Полный текст (69 стр.). Показаны 36–69 · переход к 41.
стр. 36
العبادة في الهرج كالهجرة إلى النبي ﷺ
يقول النبي ﷺ في الحديث الذي رواه معقل بن يسار ﵁: (العبادة في الهرج كهجرة إلي) أخرجه مسلم والترمذي.
قول النبي ﷺ : (العبادة في الهرج) هو: الفتنة واختلاط أمور الناس، (كهجرة إلي) قال النووي ﵀: وسبب كثرة فضل العبادة فيه أن الناس يغفلون عنها -كما في مثل هذه الأزمان- ويشتغلون بالدنيا، ولا يتفرغ لعبادة الله وذكره وطاعته إلا الأفراد القلائل من الناس.
ويقول الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: وجاء تفسير أيام الهرج فيما أخرجه الإمام أحمد والطبراني بسند حسن من حديث خالد بن الوليد أن رجلاً قال له: يا أبا سليمان! اتق الله؛ فإن الفتن قد ظهرت، فقال: أما وابن الخطاب حي فلا.
يعني: الفتن كان بينها وبين المسلمين باب وهو عمر، فإذا كسر هذا الباب جاءت الفتن كما هو معلوم في التاريخ، فقال خالد بن الوليد ﵁: أما وابن الخطاب حي فلا، إنما تكون بعده، فينظر الرجل فيفكر هل يجد مكاناً لم ينزل به مثلما نزل بمكانه الذي هو به من الفتنة والشر فلا يجد.
وهذا الأثر ينطبق علينا في هذا الزمان، فالإنسان عندما يتأمل في أي مكان حوله لا يجد شبراً قد خلا من الفتنة، فقد تكون جالساً في بيتك، تعتزل الناس، فيدخلون عليك الموسيقى والتلفزيون والفيديو والأغاني إلى البيت، فتجد أنه ما خلا شبر من هذه الفتن! وقد جاء تفسير الهرج في بعض الأحاديث بأنه كثرة القتل وإراقة الدماء.
قال المناوي ﵀: (كهجرة إلي) يعني: من يثبت على دينه في وقت الغربة، ووقت الفتنة التي تصرف الناس عن دينهم، وتعظيمه وإقامة حدوده، يقول: فمن صبر على ذلك فثوابه كأنه هاجر إلى النبي ﷺ ، ونال الثواب الكثير، أو يقال: الهجرة في الأول كانت قليلة لعدم تمكن أكثر الناس من ذلك، فهكذا العابد في الهرج قليل، قال ابن العربي: وجه تمثيله بالهجرة أن الزمن الأول كان الناس يفرون فيه من دار الكفر وأهله إلى دار الإيمان وأهله، فإذا وقعت الفتن تعين على المرء أن يفر بدينه من الفتنة إلى العبادة، ويهجر أولئك القوم وتلك الحالة، وهو أحد أقسام الهجرة.
يعني: إذا لم يكن في استطاعة الإنسان أن يهاجر من دار الكفر إلى دار الإسلام، أو لم تكن أصلاً هناك دار إسلام، أو لم يستطع أن يهاجر من دار البدعة إلى دار السنة، أو من دار الظلم إلى دار العدل فعليه انتقال نفسي بأن يهجر المعاصي، ويهجر المحرمات، فينتقل من الفتنة إلى طاعة الله ، ويهجر معاصي الله، وهذا أحد أقسام الهجرة التي تجب على كل مسلم.
стр. 37
التفصيل في حكم الهجرة لمن كان يعيش تحت سلطان الإسلام أو سلطان الكفر
جاء عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن أعرابياً سأل رسول الله ﷺ عن الهجرة فقال ﷺ : (ويحك! إن شأن الهجرة شديد، فهل لك من إبل؟ قال: نعم.
قال: فهل تؤدي صدقتها؟ قال: نعم.
قال: فاعمل من وراء البحار فإن الله لن يترك من عملك شيئاً) أخرجه الشيخان.
قوله ﷺ لذلك الأعرابي وقد جاء يسأله عن الهجرة فأجابه النبي ﷺ بقوله: (ويحك) وهذه كلمة ترحم وتوجع، تقال لمن وقع في مصيبة لا يستحقها.
وقوله: (إن شأن الهجرة شديد) أي: إن القيام بحق الهجرة شديد، وفي لفظ مسلم: (إن شأن الهجرة لشديد) بالتوكيد باللام، أي: لا يقدر على الهجرة كل الناس، فهذه عبادة من أشق وأعظم العبادات، فلا يقدر عليها إلا القليل من الناس، ولا يقدر عليها كل الناس.
ثم أرشده ﷺ إلى عمل دون ذلك يمكن أن يطيقه من الأعمال الصالحة، وهو أقل من الهجرة في تكاليفها، فقال: (فهل لك من إبل؟ قال: نعم.
قال: فهل تؤدي صدقتها؟) يعني: تعطي الزكاة لمستحقيها، وتؤدي كذلك الواجبات الأخرى وفرائض الدين الواجبة عليك؟ (قال: نعم.
قال: فاعمل من وراء البحار) المقصود بالبحار هنا: القرى والمدن، أي: اعمل من وراء القرى والمدن، سواءً كنت مقيماً في بلدك أو غيرها من أقصى بلاد الإسلام، يعني: اسكن ما شئت من بلاد المسلمين، واسكن حيث شئت من البلاد التي تكون الغلبة فيها والعلو لأحكام الإسلام، والقرية تسمى البحرة لاتساعها؛ لأنها تشبه البحر في اتساعها.
يعني: إن أديت الفرائض والواجبات، فاعمل في أي مكان شئت من القرى أو المدن حتى لو كانت في أقصى بلاد المسلمين.
قال: (فإن الله لن يترك من عمل شيئاًَ) يعني: لن ينقصك من صواب عملك شيئاً.
وهذا الحديث يشعر بأن المسلم الذي يؤدي فريضة الله عليه في ماله ونفسه، لا بأس بعدم هجرته لقول النبي ﷺ : (فاعمل من وراء البحار)؛ لأنه دله عن البديل عن الهجرة، وأنه ينال من عمله أجراً عظيماً، وقوله: (اعمل من وراء البحار) يعني: أي أعمال أخرى، من إقام الصلاة أو إيتاء الزكاة أو غيرها من واجبات الدين، وهذا محله في البلد الذي لم يكن تحت حكم عدو الدين، أما إذا كان سيقعد في بلد يحكم فيه أعداء الإسلام، وستجري عليه أحكام الكفر؛ فلا يجوز ذلك، ولا يصح أن يستدل بهذا الحديث على أن عدم الهجرة لا بأس به كما هو ظاهر هذا الحديث؛ لأن المقصود به مكان يعلوه أحكام الإسلام وليس أحكام الكفر.
أما من كان تحت سلطة الكفرة، بحيث يخاف على دينه وأهله وماله، فإن الهجرة لا تزال واجبة عليه إلى قيام الساعة، ولا حجة له في الحديث السابق، ولا حجة له أيضاً في قول النبي ﷺ : (لا هجرة بعد الفتح)؛ لأن المعنى: لا تجب الهجرة من مكة إلى المدينة بعد الفتح؛ لأن مكة صارت دار إسلام، فمن مكث في مكة بعد الفتح فلا تجب عليه الهجرة إلى المدينة؛ لأن مكة بعد الفتح صارت دار إسلام، فانتفت العلة الموجبة للهجرة.
وقيل: المقصود أن فضيلة الهجرة الكاملة فاتت بالفتح؛ لأن في الصحيحين عن مجاشع بن مسعود ﵁ قال: (انطلقت بـ أبي معبد -وهو شقيقه- إلى النبي ﷺ ليبايعه على الهجرة، فقال ﷺ : مضت الهجرة لأهلها، أبايعه على الإسلام والجهاد)، وهذا يدل على أن هذا الحديث كان بعد فتح مكة، وقوله ﷺ : (مضت الهجرة لأهلها) يعني: فاز بالثواب الأكمل وحاز الغنيمة الكبرى من سبق بالهجرة قبل فتح مكة، أما بعد فتح مكة فبقيت مزية الهجرة كما بقيت مزية الإنفاق كما في قوله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد:١٠]، يعني: فضيلة الهجرة إلى المدينة لها منقبة عظيمة، ولها فضائل عظيمة، ولكن تلك المنزلة التي نالها المهاجرون والأنصار هي خاصة بالهجرة من مكة أو غيرها من البلاد إلى المدينة قبل الفتح، فهؤلاء الذين سبقوا بالأجر الأعظم من تلك الهجرة.
فلا ينبغي للإنسان أن يستدل بمثل هذه الأحاديث على عدم وجوب الهجرة، وعلى أن الهجرة انقطعت بموت النبي ﷺ أو بفتح مكة، فإن المقصود بهذه الأحاديث أنه لا بأس بعدم الهجرة لمن كان يعيش تحت سلطان الإسلام، وليس لمن يعيش تحت سلطان الكفر.
وقد روى البخاري أن عبيد بن عمير سأل عائشة ﵂ عن الهجرة فقالت: لا هجرة اليوم، كان المؤمنون يفر أحدهم بدينه إلى الله وإلى رسوله ﷺ مخافة أن يفتن عليه، فأما اليوم فقد أظهر الله الإسلام، والمؤمن يعبد ربه حيث شاء، ولكن جهاد ونية.
ومعنى قول عائشة ﵂: (فأما اليوم فقد أظهر الله الإسلام) أن حكم الإسلام اتسع وشمل البلاد، ودخل الناس في دين الله أفواجاً، وعلاهم حكم الله، وشريعة الإسلام، ولكن جهاد ونية، فإن الهجرة قد مضت لأهلها، فهذا يدل على أن موضوع هذه الأحاديث حين كان المسلم مقيماً تحت حكم الإسلام، وليس معنى ذلك أن الإنسان يعيش ويقيم وسط الكفار، مستدلاً بمثل هذه الأحاديث على أنه لا هجرة بعد الفتح أو إن شأن الهجرة شديد، ومما يؤيد ذلك ما رواه الإمام أحمد من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: (جاء أعرابي فقال: يا رسول الله! أين الهجرة إليك، حيث كنت أم إلى أرض معلومة، أم لقوم خاصة، أم إذا مت انقطعت؟ قال: فسكت رسول الله ﷺ ساعة، ثم قال: أين السائل عن الهجرة؟! قال: هأنذا يا رسول الله، قال: إذا أقمت الصلاة، وآتيت الزكاة، فأنت مهاجر، وإن مت بالحضرمة، قال: يعني أرضاً باليمامة)، وفي رواية له: (الهجرة أن تهجر الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، ثم أنت مهاجر وإن مت بالحضرمة).
وقال النبي ﷺ في حديث آخر: (لا تنقطع الهجرة ما قوتل العدو) يعني: ما ارتفع علم الجهاد، وقام المسلمون بمقاتلة أعدائهم.
стр. 38
الارتباط الوثيق بين الهجرة وعقيدة الولاء والبراء
الهجرة لها ارتباط وثيق بالولاء والبراء، وقد ذكرنا أن الولاء والبراء أمر قلبي من لوازم لا إله إلا الله، وهو ينعكس في واقع عملي، فهو التطبيق العملي للوازم لا إله إلا الله من محبة المؤمنين وبغض الكافرين، فالهجرة مرتبطة بالولاء والبراء، بل هي من أهم تكاليفهما، والحديث فيها متشعب، وقبل أن نتكلم عن حكم الإقامة في ديار الكفر لا بد أن نتحدث بالتفصيل عن معنى دار الكفر، ودار الإسلام، وهذا الأمر يحتاج لتفصيل شديد، وسيخرج بنا عن الموضوع، فنقتصر على التعاريف، وإن أتت فرصة أخرى نتكلم عن ذلك بالتفصيل.
стр. 39
حكم الإقامة في بلاد الكفر مع الرضا بما هم عليه من الكفر
إقامة الإنسان في بلاد الكفار رغبة واختياراً لصحبتهم، فيرضى ما هم عليه من الدين، أو يمدحه، أو يرضيهم بعيب المسلمين وذمهم، أو يعاونهم على المسلمين بنفسه أو ماله أو لسانه؛ كفر ومن فعل ذلك فهو كافر عدو لله ولرسوله ﷺ ، وذلك لقوله تعالى: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾ [آل عمران:٢٨].
قال ابن جرير: قد برئ من الله، وبرئ الله منه لارتداده عن دينه، ودخوله في الكفر.
وقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة:٥١] وقال ﷺ : (من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله)، وصح عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه قال: (من بنى بأرض المشركين فصنع نيروزهم حشر معهم).
стр. 40
بعض حقوق المسلم المترتبة على الموالاة والمناصرة
يجب على المسلم أن يقيم مع إخوانه المسلمين، قال النبي ﷺ : (المؤمن أخو المؤمن يكف عليه ضيعته -أي: معيشته، فيحفظها ويضمها له- ويحوطه من ورائه) كالرداء والقميص، فالإنسان إذا ارتدى رداءً أو قميصاً فإنه يحوطه من ورائه، أي: أنه يحفظه ويصونه، ويدفع عنه من يغتابه أو يلحق به ضرراً، ويعامله بالإحسان والنصيحة، وكل هذه النصوص الواردة من المحبة والمودة بين المؤمنين هي من مقتضيات الولاء والبراء، وتبين الحقوق التي تترتب على هذه المحبة، وأهمها المودة والنصرة، وهذه النصوص كلها تغنينا عن الاستدلال بالحديث الذي يكثر الاستدلال به من قبل كثير من الخطباء، وهو ما ينسبونه إلى النبي ﷺ أنه قال: (من لا يهتم بأمر المسلمين فليس منهم) رواه الطبراني في معجمه الصغير، وهو حديث ضعيف، ولا يصح الاحتجاج به، ولا تصح نسبته إلى النبي ﷺ ، وإذا جاء الصباح أغنى عن المصباح، فالأدلة الصحيحة تغنينا عن الأدلة الضعيفة.
أيضاً: يترتب على هذه الموالاة والمناصرة بعض الحقوق مثل: الزيارة والإكرام، والسلام، وحماية العرض، والمواساة بقدر المستطاع إلى آخر ما هو معلوم من حقوق المسلم على أخيه المسلم.
стр. 41
معنى دار الإسلام ودار الكفر
دار الكفر هي التي يعلوها أحكام الكفر، ودار الإسلام هي التي يعلوها أحكام الإسلام، فالعبرة في تقسيم الدار إلى دار كفر ودار إسلام هو نوع الأحكام التي تعلو هذه الدار، وليس نوع السكان الذين يقطنون هذه الدار.
مثلاً مصر عندما فتحها عمرو بن العاص كان أغلب أهلها أقباطاً، وكلمة قبطي معناها المصري القديم، وقد كانوا نصارى، فمصر دخلت تحت حكم الله ، وطبق عليها قوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة:٢٩]، هذا هو حكم الله في هذه البلاد، فعلاها حكم الله، وليس معنى أن يعلو حكم الله على بلد أن ينقلب أهلها مسلمون، لكن المقصود أن يذعنوا ويخضعوا لحكم الله فيهم كما قال : ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة:٢٩]، فمعناه خضوعهم لحكم الله، ولشريعة الإسلام، حتى تكون كلمة الله هي العليا، فمصر من ذلك الوقت صارت دار إسلام، رغم أن أغلب سكانها لم يكونوا مسلمين، لكن هي دار إسلام؛ لأنه يعلوها أحكام الإسلام؛ لأن الحاكم لها هو خليفة المسلمين.
كذلك يمكن أن توجد بلاد كل أهلها مسلمون، ولكن هي دار كفر، وذلك إذا تسلط عليها حاكم كافر، وأرغمهم على أن تعلوهم أحكام الكفر وشريعته، فتكون في هذه الحالة دار كفر وإن كان كل أهلها أو أغلب أهلها مسلمين.
стр. 42
حرمة إقامة المسلم بين ظهراني المشركين
لما كان الإسلام هو دين العزة والقوة، فإنه قد أبى على معتنقيه أن يذلوا للكفار؛ ولذلك جاء المنع من الإقامة بين ظهراني غير المسلمين؛ لأن إقامة المسلم بين الكفار تشعره بالوحدة والضعف، وتربي فيه روح الذلة والاستكانة، وقد تدعوه إلى المهادنة لهم ثم متابعتهم في باطلهم، والإسلام يريد من المسلم أن يمتنع قوة وعزة، وأن يكون متبوعاً لا تابعاً؛ فيكون ذا سلطان ليس فوقه إلا سلطان الله .
لذلك حرم الإسلام على المسلم أن يقيم في بلد لا سلطان للإسلام فيه، إلا إذا استطاع أن يظهر إسلامه، ويعمل طبقاً لعقيدته دون أن يخشى فتنة على نفسه، وإلا فعليه أن يهاجر من هذا البلد إلى بلد يعلو فيه سلطان الإسلام، فإن لم يفعل فالإسلام قد تبرأ منه مادام قادراً على الهجرة، ولا عذر له في ذلك، يقول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا * إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا * فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء:٩٧ - ٩٩].
وقال ﷺ : (أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين، لا تراءى ناراهما).
وقال ﷺ : (من جامع المشرك -يعني: اجتمع معه في بلده- وسكن معه فإنه مثله).
وقال ﷺ : (لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها).
وقال ﷺ : (برئت الذمة ممن أقام مع المشركين في بلادهم).
فالمقصود أن المسلم لا يقيم في دار حرب، وهي التي لا تعلوها أحكام الإسلام، لكن إن كانت دار إسلام تغلب عليها المسلمون، وجرى فيها حكم الإسلام، وإن كان كل أهلها غير مسلمين؛ فلا بأس أن يقيم المسلم بينهم، فقد استعمل النبي ﷺ عماله على خيبر، وكل سكان خيبر كانوا من اليهود؛ لأنها كانت حينئذ دار إسلام.
стр. 43
مقتضيات الأخوة الإسلامية ودعائمها
стр. 44
الرابطة الحقة بين المسلمين هي: لا إله إلا الله
إن الرابطة الحقيقة التي تجمع المفترق وتؤلف المختلف هي رابطة (لا إله إلا الله)، فهذه الرابطة تجعل المجتمع الإسلامي كأنه جسد واحد، وتجعله كالبنيان يشد بعضه بعضاً، هذه الرابطة لا لتربط فقط بين المسلمين في الأرض، وبين بعضهم البعض، وإنما عطفت أهل السماء على أهل الأرض، وهم ملائكة حملة العرش، ومن حول العرش من الملائكة، فهم يستغفرون الله لبني آدم في الأرض، قال : ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُم وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [غافر:٧ - ٩].
فبين الله أن هذه الرابطة: لا إله إلا الله، ربطت سبيل المؤمنين في الأرض، وبين الملائكة في السماء، وبين حملة العرش، فجعل العلة في هذا الدعاء قوله في حق الملائكة: (وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا)، أي: فاغفر للذين آمنوا، فربط الإيمان بين أهل السماء وأهل الأرض، وهذه هي أعظم الروابط التي ربطت كل من في هذا الكون بعضه ببعض.
ومما يوضح أن الرابطة الحقيقية هي دين الإسلام، قول الله في أبي لهب وهو عم النبي ﷺ ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد:٣]، وقابل موقف أبي لهب من الإسلام وما نزل فيه من القرآن، وبغض النبي ﷺ له لكفره وصده عن سبيل الله؛ بما لـ سلمان الفارسي من الفضل والمكانة عند النبي ﷺ ، حتى جاء في حقه حديث: (سلمان منا أهل البيت)، وإن كان بعض العلماء يضعفون الحديث، ولقد أجاد من قال: لقد رفع الإسلام سلمان فارس وقد وضع الكفر الشريف أبا لهب وأجمع العلماء على أن الرجل إن مات وليس له من الأقارب إلا ابن كافر فإنه لا يرثه، ويكون إرثه للمسلمين بأخوة الإسلام، ولا يكون لولده من صلبه الذي هو كافر، والميراث دليل القرابة، فدل على أن الأخوة الإيمانية أقرب من الأخوة النسبية، هذه الأخوة التي لا يحدها الزمان والمكان، قال الله بعدما ذكر المهاجرين وامتدحهم، ثم ذكر الأنصار وامتدحهم: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠].
إذاً: لا خلاف بين المسلمين أن الرابطة التي تربط بين أهل الأرض والسماء هي رابطة: لا إله إلا الله، فلا يجوز النداء بأي رابطة غيرها، ومن والى الكفار محبة لهم، ورغبة فيهم يدخل في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة:٥١]، وقوله تعالى: ﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ [الأنفال:٧٣]، فلما غاب هذا المعنى، وزال من قلوب المسلمين، ولم يعد الدين والإيمان هو الحد الذي يعتمده قلب المؤمن في موالاته للمؤمنين وعدائه للكافرين؛ اختلط الحابل بالنابل في موضوع الولاء والبراء، ووقع ما أخبر الله به: ﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ [الأنفال:٧٣].
стр. 45
نبذ الإسلام للحزبية والعصبية الجاهلية
قال : ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [المجادلة:٢٢] يعني: لا يمكن أن تجد مؤمناً حقق الإيمان، ﴿وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة:٢٢]، فلا رابطة نسبية أقرب من رابطة الآباء، والأبناء والإخوان والعشائر، ومع ذلك أخبر أنهم يعادونهم لو كانوا ممن يحاد الله ورسوله ﷺ .
وقال : ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة:٧١]، وقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات:١٠]، وقال: ﴿فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران:١٠٣]، هذه الآيات وأمثالها تدل على أن النداء بأي رابطة غير الرابطة الإسلامية -كالرابطة القومية مثلاً- لا يجوز، وهو ممنوع بإجماع المسلمين، ومن أوضح الأدلة على ذلك ما رواه البخاري في صحيحه عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: (كنا في غزاة فكسع رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار -يعني: ضربه على مؤخرته- فقال الأنصاري: يا للأنصار! وقال المهاجري: يا للمهاجرين! فسمعها رسول الله ﷺ فقال: ما هذا؟ فقالوا: كسع رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار! -يعني: يستنصر بالأنصار على أخيه- وقال المهاجري: يا للمهاجرين! فقال النبي ﷺ : دعوها فإنها منتنة).
فقول هذا الأنصاري: يا للأنصار! وقول هذا المهاجري: يا للمهاجرين! هو النداء بالقومية العصبية، وقول النبي ﷺ : (دعوها فإنها منتنة) يقتضي وجوب ترك النداء بها، ويقتضي تحريم أن ينادي الإنسان بنداء الجاهلية، وبدعاوى الجاهلية؛ لأن قوله: (دعوها) أمر صريح بتركها، والأمر المطلق يقتضي الوجوب كما هو معلوم من الأصول كما قال : ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣]، ودل هذا على أن مخالفة أمر النبي ﷺ معصية محرمة، وأكد النبي ﷺ هذا الأمر بقوله: (دعوها فإنها منتنة) حيث وصف هذا الأمر بالنتن، فالنداء بالقوميات أو العصبيات دعوة منتنة، فالدعاوى القومية أو العربية أو الفرعونية أو أي شيء من هذه الدعوات الجاهلية إنما هي دعاوى جاهلية منتنة، وقد أمر رسول الله ﵌ بترك هذه الألقاب التي أشرف الألقاب: المهاجرين والأنصار، وهي ممدوحة في القرآن أعظم المدح، وأخبر الله أنه رضي عن المهاجرين والأنصار، وامتدحهم الله ، وامتدحهم النبي ﵌ في سنته الشريفة في كثير من المواضع، فنهى عن هذه الألقاب التي هي من أشرف الألقاب إذا كان من باب الدعاوى الجاهلية أو في صورة عصبية.
وكذلك الأمر بالنسبة لمسميات الجماعات الإسلامية في أي بلاد، وفي أي مكان، فأي اسم -حتى ولو كان اسماً شريفاً- إذا تحول من معناه البريء المشروع إلى الحزبية والعصبية، فإنه من دعوى الجاهلية التي أمرنا باجتنابها، فلو أن السلفيين مثلاً تنادوا باسم السلفية، وانطبق عليهم هذا المعنى الجاهلي البغيض، فيقال لهم: دعوها فإنها منتنة.
وهكذا غيرهم من الجماعات الإسلامية إذا استخدموا هذه الألقاب في العصبية، أو خالفت الجماعة الشرع، أو قالت: من لم يكن معنا فهو علينا وينبغي أن نحاربه، فكل هذه دعاوى جاهلية ينبغي التنزه عنها، والبراءة منها ومن فعل أصحابها، لكن إذا استخدم اللفظ بمعنى صحيح، فلا حرج فيه، كما استخدم لقب المهاجرين والأنصار فيما بينهم، وهذا لا حرج فيه، لكن مهما شرف هذا اللفظ، حتى لو كان لقب المهاجرين والأنصار، لو صار سبباً لتعزيز الدعاوى الجاهلية التي تفصل عرى الإسلام، وتثير النزعات الجاهلية بين المسلمين؛ فيقال لأصحابها: دعوها فإنها منتنة.
فدل هذا الحديث -وهو قول النبي ﵊: (دعوها فإنها منتنة) - على تحريم التنادي بالعصبيات القومية أو القبلية أو غيرها؛ لأن الرسول ﷺ أمر بالترك.
وأيضاً دل على تحريم التنادي بهذه العصبيات؛ لأنه وصفها بالشيء المنتن، والله يقول: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾ [النور:٢٦] و (الْخَبِيثَاتُ) من الصفات والأفعال (لِلْخَبِيثِينَ).
ويقول : ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف:١٥٧]، وأيضاً وصفها بأنها من دعوى الجاهلية، وقال في بعض الروايات: (أبدعوى الجاهلية وأنا بين ظهرانيكم؟!)، فدعوى الجاهلية محرمة كما قال النبي ﷺ : (ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية)، فتبرأ النبي ﷺ ممن يدعو بدعوى الجاهلية، وفي رواية أخرى: (ليس منا من ضرب الخدود، أو شق الجيوب، أو دعا بدعوى الجاهلية)، فهذا صريح في تحريم الدعاء بدعوى الجاهلية سواء الوثنية الفرعونية القومية وغير ذلك، وهذه الأدلة كلها تدل على التحريم الشديد لهذه النعرة العصبية.
ومما يدل على تحريم الحزبية قول النبي ﷺ : (من تعزى بعزاء الجاهلية فأعضوه بهن أبيه ولا تكنوا)، عزاء الجاهلية هو: التنادي بنداء الجاهلية، يعني يرفع دعوى الجاهلية: يا قبيلة فلان، يا أصحاب فلان تعصبوا وتحزبوا لمن كان من قبلكم -أي: من بلادكم- ضد الشخص الآخر، وهذا حتى ولو كان ظالماً، فإنهم يظاهرونه، فهذا هو التعزي بدعوى الجاهلية، وهو التنادي بألقاب الجاهلية، وبتحزبات الجاهلية.
فيقول النبي ﷺ : (من تعزى بعزاء الجاهلية، فأعضوه بهن أبيه).
يعني: قولوا له: اعضض هن أبيك، والمقصود العورة، وهذا من السب الشديد، وإنما استحقه لأنه أتى فعلاً شديداً، وهو التعزي بعزاء الجاهلية، وإحياء النعرات الجاهلية، قال: (ولا تكنوا) يعني: لا تستخدموا الكناية لهذا الترهيب، ولكن أعضوه بهن أبيه باللفظ الصريح عقوبة له على تجروئه على إحياء دعوى الجاهلية، وهذا يدل على شدة قبح هذا النداء، وشدة بغض النبي ﷺ له.
ومن هم رؤساء وزعماء هذه الدعوى الجاهلية؟ هم: أبو جهل، وأبو لهب، والوليد بن المغيرة ونظرائهم من رؤساء الكفرة؛ وذلك لأنهم تنادوا بهذه الدعوى القومية حينما ﴿قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [المائدة:١٠٤]، ﴿قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [البقرة:١٧٠]، وأمثال ذلك من الأقوال التي تمسكوا فيها بما كان عليه الآباء وإن كانوا على ضلال مبين.
ورفع هذه الدعوات أياً كان اسمها هي عبارة عن نداء إلى التخلي عن دين الإسلام، ورفض الرابطة السماوية رفضاً باتاً، حتى لو نادى من ذلك بروابط عصبية قومية مدارها على أن هذا من العرب فناصره وهذا من العجم فنعاديه مثلاً، والعروبة لا يمكن أن تكون خلفاً من الإسلام، واستبدالها به صفقة خاسرة، كما قال الرازي: بدلت بالجمة رأسا أزعرا وبالثنايا الواضحات الدردرا كما اشترى المسلم إذ تنصرا وقد بين الله في كتابه أن الحكمة في جعله بني آدم شعوباً وقبائل هو التعارف فيما بينهم، وليست لأن يتعصب كل شعب على غيره، وكل قبيلة على غيرها، قال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات:١٣] والمعنى: لتتعارفوا، حذفت إحدى التائين، فالتعارف هو العلة المشتملة على الحكمة.
ونحن لا ننكر أن المسلم قد ينتفع بهذه الرابطة العصبية، لكن هو لا ينادي بها، كما في قوله تعالى: ﴿أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود:٨٠]، وكما نصر النبي ﷺ أبو طالب، وإنما كان دافعه إلى هذه المناصرة وجود الرابطة النسبية، وقال تعالى: ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ﴾ [هود:٩١].
إذاً: قد ينتفع الإنسان بهذه الأمور وهذه الرابطة، ولكن لا ينادي بها في الدعوات الجاهلية.
﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [النمل:٤٩].
стр. 46
الأخوة: أخوة الدين والعقيدة
هذه الرابطة رابطة الأخوة في الإسلام هي التي تكون بين المسلمين، ويكون عليها الولاء والبراء، فقد بين الله أن الإسلام هو الذي يربط بين أفراد المجتمع الإسلامي دون غيره من الروابط؛ لأنه يجعل المؤمنين كالجسد الواحد، يقول الشنقيطي ﵀: فربط الإسلام لك بأخيك كربط يدك بمعصمك، ورجلك بساقك.
وجاء في الحديث عن النبي ﷺ : (مثل المؤمنين في تراحمهم وتعاطفهم وتوادهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى).
ولذلك يذكر في القرآن الكريم النفس وليس المقصود نفسك أنت، لكن المقصود بها إخوانك المؤمنين، يقول الله : ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة:١٨٨] يعني: لا تأكلوا أموال إخوانكم، فنسبها إليكم، فالله يطلق النفس على الإخوة تنبيهاً على أن رابطة الإسلام تجعل أخا المسلم كنفسه كقوله تعالى: ﴿وَلا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ [البقرة:٨٤] يعني: ولا تخرجون إخوانكم، وكقوله سبحانه لبني إسرائيل: ﴿فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [البقرة:٥٤] يعني: فليقتل بعضكم بعضاً، وهذه كفارة ما فعلوه، وقال : ﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ [النور:١٢] يعني: بإخوانهم فعبر عن الإخوان بالأنفس.
كذلك قوله : ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾ [النور:٦١] يعني: على إخوانكم، فعبر عن الإخوان بالأنفس.
وقال : ﴿وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [الحجرات:١١] يعني: لا تلمزوا إخوانكم، على أصح التفسيرين.
وقوله تعالى كما ذكرنا: ((وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ))، أي: لا يأكل أحدكم مال أخيه، إلى غير ذلك من الآيات.
كذلك ثبت في الصحيح قول النبي ﷺ : (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه).
وفي رواية: (من الخير) الدالة على أن هذه الرابطة، رابطة الإسلام هي الأصل بين المسلمين، وهذه الرابطة تتلاشى أمامها جميع الروابط النسبية والعصبية.
стр. 47
إن أكرمكم عند الله أتقاكم
الأدلة التي تبين أهمية الولاء والبراء وبعض حقوقها لا تفرق بين المسلم وأخيه المسلم، لا على أساس اللون، ولا الوطن، ولا اللغة، ولا الجنس، ولا غير ذلك؛ مصداقاً وامتثالاً لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣]، لم يقل الله : إن أكرمكم عند الله أعظمكم نسباً، أو أكثركم مالاً، بل إن أكرمكم عند الله أتقاكم، كما قال بعض الشعراء: ألا إنما التقوى هو العز والكرم وحبك للدنيا هو الذل والعدم وليس على عبد تقي نقيصة إذا صحح التقوى وإن حاك أو حجم وقال ﵌: (لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأعجمي على عربي، ولا لأسود على أبيض، ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى، كلكم لآدم، وآدم من تراب).
وقال ﵌: (إن الله أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء، مؤمن تقي أو فاجر شقي).
وقال ﷺ : (إن آل فلان ليسوا لي بأولياء، إنما وليي الله وصالح المؤمنين).
وقال ﷺ : (إن أولى الناس بي المتقون)، لم يقل: أهل نسبي وأقاربي، وإنما قال: (إن أولى الناس بي المتقون من كانوا وحيث كانوا)، نرى أحياناً بعض الناس يتغطرسون ويتكبرون على الناس بانتسابهم إلى النبي ﷺ ، ونسبه عظيم، لكن ينبغي الالتزام بسنته وهديه ﵌، فأغلب الحكام الظلمة والمناوئين لدين الإسلام يفاخرون غيرهم بأنهم من بني هاشم، فهذا الملك الحسين بن طلال في الأردن يفخر بأنه من الهاشميين وأنه من نسل النبي ﷺ ، حتى وإن سلم لهم أنهم من نسله، فحيث أنهم محاربون لدين الله، ويظاهرون أعداء الإسلام على المسلمين؛ فينطبق عليهم قول النبي ﷺ : (إن أولى الناس بي المتقون من كانوا وحيث كانوا)، وقوله: (إن آل فلان ليسوا لي بأولياء، إنما وليي الله وصالح المؤمنين).
فما أثر الانتساب إليه ﵌؟ ولا ينبغي لمن رزق هذا النسب أن يجعله عائقاً له عن التقوى، وسبباً لمتابعة الهوى، فالحسنة في نفسها حسنة، وهي من بيت النبوة أحسن، والسيئة في نفسها سيئة، وهي من أهل بيت النبوة أسوأ، قال الله تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا * وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾ [الأحزاب:٣٠ - ٣١]، فالحسنة إذا أتت من أشرف الناس نسباً كأهل بيت النبي ﷺ وأقربائه فهي أحسن، والسيئة إذا صدرت من أهل بيت النبوة تكون أسوأ، فقد يبلغ اتباع الهوى لذلك النسب الشريف إلى حيث يستحي أن ينسب إلى رسول الله ﵌، قال بعض الشعراء لشريف ينتسب إلى النبي ﷺ ، ولكنه كان سيء الأفعال: قال النبي مقال صدق لم يزل يحلو لدى الأسماع والأفواه إن فاتكم أصل امرئ ففعاله تنبيكم عن أصله المتناهي وأراك تسفر عن فعال لم تزل بين الأنام عديمة الأشباه وتقول إني من سلالة أحمد أفأنت تصدق أم رسول الله يقول الإمام الألوسي رحمه الله تعالى: ولا يلومن الشريف إلا نفسه إذا عومل حينئذ بما يكره، وقدم عليه من هو دونه في النسب بمراحل كما يحكى أن بعض الشرفاء في بلاد خراسان كان أقرب الناس إلى رسول الله ﷺ ، غير أنه كان فاسقاً ظاهر الفسق، وكان هناك مولى أسود تقدم في العلم والعمل، فأكب الناس على تعظيمه، فاتفق أن خرج يوماً من بيته -ذلك المولى الأسود العالم العابد من بيته- يقصد المسجد، فاتبعه خلق كثير يتبركون به، فلقيه الشريف وهو سكران، فكان الناس يطردونه عن طريقهم، فغلبهم وتعلق بأطراف الشيخ وقال: يا أسود الحوافر والمشافر، يا كافر ابن كافر، أنا ابن رسول الله ﷺ أذل وأنت تجل؟! وأهان وأنت تعان؟! فهم الناس بضربه، فقال الشيخ: لا تفعلوا هذا محتمل منه لجده، وإن خرج عن حده، ولكن أيها الشريف! بيضت باطني، وسودت باطنك، فرؤي بياض قلبي فوق سواد وجهي فحسنت، وسواد قلبك فوق بياض وجهك فقبحت، وأخذت سيرة أبيك، وأخذت سيرة أبي، فرآني الخلق في سيرة أبيك ورأوك في سيرة أبي فظنوني ابن أبيك، وظنوك ابن أبي، فعملوا معك ما يعمل مع أبي، وعملوا معي ما يعمل مع أبيك.
هذه هي مساواة الإسلام، هذا هو معنى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣]، فهكذا يرتفع بالإسلام أقل الناس وأحقرهم إلى أعلى المقامات، وإلى أشرفها، ولا ينفع هذا الشريف وجود هذه النسبة، وهي شرف الانتساب إلى النبي ﵌، لكن لابد من التقوى كما بينا.
стр. 48
عقيدة الولاء والبراء [٤]
الولاء والبراء أحد قلاع التوحيد، وأحد أركان الإسلام التي يجب على كل مسلم أن يفهمها ويطبقها في عقيدته ومعاملاته مع من حوله، وقد ضرب السلف الصالح رضوان الله عليهم من الصحابة والتابعين وتابعيهم أروع المواقف البطولية في الولاء للإسلام وأهله، والبراءة من الكفر وأهله.
стр. 49
حكم إقامة المسلم في بلاد الكفار
حكم الإقامة في بلاد الكفار فيها تفصيل؛ فإنها تنقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: أن يقيم عندهم، ويرضى ما هم عليه من الكفر، ويعاونهم على المسلمين، فهذا كافر، قال ﷺ : (من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله)، وصح عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنه قال: من نشأ في بلاد الأعاجم فصنع نوروزهم -يعني: اشترك في احتفالاتهم ومهرجانهم- وتشبه بهم حتى يموت وهو كذلك حشر معهم يوم القيامة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وهذا يقتضي أنه جعله كافراً بمشاركتهم في مجموع هذه الأمور.
فمن رضي بما هم عليه من الكفر، وانشغل بمدحهم وعيب المسلمين، وعاونهم على المسلمين فهذا كافر مرتد بهذا الفعل وهذه الموالاة.
القسم الثاني: أن يكون همه لأجل مصلحة دنيوية من مال أو ولد أو بلاد وهو لا يظهر دينه مع قدرته على الهجرة، ولا يعينهم على المسلمين بنفس ولا مال ولا لسان، ولا يواليهم بقلبه ولا بلسانه، فهذا لا يكفره العلماء لمجرد جلوسه ومكثه بين أظهرهم، ولكن يقولون: إن هذا قد عصى الله ورسوله بترك الهجرة، وإن كان مع ذلك يبغضهم في الباطن؛ لقول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:٩٧].
قال الإمام ابن كثير ﵀: (ظالمي أنفسهم) أي: بترك الهجرة، ثم قال: فهذه الآية عامة في كل من أقام بين ظهراني المشركين وهو قادر على الهجرة، وليس متمكناً من إقامة الدين، فهو ظالم لنفسه مرتكب حراماً بالإجماع وبنص هذه الآية.
وتجد العلماء لهم كلام شديد جداً يصل إلى التكفير في حق من يتجنس بجنسية هذه البلاد، وبعض الناس لغفلتهم عن الولاء والبراء، وعن العمل بلوازم لا إله إلا الله يأخذ جنسية بعض هذه البلاد الكافرة، ويعتبره مكسباً، وهو يدفع لقاء ذلك ثمناً من دينه، والإنسان إذا تجنس بهذه الجنسيات إذا لم يجند هو في جيوش هذه البلاد فأولاده سيصبحون من هذه البلاد، ويدخلون جيوشهم، ولابد أن يشتركوا معهم في حربهم إذا حاربوا المسلمين، ويصبحون يعاملون كأي مواطن من تلك البلاد، له حقوق وعليه واجبات تجاه هذه الدولة الكافرة، فلا ينبغي التساهل في أمر أخذ الجنسيات؛ لأن العلماء لهم كلام شديد يصل إلى تكفير من يتجنس بجنسيات هذه البلاد الكافرة.
روى البخاري عن ابن عباس ﵄: أن ناساً من المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سواد المشركين، يعني: أن بعض المسلمين ممن كانوا قادرين على الهجرة من مكة إلى المدينة بقوا في مكة وهم قادرون على الهجرة، فكان المشركون يظنون أنهم مثلهم من الكفار، فحينما خرجوا لمقاتلة المسلمين كانوا يخرجونهم معهم؛ لأنهم في الظاهر مع المشركين! يقول ابن عباس: إن ناساً من المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سواد المشركين على عهد رسول الله ﷺ ، يأتي السهم فيرمى به، فيصيب أحدهم فيقتله أو يضرب فيقتل، فأنزل الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ﴾ [النساء:٩٧] بأنهم لم يهاجروا.
وقد سد الله باب الأعذار الواهية، فأي إنسان يعتذر عن الهجرة لا يخرج عذره عن هذه الثمانية المذكورة في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة:٢٤].
فإذا كانت مكة هي أشرف بقاع الأرض، وأوجب الله الهجرة منها، ولم يجعل محبتها عذراً في عدم مغادرتها حينما كانت الهجرة واجبة فكيف بغيرها من البلدان؟! القسم الثالث: ممن يكون في بلاد المشركين فهو من لا حرج عليه في الإقامة بين أظهرهم، وهم نوعان: النوع الأول: أن يكون مظهراً دينه، فيتبرأ منهم وما هم عليه، ويصرح لهم ببراءته منهم لأنهم ليسوا على حق، بل إنهم على باطل، وهذا هو إظهار الدين الذي لا تجب معه الهجرة كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون:١ - ٦]، فأمره أن يخاطبهم بأنهم كافرون، وأنه لا يعبد معبوداتهم، وأنهم على الشرك وليسوا على التوحيد، وأنه قد رضي بدينه الذي هو عليه، وبرأ من دينهم الذي هم عليه كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يونس:١٠٤ - ١٠٥].
فمن قال مثل ذلك للمشركين لم تجب عليه الهجرة، وليس المراد بإظهار الدين أن يترك الإنسان يصلي ولا يقال له: اعبد الأوثان، إظهار الدين الذي يذكر العلماء أنه شرط في جواز الإقامة بين المشركين ليس مجرد أن يلتزم شعائر الإسلام من إقامة الصلاة مثلاً أو أنهم لا يجبرونه على عبادة الأوثان، فإن اليهود والنصارى لا ينهون من صلى في بلدانهم، ولا يكرهون الناس على أن يعبدوا الأوثان، بل المقصود بإظهار الدين هو التصريح للكفار بالعداوة، وإذا لم يحصل التصريح للمشركين بالبراءة منهم ومن دينهم لم يكن إظهار الدين حاصلاً.
وإظهار الدين بهذا المعنى يرخص في عدم الهجرة من تلك البلاد.
وهنا نذكر حادثة بئر معونة الحادثة المشهورة، فإنه لما قدم عامر بن مالك المشهور بملاعب الأسنة على رسول الله ﷺ ، فعرض عليه الإسلام، ولكنه لم يسلم ولم يبعد، وقال: يا محمد! لو بعثت رجالاً من أصحابك إلى أهل نجد فدعوهم إلى أمرك رجوت أن يستجيبوا لك، فقال ﷺ : (أخشى عليهم أهل هذه البلاد) فقال له: أنا لهم جار، وتعهد أنه سوف يحميهم، فبعث رسول الله ﷺ سبعين رجلاً من أصحابه من خيار المسلمين ﵃، وكان ذلك في شهر صفر على رأس أربعة أشهر من غزوة أحد، فساروا حتى نزلوا ببئر معونة، فلما نزلوها بعثوا أحدهم -وهو حرام بن ملحان بكتاب رسول الله ﷺ إلى عامر بن الطفيل، فلما أتاه لم ينظر في الكتاب، بل عدا عليه وقتله، فلما طعن حرام بن ملحان بالرمح صاح وقال: فزت ورب الكعبة! ثم استنفر عامر بن الطفيل بني عامر يستعديهم على بقية الدعاة السبعين من الصحابة الذين خرجوا لدعوة هؤلاء في دار الكفر في بلادهم، فأبوا أن يجيبوه وقالوا: لن نخفر عهد عامر بن مالك، فاستدعى عليهم قبائل من سليم من عصية ورعل وذكوان، فأجابوه وانطلقوا فأحاطوا بالقوم في رحالهم، فلما رأوهم أخذوا سيوفهم وقاتلوهم فقتل المسلمين عن آخرهم، وكان من الدعاة رجلان بعيداً عنهم لم يشهدا هذه الوقعة الغادرة، أحدهما عمرو بن أمية الضمري، ولم يعرفا النبأ إلا فيما بعد، فأقبلا يقاتلان عن إخوانهما فقتل زميله معهم، وأفلت هو فرجع إلى المدينة.
فمكث الرسول ﵊ شهراً كاملاً يقنت ويدعو على قبائل سليم: رعل وذكوان وعصية.
وفي هذا الحادث يقول الدكتور البوطي في كتابه فقه السيرة: لا يجوز للمسلم المقام في دار الكفر أو الحرب إن لم يمكنه إظهار دينه، ويسن له ذلك إن أمكنه إظهار دينه، والذي يدل عليه هذا المشهد من سيرته ﷺ أنه يستثنى من ذلك ما إذا كان مقام المسلم في دار الكفر ابتغاء القيام بواجب الدعوة الإسلامية هناك، فذلك من أنواع الجهاد التي تتعلق مسئوليته بالمسلمين كلهم على أساس فرض الكفاية الذي إن قام به البعض قياماً تاماً سقطت المسئولية عن الباقين وإلا اشتركوا كلهم في الإثم، وهذا الكلام أشار إليه صاحب مغني المحتاج في فقه الشافعي.
فالقسم الذي لا حرج عليه في الإقامة بين أظهر المشركين هو الذي يقدر على إظهار دينه بالمعنى الذي أوضحناه.
النوع الثاني: أن يقيم عندهم مستضعفاً فيجوز، وقد بين الله الاستضعاف في كتابه في قوله: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ [النساء:٩٨]، وفي قوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ [النساء:٧٥].
يقول البغوي رحمه الله تعالى: إن الأسير المسلم عند الكفار إذا استطاع الخلاص منهم لم يحل له المقام بينهم، فإن حلفوه أنهم إذا تركوه لا يخرج إلى دار الإسلام فحلف؛ وجب عليه الخروج، ويمينه يمين مكره لا كفارة عليه فيها، وإن حلف لهم من غير أن يحلفوه فعليه الخروج إلى دار الإسلام، ويلزمه كفارة يمين.
أما حكم السفر إلى بلاد الكفار الحربية لأجل التجارة ففي ذلك تفصيل: فإن كان ي
стр. 50
بعض مظاهر الولاء والبراء في الإسلام
نشير إلى بعض مظاهر الولاء والبراء كما بينها الشارع الشريف:
стр. 51
منع الكفار من الإقامة في الجزيرة العربية
من مظاهر الولاء والبراء: منع المشركين من الإقامة في بعض البلاد؛ وذلك لقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ﴾ [التوبة:٢٨].
وعن أبي هريرة ﵁ قال: بينما نحن في المسجد خرج علينا النبي ﷺ فقال: (انطلقوا إلى يهود، فخرجنا معه، حتى إذا جئنا بيت المدارس قام النبي ﷺ فناداهم فقال: يا معشر اليهود! أسلموا تسلموا فقالوا: قد بلغت يا أبا القاسم، فقال لهم رسول الله ﷺ : ذلك أريد، فقال: أسلموا تسلموا، فقالوا: قد بلغت يا أبا القاسم، فقال لهم: ذلك أريد، ثم قالها الثالثة، فقال: اعلموا أنما الأرض لله ورسوله، وإني أريد أن أجليكم من هذه الأرض) متفق عليه.
وقال ﷺ : (أخرجوا المشركين من جزيرة العرب)، وقال أيضاً: (لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع فيها إلا مسلماً).
فبعض البلاد الإسلامية لا يجوز أن يدخلها هؤلاء المشركون، وهذا من مقتضيات الولاء والبراء.
стр. 52
حرمة مشاركة الكفار في أعيادهم
أيضاً: من مقتضيات الولاء والبراء: عدم مشاركتهم في أعيادهم، وهذا أمر يحتاج إلى تفصيل كثير كما بيناه من قبل، وهو حكم مشاركة المسلمين الكفار في أعيادهم، وأن هذا لا يجوز؛ لأنه من الموالاة المحرمة، وأن المسلمين ليس لهم إلا عيدان: عيد الفطر وعيد الأضحى، وما زاد عن ذلك فهو من البدع إن كانت أعياداً في الدين أو من جملة هذه الدعوات الوطنية والقومية التي هي من الباطل ومن الزور، قال الله : ﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان:٧٢]، وهذه الأعياد الوطنية كلها ليست من الإسلام في شيء، بل ليس للمسلمين إلا عيدان وهما الفطر والأضحى.
стр. 53
الجهاد في سبيل الله
من لوازم الولاء والبراء جهاد الكفار، بمعنى مقاتلة أعداء الله بكل أنواع الجهاد المعروفة.
فالجهاد من أعظم مظاهر الموالاة للمؤمنين والمعاداة للكافرين والمنافقين، بل هو ذروة سنام الإسلام كما قال النبي ﵌.
وفهم الجهاد في الإسلام أمر مطلوب، ونجد أن تشويه هذا التصور لم يسلم منه كثير من خواص المسلمين في هذا الزمان، حتى إن بعض كبار الشيوخ يتكلم أن الإسلام يترك الحرية لكل صاحب عقيدة أن يدعو إليها في سلام وأمان وبلسانه في حرية مطلقة، وأكثر الناس يحتارون من مثل هذا الكلام من خواص المسلمين، ومن عالم يمثل مشيخة الأزهر ومع ذلك يقول هذا الكلام، ولعلها تأتي فرصة إن شاء الله لنوبخهم، فكثير من المنهزمين أمام أعداء الإسلام يحرفون حقائق الجهاد حتى يرضوا أسيادهم من غربيين، وحتى يتقربوا إليهم بعمليات البتر هذه، والله المستعان.
стр. 54
انقطاع التوارث والولاية والزواج بالمسلمة من الكافر
من مظاهر الولاء والبراء: انقطاع التوارث بين المسلمين والكفار، قال النبي ﷺ : (لا يتوارث أهل ملتين شتى).
فالمسلم لا يرث الكافر، والكافر لا يرث المسلم، وهذا نوع من الاستعلاء، وليس كما عبر عنه بعض الشيوخ ليبين سماحة الإسلام فيقول: إن الإسلام سوى بين المسلم والكافر في الحرمان من الميراث! فيريد التزلف للمشركين بأن هذا نوع من العدل، والصواب أنه من الاستعلاء بحق، فالمسلم لو كان قريبه الكافر يملك مال قارون فهو يستعلي عن أن تكون بينه وبين هذا الكافر موالاة تفضي إلى أن يرثه، وليس المقصود بذلك أن الإسلام يساوي في الحرمان بين المسلم وبين الكافر في الميراث.
أيضاً: انقطاع الموالاة، الكافر لا يصح أن يكون ولياً لابنته في عقد نكاحها، فتنقطع الموالاة في مثل هذا.
أيضاً: المسلمة لا تتزوج كافراً بأي حال من الأحوال.
стр. 55
من قصص الصحابة في الولاء والبراء
نختم هذا البحث ببيان بعض المواقف العملية من قصص الصحابة ﵃ في الولاء والبراء، ونقدم بين يدي ذلك قول المقداد بن الأسود ﵁ حينما قال: والله! لقد بعث النبي ﷺ على أشد حال بعث عليه نبي من الأنبياء في فترة وجاهلية لا يرون ديناً أفضل من عبادة الأوثان، فجاء بفرقان فرق به بين الحق والباطل، ففرق بين الوالد وولده، حتى إن الرجل ليرى والده أو ولده أو أخاه كافراً، وقد فتح الله تعالى فقل قلبه بالإيمان، ويعلم أنه إن هلك دخل النار؛ فلا تقر عينه وهو يعلم أن خليله في النار، وإنها للتي قال الله : ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ [الفرقان:٧٤].
وقال النبي ﷺ في غزوة تبوك للصحابة ﵃: (إن بالمدينة أقواماً ما سرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم -يعني: كأنهم معكم في هذا الجهاد- قالوا: وهم بالمدينة؟ قال: وهم بالمدينة، حبسهم العذر)، فهذه موالاة ومناصرة للمسلمين حتى الذين لم يخرجوا معهم في الجهاد في غزوة تبوك، فيكنون للذين حبسهم العذر الموالاة القلبية والوجدانية كأنهم يسيرون معهم في كل واد وفي كل مكان، والمعذورون مع إخوانهم بالدعاء والمتابعة والارتباط القلبي، فذكر أنهم كأنهم معهم في مثل هذا الجهاد، وهذه من أعظم صور الموالاة.
стр. 56
قصة المرأة الدينارية
نختم بقصة المرأة الدينارية، أي: من بني دينار، هذه المرأة لما كان النبي ﷺ عائداً من غزوة أحد إلى المدينة خرج الناس من المدينة للاستفسار عن النبي ﷺ وذويهم الذين كانوا مشتركين في المعركة، وهذه المرأة قد قتل أبوها وزوجها وأخوها وابنها، فلما نعوا لها ذلك لم تكترث كثيراً، بل كانت قلقة على حياة النبي ﷺ ، فكانوا كلما يقولون لها: احتسبي عند الله أباك، تقول: ما فعل رسول الله ﷺ ؟! يقولون: احتسبي عند الله أخاك احتسبي عند الله ابنك احتسبي عند الله زوجك كانت في كل مرة تقول: ما فعل رسول الله ﷺ ؟! قالوا: خيراً يا أم فلان! هو بحمد الله كما تحبين، قالت: أرونيه حتى أنظر إليه، فلما رأته سالماً قالت مشيرة إلى مصيبتها بفقد أبيها وزوجها وأخيها وابنها: كل مصيبة بعدك جلل، تعني: أنها تهون كل مصيبة بعد سلامة النبي ﷺ !
стр. 57
قصة عثمان بن مظعون ومصعب بن عمير
وكان عثمان بن مظعون رضي الله تعالى عنه جوار الوليد بن المغيرة فرأى إخوانه المؤمنين يعذبون، فرد عليه جواره، ثم جلس في مجلس كان فيه الشاعر لبيد وكان ينشد شعراً ويقول: ألا كل شيء ما خلا الله باطل قال: صدقت، فأكمل البيت وقال: وكل نعيم لا محالة زائل قال: كذبت، فغضب لبيد وقال: يا معشر قريش! ما كان يؤذى جليسكم، فقالوا: هذا سفيه في سفهاء معه قد فارقوا ديننا، فغضب عثمان بن مظعون ﵁ وقام، واشتجروا، وأتى ذلك الرجل فضربه على عينه حتى خضرها -يعني: اخضرت من الضربة-، فقال له الوليد بن المغيرة حينئذ: أما والله -يا ابن أخي- لقد كنت في ذمة منيعة، يعني: ما حملك على أن تخرج من ذمتي؟ فقال: أما والله إني لفي جوار من هو أعز منك في جوار الله ، وأنشد شعراً قال فيه: فإن تك عيني في رضا الرب نالها يدا ملحد في الدين ليس بمهتدي فقد عوض الرحمن منها ثوابه ومن يرضه الرحمن يا قوم يسعدِ فإني وإن قلتم غوي مضلل سفيه على دين الرسول محمدِ أريد بذاك الله والحق ديننا على رغم من يبغي علينا ويعتدي ومن ذلك ما هو معروف من قصة مصعب بن عمير ﵁ وانتقاله من النعيم والترف إلى الزهد نصرة لله ورسوله ﷺ .
стр. 58
قصة بلال وحبيب بن زيد
كان بلال رضي الله تعالى عنه يصبر على تعذيب المشركين له، حتى كانوا يضعون الصخرة العظيمة على صدره في شدة الحر، ويأمرونه أن يشرك بالله فيأبى عليهم ويقول: أحد أحد، ويقول: والله! لو أعلم كلمة أغيظ عليكم منها لقلتها.
وكذلك حبيب بن زيد الأنصاري لما قال مسيلمة الكذاب له: أتشهد أن محمداً رسول الله؟ قال: نعم، قال: أتشهد أني رسول الله؟ فقال: لا أسمع، فلم يزل يقطعه إرباً إرباً وهو ثابت على ذلك رضي الله تعالى عنه.
стр. 59
قصة أنس بن النضر
كان أنس بن النضر ﵁ قد غاب عن قتال بدر فقال: غبت عن أول قتال قاتله رسول الله ﷺ المشركين؛ ولئن أشهدني الله قتالاً للمشركين ليرين الله ما أصنع.
فلما كان يوم أحد انكشف المسلمون -يعني: انهزموا- فقال: اللهم! إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء يعني: أصحابه، اعتذر عنهم ولم يتبرأ منهم، وقال: وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء، يعني: المشركين، والمعنى أن المسلم يشرع لك أن تتبرأ من فعله إذا كان مخالفاً للشرع، لكن لا تتبرأ منه كلية، أما الكافر فالبراءة منه من كل الوجوه.
ثم تقدم فلقيه سعد بن معاذ، فقال: إني لأجد ريح الجنة دون أحد، فقاتل حتى قتل، قال سعد: فلم أستطع أن أصنع ما صنع، فوجد فيه بضع وثمانون ضربة بسيف وطعنة برمح ورمية بسهم، فكانوا يقولون: فيه وفي أصحابه نزل قوله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب:٢٣].
стр. 60
قصة خبيب بن عدي
ومن مظاهر الولاء للمؤمنين والبراء من الكافرين ما كان من خبيب بن عدي ﵁ حينما اعتقله المشركون، فساقوه إلى مكة، ووضعوه أسيراً ل ابن أبي إيهاب التميمي ليقتله بأبيه الذي كان قد قتل في غزوة بدر، ولما حددوا موعداً لقتله أخرجوه إلى التنعيم ليقتلوه، فقال: إن رأيتم أن تدعوني حتى أصلي ركعتين فافعلوا، فأذنوا له، فركع ركعتين أتمهما وأحسنهما، ثم أقبل على القوم فقال: أما والله لولا أن تظنوا أني إنما طولت الصلاة جزعاً من الموت لاستكثرت من الصلاة، ولما رفع على الخشبة قال له المشركون: ارجع عن الإسلام نخلي سبيلك، فقال: والله! لا أحب أن أرجع عن الإسلام وأن لي ما في الأرض جميعاً، قالوا: ارجع يا خبيب! قال: لا أرجع أبداً، قالوا: أما واللات لئن لم تفعل لنقتلنك، قال: إن قتلي في الله قليل، وصرفوا وجهه لغير القبلة، فقال: أما صرفكم وجهي عن القبلة فإن الله تعالى يقول: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥]، ثم قال: اللهم إني لا أنظر إلا في وجه عدو، اللهم إنه ليس هاهنا أحد يبلغ رسولك عني السلام فبلغه أنت السلام، وكان الرسول ﷺ في هذا الوقت بين صحبه في المدينة فأخذته غيبة ثم قال: (هذا جبريل يقرئني من خبيب السلام)، واقترب من خبيب أربعون رجلاً من المشركين بأيديهم الرماح وقالوا: هذا الذي قتل آباءكم في بدر، فقال خبيب: اللهم إنا قد بلغنا رسالة رسولك فأبلغه الغداة ما يصنع بنا، اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً.
ولما دعا هذه الدعوة كان بين هؤلاء المشركين معاوية بن أبي سفيان ﵁ وحكيم بن حزام وجبير بن مطعم، ولم يكونوا قد أسلموا بعد، فلما سمعوه يدعو بهذه الدعوة؛ ألقى معاوية بن أبي سفيان ﵁ بنفسه إلى الأرض فرقاً من دعوة خبيب، وهرب حكيم بن حزام، واختفى جبير بن مطعم، وعندما أخذت الرماح تمزق جسده استدار إلى الكعبة وقال: الحمد لله الذي جعل وجهي نحو قبلته الذي ارتضى لنفسه ونبيه والمؤمنين، ثم استدار إلى القوم وأنشد: لقد جمع الأحزاب حولي وألبوا قبائلهم واستجمعوا كل مجمع وقد جمعوا أبناءهم ونساءهم وقربت من جذع طويل ممنع إلى الله أشكو غربتي ثم كربتي وما جمع الأحزاب لي حول مصرعي فذا العرش صبرني على ما يراد بي فقد بضعوا لحمي وقد ياس مطمعي وقد خيروني الكفر والموت دونه وقد ذرفت عيناي من غير مجزع وما بي حذار الموت إني ميت ولكن حذاري حر نار ملفع وذلك في ذات الإله وإن يشأ يبارك على أوصال شلو ممزع فلست أبالي حين أقتل مسلماً على أي جنب كان في الله مصرعي ولست بمبد للعدو تخشعاً ولا جزعاً إني إلى الله مرجعي فقال له أبو سفيان: أيسرك أن محمداً عندنا نضرب عنقه وأنك في أهلك؟ قال: لا والله ما يسرني أني في أهلي وأن محمداً في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه ﵌.
стр. 61
قصة سعد بن أبي وقاص
عندما أسلم سعد بن أبي وقاص امتنعت أمه عن الطعام والشراب حتى يرجع عن الإسلام، وقالت له: لن أذوق طعاماً حتى تموت فتعير بذلك أبد الدهر يقال: يا قاتل أمه، ثم إنها مكثت يوماً وليلة لم تأكل ولم تشرب ولم تستظل، فأصبحت قد جهدت، ثم مكثت يوماً آخر وليلة لم تأكل ولم تشرب، فجاء سعد إليها وقال: يا أماه! لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفساً نفساً ما تركت ديني، فكلي وإن شئت فلا تأكلي.
فلما أيست منه أكلت وشربت، فأنزل الله هذه الآية: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ [لقمان:١٥] وأمره بالبر بوالديه، والإحسان إليهما، وعدم طاعتهما في الشرك؛ لأنه (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) كما قال رسول الله ﷺ .
стр. 62
قصة عبد الله بن حذافة السهمي
من صور الموالاة ما كان من الصحابي الجليل عبد الله بن حذافة السهمي ﵁، فإن الروم أسروا هذا الصحابي.
فجاءوا به إلى ملكهم فقال له: تنصر، وأنا أشركك في ملكي، وأزوجك ابنتي، فقال له: لو أعطيتني جميع ما تملك وجميع ما تملكه العرب على أن أرجع عن دين محمد ﷺ طرفة عين ما فعلت، فقال: إذن أقتلك، فقال: أنت وذاك، فأمر به فصلب، وأمر الرماة فرموه قريباً من يديه ورجليه وهو يعرض عليه دين النصرانية فيأبى، ثم أمر به فأنزل، ثم أمر بقدر -وفي رواية: ببقرة من نحاس فأحميت- وجاء بأسير من المسلمين فألقاه وهو ينظر في هذا النحاس المصبوب المذاب، فإذا هو عظام تلوح، وعرض عليه النصرانية بعد هذا الإرهاب فأبى، فأمر به أن يلقى فيها، فرفع في البكرة ليلقى فيها، فبكى فأخبروا الملك بأنه قد بكى، فطمع فيه، وظن أنه بكى خوفاً من هذا العذاب فلعله أن يتنصر، ودعاه فقال له: لم بكيت؟! قال: إنما بكيت لأن نفسي إنما هي نفس واحدة تلقى في هذا القدر الساعة فتموت في الله، فأحببت أن يكون لي بعدد كل شعرة في جسدي نفس تعذب هذا العذاب في الله! وفي بعض الروايات أنه سجنه، ومنع عنه الطعام والشراب أياماً، ثم أرسل إليه بخمر ولحم خنزير فلم يقربه، ثم استدعاه فقال: ما منعك أن تأكل؟! فقال له: إنه قد حل لي -يعني: أصبح حلالاً؛ لأنه مضطر- ولكن لم أكن لأشمتك في، فقال له الملك: فقبل رأسي وأنا أطلقك، قال: وتطلق معي جميع أسارى المسلمين؟ قال: نعم، وأطلق جميع أسارى المسلمين، فقبل رأسه فأطلقه وأطلق معه جميع أسارى المسلمين عنده، فلما رجع قال عمر بن الخطاب ﵁: حق على كل مسلم أن يقبل رأس عبد الله بن حذافة وأنا أبدأ، فقام فقبل رأسه ﵄.
стр. 63
قصة كعب بن مالك
من مظاهر الولاء والبراء ما وقع في قصة كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه، فحينما أمر النبي ﷺ الصحابة أن يهجروا كعب بن مالك وصاحبيه؛ لتخلفهم عن غزوة تبوك، فلم يكلموهم، ولم يسلموا عليهم، ف كعب بن مالك هجره كل الناس حتى زوجته، يقول كعب: فبينما أنا أمشي بسوق المدينة إذا نبطي من أنباط أهل الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدل على كعب بن مالك؟! فطفق الناس يشيرون إليه، يعني: هذا هو كعب بن مالك احتياطاً في تنفيذ أمر الرسول ﷺ بعدم الكلام معه، فلم يتكلموا، ولكن أشاروا فقط بدون الكلام؛ لأن النبي ﷺ نهاهم عن الكلام معه، يقول: حتى إذا جاءني دفع إلي كتاباً من ملك غسان.
انظروا إلى سرعة التجسس، فقد وصل إلى ملك غسان أن هؤلاء الثلاثة قد قاطعهم النبي ﷺ والصحابة، وشق ذلك عليهم مشقة شديدة، فقد استمرت المقاطعة لمدة خمسين يوماً.
يقول: فإذا فيه: أما بعد: فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك.
فقلت لما قرأتها: وهذا أيضاً من البلاء، فيممت بها التنور -الفرن- فسجرتها.
أي: فأشعل النار في هذا الكتاب.
وهذا أيضاً من أعظم مظاهر الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين رغم هذا الإغراء من عدو الله اللعين، وقد أخبر رسول الله ﷺ أن من علامات الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما.
стр. 64
قصة عبد الله بن عبد الله بن أبي
من مظاهر الولاء والبراء ما كان من عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول، يقول جابر بن عبد الله: (كنا في غزاة فكسع رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار فقال الأنصاري: يا للأنصار! وقال المهاجري: يا للمهاجرين! فقال رسول الله ﷺ : ما بال دعوى الجاهلية؟! قالوا: يا رسول الله كسع رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار.
فقال: دعوها فإنها منتنة) يعني: دعوى الجاهلية، فسمعها عبد الله بن أبي فأشعل نار الفتنة عندما سمع بهذا الحديث فقال: قد فعلوها! فوالله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فقال عمر: دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال ﷺ : (دعه لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه).
فلما بلغ عبد الله بن عبد الله بن أبي ما كان من أبيه أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! بلغني أنك تريد قتل عبد الله بن أبي فيما بلغك عنه، فإن كنت فاعلاً فمرني به، فأنا أحمل إليك رأسه، فوالله! لقد علمت الخزرج ما كان لها من رجل أبر بوالديه مني، وإني أخشى أن تأمر به غيري فيقتله فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل أبي عبد الله بن أبي يمشي في الناس فأقتله، فأقتل مؤمناً بكافر فأدخل النار، فقال رسول الله ﷺ : (بل نترفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا).
وقد ذكر عكرمة وغيره أن الناس لما قفلوا راجعين إلى المدينة من الغزو وقف عبد الله بن عبد الله بن أبي على باب المدينة، واستل سيفه، وجعل الناس يمرون عليه، فلما جاء أبوه المنافق قال له ابنه: وراءك! يعني: لم يسمح له بالمرور، فقال: ما لك ويلك؟! قال: والله! لا تجوز من هاهنا حتى يأذن لك رسول الله ﷺ .
وظاهر الحديث يدل على أن الرسول ﵊ كان يسير خلف أصحابه؛ لأن الناس كانوا يمرون ولم يكن الرسول ﵊ قد دخل بعد، فقال له: لا تجوز من ها هنا حتى يأذن لك رسول الله ﷺ ، ولما أتى الرسول ﷺ أذن له بالدخول.
стр. 65
من قصص المتأخرين في الولاء والبراء
من مواقف الولاء ما حكاه الأستاذ عبد الله عفيفي في بعض كتبه، يحكي قصة من القصص التي عاشها ورآها بنفسه يقول: في أصيل يوم من صيف سنة (١٩١٤م) كنت واقفاً في جمهور الواقفين في محطة طنطا أترقب القطار القادم من الإسكندرية لأركبه إلى القاهرة، لقد كان كل الواقفين في شغل في تلك الدقائق المعدودات في توديع وإشفاق وترقب وانتظار وحمل متاع، وكنت في شغل بصديق يجاذبني حديثاً شيقاً ممتعاً، وفي تلك اللحظات الفانية وبين ذلك الجمع المحتشد راع الناس صياح وأصوات، وتردد واضطراب ومسابة ومدافعة، ثم أسكتوا، فإذا فتاة في السابعة عشرة من عمرها يقودها إلى موقف القطار شرطي عات شديد، وساع من سعاة معتمد الدول قوي عتيد، ومن خلفها شيخ أوروبي جاوز الستين، مكتئب مهموم، وهي تدافع الرجلين حولها بيدين لا حول لهما، أقبل القطار ثم وقف، فكاد كل ينسى بذلك الموقف موقفه وما حصل له، ثم أقعدت الفتاة، وصعد معها من حولها، وعجلت أنا وصاحبي فأخذنا مقاعدنا حيث أخذوا مقاعدهم، كل ذلك والفتاة على حال من الحزن والكرب لا يجمل معها الصبر، ولا يحمد منها الصمت، سألت الشيخ: ما خطبه؟ وما أمر الفتاة؟ فقال وقد أطرقه الدمع وقطع صوته الأسى: إنني رجل أسباني، وتلك ابنتي، عرض لها منذ حين ما لم أعلمه، فصحوت ذات صباح على صوتها تصلي صلاة المرأة المسلمة، ومنذ ذلك اليوم احتجزت ثيابها لتتولى أمر غسلها، وأرسلت خمارها الأبيض على صفحتي وجهها وثغرها، ثم أخذت تقضي وقتها في صلاة وصيام وسجود، وكانت تدعى رون، فأبت إلا أن تسمى فاطمة، وما لبثت أن تبعتها أختها الصغرى، وصارت أشبه بها من القطرة بالقطرة والزهرة بالزهرة، ففجعت لهول ذلك الأمر، وقصدت أحد أساقفتنا، فأخذ يعاني رياضتها ولم يجد إلا ثباتاً وامتناعاً، وعزت على هذا القسيس شيبته، فكتب إلى معتمد الدولة الأسبانية بأمر الفتاة الخارجة عن دينها، وهنالك أمر المعتمد حكومة مصر فساقت إليه الفتاة كما ترى برغمها ورغم أبيها ليقذف بها بين جوانب الدير تسترد فيها دينها القديم، قلت: أو أرضاك أن تساق ابنتك سوق الآثمات المجرمات على غير إثم ولا جريمة؟ فزفر الرجل زفرة كادت تجزع لها قلبه وأحناء ضلوعه، ثم قال: لقد خدعت، وغلب أمر الحكومتين أمري، فما عساني أفعل؟! على أثر ذلك انثنيت إلى الفتاة وهي تعالج من أهوال الحزن وأثقاله ما تخشع الراسيات دون احتماله، فقلت: ما بالك يا فاطمة؟! وكأنها أنست مني ما لم تأنسه ممن حولها، فأجابتني بصوت يتعثر من الضنا: لنا جيرة مسلمون أذهب إليهم فأستمع أمر دينهم، حتى إذا أخذني النوم ذات ليلة، رأيت النبي محمداً ﷺ في هالة من النور يقول وهو يلوح إلي بيده: اقتربي يا فاطمة.
يقول: ولو أنك أبصرتها وهي تنطق باسم النبي محمد ﷺ ؛ لرأيت رعدة تمشي بين أعطافها وأطرافها حتى تنتهي إلى أسنانها فتخالف بينها، وإلى لسانها فتعقله، وإلى وجهها فتحيل لونه، فلم تكد تستتم كلمتها حتى أخذتها رجفة فهوت على مقعدها كأنها دماء منسكبة إلى ذلك الحد! وغشي الناس ما غشيهم من الحزن، وأبصرت بشيخ يتمشى في ردهة القطار، فطلبت منه أن يؤذن في أذنها، فلما انتهى إلى قوله: أشهد أن محمداً رسول الله، تنفست الصعداء، وأمعنت بالبكاء، وعاودتها سيرتها الأولى، فلما أفاقت قلت لها: ومم تخافين وتفزعين؟! قالت: إنه سيؤمر بي إلى دير حيث ينهلون من السياط دمي، ولست من ذلك أخاف إلا أن أخوف ما أخاف يومئذ أن يحال بيني وبين صلاتي ونسكي، فقلت لها: يا فاطمة! أولا أدلك على خير من ذلك؟! قالت: أجل، قلت: إن حكم الإسلام على القلوب، فما عليك لو أقررت بين يدي المعتمد بدينك القديم، وأودعت الإسلام بين شغاف قلبك حتى لا يفوتك أن تقيمي شعائره حيث تشائين، وهنالك نظرت إلي نظرة ازدراء حتى خشيت على نفسي، ثم قالت: دون ذلك حز الأعناق، وتفصيل المفاصل.
يعني: فإنني إن أطعت نفسي عصاني لساني، وكان ضلالاً ما توصلت به أنا وأبوها ومن حولها، يقول: كان ذلك حتى أوفينا على القاهرة، فحيل دونها، ولم أعلم بعد ذلك شيئاًَ من أمر فاطمة؛ لأني لم أستطع أن أعلم، رحمة الله وبركاته عليك يا فاطمة، فما أنت بأولى سديدات الرأي الحر والإيمان الوثيق.
قد أطلنا في هذه القضية لما ترون من أهميتها البالغة، وإن شاء الله نفرد الكلام عن السفر إلى الخارج، ونريد ممن لهم تجارب في هذا الأمر أن ينصحوا لنا؛ نظراً لأن كثيراً من الناس تعشش في عقله بعض هذه الأفكار، وصاروا ينظرون إلى هذا الجانب حسناً، ويتغافلون عن كثير من الفساد والضياع والانهيار الذي يلقاه من يذهب إلى بلاد الكفار وهو غير مسلح بالإيمان.
стр. 66
أهمية الحديث عن الولاء والبراء في الإسلام
قد أطلنا في هذه القضية لما ترون من أهميتها البالغة، وإن شاء الله نفرد الكلام عن السفر إلى الخارج، ونريد ممن لهم تجارب في هذا الأمر أن ينصحوا لنا؛ نظراً لأن كثيراً من الناس تعشش في عقله بعض هذه الأفكار، وصاروا ينظرون إلى هذا الجانب حسناً، ويتغافلون عن كثير من الفساد والضياع والانهيار الذي يلقاه من يذهب إلى بلاد الكفار وهو غير مسلح بالإيمان.
قضية الولاء والبراء أحد قلاع التوحيد، وأحد أركان الإيمان التي يجب على كل مسلم أن يفهمها وأن يطبقها في عقيدته وفي معاملاته مع من حوله، وككل مسائل العقيدة تكون لها مساحة واسعة في كتاب الله وفي سنة رسول الله ﷺ للتأكيد على معانيها وتوضيحها حتى لا يلتبس الأمر على أحد، فكل مسائل العقيدة موضحة مبينة في القرآن الكريم في غير موضع، وربما تكون آيات الأحكام معدودة ومعروفة مواطنها، وآيات العقيدة تنتشر في أكثر سور القرآن، ويتبين لنا بذلك أهمية الموضوع الذي تتناوله، ومن هذه القضايا قضية الولاء والبراء، من نوالي ومن نعادي، من نحب ومن نبغض، وسنبين بإذن الله ﵎ أهمية عقيدة الولاء والبراء من آيات الله ومن أحاديث المصطفى ﷺ .
стр. 67
الولاء والبراء في نصوص السنة
أحاديث النبي ﷺ في الولاء والبراء كثيرة، منها ما رواه الإمام أحمد بسند حسن عن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ أن النبي ﷺ (بايعه على أن ينصح لكل مسلم، وأن يبرأ من الكفار).
وروى ابن أبي شيبة بإسناد حسن عن النبي ﷺ أنه قال: (أوثق عرى الإيمان: الحب في الله، والبغض في الله).
وعن ابن عباس ﵁ أنه قال: لن يذوق عبد طعم الإيمان حتى يحب في الله ويبغض في الله، وقال: من أحب في الله وأبغض في الله ووالى في الله وعادى في الله فإنما تنال ولاية الله بذلك، ولن يذوق عبد طعم الإيمان وإن كثرت صلاته وصيامه حتى يكون كذلك، وأما عامة مؤاخاة الناس اليوم فقد صارت على أمر الدنيا، وذلك لا يغني عنهم شيئاً.
فإذا كان على عهد ابن عباس قد صار أمر مؤاخاة الناس على أمر الدنيا فكيف بزماننا هذا؟! فلابد لنا أن نفهم هذه القضية، وأن نفهم معناها ونلتزم بها، ونعلم معالم الموالاة وصورها التي يجب على المسلم أن يفهمها وأن يلتزم بها.
стр. 68
الولاء والبراء في نصوص القرآن
بين الله أن من يتخذ اليهود والنصارى وكذا من سواهم من الكفار أولياء فإنه منهم والعياذ بالله، ومقتضى ذلك أن من تولاهم فإنه يكون كافراً مثلهم والعياذ بالله، قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة:٥١].
وقال الله في سورة آل عمران ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾ [آل عمران:٢٨] أي: فالله بريء منه، وهذا والعياذ بالله وعيد شديد على من اتخذ الكفار أولياء، ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [آل عمران:٢٨]، استثنى الله التقاة، وسيأتي بيانها وما يجوز منها إن شاء الله.
وقال الله في بيان لمن تكون هذه الموالاة: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة:٥٦].
فانتماء المسلم واضح بين بهذه الآية الكريمة، فهو لا يقف تحت أي راية ولا يكون في أي حزب إلا حزب الله الذي بين الله صفته بقوله: (الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ).
وبين الله أن الإيمان لا يجتمع مع مودة الكافرين ولو كانوا من الأهل والإخوان والآباء والأمهات ومن سواهم من الأقارب، فقال : ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة:٢٢] أي: الذين عادوا من كفر بالله ومن حاد الله ورسوله ولو كانوا من الأهل والأبناء والإخوان هؤلاء كتب الله في قلوبهم الإيمان، وأيدهم بروح منه، ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار، ثم أخبر برضاه عنهم فقال: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة:٢٢].
وقال محذراً المؤمنين من مغبة اتخاذ أعدائه وأعدائهم أولياء، وعاقبة ذلك في الدنيا والآخرة، ويكشف لهم ما في قلوب هؤلاء الأعداء فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ * إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ * لَنْ تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة:١ - ٤].
وقال عن إمام الحنفاء إبراهيم الخليل: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف:٢٦ - ٢٨].
قال المفسرون: هي كلمة لا إله إلا الله، فجعل الله تفسير كلمة التوحيد أنها البراءة من الشرك وأهله، وأنها تولي الله باتخاذه مولى لا مولى للمؤمنين سواه ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد:١١].
وبين الله أن من اتخذ الكفار أولياء فإنه ملعون مسخوط عليه من الله فقال: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ * تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ * وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [المائدة:٧٨ - ٨١].
стр. 69
معنى الولاء
كلمة الولاء تطلق على معان كثيرة كما ذكر أهل العلم من أهل اللغة، جاء في لسان العرب: الموالاة كما قال ابن الأعرابي: أن يتشاجر اثنان فيدخل ثالث بينهما للصلح، فيكون له في أحدهما هوى فيجاريه أو يحابيه، ووالى فلان فلاناً إذا أحبه، والمولى اسم يطلق على معان كثيرة منها الرب والمالك والسيد والمنعم والمعتق والناصر والمحب والتابع والجار وابن العم والحليف الذي معه حلف مع صاحبه والمتعاقد معه على النصرة والصهر والعدل والمعتق والمنعم عليهم.
هذه معاني الموالاة، وهي تدور في مختلف صورها على معنى القرب، يقال: ولي فلان فلاناً إذا قرب منه أو إذا تابعه، وأهم معانيها الحب والنصرة، والله قد بين في غير موضع أن الحب لابد أن يكون لله وفي الله كما قال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ [المائدة:٥٤].
وقال رسول الله ﵌ في وجوب الحب في الله: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود إلى الكفر كما يكره أن يقذف في النار).
فأول شيء في الموالاة الحب في الله والبغض في الله، فلابد للمؤمن أن يحب المؤمنين، وأن يحب الله حب العبادة، وأن يحب الرسول ﷺ والمؤمنين حباً في الله ، فهذا الحب تابع وأثر من آثار حب المؤمن لربه .