← Акыда

Акыда · id 36991

عقيدة الولاء والبراء - المقدم

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (69 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

عقيدة الولاء والبراء [١] الولاء والبراء مبدأ أصيل من مبادئ الإسلام ومقتضيات (لا إله إلا الله)، فلا يصح إيمان أحد إلا إذا والى أولياء الله، وعادى أعداء الله. وقد فرطت الأمة الإسلامية اليوم في هذا المبدأ الأصيل، فوالت أعداء الله، وتبرأت من أولياء الله؛ ولأجل ذلك أصابها الذل والهزيمة والخنوع لأعداء الله، وظهرت فيها مظاهر البعد والانحراف عن الإسلام، ولن تعود الأمة إلى سالف مجدها إلا إذا حققت كلمة التوحيد بكل مقتضياتها ومفاهيمها، ومن أعظمها وأجلها مفهوم الولاء والبراء.

стр. 2

تميز حقوق المسلمين فيما بينهم بالولاء الكامل الحمد لله أحمده حمداً دائماً بلا فترة، وأشكره على نعمه التي لا تحصى كثرة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة ندخرها نجاة من عذاب الفترة، وسلاماً من العدو في العسرة واليسرة، نحمده على نعماه، ونصلي على عبده ورسوله محمد الذي اختاره واجتباه، وأحبه وارتضاه، وعظمه وكرمه، ورفعه على من سواه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن اتبع هداه. أما بعد: فقد روى أبو داود في سننه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : (المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، ويجير عليهم أقصاهم، وهم يد على من سواهم، يرد مشدهم على مضعفهم، ومتسريهم على قاعدهم، ولا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده). هذا الحديث رواه أيضاً ابن ماجة والنسائي عن قيس بن عباد قال: انطلقت أنا والأشتر إلى علي ﵁ فقلنا: هل عهد إليك رسول الله ﷺ شيئاً لم يعهده إلى الناس عامة؟ فقال: لا، إلا ما في كتابي هذا. قال مسدد: فأخرج كتاباً، وقال أحمد: كتاباً من قراب سيفه، فإذا فيه: (المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، ويجير عليهم أقصاهم، وهم يد على من سواهم، يرد مشدهم على مضعفهم، ومتسريهم على قاعدهم، ولا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده)، وزاد في روايته: (من أحدث حدثاً فعلى نفسه، ومن أحدث حدثاً أو آوى محدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين). هذا الخبر رواه قيس بن عباد، وهو مخضرم، قال: (انطلقت أنا والأشتر) هو مالك بن الحارث بن عبد يغوث النخعي الكوفي، المعروف بـ الأشتر، أدرك الجاهلية، وكان من أصحاب علي ﵁ من تابعي أهل الكوفة، وشهد مع علي الجمل وصفين ومشاهده كلها، وولاه علي مصر، فلما كان بالقلزم شرب شربة عسل فمات. وقال العجلي في الأشتر: كوفي تابعي ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات. قوله: (إلى علي) يعني: انصرف إلى علي بن أبي طالب ﵁، (فقلنا: هل عهد إليك رسول الله ﷺ أي: هل أوصاك رسول الله ﷺ (شيئاً لم يعهده إلى الناس عامة؟ قال: لا، إلا ما في كتابي هذا) يعني: فهو عندي ليس عند غيري، قال مسدد: (فأخرج كتاباً) أي: أخرج علي كتاباً، وكان في هذا الكتاب ما خصه النبي ﷺ به، وفي لفظ: (من قراب سيفه، فإذا فيه) يعني في هذا الكتاب، وهو الذي عهد به رسول الله ﷺ إلى علي ﵁ (المسلمون تتكافأ دماؤهم) وفي لفظ: (المؤمنون تكافأ دماؤهم) بحذف إحدى التاءين. والتكافؤ: التماثل والتساوي، قال في شرح السنة: يريد به أن دماء المسلمين متساوية في القصاص، يقاد الشريف منهم بالوضيع، والكبير بالصغير، والعالم بالجاهل، والمرأة بالرجل، وإن كان المقتول شريفاً أو عالماً والقاتل وضيعاً أو جاهلاً، ولا يقتل به غير قاتله، وهذا على خلاف ما كان يفعله أهل الجاهلية، كانوا لا يرضون في دم الشريف من دم قاتله الوضيع حتى يقتلوا عدة من قبيلة القاتل. قوله: (ويسعى بذمتهم) الذمة: هي الأمان، ومنه سمي المعاهد ذمياً؛ لأنه أمن على ماله ودمه بالجزية، (أدناهم) أي: أقلهم، فدخل كل وضيع بالنص، ودخل كل شريف بالفحوى، فإذا كان هذا في حق أدنى المسلمين منزلة فكيف بأشرفهم فمن باب الأولى أن تراعى ذمته. و (أدناهم) قيل: أقلهم عدداً وهو الواحد، أو أقلهم رتبة وهو العبد، والمعنى: إذا أعطى أدنى رجل من المسلمين أماناً فليس للباقين إخفاره، أو ليس لهم نقض عهده وأمانه، فلو أن واحداً من المسلمين أمن كافراً، حرم على عامة المسلمين دمه، وإن كان هذا المجير أدناهم وأقل المسلمين منزلة، مثل أن يكون عبداً، أو امرأة، أو عتيقاً، أو أجيراً تابعاً، أو نحو ذلك، فلا تخفر ذمته. وفي الجامع الصغير: (فيجير على أمتي أدناهم)، أي: أقلهم منزلة يكون ممن يجير. وقد روى مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قوله ﷺ : (إن ذمة المسلمين واحدة)، فإذا أمن واحد من المسلمين كافراً وأجاره؛ لزم باقي المسلمين أن يراعوا هذا العهد، وهذه الذمة، فلا يعتدي على هذا الذي أمنه أي واحد من المسلمين، حتى ولو كان وضيعاً أو عبداً أو حتى امرأة، ففي الحديث: (إن ذمة المسلمين واحدة، فمن أخفر مسلماً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين). وروى الشيخان عن أم هانئ ﵂ في عام الفتح قالت: (قلت: يا رسول الله! زعم ابن أمي علي بن أبي طالب أنه قاتل رجلاً قد أجرته، فلان بن هبيرة، فقال رسول الله ﷺ : قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ). ثم قال ﷺ : (ويجير عليهم أقصاهم) أي: إذا وجه الإمام سرية فأجاروا أحداً أجاره أيضاً الإمام. قوله: (ويرد سراياهم على قعدتهم) أو (يرد متسريهم على قاعدهم) القعيدة: هي الجيوش التي تخرج وتمضي في دار الحرب، فيبعثون سراياهم إلى العدو، فما غنمت يرد منه على القاعدين حصتهم؛ لأنهم كانوا ردءاً لهم، مثلاً: خرج الجيش الإسلامي خارج ديار الإسلام للحرب في ديار المشركين، فسرية جلست تكون ردءاً وحماية ووقاية للذين خرجوا، والأخرى خرجت لقتال الأعداء، فإذا غنم هؤلاء المجاهدون فيرد من الغنيمة على الذين كانوا ردءاً لهم؛ لأنهم خرجوا معهم، وكانوا يحمونهم. قال ﷺ : (وهم يد على من سواهم) أي: أن المؤمنين يد واحدة على من سواهم من غير المؤمنين، وهذا كأنه دليل لما قبله من الأحكام؛ لأن المؤمنين يد على من سواهم، فهم متعاونون متناصرون، مجتمعون يداً واحدة على غيرهم من أرباب الملل والأديان، فلا يسع أحداً منهم أن يتقاعد ويتخاذل عن نصرة أخيه المسلم. ثم يمضي النبي ﷺ في بيان هذا المعنى وتأكيده فيقول: (يرد مشدهم على مضعفهم) المشد: هو الذي دوابه شديدة قوية، والمضعف: هو الذي دوابه ضعاف، بمعنى: أن القوي من الغزاة يساعد الضعيف فيما يكسبه من الغنيمة، كإنسان كان قوياً في جهاده وفي حربه، فإذا غنم غنيمة فإنه يرد منها على الضعيف الذي يضعف عما يستطيعه هو، فإذا كان الأقوياء والضعفاء في القتال لهم الغنيمة، فيصيرون كلهم فيها شركاء على السوية. ثم قال ﷺ : ومتسريهم على قاعدهم المتسري: هو الذي خرج من الجيش الذي مضى في السرية إلى قصد قتال العدو، وهم طائفة من الجيش يوجهون في الغزو، ويشترط في القاعد أن يكون قاعداً في الجيش الخارج للقتال، لا أن يكون مقيماً في دار الإسلام، بل يكون خرج معهم، لكنهم انقسموا إلى فريقين: فريق ذهب لقتال الأعداء، وفريق مكث يحميهم ويكون ردءاً لهم، وأيضاً هم يشتركون في الغنيمة. ثم قال: (ولا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده)، ثم قال ﷺ : (من أحدث حدثاً فعلى نفسه، ومن أحدث حدثاً أو آوى محدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين)، وقال النبي ﵊ في حديث آخر: (لعن الله من آوى محدثاً)، والمقصود بالحدث: الخيانة والجرم. قوله: (فعلى نفسه) أي: من جنى جناية كان مأخوذاً بها، ولا يؤخذ بجريمة غيره، (أو آوى محدثاً) أي: ضمه وحماه، وآوى الجاني من قتله، وحال بينه وبين أن يقام عليه الحد من القصاص أو غيره، فالإيواء: هو التقرير عليه والرضا به.

стр. 3

الولاء والبراء عصب كلمة التوحيد وأساسها من فضائل سورة (الكافرون) أنها براءة من الشرك؛ ولذلك أمر النبي ﷺ من ينام أن يختم أذكار النوم بقراءة هذه السورة، قال: (فإنها براءة من الشرك)، ومن رحمة الله وعظيم لطفه بخلقه، أن جعل هذه الرسالة المحمدية خاتمة الرسالات السماوية، وجعلها كاملة صافية نقية، لا يزيغ عنها إلا هالك، وكتب تبارك اسمه وتعالى جده السعادة في الدارين لأتباع الرسالة، الذين قدروها حق قدرها، وقاموا بها على وفق ما أراد الله، وعلى هدي نبي الله ﷺ ، وسماهم أولياء الله وحزبه، وكتب الشقاء والذلة على من حاد عن هذه الشريعة، وتنكب الصراط المستقيم، وسماهم أولياء الشيطان وجنده، وأصل هذه الرسالة وأصل الأصول في دين الإسلام هو كلمة التوحيد: لا إله إلا الله محمد رسول الله. هذه الكلمة الطيبة التي يقول فيها الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: لأجلها نصبت الموازين، ووضعت الدواوين، وقام سوق الجنة والنار، وبها انقسمت الخليقة إلى المؤمنين والكفار، والأبرار والفجار، وأسست الملة، ولأجلها جردت سيوف الجهاد، وهي حق الله على جميع العباد. حقيقة هذه الكلمة مركبة من معرفة ما جاء به الرسول ﷺ علماً، والتصديق به عقداً، والإقرار به نطقاً، والانقياد له محبة وخضوعاً، والعمل به ظاهراً وباطناً، وتنفيذه والدعوة إليه بحسب الإمكان، وتنال الالتزام بهذا كله وتنال هذا التوحيد بالحب في الله، والبغض في الله، والعطاء لله، والمنع لله، وأن يكون الله وحده إلهه ومعبوده، والطريق إلى ذلك هو تجريد متابعة الرسول ﷺ ظاهراً وباطناً، وتغميض عين القلب عن الالتفات إلى سوى الله ورسوله ﷺ . هذه الكلمة بكل مفاهيمها ومقتضياتها -أو بجل ذلك- قد غابت عن حس الناس اليوم إلا من رحم الله، ومن هذه المفاهيم الأساسية التي ترتبط بهذه الكلمة: مفهوم الولاء والبراء.

стр. 4

بعض مظاهر التفريط في مبدأ الولاء والبراء من مظاهر الفساد الذي عاث في الأمة وغرقت فيه بعد أن تخلت عن مفهوم الولاء والبراء الأساسي لعقيدة التوحيد أن وقع كثير من المسلمين في محبة الكفار وتعظيمهم ونصرتهم على أولياء الله، وتنحية شريعة الله عن الحكم في الأرض، ورميها بالقشور والجمود، وعدم موافقة العقل والتقدم الحضاري. ومن هذه المظاهر أيضاً: استيراد القوانين الكافرة شرقية كانت أو غريبة، وإحلالها محل شريعة الله الغراء، وغمز كل مسلم يطالب بشرع الله بالتعفن والرجعية والتخلف والتطرف. ومن مظاهر هذا أيضاً: التشكيك في سنة رسول الله ﷺ ، والطعن في دواوينها الكريمة، والحط من قدر أولئك الرجال الأعلام الذين خدموا هذه السنة حتى وصلت إلينا. ومن ذلك أيضاً: أن قامت دعوات جاهلية جديدة تعتبر ردة في حياة المسلمين، مثل الدعوة إلى القومية العربية، أو الشورانية، أو الهندية، أو أي نوع من هذه القوميات الجاهلية التي وصفها النبي ﷺ بأنها منتنة. ومن ذلك أيضاً: إفساد المجتمعات الإسلامية عن طريق وسائل التربية والتعليم، وسموم الغزو الفكري في المناهج الإعلامية والتربوية بكل أصنافها. أمام هذه الصور الكثيرة يحار المسلم حينما يتأمل في واقع المسلمين، وحينما ينظر في منابع الإسلام الصافية فيتساءل: لمن يكون ولاء المسلم؟ ولمن يكون عداؤه؟ ممن يتبرأ؟ ما حكم من يقع ويتورط في موالاة الكفار واتخاذهم أخداناً وأصحاباً ورفاقاً؟ وما حكم الإسلام في هذه المناهج الكفرية التي يروج لها المستغفلون أو الحاقدون ممن هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا، وما هم إلا دعاة على أبواب جهنم كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ فحصل مسخ في تصورات المسلمين، حتى صار بعضهم يظن أن من أقر بتوحيد الربوبية وبأن هناك إلهاً، وأن مجرد الإيمان بوجود الله يكفي، ويسمون ذلك إيماناً، حتى إن أحدهم ترجم كتاباً ألفه بعض علماء العلوم الطبيعية وسماه: العلم يدعو إلى الإيمان؛ وأصل الكتاب: الإنسان لا يقوم وحده، وما في الكتاب إلا إثبات توحيد الربوبية، فكل عالم -مثلاً- في التشريح أو في النباتات أو في أي علم من العلوم الطبيعية، يحكي كيف توصل إلى معرفة وجود الله عن طريق آيات الله الكونية، وهذا اكتشاف للحقائق، الله وضعها في الآفاق وفي أنفسنا لنستدل بها على قدرته، ولنتدرج منها إلى الوصول إلى توحيد العبادة، فكما لا يخلق إلا الله إذاً لا يُعبد إلا الله، كما لا يرزق إلا الله إذاً لا يُعبد إلا الله وحده، فكثير من الناس يظن أن اليهودي أو النصراني لأنه مؤمن بوجود الله؛ فإنه بذلك يطلق عليه لفظ الإيمان. نقول: الله مع وجود جزئيات من الإيمان عند الكفار ومع ذلك قال: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة:٢٩]؛ مع أنهم قد يؤمنون باليوم الآخر، قد يؤمنون بالبعث والنشور، لكن الإيمان عبارة عن حقيقة كلية تتركب من أجزاء، وهذه الأجزاء مترابطة فيما بينها ومتشابكة بحيث لا ينفك أحدها عن الآخر، فإذا زال أحدها زال الجميع، ومن أجل ذلك يقول الله : ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء:١٢٣]، مع أنه أتاهم رسول واحد، لكن الكفر برسول واحد يصح أن يطلق على من يتلفظ به أنه كافر بجميع الرسل، وكذلك النصارى لما كفروا بمحمد ﷺ صاروا كالكافرين كفراً كلياً؛ لأنهم أيضاً لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، فمن انهدم عنده جزء من هذه الحقيقة الكلية انهدمت حقيقة الإيمان كلها؛ ولذلك قال الله : ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة:٢٩]. فالإنسان لا بد أن يفهم من لا إله إلا الله أنه: لا معبود بحق إلا الله ، فالمفهوم الذي يشيع عند كثير من المسلمين أن التوحيد إنما هو توحيد الربوبية، هذا التوحيد كان موجوداً عند مشركي مكة، فقد كانوا يؤمنون بوجود الله؛ لكن كانوا يشركون معه غيره في العبادة. فكون (لا إله إلا لله) فيها ولاء وبراء، وكون (لا إله إلا الله) معناها: توحيد الألوهية والعبادة، هذه معان كادت أن لا تخطر على كثير من الناس إلا من رحم الله. فالإنسان لا يستقيم له إسلام، ولا يصح له إسلام، ولو قال بالتوحيد ونفى الشرك عن نفسه، إلا بعداوة المشركين وموالاة المؤمنين، يقول الله : ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة:٢٢]، فأصل الموالاة الحب، وأصل المعاداة البغض، وينشأ عنهما من أعمال القلوب والجوارح ما يدخل في حقيقة الموالاة والمعادة؛ كالنصرة والأنس والمعاونة والجهاد والهجرة ونحو ذلك.

стр. 5

حال الأمة الإسلامية مع مبدأ الولاء والبراء لقد تغير لدى كثير من المسلمين في هذا الزمان مفهوم الولاء والبراء، وبعد عهدهم عن فهمه، ونوع هذا الجهل والتفريط في حق هذه الحقيقة لا يغير من هذه الحقيقة الناصعة شيئاً؛ لأن الولاء والبراء هما الصورة الفعلية التطبيقية الواقعية لعقيدة لا إله إلا الله محمد رسول الله، فهو مفهوم ضخم في حفظ المسلم لمقدار ضخامة وعظمة هذه العقيدة، ولن تتحقق كلمة التوحيد في الأرض إلا بتحقيق الولاء لمن يستحقون الولاء، والبراء ممن يستحقون البراء، هذه القضية ليست تندرج -كما يحسب بعض الناس- في القضايا الجزئية أو الثانوية، ولكنها قضية إيمان وكفر، كما قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة:٢٣ - ٢٤]، وقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة:٥١]. يقول الشيخ حمد بن عتيق رحمه الله تعالى: إنه ليس في كتاب الله حكم فيه من الأدلة أكثر ولا أبين من هذا الحكم -أي: حكم الولاء والبراء- بعد وجوب التوحيد وتحريم ضده. أي: أنه لا يوجد حكم في القرآن بعد التوحيد وتحريم الشرك الذي هو ضد التوحيد، لا يوجد حكم أوضح وأقوى وأكثر أدلة من هذا الحكم، الذي هو موالاة المؤمنين ومعاداة المشركين. لقد قامت الأمة الإسلامية بقيادة البشرية دهراً طويلاً، حيث نشأت هذه العقيدة الغراء في ربوع المعمورة وأخرجت بالفعل الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ثم ما الذي حدث بعد ذلك؟ لقد تقهقرت هذه الأمة إلى الوراء، بعد أن تركت الجهاد، وأخذت بأذناب البقر، حينما اشتغلوا بالزرع بمتاهات أمور الدنيا، وتراجعت بعد أن زهدت في الجهاد الذي هو ذروة سنام الإسلام، ثم تبعت الأمم الأخرى وصارت في ذيلها بعد أن ركنت إلى حياة الدعة والرفاهية والبذخ والمجون، ثم تبلبلت الأفكار بعد أن خلطت نبعها الصافي بالفلسفات الجاهلية والهرطقة البشرية، ثم دخلت هذه الأمة في طاعة الكافرين، واطمأنت إليهم، وطلبت صلاح دنياها بذهاب دينها؛ فخسرت الدنيا والآخرة، وموالاة الكفار هي منبع هذا الفساد والخسارة، كما قال الله : ﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ﴾ [الأنفال:٧٣] يعني: إلا تراعوا حدود الولاء والبراء، ﴿تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ [الأنفال:٧٣].

стр. 6

أدلة الكتاب والسنة على أن الولاء والبراء من صميم عقيدة التوحيد الولاء والبراء من أعظم لوازم ومقتضيات كلمة لا إله إلا الله، قال الله : ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [آل عمران:٢٨]، ويقول : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:٣١ - ٣٢]. ويقول مبيناً حقيقة أعداء الله من اليهود والنصارى ومن عداهم من المشركين: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء:٨٩]، معلوم أن الإنسان أحياناً يكون إنساناً فاسداً، أو مستغرقاً في الشهوات والفساد وهو يعلم أن هذا فساد؛ لكن تجد الفاسد يحب أن يفسد غيره، فيكونون سواء في هذا الفساد، فتجده فاسداً في نفسه، ومفسداً لغيره حريصاً على إفساده، فهذا من مرض القلب، فالله الذي يطلع على قلوب هؤلاء الكفار، يخبر عما في قلوبهم فيقول: ((وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ)). ويقول : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة:٥١]، ويقول : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ [المائدة:٥٤]. أما الأحاديث فمنها: ما رواه الإمام أحمد عن جرير بن عبد الله البجلي ﵁: (أن رسول الله ﷺ بايعه وقال له: أن تنصح لكل مسلم، وتبرأ من كل كافر)، كان جرير ممن بايعوا النبي ﷺ بيعة خاصة على النصح لكل مسلم، وعلى أن يبرأ من كل كافر، حتى كان الرجل إذا أراد جرير أن يشتري منه شيئاً، أو باع له سلعة بسعر، وهو يرى أن السعر يستحق أكثر من ذلك، فيراجعه ويعطيه السعر الأغلى عملاً بهذا الحديث، حتى لو كان هو المشتري، فيزيد البائع لو علم أن السلعة تستحق أكثر من الثمن الذي طلبه البائع. وروى ابن أبي شيبة بسنده قال: قال رسول الله ﷺ : (أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله). وروى الطبراني في الكبير عن ابن عباس ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: (أوثق عرى الإيمان الموالاة في الله، والمعاداة في الله، والحب في الله، والبغض في الله). وعن ابن عباس ﵄ قال: (من أحب في الله، وأبغض في الله، ووالى في الله، وعادى في الله، فإنما تنال ولاية الله بذلك). إذاً هذه الأمور من أعظم ما تحصل به مرتبة ولاية الله : (من أحب في الله، وأبغض في الله، ووالى في الله، وعادى في الله؛ فإنما تنال ولاية الله بذلك، ولن يجد عبد طعم الإيمان وإن كثرت صلاته وصومه حتى يكون كذلك، وقد صارت مؤاخاة الناس على أمر الدنيا، وذلك لا يجدي على أهله شيئاً). قول ابن عباس ﵄: (ووالى في الله) هذا بيان للازم المحبة في الله؛ لأنه بدأ بقوله: من أحب في الله وأبغض في الله، والتطبيق العملي للحب القلبي أن يوالي في الله وأن يعادي في الله ، فهذا فيه إشارة إلى أن مجرد الحب لا يكفي؛ بل لا بد مع ذلك الحب القلبي من الموالاة باطناً وظاهراً؛ لأن هذه هي لوازم المحبة، وهي النصرة والإكرام والاحترام وأن يكون مع المحبوبين باطناً وظاهراً. وقوله: (وعادى في الله) هذا أيضاً لازم البغض في الله، وهو المعاداة فيه، أي: إظهار العداوة بالفعل والجهاد لأعداء الله، والبراءة منهم، والبعد عنهم باطناً وظاهراً، وهذا إشارة من ابن عباس ﵄ إلى أنه لا يكفي مجرد البغض؛ بل لا بد مع ذلك من الإتيان بلازمه، كما قال الله : ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة:٤]. فالولاء في الله: هو محبة الله، ونصرة دينه، ومحبة أوليائه ونصرتهم، والبراء هو بغض أعداء الله ومجاهدتهم، وعلى ذلك جاءت تسمية الشارع الحكيم للفريق الأول: بأولياء الله، وسمى الفريق الثاني: أولياء الشيطان، فقال : ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢٥٧]، وقال : ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ﴾ [النساء:٧٦]. إن أعداء الله تعالى يريدون بكل ما أوتوا من قوة أن يقضوا على هذا الأصل العظيم من أصول الإسلام، فنجد الملحدين واليهود والنصارى والشيوعيين وغيرهم من أعداء الله يريدون تغيير عقيدة المسلمين وتجريد شخصيتهم؛ حتى ينفذ مخططهم في جعلهم حميراً للشعب المختار؛ لأن اليهود يعتقدون أن كل الأمم عندهم عبارة عن حمير خلقوا ليستخدمهم اليهود كالحمير؛ لأنهم شعب الله المختار -زعموا- كما نصت على ذلك بروتوكولات حكماء صهيون. لقد طارت الدعوات الملحدة والمشبوهة لتقضي على هذا الأصل الأصيل، فنادى قوم بالأخوة وبالإنسانية والمساواة، وأن الدين لله، والوطن ليس لله، ويعبرون عنه بقولهم: الدين لله والوطن للجميع، والله يقول: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [آل عمران:١٨٩]. هذه الأدلة التي أسلفناها من الكتاب والسنة توضح أن الولاء والبراء من لوازم لا إله إلا الله، وكما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: إن تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله يقتضي: ألا يحب إلا لله، ولا يبغض إلا لله، ولا يوالي إلا لله، ولا يعادي إلا لله، وأن يحب ما أحبه الله، ويبغض ما أبغضه الله، ويوالي المؤمنين بأي مكان حلوا، ويعادي الكافرين ولو كانوا أقرب قريب.

стр. 7

مفهوم الولاء والبراء في اللغة والاصطلاح جاء في لسان العرب: يقول ابن الأعرابي: الموالاة: أن يتشاجر اثنان فيدخل ثالث بينهما للصلح، ويكون له في أحدهما هوى فيواليه أو يحابيه، فيقال: قد والاه، ووالى فلان فلاناً إذا أحبه. والمولى: اسم يطلق على معان كثيرة، منها الرب والمالك، والسيد، والمنعم، والمعتِق، والناصر، والمحب، والتابع، والجار، وابن العم، والحليف، والنزيل، والصهر، والعبد، والمعتَق، والمنعم عليه. ويلاحظ في كل هذه المعاني أنها تقوم على النصرة والمحبة والولاية في النسب والنصرة والعتق. والموالاة: من والى القوم موالاة، قال الشافعي في قوله ﷺ : (من كنت مولاه فـ علي مولاه): يعني بذلك ولاء الإسلام، كقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد:١١]. والموالاة: ضد المعاداة، والولي: ضد العدو، يقول الله حاكياً عن إبراهيم ﵇: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾ [مريم:٤٥]. قال ثعلب: كل من عبد شيئاً من دون الله فقد اتخذه ولياً، وقال : ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة:٢٥٧] أي: وليهم في نصرهم على عدوهم، وإظهار دينهم على دين مخالفيهم، وقيل: يتولى ثوابهم ومجازاتهم بحسن أعمالهم. والولي: القرب والدنو، والموالاة: المتابعة، والتولي يكون بمعنى الإعراض، ويكون بمعنى الاتباع، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا﴾ [محمد:٣٨] يعني: تعرضوا، ﴿يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ [محمد:٣٨]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة:٥١] يعني: يتبعهم وينصرهم. أما البراء: فيقال: برئ إذا تخلص، وبرئ إذا تنزه وتباعد، وبرئ إذا أعذر وأنذر، ومنه قوله تعالى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة:١] أي: إعذار وإنذار، وفي حديث أبي هريرة ﵁ لما دعاه عمر إلى العمل إلى أن يواليه فأبى أبو هريرة، فقال عمر: إن يوسف قد سأل العمل -أي: لما قال: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٥٥] فقال أبو هريرة: إن يوسف مني بريء، وأنا منه براء، يعني: أنا بريء عن أن أكون مساوياً له في الحكم، وأن أقاس به، يعني: أنا أقل من أن أقاس بيوسف ﵇، فمعنى البراءة هنا: أنا بريء عن مساواته في الحكم وأن أقاس به، ولم يرد براءة الولاية والمحبة؛ لأنه مأمور بالإيمان به. والولاء بالمعنى الاصطلاحي: هو النصرة والمحبة والإكرام والاحترام، والكون مع المحبوبين ظاهراً وباطناً، كما قال : ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ [البقرة:٢٥٧]، فموالاة الكفار تعني: التقرب إليهم، وإظهار الود لهم بالأقوال والأفعال والنوايا. أما البراء بالمعنى الاصطلاحي: فهو البعد والخلاص والعداوة بعد الإنذار والإعذار، يقول شيخ الإسلام: الولاية ضد العداوة، وأصل الولاية المحبة والقرب، وأصل العداوة البغض والبعد، والولي: القريب، يقال: هذا يلي هذا، أي: يقرب منه، ومنه قوله ﷺ : (ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فهو لأولى رجل ذكر)، يعني: لأقرب رجل إلى الميت. فإذا كان ولي الله هو الموافق والمتابع له حين يحبه ويرضاه، ويبغضه ويسخطه، ويأمر به وينهى عنه؛ كان المعادي لوليه معادياً له، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ [الممتحنة:١]، فمن عادى أولياء الله فقد عادى الله، ومن عادى الله فقد حاربه الله، كما جاء في الحديث القدسي: (من عادى لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة).

стр. 8

العداوة بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان العداوة بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان بدأت يوم أمر الله الملائكة بالسجود لآدم: ﴿فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٣٤]، من يومها قال الله : ﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [البقرة:٣٦]، وقال : ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [التغابن:٢]، فتكرر ذكر قصة آدم وإبليس في القرآن في سور كثيرة، في سورة البقرة والأعراف وغيرهما. وقد حذر الله من اتباع إبليس اللعين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة:٢٠٨]، وقال : ﴿يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف:٢٧]، وقال كاشفاً مخططه: ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء:١١٨]، وقال الله : ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ * أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [يس:٥٩ - ٦١]، فأي معصية أو شرك في الوجود إنما هو طاعة لإبليس؛ لأنه هو الذي يزينه وجنوده لعباد الله ، فيوقعهم في الشرك وفي المعاصي. وما زلنا نقرأ في كتب التفاسير وكتب التوحيد أن هذا هو تفسير عبادة الشيطان، وما كان الإنسان يتخيل أنه فعلاً يوجد أناس يعبدون الشيطان حقيقة، حتى أخبرني من أهل الخبرة أخ حديث عهد بأمريكا، أنه يوجد في بعض البلاد في أمريكا فئة تعبد الشيطان، ويسمون أنفسهم (ديفن) و (ستيفر)، أي: عباد الشيطان، ويذكر هذا الأخ الفاضل أن معهم معابد مخصوصة لها سقوف يعبدون فيها الشيطان، ويأتي بعض المغفلين -للأسف- من أبناء المسلمين أو المحسوبين على المسلمين يسمعون تلك الأغاني الأمريكية الساخرة ويرددونها، مع أن فيها مقاطع من عبادة الشيطان! فهم مثل الببغباوات، يرددون ولا يفقهون ما يقولون، وهو فسق على فسق، وزيادة في الكفر، فأولئك يعبدون الشيطان حقيقة، وهناك معابد لعبادة الشيطان، ولا يستخفون بذلك، وهذا من أعجب ما نسمعه في هذه الأزمان! أما المشهد الأخير الذي يحكيه الله سبحانه الله وتعالى، وهو يقع بين الشيطان وعباده، فهو خطبة إبليس حينما يقف خطيباً يوم القيامة: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ [إبراهيم:٢٢]، هذا الشرك لم يكن إلا مجرد أن دعاهم فاستجابوا له، كما جاء على لسانه، وكما يقولون: الأشياء تعود لأصلها، فأشباه إبليس يعودون إلى أصلهم وهو إبليس، والذي هو عدو آدم، وأولياء الرحمن وأتباع رسله يعودون إلى آدم.

стр. 9

استمرار العداوة مع الشيطان إلى يوم القيامة العداوة قائمة منذ اليوم الأول بين آدم وبين إبليس، فهذه الحرب وهذه العداوة قائمة لا تنقطع أبداً، وأي نوع من الأعداء يمكن أن تكسبه بمعاهدة أو بإحسان إليه، أو بأي شيء: ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت:٣٤]، إلا الشيطان فإنه لا يجدي معه إلا أن تتخذه عدواً: ﴿فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر:٦] لا يجري معه أي شيء آخر، ولا يصلح معه أي حيلة ولا معاهدة ولا إحسان ولا أي شيء، سوى أن تتخذه عدواً كما قال الله . أما أشباه إبليس وحزبه فيقول الله في شأنهم: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [البقرة:٢١٢]، وقال أيضاً في شأنهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين:٢٩] إلى آخر الآيات، وقال في المؤمنين: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ [البقرة:٢٥٧]. فالحرب والعداوة والتميز في الخصائص أمر قائم ومستمر بين الحزبين، حزب الرحمن وحزب الشيطان، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: فمن سنة الله أنه إذا أراد إظهار دينه أقام من يعارضه، فيحق الحق بكلماته، ويقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق. أولياء الشيطان بماذا أجابوا المرسلين؟ ﴿قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [البقرة:١٧٠]، وقال: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [المائدة:١٠٤]، وقال: ﴿وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾ [النساء:٤٦]، أما المؤمنون: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور:٥١]. ويقول ابن القيم: كل من كذب رسول الله ﷺ ، وأعرض عن متابعته، وحاد عن شريعته، ورغب عن ملته، واتبع غير سنته، ولم يتمسك بعهده، ومكن الجهل من نفسه، والهوى والفساد من قلبه، والجحود والكفر من صدره، والعصيان والمخالفة من جوارحه؛ فهو ولي الشيطان. انتهى كلامه. إن الحقائق والأدلة المسبقة تبين أن المؤمنين الذين هم أولياء الله لا يلتقون مع أعدائهم في منتصف الطريق بين الكفر والإسلام، أو أن يحيدوا يميناً وشمالاً؛ بل يقولون كما قال إمامهم إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: ﴿إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة:٤]، هذه هي الغاية الوحيدة التي يمكن أن يتلاقى المؤمنون أولياء الله مع غيرهم بأن يتنازلوا هم ويتراجعوا عن شركهم وكفرهم، ويحققوا معنى لا إله إلا الله، كما ذكرنا.

стр. 10

مظاهر الانحراف من مبدأ الولاء والبراء فبعض الناس يبدءون مثل هذه البداية، لكن لا يستقيمون على هذا الطريق، فشياطين الإنس يزينون لهم كثيراً من السبل التي تحرفهم عن هذه الحقيقة الأصيلة من حقائق الإسلام، وهو الولاء والبراء.

стр. 11

التحالف مع الأحزاب العلمانية ومن ذلك أيضاً -وهو من أشد التلبيس على بعض الجماعات المنحرفة-: التحالف مع الأحزاب العلمانية، وكلمة (علمانية) أعتقد أنها كلمة مخفية جداً لأكثر الحقائق، ويترجمونها بتعبير أشد فيقولون: اللادينية؛ لكن هي في الحقيقة الكفر الصراح، والعلمانية تعني رفض الأديان، وفصل الدين عن الحياة، وجعل الدين عبارة عن قضية شخصية بين العبد وربه، دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله! فالعلمانية ما هي إلا كفر؛ بل هي أقصر الطرق الموصلة إلى الكفر، فهذا أيضاً من الضلال المبين والانحراف الخطير الذي شوش على عقيدة عوام المسلمين، وغير هذا الحد المتميز وهو موالاة المسلمين ومعاداة الكافرين، وقضى على هذا الأصل الأصيل من ملة إبراهيم ﵇: ﴿إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ﴾ [الممتحنة:٤]، فكيف نضع أيدينا بأيدي حزب الوفد أو الأحرار أو غيرهم من أحزاب الشيطان؟! هل أعلنوا أن إحدى مطالبهم في الحياة هي نصرة دين الإسلام؟ الجواب لا. إذاًً: هذه التحالفات هي من الجهل ومن السفاهة، ومن الانحراف في فهم أصل الإسلام الأصيل، ألا وهو عقيدة التوحيد ولوازمها من البراءة من المشركين وموالاة المؤمنين.

стр. 12

الدعوة إلى تقارب الأديان لذلك نجد من يدعو إلى تقارب الأديان، وأن الأديان كلها شيء واحد، ومن يدعو إلى الأخوة الإنسانية، وعدم التعصب، ونحو هذه الدعوات المعروفة؛ بل بعض الناس من المسلمين الجهلة يتصورون ويدعون إلى أنه يمكن فعلاً أن يتوحد المسلمون مع أهل الكتاب من يهود أو نصارى من أجل مواجهة الإلحاد! وكأن الذي هم عليه ليس بإلحاد؛ بل مع أن عبادة المسيح، وسب الله -كما عند اليهود- والتكذيب برسله وقتلهم، هذا من شر الإلحاد والكفر. فهذا من التلبيس، ولا يمكن أبداً أن يتلاقى المؤمنون مع الكافرين، فمحاولة الالتقاء هذا جهل بحقيقة هذا التوحيد، وبحقيقة الولاء والبراء التي هي أصل أصيل من أصول الإيمان، فلا يمكن أبداً أن يلتقي المؤمنون مع الكتابيين مثلاً من أجل محاربة الإلحاد؛ لأن الله أخبر عنهم فقال: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء:٨٩]، وقال : ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة:١٠٥]، وقال خبر صادق: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠]، وأيضاً نحن لا نواليهم حتى يؤمنوا بالله وحده.

стр. 13

وجوب البراءة من المشركين وعداوتهم لا يستقيم للإنسان إسلام -ولو وحد الله وترك الشرك- إلا بعداوة المشركين، والتصريح لهم بالعداوة والبغض، كما قال الله : ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا﴾ [المجادلة:٢٢] يعني: لا يمكن أن تجد قوماً ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة:٢٢]. إن هذه البراءة من المشركين هي القاسم المشترك بين كل الملل غير دين الإسلام، كل ما سوى الإسلام القاسم المشترك بينها: أننا نعاديهم في الله، ونتبرأ منهم ومن طريقتهم، مهما كانت أصنافهم من مشركين وكفار ومنافقين. فطبيعة المنهج الإسلامي تعكس طبيعة التعارض والتنافر الصريح بين منهجين في الحياة لا التقاء بينهما في صغيرة ولا كبيرة، فكما يصر المؤمنون على التمكين لدينهم في الأرض، وإخراج الناس كافة من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده؛ كذلك يصر الكفار على سحق المنهج الرباني الذي يهدد وجودهم ومنهاجهم: ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة:٢١٧]، فليس للمشركين همٌّ ولا شغل إلا أن يردوا المسلمين عن دينهم، وهم يبذلون في سبيل ذلك الأموال الطائلة: ﴿فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ [الأنفال:٣٦]. أما المشركون فقد أخبرنا الله عن دخيلة في قلوبهم، وعما في صدورهم، فقال الله : ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣٢ - ٣٣]، وقال : ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة:١٠٥]، أما في أهل الكتاب فقال مخبراً عما في قلوبهم تجاه المسلمين: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠]، وقال : ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ [المائدة:٨٢] ما علة ذلك؟ ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [المائدة:٨٢]، القسيسون: هم العلماء، والرهبان: هم العباد. قوله: ((وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ)) يعني: إذا سمعوا القرآن آمنوا به وتواضعوا للحق لما جاءهم، فهذا وصف فيمن أسلم ودخل في دين الإسلام، أما من أعرض عن القرآن من النصارى أو من غيرهم فإنه يدخل في قوله تعالى: ﴿فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢٧٥]. وقال : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ [النساء:٤٤]، وقال : ﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ [آل عمران:١١٩]. وقال في المنافقين: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة:٩]، وقال فيهم: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة:١٦]، وقال أيضاً: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ * يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون:٧ - ٨]. فجاء الرد الحاسم والحازم تجاه هذه المؤامرات من أعداء الله: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ [البقرة:١٢٠]، هذا أسلوب حصر وقصر للهدى فيما جاء به الله ، فما عداه ليس بهدى. فحقيقة العداوة هي اختلاف الدينين، وافتراق المنهجين: إما اتباع دين الله، أو اتباع ملة الكفر والطغيان. بعض الناس يتصور أن المسلمين قضيتهم فقط إقامة الحدود، فإذا استجاب الحكام لهذه المطالب، بأن تقطع يد السارق، ويجلد الشارب، ويرجم الزاني وهكذا، فإن القضية قد انتهت القضية ليست مساومة على بعض المطالب، القضية هي أنه لا بد أن يكون هناك إسلام لله ، أن ينقاد كل الناس لله تعالى ولشرعه، وليس مجرد الأخذ بجزئيات من الشريعة والإعراض عنها من الجانب الآخر. فالقضية قضية إسلام لله، وليس الإسلام المقيد ببعض جزئيات الإسلام، وهذه المطالب لا شك أنها إسلامية، وواجبات من واجبات الأمة الإسلامية؛ لكن المشكلة أن هذه هي هدفنا في هذه الحياة، قد يجاملنا البعض بذكر آيات من القرآن أو يتبرك بها، أو يقيم بعض الحدود، فنرضى منه بذلك، كما يقولون: يركب الموجة لأن هذا يرضي الناس، وهذا كما نرى اليوم في بعض معارض الملابس يقول لك: هذه ملابس المحجبات، مع أنه حجاب نصفي، ليس هو الحجاب الذي أراده الله، بل هي كما يقولون: موضة إسلامية! يحاولون أن يصرفوا المرأة ويحرفوها عن الطريق الصحيح. فالقضية ليست قضية أحكام محددة، لكن القضية قضية شريعة في حالة إعراض عنها، ونبذ لها وراء ظهورهم، هذه هي القضية، فلا بد من إسلام لله بالمعنى الشامل للإسلام، وليس مجرد هذه الجزئيات، فلا نحصر همنا في أشياء محدودة، ولكن الأمر والقضية أوسع من ذلك وأكبر من ذلك، فإما دين الله واتباع شرعه، وموالاة المؤمنين ومعاداة الكافرين، أو دين باطل، واتباع الهوى والشهوات، والانضمام إلى حزب الشيطان، فعلى أولياء الرحمن أن يستعلوا بدينهم، وأن يعتزوا بهذا الدين فوق وطأة الباطل، فإنهم هم المنصورون، يقول الله : (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب)، وقال : ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٨]، وقال سبحانه: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال:١٢]، وقال : ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد:١١].

стр. 14

تنبيهات تتعلق بمبدأ الولاء والبراء هنا بعض التنبيهات التي تتعلق بقضية الولاء والبراء، منها:

стр. 15

وجوب موالاة المؤمن لأخيه ولو ظلمه وأساء إليه الأمر الثاني: أن المؤمن يوالي أخاه المؤمن والمسلم حتى ولو ظلمه أخوه؛ لأن الظلم لا يقطع الموالاة الإيمانية، ولا يقضي على الأخوة الإسلامية، يقول الله : ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات:٩]، ويقول الله بعد ذلك: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات:١٠]، فمع وقوع الاقتتال أثبت الأخوة الإيمانية، فالقتال قد يكون فيه ظالماً ومظلوماً، ومع ذلك لا تنقطع الأخوة الإيمانية؛ لأنه ما زال في دائرة الإسلام والإيمان، فالمسلم الذي ظلمك لا تساوه بالكافر، حتى وإن أحسن إليك الكافر وعدل معك، فهذا الكافر ليس معه أعظم شعب الإيمان، وهو لا إله إلا الله، فهو منجس ومقذر بأقذر شيء في الوجود وهو الشرك، فهذا الكافر لا يستوي بالمسلم أبداً، حتى ولو تلبس المسلم ببعض المعاصي. ولكننا نجد بعض الناس المخذولين، الذين خذلهم الله ولم يوفقهم إلى هذا الفهم، يفضلون الكافر على المسلم لمجرد أن يصدر من المسلم معصية أو تقصير في جانب معين، وقد يخادعه الكافر في نوع من الإحسان بصورة أو بأخرى فيقول: انظر الكافر نفعني أفضل من المسلم، النصارى أحسن من المسلمين وهكذا!! فيخذل وينطق الشيطان على لسانه بهذه الكلمات العظيمة، فالمشرك ولو عدل معك وأحسن إليك فهو أعدى عدو للناس، يقول الله : ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت:٦ - ٧]، يعني: زكاة قلوبهم من هذا الشرك، لا يطهرون قلوبهم من الشرك، فالمشرك أقذر مخلوق في الوجود، حتى لو بدا جسده في أنظف صورة؛ لأنه نجس بأعظم شيء في الوجود: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة:٢٨]، فينبغي الالتفات إلى هذا المعنى.

стр. 16

موالاة المؤمنين ومعاداتهم بحسب ما فيهم من الخير والشر أيضاً: إذا اجتمع في الرجل الواحد شر وخير، وفجور وطاعة ومعصية، وسنة وبدعة، فهذا خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً، فهو يستحق من الموالاة بقدر ما فيه من الخير، ويستحق من المعاداة والعقاب بحسب ما فيه من الشر، فقد يجتمع في الإنسان الواحد بعض موجبات الإكرام وبعض موجبات الإهانة. فالمسلم مثلاً قد تقطع يده بسبب سرقته؛ ولكنه مع ذلك يعطى من بيت المال ما يكفيه لحاجته، والدليل على هذا المعنى وهو أن المسلم قد يحب من وجه ويبغض من وجه، يحب لإسلامه ويبغض لفسقه أو بدعته أو معصيته، حديث عبد الله بن حمار، الذي كان يضحك الرسول ﷺ ، وكان يؤتى به كثيراً وقد شرب الخمر، فكان يقام عليه الحد، والمفروض أن الإنسان متى أقيم عليه الحد فلا يعير به ولا يشنع عليه، ولا يلام؛ لأن هذا الحد يطهره من المعصية، فلما أتي به يوماً قال رجل من الحاضرين: (لعنه الله ما أكثر ما يؤتى به! فقال له النبي ﷺ : لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله).

стр. 17

البراءة من كل من حاد الله ورسوله أولاً: أن المؤمن يتبرأ ممن حاد الله ورسوله، ولو كان أقرب قريب إليه؛ لقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة:٢٣ - ٢٤]. وقال : ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة:٥٥ - ٥٦]، وقال : ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ﴾ [التوبة:٧١]. فهذا هو التنبيه الأول: أن المؤمن يتبرأ ممن حاد الله ورسوله ولو كان أقرب قريب إليه، وجاء في تفسير قوله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة:٧٨ - ٧٩]، يخبر النبي ﷺ في بعض الأحاديث أن أول ما دخل الشر والنقص على بني إسرائيل: (أن الرجل منهم كان يلقى أخاه على ما يكره على معصية الله، فيقول: يا أخي! اتق الله ودع هذا؛ فإن هذا لا يحل لك، ثم يأتيه من الغد فيجده على نفس الحالة التي كان عليها بالأمس، فلا يمنعه ذلك من أن يكون أكيله وشريبه وقعيده)، يعني: بمذهب صيغة المبالغة، قال:) فيتمادى في مؤاكلته ومشاربته ومجالسته، ولا يغضب لله، ولا يتمعر وجهه في سبيل الله، فمن أجل ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ولعنهم كما ذكر في كتابه).

стр. 18

عقيدة الولاء والبراء [٢] من أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله، فيجب محبة المؤمنين وموالاتهم، وبغض الكافرين والمنافقين والبراءة منهم، ومن خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً فإنه يحب من وجه ويبغض من آخر، وهذا هو العدل الذي قامت عليه السماوات والأرض.

стр. 19

البراءة من أهل البدع البراءة من أهل البدع تكون بعدم توقيرهم، وعدم الإنصات لهم، وعدم السماح لهم بنشر بدعتهم في الناس. عن صالح المري قال: دخل رجل على ابن سيرين وأنا شاهد، ففتح باباً من أبواب القدر فتكلم فيه، فقال له ابن سيرين: إما أن تقوم، وإما أن أقوم. وعن سلام بن أبي مطيع قال: قال رجل من أهل الأهواء لـ أيوب: أكلمك بكلمة؟ قال: لا. ولا بنصف كلمة. وعن مؤمل بن إسماعيل قال: مات عبد العزيز بن أبي داود وكنت في جنازته، حتى وضع عند باب الصفا، فصف الناس وجاء الثوري فقال الناس: جاء الثوري، فجاء حتى خرق الصفوف، والناس ينظرون إليه، فجاوز الجنازة، ولم يصل عليه؛ لأنه كان يرمى بالإرجاء. وعن سفيان الثوري قال: من سمع من مبتدع لم ينفعه الله بما سمع، ومن صافحه فقد نقض الإسلام عروة عروة. وعن سعيد الثوري قال: مرض سفيان الثوري فبكى في مرضه بكاءً شديداً، فقيل له: ما يبكيك أتجزع من الموت؟ قال: لا. ولكني مررت على قدري فسلمت عليه، فأخاف أن يحاسبني ربي عليه. وعن فضيل بن عياض قال: من جلس إلى صاحب بدعة فاحذروه. وعنه قال: من أحب صاحب بدعة أحبط الله عمله، وأخرج نور الإسلام من قلبه. وعنه قال: إذا رأيت مبتدعاً في طريق فخذ في طريق آخر، ولا يرفع لصاحب البدعة إلى الله عمل، ومن أعان صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام. وعن بشر بن الحارث قال: جاء موت هذا الذي يقال له المريسي وأنا في السوق، فلولا أن الموضع ليس موضع سجود لسجدت شكراً، الحمد الله الذي أماته، هكذا قالوا. وعن محمد بن أسلم قال: من وقر صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام. وعن الحسن قال: لا تجالس صاحب بدعة، فإنه يمرض قلبك. وعن سفيان الثوري قال: من جالس صاحب بدعة لم يسلم من إحدى ثلاث: إما أن يكون فتنة لغيره، وإما أن يقع في قلبه شيء فيزل به فيدخله الله النار، وإما أن يقول: والله ما أبالي ما تكلموا، وإني واثق بنفسي، فمن يأمن بغير الله على دينه طرفة عين سلبه إياه. يعني: من أمن على إيمانه سلبه الله هذا الإيمان. وقال الأوزاعي: لا تمكنوا صاحب بدعة من جبل فيورث قلوبكم من فتنته ارتياباً. وعن أيوب قال: لقيني سعيد بن جبير فقال: ألم أرك مع طلق؟ قلت: بلى، فما له؟ قال: لا تجالسه فإنه مرجئ، قال أيوب: وما شاورته في ذلك، ولكن يحق للرجل المسلم إذا رأى من أخيه شيئاً يكرهه أن ينصحه. هذه بعض النصوص في ذم أهل البدع، وفي معاداتهم.

стр. 20

مراحل الولاء والبراء في الدين الإسلامي لقد مر مبدأ الولاء والبراء بمراحل كثيرة في مكة وفي المدينة، نشير إليها باختصار: لقد أمر المسلمون في مكة بالكف عن المشركين، والصبر والإعراض عنهم، إلى أن انتهت هذه المرحلة بنزول سورة الكافرون: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون:١ - ٢] إلى آخر السورة التي هي براءة من الشرك. أما في العهد المدني فقد تمكنت موالاة المسلمين في مؤاخاة النبي ﷺ بين الأوس والخزرج، ثم المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، حتى كانوا يتوارثون، وتعرض المسلمون لكيد أهل الكتاب، وكيد المنافقين، فأمروا بالبراءة منهم وعداوتهم.

стр. 21

بعض مظاهر البراء من المشركين لقد اتخذ الولاء والبراء مظاهر كثيرة، وسن القرآن العظيم مظاهر لهذا الأمر العظيم، فأما البراءة من المشركين، فقال الله : ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة:١] إلى آخر الآيات المعروفة في سورة التوبة. من مظاهر البراء من المشركين: أن الله منعهم من دخول المسجد الحرام فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة:٢٨]، فأمر النبي ﷺ علياً بعد نزول هذه الآية أن يذهب وينادي: (ألا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان). أيضاً من مظاهر البراءة من المشركين: منع نكاح المشركات، قال الله : ﴿لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة:١٠]، وقال: ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة:١٠]. أيضاً من مظاهر البراء من المشركين: منع المسلم من الإقامة في ديار الشرك بعد أن قامت دولة الإسلام، قال ﷺ : (أنا بريء من كل مسلم يكون بين ظهراني المشركين). أيضاً بين القرآن البراءة من أهل الكتاب الذين كانوا في المدينة، وهم بنو قينقاع وبنو قريظة وبنو النضير، فأمر القرآن بمفاصلتهم والبراءة منهم، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ * يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:٧٠ - ٧١]، وقال : ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ * قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران:٩٨ - ٩٩]، وقال : ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ * قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة:٥٩ - ٦٠]، ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة:٦٨]. وقد يعتقد بعض المسلمين بأن اليهود والنصارى ليسوا كفاراً، والله يقول: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ [المائدة:٧٢]، وقال : ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المائدة:٧٣ - ٧٥]، وقال : ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [المائدة:١٧]. أما المنافقون فقد أمر رسول الله ﷺ أن يقبل منهم علانيتهم، وأن يكل سرائرهم إلى الله، وأن يجاهدهم بالعلم والحجة، وأمره الله أن يعرض عنهم، ويغلظ عليهم، وأن يبلغهم بالقول البليغ إلى نفوسهم، ونهاه أن يصلي عليهم، أو أن يقف على قبورهم، وذكر أنه إذا استغفر لهم فلن يغفر الله لهم، يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التوبة:٧٣]، ويقول : ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء:٨١] وقال: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة:٨٤]. وقال : ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة:٨٠]، وقال : ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ * سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [المنافقون:٥ - ٦]. ومن مظاهر الولاء والبراء أيضاً في المرحلة المدنية: قطع الموالاة بين المسلم وقريبه الكافر إذا كان محاداً لله ورسوله، قال تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة:٢٢]، إلى آخر الآية، قيل: نزلت في أبي عبيدة عامر بن الجراح حين قتل أباه الجراح في يوم أحد، وفي أبي بكر حينما دعا ابنه للمبارزة في يوم بدر، وفي عمر حين قتل خاله العاص بن هشام يوم بدر، وفي علي وحمزة حينما قاتلوا عتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة يوم بدر، وقيل غير ذلك.

стр. 22

بعض مظاهر وصور الموالاة لأعداء الله أما صور الموالاة المحرمة ومظاهرها، فمنها: الرضا بكفر الكافرين، وعدم تكفيرهم، أي: الشك في كفرهم، فمن أقبح صور الموالاة التي تهدد عقيدة المسلم، أن يشك في كفر الكافر، أي: لا يعتقد أنه كافر بهذا الشرك الذي ارتكبه، أو يشك في كفره، أو تصحيح المسلم لأي مظهر من مظاهرهم الكفرية. أيضاً من مظاهر ذلك: التولي العام، واتخاذهم أعواناً وأنصاراً وأولياءً، أو الدخول في دينهم، يقول الله : ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [آل عمران:٢٨]. يقول ابن جرير ﵀: من اتخذ الكفار أعواناً وأنصاراً وظهوراً يواليهم على دينهم، ويظاهرهم على المسلمين، فليس من الله في شيء، أو قد برئ من الله، وبرئ الله منه، لارتداده عن دينه، ودخوله في الكفر، (إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً) أي: إلا أن تكونوا في سلطانهم فتخافوهم على أنفسكم، فتظهروا لهم الولاية بألسنتكم، وتضمروا لهم العداوة، ولا تجاروهم على ما هم عليه من الكفر، ولا تعينوهم على مسلم بفعل. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة:٥١]. يقول ابن حزم ﵀: قول الله تعالى: ((وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ)) إنما هو على ظاهره؛ لأنه كافر من جملة الكفار، وهذا حق لا يختلف فيه اثنان من المسلمين، يقول الله : ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة:٨١]. ومن صور الموالاة المحرمة: الإيمان ببعض ما هم عليه من الكفر، أو التحاكم إليهم دون كتاب الله، قال الله : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ [النساء:٥١]، ونظير هذه الآية قوله تعالى عن بعض أهل الكتاب: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ * وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة:١٠١ - ١٠٢]، لما اتبعوا السحر، وتركوا كتاب الله، كما يفعله اليهود وكثير من المنتسبين إلى الإسلام، فمن كان من هذه الأمة موالياً للكفار من المشركين أو أهل الكتاب ببعض أنواع الموالاة، كإسناده أهل الباطل، واتباعهم في شيء من فعالهم ومقالهم الباطل؛ كان له من العقاب والذم بحسب ذلك. ومن مظاهر الموالاة المحرمة مودتهم ومحبتهم، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الممتحنة:١]. ومن ذلك أيضاً: الركون إليهم، يقول الله : ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنصَرُونَ﴾ [هود:١١٣]، يقول قتادة: يعني لا تودوهم ولا تطيعوهم. وقد خاطب الله الرسول ﵊ فقال: ﴿وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا * إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾ [الإسراء:٧٤ - ٧٥]، فإذا كان هنا في حق الرسول ﷺ فكيف بمن هو دونه؟! ومن الموالاة المحرمة: مداهنتهم ومداراتهم ومجاملتهم على حساب الدين، يقول الله : ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم:٩]، ومن أعظم ما يقع فيه المسلمون المداهنة والمجاملة على حساب إسلامهم، فأخذوا ينسلخون من دينهم شيئاً فشيئاً حتى لا يتهموا بالتعصب ولا بالتطرف، وحتى يرضى عنهم هؤلاء الكفار، الذين أخبر الله أنهم لن يرضوا حتى يترك المسلم دينه ويتنجس بكفرهم. وقال ﷺ : (لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر، وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لتبعتموهم) الحديث. ومن ذلك: اتخاذهم بطانة من دون المؤمنين، وأقرب شيء إلى الإنسان هو بطانة الملابس، فهي قريبة جداً من جسده، فكذلك الإنسان عندما يوالي هؤلاء الكفار، يقول : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران:١١٨]، كان بعض المؤمنين يصافون المنافقين أي: يصير بينهم صفاء، ويواصلون رجلاً من اليهود، فنزلت هذه الآية تحذيراً من ذلك، وبطانة الرجل خاصته، تشبيهاً لها ببطانة الثوب التي تلي بطنه؛ لأنهم يستبطنون أمره، ويطلعون منه على ما لا يطلع عليه غيرهم، وقد بين الله العلة في النهي عن اتخاذهم بطانة فقال: ((لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا)) أي: لا يفترون ولا يتركون جهدهم فيما يوردكم الشر والفساد، ثم إنهم ليرجون ما يشق عليك من الذل والهلاك. ومن الموالاة المحرمة: طاعتهم فيما يأمرون ويشيرون به، يقول : ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف:٢٨]، وقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٩]، وقال : ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام:١٢١]. ومن ذلك: مجالستهم والركون إليهم وقت استهزائهم بآيات الله، ولذلك نهى الله عن مجالستهم فقال: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء:١٤٠]، فإذا جالستموهم وهم يشتمون دين الله، أو يطعنون في فرائضه؛ فإنكم إذاً مثلهم، يعني: إن لم تقوموا عنهم في هذه الحال. ومن ذلك: توليتهم أمراً من أمور المسلمين، كالإمارة والكتابة وغيرها، بحيث يكونون رؤساء على المسلمين، ويكون لهم سلطان على ديار المسلمين، فإنهم لن يألوا المسلمين خبالاً وتآمراً عليهم، فالتولية شقيقة الولاية، لابد أن تؤدي إلى تمكين ونصرة، وتوليتهم فيه نوع من مناصرتهم ومحبتهم، وقد حسم الله الأمر أن من تولاهم فإنه منهم، فلا يتم الإيمان إلا بالبراءة منهم. وهناك حادثة مشهورة وقعت أيام الملك الصالح إسماعيل، فقد كان في دولته رجل نصراني يسمى محاضر الدولة أبا الفضل بن دخان، ولم يكن في المباشرين أمكن منه، وكان قذاة في عين الإسلام، وبثرة في وجه الدين، وبلغ من أمره أنه وقع على رجل نصراني أسلم، فرده إلى دين النصرانية، وأخرجه من الملة الإسلامية، ولم يزل يكاتب الفرنجة بأخبار المسلمين وأعمالهم، وأمر الدولة وتفاصيل أحوالها، فكان مجلسه معموراً برسل الفرنج والنصارى وكانوا هم المقربين لديه، وحوائجهم مقضية عنده، ويحمل لهم الأدرار والضيافات، وأكابر المسلمين محجوبون عند الباب لا يؤذن لهم! وإذا دخلوا لم ينصفوا في التحية ولا في الكلام، وحدث أن اجتمع في مجلس الملك الصالح أكابر الناس من الكتاب والقضاة والعلماء، فسأل السلطان بعض الجماعة عن أمر أفضى به إلى ذكر مفاسد النصارى، فبسط لسانه في ذلك، وذكر بعض ما هم عليه من الأفعال والأخلاق، يعني: يقول الجاحد عليهم: الخيانة عشرة أجزاء، تسعة أجزاء منها في أهل الذمة، ويقول بعض العلماء حينما رأى في بعض مراحل التاريخ الإسلامي تمكنهم من المسلمين: بأبي وأمي ضاعت الأحلام أم ضاعت الأذهان والأفهام من حاد عن دين النبي محمد أله بأمر المسلمين قيام إلا تكن أسيافهم مشهورة فينا فتلك سيوفهم أقلام ومن جملة كلامه أنه قال: إن النصارى لا يعرفون الحساب، ولا يدرونه على الحقيقة؛ لأنهم يجعلون الواحد ثلاثة، والثلاثة واحداً، والله تعالى يقول: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾. فأخذ هذا المعنى بعض الشعراء وقال في قصيدة له: كيف يدري الحساب من جعل الوا حد رب الورى تعالى ثلاثة ثم قال: كيف تأمن أن يفعل في معاملة السلطان كما فعل في أصل اعتقاده؟! ويكون مع هذا أكثر النصارى أمانة وكلما استخرج ثلاثة دنانير دفع إلى السلطان ديناراً وأخذ لنفسه اثنين، ولاسيما وهو يعتقد ذلك قربة وديانة؟! والمقصود أن من الموالاة، توليتهم والإعجاب بهم واستئمانهم، وقد خونهم الله، يقول : ﴿مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:٧

стр. 23

نماذج وصور من عزة المسلمين بدينهم

стр. 24

اعتزاز ربعي بن عامر بدينه عند الفرس وهذا ربعي بن عامر يرسله سعد بن أبي وقاص ﵁ قبل القادسية رسولاً إلى رستم قائد الجيوش الفارسية وأميرهم، فدخل عليه وقد زينوا مجلسه بالنمارق والزرابي والحرير -وهذا كله يبين ما هي مقاييس المسلمين وما هي مقاييس غيرهم- وأظهر اليواقيت واللالئ الثمينة العظيمة، وعليه تاجه وغير ذلك من الأمتعة الثمينة، وقد جلس على سرير من ذهب. ودخل ربعي بثياب رثة وفرس قصيرة، ولم يزل ربعي راكباً هذه الفرس حتى داس بها على طرف البساط، ثم نزل وربطها ببعض تلك الوسائد، وأقبل وعليه سلاحه ودرعه، وبيضته على رأسه، فقالوا له: ضع سلاحك، فقال: إني لم آتكم، وإنما جئتكم حين دعوتموني، فإن تركتموني هكذا وإلا رجعت، فقال رستم: ائذنوا له، فأقبل يتوكأ على رمحه فوق النمارق، فخرق عامتها، فقالوا له: ما جاء بكم؟ فقال: إن الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام.

стр. 25

تدريس اللغة العربية للبعثات النصرانية رغم أنف الكنيسة حينما كانت البعثات الطلابية النصرانية تصل إلى ديار الإسلام وحواضره لتلقي العلم، وذلك رغم أنف أهل الكنيسة، ورجال الكنيسة، كان أقارب هؤلاء الطلاب ورجال الكنائس يبذلون كل جهدهم لوضع حواجز نفسية في نفوس هؤلاء الطلاب وعقولهم، حتى تحول دون تأثرهم بالإسلام وبخواص المسلمين إذا دخلوا بلادهم ليتلقوا العلوم التي تفوق فيها المسلمون آنذاك. ولقد بلغ من حرص الكنيسة على هذا أنها في ذلك الوقت أصدرت قراراً كنسياً تقول فيه: إن هؤلاء الشبان الرقعاء الذين يبدءون كلامهم بلغات بلادهم، ثم يكملون كلامهم باللغة العربية؛ لنعلم أنهم تعلموا في مدارس المسلمين، أي: أنهم كانوا يعدونها مفخرة، فكان الرجل إذا عاد إلى قومه يبدأ كلامه بالإنجليزية أو الألمانية أو غيرها، ثم يكمل باللغة العربية حتى يكون ذلك مدعاة للفخر أنه سافر إلى بلاد المسلمين، وتعلم من المسلمين، ونطق بلغة المسلمين، فأصدرت الكنيسة تقول: إن هؤلاء الشبان الرقعاء الذين يبدءون كلامهم بلغات بلادهم، ثم يكملون كلامهم باللغة العربية لنعلم أنهم تعلموا في مدارس المسلمين، هؤلاء إن لم يكفوا عن ذلك، فستصدر الكنيسة ضدهم قرارات حرمان. هذا أيضاً من الملامح التي تدل إلى أي مدى وصلت عزة المسلمين وقوتهم حينما استمسكوا بالإسلام.

стр. 26

مسلم يرفض مصافحة موشي ديان وزير الدفاع اليهودي كان موشى ديان وزير الدفاع اليهودي في بعض جولاته منذ زمن، فلقي مجموعة من الشباب المسلم في حي من أحياء قرية عربية مسلمة، فصافحهم بخبث وهدوء غادر، لكن واحداً من هؤلاء الشباب أبى أن يصافحه، وقال له: أنتم أعداء أمتنا، تحتلون أرضنا، وتسلبون حريتنا، ولكن يوم الخلاص منكم لابد آت بإذن الله، لتتحقق نبوءة الرسول ﷺ : (لتقاتلن اليهود أنتم شرقي النهر وهم غربيه)، فابتسم ديان الماكر وقال: حقاً سيأتي يوم نخرج فيه من هذه الأرض، وهذه نبوءة نجد لها في كتبنا أصلاً، ولكن إذا قام فيكم شعب يعتز بتراثه، ويحترم دينه، ويقدر قيمه الحضارية، وإذا قام فينا شعب يرفض تراثه، ويتنكر لتاريخه، عندها تقوم لكم قائمة، وينتهي حكم إسرائيل. وهذا القول يبين ويؤكد لنا هذه الحقيقة وهي: أن المسلمين ليس لهم عز، وليس لهم مخرج إلا في كتاب الله وفي سنة رسول الله ﵌، ولن تتحقق فينا هذه النبوءة حتى نراجع ديننا، وهي الواردة في قول النبي ﷺ كما في الرواية الأخرى: (يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كل أفق كما تداعى الأكلة إلى قصعتها. قيل: يا رسول الله! فمن قلة نحن يومئذ؟ قال: لا. ولكنكم غثاء كغثاء السيل، يجعل الوهن في قلوبكم، وينزع الرعب من قلوب عدوكم لحبكم الدنيا وكراهيتكم الموت).

стр. 27

عزة عمر بن الخطاب بدينه عند دخوله بيت المقدس جاء في القصة المشهورة التي رواها الحاكم من طريق ابن شهاب قال: خرج عمر بن الخطاب ﵁ إلى الشام، ومعنا أبو عبيدة بن الجراح، فأتوا على مخاضة -وهي تشبه البحيرة- وعمر على ناقة، فنزل عنها وخلع خفيه، فوضعهما على عاتقه، وأخذ بزمام ناقته فخاض بها المخاضة، فقال أبو عبيدة: يا أمير المؤمنين! أأنت تفعل هذا تخلع خفيك وتضعهما على عاتقك وتأخذ بزمام ناقتك وتخوض بها المخاضة؟! ما يسرني أن أهل البلد استشرفوك -أي: أهل بيت المقدس؛ لأنه كان ذاهباً ليستلم المدينة- فقال عمر الذي فتح بيت المقدس أول فتح قال: أوه! -وهذا اسم فعل بمعنى: أتوجع من هذه الكلمة- لو قال ذا غيرك يا أبا عبيدة! لجعلته نكالاً لأمة محمد ﷺ ، إنا كنا أذل قوم فأعزنا الله بالإسلام، فمهما طلبنا العزة بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله. ففي أي عصر من العصور، أو مكان من الأمكنة إذا أراد المسلمون أن يعيدوا عزهم بغير الإسلام لابد أن يذلوا، وهذه قاعدة مقررة، يقول: إنا كنا أذل قوم، فأعزنا الله بالإسلام، فمهما نطلب العزة بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله. وفي رواية أخرى قال: يا أمير المؤمنين! تلقاك الجنود وبطارقة الشام وأنت على حالك هذه؟ فقال عمر: إنا قوم أعزنا الله بالإسلام، فلن نبتغي العزة بغيره.

стр. 28

إسقاط الأعلام الأجنبية في عهد السلطان عبد المجيد في نهاية القرن التاسع عشر الميلادي في سنة ستين وثمانمائة وألف، حيث حدث أيضاً حادث في بيت المقدس حينما عين السلطان العثماني عبد المجيد والياً وأمره بتعمير القدس في سنة ستين وثمانمائة وألف من الميلاد، وهذا الوالي كان اسمه سالم باشا وكان هذا الوالي الذي عين من قبل السلطان قد أجاز لبعض الدول الأجنبية أن ترفع أعلامها على قنصلياتها في بيت المقدس؛ لأنها كانت قد حاربت في دولة تركيا ضد روسيا القيصرية، فقام الأهالي ضده، وهاجت الدنيا وماجت، وأجبروا هذا الوالي على العدول عن هذا القرار، فطويت الأعلام الأجنبية في القدس في الحال. هذه من الحوادث التي يذكرها التاريخ، ونتذكرها نحن اليوم حين نذكر قول النبي ﷺ الذي رواه عنه ثوبان ﵁: (توشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها. فقال قائل: أومن قلة نحن يومئذ؟ فقال ﷺ : بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن، فقال قائل: يا رسول الله! وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت). فهذا هو الداء، وهذا هو الدواء يصفه لنا رسول الله ﵌، هذه المهابة التي ردها صلاح الدين الأيوبي رحمه الله تعالى، وأعز بها دين الله ، لكن لما وقع هذا المرض في قلوب المسلمين، وهو حب الدنيا وكراهية الموت، صاروا نهباً للأمم؛ لأن هذه الأمة لا عزة لها إلا بالإسلام، والعرب بدون الإسلام لابد أن يكونوا في مؤخرة الأمم، فلا يصلحهم إلا الإسلام، فأي حل غير الإسلام والعودة إلى كتاب الله وسنة النبي ﷺ فلا يمكن أن ينهضوا، وهذا أمر قطعي دلت عليه نصوص الكتاب والسنة: ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء:١٠]، فلا علاج إلا القرآن والسنة والإسلام كما أنزله الله ، وكما طبقته خير القرون من هذه الأمة. هذا الخير الذي تمثل في العزة الإسلامية التي بعثها صلاح الدين الأيوبي، والتي تبعث حتى اليوم في نفسية الأوروبيين الهلع والخوف والجبن من أن يعود المسلمون إلى إسلامهم؛ لأنهم حينئذ لن يكون لأعداء الإسلام أي طاقة يواجهون بها المسلمين إن عادوا إلى إسلامهم. فأخوف ما يخافون هو عودة المسلمين إلى الإسلام، فلابد من الأخذ بكل الأسباب التي تدمر هذا السبب من أسباب القوة، سواء بتشويش فهمهم للإسلام وتشويهه، أو بالقهر والجبروت والتسلط، أو غير ذلك من الأسباب التي نراها. وهذه الرهبة التي زالت من قلوب الأعداء من أمم اليوم، يكفي أن نستدل على خطرها عليهم بما نعلم عن الأمهات في إيطاليا، فإن الأمهات في إيطاليا إذا أرادت الأم أن ترعب ابنها أو تخيفه فتقول له: إذا لم تسكت سآتيك بـ صلاح الدين! حتى اليوم يخافون من ذكر صلاح الدين، ومن فهم صلاح الدين ومن منهج صلاح الدين رحمه الله تعالى الذي أدبهم وأعطاهم درساً لا ينسونه حتى اليوم. فالداء كما يقول النبي ﷺ : (ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم)، لماذا؟ لأننا نطلب العزة في غير الإسلام، (وليقذفن في قلوبكم الوهن. قال قائل: يا رسول الله! وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت)، فالإسلام هو الطريق الصحيح لعودة هذه الأمة إلى سيرتها الأولى، وإلى عزتها، وإلى قوتها، وقد جاء أن عائذ بن عمرو جاء يوم الفتح مع أبي سفيان بن حرب قبل أن يسلم، فقال بعض الصحابة: هذا أبو سفيان وعائذ بن عمرو. فقال النبي ﷺ : (هذا عائذ بن عمرو وأبو سفيان، الإسلام أعز من ذلك، الإسلام يعلو ولا يعلى). فمجرد أن قدموا ذكر أبي سفيان وهو لم يكن قد أسلم بعد، على ذكر صحابي مسلم جليل أنكر عليهم النبي ﷺ ، فلما قالوا: هذا أبو سفيان وعائذ بن عمرو، قال النبي ﷺ منكراً عليهم ذلك: (هذا عائذ بن عمرو وأبو سفيان، الإسلام أعز من ذلك، الإسلام يعلو ولا يعلى).

стр. 29

خطبة القاضي ابن الزكي بعد فتح بيت المقدس أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:٤٥]، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام:١]، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف:٤٣]، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ [الإسراء:١١١]، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا﴾ [الكهف:١]، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [المؤمنون:٢٨]، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل:١٥]، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل:٥٩]. ﴿لَهُ الْحَمْدُ فِي الأُولَى وَالآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص:٧٠]، ﴿َلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم:١٨]، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [سبأ:١]، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [فاطر:١] ً، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ [الزمر:٧٤]، ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَرَبِّ الأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الجاثية:٣٦]. فالحمد لله معز الإسلام بنصره، ومذل الشرك بقهره، ومصرف الأمور بأمره، ومزيد النعم بشكره، ومستدرج الكافرين بمكره، الذي قدر الأيام دولاً بعدله، وجعل العاقبة للمتقين بفضله، وأفاض على العباد من طله وهطله، الذي أظهر دينه على الدين كله، القاهر فوق عباده فلا يمانع، والظاهر على خليقته فلا ينازع، والآمر بما يشاء فلا يراجع، والحاكم بما يريد فلا يدافع، أحمده على إظفاره وإظهاره، وإعزازه لأوليائه ونصرة أنصاره، ومطهر بيت المقدس من أدناس الشرك وأوضاره، حمد من استشعر الحمد باطن سره وظاهر إجهاره. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الأحد الصمد، الذي ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٣ - ٤]، شهادة من طهر بالتوحيد قلبه وأرضى به ربه. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، رافع الشكر وداحض الشرك، ورافض الإفك، الذي أسري به من المسجد الحرام إلى هذا المسجد الأقصى، وعرج به منه إلى السماوات العلى، إلى سدرة المنتهى، عندها جنة المأوى ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم:١٧]. وعلى خليفته الصديق السابق إلى الإيمان إلى آخر الخطبة. وكانت أول جمعة أقيمت في اليوم الرابع من شعبان بعد يوم الفتح بثمان، فنصب المنبر إلى جانب المحراب، وبسطت البسط، وعلقت القناديل، وتلي التنزيل، وجاء الحق، وبطلت الأباطيل، وصفت السجادات، وكثرت السجدات، وتنوعت العبادات، وارتفعت الدعوات، ونزلت البركات، وانجلت الكربات، وأقيمت الصلوات، وأذن المؤذنون، وخرس القسيسون، وزال البؤس، وطابت النفوس، وأقبلت السعود، وأدبرت النحوس، وعبد الله الأحد الصمد الذي ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٣ - ٤]، وكبره الراكع والساجد، والقائم والقاعد، وامتلأ الجامع، وسالت لرقة القلوب المدامع. هذه خطبة الجمعة بعد فتح بيت المقدس، قال ابن كثير: ولما أذن المؤذنون للصلاة قبل الزوال كادت القلوب تطير من الفرح في ذلك الحال، فلم يكن عين خطيب، فبرز من السلطان المرسوم الصلاحي من السلطان صلاح الدين الأيوبي وهو في قبة الصخرة، أن يكون القاضي محيي الدين بن الزكي اليوم خطيباً، فلبس الخلعة السوداء، وخطب للناس خطبة سنية فصيحة بليغة، ذكر فيها شرف البيت المقدس، وما ورد فيه من الفضائل والترغيبات، وما فيه من الدلائل والأمارات، فافتتح هذه الخطبة بقوله: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:٤٥]، ثم أورد تحميدات القرآن كلها على هذا النسق الذي ذكرناه. هذه عودة إلى تاريخنا البعيد، رجعنا فيها أربعاً وعشرين وثمانمائة سنة إلى الوراء، وتوجهنا إلى أولى القبلتين، وثاني المسجدين، وثالث الحرمين، المسجد الذي لا تشد الرحال بعد المسجدين إلا إليه، ولا تعقد الخناصر بعد الموطنين إلا عليه، وإليه أسري برسول الله ﷺ من المسجد الحرام، وصلى فيه بالأنبياء والرسل الكرام، ومنه كان المعراج إلى السماوات، ثم عاد إليه، ثم سار منه إلى المسجد الحرام على البراق، وهو أرض المحشر، والمنشر يوم التلاق، وهو مقر الأنبياء، ومقصد الأولياء، وقد أسس على التقوى من أول يوم.

стр. 30

المحبة أصل الولاء ذكرنا من قبل أن أصل الولاء الحب، الولاء لا يأتي إلا ثمرة للحب، وأصل البراء البغض، والحب والبغض اللذان هما سبب الولاء والبراء من أعمال الجوارح ما يؤيد صدق ذلك الحب أو يكذبه، يقول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم:٩٦]، ويقول : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران:٣١]. وقال ﷺ : (المرء مع من أحب)، وفي الحديث الآخر: (أنت مع من أحببت)، قال الحسن البصري ﵀: لا تغتر بقوله: المرء مع من أحب، يعني: لا يتعلق الإنسان بمحبة الصالحين وهو لا يعمل عملهم، بل يعمل نقيض عملهم، فيقول الحسن: لا تغتر بقوله: المرء مع من أحب إن من أحب قوماً اتبع آثارهم، ولن تلحق الأبرار حتى تتبع آثارهم، وتأخذ بهديهم وتقتدي بسنتهم، وتمسي وتصبح وأنت على منهاجهم، حريصاً أن تكون منهم، وتسلك سبيلهم، وتأخذ طريقهم، وإن كنت مقصراً في العمل فإن ملاك الأمر أن تكون على استقامة، أما رأيت اليهود والنصارى وأهل الأهواء الرديئة يحبون أنبياءهم وليسوا معهم؟! يعني اليهود يحبون موسى، والنصارى يحبون عيسى، ولكن عيسى وموسى بريئان منهم، ونحن أولى منهم، ونحن الذين قصدنا الله بقوله: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران:٥٥]، فالذين اتبعوا عيسى على الإسلام والتوحيد هم المسلمون، أو هم المسلمون في زمانه الذين آمنوا برسالته وصدقوا بنبوته ونصروه، أو هم أمة محمد ﷺ . يقول: أما رأيت اليهود والنصارى وأهل الأهواء الرديئة يحبون أنبياءهم وليسوا معهم؟! لأنهم خالفوهم في القول والعمل، وسلكوا غير طريقهم فصار موردهم النار، كما أكثر المسلمين الذين يتغنون بمحبتهم النبي ﷺ ، وهم أبعد ما يكونون عن سيرته ومنهاجه، فيكثرون من قولهم، يقولون: يا بختنا بالنبي، والنبي بريء منهم، فهم يواقعون البدع والمعاصي، وليس في حياتهم أي ملامح من ملامح النبي ﷺ وهديه الذي هو خير الهدي، هؤلاء اليهود والنصارى قالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾ [المائدة:١٨]، فمجرد الدعوى: يا بختنا بالنبي، أو نحن نحب النبي، ومحبة النبي لا تكون إلا في الموالد والأغاني مما هو معلوم من أقوال الصوفية أو جهلة المسلمين، فليست هذه هي المحبة، لكن المحب من يطيع محبه، وعلامة المحبة الانقياد، والتشبه بالمحبوب ظاهراً وباطناً.

стр. 31

أقسام المحبة المحبة التي هي أصل الموالاة لها أقسام: فهناك محبة شركية، محبة توقع صاحبها في الشرك، وقد دل عليها قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ * إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ﴾ [البقرة:١٦٥ - ١٦٦]. فهذه هي محبة المشركين لأندادهم وآلهتهم وأصنامهم وأوليائهم، ولكن حال المؤمنين أنهم أشد حباً لله من محبة أصحاب الأوثان لأوثانهم، فهذه هي المحبة الشركية التي تناقض الإيمان من كل وجه. القسم الثاني من أقسام المحبة: حب الباطل وأهله، وبغض الحق وأهله، وهذه صفة المنافقين. القسم الثالث: المحبة الطبيعية، كمحبة الإنسان لماله وولده وأهله، وهذه إذا لم تشغل عن طاعة الله ، ولم تعن على محارم الله فهي مباحة، مثل أن يحب الإنسان طعاماً معيناً زوجة أو ولداً أو أقارب أو نحو ذلك. القسم الرابع من أقسام المحبة: حب أهل التوحيد وحب المؤمنين، وبغض أهل الشرك والبراءة من الكافرين، هذه هي أوثق عرى الإيمان وأعلى مراتبه كما قال النبي ﷺ : (أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله). وقال ﷺ : (من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان)، ومن أحب الله المحبة الواجبة فلابد أن يبغض أعداءه، ولابد أن يحب ما يحبه الله من جهاد أعدائه، يقول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف:٤]، وقال : ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة:١٤]، وقال في صفة عباده الذين يحبهم ويحبونه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤] ما صفاتهم؟ قال: ((أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ)) أهل رقة ورأفة على من وافقهم في دينهم، وأهل غلظة وشدة على من خالفهم في عقيدتهم ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ [المائدة:٥٤]. وقال في صفة أصحاب النبي ﷺ : ((أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ)).

стр. 32

الآثار والملامح الدالة على المحبة والموالاة المحبة يترتب عليها -كما ذكرنا- الموالاة والولاء، ويترتب عليها حقوق للمسلم على أخيه المسلم، فمن ذلك: المودة، يقول النبي ﷺ : (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه من الخير)، فليس للكافر ولا للفاسق ولا للمبتدع من هذه المودة الكاملة نصيب. ومن ملامح هذه الموالاة: النصرة، مناصرة المسلم مهما كان جنسه أو لونه أو أرضه أو وطنه، يقول الله : ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال:٧٤]، وقال ﷺ : (المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم) وقال ﷺ (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً)، وحينما سأله الصحابة: ننصره مظلوماً فيكف ننصره ظالماً؟ فبين أن ذلك يكون بالأخذ على يديه إن كان ظالماً فإن ذلك هو نصرته. وقال ﵌: (ما من امرئ يخذل امرءاً مسلماً في موضع تنتهك فيه حرمته وينتقص فيه من عرضه إلا خذله الله في موطن يحب فيه نصرته، وما من امرئ ينصر مسلماً في موضع ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصرته)، والحديث رواه الإمام أحمد وأبو داود. وقال ﷺ : (المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يسلمه، من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة). وقال ﷺ : (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً. ثم شبك بين أصابعه الشريفة ﵌. وحينما نتأمل البنيان نجد أن البنيان يبنى على أعمدة وأركان ونحوها، وأقوى أجزاء البنيان الأعمدة والأركان، ففيها القوي وفيها الضعيف، والأركان دائماً تكون أقوى، ثم الضعيف يتشابك بعضه مع البعض، فهذا يكون كالبنيان أي: كالحائط ليتقوى المؤمن في أمر دينه.

стр. 33

عقيدة الولاء والبراء [٣] الهجرة من ديار الكفر والعصيان إلى ديار الطاعة والإسلام من ألزم وأوثق مقتضيات الولاء والبراء، فبها تتحقق محبة المؤمنين بمجاورتهم ونصرتهم، وكذلك بغض الكافرين بمفارقتهم وعدم تكثير سوادهم، وأعظم رابطة تجمع بين المسلمين هي رابطة الإسلام، وبها تنتفي بقية الروابط الأخرى من جنس، أو لون، أو عصبية جاهلية.

стр. 34

بعض أحكام الهجرة المتعلقة بالولاء والبراء

стр. 35

أحكام الهجرة باعتبار الدارين الهجرة شرعاً هي: الانتقال من دار الكفر إلى دار الإسلام، هذه هي الهجرة الواجبة شرعاً إلى قيام الساعة، فلا يصح الاستدلال بالأحاديث التي ذكرناها آنفاً أو التي فيها أن المهاجر من هجر ما نهى الله عنه. ونحن الآن في زمان الفتن، والهجرة بلاشك واجبة من دار الكفر إلى دار الإسلام، ونحن في أوضاع ما مرت الأمة الإسلامية بمثلها من قبل، وبعض العلماء يرى أن تقسيم البلاد إلى دار كفر ودار إسلام، ما ينبغي أن يتواجد إلا عند وجود دار الإسلام، يعني: لا يوجد دار كفر حتى يوجد دار إسلام، وإن كان في هذا الكلام تفصيل، والمشكلة اليوم أن المسلم يقع في حيرة شديدة، لكن بلا شك أن الإقامة في بعض البلاد الإسلامية تكون الفتن فيها أقل من بلاد الكفر، والمسألة نسبية، فبالنسبة لغيرها من بلاد الكفر تكون الفتن فيها أقل من الفتن في غيرها، ويستطيع المسلم أن يحافظ على دينه وأن يسلم من الفتن الشائعة، وأن يقوم ببعض الشعائر والمظاهر الإسلامية، مع أن بعض هذه البلاد الإسلامية التي يمكن أن يهاجر إليها المسلم تجد فيها حكومات سائرة في طريق العلمانية، ورفض الإسلام، والتآمر عليه، حتى أنهم يمنعون من هاجر إلى هذه البلاد تديناً، ففي بعض البلاد المعروفة يستجلبون الكفار من كل بلاد الأرض حتى الهندوس، ويستعملونهم، ويستأمنونهم في الطب مثلاً على أعراض المسلمات، وفي البيوت تعمل الخادمات وأكثرهن من عباد البقر، ويفسدن في داخل بيوت المسلمين، لكن المسلم الذي يسافر إلى هذه البلاد مهاجراً تديناً بهذه الهجرة، سواءً إلى مكة أو المدينة، فربما إذا لم يكن له وضع قانوني معين يشحن مع السيارات إلى المطار ويطرد من تلك البلاد، وإن كانت هجرته تديناً، والمدينة ومكة هما دار إسلام إلى قيام الساعة، وهما أقل البلاد فتناً بفضل الله ، ومع ذلك يقف هؤلاء الطواغيت ليحولوا دون هجرة المسلمين إلى هذه البلاد التي أخبر النبي ﷺ بأن (الإيمان يأرز إلى المدينة أو إلى الحجاز كما تأرز الحية إلى جحرها، وليعقلن الدين من الحجاز معقل الأروية من رأس الجبل). وبعض إخواننا المسلمين من الأوربيين أو الأمريكيين بعدما يسلمون يذهبون إلى مكة والمدينة، ويقيمون فيها بنية أنه إذا خرج الدجال يحتمون بمكة والمدينة؛ كما ثبت في الحديث أنه لا يدخلهما المسيح الدجال، وهذه من فضائل مكة والمدينة. أيضاً: تأتي مشكلة من ناحية أخرى، وهي أن بعض حكومات البلاد المسلمة أصبحت وكأنها ارتدت عن الإسلام، فيؤذي الصالحين، لكن بعض ديار الكفر التي لم يدخلها الإسلام أصلاً مثل أغلب دول أوروبا وأميركا قد لا يؤذى المسلم فيها، فيفتن فتنة أخرى حيث يجد هناك من الحرية التي تجيزها نظم هذه البلاد ما لا يجده في بلاد المسلمين، فقد يفتتن بعض الناس بهذه الأشياء، ويتعامون عن كثير من الاعتبارات الأخرى، فلا يحسنون تقدير هذه الأمور. ولا شك أن المسلم إذا أقام في بلاد المسلمين يسلم من الفتن أكثر من البلاد الكافرة، لكنه قد لا يسلم من أن يطرد منها، وقد رأيت بعيني كثيراً من الأفغان أيام الانقلاب الشيوعي في أفغانستان يأوون إلى مكة والمدينة هرباً من الحكم الشيوعي الكافر هناك، لكنهم كانوا يعتقلون في السعودية ويطردون ويعادون إلى حكم الكفار الشيوعين في أفغانستان بالقوة! فكان بعض الناس منهم يتخلفون من العمرة أو الحج ويمكثون هناك، وهنا أذكر بعض أبيات شعر قرأتها لشاعر يحرض على مطاردة هؤلاء الأجانب، فيقول وهو يخاطب الناموسة: فيا ناموستي والصلح خير فأنت رفيقة من عهد هود أقيمي بيننا أهلاً وسهلاً ولكن للأذية لا تعودي عليك عليك بالغرباء علينا وسيبي الرادف الأصل السعودي يعني: يسلط الناموسة ويقول: نعمل اتفاق بأن تتركي السعودي الأصلي، وعليك بالغرباء علينا من هؤلاء الناس الذين يأوون إلى هذه البلاد، وكل هذا من مؤامرات أعداء الإسلام، حيث جعلوا الحدود السياسية والفواصل بين ديار المسلمين، ومزقونا كما تمزق قطعة الجبن، وكل حاكم أخذ جزءاً من بلاد المسلمين يصبغها بصبغته حتى لا تلتحم أمة المسلمين ثانية، بينما تجد الحدود في بعض البلاد الأوروبية ليست مثل هذا التقسيم، وإنما هي عبارة عن شارع، وفي وسطه صف واحد من الطوب يفصل بينهما، بحيث أن الإنسان إذا خطا بقدمه خطوة انتقل من بلد إلى بلد آخر، فهذه هي الحدود عندهم بمنتهى الحرية، وتجد السيارات تمر بين هذه البلاد والأخرى، وغابت الحدود السياسية هذه. لكن في بلاد المسلمين وضعوا الحواجز النفسية والحواجز المادية، وصنعوا المشاكل على الحدود حتى يحصل الاقتتال بين المسلمين كما هو معلوم من سياسة فرق تسد، حتى لا يلتئم شمل هذه الأمة، وكل هذا يحصل نتيجة النظم المعرضة عن الإسلام. نعود إلى الموضوع الذي نتحدث فيه، وهو أن المسلم الآن في فتنة بين هذين الأمرين، بين بعض البلاد الإسلامية التي إذا ذهب إليها يطرد منها إن لم يكن له وضع قانوني يمكنه من الإقامة مثلاً، ومع ذلك يظل مهدداً بالطرد في أي وقت، وإما أن يذهب إلى البلاد الأوروبية حيث الفتنة في دينه، وحيث الفساد المعلوم هناك، وحيث الفتنة أيضاً بمدى الحرية التي قد يتمتع بها ولا يجدها في ديار المسلمين. ومع ذلك إذا أنصف الإنسان وتأمل في أحوالنا مثلاً هنا في مصر، يجد أن أكثر الناس الذين يذهبون إلى البلاد الأوروبية أو إلى البلاد الأخرى العربية يغبطوننا على ما نحن فيه من العافية من الكثير من البلاء ولله الحمد، مع العناء الذي نعانيه هنا في بلادنا، ولكن يوجد كثير من الخير والبركة هنا في الشباب المسلم الملتزم، والدعوة التي تؤتي ثمارها في كل حين بإذن ربها، فهذا مما يطمئن الإنسان مادام أنه يستطيع أن يؤثر فيمن حوله، وينشط في سبيل هذه الدعوة، وفي ذلك خير كثير لمن كان يرجو ثواب الله .

стр. 36

العبادة في الهرج كالهجرة إلى النبي ﷺ يقول النبي ﷺ في الحديث الذي رواه معقل بن يسار ﵁: (العبادة في الهرج كهجرة إلي) أخرجه مسلم والترمذي. قول النبي ﷺ : (العبادة في الهرج) هو: الفتنة واختلاط أمور الناس، (كهجرة إلي) قال النووي ﵀: وسبب كثرة فضل العبادة فيه أن الناس يغفلون عنها -كما في مثل هذه الأزمان- ويشتغلون بالدنيا، ولا يتفرغ لعبادة الله وذكره وطاعته إلا الأفراد القلائل من الناس. ويقول الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: وجاء تفسير أيام الهرج فيما أخرجه الإمام أحمد والطبراني بسند حسن من حديث خالد بن الوليد أن رجلاً قال له: يا أبا سليمان! اتق الله؛ فإن الفتن قد ظهرت، فقال: أما وابن الخطاب حي فلا. يعني: الفتن كان بينها وبين المسلمين باب وهو عمر، فإذا كسر هذا الباب جاءت الفتن كما هو معلوم في التاريخ، فقال خالد بن الوليد ﵁: أما وابن الخطاب حي فلا، إنما تكون بعده، فينظر الرجل فيفكر هل يجد مكاناً لم ينزل به مثلما نزل بمكانه الذي هو به من الفتنة والشر فلا يجد. وهذا الأثر ينطبق علينا في هذا الزمان، فالإنسان عندما يتأمل في أي مكان حوله لا يجد شبراً قد خلا من الفتنة، فقد تكون جالساً في بيتك، تعتزل الناس، فيدخلون عليك الموسيقى والتلفزيون والفيديو والأغاني إلى البيت، فتجد أنه ما خلا شبر من هذه الفتن! وقد جاء تفسير الهرج في بعض الأحاديث بأنه كثرة القتل وإراقة الدماء. قال المناوي ﵀: (كهجرة إلي) يعني: من يثبت على دينه في وقت الغربة، ووقت الفتنة التي تصرف الناس عن دينهم، وتعظيمه وإقامة حدوده، يقول: فمن صبر على ذلك فثوابه كأنه هاجر إلى النبي ﷺ ، ونال الثواب الكثير، أو يقال: الهجرة في الأول كانت قليلة لعدم تمكن أكثر الناس من ذلك، فهكذا العابد في الهرج قليل، قال ابن العربي: وجه تمثيله بالهجرة أن الزمن الأول كان الناس يفرون فيه من دار الكفر وأهله إلى دار الإيمان وأهله، فإذا وقعت الفتن تعين على المرء أن يفر بدينه من الفتنة إلى العبادة، ويهجر أولئك القوم وتلك الحالة، وهو أحد أقسام الهجرة. يعني: إذا لم يكن في استطاعة الإنسان أن يهاجر من دار الكفر إلى دار الإسلام، أو لم تكن أصلاً هناك دار إسلام، أو لم يستطع أن يهاجر من دار البدعة إلى دار السنة، أو من دار الظلم إلى دار العدل فعليه انتقال نفسي بأن يهجر المعاصي، ويهجر المحرمات، فينتقل من الفتنة إلى طاعة الله ، ويهجر معاصي الله، وهذا أحد أقسام الهجرة التي تجب على كل مسلم.

стр. 37

التفصيل في حكم الهجرة لمن كان يعيش تحت سلطان الإسلام أو سلطان الكفر جاء عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن أعرابياً سأل رسول الله ﷺ عن الهجرة فقال ﷺ : (ويحك! إن شأن الهجرة شديد، فهل لك من إبل؟ قال: نعم. قال: فهل تؤدي صدقتها؟ قال: نعم. قال: فاعمل من وراء البحار فإن الله لن يترك من عملك شيئاً) أخرجه الشيخان. قوله ﷺ لذلك الأعرابي وقد جاء يسأله عن الهجرة فأجابه النبي ﷺ بقوله: (ويحك) وهذه كلمة ترحم وتوجع، تقال لمن وقع في مصيبة لا يستحقها. وقوله: (إن شأن الهجرة شديد) أي: إن القيام بحق الهجرة شديد، وفي لفظ مسلم: (إن شأن الهجرة لشديد) بالتوكيد باللام، أي: لا يقدر على الهجرة كل الناس، فهذه عبادة من أشق وأعظم العبادات، فلا يقدر عليها إلا القليل من الناس، ولا يقدر عليها كل الناس. ثم أرشده ﷺ إلى عمل دون ذلك يمكن أن يطيقه من الأعمال الصالحة، وهو أقل من الهجرة في تكاليفها، فقال: (فهل لك من إبل؟ قال: نعم. قال: فهل تؤدي صدقتها؟) يعني: تعطي الزكاة لمستحقيها، وتؤدي كذلك الواجبات الأخرى وفرائض الدين الواجبة عليك؟ (قال: نعم. قال: فاعمل من وراء البحار) المقصود بالبحار هنا: القرى والمدن، أي: اعمل من وراء القرى والمدن، سواءً كنت مقيماً في بلدك أو غيرها من أقصى بلاد الإسلام، يعني: اسكن ما شئت من بلاد المسلمين، واسكن حيث شئت من البلاد التي تكون الغلبة فيها والعلو لأحكام الإسلام، والقرية تسمى البحرة لاتساعها؛ لأنها تشبه البحر في اتساعها. يعني: إن أديت الفرائض والواجبات، فاعمل في أي مكان شئت من القرى أو المدن حتى لو كانت في أقصى بلاد المسلمين. قال: (فإن الله لن يترك من عمل شيئاًَ) يعني: لن ينقصك من صواب عملك شيئاً. وهذا الحديث يشعر بأن المسلم الذي يؤدي فريضة الله عليه في ماله ونفسه، لا بأس بعدم هجرته لقول النبي ﷺ : (فاعمل من وراء البحار)؛ لأنه دله عن البديل عن الهجرة، وأنه ينال من عمله أجراً عظيماً، وقوله: (اعمل من وراء البحار) يعني: أي أعمال أخرى، من إقام الصلاة أو إيتاء الزكاة أو غيرها من واجبات الدين، وهذا محله في البلد الذي لم يكن تحت حكم عدو الدين، أما إذا كان سيقعد في بلد يحكم فيه أعداء الإسلام، وستجري عليه أحكام الكفر؛ فلا يجوز ذلك، ولا يصح أن يستدل بهذا الحديث على أن عدم الهجرة لا بأس به كما هو ظاهر هذا الحديث؛ لأن المقصود به مكان يعلوه أحكام الإسلام وليس أحكام الكفر. أما من كان تحت سلطة الكفرة، بحيث يخاف على دينه وأهله وماله، فإن الهجرة لا تزال واجبة عليه إلى قيام الساعة، ولا حجة له في الحديث السابق، ولا حجة له أيضاً في قول النبي ﷺ : (لا هجرة بعد الفتح)؛ لأن المعنى: لا تجب الهجرة من مكة إلى المدينة بعد الفتح؛ لأن مكة صارت دار إسلام، فمن مكث في مكة بعد الفتح فلا تجب عليه الهجرة إلى المدينة؛ لأن مكة بعد الفتح صارت دار إسلام، فانتفت العلة الموجبة للهجرة. وقيل: المقصود أن فضيلة الهجرة الكاملة فاتت بالفتح؛ لأن في الصحيحين عن مجاشع بن مسعود ﵁ قال: (انطلقت بـ أبي معبد -وهو شقيقه- إلى النبي ﷺ ليبايعه على الهجرة، فقال ﷺ : مضت الهجرة لأهلها، أبايعه على الإسلام والجهاد)، وهذا يدل على أن هذا الحديث كان بعد فتح مكة، وقوله ﷺ : (مضت الهجرة لأهلها) يعني: فاز بالثواب الأكمل وحاز الغنيمة الكبرى من سبق بالهجرة قبل فتح مكة، أما بعد فتح مكة فبقيت مزية الهجرة كما بقيت مزية الإنفاق كما في قوله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد:١٠]، يعني: فضيلة الهجرة إلى المدينة لها منقبة عظيمة، ولها فضائل عظيمة، ولكن تلك المنزلة التي نالها المهاجرون والأنصار هي خاصة بالهجرة من مكة أو غيرها من البلاد إلى المدينة قبل الفتح، فهؤلاء الذين سبقوا بالأجر الأعظم من تلك الهجرة. فلا ينبغي للإنسان أن يستدل بمثل هذه الأحاديث على عدم وجوب الهجرة، وعلى أن الهجرة انقطعت بموت النبي ﷺ أو بفتح مكة، فإن المقصود بهذه الأحاديث أنه لا بأس بعدم الهجرة لمن كان يعيش تحت سلطان الإسلام، وليس لمن يعيش تحت سلطان الكفر. وقد روى البخاري أن عبيد بن عمير سأل عائشة ﵂ عن الهجرة فقالت: لا هجرة اليوم، كان المؤمنون يفر أحدهم بدينه إلى الله وإلى رسوله ﷺ مخافة أن يفتن عليه، فأما اليوم فقد أظهر الله الإسلام، والمؤمن يعبد ربه حيث شاء، ولكن جهاد ونية. ومعنى قول عائشة ﵂: (فأما اليوم فقد أظهر الله الإسلام) أن حكم الإسلام اتسع وشمل البلاد، ودخل الناس في دين الله أفواجاً، وعلاهم حكم الله، وشريعة الإسلام، ولكن جهاد ونية، فإن الهجرة قد مضت لأهلها، فهذا يدل على أن موضوع هذه الأحاديث حين كان المسلم مقيماً تحت حكم الإسلام، وليس معنى ذلك أن الإنسان يعيش ويقيم وسط الكفار، مستدلاً بمثل هذه الأحاديث على أنه لا هجرة بعد الفتح أو إن شأن الهجرة شديد، ومما يؤيد ذلك ما رواه الإمام أحمد من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: (جاء أعرابي فقال: يا رسول الله! أين الهجرة إليك، حيث كنت أم إلى أرض معلومة، أم لقوم خاصة، أم إذا مت انقطعت؟ قال: فسكت رسول الله ﷺ ساعة، ثم قال: أين السائل عن الهجرة؟! قال: هأنذا يا رسول الله، قال: إذا أقمت الصلاة، وآتيت الزكاة، فأنت مهاجر، وإن مت بالحضرمة، قال: يعني أرضاً باليمامة)، وفي رواية له: (الهجرة أن تهجر الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، ثم أنت مهاجر وإن مت بالحضرمة). وقال النبي ﷺ في حديث آخر: (لا تنقطع الهجرة ما قوتل العدو) يعني: ما ارتفع علم الجهاد، وقام المسلمون بمقاتلة أعدائهم.

стр. 38

الارتباط الوثيق بين الهجرة وعقيدة الولاء والبراء الهجرة لها ارتباط وثيق بالولاء والبراء، وقد ذكرنا أن الولاء والبراء أمر قلبي من لوازم لا إله إلا الله، وهو ينعكس في واقع عملي، فهو التطبيق العملي للوازم لا إله إلا الله من محبة المؤمنين وبغض الكافرين، فالهجرة مرتبطة بالولاء والبراء، بل هي من أهم تكاليفهما، والحديث فيها متشعب، وقبل أن نتكلم عن حكم الإقامة في ديار الكفر لا بد أن نتحدث بالتفصيل عن معنى دار الكفر، ودار الإسلام، وهذا الأمر يحتاج لتفصيل شديد، وسيخرج بنا عن الموضوع، فنقتصر على التعاريف، وإن أتت فرصة أخرى نتكلم عن ذلك بالتفصيل.

стр. 39

حكم الإقامة في بلاد الكفر مع الرضا بما هم عليه من الكفر إقامة الإنسان في بلاد الكفار رغبة واختياراً لصحبتهم، فيرضى ما هم عليه من الدين، أو يمدحه، أو يرضيهم بعيب المسلمين وذمهم، أو يعاونهم على المسلمين بنفسه أو ماله أو لسانه؛ كفر ومن فعل ذلك فهو كافر عدو لله ولرسوله ﷺ ، وذلك لقوله تعالى: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾ [آل عمران:٢٨]. قال ابن جرير: قد برئ من الله، وبرئ الله منه لارتداده عن دينه، ودخوله في الكفر. وقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة:٥١] وقال ﷺ : (من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله)، وصح عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه قال: (من بنى بأرض المشركين فصنع نيروزهم حشر معهم).

стр. 40

بعض حقوق المسلم المترتبة على الموالاة والمناصرة يجب على المسلم أن يقيم مع إخوانه المسلمين، قال النبي ﷺ : (المؤمن أخو المؤمن يكف عليه ضيعته -أي: معيشته، فيحفظها ويضمها له- ويحوطه من ورائه) كالرداء والقميص، فالإنسان إذا ارتدى رداءً أو قميصاً فإنه يحوطه من ورائه، أي: أنه يحفظه ويصونه، ويدفع عنه من يغتابه أو يلحق به ضرراً، ويعامله بالإحسان والنصيحة، وكل هذه النصوص الواردة من المحبة والمودة بين المؤمنين هي من مقتضيات الولاء والبراء، وتبين الحقوق التي تترتب على هذه المحبة، وأهمها المودة والنصرة، وهذه النصوص كلها تغنينا عن الاستدلال بالحديث الذي يكثر الاستدلال به من قبل كثير من الخطباء، وهو ما ينسبونه إلى النبي ﷺ أنه قال: (من لا يهتم بأمر المسلمين فليس منهم) رواه الطبراني في معجمه الصغير، وهو حديث ضعيف، ولا يصح الاحتجاج به، ولا تصح نسبته إلى النبي ﷺ ، وإذا جاء الصباح أغنى عن المصباح، فالأدلة الصحيحة تغنينا عن الأدلة الضعيفة. أيضاً: يترتب على هذه الموالاة والمناصرة بعض الحقوق مثل: الزيارة والإكرام، والسلام، وحماية العرض، والمواساة بقدر المستطاع إلى آخر ما هو معلوم من حقوق المسلم على أخيه المسلم.
следующие страницы →