاب فيه موجه للمؤمنين، فإذا كان الشرك الأصغر مخوفاً على أصحاب رسول الله ﷺ مع كمال علمهم وقوة إيمانهم فكيف لا يخافه من هو دونهم في العلم والإيمان؟ والرياء محبط للعمل؛ ولذلك جاء في الحديث القدسي أن الله سبحانه ﵎ يقول: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه) فالذي يشرك بالله سبحانه ويعمل عملاً لله ولغير الله فالله غني عن مثل هذا العمل ولا يقبله، بل يقول: اذهب إلى من كنت تعمل له ليعطيك أجراً.
وفي صحيح مسلم قول النبي ﷺ : (ما بعث الله من نبي إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم)، فأخبر أن جميع الأنبياء ناصحون لأممهم، والنبي ﷺ حق عليه أن ينصح هذه الأمة، فعلم الأمة التوحيد، وحذرهم من الشرك بالله سبحانه ﵎.
وذكر في الحديث الذي أخرجه أبو يعلى وابن المنذر عن حذيفة عن أبي بكر ﵄ قال: (الشرك أخفى من دبيب النمل، قال أبو بكر: يا رسول الله وهل الشرك إلا ما عبد من دون الله أو ما دعي مع الله؟ قال: ثكلتك أمك، الشرك فيكم أخفى من دبيب النمل)، والحديث إسناده ضعيف عند أبي يعلى، ولكن صح هذا المعنى من حديث رواه الحاكم الترمذي عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: (الشرك في أمتي أخفى من دبيب النمل على الصفا)، والصفا: الحجر الأملس.
فالشرك أخفى من دبيب النمل على الصفا، فلو أن نملة دبت على خشب لا تسمع له صوتاً؛ فإذا دبت على الحجر الأملس فلا تسمع لها صوتاً من باب أولى.
قال المصنف ﵀: (وفي الحديث أن تقول: أعطاني الله وفلان، والند: أن يقول الإنسان: لولا فلان قتلني فلان) لكن هذا ليس مرفوعاً إلى النبي ﷺ إنما المعنى: أن هذا داخل في الشرك، فبدلاً من أن ينسب الفضل لله يقول: لولا فلان، والصحيح أن يقول: لولا الله ثم فلان.
فإذا أردت أن تذكر فضلاً لأحد فابدأ بصاحب الفضل الحقيقي وهو الله ذو الفضل العظيم، ولا تجعل فلاناً عدلاً لله سبحانه، فتقول: لولا الله وفلان.
وإذا كان النبي ﷺ نهى أن يقال عنه ذلك فغيره من باب أولى كما سيأتي.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وعن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من مات وهو يدعو من دون الله نداً دخل النار)).
والند: الشريك والمثيل والنظير، ومعنى الحديث: يجعل أحداً مع الله، ولم يكن أحد من أهل الجاهلية يسوي بين الله وبين خلقه في أفعال الله سبحانه؛ فإذا سئل أحدهم من خلق كذا؟ قال: الله.
إنما تسويته في العبادة، فيعبد غير الله ويقول: يقربني إلى الله.
إذاً: جعلوا لله أنداداً في تقربهم إلى الله بالعبادة.
فإذا قال إنسان: أنا معترف بأن الله يخلق، ويرزق، ويعطي، ويمنع ويضر فأنا لست مشركاً، قلنا: إن أهل الجاهلية كانوا مقرين بذلك، ولكن الإنسان يدخل في الشرك عندما يوجه عبادته إلى غير الله أو يتلفظ بألفاظ يسوي فيها بين الله وبين مخلوقاته.
يقول ابن القيم ﵀: (الند: الشبيه، يقال: فلان ند فلان ونديده أي: مثله وشبهه) وقوله: (من مات وهو يدعو لله نداً) أي: يجعل لله نداً في العبادة يدعوه ويسأله ويستغيثه، كأن يقول: يا فلان، يا سيدي فلان، فيطلب من غير الله ما لا يطلب إلا من الله سبحانه.
إذا وقع في المصيبة استغاث بغير الله .
غير الله وليس من شرط اتخاذ الند في العبادة أن يصلي لغير الله، ولم نر أحداً من هؤلاء يصلي لغير الله، لكنه إذا دعا دعا غير الله، وإذا نذر، قال: هذا لسيدي فلان.
وقد قال الله سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣]، فهذه العبادات لا يتوجه بها إلا لرب العالمين سبحانه، والمقصود بالنسك: ما يتقرب به لله في الحج والعمرة.
وقوله: (محياي) عموم بعد خصوص، والممات لا يكون إلا لله رب العالمين سبحانه.
قال العلامة ابن القيم ﵀: والشرك فاحذره فشرك ظاهر ذا القسم ليس بقابل الغفران وهو اتخاذ الند للرحمن أياً كان لله من حجر ومن إنسان يدعوه أو يرجوه ثم يخافه ويحبه كمحبة الديان وهذا فيه كسر للتفعيلة، والصواب ما أثبتناه.
стр. 72
أقسام اتخاذ الند لله تعالى
واعلم أن اتخاذ الند على قسمين: الأول: أن يجعل لله شريكاً في أنواع العبادة أو في بعضها، وهو شرك أكبر، كأن يستغيث ويقول: يا فلان! وينسى الله .
فالاستغاثة لا تكون إلا بالله إلا أن يستغيث بحي قادر على إغاثته؛ فلا مانع كأن يقع شخص في البئر ويقول: يا فلان أدركني، فهذا ليس شركاً بالله سبحانه.
الثاني: ما كان من نوع الشرك الأصغر، كقول الرجل: ما شاء الله وشئت، ولولا الله وأنت، وكيسير الرياء -وهذه ليست كل الأنواع- فقد جاء في الحديث أن رجلاً قال للنبي ﷺ : (ما شاء الله وشئت)، أي: الذي يشاؤه الله يريده ولكن الرجل أخطأ في التعبير وقد لا يقصد هذا المعنى؛ ولذلك لم يكفر.
فقال له النبي ﷺ : (أجعلتني لله نداً)، يعني: أَحْسِن التعبير فقد أخطأت في كلامك.
فلا يليق أن تذكر الاثنين مع بعض.
وهذا الحديث حسنه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة، ورواه ابن ماجة بلفظ آخر قال الألباني فيه: حسن صحيح.
قال النبي ﷺ : (إذا حلف أحدكم فلا يقل: ما شاء الله وشئت ولكن ليقل: ما شاء الله ثم شئت).
إذاً: لك أن تقول: ما شاء الله فقط، أو تقول: ما شاء الله ثم شاء فلان.
إذاً: الذي يطلب أولاً هو الله ثم النبي ﷺ يطلب ما طلبه الله سبحانه، ويأمر بما أوحى الله إليه؛ فيكون الأمر راجعاً لله وحده كما قال: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤].
وفي هذا الحديث بيان أن دعوة غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله شرك جلي، كطلب الشفاعة من الأموات، كأن يذهب شخص إلى قبر الميت، ويطلب منه أن يشفع له عند الله مثلاً، أو يطلب له أن ييسر له أمراً ما.
فالشفاعة ملك لله تعالى وبيده، وليس بيد غيره منها شيء.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ولـ مسلم عن جابر أن رسول الله ﷺ قال: (من لقي الله لا يشرك به شيئاً دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئاً دخل النار)، فـ (شيئاً) نكرة في سياق الإثبات تطلق على أقل الأشياء.
إذاً: من لقي الله سبحانه ﵎ وهو يشرك به أقل شيء دخل النار فكيف بأكبر شيء؟! و (شيئاً) في الجملة الأولى نكرة في سياق النفي فتعم كلَّ شرك، فمن لقي الله ليس لديه أي شرك دخل الجنة.
فكل من كان وثنياً، أو كتابياً، أو زعم أنه على الإسلام وهو يعبد غير الله، ويتقرب إلى غير الله بأعمال لا تكون إلا لله سبحانه دخل تحت هذا الحديث.
يقول الإمام النووي: (أما دخول المشرك النار فهو على عمومه فيدخلها ويخلد فيها، ولا فرق فيه بين الكتابي -اليهودي والنصراني- وبين عبدة الأوثان وسائر الكفرة، ولا فرق عند أهل الحق بين الكافر عناداً وغيره).
والكافر عناداً واستكباراً هو الذي رد الحق ولم يتعلم الإسلام، وجاء الإسلام وهو يعلم أنه يوجد إسلام، لكنه لم يسأل عنه، فالنبي ﷺ قال فيه: (والذي نفسي بيده لا يسمع بي رجل من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم لا يؤمن بي إلا كان حقاً على الله أن يدخله النار) فيعلم من ذلك أن كل من سمع بالإسلام، ولم يؤمن به لا يقبل منه دين غيره، وهو من أهل النار.
يقول هنا الإمام النووي أيضاً: (ولا بين من خالف ملة الإسلام وبين من انتسب إليها ثم حكم بكفره) فمخالف ملة الإسلام هو من لم يدخل فيها، والمنتسب إليها من قال: أنا مسلم، ثم ادعى مذهباً من مذاهب الإلحاد والكفر، كالقول بالحلول مثلاً بمعنى: أن الله يحل في المخلوقات.
أو من يفعل أفعال الكفر، كالاستهانة بسنة النبي ﷺ ، أو الاستهانة بكتاب الله ونحو ذلك، فهذا وإن انتسب إلى الإسلام إلا أنه كفر بفعل أو بقول، فخرج من هذا الدين.
قال الإمام النووي: (وأما دخول من مات غير مشرك الجنة فهو مقطوع له به) يعني: الذي مات ولو كان وقع في كبيرة من الكبائر، ولكن على تفصيل: فالذي يموت وقد تاب إلى الله؛ فالله يتوب على من تاب.
والذي يموت ولم يتب إلى الله فهذا في خطر المشيئة، إن شاء الله غفر له، وإن شاء أدخله النار وعذبه.
وهذا مثل ما قلنا قبل في الأحاديث التي جاءت عن النبي ﷺ : (من قال لا إله إلا الله دخل الجنة) قيدت بقوله في الحديث الآخر: (أصابه قبل ذلك ما أصابه).
إذاً: المؤمن الذي يقول: لا إله إلا الله ولا يشرك بالله قد يكون من أهل المعاصي فيعذبه الله ما شاء في نار جهنم، ولكن يوماً من الأيام ينفعه إسلامه وتنفعه كلمة التوحيد.
يقول غير الإمام النووي: اقتصر على نفي الشرك لاستدعائه التوحيد بالاقتضاء واستدعائه إثبات الرسالة باللزوم، إذ من كذب رسل الله فقد كذب الله، ومن كذب الله فهو مشرك، وهو كقولك: من توضأ صحت صلاته، أي: مع سائر الشروط.
قوله: اقتصر على نفي الشرك يعني: من مات لا يشرك بالله شيئاً، فكلمة (لا يشرك بالله) تدل دلالة لزوم على أنه موحد لله.
стр. 73
أنواع دلالات النصوص على الأحكام
عندما نقول: هذا الشيء لازم له كذا، يعني: مترتب عليه، ودلالة الاقتضاء مثل: قول النبي ﷺ : (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) فليس المعنى رفع الخطأ والنسيان؛ لأن هذه الأمور واقعة لا محالة، لكن المراد شيء مضمر فنقدره هنا ونقول: رفع عن أمتي المؤاخذة على الخطأ والنسيان والإكراه، وهذه هي دلالة الاقتضاء وهي من دلالات اللزوم.
وكذلك في حديث سهو النبي ﷺ في الصلاة فسأله الأعرابي: (أقصرت الصلاة؟ أم نسيت؟ فقال: كل ذلك لم يكن)، لا بد أن نقدر: لم يكن في ظني أو في وهمي، وإلا كان الكلام مخالف للحقيقة؛ ولذلك سأل النبي ﷺ أصحابه (أكما يقول ذو اليدين؟ قالوا: نعم.
فرجع النبي ﷺ إلى الصلاة وصلى ركعتين وسجد للسهو).
قال: (لاستدعائه التوحيد بالاقتضاء، واستدعائه إثبات الرسالة باللزوم)، المعنى: أنه من أجل أن توحد الله سبحانه ومن أجل أن تعبده؛ لا بد أن يبين لك كيف تكون العبادة التي يريدها الله سبحانه، ويلزم من ذلك أن الذي علمك هذه العبادة أن يكون رسولاً لرب العالمين سبحانه.
إذاً: معنى كلامه (استدعاء إثبات الرسالة باللزوم) أي: اللازم في توحيدك لله سبحانه أنك عرفت كيف توحده عن طريق النبي ﷺ إذ هو الذي علمك العبادة فكان اللازم بذلك إثبات الرسالة للرسول صلوات الله وسلامه عليه.
قال: (وهو كقولك: من توضأ صحت صلاته)، أي: لا يمكن أن تصح الصلاة بالوضوء وحده، ولكن معنى ذلك: أنه توضأ وصلى وأتى في الصلاة بالأركان والشروط والهيئات المطلوبة.
إذاً: هنا اكتفى بذكر شيء عن غيره من الأشياء اللازمة له.
وهذه دلالة اللزوم.
ومن المعلوم أن أنواع دلالة اللفظ ثلاثة: دلالة مطابقة ودلالة تضمن ودلالة التزام.
فالدلالة بالمطابقة: أن يطابق اللفظ الصورة الموجودة، فإذا قلنا: إنسان؛ عرف أن له وجهاً وجسداً.
وكذلك إذا قلنا: بيت فلا بد أن توجد أرض وحيطان.
إذاً: ودلالة التضمن كأن نقول: إن هذا بيت، فالسقف داخل في البيت ضمناً ونقول: البيت يتضمن السقف.
فإذا أشرت للسقف وقلت: هذا بيت، معناه: أنه من ضمن أجزاء البيت هذا السقف.
ودلالة الألتزام كأن أقول: هذا سقف، فيلزم من ذلك وجود الحائط؛ لأن السقف لن يُرفع إلا على حائط موجود.
стр. 74
باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله
بعد أن تعلم المسلم التوحيد يدعو إلى هذا الذي تعلمه، لذلك قال المؤلف ﵀: (الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وقول الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨])، أي: قل يا محمد للناس هذه سبيلي، أي: طريقي الطريق المستوي الذي فيه أدعو إلى الله على بصيرة.
يقول ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى: قل: يا محمد هذه الدعوة التي أدعو إليها، والطريقة التي أنا عليها: من الدعاء إلى توحيد الله، وإخلاص العبادة له دون الآلهة والأوثان، والانتهاء إلى طاعته، وترك معصيته هذه سبيلي.
فسبيل الله هي التي فيها طاعة الله، وتوحيده سبحانه، والبعد عن معاصيه، قال الله سبحانه على لسان نبيه: ﴿أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف:١٠٨] أي: إلى هذه السبيل الذي هو الدعوة إلى الله وحده لا شريك له.
وقوله تعالى: ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف:١٠٨]، هنا تحتمل معنيين: المعنى الأول: ﴿أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف:١٠٨]، ﴿أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف:١٠٨] أي: أنا وأتباعي على بصيرة، وهو معنىً صحيح.
والمعنى الثاني: ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف:١٠٨]، فهو داع إلى الله ، وأتباعه أيضاً يدعون إلى الله سبحانه.
فكل من دعا إلى الله وإلى توحيده وإلى سلوك سبيله سبحانه فإمامه النبي ﷺ ، وشرطه أن يكون على بصيرة، إذاً: لا يجوز لإنسان ليس على بصيرة أن يدعو إلى الله، والبصيرة: العلم الشرعي وتعلم التوحيد.
قال: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨]، أي: منزهاً الله ، ومعظماً له؛ أن يكون له شريك في ملكه، أو معبود سواه سبحانه وأنا بريء من أهل الشرك.
стр. 75
مسائل مستفادة من هذا الباب
يقول المؤلف ﵀: (فيه مسائل منها: التنبيه على الإخلاص؛ لأن كثيراً لو دعا إلى الحق فهو يدعو إلى نفسه) وهذا داخل في قوله ﷺ الله عليه وسلم: (الشرك أخفى على القلوب من دبيب النمل على الصفا).
فقد يدعو الإنسان إلى الله ، ولكنه في دعوته يريد الشهرة والذكر، فالجزء الذي دخله الرياء من عمله يبطله وليطلب أجره من غير الله.
وما من إنسان إلا ويحدث له ذلك قل أو كثر فيستعين بالله سبحانه، ولا يترك الدعوة إلى الله سبحانه، فإذا وجد وسوسة الشيطان: افعل كذا حتى يقال كذا تعوذ بالله منه، ولا يترك الدعوة إلى الله أبداً.
والشيطان يحاول أنه يبعد الإنسان عن ربه، وقد يدخل الإنسان في الصلاة ثم يقول له الشيطان: طول قليلاً حتى ينظر الناس إليك من أجل أن يمدحوا صلاتك، أو حسن صوتك من أجل الناس، فعلى الإنسان أن ينقي نفسه من ذلك، ولا يفعل العكس، ولكن إن أراد فليطل صلاته ابتغاء وجه الله سبحانه ولينفي عن نفسه ما يقول له الشيطان، ولا يصبح لعبة له يلعب به، فيدخل في الصلاة ويبتدئ الشيطان بقوله: طول قليلاً من أجل الناس؛ فيقصر حتى يؤثر في أركان الصلاة فتضيع صلاته وتبطل.
ولكن ليطل في الصلاة وليحسن نيته ويتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وليحسن صوته في القراءة، قال النبي ﷺ : (ليس منا من لم يتغن بالقرآن)، فحسن صوتك لا من أجل الناس، لكن امتثالاً لأمر النبي ﷺ .
إن الشيطان يأتي في كل عمل من الأعمال يريد قطعها وله ثلاث حالات: إما أن يأتي للإنسان من البداية فيزين له الشهوات وبذلك يترك العبادات، أو يلبس عليه بالشبهات فيتركها، أو لا يقدر على هذه ولا هذه فيأتيه من باب الرياء في عبادته، فعليه أن يتعوذ بالله من الشيطان، ويقف مع نفسه وقفة محاسبة، ويخلص عمله لله سبحانه، والله لا يكلف نفساً إلا وسعها.
وما من إنسان إلا ويوسوس له الشيطان، وقد علمنا النبي ﷺ كيف ندفع هذه الوساوس بأن نتعوذ بالله من الشيطان، وأن يتفل الإنسان عن يساره ثلاثاً كما جاء في الحديث (إذا جاء الشيطان أحدكم يلبس عليه صلاته فليتفل عن يساره ثلاثاً) أي: يفعل ذلك، ولكن لا يترك العمل من أجل الوسوسة.
فعليك أيها الداعية أن تحسن نيتك وتخلص لله ، ولا تستمع لمن يمدحك؛ فإنه يقصم ظهرك ويقطع رقبتك، وأنت أعلم بنفسك، وكفى بالإنسان نقصاناً أن يعرف نقص نفسه ثم يصدق مدح الناس له، أما الإنسان المخلص فيكون صادقاً، مع أنه عمل هذا العمل لله وهو مقصر فيه، ولكن غاية فعله ابتغاء وجه الله .
وإياك أن تصغي لمن يمدحك؛ فإنه يعينك على المعصية وعلى الرياء لا على طاعة الله سبحانه.
وكذلك على المسلم ألا يعين غيره على الرياء، كأن يرى شخصاً يصلي فيمدحه أمامه، أو يحضر درساً فيقول للقائم به: ما سمعت مثل هذا الدرس.
فالذي صلى أو ألقى الدرس أعلم بنفسه وأنه أخطأ فيه كثيراً، لذلك قال النبي ﷺ : (احثوا في وجوه المداحين التراب)، أي: أفعلوا حتى لا يقصموا ظهوركم، وقال للذي مدح الآخر في وجهه: (قطعت عنق أخيك).
فالإنسان المؤمن أعرف بعيوب نفسه، فإذا تذكر أنه أحسن؛ فليتذكر أنه يسيء، وإذا تذكر أنه في العمل الفلاني أتقنه؛ فليتذكر أنه في غيره لم يتقن.
فلا يزال على ذلك يتهم نفسه حتى يخلص من الرياء ولا يقع في الشرك بالله سبحانه.
لكن ليحذر ترك العمل فذلك ما يريده الشيطان، فهو يريدك أن تترك الصلاة إما ابتداءً أو بإدخال الرياء عليها لتفسدها.
يقول المؤلف رحمه الله تعالى: (فيه مسائل -أي: في هذا الباب- منها: التنبيه على الإخلاص)؛ لأن كثيراً لو دعا إلى الحق فهو يدعو إلى نفسه.
ومنها: أن البصيرة من الفرائض.
ومنها: أن من دلائل حسن التوحيد: أنه تنزيه لله سبحانه عن المسبة.
أي: توحد ربك سبحانه وأنت موقن أنه لا شريك له، ولا شبيه، ولا ند له، ولا نظير له.
أما غير الله ففيه نقصان، والله وحده له الكمال .
ومنها: أن من قبح الشرك كونه مسبة لله .
ومنها: إبعاد المسلم عن المشركين لا يصير منهم ولو لم يشرك.
يعني: الإنسان يتبرأ من الشرك والمشركين خوفاً على نفسه أن يقع في ذلك.
يقول ابن القيم ﵀: ذكر الله مراتب الدعوة وجعلها ثلاثة أقسام بحسب حال المدعو يعني: في قول الله : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥]، قال: إما أن يكون طالباً للحق محباً له، مؤثراً له على غيره، فهذا يدعى بالحكمة.
يعني: تدعو من يريد أن يتعلم يعرف الحق بالحكمة، ولا يحتاج إلى موعظة وجدل؛ لأنه قابل للنصح.
قال: وإما أن يكون مشتغلاً بضد الحق لكنه لو عرفه آثره واتبعه، فهذا يحتاج إلى الموعظة بالترغيب والترهيب.
ومعنى كلامه: أن الإنسان قد يكون مشغولاً بالباطل، أو باللهو، أو بالشبهات، لكن لو عرف الحق فهذا يدعي إلى الله سبحانه بالحكمة وبالموعظة، وضرب الأمثال فإنه يستجيب.
ثم قال: وإما أن يكون معانداً معارضاً، فهذا يجادل بالتي هي أحسن فإن رجع وإلا انتقل معه إلى الجلاد.
قال سبحانه: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥]، فإذا كان يوجد جدل حسن فجادل بالذي هو أحسن، ففي الآية أمر الإنسان المؤمن أن يجادل بالأحسن لا أن يجادل بما يؤدي إلى التشاجر والخصام.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: وعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ لما بعث معاذاً إلى اليمن قال له: (إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله -وفي رواية إلى أن يوحدوا الله- فإن هم أطاعوك لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوك لذلك؛ فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوك لذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب)، متفق عليه.
أرسل النبي ﷺ معاذاً إلى اليمن في العام التاسع من هجرته ﷺ ، وظل هناك حتى توفي النبي ﷺ ثم رجع بعد وفاة النبي صلوات الله وسلامه عليه.
أرسله معلماً وحاكماً يحكمهم بشرع الله سبحانه، ويعلمهم الحلال والحرام، إذ كان أعلم هذه الأمة بالحلال والحرام رضي الله ﵎ عنه وذلك بشهادة النبي ﷺ ، وأنه يسبق العلماء يوم القيامة بخطوة.
ومع علمه ﵁ بالحلال والحرام قال له: (إنك تأتي قوماً أهل كتاب).
المعنى: أن هؤلاء ليسوا مثل المشركين الذين في مكة، إنما هم قوم أهل كتاب وعندهم علم، فهم يحتاجون لنوع معين من التعليم ونوع معين من الجدل ليقتنعوا.
ثم ذكر له النبي صلى أول ما يبدأ به في دعوتهم.
فقال: (فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ﷺ ، أو قال: إلى أن يوحدوا الله).
وتأمل هنا كيف علم النبي ﷺ معاذاً -وغيره بالتبع- كيف يدعو الناس، فلا بد أن يكون الداعي على علم بحال المدعو وبما يناسبه، لا أن يبدأ في الجدل معه على جهل بحاله، فقال له: (أنك ستأتي قوماً أهل كتاب)، أي: سيجادلونك بالتوراة، وبما عندهم من علم فجهز ردك عليهم، وفكر في طريقة الجدال معهم، وكيف تقنعهم، فهم أهل كتاب عرفوا رسل الله عليهم الصلاة والسلام، وعرفوا علامات النبي صلوات الله وسلامه عليه، ثم أشركوا بالله سبحانه فعبدوا غيره قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣٠].
فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله، فلا تبدأ معهم في إثبات وجود الله تعالى، وأنه الذي خلق السماوات والأرض، فهم يعرفون ذلك بل ابدأ في دعائهم إلى التوحيد؛ لأنهم مشركون.
إذاً: لا تعلمهم شيئاً يعرفونه فيكون ذلك تحصيل حاصل، ولكن علمهم ما يجهلونه، وما وقعوا فيه من أخطاء.
стр. 76
شرح كتاب فتح المجيد - الدعاء إلى شهادة أن لاإله إلا الله
رأس الإسلام الذي جاء به الرسل توحيد الله تعالى، وإفراده بالعبادة كما يفرد بالخلق والتدبير، ومن سلم بذلك واستسلم لمولاه سهل عليه الأمر من صلوات مكتوبات، وزكوات تخرج من وسط المال وترد على فقراء المسلمين، كما هي وصية الرسول لمعاذ إلى أهل اليمن، وهذا ما يجب على الأئمة تجاه قادتهم، أي: أن يوصوهم بما يرشدهم وينفعهم بما هم مقدمون عليه من أمور.
стр. 77
معنى كلمة التوحيد
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
سبق الحديث في كتاب التوحيد عن باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وقول الله : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨].
وعن ابن عباس ﵄: (أن رسول الله ﷺ لما بعث معاذاً إلى اليمن قال: إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله -وفي رواية: إلى أن يوحدوا الله- فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوك لذلك فإياك وكرائم أموالهم واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب).
هذا الحديث العظيم يعلم النبي ﷺ فيه معاذاً ﵁ ما الذي يصنعه عندما يأتي قوماً من أهل الكتاب.
فالباب هنا معقود للدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله، أو لما يدعى الكافر إلى توحيد الله سبحانه وتبارك وتعالى.
فبين النبي ﷺ في الحديث لـ معاذ التركيب المنطقي في الدعوة، وما الذي يبدأ به، ثم بماذا يثني، ثم بماذا يثلث، فأول ما يبدأ به في الدعوة إلى الله الدعوة إلى لا إله إلا الله، ففي الحديث هنا: (فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله -وفي رواية-: إلى أن يوحدوا الله)، وهو نفس معنى أن تدعوهم إلى أن يقولوا: لا إله إلا الله، تدعوهم إلى توحيد الألوهية.
فإذا هم أطاعوا لذلك فابدأ بالمرحلة الثانية وهي أن تدعوهم إلى الصلاة التي افترضها الله عليهم، وبين لهم ماهي هذه الصلاة.
إن شهادة أن لا إله إلا الله هي أول ما يجب على المسلم أن يتعلمه، وأن يعرف معناها ومقتضى هذه الكلمة، فمعنى لا إله إلا الله: لا معبود حق إلا الله.
وأهل الجاهلية لما فهموا هذا المعنى رفضوا الإسلام، فلما قال لهم النبي ﷺ : (قولوا لا إله إلا الله)؛ علموا أن هذه الكلمة معناها: لا خالق إلا الله، ولا رازق إلا الله، هم يعرفون ذلك وهم مؤمنون بأن الله هو الذي يخلق ويرزق وينفع ويضر، كذلك العبادة لا بد أن يوجهوها إليه وحده لا شريك له.
هذا الذي رفضه المشركون عصبية وجاهلية وحسداً للنبي ﷺ .
أن كل واحد من أهل الجاهلية كان عنده صنم خاص به يعبده إذا كان من أشراف الناس، فإذا كنت ستأمرنا أن نترك هذه الأصنام، وأن نعبد إلهاً واحداً، وتقول: إنك رسول هذا الإله، ونحن سنتبعك، وستصير الرئيس فينا، وتأمرنا افعلوا كذا ولا تفعلوا كذا فلا، فلذلك لما قال: (قولوا كلمة واحدة أضمن لكم بها الجنة، قالوا: نقول ما تشاء عشر مائة، ما هي الكلمة التي تريد؟ قال، قولوا: لا إله إلا الله، قالوا: أما هذه فلا)، رفضوا أن يقولوا لا إله إلا الله لأنهم فهموا المعنى.
فهناك فرق بين أن تقول: لا رب إلا الله، لا خالق إلا الله، وبين أن تقول: لا إله إلا الله، فمعنى لا إله إلا الله: أنا لن أعبد إلا إلهاً واحداً، ولن أتوجه بالعبادة في هذا الدين إلا إلى الإله المستحق للعبادة، ولن أصلي إلا لله، ولن أدعو إلا إلى الله سأصوم لله سأحج لله لن أشرك به شيئاً في عبادتي.
فأهل الجاهلية فهموا هذا المعنى، ولما أرسل النبي ﷺ معاذاً إلى أهل اليمن كانوا عرباً وسيفهمون هذا المعنى، فقال: (فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله) فإذا أقروا بذلك واستجابوا فاطلب منهم الشيء الثاني وهو الصلوات الخمس التي فرضها الله على عباده.
стр. 78
شروط كلمة التوحيد
لا بد في شهادة التوحيد (لا إله إلا الله) من اجتماع الشروط حتى تنفع الإنسان، وهي سبعة شروط.
стр. 79
الشرط الأول: العلم المنافي للجهل
عندما تقول: لا إله إلا الله لابد أن تفرق بين ذلك وبين أن تقول: لا رب إلا الله، والعبد الذي يدخل في الإسلام لا بد وأن يقول: لا إله إلا الله، ولو أنه قال: لا رب إلا الله لم تنفعه، فلا بد أن يقول: لا إله إلا الله؛ لأنه فرق بين الإسلام وبين أن تقر بربوبية الله، وبأن الله قادر، فهذا لا خلاف فيه، حتى أهل الشرك لم يختلفوا مع أهل التوحيد في أن الله قادر، ولذلك حصين والد عمران بن حصين لما قال له النبي ﷺ : (كم تعبد من آلهة؟ قال: سبعة أو ستة، واحد في السماء وستة في الأرض.
قال: من الذي ترجوه لنفعك وضرك؟ قال: الذي في السماء)، فالذي ينفع ويضر هو الله سبحانه، وأهل الجاهلية كانوا يعرفون ذلك، فإذا قالوا: لا رب إلا الله، فهذا شيء هم مقرون به.
أما لا إله إلا الله، ولن نعبد إلا الله، ولن ندعو غيره، ولن نتقرب إلا إليه.
هذا الذي رفضه أهل الجاهلية.
فالعلم بمعنى شروط لا إله إلا الله من مقتضى لا إله إلا الله، ولا بد لزاماً أن توجه عبادتك كلها إلى الله وحده لا شريك له.
وهذا هو مقتضى: لا رب إلا الله.
ومعنى الربوبية: أن تقر بأن الله رب كل شيء وهو الذي خلقه ورزقه ورباه ويملكه ويقدر عليه، وكل شيء تحت سلطانه وحكمه سبحانه وتبارك وتعالى، والإقرار بهذا الشيء لا يدخل الإنسان في الإسلام؛ لأنك تقول: الله يفعل، ولكن الإسلام يقول لك: وأنت ما الذي تفعل؟ فعلى المسلم أن يقول: لا إله إلا الله، مقراً بأنه هو وحده الذي يستحق العبادة، متوجهاً إليه بهذه العبادة.
فتكون لا إله إلا الله معناها: إقرار بأنه وحده سبحانه المستحق للعبادة.
فالعلم من أول شروط لا إله إلا الله، فيقول الله : ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد:١٩].
стр. 80
الشرط الثاني: اليقين المنافي للشك
الشرط الثاني: اليقين المنافي للشك.
فالذي يقول: لا إله إلا الله لا ينبغي له أن يشك: هل الإله واحد أو أكثر من واحد؟ هل نتوجه إليه وغيره معه أو إليه وحده؟ لا، بل لابد من اليقين بأن الذي يستحق العبادة هو الإله الواحد لا شريك له.
стр. 81
الشرط الثالث: القبول المنافي للرد
الشرط الثالث: شرط من شروط كلمة لا إله إلا الله: القبول، والذي ينافي الرد، فنزول الكتاب من عند رب العالمين يجعلنا نقبل هذه الرسالة، ولا ينافي هذا القبول أن يعصي العبد، إنما ينافي القبول أن يقول العبد: لا أريده، لن نعمل بهذا الذي جاء من عند رب العالمين.
إذاً: القبول هو قبول ما عند الله حتى ولو عصى، ولا ينافي هذا أن في قلبه قبولاً.
стр. 82
الشرط الرابع: الانقياد المنافي للاستكبار
الشرط الرابع: الانقياد: أن ينقاد فلا يستكبر على الله سبحانه، ولا على رسول الله صلى، فيفعل ما أمر به الله ورسوله، ولا ينافي ذلك أن يقع في المعاصي -فكل بني آدم خطاء- ما دام منقاداً لرسالة الله طائعاً لله ورسوله مختاراً لذلك منقاداً مستسلماً لدين الله سبحانه ﵎.
стр. 83
الشرط الخامس: الإخلاص المنافي للشرك
الشرط الخامس: الإخلاص المنافي للشرك: فيتوجه العبد لله بالعبادة، فلا يشرك مع الله شركاً أكبر فيعبد أصناماً، ولا شركاً أصغر فيتوجه رياء لغير الله سبحانه، قال الله سبحانه: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر:١٤] فالمسلم ينقي عبادته من شوائب الشرك بالله سبحانه، فيتوجه إلى الله وحده بالعبادة لا يشرك معه غيره سبحانه في عبادته، فإذا دعا الله سبحانه ولم يدع غيره، وإذا توسل توسل بالعمل الصالح، وبما هو مشروع.
стр. 84
الشرط السادس: الصدق المنافي للكذب
الشرط السادس من شروط لا إله إلا الله: الصدق في كلمة: لا إله إلا الله، فيصدق لسانه وقلبه بدون هزل، بهذه ولا يكذب لكي يعصم دمه وهو مكذب بها في قلبه، ولكنه صادق في هذه الكلمة عابد لله وحده لا شريك له.
стр. 85
الشرط السابع: المحبة المنافية للبغض
الشرط السابع: المحبة لله سبحانه ﵎ ولرسول الله ﷺ ، والمحبة لهذا الدين العظيم.
إن العلم يزيد المسلم محبة لله ورسوله ولدين رب العالمين، ولذلك يقول الله : ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر:٩] وفرق بين من يدعو بلا علم، وبين من درس وترقى ووصل إلى درجة من العلم عرف بها جمال هذا الدين، وجلال ربه سبحانه، ورحمة الرسول صلوات الله وسلامه عليه، فيزداد محبة لهذا الدين.
ومن المحبة لدين الله وشرعه سبحانه أن يقدمه على غيره، ولا يرضى بديلاً عنه أبداً.
هذه شروط لا إله إلا الله التي ينبغي على المسلم أنه يعمل بمقتضاها، ولا يشترط مجرد حفظها أو عدها وسردها، ولكن على الأقل أن يكون عمل هذا الإنسان وحاله موافقاً لهذه الشروط لهذه الكلمة.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: قد علم بالاضطرار من دين الرسول ﷺ واتفقت عليه الأمة: أن أصل الإسلام وأول ما يؤمر به الخلق شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ﷺ ، فبذلك يصير الكافر مسلماً، والعدو ولياً، والمباح دمه وماله معصوم الدم والمال، ثم إن كان ذلك من قلبه فقد دخل في الإيمان، وإن قاله بلسانه دون قلبه فهو في ظاهر الإسلام.
يعني: الذي يتكلم بهذه الكلمة إما أنه صادق من قلبه وإما أنه ينطق بها بلسانه لعصمة الدم، فالأول مؤمن صادق الإيمان، والثاني منافق نفعته هذه الكلمة في الدنيا فعصمت دمه وماله، وأمره إلى الله سبحانه ﵎.
стр. 86
فريضة الزكاة وكيفية جمعها وتوزيعها
يقول النبي ﷺ لـ معاذ: (فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة)، هذه هي الفريضة الثانية وأعظم الفرائض بعد كلمة التوحيد: الصلاة.
وقوله: (إن هم أطاعوا لذلك) يعني: استجابوا ودخلوا في الدين بقول لا إله إلا الله (فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة).
الصلوات الخمس فرضت على النبي ﷺ في ليلة المعراج، ولشرف الصلاة فرضت في السماء، فالصلاة ترفع العبد إلى ربه سبحانه ﵎، وهي صلة بين العبد وربه، لذا لم يفرضها على النبي ﷺ في الأرض وإنما رفعه إلى السماء وفرضها عليه فيها تشريفاً له ولأمته، وبياناً لأهمية هذه الصلاة العظيمة.
قال النبي ﷺ : (فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة -وهي الزكاة- تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم).
فالزكاة فريضة من فرائض الإسلام، لذا كانت الثالثة بعد لا إله إلا الله وبعد الصلاة، وهذا فيه دليل على أن الزكاة أوجب الأركان بعد كلمة التوحيد وبعد الصلاة.
стр. 87
كيفية جمع الزكاة
الذي يجمع الزكاة لا يجمعها ثم يبعث بها إلى النبي ﷺ ، بل من الأغنياء إلى الفقراء في البلد التي أخذت منها الزكاة، فالنبي ﷺ أرسل من يجمع هذه الزكاة نائباً عن الفقراء في أخذها، ونائباً عن الأغنياء في توزيعها على فقراء البلد.
قال النبي ﷺ : (فإن هم أطاعوك لذلك فإياك وكرائم أموالهم) يحذره النبي ﷺ أن يأخذ كرائم الأموال في الزكاة.
فعامل الصدقة إذا جاء ليأخذ زكاة أموال الناس الظاهرة من بهيمة الأنعام ونحوها فإنه يقسمها أثلاثاً، ثلث هو أفضل الأنعام التي عند صاحبها، وثلث هو أردأها، وثلث هو الوسط؛ فيأخذ الزكاة من الوسط وليس من خيارها أو رديئها ويعطي للفقراء ما لا ينتفعون به، فخير الأمور أوساطها.
قال النبي ﷺ في الحديث: (إياك وكرائم أموالهم)، يعني: لا تأخذ أفضل الأشياء التي عندهم، ولكن خذ من وسط الأموال.
стр. 88
اتقاء دعوة المظلوم في جمع الزكاة
قال: (واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب).
معاذ حاكم أرسله النبي ﷺ والياً على اليمن يؤمهم ويعلمهم ويحكمهم بينهم بشرع الله سبحانه، ويأخذ منهم زكاة أموالهم ويوزعها فيهم رضي الله ﵎ عنه.
فيحذره النبي ﷺ من دعوة المظلوم، وعمم النبي ﷺ الحكم في أي مظلوم حكم عليه بغير العدل، أو أخذ من أمواله ما لا يريد أن يعطيه، وليس من حق معاذ أن يأخذه.
إذا كان هذا معاذ وهو سلطان العلماء والسابق للعلماء يوم القيامة فغيره أولى أن يتقي دعوة المظلوم، معاذ من رآه أحبه رضي الله ﵎ عنه، فقد حبيباً للناس قد جعل الله في قلبه المحبة للناس، وجعل في قلوب الناس محبة له، وما كان معاذ ليظلم الناس وقد أرسله النبي ﷺ ليعلمهم الإسلام، وبذلك يعلم النبي ﷺ كل إنسان يتولى أمور الناس أن يحذر من الظلم، (الظلم ظلمات يوم القيامة)، ولذلك قال في الحديث: (واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب).
أي مظلوم سواء كان فاجراً أو كافراً فدعوته مستجابة عند الله سبحانه، ولذلك جاء في الحديث: (اتقوا دعوة المظلوم فإنها تصعد إلى السماء كأنها شرار)، رواه الحاكم عن ابن عمر وصححه الشيخ الألباني.
وقال النبي ﷺ : (اتقوا دعوة المظلوم، فإنها تحمل على الغمام -أي: السحاب- وترفع إلى السماء، فيقول الله ﷻ : وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين).
إذاً: على الإنسان المؤمن أن يتقي الله سبحانه ﵎ فلا يظلم أحداً من الخلق.
стр. 89
الحكم فيمن امتنع عن أداء الزكاة
يقول في شرح هذا الحديث: إن الإمام هو الذي يتولى قبض الزكاة وصرفها إما بنفسه أو نائبه، فمن امتنع عن أدائها إليه أخذت منه قهراً.
هذا الأصل في بلاد الإسلام أن الزكاة تجمع من قبل الإمام، فإذا جمعها الحاكم من الناس وجب عليهم أن يؤدوها إليه، كما أمر النبي ﷺ معاذاً أن يجمعها من الناس، وإن رفضوا أن يعطوها للنبي ﷺ أو لـ معاذ، فالنبي ﷺ قال: (ومن منعها فإنا آخذوها وشطر ماله عزمة من عزمات ربنا).
فالذي يمنع الزكاة سنعاقبه بأخذها منه قهراً.
إذا لم يوجد من يجمع من الناس الزكاة وجب عليهم أن يخرجوها ولا عذر لأحد في ذلك.
يقول: وفي الحديث أنه يكفي إخراج الزكاة في صنف واحد كما هو مذهب مالك وأحمد، أما مذهب الشافعي فلا بد من قسمة الزكاة بين الأصناف التي ذكرها الله ، هذا إذا وجدت الأصناف جميعها فلا بد من قسمتها بينهم، ولكن إن لم توجد فما وجد منها وزع.
وفي الحديث: أنه لا يجوز دفعها إلى غني ولا إلى كافر غير المؤلف.
كذلك: ترد هذه الزكاة على الفقراء فلا تعطى لغني إلا أن يكون مؤلفاً يتألف على الإسلام فيجوز أن يعطى من الزكاة ولو كان غنياً.
стр. 90
إخراج الزكاة من عموم الأغنياء
يقول هنا: وأن الزكاة واجبة في مال الصبي والمجنون، مع أن في الحديث ما ذكر فيها لا مجنون ولا صبي ولكن عمهم بقوله: (أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم)، وما قال العقلاء منهم، أو الكبار في السن، أو الرجال، أو النساء، فدل هذا على العموم، فكل من كان غنياً تؤخذ منه هذه الزكاة، سواء كان هذا الغني رجلاً أو امرأة، صغيراً أو كبيراً، وهذا قول الجمهور.
واختلف العلماء في مسألة إخراج زكاة المال عن اليتيم، فإذا ورث صبي صغير عن أبيه أموالاً فهل الولي يخرج الزكاة؟ الراجح أنه يلزمه أن يخرج زكاة المال كل سنة؛ لأن الزكاة تتعلق بالمال ولم ينظر الشارع لكون هذا يتيماً أو ليس يتيماً فتؤخذ منه، وإن كان هناك خلاف بين الجمهور وبين الأحناف في ذلك، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: تجب الزكاة في مال اليتامى عند مالك والليث والشافعي وأحمد وأبي ثور، وهو مروي عن عمر وعائشة وعلي وابن عمر وجابر ﵃، وصح عن عمر ﵁ أنه قال: ابتغوا في أموال اليتامى لا تأكلها الصدقة.
المعنى: إذا كان اليتيم وارثاً له مال فتاجروا بماله حتى لا تأكله الزكاة، هذا المال وهو واقف ينقص حتى ينتهي، فقال لهم عمر ﵁: اتجروا فيها بحيث يزيد مال الصبي ولا ينقص.
وفي الحديث: أنه يحرم على عامل الزكاة أخذ كرائم المال، ويحرم على صاحب المال إخراج شرار المال، ولكن الوسط من المال.
стр. 91
قبول خبر الواحد في الفقه والعقائد
وفي الحديث أيضاً: قبول خبر الواحد العدل، وهذا ما أخذ به علماء الحديث، فخبر الآحاد معمول به، والعلماء قسموا حديث الآحاد ثلاثة أقسام: الغريب وهو رواية فرد واحد عن مثله، وبعده؟ العزيز وهما اثنين في طبقة واحدة.
وبعده المشهور وهم ثلاثة في طبقة واحدة، كل هذا تحت حديث الآحاد.
والنبي ﷺ أرسل إلى اليمن واحداً وهو معاذ بن جبل ﵁، فأمره أن يبلغ، ومطلوب منهم أن يصدقوه ﵁، ففيه قبول خبر الواحد في الأحكام الفقهية وفي العقائد؛ لأن معاذاً واحد وذهب إليهم يدعوهم إلى لا إله إلا الله، إذاً: حديث الآحاد يؤخذ به في العقائد كما يؤخذ به في الفقه.
وفيه أيضاً: بعث الإمام العمال لجباية الزكاة، وأنه يعظ عماله وولاته، وكل من يتعامل مع الناس لا بد لمن يشغله أن يعظه ويعلمه أن يتقي الله في الناس: لا تأخذ أموال الناس باطلاً.
احذر أن تظلم الناس فإن دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب.
стр. 92
توجيه ترتيب العبادات في حديث معاذ
في الحديث لم يذكر النبي ﷺ الصوم ولا الحج مع أنها من أركان الإسلام، فيغني عنه حديث: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلاً).
الحديث ذكر أشياء هامة والباقي يأتي بالتبع، فعلى ذلك لم يذكر له الصيام أو الحج، فإذا جاء وقت الصيام سيذكر لهم معاذ الصيام الذي عليهم، فإذا قبلوا هذه الأشياء وهي الأهم الصلاة -عبادة بدنية- والزكاة -عبادة مالية- فإن غيرها أسهل في القبول، فعلى ذلك لم يذكرها في هذا الحديث اكتفاء بما ذكر ﷺ ، وعندما يحين الوقت فسوف يأمرهم معاذ بأمر الله في ذلك.
يقول شيخ الإسلام: إن العلماء أجابوا عن ذلك بجوابين: الأول: أن ذلك بحسب نزول الفرائض، وأول ما فرض الله الشهادتين ثم الصلاة.
يعني: كما أن الله سبحانه ﵎ تدرج مع المسلمين فبدأ بالتوحيد وعلمهم العقائد، ثم أمرهم بالصلاة، وفي العام الثاني من الهجرة النبي ﷺ فرض عليهم الصيام والزكاة فعلى ذلك بدأ بالفرائض بحسب نزولها.
هذا قول.
الثاني: أنه كان يذكر في كل مقام ما يناسبه، وهذا صحيح؛ فإن النبي ﷺ ذكر له ما يناسب المقام، فهو ذاهب إليهم ليدعوهم إلى الدين كله، وهو من أعلم الناس بشهادة النبي ﷺ ، وهو أعلم المسلمين بالحلال والحرام، كما قال: (أعلمكم بالحلال والحرام معاذ)، فأرسل معاذاً ليعلمهم مما علمه الله ، ولكن بين له أهم الأشياء الواجبة لله ﵎ وهي إفراده بالعبادة، ثم الواجب البدني وأهمه الصلاة، ثم الواجب المالي وهو دفع الزكاة، وغير ذلك فهو إما عبادة بدنية وإما عبادة مالية أو بدنية ومالية.
стр. 93
وصايا الرسول لقادته
يقول المصنف ﵀: ولهما -يعني: البخاري ومسلم - عن سهل بن سعد ﵁: (أن رسول الله ﷺ قال يوم خيبر: لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ويحبه الله ورسوله).
كانت خيبر سنة سبعة من هجرة النبي ﷺ ، ففي يوم خيبر قال النبي ﷺ للمسلمين: (لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله)، كونه يقول: سنعطي الراية لمن هذه صفته فكل المسلمين يتمنون ذلك: (فبات الناس يدوكون ليلتهم) باتوا يخوضون فيمن سيستلم الراية غداً، وكل منهم يتمنى أن يكون هذا الذي يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، قال: (فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها.
فلما أصبحوا غدوا على رسول الله ﷺ كلهم يرجو أن يعطاها).
نلاحظ أن النبي ﷺ ما كان يولي أحداً يطلب الولاية، عادة النبي ﷺ في المسلمين أن الذي يطلب ولاية أنه ما كان يعطيه، وكان يقول: (إنا لا نولي هذا الأمر من طلبه)، لكن المسلمين كانوا يطلبونها في تلك الليلة خاصة لينالوا شرف قول النبي ﷺ : (ويحبه الله ورسوله)، رجاء أن يكون هذا الشخص يحبه الله ورسوله.
فقال النبي ﷺ : (أين علي بن أبي طالب؟)، وفي الحديث نفسه في الصحيحين عن سلمة بن الأكوع يقول: كان علياً أرمد، كان في هذه الليلة قد أصابه رمد في عينيه فلا يرى شيئاً، فكاد يتخلف عن النبي ﷺ ، فقال في نفسه: أنا أتخلف عن رسول الله ﷺ ؟ فخرج علي ﵁ وما كانوا يرجونه.
يعني: ما كان على بال أحد أبداً أن يأتي علياً رضي الله ﵎ عنه؛ لأنه موجود في المدينة وعينيه فيها رمد ولا يقدر على القتال، فعلى ذلك تخلف، ومع ذلك خرج ليدرك النبي ﷺ ، فلما خرج لحق بالنبي ﷺ ، فلما قال النبي ﷺ ذلك: (أين علي بن أبي طالب؟ قيل: هو يشتكي عينيه.
قال: فأرسلوا إليه)، فلما جاء علي رضي الله ﵎ عنه أتي به فبصق في عينيه ودعا له النبي ﷺ ، فبرئت عينه ﵁ وصحت، قال: (فبصق في عينيه ودعا له فبرئ كأن لم يكن به وجع فأعطاه الراية، فقال: انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام).
يقول النبي ﷺ : (انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام)، يعني: لا تقاتلهم مباشرة، ولكن ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه، (فو الله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم).
فالنبي ﷺ يبين أن الهداية إلى دين الله سبحانه والاهتداء أفضل من القتال والجهاد، وأن هؤلاء لو يهديهم الله طائعين أفضل من أن تكرههم بالجهاد في سبيل الله ، حتى لو كان رجلاً واحداً يهديه الله على يديك.
يقول النبي ﷺ في رواية: (إني دافع اللواء إلى رجل يحبه الله ورسوله) واللواء هو العلم الذي يذهب به في القتال، فهنا كان للنبي ﷺ راية ولواءً، وكأن أحدهما أكبر من الآخر.
يقول شيخ الإسلام: (ليس هذا الوصف مختصاً بـ علي ولا بالأئمة؛ فإن الله ورسوله يحبان كل مؤمن تقي يحب الله ورسوله)، يعني: بعض الناس يأخذ من قول النبي ﷺ : (لأعطين الراية غداً لرجل يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله) ويقصرها على علي فقط، فيقول شيخ الإسلام: إن الأمر ليس محصوراً في علي فقط، ولكن في هذا اليوم ذكر له النبي ﷺ ذلك تمييزاً وتفضيلاً، ولكن ليس معناه أنه فقط هو الذي يحبه الله دون سائر المؤمنين، وقد قال الله : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١]، إذاً: كل من يطع الله يحبه الله سبحانه بدلالة هذه الآية.
لما ذكر النبي ﷺ في الحديث أن هذا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، وأعطى الراية لـ علي ﵁، وبصق في عينه ﵊، ودعا له فبرئ، وفي رواية أخرى يقول علي: فما رمدت ولا صدعت منذ دفع النبي ﷺ إلي الراية.
يعني: من هذا اليوم لم يصب علي ﵁ برمد ولا صداع بعدما تفل النبي ﷺ في عينيه ودعا له.
ثم قال له النبي ﷺ : (انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام).
الإسلام هو: الاستسلام لله سبحانه ﵎ والخضوع لله والعبودية له وحده.
لذلك فالإنسان المسلم لا بد أن يتأمل هذه الكلمة، فلا يعصي الله ويقول: أنا مسلم لله سبحانه أي: مسلم نفسي مذعن لأمر الله، مطيع مستسلم له، فذلك ينافي أن يعصيه وأن يستكبر على الله سبحانه ﵎.
فالإسلام استسلام كامل لله سبحانه ﵎، ولذلك جاء في الحديث أن النبي ﷺ لما سئل عن الإسلام قال: (الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت).
الإسلام أعمال ظاهرة تفيد استسلاماً وانقياداً لله سبحانه ﵎.
يقول شيخ الإسلام ﵀: ودين الإسلام الذي ارتضاه الله وبعث به رسله هو الاستلام له وحده، فأصله في القلب، والخضوع له وحده بعبادته وحده دون ما سواه، فمن عبد الله وعبد معه إلهاً آخر لم يكن مسلماً.
فهذا لم يستسلم لله، فلا بد وأن تكون العبادة خالصة للرب وحده لا شريك له.
ومن استكبر عن عبادته لم يكن مسلماً، والأصل: أن الإسلام هو استسلام بالقلب، وعمل القلب يعبر عنه اللسان بقول لا إله إلا الله، أما الإيمان فأصله: تصديق القلب وإقراره ومعرفته، فهو من باب القول القلبي المتضمن عمل القلب.
في قول النبي ﷺ : (فو الله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم) حمر: جمع أحمر، وبهيمة الأنعام عند العرب أفضلها وأنفسها وأغلاها عندهم النوع الأحمر من الإبل ونحوها، فالنبي ﷺ يقول: إذا هدى الله بك رجلاً واحداً هذا أفضل من أن تجمع أنفس وأغلى وأعلى الأموال.
стр. 94
إسلام العبودية لله وحده
قال المصنف ﵀: باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله.
وقول الله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء:٥٧].
يذكر الله هؤلاء الذين عبدوا المسيح من دون الله، وعبدوا عزيراً من دون الله، وعبدوا أصناماً وملائكة وجاناً من دون الله واتخذوهم آلهة، فيقول: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ [الإسراء:٥٧] أصلها: هؤلاء الذين يدعونهم ويؤلهونهم يتبرءون من عبادتهم، وهم يتقربون إلى الله بكافة وجوه الخير، عبدوا المسيح والمسيح عبد لله وتقرب إلى الله سبحانه، وعبدوا عزيراً وعزير يعبد الله ويتقرب إليه، ويرجو إليه الوسيلة.
وعبدوا الملائكة من دون الله والملائكة تعبد الله سبحانه وتبتغي إليه الوسيلة -يعني: تفعل الخيرات تبتغي رضاه سبحانه ﵎ وعبدوا الجان من دون الله وأسلم الجان فعبدوا الله وتبرءوا من هؤلاء وظل هؤلاء على عبادتهم الباطلة.
وقوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ [الإسراء:٥٧]، يبتغون كل وسيلة تقربهم من الله سبحانه ﵎، ويعبدون الله بكافة وجوه العبادة.
وقوله: ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ [الإسراء:٥٧] يعني: يتسابقون من منهم أقرب إلى الله؟ وكل من الجن والملائكة والرسل يبتغي إلى الله الوسيلة، ويبتغي أن يكون مقرباً عند الله .
قال تعالى: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء:٥٧]، الدعاء وذكر الله له مقامات ثلاثة كما يقول الإمام ابن القيم ﵀: مقام الحب لله سبحانه والتوسل إليه: يحبون الله فيتوسلون إليه بأعمال صالحة حتى يقربهم إليه، فهنا الحب ابتغاء التقرب إلى الله سبحانه ﵎ والتوسل إلى ذلك بالأعمال الصالحة.
مقام آخر وهو الرجاء: رجاء ما عند الله من ثواب، مقام ثالث وهو: أنهم يخافون العقاب، قال: ﴿وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء:٥٧] فشروط العبادة: أنك تحب الله سبحانه الذي تتقرب إليه وتخافه وترجوه، والرجاء فيما عنده، والخوف مما عنده سبحانه.
إذا كانت هذه صفات الأنبياء والرسل والأولياء والمقربين من الملائكة إلى الله ﵎ الكل يخافون ويحبون ويرجون، إذاً العبادة لا تكون إلا بكمال الحب لله سبحانه، وبكمال الخوف والذل بين يديه، وبكمال الرجاء فيما عنده سبحانه ﵎، كما في المسند عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده: أنه قال للنبي ﷺ : والله يا رسول الله! ما أتيتك إلا بعدما حلفت عدد أصابعي هذه ألا آتيك.
كان الكفرة يحذرون الناس من الذهاب للنبي ﷺ ، فكان أحدهم حتى يمنع نفسه من الذهاب إلى النبي ﷺ يحلف على ذلك عدة أيمان، فيكي بهز هنا أنه عد على أصابع يده أنه لن يذهب للنبي ﷺ ومع ذلك ذهب، والله يهدي من يشاء.
يقول: أتيت النبي ﷺ حين أتيته فقلت: والله ما أتيتك حتى حلفت أكثر من عدد أولاء ألا آتيك ولا آتي دينك، وجمع بهز بين كفيه -يعني حلف بعدد أصابعه العشرة أنه لن يدخل في هذا الدين- قال: وقد جئت أمراً لا أعقل شيئاً إلا ما علمني الله ﵎ ورسوله ﷺ يعني: من يهدي الله فلا مضل له، أراد الله به الهداية مع أنه حلف هذه الأيمان، ومع ذلك ذهب إلى النبي ﷺ فاهتدى ودخل في هذا الدين.
يقول: إني سائلك بوجه الله -يعني: أسألك وأغلظ عليك في اليمين- بعثك الله إلينا؟ فقال النبي ﷺ : (بالإسلام.
قال: قلت: وما آيات الإسلام؟)، أي: ما هي العلامات والآيات التي فيها الإسلام.
قال النبي ﷺ : (أن تقول: أسلمت وجهي لله وتخليت).
هذه رواية، وفي الرواية الأخرى: (أن تسلم قلبك وأن توجه وجهك إلى الله).
الإسلام: أن تسلم قلبك لخالقك سبحانه ﵎، وتوجه وجهك وتستقيم على هذا الدين، فلا تتوجه ولا تلتفت عنه إلى غيره سبحانه.
فقول النبي ﷺ : (أن تقول: أسلمت وجهي لله وتخليت).
هذه هي كلمة لا إله إلا الله، هذه الكلمة المعنى الذي فيها هو: أسلمت لله، وجهت وجهي لله، آمنت بالله، وتخليت عن غيره من الآلهة، أي: تركت جميع الآلهة والأنداد من دون الله .
فتقول: لا إله إلا الله يعني: تركت جميع الآلهة فلا أعبد إلا إلهاً واحداً.
قال النبي ﷺ : (أن تقول: أسلمت وجهي لله وتخليت، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، كل مسلم على مسلم محرم).
يعلمه النبي ﷺ هذا الدين العظيم، وأن المسلم أخ للمسلم لا يخذله، لا يتركه، (المسلم للمسلم كالبنيان يشد بعضه بعضاً).
فقال ﷺ بعدما ذكر التوحيد والصلاة، والزكاة: (كل مسلم على مسلم محرم، أخوان نصيران، لا يقبل الله من مشرك أشرك بعدما أسلم عملاً، وتفارق المشركين إلى المسلمين).
يعني: إذا أسلمت فاترك ديار الشرك وائت دار الإسلام وعش مع المسلمين لتعبد الله تعالى بينهم، ولا تكثر سواد المشركين.
قال النبي ﷺ في الحديث نفسه: (ما لي أمسك بحجزكم عن النار؟) يعني: العجيب من أمرهم وأمره ﷺ أنه خائف عليهم ويمسك بحجزهم، والحجزة هي موضع ربط الحزام -يعني: كأنه مسكهم من المكان الذي لا يفلتون منه- ومع ذلك يتفلتون بشركهم وبمعاصيهم فيقعون في النار فيعذبهم، أنا أدلكم على الخير، وأحذركم من الشر، وآخذ بحجزكم حتى أبعدكم عن النار، ومع ذلك أنتم تصرون على ذلك.
يقول: (ما لي أمسك بحجزكم عن النار، ألا إن ربي داعي وإنه سائلي) أي: الله داعي النبي ﷺ يوم القيامة وسائله، ثم قال ﷺ : (فليبلغ الشاهد منكم الغائب، ثم إنكم مدعوون مفدمة أفواهكم بالفدام).
هذا مما علمه النبي ﷺ لـ معاوية بن حيدة القشيري ومعنى: إنكم مدعوون أي: بين يدي الله ليسألكم.
والفدام: الرباط الذي يوضع على فم السقاء أو الإناء حتى لا ينسكب ما بداخله.
و (مفدمة أفواهكم) يعني: مغلق على (أفواهكم) يوم القيامة حتى تنطق جوارحكم.
قال: (ثم إن أول ما يبين عن أحدكم لفخذه وكفه)، أي: أن أول ما ينطق فخذ الإنسان وكفه، الفخذ ينبئ ويخبر أنه عمل كذا وكذا، ووقع في الحرام بكذا وكذا، وكف الإنسان أخذ مالاً حراماً، وسفك دماً حراماً، وتعاطى حراماً بكذا وكذا، فينطق هؤلاء ولسانه لا ينطق.
قال: قلت: (يا نبي الله! هذا ديننا؟ قال: هذا دينكم، وأينما تحسن يكفك) أي: في أي مكان وكيفما أحسنت يكفيك إحسانك عند الله .
стр. 95
منارات الإسلام
وفي الحديث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (إن للإسلام صوى ومناراً كمنار الطريق) الصوى: هي العلامة التي توضع في الطريق في الصحراء، كحجارة مثلاً تبين اتجاه الشمال والجنوب.
كذلك دين الإسلام دين عظيم كبير واسع له علامات وهي الصلاة والزكاة والصوم ومنائر كهذه التي تعرف بها الطريق، يقول: (إن للإسلام صوى ومنائر كمنار الطريق، من ذلك: أن تعبد الله ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة)، هذه علامات الإسلام، وهي علامات تدل على أن هذا الإنسان قد قبل دين الله سبحانه ورضي بأن يوحد الله ، ومن ذلك أن يقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويصوم رمضان، قال: (والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر).
الحديث حديث حسن أو صحيح.
وهناك رواية أخرى هي أجمع من هذه الروايات عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (إن للإسلام صوى ومناراً كمنار الطريق، منها: أن تؤمن بالله ولا تشرك به شيئاً، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن تسلم على أهلك إذا دخلت) هذا من علامات الإسلام، ومنها: أن تسلم إذا دخلت بيتك بتحية الإسلام لا تستبدلها.
قال: (وأن تسلم على القوم إذا مررت بهم، فمن ترك من ذلك شيئاً فقد ترك سهماً من الإسلام)، ليس المعنى: أنه كفر بترك هذه الأشياء ولكن ترك سهماً، لأنه عصى، أما من الأشياء التي قوام الدين فيها كالتوحيد فمن تركه فقد كفر وخرج من الدين، قال: (ومن تركهن كلهن فقد ولى الإسلام ظهره).
أي: من ترك التوحيد والصلاة وكل ما في الإسلام فقد ولى الإسلام ظهره.
إذاً: قول الله سبحانه: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ [الإسراء:٥٧] معناه: أن أولئك الصالحين أو الملائكة أو الأنبياء والرسل الذين تدعونهم من دون الله هم يعبدون الله ولا يشركون به شيئاً، ويبتغون إلى الله الوسيلة أيهم أقرب، ويتسارعون إلى الله في الخيرات، ويرجون رحمته ويخافون عذابه ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء:٥٧]، فالواجب على المسلم أن يعبد الله سبحانه بكمال الحب وكمال الخوف وكمال الرجاء.
стр. 96
دعوة إبراهيم قومه إلى التوحيد
قال الله سبحانه ﵎: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف:٢٦ - ٢٨].
سيدنا إبراهيم إمام الحنفاء صلوات الله وسلامه عليه وأبو الأنبياء ﵊، ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ [الزخرف:٢٦] أي: إنني أبرأ إلى الله من شرككم، وكانوا يعبدون الأصنام من دون الله سبحانه، فدعاهم إلى الله تعالى فلما عصوا وأصروا على ما هم فيه تبرأ منهم ومن عبادتهم الباطلة، وقال: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ﴾ [الزخرف:٢٦] أي: بريء منكم ومما تعبدون من دون الله، ولكن أعبد إلهاً واحداً، قال: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف:٢٧].
إبراهيم ﵊ كان واحداً يدعو إلى الله سبحانه ﵎، ولذلك لما قال للملك عن زوجته: إنها أختي.
قال: وليس على وجه الأرض مسلم غيري وغيرك.
يعني: في هذا المكان الذي هو فيه، وإن كان لوط في مكان آخر ﵊ وهو مسلم لله، ولكن الغرض أن الذين يعبدون الله كانوا قلة في زمن إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام.
فقال متبرئاً من هؤلاء الكفرة الذين يعبدون غير الله: أنا بريء مما تعبدون، ما نظر إلى ضعفه وقوتهم إلى عددهم وهو وحده، لا ولكن تبرأ من هؤلاء وأتى ربه سبحانه بقلب سليم، فجعله الله إمام الحنفاء، وأبا الأنبياء على نبينا وعليهم الصلاة والسلام.
هنا إبراهيم ﵊ في بلده العراق يدعو إلى الله أهله الذين عبدوا أصناماً من دون الله سبحانه، ثم هاجر إلى الشام فوجدهم يعبدون النجوم والكواكب من دون الله، فدعا هؤلاء ودعا هؤلاء والجميع لم يستجب له وهو مصر على دعوته، متبرئاً مما هم فيه من باطل.
تدبر كيف عبر الخليل ﵊ عن هذه الكلمة الطيبة بمعناها الذي دلت عليه: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف:٢٦ - ٢٧] هو نفسه معنى كلمة لا إله إلا الله، يعني: كل ما تعبدونه آلهة باطلة لا أعبدها إلا إلهاً واحداً هو الله، هذا مقتضى لا إله إلا الله.
وقال الله سبحانه ﵎: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣١]، هؤلاء عبدوا الشمس والقمر، وعبدوا النجوم والكواكب والأصنام من دون الله، وأولئك اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله، كما في حديث عدي بن حاتم قال: (انطلق إلى النبي ﷺ فتلا عليه النبي ﷺ هذه الآية.
قال: يا رسول الله! إنا لسنا نعبدهم.
قال: أليس يحلون لكم ما حرم الله فتحلونه، ويحرمون ما أحل الله فتحرمونه؟ قال: بلى.
قال النبي ﷺ : فتلك عبادتهم).
الحديث رواه الترمذي بلفظ قريب من هذا اللفظ وفيه: (أتيت النبي ﷺ وفي عنقي صليب من ذهب).
كان عدي نصرانياً عليه صليب من ذهب، وكان السبب في ذهابه أنه كان هارباً من النبي ﷺ ، وجاءت سرية من عند النبي ﷺ وفيهم خالد بن الوليد ﵁ وأسروا قومه، ومن ضمن هؤلاء عمته، فلما ذهبوا إلى النبي ﷺ نظر إليها وهي أسيرة عنده فلم يعرفها، فأشار عليها علي أن تذكر للنبي ﷺ أنها أخت حاتم الطائي لعل النبي ﷺ يرحمها، فقد كان أخوها له كرم في الناس مشهور، وكان النبي ﷺ يحب الكرم، فهذه المرأة لما قالت للنبي ﷺ : إنه هلك الوافد وغاب الوالد إلخ، فالنبي ﷺ قال: (من وافدك؟ قالت: عدي بن حاتم.
قال: ذاك الفار من الله ورسوله ﷺ ؟ قالت: نعم.
واستحيت أن تطلب من النبي ﷺ شيئاً، ثم مر بها النبي ﷺ فغمزها علي أن تعيد الطلب من النبي ﷺ ، فالنبي ﷺ حررها ﵊ بعدما كانت مع الإماء، وأمرها أن تنتظر حتى ينعم عليها ويحملها ﷺ إذا أتى إليه مال، فأتاه مال فحملها ﷺ وأعطاها طعاماً ورجعت إلى عدي)، ولما وصلت إليه قالت له: لو كان أبوك حياً ما فعل ما فعل، اذهب إليه ﷺ .
وكان عدي هارباً إلى الشام من النبي ﷺ وكره مقامه في الشام، وكان كارهاً لمجيء النبي ﷺ ، ولكن كان أشد كراهة لما وجده في الشام، فرجع وذهب للنبي ﷺ وهو لابس صليب، فقال النبي ﷺ : (يا عدي! اطرح عنك هذا الوثن، فقال: (وسمعته يقرأ في سورة براءة: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣١] قال: أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم -هذه رواية الترمذي.
كأن عدياً أنكر هذا- فقال له النبي ﷺ : أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم -يعني: بصلاة ولا بصوم- ولكن كانوا إذا أحلوا لهم شيئاً استحلوه).
فإذا قال: الأحبار والرهبان هذا حلال يحلونه، أو هذا حرام يحرمونه.
قال: (وإذا حرموا عليهم شيئاً حرموه) والحديث حسن.
وفيه: أن النبي ﷺ بين معنى من معاني العبادة: أن الإنسان يتبع إنساناً يشرع له غير ما شرع الله سبحانه، الله يقول هذا حلال ويقول آخر وهذا حرام، فيتبعه الناس على ذلك، مع أنهم يعرفون أن الله حرم ذلك أو أحل ذلك، فيخالفون ربهم اتباعاً لقادتهم ولمن هم معهم، فهذا كفر بالله سبحانه، وهذه عبادة غير الله مع الله ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣١].
стр. 97
شرح كتاب فتح المجيد - تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله
توحيد الله يتضمن توحيده في العبادة والربوبية، وأن نصفه بما وصف به نفسه في الكتاب والسنة من أسماء وصفات من غير تأويل ولا تحريف ولا تعطيل ولا تكييف، وكل معبود من دون الله تعالى في الحقيقة فهو يعبد الله سبحانه ويرجوه؛ ولذلك يجب على المؤمن التبرؤ من الشرك وأهله، قبل أن يتبرأ يوم القيامة فلا يقبل منه، وطاعة غير الله واتباعه معناه: اتخاذه رباً من دون الله، وهذا شرك بالله سبحانه.
стр. 98
معنى التوحيد وأقسامه
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله.
وقول الله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء:٥٧] وقوله : ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف:٢٦ - ٢٨].
هذا الباب هو الباب السادس من كتاب التوحيد وفيه تفسير توحيد الله ، توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات.
فالله هو الإله، ومعنى: لا إله إلا الله، أي: لا معبود بحق إلا الله ، وتوحيد الألوهية من توحيد العبادة: وهو إفراد الله بالعبادة، وذكرنا قبل ذلك أن الله هو الإله سبحانه، بمعنى: المعبود، وغيره آلهة باطلة يعبدها أهل الشرك، وهي لا تستحق العبادة، فلما تقول: لا إله إلا الله يعني: لا معبود بحق إلا إله واحد وهو الله سبحانه.
وتوحيد الألوهية مقتضاه: أن العباد يتوجهون إلى الله سبحانه بالعبادة.
وتوحيد الربوبية مقتضاه: أن الله وحده الرب الذي ينفرد بالخلق، وبالأمر، وبالتشريع، وبالتدبير للكون، وبتربية خلقه وتنشئتهم سبحانه، وأن يرزقهم ويعطيهم وينفعهم، ويضرهم، ويمنعهم ويعزهم ويذلهم، ومقتضى أنه رب: أنه يفعل أفعالاً لا يقدر أن يفعلها غيره.
ولله الأسماء الحسنى، فتوحيد الأسماء والصفات: أن تؤمن بأن الله له الأسماء الحسنى والصفات العلى، وقد قال النبي ﷺ في الحديث: (أسألك بكل اسم هو لك) فالله واحد سبحانه وله أسماء حسنى كثيرة، يقول: (أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو علمته أحداً من خلقك، أو أنزلته في كتابك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني وذهاب همي وغمي) فالله له الأسماء الحسنى، وفي الحديث: (إن لله تسعةً وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة).
إذاً: فتوحيد الأسماء والصفات يتعلق بأسمائه، وله أسماء كثيرة وصفات عالية عظيمة، كلها له وحده ، فنصفه بما وصف به نفسه، ولا ندخل في صفاته متوهمين ولا متأولين ولا محرفين ولا نافين، ولكن نثبت له ما أثبت لنفسه سبحانه على المعنى الذي علمه وعلم خلقه إياه، فتفسير التوحيد: أن توحد الله في ألوهيته وفي ربوبيته وفي أسمائه وصفاته، فهو الإله الواحد له الأسماء الحسنى والصفات العلى، وكلها ترجع إليه وحده لا شريك له، ولا يشابهه فيها أحد من خلقه، فهو متعال عن الألقاب والأنساب والأشباه والنظائر .
стр. 99
تفسير قول الله تعالى: (أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة)
وتفسير قول الله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ [الإسراء:٥٧] أي: أولئك الذين يدعون من المشركين، يعني: هؤلاء الذين يطلب منهم المشركون النفع والضر يبتغون إلى ربهم الوسيلة، والمشركون عبدوا غير الله، واليهود عبدت عزيراً من دون الله، قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣٠] فالمسيح وعزير ممن يبتغون إلى ربهم الوسيلة، يعني: يعبدون الله ويتقربون إليه ويرجون المنزلة عنده سبحانه، ويتوسلون بالأعمال الصالحة للقبول عنده وللقرب منه .
فقوله تعالى: ﴿يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء:٥٧] يعني: يسارعون إلى طاعة الله ، ويتسابقون إليه، سواء كان المسيح أو العزير أو الملائكة أو الجن، ولذلك جاء فيها من كلام بعض الصحابة كـ ابن عباس ﵄ أن أناساً من المشركين كانوا يعبدون الجن، فأسلم الجن وبقي هؤلاء على شركهم، والمعبودون الذين عبدوا من دون الله لم يرضوا بذلك، وعبدوا الله وحده، وهؤلاء المشركون ما زالوا في عبادتهم لهؤلاء الجن الذين أسلموا، قال سبحانه في هذه العبادة: ﴿يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء:٥٧]، والعبادة تكون على الرجاء والرهبة، فتحب الله وتخاف منه، وهذا لا يكون إلا لله ، أي: كمال الحب مع كمال الخوف، وكمال الرغبة مع كمال الرهبة، فتحب ربك وأنت تخاف منه ، فهؤلاء من ملائكة ومن رسل كرام عليهم الصلاة والسلام ومن جان عبدوا الله راجين رحمته خائفين من عقوبته، فالإنسان الذي يعبد الله حق العبادة يكون خائفاً منه سبحانه راجياً له، قال تعالى: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء:٥٧] يعني: المؤمن يحذر من عذاب الله، ومن اطلع على هذا العذاب منه، ولذلك (لما خلق الله سبحانه الجنة والنار أمر جبريل أن يذهب فينظر إلى الجنة، فنظر إليها ورجع قال: لا يسمع بها أحد إلا دخلها، ثم خلق النار وأمره أن يذهب فينظر إليها، فنظر إليها ورجع، فقال لربه سبحانه: لا يدخلها أحد) فالله جعل الجنة حولها المكاره، وحفت الجنة بالمكاره، وجعل النار حولها الشهوات، وحفت النار بالشهوات، وأمر جبريل أن يذهب فينظر فرجع فقال عن الجنة: أخشى أن لا يدخلها أحد من كثرة المكاره التي حولها، والنار من كثرة الشهوات التي تؤدي إليها قال: أخشى أن يدخلوها، يعني: كلهم.
فالغرض: أن الله أخبر عن عذابه وعن ناره أنها كانت محذورة، قال تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء:٥٧]، فمن اطلع حذر، لذلك جبريل يقول: لو سمعوا عنها ما دخلوها، بسبب نسيان العذاب والشهوات الكثيرة التي يقدم الإنسان عليها وينسى ربه .
стр. 100
تفسير قوله تعالى (وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إلا الذي فطرني فإنه سيهدين)
وقول الله سبحانه: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ [الزخرف:٢٦] ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف:٢٧]، هذا إبراهيم إمام الحنفاء وأبو الأنبياء عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، قال لأبيه وقومه وهم على كفرهم: إنني براء مما تعبدون، يعني: أبرأ إلى الله مما تعبدون، ففيها التبرأ من الكفر ومن أصحابه، قال تعالى: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ [الزخرف:٢٦] إلا إله واحد أعبده وهو الله سبحانه الذي خلقني فهو يهدين، قال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف:٢٧] وجعل هذه الكلمة كلمة التوحيد لا إله إلا الله والتبرأ مما يعبد من دون الله سبحانه كلمة باقية في عقبه من الأنبياء ومن الخلق إلى يوم يرجعون إلى الله .
стр. 101
تفسير قوله تعالى: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله)
كذلك قول الله سبحانه: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣١]، الحبر: هو العالم، والراهب: هو العابد، فهؤلاء أهل الكتاب اتخذوا علماءهم مشرعين يشرعون لهم مع الله ، فاتخذوا أحبارهم ورهبانهم كذلك قدوة يقتدون بهم فيما حرم الله فيحلونه، وفيما أحل الله فيحرمونه، فاتبعوهم في ذلك وصارت لهم ديانة، غيروا الملة والدين، كما فعل بولس في الملة النصرانية فأحل لهم كل شيء حرمه عليهم المسيح على نبينا وعليه الصلاة والسلام إلا أشياء قليلة، فاتبعوه على ذلك وجعلوه رسولاً من رسل الله وكذبوا في ذلك، فاتبعوه وقد أحل لهم ما حرم عليهم المسيح صلوات الله وسلامه عليه.
كذلك اليهود اتبعوا كبراءهم من أحلوا لهم ما حرم الله سبحانه، فإذا بهم أمام النبي ﷺ يعترفون بأنهم حرفوا في التوراة حين سألهم عن الرجم قائلاً لهم: (أما تجدون في كتابكم الرجم؟ فقالوا: لا)، وأشهدهم النبي ﷺ على أنفسهم وأقسم عليهم بالله سبحانه، وجاء قارئهم يقرأ التوراة ووضع يده على آية الرجم حتى لا يقرأها، وهؤلاء هم اليهود الكذابون لعنة الله عليهم، فلما قال له أحد الجالسين: ارفع يدك، فرفع يده وقرأ آية الرجم، فالنبي ﷺ أشهد الله سبحانه أنه أول من أقام ما أمر الله به، وقد بدله أهل الكتاب.
فإن أهل الكتاب حرفوا كتب الله باتباعهم الكبراء الذين فيهم، والبعض منهم برؤوسهم وبأهوائهم قالوا: إن فينا قبائل قوية وشريفة وفينا قبائل قليلة وضعيفة، فالشريف إذا سرق تركوه، والضعيف إذا سرق أقاموا عليه الحد، وأرادوا أن يضعوا حكماً من دون الله، فقالوا: نلغي الرجم الذي قاله الله ونسخم وجوههم، وننكسهم على دابة، ونفضحهم بين الناس، فهذا الذي شرعوه من دون الله ، واتفقوا عليه، وكفروا بالله العظيم سبحانه، وبدلوا شرع الله واستحلوا ما حرم .
كذلك قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة:١٨٣] فأهل الكتاب كان كتب عليهم الصيام كما كتب علينا نحن فإذا بهم يبدلونه ويحرفونه، يمرض أحد أبناء ملوكهم فينذر الملك لله سبحانه أنه إذا شفى الله ابنه أن يزيد في هذا الصوم، فزاد في الصيام أياماً؛ بسبب أن الله شفى ابنه، ويشرع لهم على ذلك بدلاً من أن يكون شهراً واحداً يقول: اجعلوه أربعين يوماً، كذلك إذا جاء الصيام في وقت الصيف، يجعلونه في الشهور المعتدلة في السنة ويجعلونه ستين يوماً، ويأكلون ويشربون في النهار، ويحرمون ما فيه الروح فقط دون غيره، فيفعلون ذلك معتقدين أن من حقهم أن يحلوا وأن يحرموا مع الله سبحانه، فكفروا بهذا الشيء، فقال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣١] يعني: مشرعين؛ لأن من صفات ربوبية الخالق أنه رب يفعل ويأمر، قال تعالى: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤] ، أمره: افعل ولا تفعل، أمره: التشريع، أمره: كن فيكون، فمن جعل لأحد سوى الله سبحانه أن يأمر ويشرع فقد جعله إلهاً من دون الله وجعله رباً من دون الرب العظيم .
ولذلك عدي بن حاتم لما قال للنبي ﷺ وقد سمع هذه الآية: يا رسول الله لسنا نعبدهم؟ فقال: (أليس يحلون لكم ما حرم الله فتحلونه ويحرمون ما أحل الله فتحرمونه؟ قال: بلى) وأقر واعترف بأنهم يفعلون ذلك، فقال النبي ﷺ : (فتلك عبادتهم)، إذاً: عبادة أهل الكتاب لأحبارهم ورهبانهم لم تكن بصلاة وصيام وركوع وسجود، وإنما كانت بطاعة في مخالفة أمر الله سبحانه، وباعتقاد أن هؤلاء يملكون أن يشرعوا من دون الله .
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في قول الله سبحانه ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣١] (وهؤلاء الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً حيث أطاعوهم في تحليل ما حرم الله، وتحريم ما أحل الله يكونون على وجهين)، هذه القسمة تفهم القارئ ما الذي يقصد بهذه الآية، ومن يلحق بأمثال هؤلاء ومن الذي يخرج من الدين، ومن الذي لا يخرج منه، يقول: يكونون على وجهين، أحدهما: أن يعلموا أنهم بدلوا دين الله)، يعني: الذين يحلون ما حرم الله ويحرمون ما أحل الله وهم عالمون بأنهم يفعلون خلاف ما قضى الله به، فيعتقدون تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله، إذا فعل الكبراء ذلك واتبعهم أشياعهم عليه معتقدين أنهم يملكون ذلك، وهو من حقهم ذلك.
قال: (مع علمهم أنهم خالفوا دين الرسل فهذا كفر وقد جعله الله ورسوله شركاً، وإن لم يصلوا ويسجدوا لهم، أي: ليس شرطاً أنه يصلي أو يسجد له، ولكن يعتقد أنه يملك أن يحل وأن يحرم، فالله يقول: هذا حرام، وهذا الإنسان يقول: لا، هذا حلال، الله يقول: هذا حلال، وهذا الإنسان يقول: هذا حرام، ومن اعتقد أن هذا يملك ذلك فقد كفر، ومن فعل أيضًا فقد كفر مع علمه بأنه خلاف ما قضى الله به.
يقول: (الثاني: أن يكون اعتقادهم وإيمانهم بتحريم الحرام وتحليل الحلال ثابتاً، لكنهم أطاعوهم في معصية الله) معناه: المعصية، وليس هو الكفر الذي يخرج الإنسان من الملة، فهو كفر دون كفر، إذْ علموا أن الله حرم ذلك وعلم هؤلاء المتبعون أنه ليس من حق أحد أن يحل وأن يحرم إلا الله ، ولكن لما وجدوا من أحل الشيء اتبعوه في ذلك، ليس لأنهم يملكون ذلك، ولا لأن الله يريد ذلك، ولا لأنه شرعه، ولا لأن هؤلاء يشرعون مع الله، فهم يعرفون أن هؤلاء بشر ولكن اتبعوهم حباً في المعصية، فهؤلاء هم الفريق الثاني، الذين لم يعتقدوا تحليل ما حرم الله، ولم يعتقدوا أن إنساناً يملك أن يحل ما حرم الله سبحانه ولا أن يحرم ما أحل الله.
ويقول شيخ الإسلام: (أن يكون اعتقادهم وإيمانهم بتحريم الحرام وتحليل الحلال ثابتاً لكنهم أطاعوهم في معصية الله كما يفعل المسلم ما يفعله من المعاصي التي يعتقد أنها معاصٍ).
إذاً: على ذلك فهؤلاء ليسوا كفاراً ولكنهم عصاة، اتبعوا اتباعاً للشهوة، لا لأن هؤلاء يملكون أن يحلوا وأن يحرموا مع الله ، قال: (فهؤلاء لهم حكم أمثالهم من أهل الذنوب كما ثبت عن النبي ﷺ في الحديث: (إنما الطاعة في المعروف)).
стр. 102
خطأ المجتهد
على العموم: كل من أحل حراماً أو حرم حلالاً له قسمة، وهذا قسم من الأقسام، أي: من أوصله اجتهاده إلى أن هذا حلال، أو أن هذا حرام، كقياس مثلاً، أي: قاس شيئاً على شيء فأخطأ في قياسه، وظن أن هذا حلال أو أن هذا حرام، ليس عناداً لله سبحانه، ولا تطاولاً على دينه، ولا اعتقاداً أنه يملك التشريع والتحليل والتحريم، فهذا كما يقول شيخ الإسلام في هذا القسم: (إن كان مجتهداً قصده اتباع الرسل، لكن خفي عليه الحق في نفس الأمر، وقد اتقى الله ما استطاع، فهذا لا يؤاخذه الله بخطئه، بل يثيبه على اجتهاده الذي أطاع به ربه.
فعلى ذلك: إذا كان من أهل الاجتهاد فهو مأجور أجراً واحداً على اجتهاده، وإذا لم يكن من أهل الاجتهاد فهو آثم في ذلك.
أما الصورة الأولى: أي: الذي أحل ما حرم الله أو حرم ما أحل الله، لا يُظَنُّ أبداً أن هذا له أجر، كأن يقول: هذا حلال، هذا حرام، ولكن الذي يقيس كأن يقول: أحل الله لنا ما في الأرض جميعاً وحرم علينا أشياء، فجاء بشيء يشبه القمح، وقال: هذا حرام، قياساً على شيء من المحرمات مثلاً، فهذا ليس من الأول، أما أنه يأتي على ما أحل الله وأكله النبي ﷺ ويقول: هذا حرام، فهذا كفر بالله سبحانه؛ لأنه يحرم ما أحل الله ، لكن قد يقيس شيئاً ليعرف هل هذا من باب الحلال أم من باب الحرام فأخطأ وقاس على الحرام فحرم شيئاً، فعلى ذلك إذا كان هذا مجتهداً فله أجر على اجتهاده، أما أن يحرم ما هو منصوص على حله في الكتاب أو في السنة أو في الإجماع فليس من حق أي إنسان أن يصنع ذلك، ولا يدخل تحت هذا الباب.
стр. 103
من تبع المجتهد وهو يعلم أنه مخطئ
والمجتهد إذا اجتهد وأخطأ، والذي تبعه علم أنه اجتهد وعلم أنه أخطأ في اجتهاده، فهل من حقه أن يتبعه؟ يقول شيخ الإسلام: من علم أن هذا أخطأ فيما جاء به الرسول ﷺ ثم اتبعه على خطئه وعدل عن قول الرسول ﷺ فهذا له نصيب من الشرك وإن لم يكن شركاً أكبر، ولكن فيه شيء من الشرك؛ لأنه علم أن هذه المسألة حرام واتبع فلاناً العالم وهو يعلم أنه أخطأ فيها، فترك اتباع الكتاب والسنة واتبع فلاناً من دون الله سبحانه، فهذا له نصيب من الشرك، وهذا الذي فعله ذمه الله سبحانه، قال: (لاسيما إن اتبع ذلك لهواه، ونصره باليد واللسان مع علمه أنه مخالف للرسول ﷺ ، فهذا شرك يستحق صاحبه العقوبة عليه) يعني: هذا من أنواع الشرك، والغالب في كثير من الناس من أتباع المذاهب أنهم يتبعون على هذا الوصل فيقول لك: مستحيل أن أبا حنيفة يخطئ، أو مستحيل أن الإمام الشافعي يخطئ، فإن قلت له: الحديث يقول خلاف ما يقول العالم، قال: لهم تأويل في هذا الشيء، فيكون حينها قد عرف الحديث وصحته ومع ذلك لم يتبعه وإنما اتبع الإمام الفلاني، فهذا فيه نصيب من الشرك وإن لم يكن خارجاً من دين الله سبحانه، ولكنه فيه شيء من الشرك.
стр. 104
اختلاف العلماء في جواز التقليد للقادر على الاستدلال
يقول: (ولهذا اتفق العلماء على أنه إذا عرف الحق لا يجوز له تقليد أحد في خلاف، وإنما تنازعوا في جواز التقليد للقادر على الاستدلال)، يعني: الإنسان الذي يعرف الحق لا يجوز له أن يتركه، لكن اختلف العلماء في القادر على الاستدلال ولم يستدل، يعني: إنسان فقيه وجد إماماً من الأئمة اتبعه في ذلك مع قدرته هو على النظر في الأدلة، فلم يفعل ذلك، هل يأثم في ذلك أم لا يأثم؟ فالإنسان طالما عنده قدرة على النظر والفهم ينظر في دليل الإمام الذي قاله، فإن كان دليلاً ضعيفاً عمل بالصحيح الذي جاء في الكتاب وفي سنة نبيه ﷺ ، يقول: (إن كان عاجزاً عن إظهار الحق الذي يعلمه، قد يكون الإنسان يعرف الحق ولكن الظروف التي حوله تمنعه من إظهار هذا الحق الذي يعلمه، قال فهذا يكون كمن عرف أن دين الإسلام حق وهو بين النصارى، فإذا فعل ما يقدر عليه من الحق لا يؤاخذ بما عجز عنه وهؤلاء ك النجاشي وغيره).
فـ النجاشي أصحمة الذي كان ملكاً على الحبشة في عهد النبي صلوات الله وسلامه عليه، عرف الحق واتبع النبي ﷺ ، ولكن لم يهاجر إلى النبي ﷺ ، ولم يرغمه النبي ﷺ على ذلك، إذْ كان ملكاً في قومه، وسلب ملكه ثم رده الله عليه، فعبد الله وأسلم وأظهر ذلك، وهذا كل ما يملكه، أما أنه يجبر أتباعه على ذلك فليس بيده، ولا يقدر على غيره، فهو معذور فيما لا يقدر عليه من ذلك.
قال: (وقد أنزل الله في هؤلاء الآيات من كتابه، كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ [آل عمران:١٩٩] وذكر عنهم إذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع، مما عرفوا من الحق) فـ النجاشي وأتباعه عرفوا الحق الذي كان عليه النبي ﷺ فاتبعوا قدر المستطاع، وقدر الطاقة، وفعلوا ما يمكنهم فعله.
يقول: (وأما إن كان المتبع للمجتهد عاجزاً عن معرفة الحق على التفصيل وقد فعل ما يقدر عليه، أي: إذا اتبع إنساناً اجتهد سواء أصاب أو أخطأ، والذي اتبعه يعرف أن هذا مجتهد وهذا من أهل العلم وهذا من أهل الدين، فاتبعه على ذلك، ولا يعرف أن يميز، فكثير من الناس لا يقرأ ولا يكتب، أو إن كان يقرأ فلا يفهم هذا الذي في الكتاب ولا في السنة، فيسأل من يظنه أعلم الناس، ويتبعه على ذلك، وقد يخطئ هذا الذي يفتيه، ولكن هذا الذي اتبعه لا يملك سوى أن يتبعه، فليس عليه حرج في ذلك.
يقول: (هذا الإنسان لا يؤاخذ إن أخطأ كما في القبلة) أي: إنسان نزل في بلد ولا يعرف اتجاه القبلة لا عن طريق الشمس ولا عن طريق القمر منازله، ولا يعرف الشمال من الجنوب، ولا تحديد القبلة، فسأل إنساناً أين القبلة؟ قال: هنا، فأخذ يصلي في هذا المكان، ثم تبين له خطؤه، فهذا معذور، ولا يلزمه إعادة الصلاة؛ لأنه فعل ما أمر به شرعاً، قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء:٧] فسأل أهل البلد فدله إنسان مخطئ على القبلة فصلى بناءً على ذلك، فالصلاة صحيحة ولا تلزمه الإعادة.
стр. 105
حالُ من يتبع شخصاً دون نظيره لهوى في النفس
يقول شيخ الإسلام: (وأما من قلد شخصاً دون نظيرة بمجرد هواه، ونصره بيده ولسانه من غير علم أن معه الحق، فهذا من أهل الجاهلية) يعني: أحياناً الشخص يتبع فلاناً عصبية؛ لأنه يحبه، فيسمعه يجادل أو يناظر فيقول: كلامه صحيح، وإن قال هذا المناظر: خطأ، قال: خطأ، ويريد أن يلزم الناس به، فليس هذا من الدين، إنما دين الله أن تبحث عن الحق وأن تنصر دين الله، يقول: (فهذا من أهل الجاهلية أي: الذي يتعصب لشخص دون سواه، فهو امرؤ فيه جاهلية.
يقول شيخ الإسلام: (هذا إن كان متبوعه مصيباً لم يكن عمله صالحاً) أي: لو فرضنا أن هذا الذي تحزب له وتعصب له كلامه صحيح لم يكن هذا مصيباً فيما فعل ولا مثاباً عليه؛ لأنه اتبع من غير علم، وإنما عصيبة فقط، وإن كان الذي اتبعه مخطئاً في ذلك.
فهذا أيضًا آثم في ذلك، يقول: (كمن قال في القرآن برأيه فإن أصاب فقد أخطأ، وإن أخطأ فليتبوأ مقعده من النار)، أي: من قال في القرآن برأيه من غير علم كأنه يقول: الله يقول: كذا، والقياس الأولى في حديث النبي ﷺ : (إن كذباً علي ليس ككذب على أحدكم، من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)، فالذي يكذب على النبي ﷺ ليس كالذي يكذب على غيره من البشر، والكذب على النبي ﷺ أشد وأفظع وأعظم.
إذاً: من كذب عليه متعمداً هذا مخطئ وليتبوأ مقعده من النار، حتى وإن قال: إنما أكذب له، لا أكذب عليه، وأقرب الناس إلى الدين، مثل كثير من أهل البدع الذين يكذبون الحديث عن النبي ﷺ ، ويظنون أنهم يقربون الناس إلى العبادة، فبعض الناس يزعمون ذلك، مثل نوح بن أبي مريم، وهو رجل من الكذابين كذب على النبي ﷺ أحاديث في فضائل القرآن، يقول الحافظ العراقي فيه: وابن أبي عصمة إذ رأى الورى زعماً نأوا عن القرآن فافترى لهم حديثاً في فضائل السور عن ابن عباس فبئسما ابتكر فألف لهم أحاديث عن ابن مسعود عن النبي ﷺ في فضائل القرآن، بزعمه أن الناس أعرضوا عن القرآن قال: فبئس ما ابتكر من أحاديث وافترى على النبي ﷺ ، هذا في الحديث، فما بالك في القرآن، فإن كان الذي يكذب على النبي ﷺ يتبوأ مقعده من النار، فالذي يفسر القرآن بغير علم فهو يكذب على الله فهو أولى بذلك، وهذا هو المعنى الذي ذكره شيخ الإسلام في قوله: (كمن قال في القرآن برأيه) كأنه يقصد ذلك، أنه يفسر ويعبر عن الله سبحانه بكلام كذب من رأيه هو.
قال: (وهؤلاء من جنس مانع الزكاة الذي تقدم فيه الوعيد، ومن جنس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة) فعبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة، دعا عليهم النبي ﷺ ولم يخرجهم من الدين، فهم أهل طمع في الدنيا بفعلهم ذلك، ففيهم من الشرك، وإن لم يكن الشرك أكبر يخرجهم من الدين.
قال: (وكذلك هؤلاء فيكون فيهم شرك أصغر)، يعني: ليس مخرجاً لهم من ملة الإسلام.
فالإنسان لا يتعصب لعالم من غير معرفة دليله، سواء كان مخطئاً أو مصيباً فليس في الدين مثل ذلك.
стр. 106
تفسير قوله تعالى (ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وقول الله : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥]، وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (قلت: يا رسول الله: أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله نداً وهو خلقك)).
فقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا﴾ [البقرة:١٦٥] أنداد: جمع ند، والند: المثيل والنظير، يعني: جعل لله مقابلاً له يعطيه صفات الله ويعبده من دون الله .
وقوله تعالى: ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥] أي: يحبون هؤلاء الأنداد كحب المؤمنين الله ، أو يحبون هؤلاء الأنداد بنفس القدر الذي يحبون به الله .
إذاً: فالمشركون وزعوا المحبة التي لا تكون إلا لله بين الله وبين الأصنام والأوثان ومن يعبدونهم من دون الله، فهم قسموا المحبة بين الله سبحانه وبين هؤلاء الذين عبدوهم من دون الله، فكفروا بالله وأشركوا به، والله أغنى الشركاء عن الشرك، لا يقبل هذه المحبة حتى يكون الحب خالصاً له وحده لا شريك له، فيحب الله لأنه الإله الذي يحب، ولا يحب غيره على أنه إله.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥] أي: والذين آمنوا أشد حباً لله من هؤلاء في حبهم لله ولمعبوداتهم من دون الله .
وذكر الله جزاء المشركين يوم القيامة، فقال: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ * إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ﴾ [البقرة:١٦٥ - ١٦٦].
فقوله تعالى: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾ [البقرة:١٦٥] أي: لو يروا هذا العذاب العظيم وما يحدث فيه ويحدث منهم، من تبرؤ من هذه الآلهة التي عبدوها من دون الله، وقراءة الجمهور: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾ [البقرة:١٦٥] وقرأها نافع وابن وردان عن أبي جعفر بخلفه، وابن عامر ويعقوب: (ولو ترى) والخطاب للنبي صلى.
فقوله تعالى: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾ [البقرة:١٦٥] أي: إذ يرون بأعينهم العذاب، وقرأ ابن عامر: ﴿إِذْ يُرَوْنَ الْعَذَابَ﴾ [البقرة:١٦٥] بضم الياء يعني: يريهم الله هذا العذاب يوم القيامة فيرون أن القوة لله جميعاً، أو على القطع ﴿إِنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ [البقرة:١٦٥]، إذاً: يرون ذلك ويعلمون أن القوة لله جميعاً، أو يقول الله سبحانه في هذا الحال: ﴿إِنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [البقرة:١٦٥] وهذه قراءة أبي جعفر ويعقوب، وبكسر (إن): ﴿إِنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ [البقرة:١٦٥].
ويوم القيامة سيرى المشركون ما كان من أمرهم في الدنيا، وما كان من شركهم بالله سبحانه، فإن الجزاء يوم القيامة، إذ يرون القوة لله وحده لا شريك له، لا قوة لأشياعهم وأتباعهم، ولا قوة لآلهتهم التي عبدوها من دون الله سبحانه، ورأوا أن الله شديد العذاب.
قال الله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا﴾ [البقرة:١٦٦] الآلهة والكبراء ﴿مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة:١٦٦] ممن كانوا وراءهم يتبعونهم ويعبدونهم من دون الله، إذاً: تبرأ المتبوعون الذين هم السادة الكبراء والآلهة الباطلة التي عبدت من دون الله سبحانه من الذين اتبعوهم، والذين ساروا وراءهم في الدنيا.
وقوله تعالى: ﴿تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ﴾ [البقرة:١٦٦] أي: رأوا عذاب الله ، قال تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ﴾ [الفجر:٢٥] ﴿وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ [الفجر:٢٦].
أي: لا يعذب عذاب الله أحد، ولا يقدر أحد أن يعذب كعذاب الله سبحانه، ولا أن يوثق هؤلاء كما يوثقهم ربهم سبحانه، ويربطهم في نار جهنم والعياذ بالله، فهؤلاء يتبرأون ويقولون لله سبحانه: ﴿تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ [القصص:٦٣] والملائكة الذين عبدوا من دون الله يقولون: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ:٤١].
قال سبحانه: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ﴾ [البقرة:١٦٦]، أي: ما كان في الدنيا من أسباب ومنافع تصل بين الناس، فيتصل الإنسان بالإنسان عن طريق النسب، وعن طريق المصاهرة ومن الأسباب الاحتياج، هذا يحتاج لذاك، وهذا يتقرب من هذا لمنفعة، فيقطع هذا كله يوم القيامة، وتقطعت بهم أسباب المواصلة فلم يعد يتصل بعضهم ببعض يوم القيامة، ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة:١٦٧] أي: التابعون ﴿لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾ [البقرة:١٦٧] أي: لو نرجع ثانياً إلى الدنيا ﴿فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا﴾ [البقرة:١٦٧] أي: لو نحن نرجع مرة أخرى إلى الدنيا ونتبرأ من هؤلاء مثلما تبرأوا منا الآن، ولا مرجع إلى الدنيا مرة ثانية إنما هي مرة واحدة.
стр. 107
من الأمور المبينة لتفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله
ومن الأمور المبينة لتفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله آية البقرة في الكفار الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة:١٦٧] براءة الكافر والفاسق يوم القيامة لن تنفعه، أما في الدنيا إذا تبرأ الإنسان من الشرك والمشركين فتنفعه هذه البراءة يوم القيامة، أما في الآخرة فقد مضى الوقت، قال تعالى: ﴿وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ [ص:٣].
قال المصنف رحمه الله تعالى: (ففي الآية: بيان أن من أشرك مع الله تعالى غيره في المحبة فقد جعله شريكاً لله في العبادة، واتخذه نداً من دون الله، وأن ذلك هو الشرك الذي لا يغفره الله، كما قال الله سبحانه: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة:١٦٧].
قال شيخ الإسلام: (فمن رغب إلى غير الله في قضاء حاجة أو تفريج كربة لزم أن يكون محباً له، ومحبته هي الأصل في ذلك)، والمعنى: أن الإنسان لا يرغب إلا إلى الله ، فلما يدعو يقول: يا رب، فإذا رغب إلى غير الله فقد طلب من غير الله ما لا يقدر عليه إلا الله ووقع في الشرك بذلك.
يقول ابن القيم ﵀: (فتوحيد المحبوب: أن لا يتعدد محبوبه، أي: مع الله تعالى بعبادته له)، والمقصد هنا: الذي لا يكون إلا لله ، وهو حب يملأ قلب الإنسان، ويفضل ربه سبحانه على ما سواه ولا أحد معه ، ويكون مع هذا الحب الخوف الشديد من الله سبحانه، فالإنسان قد يحب إنساناً في الدنيا ولكن لا يخاف منه، قد يخاف من إنسان ويرعب منه ولكن لا يحبه، لكن جمع كمال الحب مع كمال الخوف والذل، هذا لا يكون إلا لله ، ولو أن الإنسان يخاف من ولي وقيل له: احلف بالله أنك لم تأخذ هذا الشيء، وقال: والله لم آخذ ذلك الشيء، فقيل له: احلف بفلان فخاف من ذلك، فهو يحبه ويخاف منه أن يعاقبه، فهذا مشرك بالله ؛ لأن الحب والخوف لا يكون إلا لله .
يقول ابن القيم ﵀: (وتوحيد الحب أن لا يبقى في قلبه بقية حب حتى يبذلها له، فهذا الحب وإن سمي عشقاً فهو غاية صلاح العبد ونعيمه وقرة عينه، وليس لقلبه صلاح ولا نعيم إلا بأن يكون الله ورسوله أحب إليه من كل ما سواهما)، يعني: قوله: وإن سمي عشقاً في كلام أهل الدنيا وإلا فالتأدب مع الله أنه يحب بالألفاظ التي وردت في الكتاب وفي السنة، أما لفظة (عشق) لم تأتِ في القرآن ولا في السنة، فهو لا يقول: إنه قال ذلك عن الله، وإن سمي مثل ذلك، فالأدب مع الله أن لا نقول: غير ما قاله ، فنحن نحب الله، والذين آمنوا يحبون الله سبحانه وهم أشد حباً لله، ولم يقل عشقاً لله سبحانه.
يقول ابن القيم ﵀: (وليس لقلبه صلاح ولا نعيم إلا بأن يكون الله ورسوله أحب إليه من كل ما سواهما، وأن تكون محبته لغير الله تابعة لمحبة الله تعالى، فلا يحب إلا لله ولا يحب إلا الله).
وفي الحديث الصحيح: (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما) إذاً: لا ينفي أنه يحب غير الله وغير الرسول ﷺ ، فالمحبة موجودة، فهو يحب المؤمنين ويحب أهل الإسلام، ويحب نصر المسلمين، وفي قلبه الحب لأهل الدين، ولكن المقصود هنا: كمال المحبة، وكمال المحبة لا تكون إلا لله وحده ، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، فهو يحب إنساناً لكونه مطيعاً لله، ويحبه لكونه أمر أن يحبه لأنه مسلم، ويحب زوجته؛ لأن الله جعل بينهما مودة ورأفة ورحمة منه سبحانه فيحب على ذلك، فهو يحب ما أحب الله ويحب بحبه لله سبحانه.
قال رسول الله ﷺ : (وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار) وهذا من كمال إيمان الإنسان، ومن وجد هذه الثلاثة الأشياء وجد كمال الإيمان وحلاوته.
فمن حب الله سبحانه ورسوله صلوات الله وسلامه عليه: أن يحب في الله سبحانه.
ومن كمال الإيمان أن يكره الكفر أهله، ويكره أن يرجع إلى الكفر كما يكره أن يقذف في النار، فيجتمع في قلبه الإيمان، ويكون قد ذاق حلاوته.
يقول ابن القيم ﵀: (ومحبة رسول الله ﷺ هي من محبة الله تعالى، ومحبة المرء إن كانت لله فهي من محبته)، يعني: لا مانع أن يحب الناس، لكن يحب الناس حباً في الله سبحانه؛ لأنه أمر بذلك شرعاً، قال: (ويصدق هذه المحبة بأن تكون كراهيته لأبغض الأشياء إلى محبوبه وهو الكفر)، يعني: يكره ما يكرهه الله، وأبغض الأشياء إلى الله الكفر وأهله، كذلك المؤمن يكره هذا الذي هو بغيض عند الله .
يقول ﵀: (ويصدق هذه المحبة بأن تكون كراهيته لأبغض الأشياء إلى محبوبه وهو الكفر بمنزلة كراهيته لإلقائه في النار أو أشد، ولا ريب أن هذا من أعظم المحبة).
ثم قال: (وهي محبة تقتضي تقديم المحبوب فيها) أي: الذي تحبه لله تقدمه على كل شيء، إلى آخر كلامه ﵀.
قال المصنف رحمه الله تعالى: (وفي الصحيحين (عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قلت يا رسول الله: أي الذنب أعظم؟)) أعظم الذنوب: الشرك بالله سبحانه، (قال: أن تجعل لله نداً وهو خلقك)، يعني: والحال أنه قد خلقه، فكيف يكون ذلك؟! الله يخلق والله يرزق ثم تجعل له نداً في ذلك، فهذا من أعظم الذنوب التي يقع فيها الإنسان.
стр. 108
حرمة الأموال والدماء بكلمة التوحيد والكفر بما يعبد من دون الله
قال المصنف رحمه الله تعالى: وفي الصحيح يعني: في صحيح مسلم: (من قال لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله، حرم ماله ودمه وحسابه على الله ، أنت تقول: لا إله إلا الله، يعني: لا أعبد إلا الله ، فحصرت هذه العبادة أنها لا تكون إلا له وحده لا شريك له، والله يقول: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة:٢٥٦] فهما متلازمان، يتلازم حبك لله مع بغضك للشرك بالله والكفر به ، ويتلازم إيمانك بالله مع كفرك بالطاغوت، وبكل ما يعبد من دون الله ، والنبي ﷺ يؤكد هذا المعنى فيقول: (من قال لا إله إلا الله وكفر ما يعبد من دون الله) فعبد الله وحده لا شريك له، وقال: لا إله إلا الله محمد رسول الله ﷺ ودخل في هذا الدين (حرم ماله ودمه وحسابه على الله).
وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة قال النبي ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به، فإذا فعلوا عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله)، فالأصل أن يأتي الإنسان بكلمة التوحيد فيعصم دمه ويعصم ماله، ومن قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وشهد للنبي ﷺ بالرسالة بهذه الكلمة دخل في هذا الدين، ولما دخل في هذا الدين نقول: عصم دمه وعصم ماله، إلا إذا ترك الصلاة وترك الزكاة وترك ما أمر الله به؛ لقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة:٥] ويقول أيضاً: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة:١١].
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله)، وفي الصحيحين عن ابن عمر ﵄ قال رسول الله ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله).
إذاً: للدخول في الإسلام لا بد من قول: لا إله إلا الله، محمد رسول الله ﷺ ، والإقرار بما جاء من عند الله ، واليقين بذلك، الإتيان بشروط لا إله إلا الله المعروفة: العلم واليقين والقبول والانقياد والصدق والإخلاص والمحبة، وتارك الصلاة يعاقب، ولو وصل الأمر للمقاتلة؛ لكونه ترك أمراً من أمور الدين التي فرضها الله ، كما قاتل الصحابة مانعي الزكاة، وسموهم مرتدين، وإن لم يكونوا كلهم مرتدين، فمن مانعي الزكاة من ارتد وجحد هذه الزكاة فهذا مرتد، ومنهم من قاتل ورفض أن يدفعها تأولاً منه أن الزكاة كان يقبلها النبي ﷺ ، والذين مكان النبي ﷺ ليسوا مثله، فعلى ذلك لا نعطيها لهم، أو أنهم شحوا بها وبخلوا، أو أنهم قالوا: إن النبي ﷺ في وجوده كان يصلي علينا، قال تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة:١٠٣]، وهؤلاء ليسوا مثل النبي ﷺ ، ولكن الصحابة قاتلوا الجميع، وسموا هذا القتال: قتال المرتدين، باعتبار أن البعض كانوا مرتدين، ولكن ليس الجميع، فمن بخل بالزكاة ليس كافراً، والذي تكاسل عن الصلاة اختلف العلماء فيه، هل هو كافر أم ليس كافراً، والذي جحد الصلاة ورفض أن يصلي وقوتل وفضل أن يقتل على أن يصلي فهذا لا يظن به الإيمان، لكن من ترك الصلاة يؤتى به ويعذر على ذلك ويحبس، فإن صلى وإلا قتل على تركه للصلاة.
فالإسلام يعصم الدماء ويعصم الأموال إلا بالحق.
إذاً: فهذا مسلم معصوم الدم، لكنه تارك للصلاة، فيؤمر بالصلاة، فإن صلى وإلا قتل؛ لأنه ليس معصوماً الدم الآن إذا ترك هذه الصلاة وأصر على تركها، كذلك الزكاة يؤمر بإيتاء الزكاة، وتركه للزكاة وهو مقر بها ليس معناه أن هذا الإنسان كافرٌ أو خارج من الدين، ولكن كونه يمنع ويقاتل عليها فهذا يشكك في إسلامه، فإذا كان يرفض دفع الزكاة ويقاتل وهو يرفض دفعها ويظن أن من حقه أن يمنعها أو أنها ليست فريضة فرضها الله سبحانه فهو كافر، لكن إذا كان الإنسان منعها تكاسلاً أو بخلاً وشحاً فهذا تؤخذ منه الزكاة ويعزر على ذلك وليس كافراً.
كذلك في أمر الصلاة إذا كان متكاسلاً عنها، فالراجح: أنه ليس كافراً كفراً مخرجاً من الملة إلا أن ينكر الصلاة ويجحدها، لكن للحاكم أن يعزر هذا الإنسان، وقد يصل به الأمر إلى أن يقتل تارك الصلاة والمانع للزكاة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: (وهذا من أعظم ما يبين معنى لا إله إلا الله، فإنه لم يجعل التلفظ بها عاصماً للدم والمال، بل ولا معرفة معناها مع لفظها، بل ولا الإقرار بذلك، بل ولا كونه لا يدعو إلا الله وحده لا شريك له، بل لا يحرم ماله ودمه حتى يضيف إلى ذلك الكفر بما يعبد من دون الله)، يعني: يقول: لا إله إلا الله، ويصاحبه الكفر بالطاغوت، والكفر بالمعبودات من دون الله، فإذا عبد الله، وتوسل ودعا ورجا وخاف من غير الله فيما لا يكون إلا لله فقد أشرك بالله ، فقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ [البقرة:٢٥٦]، فالإيمان بالله وتوحيده يلازمه الكفر بالأصنام وبكل ما يعبد من دون الله .
يقول: (حتى يضيف إلى ذلك الكفر بما يعبد من دون الله فإن شك أو تردد).
ولا بد من هذا القيد؛ لأنه ليس لازماً أن يقول: لا إله إلا الله وأنا أكفر بما يعبد من دون الله، فلم يأت عن النبي ﷺ أنه أمر أحداً أن يقول ذلك، فأنت تقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، والآية تقول: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ [البقرة:٢٥٦] فهذا مقتضى قول لا إله إلا الله، أي: إذا قال ذلك فاللازم له أنه يكفر بالطاغوت، إلا أن يصرح بخلاف ذلك، أي: يقول: لا إله إلا الله وهو يعبد من دون الله كذا وكذا، إذاً: فهذا لم يكفر بالطاغوت.
وهذا هو الشرط المصحح لقوله: لا إله إلا الله، فلا يصح قولها بدون هذه الخمس التي ذكرها المصنف ﵀ أصلاً، قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٣]، وقال: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة:٥] فأمر بقتالهم حتى يتوبوا من الشرك، ويخلصوا أعمالهم لله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإن أبوا ذلك أو بعضه قوتلوا إجماعاً، ولكن لم يكفروا إجماعاً، فهم يقاتلون على ترك الصلاة، ولابد أن يفرق بين من يعترف بها ويتكاسل عنها وبين من يجحدها، فالذي يجحدها لم يدخل في دين الله ؛ لأن الله أمر بها، وهذا من المقطوع بعلمه في الدين، كذلك الزكاة، ولكن إن دخل في الإسلام وأقر بالصلاة وبالزكاة ولكنه تكاسل عن هذا أو ذاك لا يكفر بمجرد ذلك، ولكن يعزر ويحبس حتى يفعل ما أمر الله به.
إذاً: فكلمة لا إله إلا الله وحدها تدخل الإنسان في دين الإسلام، فإذا ترك شيئاً مما جاء وعلم من الدين بالضرورة مستحلاً للترك، وأنه من حقه أن يشرع، ولا يريد هذا الذي أمر الله به، فهذا من الكفر، أما إذا هو مقر بذلك، موقن أنه من عند الله ولكنه متكاسل، فالراجح: أنه ليس كافراً خارجاً من الملة على ذلك، والله أعلم.
стр. 109
الأسئلة
стр. 110
تقسيم الميراث بين بعض الورثة دون آخرين
السؤال
هل يجوز لامرأة أن تعطي أساورها الذهبية لبناتها بالتساوي حتى لا يرث أحد معهن، وهي ليس لها أبناء رجال، ولكن لها زوج؟
الجواب
هذه النية خطأ وخطر على الإنسان، أي: نية أن يعطي الميراث في حياته حتى لا يورث بعد حياته، فهذا غير جائز، ولكن العطية في غير مرض الموت تجوز للمرأة ويجوز للرجل، فلا بأس أن يعطي أولاده ويسوي بينهما، هذا أمر جائز، فالنبي ﷺ في قصة النعمان بن بشير لما أراد أن ينفل ابنه نفله، فامرأته قالت: أشهد النبي ﷺ ، فذهب يشهد النبي ﷺ على ذلك، فقال له النبي ﷺ : (ألك ولد غيره؟ قال: نعم، قال: أكل ولدك أعطيت؟) والزوجة لم تدخل في العطية، قال: (أكل ولدك أعطيت؟ قال: لا، قال: أتحب أن يكونوا لك في البر سواء؟ قال: نعم، قال: فاعدل بينهم) وقال: (لا تشهدني على جور) فالنبي ﷺ سمى ذلك جورا، فيجوز للرجل أن يعطي عطية لأولاده في حياته وهذا شيء جائز، وكذلك المرأة لبناتها فهذا جائز، لكن بغير هذه النية، أي: نية الحرمان من الميراث، يعني: لا تكون نيتها أن كل ميراثها من الذهب الذي معها تعطيه للبنات حتى لا يأخذ الزوج شيئاً منه فهذا غير جائز، لكن إن أعطت أشياء وتركت أشياء بغير هذه النية، أي: بقصد العطية للأولاد فهذا جائز، إلا أن يكون في مرض الوفاة.
следующие страницы →