← Акыда

Акыда · id 36988

فتح المجيد شرح كتاب التوحيد - حطيبة

أحمد حطيبة

Полный текст (184 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

شرح حديث تحريم النار على من أتى بالشهادة مخلصاً

стр. 37

قول العبد لا إله إلا الله يبتغي بها وجه الله من أسباب النجاة من النار قال: [ولهما في حديث عتبان: (فإن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله)]. ففي هذا الحديث يقول: لا إله إلا الله بشرط: (يبتغي بذلك وجه الله)، يعني: الإخلاص، أن يكون مخلصاً في قول لا إله إلا الله؛ لأن الإخلاص يدفعه إلى العمل لله رب العالمين، وحسن العبادة، فهذا يستحق الجنة. وحديث عتبان بن مالك حديث طويل، وفي الحديث أن النبي ﷺ وهو في دار عتبان بن مالك قال: (أين مالك بن الدخشم؟ فقال بعضهم: ذلك منافق لا يحب الله ورسوله، فقال رسول الله ﷺ : لا تقل ذلك ألا تراه قد قال: لا إله إلا الله، يريد بذلك وجه الله) ثم في آخر الحديث قال: (فإن الله قد حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله) والمعنى: أن الذي يقول: لا إله إلا الله لا يسارع العبد برميه بأنه منافق، ولا بأنه كافر طالما أنه يقول: لا إله إلا الله ويأتي بأعمال تفيد أنه ليس على الشرك. فالذي يقول: لا إله إلا الله الأصل أنه مسلم إلا أن يثبت عكس ذلك. وذكرنا في حديث النبي ﷺ أنه: (من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن المسيح عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، وأن الجنة حق والنار حق؛ أدخله الله الجنة على ما كان من العمل).

стр. 38

شرح حديث معاذ في تحريم النار على من قال لا إله إلا الله

стр. 39

اشتراط خلوص التوحيد من الشرك قال: وأخرج البخاري عن قتادة قال: حدثنا أنس بن مالك، أن النبي ﷺ ومعاذ رديفه على الرحل قال: (يا معاذ! قال: لبيك يا رسول الله وسعديك، قال: يا معاذ! قال: لبيك يا رسول الله وسعديك، قال: يا معاذ! قال: لبيك يا رسول الله وسعديك، قال: ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صدقاً من قلبه) فقيد رسول الله قولها بأنه مستيقن من قلبه، وقيد آخر: (من علم أنه لا إله إلا الله) بمعنى: استيقن، قال: (إلا حرمه الله تعالى على النار، قال: يا رسول الله! أفلا أخبر به الناس فيستبشروا؟ قال: إذاً يتكلوا، فأخبر بها معاذ عند موته تأثماً). لحديث ذكرناه قبل ذلك، وفيه أن النبي ﷺ خشي على الناس من الاتكال لعله يأتي من لا يفهم معنى هذا الحديث فإذا به يظن أنه يقول: لا إله إلا الله بلسانه ولا يعمل شيئاً، ولا يأتي بشروط لا إله إلا الله، ولا يعلم علم اليقين فيستغيث بغير الله، ويعبد غير الله، ويتوجه بالنذر والحلف لغير الله، ويظن أنه داخل تحت ذلك. فلابد أن يقول: لا إله إلا الله، ويكفر بما يعبد من دون الله سبحانه، ويحقق التوحيد، فيستحق هذا الأجر والثواب. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في هذا الحديث ونحوه: إنها فيمن قالها ومات عليها؛ لأنه جاء في الأحاديث: (من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة) فهذه من علامات حسن الخاتمة، أن يقول: لا إله إلا الله ويموت على هذه الكلمة. يقول شيخ الإسلام: كما جاءت مقيدة بقوله: خالصاً من قلبه، غير شاك فيها، بصدق ويقين، أي: أتى بها مخلصاً في هذه الكلمة من قلبه يقولها ولا يشك فيها، وهو أتى بها بالصدق واليقين، فيستحق أن يكون في الجنة. يقول: فإن حقيقة التوحيد انجذاب الروح إلى الله تعالى جملة، فمن شهد أن لا إله إلا الله خالصاً من قلبه دخل الجنة؛ لأن الإخلاص هو انجذاب القلب إلى الله تعالى بأن يتوب من الذنوب توبة نصوحاً، وهذا هو الفهم الدقيق لهذه الكلمة ومبناها ومقتضاها. فالذي يقول: لا إله إلا الله محباً لهذه الكلمة يحب الله، ويحب رسول الله ﷺ ، ويحب أهل هذه الكلمة، ولن يؤذي أحداً من المسلمين؛ لأن الإنسان الذي يقول: لا إله إلا الله يعلم أنه راجع إلى الله، وأن الله يحاسبه، فيخاف من الحساب فلا يقع في الذنوب، وإن وقع تاب إلى الله ، والذي يقول لا إله إلا الله يحب الجنة، ويحب أعلى الجنة، ويعلم أن أعلى الجنة لن ينالها إلا بمكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، فيعمل أحسن العمل. وقول لا إله إلا الله يدفع الإنسان للعمل؛ لأن الكلمة تدل بكلام صاحبها وبفعاله على صدقه أو كذبه فيها. يقول شيخ الإسلام: وقد تواترت الأحاديث بأنه يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله. ومعنى ذلك: أن أصحاب المعاصي قد يدخلون النار إلا ما شاء الله، ثم يخرجون بفضل الله وبهذه الكلمة العظيمة. قال: تواترت الأحاديث بأنه يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، وما يزن خردلة، وما يزن ذرة، فيخرج من النار من في قلبه مقدار من الخير، ولكن استحق النار، بأن ذنوبه أكثر من حسناته، كذلك تواترت بأن كثيراً ممن يقول: لا إله إلا الله يدخل النار ثم يخرج منها. وتواترت الأحاديث بأن الله حرم على النار أن تأكل أثر السجود من ابن آدم، فإذا حرم على النار أن تأكل أثر السجود، فمعنى ذلك: أن فيها أناساً من الموحدين وكانوا مصلين، فلما دخلوا النار وعذبوا فيها حرم على النار أن تأكل جباههم، وأن تأكل أيديهم، وأن تأكل أرجلهم، وأن تأكل ركابهم؛ لأنها مواضع للسجود، ولكن غيرها ستأكل منها النار، والمعنى: أن من الموحدين ومن المصلين من يدخل النار بسبب ذنوبه، ثم يوماً من الأيام تنفعه هذه الكلمة أن يخرج من النار. يقول: وتواترت الأحاديث بأنه يحرم على النار من قال: لا إله إلا الله، ومن شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله ﷺ ؛ لكن جاءت مقيدة بالقيود الثقال فلا بد له أن يفهمها. والذي يقولها وهو لا يفهم معناها، وأنه يستوي عنده أن يعبد الله أو يعبد الهوى، أو يعبد الشيطان، أو يعبد الأحجار، فهذا لم يفهم هذه الكلمة وليس من أهلها.

стр. 40

أكثر الناس فتنة عند الموت وفي القبر يقول ﵀: وأكثر من يقولها إنما يقولها تقليداً أو عادة، ولم تخالط حلاوة الإيمان بشاشة قلبه، وغالب من يفتن عند الموت وفي القبور أمثال هؤلاء. يعني: قالوا: لا إله إلا الله من غير فهم لهذه الكلمة، فهي لا تنفعهم يوماً من الدهر، ولكن الذي نريده، أن الذي يقول: لا إله إلا الله وينجو بها ويكون في الجنة، ولا يكون في النار، هو الذي يأتي بها بشروطها كما ذكرنا. يقول: وغالب من يفتن عند الموت وفي القبور أمثال هؤلاء، كما في الحديث: (سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته). هذا الحديث في الصحيحين من حديث السيدة عائشة ﵂ أن أسماء جاءت والسيدة عائشة تصلي فسألتها عن ذلك، فأشارت بيدها إلى السماء، يعني: حصل كسوف، فصلت معهم، ثم سمعت النبي ﷺ بعد ما أكمل صلاته أنه قال: (ما من شيء لم أكن أريته إلا رأيته في مقامي حتى الجنة والنار) يعني: وهو يصلي بالناس صلاة الكسوف فيقول: إنه رأى حتى الجنة والنار. ثم قال: (فأوحي إلي أنكم تفتنون في قبوركم قريباً من فتنة المسيح الدجال يقال: ما علمك بهذا الرجل؟ فأما المؤمن أو الموقن، فيقول: هو محمد رسول الله ﷺ جاءنا بالبينات والهدى فأجبنا واتبعنا، يعيدها ثلاث مرات فيقال: له نم صالحاً، قد علمنا إن كنت لموقناً به، وأما المنافق أو المرتاب فيقول: لا أدري سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته) فالذي في قلبه النفاق وهو يقول أمام الناس لا إله إلا الله لا ينفعه ذلك؛ لأنها تنفع من قالها بحق وعمل بها، فهذا الذي ينجو من النار، وصاحب الإيمان المطلق تنفعه إن قالها بحق ووقع في معاصٍ ما شاء الله أن يقع فيها، تنفعه يوماً من الدهر، فقد يعذب حينما يشاء الله، ثم ينجو بعد ذلك ويدخل الجنة. أما من قالها بلسانه وهو لا يفهم معناها، ويستوي عنده من يقول: لا إله إلا الله ومن يقول غيرها، والكل عنده يدخلون الجنة يوم القيامة، ولم يفهم هذه الكلمة، فلا يستحق أن يكون من أهلها. إذاً: معنى كلام شيخ الإسلام ﵀: أن هذا الإنسان الذي يقول كما يقول الناس، ولا يفهم معناها، ولا يعرف أنه إله واحد بل يشك في ذلك، هذا لا يستحق أن يكون من أهلها.

стр. 41

كمال الإخلاص واليقين في قول لا إله إلا الله كما يوجب محبة الله قال: وحينئذ فلا منافاة بين الأحاديث؛ فإنه إذا قالها بإخلاص. أي: قال: لا إله إلا الله بإخلاص ويقين. والإخلاص مقتضاه: أن يوجه العبادة لله وحده لا شريك له، واليقين مقتضاه: أن لا يكون هناك شك في هذه الكلمة ولا في معناها، قال: لم يكن في هذه الحال مصراً على ذنب أصلاً؛ فإن كمال إخلاصه ويقينه يوجب أن يكون الله أحب إليه من كل شيء، فإذاً: لا يبقى في قلبه إرادة لما حرم الله، ولا كراهة لما أمر الله. والاستنباط الجميل من ذلك: أن من يقول: لا إله إلا الله حقاً، فوقع في معاصٍ، وأصابه شيء من ذنوبه، وهو يقول هذه الكلمة محباً لها من قلبه، فهذا الإنسان خوفه من الله يدفعه لأن يتوب إلى الله، وحبه لله يدفعه أنه لا يعصي الله سبحانه، ولا يؤذي أحداً من خلقه، فيكون من أهل الجنة، ويكون معه الإيمان الكامل بسبب حبه لهذه الكلمة وعمله بمقتضاها. يقول ﵀: فإن كمال إخلاصه ويقينه يوجب أن يكون الله أحب إليه من كل شيء فإذاً: لا يبقى في قلبه إرادة لما حرم الله ولا كراهة لما أمر الله، وهذا هو الذي يحرم على النار، وإن كانت له ذنوب قبل ذلك، فإن هذا الإيمان وهذا الإخلاص، وهذه التوبة، وهذه المحبة، وهذا اليقين لا تترك له ذنباً إلا محي عنه كما يمحو الليل النهار. يقول: وإن قالها على وجه الكمال المانع من الشرك الأكبر والأصغر فهذا غير مصر على ذنب أصلاً فيغفر له، ويحرم على النار. وإن قالها على وجه خلص به من الشرك الأكبر دون الأصغر، أي: فهو لا يشرك به شركاً أكبر، ولكن قد يقع في شيء من الشرك الأصغر، فيحلف بغير الله ، أو ينسب شيئاً لا يكون إلا لله، كالذي يقول: لولا البط في الدار لأتانا اللصوص، أو لولا الكلب لهجم علينا اللصوص البارحة، فينسى الله وينسب الفضل إلى غير الله ونحو ذلك من الأشياء، فإن هذه تنقص درجة الإنسان عن درجة أهل الكمال. قال: فهذه الحسنة لا يقاومها شيء من السيئات، وهذا بخلاف من رجحت سيئاته بحسناته، ومات مصراً على ذلك، فإنه يستوجب النار. أي: أن الذي رجحت سيئاته على حسناته، ويقول: لا إله إلا الله، وقوله لها لا يزجره عن المعاصي، فهذا يستحق يوم القيامة العذاب بذنوب يستحق أن يجازى عليها، وقد تنفعه هذه الكلمة إما عاجلاً أو آجلاً، ولكن تنفعه يوماً من الدهر. قال: وإن قال لا إله إلا الله وخلص بها من الشرك الأكبر ولكنه لم يمت على ذلك بل أتى بعدها بسيئات رجحت على حسنة التوحيد، فإنه في قولها كان مخلصاً، لكنه أتى بذنوب أوهنت ذلك التوحيد والإخلاص فأضعفته، وقويت نار الذنوب، حتى أحرقت ذلك إلى آخر كلامه ﵀.

стр. 42

شرح حديث: (لو أن السماوات السبع وعامرهن غيري)

стр. 43

فضل كلمة لا إله إلا الله يقول هنا في المتن: [وعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (قال موسى: يا رب، علمني شيئاً أذكرك وأدعوك به. قال: قل يا موسى، لا إله إلا الله. قال: كل عبادك يقولون هذا، قال: يا موسى، لو أن السموات السبع وعامرهن غيري والأرضين السبع في كفة، ولا إله إلا الله في كفة، مالت بهن لا إله إلا الله) رواه ابن حبان والحاكم وصححه لكن إسناده ضعيف؛ لأن في إسناده دراج بن سمعان، وكنيته: أبو السمح، يروي عن أبي الهيثم، ودراج صدوق، وقالوا: ثقة إلا في روايته عن أبي الهيثم وهذا من روايته عنه فهو ضعيف، لكن جاءت أحاديث قريبة من هذا المعنى في فضل لا إله إلا الله. ففي هذا الحديث أن موسى ﵊ قال: يا رب علمني شيئاً أذكرك به وأدعوك به، فقال: قل لا إله إلا الله، قال: كل عبادك يقولون: لا إله إلا الله فقال له: (لو أن السموات السبع وعامر السموات السبع من الملائكة غير الله، وكذلك الذين في الأرض؛ لو وضعوا في كفة، ولا إله إلا الله في كفة لمالت بهن لا إله إلا الله. وفي حديث آخر صحيح في مسند الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو ﵁ قال: أتى النبي ﷺ أعرابي عليه جبة من طيالسة مكفوفة بديباج أو مزرورة بديباج. فهذا الأعرابي لابس جبة من طيالسة، عليها شيء من الحرير في الكف، وهذا الرجل أعرابي مغرور، وجاء إلى النبي ﷺ وأخذ يكلم أصحاب النبي ﷺ ويقول: إن صاحبكم هذا يريد أن يرفع كل راع ابن راع، ويضع كل فارس بن فارس، وهذا فيه دلالة على أنه سيئ الأدب، ولعله كان كافراً في هذا الوقت. فلما قال ذلك قام النبي ﷺ مغضباً فأخذ بمجامع جبته فاجتذبه وقال له: أرى عليك ثياب من لا يعقل! أي: أنت مفتخر بهذه الثياب، وهي ثياب من ليس لهم عقول، ولا يخافون الله سبحانه، فتتكلم بكلام من لا يعقل من أهل الجاهلية وأهل الكفر. ثم رجع رسول الله ﷺ فجلس، فقال: (إن نوحاً ﵇ لما حضرته الوفاء دعا ابنيه قال: إني قاصر عليكم الوصية: آمركما باثنتين، وأنهاكما عن اثنتين، أنهاكما عن الشرك والكبر، وآمركما بلا إله إلا الله). فالنبي ﷺ يعلم هذا الأعرابي الجاهل الأحمق أن لا يكون متكبراً، قال: قال نوح ﵊: (أنهاكما عن الشرك والكبر وآمركما بلا إله إلا الله، فإن السموات والأرض وما فيهما لو وضعت في كفة الميزان، ووضعت لا إله إلا الله في الكفة الأخرى كانت أرجح، ولو أن السموات والأرض كانتا حلقة فوضعت لا إله إلا الله لفصمتها أو لقصمتها) أي: لو صيغت منهما حلقة واحدة مقفلة، وفي رواية: مبهمة، يعني: حلقة ليس لها مدخل يدخل إليها، ثم جاءت كلمة لا إله إلا الله فوضعت لقصمت هذه الحلقة أو لفصمتها. قال: (وآمركما بسبحان الله وبحمد الله فإنها صلاة كل شيء) أي: كل شيء يسبح الله بهذه الكلمة: (سبحان الله وبحمده). قال: (وبها يرزق كل شيء) فمفاتيح الخزائن والرزق بقوله: سبحان الله وبحمده، فكلمة لا إله إلا الله أعظم الكلام الذي يقوله الإنسان، وأعظم الذكر، وأعظم الدعاء. وجاء عند الترمذي من حديث عبد الله بن عمر وهو حديث حسن قال: (خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير). فهذه الكلمة من أعظم الكلام الذي يقوله الإنسان في حياته وعند وفاته. وعند الترمذي أيضاً من حديث عبد الله بن عمرو (يصاح برجل من أمتي على رءوس الخلائق يوم القيامة، فينشر له تسعة وتسعون سجلاً) فهذا إنسان يأتي يوم القيامة، وينادى عليه ويصاح به، والفزع يحيره ويدهشه حتى ينسى كل شيء، فعندما يقف بين يدي الله ينشر له عمله في تسعة وتسعين كتاباً، كلها ممتلئة بالذنوب التي فعلها وكل سجل مد البصر. قال: (ثم يقال له: أتنكر من هذا شيئاً؟ فيقول: لا، فيقال له: أظلمك كتبتي الحافظون؟ يقول: لا، يا رب، فيقال: ألك عذر أو حسنة، فيهاب الرجل فيقول: لا، فيقال: بلى، إن لك عندنا حسنة وإنه لا ظلم عليك اليوم! فيقول العبد: يا رب، أين الحسنة؟ قال: فيخرج له بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، فيقول: يا رب، ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقال: إنك لا تظلم، فتوضع السجلات في كفة، والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات وثقلت البطاقة). فهذه تسعة وتعسون سجلاً، كل سجل مد البصر، وضعت في كفة والبطاقة في كفة مكتوب عليها لا إله إلا الله، فطاشت السجلات، يعني: من ثقل هذه الورقة بحيث إن الكفة الثانية طارت وطاشت، فغفر لهذا العبد بفضل هذه الكلمة (لا إله إلا الله)!

стр. 44

سعة فضل الله وجوده وللترمذي وحسنه عن أنس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (قال الله تعالى: يا ابن آدم! إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة، يا ابن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي). أي: أن العبد الذي يدعو الله ويرجو الله ، ويأتي بمعنى التوحيد كما قال تعالى: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر:١٤] فمعناه: يا عبدي إنك إذا وحدتني، وطلبت مني ورجوتني، غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي. والله هو الغني إذا أعطى من فضله ومن كرمه لا يضره شيء، وخزائنه ملأى لا ينقص منها شيء ولا تغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار. قال: (يا ابن آدم، لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي) أي: لو وقعت في المعاصي إلا الشرك بالله ، ثم استغفرت وتبت، فإن التوبة تجب ما قبلها ولو كان كفراً وشركاً، فإذا كفر بالله، ثم عاد إلى الإسلام، فالله يتوب عليه. قال: (يا ابن آدم! إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة) إذا كنت توحد رب العالمين ، ولا تشرك به شيئاً، وأتيت لله بالحق في كل عباداتك له ، فإنك تستحق أن يغفر الله لك ذنوبك.

стр. 45

المسائل المستنبطة من باب بيان فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب قال: [فيه مسائل] يعني: في هذا الباب: الأولى: سعة فضل الله ، فإن فضله عظيم، وجوده واسع. الثانية: أنه يغفر للعباد ويعطي الشيء العظيم على أشياء صغيرة يفعلها الإنسان، فقول كلمة التوحيد: لا إله إلا الله سهل، لكن فيها الأجر العظيم الذي يدل على كثرة ثواب التوحيد عند الله سبحانه. الثالثة: تكفيره للذنوب، فبالتوحيد يكفر الله الذنوب، وتوحيدك لله سبحانه يدفعك بأن ترجو ربك، وإذا رجوت الله فالله يعطيك ما ترجوه، فيغفر ويكفر سبحانه. الرابعة: تفسير الآية التي في سورة الأنعام، يعني: في قصة إبراهيم ومعنى الهدى التام. الخامسة: تأمل الخمس اللواتي في حديث عبادة: (من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله) الحديث. السادسة: أنك إذا جمعت بينه وبين حديث عتبان وما بعده تبين لك معنى قول لا إله إلا الله، وتبين لك خطأ المغرورين. يعني: ففي حديث عتبان بن مالك ذكر النبي ﷺ أن مالك بن الدخشم يقول: لا إله إلا الله، وكذلك ذكر فيه أنه يقول هذه الكلمة ويرجو بها وجه الله سبحانه، وذلك حين قالوا عن مالك بن الدخشم: ذلك منافق لا يحب الله ورسوله، فقال رسول الله ﷺ : (لا تقل ذلك، ألا تراه قد قال: لا إله إلا الله يريد بذلك وجه الله) فلما شكوا قالوا: الله ورسوله أعلم، فقال النبي ﷺ : (فإن الله قد حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله). السابعة: التنبيه للشرط في حديث عتبان. أي: أنه يبتغي بها وجه الله سبحانه. الثامنة: كون الأنبياء يؤمرون بالتنبيه على فضل لا إله إلا الله، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥]. التاسعة: التنبيه لرجحانها بجميع المخلوقات. أي: هذه الكلمة العظيمة لو أن السموات والأرضين وما فيهن في كفة وهي في كفه، طاشت بهن هذه الكلمة العظيمة. العاشرة: النص على أن الأرضين سبع كالسموات، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:١٢] فالله خلق سبع سموات وسبع أرضين، والله أعلم بما يذكر . الحادية عشرة: أن لهن عماراً. أي: خلق الله الإنس وخلق الجن، وخلق الملائكة، وخلق الدواب، ويخلق ما يشاء سبحانه. الثانية عشرة: إثبات الصفات لله خلافاً للأشعرية. يعني: للذين يؤولون صفات الله ، فقد ذكر أنه في السماء ، وجاء القرآن بذلك، قال تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] وقال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] وجاء في أحاديث أن النبي ﷺ سأل الجارية: (أين الله؟ فقالت الجارية: في السماء) وغير ذلك من الأحاديث التي تفيد أنه فوق سمواته وأنه مستو على عرشه، فنؤمن بذلك كما سيأتي في الكلام عن صفاته سبحانه. الثالثة عشرة: أنك إذا عرفت حديث أنس عرفت أن قوله في حديث عتبان: (فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله) أنه ترك الشرك وليس قول هذه الكلمة. يعني: الكلمة ليست مجرد أن يقول: لا إله إلا الله ثم يطوف بالقبر، أو يقول: لا إله إلا الله، ويقول: يا سيدي فلان أغثني، ويا سيدي فلان اشفني، فانظروا الفرق بين جاهلية العصر وجاهلية أهل الجاهلية.

стр. 46

ضلال أهل الجاهلية في عبادتهم لغير الله في الرخاء ورجوعهم إلى الله في الشدة فإن أهل الجاهلية إذا كانوا في رخاء عبدوا الله وعبدوا غيره، وأشركوا بالله سبحانه، فإذا مسهم الضر عبدوا الله وحده، ولذلك فإن عكرمة بن أبي جهل لما فر من النبي صلوات الله وسلامه عليه وركب البحر، جاء الموج وعلا، وكانت الأمواج شديدة، وكادت السفينة تغرق به وبمن معه، فقال ربان السفينة: يا قومي إنكم قد علمتم أنه لا ينجيكم من هذه إلا الله . وأمرهم أن يخلصوا لله. فإذا بـ عكرمة يتفكر، أن الذي ينجيهم من هذه الله ولا ينجيهم منها غيره، فهم الآن سيعبدون ربهم، وقبل ذلك لم يكونوا يدعونه، فتنبه للشرك الذي هم فيه فقال: لئن أنجاني الله من ذلك لأذهبن إلى محمد ولأضعن يدي في يده ثم لأجدنه رءوفاً رحيماً. فكان كما ظن! أهل الجاهلية لما كان يصيبهم شر يقولون: يا رب، كما قال الله : ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:٦٧] يعني: ضاع كل من كنتم تدعونه من دون الله، ولجأتم إلى الإله الواحد الذي في السماء، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا﴾ [الإسراء:٦٧] فقد كان الإنسان يخذل نفسه بكفره بالله وبشركه وجهله. والغرض: أن من الناس من يقول: لا إله إلا الله، وإذا به في وقت رخائه يقول: يا فلان، وإذا اشتد كربه يزداد شركاً بالله . انظر: الطلبة أيام الامتحانات يذهبون عند سيدهم فلان، وسيدهم فلان، فمنهم من يقول: يا سيدي جابر حصل كذا وكذا، اكتب لي ورقة، ويحطها له في القبر من أجل ينجح في الامتحان، ومنهم من يقول: يا سيدي أبا العباس، اعمل لي كذا وكذا. وهؤلاء إن كانوا أقواماً صالحين، فلهم عبادتهم وينتفعون بأعمالهم. أما تدعو إنساناً لا يملك لنفسه شيئاً، وتترك الله ، فإن هذا شرك عظيم. (جاء رجل إلى النبي ﷺ يقول: يا رسول الله، ما شاء الله وشئت، فغضب النبي ﷺ وقال: أجعلتني لله نداً؟ قل: ما شاء الله وحده)، وفي حديث آخر: (قل: ما شاء الله ثم شئت). فأخبره النبي ﷺ أن يبدأ بالله وحده، فيعلمهم التوحيد، وأن لا يشركوا بالله سبحانه. ومن الابتلاء الذي يحدث: ذهاب الناس إلى مولد السيد البدوي، ثم يعتقدون أشياء منها: أن الذهاب إلى مولد السيد البدوي أحسن من عشر حجات فهل نزل وحي بعد النبي ﷺ ؟! فإنه لا يحل لمسلم أن يقول ذلك، ولا أن يذهب ويطوف بشيء إلا بالكعبة التي شرع الله الطواف بها لتوحيده سبحانه. تطوف بالكعبة وتقول: يا الله، ولا تقول: يا رسول الله، ولا تقول: يا أهل بيت الله، وإنما تقول: يا الله. وعندما تذهب إلى عرفات تقول: لا إله إلا الله، قال النبي ﷺ : (خير ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله). الفائدة الرابعة عشرة: تأمل الجمع بين كون عيسى ومحمد عبدي الله ورسوليه صلوات الله وسلامه عليهما. الخامسة عشرة: معرفة اختصاص عيسى بكونه كلمة الله، وكلمة الله يعني: أنه خلق ووجد بها، وليس هو عين الكلمة، وكلام الله صفة من صفاته ليس مخلوقاً، إنما المسيح مخلوق بالكلمة، قال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران:٥٩] فكان آدم بكن وكان المسيح بكن، وكان كل خلق الله بكن. السادسة عشرة: معرفة كونه روحاً من الله. يعني: خلقه الله كما خلق غيره من الأرواح. السابعة عشرة: معرفة فضل الإيمان بالجنة والنار، ومن آمن بالجنة استحق أن يدخلها، ومن لم يؤمن بها استحق أن يحرم منها، ومن آمن بأن الله خلق النار عذاباً لمن عصاه ابتعد عن المعاصي واستحق أن لا يدخلها. الثامنة عشرة: معرفة قوله: (على ما كان من العمل) وإذا كان قد عمل عملاً سيئاً وغلبت سيئاته حسناته استحق أن يدخل النار، ولكن يوماً من الأيام يخرجه رب العالمين ويدخله الجنة، ويعرف عصاة الموحدين في النار بآثار السجود، يعني: عندما يشفع الشافعون من أنبياء وملائكة ينظرون في أهل النار، فيعرفون عصاة الموحدين، ويفرقون بينهم وبين المشركين بآثار السجود، فيشفعون لهم ويخرجون من النار. التاسعة عشرة: معرفة الميزان أن له كفتين. والميزان مخلوق خلقه الله، فتوزن عليه الأعمال يوم القيامة. العشرون: معرفة ذكر وجهه . ونؤمن به وبصفاته على النحو الذي ذكر في كتابه، فذكر أن له الوجه، قال تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧] فنؤمن بذلك، وذكر لنفسه السمع والبصر وغير ذلك، فنؤمن بهذا كله. وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 47

شرح كتاب فتح المجيد - من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب لما كان التوحيد لب العبادة وأساسها فقد استحق من حقق كماله، وتخلص من شوائب الشرك، أن يدخل الجنة بغير حساب، وقد أثنى الله على إبراهيم بأنه كان أمة، لأنه حقق التوحيد.

стр. 48

بيان أن من حقق التوحيد دخل الجنة بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال المؤلف: [باب: من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب، وقول الله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل:١٢٠]. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون:٥٩]. وعن حصين بن عبد الرحمن قال: كنت عند سعيد بن جبير فقال: أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة؟ قال: فقلت: أنا. ثم قلت: أما إني لم أكن في صلاة ولكني لدغت، قال: فما صنعت؟ قلت: ارتقيت، قال: فما حملك على ذلك؟ قال: قلت حديث حدثناه الشعبي. قال: وما حدثكم؟ قال: قلت: حدثنا عن بريدة بن الحصيب أنه قال: (لا رقية إلا من عين أو حمة)، قال: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع، ولكن حدثنا ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: (عرضت علي الأمم فرأيت النبي ومعه الرهط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد، إذ رفع لي سواد عظيم فظننت أنهم أمتي، فقيل لي: هذا موسى وقومه، فنظرت، فإذا سواد عظيم فقيل لي: هذه أمتك، ومعهم سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، ثم نهض فدخل منزله، فخاض الناس في أولئك، فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله ﷺ ، وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام، فلم يشركوا بالله شيئاً، وذكروا أشياء فخرج عليهم رسول الله ﷺ فأخبروه فقال: هم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون، فقام عكاشة بن محصن، فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: أنت منهم، ثم قام رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: سبقك بها عكاشة)].

стр. 49

الكلام على قوله تعالى: (إن إبراهيم كان أمة) هذا الباب الثالث من كتاب التوحيد، وفيه من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب، وتحقيق التوحيد، أي: تخليصه، وتصفيته، وتنقيته من شوائب الشرك والبدع، والمعاصي قال الله : ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل:١٢٠ - ١٢١]. لما حقق إبراهيم التوحيد لرب العالمين، استحق أن يكون أمة وحده، واستحق أن يمدحه الله بهذه الصفة، ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل:١٢٠]، الأمة: بمعنى القدوة في جميع أعمال الخير، وإبراهيم ﵊ هو أبو الأنبياء، وكان يلقب بأبي الضيفان، وهو أحد الخمسة من أولي العزم من رسل الله سبحانه ﵎، وقد جعل الله ذريته على التوحيد الخالص ببركة دعوته قال: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم:٣٥]، فجعل من ذريته الأنبياء الذين يدعون إلى ربهم سبحانه، فما جاء بعده نبي إلا وهو من ذريته ﵊. وذكروا أن الله مدح إبراهيم ﵊ في هذه الآية بأنه حقق كمال التوحيد، وحسن العبادة، بل أحسن العبادة وأفضلها فوصفه بأنه: كان أمة: بمعنى: كان قدوة في الخير، وإماماً ومعلماً له. وهناك فرق بين أن يكون إماماً وأن يكون أمة، فإنه إن يكن أمةً يدخل تحتها أن يكون إماماً، وإن يكن إماماً فلا يلزم أن يكون أمة، إذ الأمة هو الذي جمع خصالاً من الخير لا تجتمع إلا في أمة كاملة، فكأن خصال الخير التي في إبراهيم لا تجتمع لغيره من الناس فرادى، ولكن تجتمع لمجموعة من الناس، فلما قام إبراهيم وحده بذلك كان أمة. قالوا: والإمام كل من يقتدى به ويؤتم به، سواء قصد ذلك وشعر به أو لم يقصده ولم يشعر به. ولذلك فمن تقتدي به أو تسير على نهجه وهديه فهو إمامك، ومن ذلك تسمية الطريق إماماً، قال الله : ﴿وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر:٧٩]، أي: طريق مسلوك يسلكه الناس فيعرفون أن ديار ثمود كانت هنا، وأن أصحاب الأيكة كانوا هنا، فالإمام كل من تقتدي به شعر بذلك أو لم يشعر. أما الأمة ففيها زيادة معنى فوق معنى الإمام، فإذا كان الإمام الفرد الواحد، فالأمة المجموعة من الناس، ولكن قد تطلق الأمة على الواحد على اعتبار أنه جمع خصالاً مجموعة من الناس، وليس إنساناً واحداً، فلفظ الأمة يشعر بذلك، فقوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل:١٢٠]، يعني: أن فيه خصالاً عظيمة من خصال الخير لا تكون إلا في أمة من الناس.

стр. 50

ابتلاء إبراهيم في أبيه وقومه كان إبراهيم قدوة، وكان إماماً، وكان معلماً للخير؛ لتكميله مقام الصبر، ومقام اليقين، اللذين تنال بهما الإمامة في الدين. وقد ابتلي إبراهيم ﵇ بلاءً عظيماً، فاستحق أن يكون في النهاية خليل الرحمن سبحانه ﵎، فقد ابتلي في نفسه، وابتلي في أبيه وفي أبنائه، وفي بلده، فقد كان قومه يعبدون الأصنام، فهاجر إلى بلاد الشام فوجدهم يعبدون الكواكب من دون الله ، فناظر هؤلاء وأولئك، فأما قومه فقد عصوا وكفروا وعبدوا الأصنام من دون الله سبحانه، وانتهى بهم الجحود إلى أن جعلوا له خندقاً وأضرموا وفيه النيران، ثم ألقوه فيها فنجاه الله سبحانه ﵎، ثم تركهم إبراهيم ﵊، وتوجه مهاجراً من حران وهي ولاية في العراق إلى بلاد الشام ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات:٩٩]. أما بلاؤه بأبيه فقد كان أبوه صانع الأصنام لقومه، فدعا أباه إلى الله سبحانه ﵎، قال عن دعوة إبراهيم لأبيه: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا * يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا * يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾ [مريم:٤٢ - ٤٥]. فأبى أبوه إلا الاستمرار على ما هو فيه، قال الله حاكياً رده على إبراهيم: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم:٤٦]، أي: لأسبنك، ولأشتمنك، ولأطردنك، ولأرمينك بالحجارة. فرد عليه إبراهيم كما حكى الله عنه: ﴿قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا * وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ [مريم:٤٧ - ٤٨].

стр. 51

مناظرة إبراهيم لعباد الأصنام اعتزل إبراهيم أباه وقومه وما يعبدون من دون الله سبحانه ﵎، ثم ناظر قومه، فلما رفضوا دينه ﵊ وخرجوا إلى عيدهم توجه إلى أصنامهم، وقد جعلوا طعامهم تحت هذه الأوثان، ليتبركوا بها بزعمهم، آملين أنهم سيرجعون فيأكلون هذا الطعام الذي وضعوه تحت أصنامهم. وكان إبراهيم معتزلاً قومه، وحين دعوه لعيدهم قال: إني سقيم، لن أخرج معكم إلى العيد، ثم توجه إلى هذه الأصنام فخاطبها خطاب تهكم قائلاً: ألا تأكلون، مالكم لا تنطقون، وهو يعلم يقيناً أنها لا تنفع ولا تضر، ثم هوى بمعوله محطماً لها قال تعالى: ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ [الصافات:٩٣]، فكسر أصنامهم جميعها إلا واحداً، علق فأسه عليه. وجاء القوم إلى أصنامهم، فقالوا كما أخبر الله عنهم: ﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ * قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ * قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾ [الأنبياء:٥٩ - ٦١]، فجاءوا بإبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، ثم سألوه كما أخبر الله عنهم: ﴿قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ﴾ [الأنبياء:٦٢ - ٦٣]. وفي الآية تقديم وتأخير، والمعنى: إن كانوا ينطقون فهم يصنعون ذلك ويكون كبيرهم قد فعلها، وإن كانوا لا ينطقون فهم لا يفعلون شيئاً، فاعقلوا إن كنتم تعقلون. ولم يكذب كذباً صراحاً، وإنما عرض في الكلام. فكانت إجابتهم حين عجزوا عن المحاجة استخدام القوة، قال تعالى: ﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:٩٧]، أي: اصنعوا له بنياناً فيه النار ثم ألقوه فيه، وأرادوا إلقاء إبراهيم فيها، فنجاه الله سبحانه ﵎ بقوله: كن، فكانت برداً وسلاماً على إبراهيم قال تعالى: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء:٦٩].

стр. 52

مناظرة إبراهيم لعباد الكواكب وبعد أن نجا إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، هاجر من هذه البلاد، قال تعالى: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي﴾ [الصافات:٩٩]، أي: إني مهاجر وتارك هذا المكان الذي يعبدون فيه غير الله سبحانه، فتوجه إلى الشام. ولما توجه إلى ديار الشام وجدهم يعبدون الكواكب والنجوم من دون الله ، فنظر متأملاً لهذه العبادة الباطلة، وأخذ يدعوهم إلى ربه سبحانه ﵎ ويسألهم: ما هذا الذي تعبدون؟ قالوا: نعبد هذه الكواكب وهذه النجوم، وحين جن عليه الليل رأى كوكباً فقال: هذا ربي وربكم، فلما أفل قام وكأنه يتفكر أمامهم، حتى يردهم عما هم فيه من باطل، فقال: ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ [الأنعام:٧٦]، أي، كيف أعبد هذا الذي بعدما طلع وأضاء أخذ يتوارى ويظلم؟ إني لا أحب رباً بهذه الصورة. والمقام من إبراهيم كان مقام مناظرة، وليس مقام نظر، ومقام المناظرة يتنزل فيه لبيان ضعف حجة الخصم، فأنت حين تناظر الخصم، تقول له: أنا أقول كذا، فيقول لك: وأنا أقول كذا، فتقول: لو فرضنا أن قولك صحيح فإنه ينبني عليه كذا وكذا، وأنت لا تعتقد صحة ما يقول، بل تقوله في مقام المناظرة. ومنه قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء:٢٢]، ففي الآية مقام التمانع أي: لو كان فيها آلهة غير الله لفسدت السموات والأرض، فلما لم تفسد السموات ولا الأرض، فإنه لا يوجد آلهة غير الله ، ومنه أيضاً قول الله : ﴿إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف:٨١]، على قول من أقوال المفسرين. فالمراد أن إبراهيم كان في مقام المناظرة مع قومه، لا مقام النظر من الإنسان الذي لا يعرف فيطلب المعرفة وينظر ويتأمل حتى يعرف بعد ذلك، وحاشا لإبراهيم أن يكون كذلك، بل إبراهيم عرف ربه سبحانه ﵎، فناظر على معرفته ولم يكن ناظراً يتفكر ويتأمل وهو لا يعرف، فكان يعرف يقيناً أن الله واحد لا شريك له، وأن الله خالق كل شيء سبحانه. فلما قال لقومه: ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ [الأنعام:٧٦]، طلع عليهم القمر فقال: هذا ربي هذا أكبر من الأول قال تعالى حاكياً لقوله: ﴿فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ﴾ [الأنعام:٧٧ - ٧٨]، أي: هذه أكبر شيء يرى من النجوم: ﴿فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام:٧٨ - ٧٩]، فإذا به يصل في النهاية معهم إلى أن هذه لا تنفع ولا تضر، بل هي أشياء تبزغ ثم تنصرف بعد ذلك وتأفل، فلا تستحق أن تعبد من دون الله، وظل يناظرهم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام وهم يأبون ذلك، فإذا بإبراهيم ﵊، يعتزل هؤلاء في عبادتهم لغير الله، بعد أن دارت بينه وبينهم مناظرات وثبته ربه سبحانه ونصره على هؤلاء كما نصره على الذين من قبلهم بالحجة والبرهان.

стр. 53

ابتلاء إبراهيم بذبح ولده إسماعيل ثم ابتلى إبراهيم ﵇ في ابنه، فقد أمره ربه سبحانه ﵎: أن اذبح ولدك إسماعيل، فيصبر لذلك ويقول لابنه كما قال تعالى حاكياً عنه: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصافات:١٠٢]، يقول لابنه: إني أرى في المنام أني أذبحك. فلم يقل ابنه إنها أضغاث أحلام مثلاً، ولكن قال كما أخبر الله عنه: ﴿قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ﴾ [الصافات:١٠٢ - ١٠٦]. فإذا بالله كلما يبتليه بشيء وينجح إبراهيم في الامتحان يضيف إليه خصلة من خصال الخير، ويزيده رفعة إلى أن بلغ في النهاية أن يكون خليل الله سبحانه ﵎، وتلك المرتبة أعلى مرتبة يصل إليها بشر. وكذلك كان نبينا صلوات الله وسلامه عليه، قال ﷺ : (لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً ولكن صاحبكم خليل الرحمن). وقال أيضاً ﵊: (إن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً)، فالخليل أعظم من الحبيب.

стр. 54

إبراهيم أبو الضيفان لما كان إبراهيم أمة فقد جمع خصال الخير ومنها الكرم، فقد سمي أبا الضيفان، وقد جاءه أضياف من الملائكة وهو لا يعرف أنهم ملائكة، فذهب إلى بيته وجاءهم بعجل حنيذ، وكان الملائكة ثلاثة، وعلى قلة عددهم كان يكفيهم القليل من اللحم، إلا أن إبراهيم يذهب إلى بيته ويجيء بعجل حنيذ، ثم يقبل عليهم ويقول: ﴿أَلا تَأْكُلُونَ﴾ [الذاريات:٢٧]. فكان في غاية الكرم، وغاية الأدب مع ضيوفه، فإنه لما أتاهم بهذا الطعام الطيب، جلس معهم وما قال لهم: كلوا، ولكن قال: ﴿أَلا تَأْكُلُونَ﴾ [الذاريات:٢٧]، أي: ألا تتفضلون فتأكلون، وهذا غاية الأدب في الحوار، وفرق بين أن تقول للضيف: كل، بصيغة الأمر، فقد يأنف ويرفض الأكل، وبين أن تقول: تفضل، ألا تأكل من طعامنا، فإنك بخطابك هذا تتلطف مع الضيف ليأكل من طعامك.

стр. 55

إبراهيم يترك أهله في واد غير ذي زرع ومن خصال الخير التي جمعها إبراهيم ﵇ أنه بنى الكعبة ﵊ يعينه إسماعيل وقبل ذلك يستعين بربه سبحانه ﵎. فقد ذهب إبراهيم بأم ولده إلى مكة بأمر الله سبحانه، وتركها هنالك مع ابنه ووحيده إسماعيل، ومعها سقاء فيه ماء، وجراب فيه تمر، ثم تركهما وهي تنادي عليه: إلى من تتركنا يا إبراهيم؟! فيسكت ﵊ ويمضي في تنفيذ أمر الله ، فيترك ابنه الرضيع الذي جاءه وهو شيخ كبير في هذا المكان متوكلاً على الله، واثقاً في الله سبحانه ﵎، مع أم ولده. ولم تكن هاجر زوجة له، وإنما كانت أم ولده، فقد كانت أمة أهداها ملك مصر لـ سارة، فأهدتها سارة لإبراهيم ﵊، فوطئها فرزقه الله منها إسماعيل ﵇. فلما تركها هنالك وانصرف قالت: آلله أمرك بذلك؟ قال: نعم. قالت: إذاً لا يضيعنا، فأحسنت التوكل على الله، فرزقها الله بئر زمزم، تفيض ماء لها ولولدها، ورزقها الله من يأتون إليهم جيراناً ويعيشون معهم في هذا المكان. وحين ترك إبراهيم هاجر وابنه وتولى عنهما وراء أكمة مرتفعة ظهر منه الشوق والحب لأهله، فتضرع إلى ربه قائلاً: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم:٣٧]. وقد أخفى عنهم هذا التضرع الذي بينه وبين ربه، إذ لو أظهر هذا أمامهم فقد يبكي ويبكون ويشق عليهم ذلك، ولكنه تعمد أن يتركهم ويذهب وراء أكمة مرتفعة ثم يتضرع إلى ربه أن يهيئ لهم أسباب النجاة؛ لأنه قد تركهم في مكان لا يوجد فيه أنيس ولا جليس، ولا يوجد فيه ماء ولا زرع ولا ضرع، ولكنه تركهم طاعة لله، محسناً التوكل على الله، فصار هذا المكان مكاناً يحجه الناس ويعتمر إليه من كل فج عميق.

стр. 56

ابتلاء إبراهيم في زوجته من ابتلاء الله لإبراهيم ﵊ ابتلاءه له في زوجته سارة، إذ بينما هو يسير بها في أرض مصر، فإذا بالناس يذكرون لجبار من الجبابرة من ملوك مصر: أن رجلاً جاء إلى هذه البلاد معه امرأة من أجمل النساء، فإذا بالملك يأتي بإبراهيم ويسأله: من هذه التي معك؟ فحار إبراهيم في الجواب، إذ لو قال: زوجتي سيقتله ويأخذها، فإذا به يقول: أختي، يريد أنها أخته في الإسلام. فيأخذها الجبار من إبراهيم ﵊، وإبراهيم لا حيلة له، وكيف سيدفع عن زوجته وهذا الجبار ملك من الملوك، فأدرك أن ليس له إلا أن يجأر إلى الله، ويتضرع إليه. وبعد أن أخذ هذا الجبار سارة أراد أن يدنوا منها، فتمتمت بكلمات تناجي ربها سبحانه، فإذا به يخر صريعاً، ويقول لها: ادعي الله لي ولا أوذيك، فتدعو الله فيكشف عنه ما به، فيدنو مرة ثانيه، فتدعو عليه فيصرع كما صرع بالمرة الأولى، وهكذا في الثالثة فينصرف عنها ويقول: إنما جئتموني بشيطانة، ما أتيتوني بإنسية، ثم يهديها هاجر وترجع إلى إبراهيم وهو قائم في صلاته منذ أن خرجت من عنده، فيسألها: ما فعلت مع هذا الرجل؟ فتقول: إن الله نصرنا عليه، وأهدى لنا هاجر، فوهبتها لإبراهيم ﵊. وهكذا كانت حياة إبراهيم ﵊ كلها بلاء، وما ذكر لنا منها قليل، وما أخفي عنا أشياء كثيرة، الله أعلم بها. وبذلك استحق إبراهيم ﵇ أن يصل إلى درجة كمال العبادة لربه سبحانه فيكون أمة ﵊.

стр. 57

إبراهيم كان قانتاً لربه الصفة الثانية: ووصف الله إبراهيم ﵇ أنه كان قانتاً لله، والقنوت بالتاء غير القنوط بالطاء، فالقنوت بالتاء بمعنى الخشوع، وبمعنى دوام الطاعة، وبمعنى القيام مصلياً لله رب العالمين سبحانه. فيقال: هذا قانت لله، أي: خاشع خاضع مذل نفسه لله رب العالمين، قائم في صلاته يركع ويسجد لله سبحانه، ويطيل الدعاء، فهذه كلها من معاني القنوت. وقد حصل لإبراهيم ﵇ كمال القنوت لرب العالمين سبحانه، وقيل: القنوت دوام الطاعة، يقال: المصلي إذا أطال في قيامه أو ركوعه أو سجوده، فهو قانت، يقول الله : ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر:٩]، ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. وجاء في الحديث أن القنوت بمعنى: القيام في الصلاة، فقد سئل النبي ﷺ : أي الصلاة خير، فقال: (طول القنوت)، وطول القنوت بمعنى: طول القيام والقراءة فيه. وكذا كان إبراهيم قانتاً لله. أما القنوط بالطاء فهو بمعنى: اليأس، وقد ورد أن إبراهيم ﵊ لما قالت له الملائكة: ﴿فَلا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ﴾ [الحجر:٥٥]، أجابهم كما حكى الله عنه: ﴿قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر:٥٦].

стр. 58

إبراهيم أول الحنفاء الصفة الثالثة في هذه الآية: أن إبراهيم عليه الصلاة السلام كان حنيفاً، والحنف: الميل، والمقصود أنه كان مائلاً عن الباطل؛ لأن كل الأديان عند مبعث إبراهيم ﵊ كانت باطلة فحنف عنها، أي: مال عن جميعها إلى شرع الله سبحانه ﵎. فكان إبراهيم حنيفاً مسلماً ﵊؛ لأنه مال عن الباطل واستقام على الحق، ثم صارت هذه الكلمة عرفاً على الاستقامة على الدين، فكان معناها: أنه مستقيم على دين رب العالمين سبحانه، قال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل:١٢٠]، يزكيه الله سبحانه أنه ما كان من المشركين وحاشا له صلوات الله وسلامه عليه، فلم يكن يشرك شركاً أكبر حاشاه، ولا شركاً أصغر، ولا شركاً خفياً.

стр. 59

الأسئلة

стр. 60

معنى قوله ﷺ : (لا يرقون) فيمن يدخلون الجنة بغير حساب السؤال قوله في الحديث: (ولا يرقون)، ألا يحمل على الرقى الشركية، بدليل قوله في الحديث الآخر: (اعرضوا علي رقاكم)؟ الجواب هذا كلام لم يقله به أحد من العلماء، وواضح أن السائل غير فاهم لحديث النبي ﷺ ، فرواية: (هم الذين لا يرقون)، ضعيفة، وعلى فرض صحتها كما صححها الحافظ ابن حجر فلم يقل أحد من العلماء: أنهم الذين لا يرقون الرقى الشركية؛ لأنه لو كان المعنى كذلك فإن الحديث له منطوق ومفهوم، فمنطوقة: سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب هم الذين لا يرقون، تنزلاً على ما قاله السائل من أن المعنى: يرقون الرقى الشركية، فإن مفهومه أن غيرهم ممن يدخلون الجنة هم الذين يرقون الرقى الشركية، وهذا لا يقول به أحد من المسلمين. ولذا فقوله: (لا يرقون)، عند الذين صححوها كالحافظ ابن حجر ﵀، حملوها على معنى (لا يسترقون)، أو قريباً منه، فالذي لا يسترقي لا يطلب من غيره ذلك، إذ فيه تحقيق لمقام التوكل، ولا يرقي أصلاً، لا هذا ولا ذاك، فيترك الاثنين، لكن كلام شيخ الإسلام أقعد وأقوى من الناحية الأصولية في المعنى، إذ كيف نعلم أن النبي ﷺ كان يرقي نفسه كل ليلة ثم نقول: إنهم يتركونه بالأصل؟ وقد يقال: إنه ما فعل ذلك إلا ليشرع، والجواب: التشريع يكفي فيه أن يفعلها ﷺ مرة، لكنه كان يرقي نفسه كل ليلة ﷺ ، فيجمع يديه ﵊ إلى فمه، ويقرأ المعوذات: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١]. ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق:١]. ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس:١]. ولذا فالراجح أن صحيح الروايتين هو: (لا يسترقون)، وأن لفظه (لا يرقون)، وهم من الراوي.

стр. 61

حكم تبني الزوج والزوجة لمن رضع من الزوجة السؤال ذكرت جريدة الأهرام إعلاناً لدار رعاية الأيتام بأنه يقوم بتوفير جهاز الرضاعة الصناعية، الذي يعمل على إدرار اللبن من ثدي الأم الكفيلة حتى ولو لم يسبق لها حمل أو رضاعة، وبذلك يصبح ابنها في الرضاعة، فهل تجوز في هذه الحالة مسألة التبني؟ الجواب مسألة التبني لا تجوز في هذه الحالة ولا في غيرها، والتبني بمعنى نسبة الطفل لنفسها، ولكن حتى لو حصل ذلك فإنه يصبح ابنها من الرضاعة ولا ينسب الولد لها ولا لزوجها. وهذه الصورة التي يذكرونها هنا أنا لا أعرفها كصورة طبية، ويستبعد أن جهازاً سيجعل امرأة لم تحمل قبل ذلك ترضع، لكن لعله يقصد أن امرأة قل اللبن عندها فزاد الجهاز من إدرار اللبن، ولو فرضنا وقوع ذلك فقد ذكر العلماء مثل هذه المسألة: وهي أنه لو ثاب لامرأة اللبن، أي: لو رجع لها لبن من غير أن يكون لها حمل، فأرضعت بهذا اللبن، هل الولد يكون ابناً لها؟ قالوا: يكون ابناً لها هذا الولد، لكن هل يكون ابناً لزوجها؟ المعلوم أنه يكون ابناً لصاحب اللبن، وهذا ليس صاحباً اللبن، فاللبن الذي جاءها ليس بسبب وطء هذا الإنسان أو بسبب حملها منه، فيكون ابناً لهذه المرأة. فالسائل هنا يقول في سؤاله: هل تجوز مسألة التبني؟ والجواب: إن مسألة التبني بمعنى نسبة هذا الطفل للمرأة وللرجل لا يجوز لا في هذه الحالة، ولا في حالة الرضاعة الحقيقة، وغايتها أن يقال: ابنه من الرضاعة، ولا ينسب إليه؛ لأنه فرق بين الابن من النسب والابن من الرضاعة، وهذا نسيبك بمعنى: قريبك، فأبوك وابنك وأخوك وعمك، يدعون أنسباء للإنسان، ونحن نطلقها خطأً على أقارب الزوجة وأقارب الزوج من الأصهار والأختان. أما النسب: فهم الأقارب من الأرحام والعصبات كالأب، والأم، والابن، والبنت، والجد، والجدة.

стр. 62

ذهاب المريضة إلى الطبيب السؤال هل ذهاب المرأة إلى دكتور أمراض النساء حرام مع العلم أن الذهاب لضرورة؟ الجواب إذا كان الذهاب ضرورة بمعنى أنه إذا لم تذهب سيحدث لها مكروه ولا يوجد إلا هذا الطبيب جاز لها أن تذهب، سواءً كان تخصصه في أمراض النساء أو غير أمراض النساء، كأن يكون جراحاً ولا يوجد من يجري الجراحة إلا هذا الطبيب.

стр. 63

حكم التداوي بالكي السؤال عندي في قدمي (عين سمكة) وأفضل علاج له هو الكي بالحرارة؟ الجواب الكي جائز في مثل هذه الحالة، الحالة إذا لا يمكن دواؤها إلا به، أو كان لها علاجات والعلاج الوحيد الذي يبرئها الكي؛ لأن صاحبها معذور كما أن النبي ﷺ جعل الكي آخر العلاج، وهو نفسه أمر فكوي أبي بن كعب ﵁ وكوي أنس بن مالك وكوي أسعد بن زرارة، فالكي جائز.

стр. 64

حكم من أدركته صلاة العصر وهو مقيم ثم سافر ولم يصل إلا في وقت صلاة المغرب السؤال رجل مسافر وعندما ركب السيارة أذن العصر، وعندما وصل إلى المدينة المسافر إليها دخل المسجد وصلى المغرب جماعة؛ لأن صلاة المغرب كانت قائمة، ثم بعد صلاة المغرب قام بصلاة العصر أربع ركعات، ثم أعاد صلاة المغرب ثم صلى العشاء ركعتين، فهل هذا الفعل صحيح شرعاً؟ وهل من أدركته صلاة في بلده ولم يكن قد صلاها وسافر فهل يتم هذه الصلاة كاملة أم يقصرها؟ الجواب لو أن إنساناً كان مقيماً ثم سمع الأذان وهو مقيم، ثم سافر ولم يصل العصر، ووقت العصر ليس وقتاً ضيقاً إنما وقت العصر وقت موسع، فإذا سافر ونزل فصلى في الطريق جاز له أن يقصر الصلاة. أما إذا نزل في وقت المغرب، فقد ضاعت عليه صلاة العصر، وكان الواجب عليه أن يصلي العصر قبل أن يسافر ما دام يعرف أنه لن يصل إلا بعد المغرب. ولو فرضنا أنه لم يعرف ذلك، وحضر وقت صلاة العصر وهو في السيارة كان عليه أن يطلب من السائق أن يقف، ولو فرضنا تعذر ذلك كأن يكون راكباً قطاراً فليصل في مكانه الذي هو فيه، إن استطاع قام وتوجه إلى القبلة، وإن لم يستطع تحرى بقدر المستطاع، ولكن لا يجوز أن يؤخر العصر حتى تغرب الشمس، فإن العصر لا تجمع مع المغرب. وقد وقع أن هذا السائل نزل في وقت المغرب ثم دخل المسجد فوجدهم يصلون صلاة المغرب، والراجح في هذه المسألة أن يدخل معهم بنية العصر، هم سيصلون ثلاث ركعات يجلسون في الركعة الثالثة، فيجلس معهم، وعندما يسلم الإمام يقوم هو ويأتي بالركعة الرابعة ثم يصلي بعد ذلك صلاة المغرب وحده. أما ما فعله من أنه دخل معهم في صلاة المغرب بنية النافلة، ثم أعاد العصر وحده وأعاد المغرب وحده، فقد صحت الصلاة منه. أما سؤاله: هل يتم أم يقصر؟ فالجواب: يجوز له أنه يتم؛ لأن القصر ليس فرضاً إلا عند الأحناف، أما عند الجمهور فالقصر مستحب وليس فرضاً، فإذا أتم العصر جاز، وإذا قصرها جاز أيضاً؛ لأن وقت الوجوب كان متسعاً وليس وقتاً ضيقاً، لكنه يأثم بتأخيره، فهل كونه يأثم بتأخيره لصلاة العصر حتى يخرج وقتها نلزمه أن يصليها تامة؟ الراجح لا يلزمه لأنه مسافر ويصلي صلاة العصر الآن، قد وجبت عليه وهو في بلده وهو في الطريق واجب عليه، لما ضاق الوقت وجب عليه أن يصليها صلاة قصر وهو مسافر، فالآن سيصليها، ولذا يجوز له أنه يقصر في هذه الحال، وإذا أتم فالصلاة صحيحة.

стр. 65

شرح كتاب فتح المجيد - الخوف من الشرك وباب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله حذر الله تعالى عباده من الشرك وبين أنه لا يغفره دون سواه من سائر الذنوب غير المكفرة؛ لأجل ذلك خاف منه الأنبياء ﵈، فهذا إمام الحنيفية إبراهيم ﵇ يدعو ربه أن يباعد بينه وبين الشرك، ودعاه كذلك أن يجنب أبناءه وذريته منه، وهكذا خاف منه نبينا عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم على أمته، كما خوفهم من الشرك الأصغر، وبين أن من اتخذ لله نداً دخل النار. فهذا خوف الأنبياء المعصومين فكيف بمن دونهم، فهو أولى بالخوف والحذر.

стр. 66

ذكر الأدلة الواردة في الخوف من الشرك من الكتاب والسنة الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال المؤلف رحمه الله تعالى: (باب الخوف من الشرك، وقول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، وقال الخليل ﵊: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم:٣٥]، وفي الحديث (أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر فسئل عنه فقال: الرياء)، وعن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من مات وهو يدعو من دون الله نداً دخل النار)، رواه البخاري. ولـ مسلم عن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من لقي الله لا يشرك به شيئاً دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئاً دخل النار)) هذا الباب الرابع من كتاب التوحيد وفيه الخوف من الشرك. وكل إنسان مسلم يخاف على نفسه من أن يشرك بالله ، لأن الله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] فالشرك أعظم جريمة يقع فيها الإنسان في حق الله سبحانه؛ ولذلك لا يغفره الله تعالى. أما ما دونه من الذنوب ولو كان من الكبائر فالله يغفرها قال تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، فلما ذكر هنا الشرك -الذي هو أكبر الكبائر- ذكر أن غيره من الذنوب يغفرها الله . وإذا تاب العبد فيقيناً أن يغفر الله له ذنوبه وكبائره، أما إذا لم يتب فهو تحت المشيئة إن شاء الله تاب عليه، وإن شاء عذبه. وقد جاء عن النبي ﷺ تسمية الشرك وبعض الكبائر بالموبقات المهلكات فقال: (اتقوا السبع الموبقات المهلكات، قيل: وما هن يا رسول الله! قال: الشرك بالله، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات). فهذه كبائر عظيمة وأعظمها الشرك بالله ﵎. يقول ابن القيم ﵀: إن الله تعالى أخبر أنه لا يغفر لمن لم يتب من الشرك، أما ما دونه من الذنوب؛ فيغفرها الله وذلك يوجب للعبد شدة الخوف من الشرك الذي هذا شأنه؛ لأنه أقبح القبيح، وأظلم الظلم أن يظلم الإنسان نفسه بالشرك بالله سبحانه ﵎؛ لأن فيه تنقيص من رب العالمين سبحانه، وصرف خالص حق الله لغيره. وفيه العدل فيعدل بربه غيره قال سبحانه: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام:١]، يعني: يجعلون معه من يعادله، حاشا لله . ذلك لأن الشرك ناقض للمقصود بالخلق والأمر، فالله وحده التفرد بالخلق، وله وحده الأمر قال تعالى: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤] فكما أنه تفرد بخلق المخلوقات جميعها كذلك تفرد بالأمر والتشريع؛ فهو الذي يأمر وهو الذي ينهى . يقول ابن القيم ﵀: (لأنه مناقض للمقصود بالخلق والأمر، مناف له من كل وجه، وذلك غاية المعاندة لرب العالمين، والاستكبار عن طاعة الله سبحانه، والذل له والانقياد لأوامره الذي لا صلاح للعالم إلا به. فمتى قال ذلك خربت الديار وقامت القيامة). فاستدل بقول النبي ﷺ : (لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله)، فإذا صار الكفار فقط على وجه الأرض خربت الدنيا، ومن ذلك أيضاً قول النبي ﷺ : (لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق يتهارجون تهارج الحمر)، ومعنى يتهارجون قيل: يتقاتلون، وقيل: يقع بعضهم على بعض في الزنا واللواط ويقتل بعضهم بعضاً، فهذا هو الهرج.

стр. 67

ذكر الأحاديث الواردة في الطائفة المنصورة وبعض علامات الساعة جاءت أحاديث عن النبي ﷺ في الطائفة المنصورة، منها: قوله: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك). وقال في حديث آخر: (لا تزال طائفة قائمة بأمر الله حتى يأتي أمر الله). ولا تناقض بين هذه الأحاديث وكلها صحيحة. وفي صحيح مسلم عن جابر ﵁ قال النبي ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة، قال: فينزل عيسى بن مريم ﷺ فيقول أميرهم: تعال صل لنا فيقول: لا إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة الله هذه الأمة)، فذكر هنا أن نزول المسيح عيسى بن مريم إحدى علامات الساعة الكبرى، وذلك حين يخرج المسيح الدجال على الناس، كما في قوله ﷺ : (ثم ينزل المسيح عيسى بن مريم، ويقتل المسيح الدجال، فإذا قتله عم العدل في الدنيا؛ فلا يقبل الجزية، ويكسر الصليب ويقتل الخنزير، ولا يكون في الأرض إلا قول لا إله إلا الله). ويكون هذا في فترة المسيح ﵊ ثم يمكث المسيح سنوات، ثم يقبضه الله ، فإذا مات المسيح ﵊ رجع الناس مرة ثانية إلى الفساد، وإلى العبث وإلى الشرك بالله . فإذا استمر الأمر على ذلك حصل الهرج ونزع منهم القرآن، ونزع منهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يكون فيهم إلا القلة من المؤمنين، فيرسل الله ريحاً تقبض هؤلاء المؤمنين، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله يبعث ريحاً من اليمن ألين من الحرير فلا تدع أحداً في قلبه مثقال حبة أو مثقال ذرة من إيمان إلا قبضته). فجملة الأحاديث تبين أنه لا تزال طائفة من هذه الأمة على الحق ظاهرين: إما بالسيف والسنان وبالجهاد في سبيل الله ، أو بالحجة والبيان؛ حتى يأتي أمر الله، فيرسل ريحاً طيبة تقبض هؤلاء المؤمنين فلا يكون في الأرض من يعرف الله ﵎؛ فيرجعون مرة ثانية إلى عبادة الأوثان. ولذلك جاء في حديث أبي هريرة في الصحيحين عن النبي ﷺ قال: (لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس حول ذي الخلصة) وهو وثن من الأوثان في قبيلة دوس كانوا يعبدونه في الجاهلية، ومعنى ذلك أن عبادة الأوثان سترجع مرة أخرى. فإذا ملأ الفساد الأرض كان ذلك علامة للساعة، وقد أخبر النبي ﷺ (أن علامات الساعة الكبرى كسلك انقطع فانتثرت منه خرزاته)، ويعني ذلك توالي ظهور العلامات الكبرى والتي منها: طلوع الشمس من مغربها، وخروج المسيح الدجال، ونزول المسيح عيسى بن مريم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، والخسوفات الثلاثة: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، والدخان، وخروج الدابة التي تكلم الناس) فتظهر هذه العلامات متتابعة ثم تكون الساعة بعد ذلك.

стр. 68

الرد على الخوارج والمعتزلة في قولهم بخلود صاحب الكبيرة في النار في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] رد على الخوارج الذين يكفرون مرتكب الكبيرة. وقد جاء في حديث النبي ﷺ التحذير من السبع الموبقات المهلكات وأولها الشرك بالله. فمنطوق الآية أن الشرك كفر بالله غير مغفور لصاحبه، هذا لمن لم يتب، ولكن من تاب إلى الله فلا يوصف بأنه مشرك، فمعنى الآية: أنه يموت على الشرك قال تعالى: ﴿َمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾ [البقرة:٢١٧]. قال سبحانه: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، منطوق هذا الجزء من الآية أن غير الشرك من الذنوب يغفره الله . فهذه الآية مع الحديث الذي ذكر فيه الكبائر يفهمان أن الكبائر يغفرها الله. ولم يقل في هذه الآية: لمن تاب، فدل على أن من تاب ومن لم يتب كلاهما تحت مشيئة الله . لكن من تاب إلى الله توبة نصوحاً يغفر الله له يقيناً، قال تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:٣١]، فمن تاب أفلح بنص القرآن. وفي الحديث: (التوبة تجب ما قبلها)، وبقي من لم يتب من الذنوب كبائرها وصغائرها فالآية في منطقوها أن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون الشرك لمن يشاء. إذاً: هنا قد يغفر الكبائر لبعض الناس ولا يعذبهم، وقد يعذبهم ثم يتغمدهم برحمته ويدخلهم الجنة، فهم تحت المشيئة، قال ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [المائدة:١٨]. ففي هذه الآية رد على الخوارج المكفرين بالذنوب، وعلى المعتزلة القائلين بأن أصحاب الكبائر يخلدون في النار. قال المعتزلة: الناس صنفان: كافر في النار، ومسلم في الجنة، أما صاحب الكبيرة فهو بين هذا وهذا، ويوم القيامة يكون في النار، فوافقوا الخوارج على أن صاحب الكبيرة في النار. ولكن أهل السنة يقولون: هو في خطر المشيئة إن شاء الله غفر له، وإن شاء عذبه.

стр. 69

دعاء إبراهيم الخليل ربه أن يجنبه الشرك يقول المؤلف رحمه الله تعالى هنا: (وقال الخليل ﵊: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم:٣٥]) فإذا كان إبراهيم الخليل على نبينا وعليه الصلاة والسلام خاف على نفسه وعلى بنيه من عبادة الأصنام ومن الشرك بالله، وهو معصوم فغيره من باب أولى أن يخاف على نفسه من ذلك. فاستجاب الله دعاء إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وجعل في ذريته الأنبياء بعده فلم يكن نبي من الأنبياء ولا رسول من الرسل عليهم الصلاة والسلام أتى بعده إلا من ذريته صلى الله عليه وعلى نبينا وسلم تسليماً كثيراً. قال إبراهيم: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم:٣٦] فالأصنام تضل كثيراً من الناس، ويهدي الله من يشاء من عباده.

стр. 70

الفرق بين الصنم والوثن فرق العلماء بين الصنم والوثن، فقالوا: الصنم ما كان على هيئة صورة سواء كانت صورة إنسان أو صورة حيوان. والوثن: ما كان على غير ذلك، كشجرة، أو بيت، ولو على هيئة الكعبة.

стр. 71

أنواع الشرك يقول النبي ﷺ : (أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، فسئل عنه فقال: الرياء). فالشرك يقسمه العلماء باعتبار ما يظهر وما يخفى: إلى شرك ظاهر وشرك خفي، والشرك الظاهر: إما أن يكون شركاً أكبر، وإما أن يكون شركاً أصغر، والشرك الخفي الرياء. فقد يقع الإنسان في الشرك الأكبر بأن يجعل لله نداً سبحانه. وقد يقع في الشرك الأصغر كأن يقع في الرياء، أو في يسير من الرياء، أو ينسب شيئاً لا يكون إلا لله لغير الله ، كقول القائل: لولا البط في الدار لهاجمنا اللصوص مثلاً، أو لولا نباح الكلب لجاء اللصوص. فينسى الله ويذكر غيره. وقد يقسم العلماء الشرك إلى قسمين: شرك أكبر، وشرك أصغر. فالشرك الأكبر: اتخاذ الند والعديل له سبحانه. والشرك الأصغر: ما كان من أقوال يقولها كما ذكرنا، أو كان من يسير الرياء. وسواء جعلنا القسمة ثلاثية: شرك أكبر، وشرك أصغر، والرياء شرك خفيف، أو جعلناها ثنائية وقلنا: شرك أكبر، وشرك أصغر، فالشرك الأصغر يدخل فيه اليسير من الرياء. ونص الحديث السابق في مسند الإمام أحمد وعند الطبراني والبيهقي عن محمود بن لبيد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: الرياء. يقول الله تعالى يوم القيامة إذا جازى الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء). والحديث صححه الشيخ الألباني رحمه الله تعالى في السلسلة الصحيحة، وفيه أن النبي ﷺ جعل الرياء أن يعمل الإنسان العمل الذي يكون لله فينظر فيه إلى الناس فيسمع ويرائي. والسمعة ومأخوذة من السمع، والرياء مأخوذ من البصر. ففي السمعة يريد أن يسمع الناس عنه، فيشتهر بأنه من أهل الدين والصلاح؛ فيقصد غير الله ، وقد يكون ذلك في العمل كله، أو في بعض العمل، ولا ينجو منه إلا من رحم الله سبحانه. والرياء: أن يعمل العمل أمام الناس ويبتغي مدحهم على ذلك. فالرياء والسمعة فيهما الشهرة بين الناس؛ ولذلك كان السلف يخافون من الشهرة، وكانوا يطلبون الخمول، ومعنى الخمول: عدم الشهرة، وليس معناه: ترك العمل. وقوله ﷺ : (إن أخوف ما أخافه عليكم)، الخطاب فيه موجه للمؤمنين، فإذا كان الشرك الأصغر مخوفاً على أصحاب رسول الله ﷺ مع كمال علمهم وقوة إيمانهم فكيف لا يخافه من هو دونهم في العلم والإيمان؟ والرياء محبط للعمل؛ ولذلك جاء في الحديث القدسي أن الله سبحانه ﵎ يقول: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه) فالذي يشرك بالله سبحانه ويعمل عملاً لله ولغير الله فالله غني عن مثل هذا العمل ولا يقبله، بل يقول: اذهب إلى من كنت تعمل له ليعطيك أجراً. وفي صحيح مسلم قول النبي ﷺ : (ما بعث الله من نبي إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم)، فأخبر أن جميع الأنبياء ناصحون لأممهم، والنبي ﷺ حق عليه أن ينصح هذه الأمة، فعلم الأمة التوحيد، وحذرهم من الشرك بالله سبحانه ﵎. وذكر في الحديث الذي أخرجه أبو يعلى وابن المنذر عن حذيفة عن أبي بكر ﵄ قال: (الشرك أخفى من دبيب النمل، قال أبو بكر: يا رسول الله وهل الشرك إلا ما عبد من دون الله أو ما دعي مع الله؟ قال: ثكلتك أمك، الشرك فيكم أخفى من دبيب النمل)، والحديث إسناده ضعيف عند أبي يعلى، ولكن صح هذا المعنى من حديث رواه الحاكم الترمذي عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: (الشرك في أمتي أخفى من دبيب النمل على الصفا)، والصفا: الحجر الأملس. فالشرك أخفى من دبيب النمل على الصفا، فلو أن نملة دبت على خشب لا تسمع له صوتاً؛ فإذا دبت على الحجر الأملس فلا تسمع لها صوتاً من باب أولى. قال المصنف ﵀: (وفي الحديث أن تقول: أعطاني الله وفلان، والند: أن يقول الإنسان: لولا فلان قتلني فلان) لكن هذا ليس مرفوعاً إلى النبي ﷺ إنما المعنى: أن هذا داخل في الشرك، فبدلاً من أن ينسب الفضل لله يقول: لولا فلان، والصحيح أن يقول: لولا الله ثم فلان. فإذا أردت أن تذكر فضلاً لأحد فابدأ بصاحب الفضل الحقيقي وهو الله ذو الفضل العظيم، ولا تجعل فلاناً عدلاً لله سبحانه، فتقول: لولا الله وفلان. وإذا كان النبي ﷺ نهى أن يقال عنه ذلك فغيره من باب أولى كما سيأتي. قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وعن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من مات وهو يدعو من دون الله نداً دخل النار)). والند: الشريك والمثيل والنظير، ومعنى الحديث: يجعل أحداً مع الله، ولم يكن أحد من أهل الجاهلية يسوي بين الله وبين خلقه في أفعال الله سبحانه؛ فإذا سئل أحدهم من خلق كذا؟ قال: الله. إنما تسويته في العبادة، فيعبد غير الله ويقول: يقربني إلى الله. إذاً: جعلوا لله أنداداً في تقربهم إلى الله بالعبادة. فإذا قال إنسان: أنا معترف بأن الله يخلق، ويرزق، ويعطي، ويمنع ويضر فأنا لست مشركاً، قلنا: إن أهل الجاهلية كانوا مقرين بذلك، ولكن الإنسان يدخل في الشرك عندما يوجه عبادته إلى غير الله أو يتلفظ بألفاظ يسوي فيها بين الله وبين مخلوقاته. يقول ابن القيم ﵀: (الند: الشبيه، يقال: فلان ند فلان ونديده أي: مثله وشبهه) وقوله: (من مات وهو يدعو لله نداً) أي: يجعل لله نداً في العبادة يدعوه ويسأله ويستغيثه، كأن يقول: يا فلان، يا سيدي فلان، فيطلب من غير الله ما لا يطلب إلا من الله سبحانه. إذا وقع في المصيبة استغاث بغير الله . غير الله وليس من شرط اتخاذ الند في العبادة أن يصلي لغير الله، ولم نر أحداً من هؤلاء يصلي لغير الله، لكنه إذا دعا دعا غير الله، وإذا نذر، قال: هذا لسيدي فلان. وقد قال الله سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣]، فهذه العبادات لا يتوجه بها إلا لرب العالمين سبحانه، والمقصود بالنسك: ما يتقرب به لله في الحج والعمرة. وقوله: (محياي) عموم بعد خصوص، والممات لا يكون إلا لله رب العالمين سبحانه. قال العلامة ابن القيم ﵀: والشرك فاحذره فشرك ظاهر ذا القسم ليس بقابل الغفران وهو اتخاذ الند للرحمن أياً كان لله من حجر ومن إنسان يدعوه أو يرجوه ثم يخافه ويحبه كمحبة الديان وهذا فيه كسر للتفعيلة، والصواب ما أثبتناه.

стр. 72

أقسام اتخاذ الند لله تعالى واعلم أن اتخاذ الند على قسمين: الأول: أن يجعل لله شريكاً في أنواع العبادة أو في بعضها، وهو شرك أكبر، كأن يستغيث ويقول: يا فلان! وينسى الله . فالاستغاثة لا تكون إلا بالله إلا أن يستغيث بحي قادر على إغاثته؛ فلا مانع كأن يقع شخص في البئر ويقول: يا فلان أدركني، فهذا ليس شركاً بالله سبحانه. الثاني: ما كان من نوع الشرك الأصغر، كقول الرجل: ما شاء الله وشئت، ولولا الله وأنت، وكيسير الرياء -وهذه ليست كل الأنواع- فقد جاء في الحديث أن رجلاً قال للنبي ﷺ : (ما شاء الله وشئت)، أي: الذي يشاؤه الله يريده ولكن الرجل أخطأ في التعبير وقد لا يقصد هذا المعنى؛ ولذلك لم يكفر. فقال له النبي ﷺ : (أجعلتني لله نداً)، يعني: أَحْسِن التعبير فقد أخطأت في كلامك. فلا يليق أن تذكر الاثنين مع بعض. وهذا الحديث حسنه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة، ورواه ابن ماجة بلفظ آخر قال الألباني فيه: حسن صحيح. قال النبي ﷺ : (إذا حلف أحدكم فلا يقل: ما شاء الله وشئت ولكن ليقل: ما شاء الله ثم شئت). إذاً: لك أن تقول: ما شاء الله فقط، أو تقول: ما شاء الله ثم شاء فلان. إذاً: الذي يطلب أولاً هو الله ثم النبي ﷺ يطلب ما طلبه الله سبحانه، ويأمر بما أوحى الله إليه؛ فيكون الأمر راجعاً لله وحده كما قال: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤]. وفي هذا الحديث بيان أن دعوة غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله شرك جلي، كطلب الشفاعة من الأموات، كأن يذهب شخص إلى قبر الميت، ويطلب منه أن يشفع له عند الله مثلاً، أو يطلب له أن ييسر له أمراً ما. فالشفاعة ملك لله تعالى وبيده، وليس بيد غيره منها شيء. قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ولـ مسلم عن جابر أن رسول الله ﷺ قال: (من لقي الله لا يشرك به شيئاً دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئاً دخل النار)، فـ (شيئاً) نكرة في سياق الإثبات تطلق على أقل الأشياء. إذاً: من لقي الله سبحانه ﵎ وهو يشرك به أقل شيء دخل النار فكيف بأكبر شيء؟! و (شيئاً) في الجملة الأولى نكرة في سياق النفي فتعم كلَّ شرك، فمن لقي الله ليس لديه أي شرك دخل الجنة. فكل من كان وثنياً، أو كتابياً، أو زعم أنه على الإسلام وهو يعبد غير الله، ويتقرب إلى غير الله بأعمال لا تكون إلا لله سبحانه دخل تحت هذا الحديث. يقول الإمام النووي: (أما دخول المشرك النار فهو على عمومه فيدخلها ويخلد فيها، ولا فرق فيه بين الكتابي -اليهودي والنصراني- وبين عبدة الأوثان وسائر الكفرة، ولا فرق عند أهل الحق بين الكافر عناداً وغيره). والكافر عناداً واستكباراً هو الذي رد الحق ولم يتعلم الإسلام، وجاء الإسلام وهو يعلم أنه يوجد إسلام، لكنه لم يسأل عنه، فالنبي ﷺ قال فيه: (والذي نفسي بيده لا يسمع بي رجل من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم لا يؤمن بي إلا كان حقاً على الله أن يدخله النار) فيعلم من ذلك أن كل من سمع بالإسلام، ولم يؤمن به لا يقبل منه دين غيره، وهو من أهل النار. يقول هنا الإمام النووي أيضاً: (ولا بين من خالف ملة الإسلام وبين من انتسب إليها ثم حكم بكفره) فمخالف ملة الإسلام هو من لم يدخل فيها، والمنتسب إليها من قال: أنا مسلم، ثم ادعى مذهباً من مذاهب الإلحاد والكفر، كالقول بالحلول مثلاً بمعنى: أن الله يحل في المخلوقات. أو من يفعل أفعال الكفر، كالاستهانة بسنة النبي ﷺ ، أو الاستهانة بكتاب الله ونحو ذلك، فهذا وإن انتسب إلى الإسلام إلا أنه كفر بفعل أو بقول، فخرج من هذا الدين. قال الإمام النووي: (وأما دخول من مات غير مشرك الجنة فهو مقطوع له به) يعني: الذي مات ولو كان وقع في كبيرة من الكبائر، ولكن على تفصيل: فالذي يموت وقد تاب إلى الله؛ فالله يتوب على من تاب. والذي يموت ولم يتب إلى الله فهذا في خطر المشيئة، إن شاء الله غفر له، وإن شاء أدخله النار وعذبه. وهذا مثل ما قلنا قبل في الأحاديث التي جاءت عن النبي ﷺ : (من قال لا إله إلا الله دخل الجنة) قيدت بقوله في الحديث الآخر: (أصابه قبل ذلك ما أصابه). إذاً: المؤمن الذي يقول: لا إله إلا الله ولا يشرك بالله قد يكون من أهل المعاصي فيعذبه الله ما شاء في نار جهنم، ولكن يوماً من الأيام ينفعه إسلامه وتنفعه كلمة التوحيد. يقول غير الإمام النووي: اقتصر على نفي الشرك لاستدعائه التوحيد بالاقتضاء واستدعائه إثبات الرسالة باللزوم، إذ من كذب رسل الله فقد كذب الله، ومن كذب الله فهو مشرك، وهو كقولك: من توضأ صحت صلاته، أي: مع سائر الشروط. قوله: اقتصر على نفي الشرك يعني: من مات لا يشرك بالله شيئاً، فكلمة (لا يشرك بالله) تدل دلالة لزوم على أنه موحد لله.

стр. 73

أنواع دلالات النصوص على الأحكام عندما نقول: هذا الشيء لازم له كذا، يعني: مترتب عليه، ودلالة الاقتضاء مثل: قول النبي ﷺ : (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) فليس المعنى رفع الخطأ والنسيان؛ لأن هذه الأمور واقعة لا محالة، لكن المراد شيء مضمر فنقدره هنا ونقول: رفع عن أمتي المؤاخذة على الخطأ والنسيان والإكراه، وهذه هي دلالة الاقتضاء وهي من دلالات اللزوم. وكذلك في حديث سهو النبي ﷺ في الصلاة فسأله الأعرابي: (أقصرت الصلاة؟ أم نسيت؟ فقال: كل ذلك لم يكن)، لا بد أن نقدر: لم يكن في ظني أو في وهمي، وإلا كان الكلام مخالف للحقيقة؛ ولذلك سأل النبي ﷺ أصحابه (أكما يقول ذو اليدين؟ قالوا: نعم. فرجع النبي ﷺ إلى الصلاة وصلى ركعتين وسجد للسهو). قال: (لاستدعائه التوحيد بالاقتضاء، واستدعائه إثبات الرسالة باللزوم)، المعنى: أنه من أجل أن توحد الله سبحانه ومن أجل أن تعبده؛ لا بد أن يبين لك كيف تكون العبادة التي يريدها الله سبحانه، ويلزم من ذلك أن الذي علمك هذه العبادة أن يكون رسولاً لرب العالمين سبحانه. إذاً: معنى كلامه (استدعاء إثبات الرسالة باللزوم) أي: اللازم في توحيدك لله سبحانه أنك عرفت كيف توحده عن طريق النبي ﷺ إذ هو الذي علمك العبادة فكان اللازم بذلك إثبات الرسالة للرسول صلوات الله وسلامه عليه. قال: (وهو كقولك: من توضأ صحت صلاته)، أي: لا يمكن أن تصح الصلاة بالوضوء وحده، ولكن معنى ذلك: أنه توضأ وصلى وأتى في الصلاة بالأركان والشروط والهيئات المطلوبة. إذاً: هنا اكتفى بذكر شيء عن غيره من الأشياء اللازمة له. وهذه دلالة اللزوم. ومن المعلوم أن أنواع دلالة اللفظ ثلاثة: دلالة مطابقة ودلالة تضمن ودلالة التزام. فالدلالة بالمطابقة: أن يطابق اللفظ الصورة الموجودة، فإذا قلنا: إنسان؛ عرف أن له وجهاً وجسداً. وكذلك إذا قلنا: بيت فلا بد أن توجد أرض وحيطان. إذاً: ودلالة التضمن كأن نقول: إن هذا بيت، فالسقف داخل في البيت ضمناً ونقول: البيت يتضمن السقف. فإذا أشرت للسقف وقلت: هذا بيت، معناه: أنه من ضمن أجزاء البيت هذا السقف. ودلالة الألتزام كأن أقول: هذا سقف، فيلزم من ذلك وجود الحائط؛ لأن السقف لن يُرفع إلا على حائط موجود.

стр. 74

باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله بعد أن تعلم المسلم التوحيد يدعو إلى هذا الذي تعلمه، لذلك قال المؤلف ﵀: (الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وقول الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨])، أي: قل يا محمد للناس هذه سبيلي، أي: طريقي الطريق المستوي الذي فيه أدعو إلى الله على بصيرة. يقول ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى: قل: يا محمد هذه الدعوة التي أدعو إليها، والطريقة التي أنا عليها: من الدعاء إلى توحيد الله، وإخلاص العبادة له دون الآلهة والأوثان، والانتهاء إلى طاعته، وترك معصيته هذه سبيلي. فسبيل الله هي التي فيها طاعة الله، وتوحيده سبحانه، والبعد عن معاصيه، قال الله سبحانه على لسان نبيه: ﴿أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف:١٠٨] أي: إلى هذه السبيل الذي هو الدعوة إلى الله وحده لا شريك له. وقوله تعالى: ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف:١٠٨]، هنا تحتمل معنيين: المعنى الأول: ﴿أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف:١٠٨]، ﴿أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف:١٠٨] أي: أنا وأتباعي على بصيرة، وهو معنىً صحيح. والمعنى الثاني: ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف:١٠٨]، فهو داع إلى الله ، وأتباعه أيضاً يدعون إلى الله سبحانه. فكل من دعا إلى الله وإلى توحيده وإلى سلوك سبيله سبحانه فإمامه النبي ﷺ ، وشرطه أن يكون على بصيرة، إذاً: لا يجوز لإنسان ليس على بصيرة أن يدعو إلى الله، والبصيرة: العلم الشرعي وتعلم التوحيد. قال: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨]، أي: منزهاً الله ، ومعظماً له؛ أن يكون له شريك في ملكه، أو معبود سواه سبحانه وأنا بريء من أهل الشرك.

стр. 75

مسائل مستفادة من هذا الباب يقول المؤلف ﵀: (فيه مسائل منها: التنبيه على الإخلاص؛ لأن كثيراً لو دعا إلى الحق فهو يدعو إلى نفسه) وهذا داخل في قوله ﷺ الله عليه وسلم: (الشرك أخفى على القلوب من دبيب النمل على الصفا). فقد يدعو الإنسان إلى الله ، ولكنه في دعوته يريد الشهرة والذكر، فالجزء الذي دخله الرياء من عمله يبطله وليطلب أجره من غير الله. وما من إنسان إلا ويحدث له ذلك قل أو كثر فيستعين بالله سبحانه، ولا يترك الدعوة إلى الله سبحانه، فإذا وجد وسوسة الشيطان: افعل كذا حتى يقال كذا تعوذ بالله منه، ولا يترك الدعوة إلى الله أبداً. والشيطان يحاول أنه يبعد الإنسان عن ربه، وقد يدخل الإنسان في الصلاة ثم يقول له الشيطان: طول قليلاً حتى ينظر الناس إليك من أجل أن يمدحوا صلاتك، أو حسن صوتك من أجل الناس، فعلى الإنسان أن ينقي نفسه من ذلك، ولا يفعل العكس، ولكن إن أراد فليطل صلاته ابتغاء وجه الله سبحانه ولينفي عن نفسه ما يقول له الشيطان، ولا يصبح لعبة له يلعب به، فيدخل في الصلاة ويبتدئ الشيطان بقوله: طول قليلاً من أجل الناس؛ فيقصر حتى يؤثر في أركان الصلاة فتضيع صلاته وتبطل. ولكن ليطل في الصلاة وليحسن نيته ويتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وليحسن صوته في القراءة، قال النبي ﷺ : (ليس منا من لم يتغن بالقرآن)، فحسن صوتك لا من أجل الناس، لكن امتثالاً لأمر النبي ﷺ . إن الشيطان يأتي في كل عمل من الأعمال يريد قطعها وله ثلاث حالات: إما أن يأتي للإنسان من البداية فيزين له الشهوات وبذلك يترك العبادات، أو يلبس عليه بالشبهات فيتركها، أو لا يقدر على هذه ولا هذه فيأتيه من باب الرياء في عبادته، فعليه أن يتعوذ بالله من الشيطان، ويقف مع نفسه وقفة محاسبة، ويخلص عمله لله سبحانه، والله لا يكلف نفساً إلا وسعها. وما من إنسان إلا ويوسوس له الشيطان، وقد علمنا النبي ﷺ كيف ندفع هذه الوساوس بأن نتعوذ بالله من الشيطان، وأن يتفل الإنسان عن يساره ثلاثاً كما جاء في الحديث (إذا جاء الشيطان أحدكم يلبس عليه صلاته فليتفل عن يساره ثلاثاً) أي: يفعل ذلك، ولكن لا يترك العمل من أجل الوسوسة. فعليك أيها الداعية أن تحسن نيتك وتخلص لله ، ولا تستمع لمن يمدحك؛ فإنه يقصم ظهرك ويقطع رقبتك، وأنت أعلم بنفسك، وكفى بالإنسان نقصاناً أن يعرف نقص نفسه ثم يصدق مدح الناس له، أما الإنسان المخلص فيكون صادقاً، مع أنه عمل هذا العمل لله وهو مقصر فيه، ولكن غاية فعله ابتغاء وجه الله . وإياك أن تصغي لمن يمدحك؛ فإنه يعينك على المعصية وعلى الرياء لا على طاعة الله سبحانه. وكذلك على المسلم ألا يعين غيره على الرياء، كأن يرى شخصاً يصلي فيمدحه أمامه، أو يحضر درساً فيقول للقائم به: ما سمعت مثل هذا الدرس. فالذي صلى أو ألقى الدرس أعلم بنفسه وأنه أخطأ فيه كثيراً، لذلك قال النبي ﷺ : (احثوا في وجوه المداحين التراب)، أي: أفعلوا حتى لا يقصموا ظهوركم، وقال للذي مدح الآخر في وجهه: (قطعت عنق أخيك). فالإنسان المؤمن أعرف بعيوب نفسه، فإذا تذكر أنه أحسن؛ فليتذكر أنه يسيء، وإذا تذكر أنه في العمل الفلاني أتقنه؛ فليتذكر أنه في غيره لم يتقن. فلا يزال على ذلك يتهم نفسه حتى يخلص من الرياء ولا يقع في الشرك بالله سبحانه. لكن ليحذر ترك العمل فذلك ما يريده الشيطان، فهو يريدك أن تترك الصلاة إما ابتداءً أو بإدخال الرياء عليها لتفسدها. يقول المؤلف رحمه الله تعالى: (فيه مسائل -أي: في هذا الباب- منها: التنبيه على الإخلاص)؛ لأن كثيراً لو دعا إلى الحق فهو يدعو إلى نفسه. ومنها: أن البصيرة من الفرائض. ومنها: أن من دلائل حسن التوحيد: أنه تنزيه لله سبحانه عن المسبة. أي: توحد ربك سبحانه وأنت موقن أنه لا شريك له، ولا شبيه، ولا ند له، ولا نظير له. أما غير الله ففيه نقصان، والله وحده له الكمال . ومنها: أن من قبح الشرك كونه مسبة لله . ومنها: إبعاد المسلم عن المشركين لا يصير منهم ولو لم يشرك. يعني: الإنسان يتبرأ من الشرك والمشركين خوفاً على نفسه أن يقع في ذلك. يقول ابن القيم ﵀: ذكر الله مراتب الدعوة وجعلها ثلاثة أقسام بحسب حال المدعو يعني: في قول الله : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥]، قال: إما أن يكون طالباً للحق محباً له، مؤثراً له على غيره، فهذا يدعى بالحكمة. يعني: تدعو من يريد أن يتعلم يعرف الحق بالحكمة، ولا يحتاج إلى موعظة وجدل؛ لأنه قابل للنصح. قال: وإما أن يكون مشتغلاً بضد الحق لكنه لو عرفه آثره واتبعه، فهذا يحتاج إلى الموعظة بالترغيب والترهيب. ومعنى كلامه: أن الإنسان قد يكون مشغولاً بالباطل، أو باللهو، أو بالشبهات، لكن لو عرف الحق فهذا يدعي إلى الله سبحانه بالحكمة وبالموعظة، وضرب الأمثال فإنه يستجيب. ثم قال: وإما أن يكون معانداً معارضاً، فهذا يجادل بالتي هي أحسن فإن رجع وإلا انتقل معه إلى الجلاد. قال سبحانه: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥]، فإذا كان يوجد جدل حسن فجادل بالذي هو أحسن، ففي الآية أمر الإنسان المؤمن أن يجادل بالأحسن لا أن يجادل بما يؤدي إلى التشاجر والخصام. قال المؤلف رحمه الله تعالى: وعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ لما بعث معاذاً إلى اليمن قال له: (إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله -وفي رواية إلى أن يوحدوا الله- فإن هم أطاعوك لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوك لذلك؛ فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوك لذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب)، متفق عليه. أرسل النبي ﷺ معاذاً إلى اليمن في العام التاسع من هجرته ﷺ ، وظل هناك حتى توفي النبي ﷺ ثم رجع بعد وفاة النبي صلوات الله وسلامه عليه. أرسله معلماً وحاكماً يحكمهم بشرع الله سبحانه، ويعلمهم الحلال والحرام، إذ كان أعلم هذه الأمة بالحلال والحرام رضي الله ﵎ عنه وذلك بشهادة النبي ﷺ ، وأنه يسبق العلماء يوم القيامة بخطوة. ومع علمه ﵁ بالحلال والحرام قال له: (إنك تأتي قوماً أهل كتاب). المعنى: أن هؤلاء ليسوا مثل المشركين الذين في مكة، إنما هم قوم أهل كتاب وعندهم علم، فهم يحتاجون لنوع معين من التعليم ونوع معين من الجدل ليقتنعوا. ثم ذكر له النبي صلى أول ما يبدأ به في دعوتهم. فقال: (فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ﷺ ، أو قال: إلى أن يوحدوا الله). وتأمل هنا كيف علم النبي ﷺ معاذاً -وغيره بالتبع- كيف يدعو الناس، فلا بد أن يكون الداعي على علم بحال المدعو وبما يناسبه، لا أن يبدأ في الجدل معه على جهل بحاله، فقال له: (أنك ستأتي قوماً أهل كتاب)، أي: سيجادلونك بالتوراة، وبما عندهم من علم فجهز ردك عليهم، وفكر في طريقة الجدال معهم، وكيف تقنعهم، فهم أهل كتاب عرفوا رسل الله عليهم الصلاة والسلام، وعرفوا علامات النبي صلوات الله وسلامه عليه، ثم أشركوا بالله سبحانه فعبدوا غيره قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣٠]. فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله، فلا تبدأ معهم في إثبات وجود الله تعالى، وأنه الذي خلق السماوات والأرض، فهم يعرفون ذلك بل ابدأ في دعائهم إلى التوحيد؛ لأنهم مشركون. إذاً: لا تعلمهم شيئاً يعرفونه فيكون ذلك تحصيل حاصل، ولكن علمهم ما يجهلونه، وما وقعوا فيه من أخطاء.
следующие страницы →