Полный текст (112 стр.). Показаны 106–112 · переход к 111.
стр. 106
أدب الخلاف [٩]
إن الأقوال البدعية قد تصدر عن بعض أهل البدع ممن أفنى عمره فيها وانتدب نفسه للدفاع عنها، ومثل هذا يبدع ويغلظ عليه ويحذر منه، كما أن من أهل العلم والصلاح والتقى من يصدر عنه أقوال بدعية، وقد صدر مثل هذا عن أئمة أعلام، فمثل هذا يبين الخطأ في قوله، والتحذير من بدعته مع الثناء عليه، وذكره بالحسن الجميل، ومعرفة قدره، وغمر خطئه في بحار حسناته.
стр. 107
الموقف من العلماء الذين قالوا ببعض البدع
فنتناول هنا مسألة الموقف من العلماء الذين قالوا ببعض البدع، أو بالأقوال الباطلة التي عددناها ضمن الخلاف غير السائغ نقول: لا شك أن أهل العلم وطلابه عند مطالعتهم لكثير من كتب بعض العلماء المتقدمين وفتاويهم يصطدمون بأقوال من التي سبق عدها في الخلاف غير السائغ، سواء كان ذلك في مسألة الاعتقاد، كمسألة التأويل في الأسماء والصفات، فإنه يقول بها خلائق من أهل العلم المنتسبين للأئمة الأربعة من المذاهب الفقهية، وللأشعري في كثير من المسائل الاعتقادية كالإمام النووي وابن حجر رحمهما الله، وكمسألة فناء النار ومخلوقات لا أول لها التي تنسب إلى ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله، وانتصر له ابن القيم في مصنفات عدة.
فانتصر لها في حادي الأرواح، وشفاء العليل وغير ذلك، ونسبة القول بفناء النار محتمل النسبة إلى شيخ الإسلام لأن ابن القيم في شفاء العليل قال: إنه سئل عنها، فقال: هذه مسألة عظيمة وفيها نزاع، لكن مخلوقات لا أول لها ظاهر كلام ابن تيمية بأنه يقول بها، ومعنى: مخلوقات لا أول لها أي: ما من مخلوق إلا وقبله مخلوق بلا بداية في الأزل، مثلما نقول: مخلوقات لا آخر لها، مثل النار والجنة وأهلهما مخلوقات لا آخر لها، وما من نعيم إلا وبعده نعيم لأهل الجنة، وما من عذاب إلا وبعده عذاب لأهل النار بلا نهاية، فقال هو: وفي البداية وجد هذا، وخلاصة ذلك: أن جنس المخلوقات قديم وأنواعه حادثة، وهذا كلام باطل، نعم هناك حوادث لا أول لها، والصحيح فيها: أن أفعال الرب تسمى حادثة وهي لا أول لها، فلم يزل الرب فعالاً لما يريد، فحمل كلام حوادث لا أول لها على المخلوقات يظهر من كلام شيخ الإسلام.
نقول: وفي المسائل الفقهية كالقول بجواز ربا الفضل، ونكاح المتعة، كلاهما ثابت عن ابن عباس، وعددنا ذلك من الخلاف غير السائغ، رغم وجود خلاف الصحابة ﵃ فيه؛ لأن المسألة ثبت فيها حد الخلاف غير السائغ وهو وجود النص وليس الدليل فقط، وقلنا في هذا الحد: هو ما يخالف نصاً من كتاب أو سنة أو إجماعاً أو قياساً جلياً، فهناك نص جلي في منتهى البيان بأن ربا الفضل يجري في أصناف ستة.
ويروى رجوع ابن عباس عنهما، وغير ذلك مما سبق، فكيف يعامل هؤلاء العلماء وإن قالوا بما ندين الله به أنه بدعة ضلالة أو خطأ وباطل قطعاً؟
و
الجواب
أن أهل السنة لا يتفقون على عدم ذم من اجتهد فأخطأ كائناً من كان خطؤه ممن هو معروف بالخير والصلاح كالصحابة ﵃، والأئمة الأعلام كالأربعة، وأئمة أهل الحديث، ومن سار على نهجهم، ولهم في الأمة الذكر الجميل والثناء الحسن.
ولا يستوي عندهم من قضى عمره في العلم النافع والعمل الصالح، والدعوة إلى الحق، ونصرة السنة وأهلها، وبذل النفوس والأوقات والأموال في سبيل الله، وتحمل المشاق في سبيل الله، لا يستوي هؤلاء ومن قضى عمره في الصد عن سبيل الله، ومحاربة السنة ونشر البدعة والاجتهاد لنصرة الباطل.
مثلاً: هل نقول الجهم بن صفوان اجتهد فأخطأ؟ لا؛ لأنه عاش عمره مناصراً للبدعة وصاداً عن السنة، وكذا الجعد بن درهم وبشر المريسي، بخلاف من وقع في شيء من الأخطاء، فالإمام النووي يقول بالتأويل، لكن هل الإمام النووي عاش عمره ينصر قضية التأويل، وهي القضية الأساسية، وكان يبتدع في الدين، أم أنه عاش عمره مناصراً للسنة، خادماً لها مؤيداً، ساع في نصر الدين والدعوة إلى الحق؟ لا شك أن الثاني هو الصحيح.
أقول: لا يستوي هؤلاء العلماء ومن قضى عمره في الصد عن سبيل الله، ومحاربة السنة، ونشر البدعة، والاجتهاد في نصرة الباطل، والتعصب الممقوت عليه كـ الجهم بن صفوان والجعد بن درهم وبشر المريسي وغيلان القدري، فهؤلاء عرفوا بالبدعة وكونهم من رءوسها ودعاتها، ولم يكن لهم في العلم حظ ونصيب، بل ما حصلوا منه ما يؤهلهم لكونهم طلاباً؛ لذا كان وقوعهم في البدعة من جراء تقصيرهم، ولما ناظرهم العلماء وبينوا لهم الحق كان الإعراض من شأنهم؛ بسبب ترؤسهم بغير استحقاق، وتصدرهم بغير تأهيل.
-فهم تصدروا بالفعل وصاروا رءوساً وصار لهم أتباع مثل: الخوارج- فكيف يستوون -أي: هؤلاء المبتدعون- مع من كانت جل أقوالهم وأعمالهم مطابقة للحق؟ فنقول في حق هؤلاء العلماء: إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث، ولا يعني ذلك أن تصحح الأقوال الباطلة، أو نسكت عن البدع المخالفة للحق.
فمثلاً ابن القيم يقول في حق شيخه -وهو غير مباشر ولكنه شيخ له على مدى الزمن البعيد، ونقصد أنه متتلمذ على كتبه-: شيخ الإسلام حبيب إلى نفوسنا، ولكن الحق أحب إلينا منه، والبعض يظن أن قصده بذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، والصواب أنه يقصد شيخ الإسلام الهروي، مع أن تسمية الهروي بشيخ الإسلام فيه نظر، والأقوال المنسوبة إليه من البدع فظيعة جداً، بل بعض الأقوال أقوال كفرية، فتسميته بشيخ الإسلام محل نظر، لكن هذا قول ابن القيم، وهو يحسن به الظن جداً.
نقول: فلا بد من النظرة المتوازنة التي ترى الحسنات والسيئات معاً، وتزن كل الأقوال بميزان الشريعة، وتزن أصحابها بما عندهم من الخير والشر معاً.
وقد سبق قول شيخ الإسلام ابن تيمية: وأهل السنة متفقون على أن المعروفين بالخير كالصحابة المعروفين وغيرهم من أهل الجمل وصفين من الجانبين لا يفسق أحد منهم فضلاً عن أن يكفر.
مع أننا نجزم أن هناك فئة باغية، ومع ذلك لا يفسق ولا يبدع؛ لأنهم معروفون بالخير.
وقال أيضاً ﵀: وأيضاً فإن السلف أخطأ كثير منهم في كثير من هذه المسائل، واتفقوا على عدم التكفير بذلك، مثلما أنكر بعض الصحابة أن يكون الميت يسمع بكاء الحي.
وفي قول النبي ﵊ لما خاطب أهل قليب بدر: (ما أنتم بأسمع لما أقول منهم)، وليس معنى ندائه أنه يطلب منهم قضاء الحاجة.
يقول: وأنكر بعضهم أن يكون المعراج يقظة، وأنكر بعضهم رؤية محمد ﷺ ربه.
والراجح في مسألة المعراج بيناه، وهل كان يقظة أو مناماً، أو أنه بالقلب، أم أنه بالبدن والروح معاً، وأما رؤية النبي لربه فهي مسألة خلافية من الخلاف السائغ أصلاً، والراجح أنه رآه بقلبه ولم يره بعينه.
يقول: ولبعضهم في قتال بعض، ولعن بعض، وإطلاق تكفير بعض أقوال معروفة، وكان القاضي شريحاً ينكر قراءة من قرأ: (بل عجبتُ ويسخرون) ونحن نقرأ ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾ [الصافات:١٢]، لكن قراءة الجمهور قراءة ثابتة وسبعية، فقال: إن الله لا يعجب، فبلغ ذلك إبراهيم النخعي، فقال: إن شريح شاعر يعجبه كلامه، كان عبد الله بن مسعود أفقه منه وكان يقول: (بل عجبتُ)، فهذا قد أنكر قراءة ثابتة، وأنكر صفة دل عليها الكتاب والسنة، واتفقت الأمة على أنه إمام من الأئمة.
وشريح القاضي كان في زمن علي ﵁.
وكذلك أنكر بعض السلف حروفاً من القرآن -يعني: بعض حروف القرآن- مثل إنكار بعضهم قوله: ﴿أَفَلَمْ يَيْئَسِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الرعد:٣١]، وقال إنما هي: أولم يتيقن الذين آمنوا.
وإنكار الآخر قراءة قوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:٢٣]، وقال إنما هي: ووصى ربك.
فهي لم تبلغه سماعاً، ووجدها في المصحف: (وقضى) فقال بل هي: ووصى، وتجده ربما يقول: خطأ من الناسخ، واحتمل عنده ذلك بسبب أن القرآن لم يتواتر، ونحن الآن نجزم بخطأ من قال: إنها خطأ من الناسخ، بل لو جاء أحد اليوم وقال: هذا خطأ من الناسخ يكفر؛ لأن هذا الأمر مجمع عليه وأن تقرأ: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾ [الإسراء:٢٣]، بل قراءة ووصى ربك فيها شذوذ؛ لأنها مخالفة لرسم المصحف.
يقول: وبعضهم -يقصد عبد الله بن مسعود - كان يحذف المعوذتين، وآخر يكتب سورة القنوت -يقصد دعاء: (اهدني في من هديت) وهذا خطأ معلوم بالإجماع والنقل المتواتر.
من ينكر المعوذتين من القرآن الآن كافر، وعبد الله بن مسعود ثابت عنه أنه أنكرهما وقال: إنهما ليستا من القرآن، وربما يقال: كان يقصد الذي يكتب في المصاحف وإنما يتعوذ بهما، لكن هذا خطأ بالإجماع، وكذا لو زاد أحد سورة القنوت؛ لأن هذا معلوم من الدين بالضرورة، ونحن قد نكفر المتأخرين في مسائل عذرنا فيها المتقدمين؛ لأنهم لم تبلغهم الحجة.
يقول: ومع هذا فلما لم يكن قد تواتر النقل عندهم بذلك لم يكفروا، وإن كان يكفر بذلك من قامت عليه الحجة بالنقل المتواتر، فها هو شريح ينكر صفة من صفات الله، ويجمع أهل العلم على إمامته فلا يبدع ولا يفسق ولا يكفر، وإنكار كتابة المعوذتين في المصحف ثابتة عن ابن مسعود ﵁، ولا خلاف في عدالة الصحابة أجمعين، ولا يجرؤ على اتهام مثل ابن مسعود وابن عباس بشيء إلا ضال مجرم، رغم الجزم والقطع بخطأ القول المنسوب إليهم، بل قد يصل الأمر إلى ما هو أشد من ذلك فيمن ينكره اليوم؛ فإن من ينكر اليوم: ﴿أَفَلَمْ يَيْئَسِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الرعد:٣١] أو ﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾ [الإسراء:٢٣] فإنه يكفر لتواتر النقل بها في هذه الأعصار، وصارت معلومة من الدين بالضرورة.
هذه أمثلة صارخة جداً تعتبر كفراً الآن، وهم قالوها ولم يكفروا، إذاً: الأولى أن نقول: إن هذا الإمام قال بهذه البدعة ولكنه ليس بمبتدع.
يقول: ومن هنا فإن موقفنا من العلماء أمثال النووي وابن حجر وغيرهما ممن قال بالتأويل هو موقفنا
стр. 108
الإنكار في مسائل الخلاف غير السائغ
ومسألة الإنكار في مسائل الخلاف غير السائغ هي مسألة مهمة جداً؛ لأن كثيراً من العلماء ممن تكلم في شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد أطلق أن من شروط إنكار المنكر أن يكون المنكر غير مختلف فيه، وربما قال بعضهم: ألا يكون منكراً في مذهب فاعله -هذا كلام الغزالي، يقول: لو كان مذهبه أن هذا ليس منكراً فلا ينكر عليه- وهذا الإطلاق رغم وجوده في كلام هؤلاء العلماء أنفسهم وغيرهم إلا أن في تطبيقاتهم وأمثلتهم ما يقيده.
فـ الغزالي مثلاً يعد في إنكار المنكر تكسير آلات اللهو وهو يعرف أن فيها خلافاً، إذاً لم يقول: ألا يكون منكراً في مذهب فاعله، أو يكون غير مختلف فيه؟ وما قصده بهذا وهو يجوز تكسير آلات اللهو؟ هذا دليل على أن الخلاف عنده هو ما يخالف النص من الكتاب والسنة أو الإجماع أو القياس الجلي يرد فيه، وكذلك هو كلام الإمام النووي حيث يقول: ومن شرط المنكر أن يكون غير مختلف فيه، ثم يقول بعد ذلك: إلا أن يخالف نصاً من الكتاب والسنة أو الإجماع أو القياس الجلي.
فبعض الجماعات والاتجاهات جعلت هذا الكلام على إطلاقه حجة في إنكار مشروعية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في أي أمر خلافي دون اعتبار لنوع الخلاف، ولهذا كان بيان هذه المسألة، وهو مشروعية الإنكار في مسائل الخلاف غير السائغ بالأدلة وكلام أهل العلم من الأمور المهمة للدعوة والدعاة خاصة في هذه الأزمان التي تكلم فيها الزنديق بلسان الصديق، وصارت كل الأمور حتى البديهية والمجمع عليها محل خلاف عند طائفة من المنتسبين إلى الملة بل إلى العلم والعلماء أحياناً كثيرةً -فالربا خلاف سائغ، وبيع الخمر خلاف سائغ، والتوسل خلاف سائغ، ثم يصبح كل خلاف سائغاً لا أحد ينكر فيه، ويترتب على ذلك تضييع الدين -فنبدأ أولاً بذكر الأدلة وبيان طريقة الصحابة ﵃، ثم نوضح كلام العلماء الذين احتج البعض بأقوالهم.
стр. 109
أدلة الكتاب والسنة في مشروعية الإنكار في الخلاف غير السائغ
أول دليل على مشروعية الإنكار هو عموم الأدلة القرآنية والنبوية، كقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران:١٠٤]، وقول النبي ﷺ : (من رأى منكم منكراً فليغيره).
المعروف: هو ما عرف في الشرع حكمه، والمنكر: هو ما استنكره الشرع واستقبحه، فإذا ثبت قطعاً بالنص أو الإجماع أن أمراً ما هو من الأمور المنكرة ومن المنكرات فهو داخل في هذا العموم ولا يضر مخالفة من خالف، يعني: لماذا يخرجه من المنكر وقد ثبت أن الرسول عده من المنكرات، والقرآن عده من المنكرات؟ إذاً: فهذا من المنكرات ولابد أن ينكر، حتى ولو خالف فيه فلان من الناس.
إنما قلنا بترك الإنكار في مسائل الخلاف السائغ الذي لا يخالف نصاً ولا إجماعاً لاتفاق الصحابة على عدم الإنكار فيها، كما نقل شيخ الإسلام الاتفاق على أنهم لا ينكر بعضهم على بعض في بعض مسائل الخلاف السائغ؛ لأنه لم يلزم أن يكون منكراً بالقطع واليقين في الشرع، إنما يغلب على ظنه أن هذا منكر، وسيغلب على ظن الآخر أنه معروف، وبالتالي اتفق الصحابة على إخراج الخلاف السائغ، وقد مدح الله داود وسليمان وأثنى على سليمان بالفهم، وقال: ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء:٧٩]، مع أن حكم داود كان خطأ وحكم سليمان هو الصواب.
فنقول كما قال ابن تيمية ﵀: اتفق الصحابة على عدم الإنكار فيها إلا على درجة التعريف، فهم متفقون على أنهم يعرفون أو يناظرون ويبينون، كما قال ابن تيمية ﵀: قد ثبت بالكتاب والسنة والإجماع أن من الخطأ في الدين ما لا يكفر مخالفه، بل ولا يفسق، بل ولا يأثم، فيبقى ما دل عليه النص أو الإجماع على الأصل وهو وجوب الإنكار.
إذاً: أي منكر في الشرع لا يخرج من استحقاق الإنكار إلا ما أجمع عليه من الأمور التي هي محل خلاف سائغ، وجميع أدلة ذم البدع وإنكارها تدل بمجموعها على الإنكار في الخلاف غير السائغ.
قال البخاري ﵀ في صحيحه: باب إذا اجتهد العالم أو الحاكم فأخطأ خلاف الرسول ﷺ من غير علم فحكمه مردود، لقول النبي ﷺ : (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد).
وذكر حديث أبي سعيد وأبي هريرة: أن النبي ﷺ بعث أخا بني عدي الأنصاري واستعمله على خيبر، فقدم بتمر جنيب -جيد- فقال له رسول الله ﷺ : (أكل تمر خيبر هكذا؟ قال: لا والله يا رسول الله! إنا لنشتري الصاع بالصاعين من الجمع)، والجمع هو: تمر رديء، قال: فأنا أشتري الصاع من هذا بصاعين من التمر الأقل جودة، فقال رسول الله ﷺ : (لا تفعلوا، ولكن مثلاً بمثل، أو بيعوا هذا واشتروا بثمنه من هذا، وكذلك الميزان).
وفي رواية في الصحيح قال: (أوه عين الربا لا تفعل)، وفي رواية قال: (ردوه)، فأمر برد البيع رغم أن الصحابي عمل في ذلك باجتهاده، وقد كان يريد أن يأتي للرسول ﷺ بأحسن شيء.
وقال أيضاً الإمام البخاري في كتاب الأحكام: باب إذا قضى الحاكم بجور أو خلاف أهل العلم فهو رد، وذكر فيه قصة قتل خالد للأسرى لما قالوا: صبأنا فأمر خالد بقتلهم، فقال النبي ﷺ : (اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد)، مرتين، وكلمة أبرأ إليك مما صنع خالد صريحة في الإنكار على من خالف السنة ولو كان متأولاً مجتهداً كـ خالد لكن الرسول ﷺ أظهر الإنكار، بخلاف فعله في كثير من أفعال الصحابة مثل مسألة بني قريظة، بل الراجح في هذا -كما قلنا- أنه خلاف تنوع وأن كلاهما مصيب.
стр. 110
آثار الصحابة في مشروعية الإنكار في الخلاف غير السائغ
روى مسلم في صحيحه عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تمنعوا النساء من الخروج إلى المساجد بالليل)، فقال ابن لـ عبد الله بن عمر: لا ندعهن يخرجن فيتخذنه دغلاً، قال: فزجره ابن عمر وقال: أقول قال رسول الله ﷺ وتقول: لا ندعهن، وفي رواية فضربه في صدره، قال النووي: فيه تعزير المعترض على السنة المعارض لها برأيه مع أن له وجهة، وعائشة ﵂ قالت: (لو علم رسول الله ﷺ ما أحدث النساء لمنعهن)، ومع ذلك ضرب ابن عمر ابنه لأنه عارض السنة برأيه لكي يعاقبه في رده لهذا الخبر.
وفي رواية أبي عمر بن عبد البر في جامع العلم وفضله: قال بلال بن عبد الله بن عمر: أما أنا فسأمنع أهلي، فمن شاء فليسرح أهله -كلمة يسرح كلمة سيئة، مع أن الرسول ﷺ هو الذي أذن- فالتفت إليه وقال: لعنك الله، لعنك الله، لعنك الله - ابن عمر ﵁ يلعن ابنه- تسمعني أقول: إن رسول الله ﷺ أمر ألا يمنعن، فقام مغضباً.
وروى أبو عمر أيضاً بسنده عن ابن عباس قال: (تمتع النبي ﷺ ؟ فقال: عروة بن الزبير نهى أبو بكر وعمر عن المتعة، فقال ابن عباس: أراهم سيهلكون، أقول: قال النبي ﷺ ، ويقولون: نهى أبو بكر وعمر، وفي رواية له قال: والله ما أراكم منتهين حتى يعذبكم الله، أحدثكم عن رسول الله ﷺ وتحدثوني عن أبي بكر وعمر)، مع أن ابن عباس يعرف قدر أبي بكر وعمر أعظم معرفة.
قال أبو عمر يعني: متعة الحج، وهو فسخ الحج إلى العمرة.
إذاً: الذي يعارض السنة بآراء الرجال فهذا خلاف غير سائغ، فعندهم إنكار على من يخالف السنة، مع أن عروة هو أحد الفقهاء السبعة، وأبو بكر وعمر هما أعلم من ابن عباس بكثير، لكن الذي يخالف السنة ينكر عليه، وهذا أصل عظيم في قضية الإنكار في مسائل الخلاف، وكان يقول: سيأتيكم عذاب ستنزل عليكم حجارة من السماء ستهلكون، وهذا إنكار غليظ.
وروى أيضاً أبو عمر عن صفوان بن محرز: أنه سأل عبد الله بن عمر عن الصلاة في السفر، فقال: ركعتان، من خالف السنة كفر.
مع أن المسألة قال بها عائشة وعثمان ﵄، والمقصود هنا كفر النعمة وعدم شكرها كما بينه في التمهيد.
وروى مسلم في صحيحه عن أبي الأشعث قال: غزونا غزاة وعلى الناس معاوية -أمير في عهد عمر - فغنمنا غنائم كثيرة، وكان فيما غنمنا آنية من فضة، فأمر معاوية رجلاً أن يبيعها في أعطية الناس، فتسارع الناس في ذلك، فبلغ عبادة بن الصامت، فقال: (إني سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، إلا سواءً بسواء عيناً بعين، فمن زاد أو استزاد فقد أربى).
فرد الناس ما أخذوا، فبلغ ذلك معاوية، فقام خطيباً فقال: ألا ما بال رجال يتحدثون عن رسول الله ﷺ أحاديث قد كنا نشهده ونصحبه فلم نسمعها منه، فقام عبادة بن الصامت فأعاد القصة.
ومعلوم أن صحبة معاوية ﵁ للرسول ﷺ كانت قليلة، وأما عبادة بن الصامت فهو من المبايعين الأوائل في بيعة العقبة، فلا شك أنه أعلم منه بالتأكيد، فـ معاوية لما قام فتكلم قام عبادة بن الصامت وأعاد عليه الحديث مع أن معاوية هو الأمير، ثم قال: لنحدثن بما سمعنا من رسول الله ﷺ وإن كره معاوية، أو قال: وإن رغم معاوية، ما أبالي ألا أصحبه في جنده، ليلة سوداء.
يعني: الليلة التي يرد فيها الناس كلام النبي ﷺ ، وهذا إنكار منه على معاوية ﵁، ومعاوية ظن أنه أخطأ في النقل، لكن عبادة أغلظ له كثيراً جداً، وقال: تلك ليلة سوداء التي يتكلم فيها أحد عن أحاديث النبي ﵊، ورغماً عن الأمير سنقول.
هذا إنكار شديد بلا شك.
لذا نقول: غير معروف عند الصحابة أن رجلاً يخالف السنة ولا ينكر عليه، حتى ولو كان مجتهداً أو عالماً، فهم ينكرون على كل من خالف السنة، فضلاً عن أن يكون مخالفاً لنص من الكتاب، ومثله من يخالف الإجماع أو القياس الجلي.
وروى أبو عمر عن أبي الدرداء قال: من يعذرني من معاوية؟ أحدثه عن رسول الله ﷺ ويخبرني برأيه، لا أساكنك بأرض أنت فيها، وأرسل لـ عمر بن الخطاب، فقال له: لا بارك الله في أرض لست فيها، وأمر معاوية أن يرد كل البيوعات التي وقعت في الربا.
وروى مسلم في صحيحه عن عروة بن الزبير: أن عبد الله بن الزبير قام بمكة وقال: إن ناساً أعمى الله قلوبهم كما أعمى أبصارهم يفتون بالمتعة، يعرض برجل -يعني: ابن عباس ﵁ هل هناك تغليظ أكبر من هذا؟! وابن عباس كان قد عمي في آخر عمره، فيعرض بفتواه في جواز نكاح المتعة، فدعاه ابن عباس، فقال: إنك لجلف غليظ -هذا في الخطبة- لعمري لقد كانت المتعة تفعل على عهد إمام المتقين رسول الله ﷺ ، فقال له ابن الزبير: فجرب لنفسك، فوالله لئن فعلت لأرجمنك بأحذيتك.
فرغم شدة هذه الأقوال بين الصحابة ﵃ إلا أنه يدل على اتفاقهم على الإنكار على من خالف السنة؛ لأن ابن عباس قال له: جلف غليظ؛ لأن ابن الزبير لديه حديث، ويجزم ببطلان ما عليه ابن عباس؛ لأن الحديث الذي رواه ابن عباس منسوخ، فهم اختلفوا في المسألة، لكن اتفقوا على التغليظ في الإنكار لمن خالف السنة.
وقد سبق قول عائشة ﵂ لأم ولد زيد بن أرقم: أبلغي زيد بن الأرقم أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله ﷺ إلا أن يتوب.
والأحاديث متواترة في الأمر بقتال الخوارج وذمهم مع أنهم كانوا يظنون أنفسهم من أحسن الناس، وكذلك أحاديث قتال مانعي الزكاة، وكلها في الصحاح والسنن والمسانيد، وهؤلاء كانوا متأولين ولأجل هذا لم يكفَّروا، لكنه لم يمنع من الإنكار عليهم بالقتال، والقتال أبلغ درجات الإنكار، وكذا الأمر بقتال الفئة الباغية إذا ظهر بغيها رغم تأويلها حتى تفيء إلى أمر الله.
وجميع الأدلة والآثار السابقة وغيرها كثير تدلنا على طريقة الصحابة ﵃ في الإنكار على من خالف الكتاب والسنة إذا بلغته وعارضها بآراء الرجال.
стр. 111
أقوال العلماء في مشروعية الإنكار في الخلاف غير السائغ
أما أقوال العلماء في مشروعية الإنكار في مسائل الخلاف غير السائغ فكثيرة جداً، قال ابن القيم ﵀ في أعلام الموقعين: وقولهم: إن مسائل الخلاف لا إنكار فيها ليس بصحيح -هذا من أوضح النقل- فإن الإنكار إما أن يتوجه إلى القول والفتوى أو العمل، فأما الأول فإن كان القول يخالف سنة أو إجماعاً شائعاً وجب إنكاره اتفاقاً.
ينقل ابن القيم اتفاق العلماء على الإنكار فيما يخالف السنة أو الإجماع الشائع.
إذاً: ما يقال في هذا الزمان من أن أي مسألة فيها خلاف لا ينكر فيها.
مذهب في منتهى البطلان مخالف للإجماع في الحقيقة.
يقول: وإن لم يكن كذلك، فإن بيان باطله ومخالفته للدليل إنكار مثله، أي: ينكر الإنكار المناسب له، وهي درجة التعريف وبيان بطلان أو ضعف هذا القول، فالمسألة ليس فيها نص ولكن فيها اجتهاد فليبين.
وهذا هو الإنكار المناسب، وهو درجة التعريف كما ذكرنا.
يقول: وأما العمل فإذا كان على خلاف سنة أو إجماع وجب إنكاره بحسب درجات الإنكار، وكيف يقول فقيه: لا إنكار في المسائل المختلف فيها، والفقهاء من سائر الطوائف قد صرحوا بنقض حكم الحاكم إذا خالف كتاباً أو سنة -وهذا كلام الإمام البخاري، وكل الفقهاء يقولون بهذا: ينقض حكم القاضي إذا خالف كتاباً أو سنة- وإن كان قد وافق فيه بعض العلماء، أما إذا لم يكن في المسألة سنة ولا إجماع، وللاجتهاد فيها مساغ، لم ينكر على من عمل بها مجتهداً أو مقلداً.
(الأعلام ٣/ ٣٠٠).
قال ابن رجب ﵀ في جامع العلوم والحكم (ص:١٨٤): والمنكر الذي يجب إنكاره مجمعاً عليه -أي: المنكر الذي يجب إنكاره هو المجمع عليه- فأما المختلف فيه فمن أصحابنا مثل القاضي أبو الخطاب من قال لا يجب إنكاره على من فعله مجتهداً أو مقلداً لمجتهد تقليداً سائغاً، واستثنى القاضي - أبو يعلى - في الأحكام السلطانية ما ضعف فيه الخلاف، أو إن كان ذريعة إلى محظور متفق عليه، فربا النقد -ربا الفضل- الخلاف فيه ضعيف وهو ذريعة إلى الربا، وذكر عن إسحاق بن شاقلا -من كبار أصحاب الإمام أحمد - أنه ذكر أن المتعة هي الزنا صراحاً، يعني: نكاح المتعة هو الزنا، وقد قلنا من قبل: إذا بلغه تحريم نكاح المتعة يقام عليه حد الزنا، ونقول في مسألة النكاح بدون ولي مثل ذلك رغم أنه قول قلة من العلماء كما ذكرنا، يعني: لو تزوج رجل بدون ولي وهو يعلم بطلان الزواج بدون ولي يقام عليه حد الزنا، والجمهور يقولون: لا لأن هذا خلاف سائغ عندهم، لكن عندي أن النص واضح، فهذا خلاف غير سائغ.
وعن ابن بطة قال: لا يفسخ نكاح حكم به قاض إن كان قد تأول فيه تأويلاً، إلا أن يكون قضى لرجل بعقد متعة، أو طلق ثلاثاً في لفظ واحد وحكم بالمراجعة من غير زوج، فحكمه مردود، وعلى فاعله العقوبة والنكال.
التمثيل بهذه المسألة خطأ، فهو يقول: لو طلق رجل زوجته ثلاثاً فقضى قاض برجوعها إليه وحسبها واحدة فقط فهذا من الخلاف غير السائغ، ونحن عندنا أن هذا خلاف سائغ، بل الصحيح في المسألة أنها تجعل واحدة؛ لأن المسألة فيها اجتهاد، لكن تمثيله بمن قضى لرجل بنكاح متعة هو مصيب فيه بلا شك؛ لأن النصوص صريحة جداً في بطلان نكاح المتعة.
يقول: والمنصوص عن أحمد الإنكار على اللاعب بالشطرنج، فتأوله القاضي من لعب فيها بغير اجتهاد - القاضي أبو يعلى - أو تقليد سائغ.
يقول ابن رجب: وفيه نظر.
فإن النصوص عنه -عن أحمد - أنه يحد شارب النبيذ المختلف فيه، وإقامة الحد أبلغ مراتب الإنكار، مع أنه لا يفسق عنده بذلك، فدل على أنه ينكر كل مختلف فيه ضعف الخلاف فيه لدلالة السنة على تحريمه، ولا يخرج فاعله المتأول من العدالة بذلك، والله أعلم.
وكذلك نص أحمد على الإنكار على من لا يتم صلاته، ولا يقيم صلبه من الركوع والسجود مع وجود الاختلاف في وجوب ذلك.
فـ أبو حنيفة يقول: لا يجب، ومع ذلك الإمام أحمد ينكر على من فعل؛ لأن السنة صريحة جداً في وجوب الطمأنينة في الركوع والسجود وإقامة الصلب حين الرفع من الركوع.
قال النووي ﵀ في شرح مسلم: ثم العلماء ينكرون ما أجمع عليه، أما المختلف فيه فلا إنكار فيه وهذا ما يحتج به من كلامه على أنه لا ينكر في مسائل الاختلاف، لكن بالنظر إلى تتمة كلامه يعلم المقصود -لأنه على أحد المذهبين: كل مجتهد مصيب- ونحن بينا بطلان هذا القول، وأن المراد أنه فعل ما عليه، أما أنه أصاب الصواب فلا.
وهذا هو المختار عند كثير من المحققين أو أكثرهم، وعلى المذهب الآخر: المصيب واحد والمخطئ غير متعين لنا -على سبيل القطع- والإثم مرفوع عنهم، لكن إن ندبه على جهة النصيحة إلى الخروج من الخلاف إذا لم يلزم منه إخلال بسنة أو وقوع في اختلاف آخر.
يعني: إذا قال له: الأفضل أنك تخرج من خلاف العلماء، ونصحه بالقول الأحوط إذا لم تكن نصيحته تخرجه إلى خلاف آخر أو يضيع سنة.
يقول: وذكر أقضى القضاة أبو الحسن الماوردي البصري الشافعي -وهو معتزلي في العقيدة وشافعي في الفقه- في كتابه الأحكام السلطانية خلافاً بين العلماء: أن من قلده السلطان الحسبة هل له أن يحمل الناس على مذهبه فيما اختلف فيه الفقهاء إذا كان المحتسب من أهل الاجتهاد، أم لا يغير ما كان على مذهب غيره؟ والأصح أنه لا يغير لما ذكرناه، ولم يزل الخلاف في الفروع بين الصحابة والتابعين فمن بعدهم ﵃ أجمعين، ولا ينكر محتسب ولا غيره على غيره، وكذلك قالوا: ليس للمفتي ولا للقاضي أن يعترض على من خالفه إذا لم يخالف نصاً أو إجماعاً أو قياساً جلياً، وهذا القيد واضح جداً.
إذاً: هناك كلام للنووي يبين مقصوده من أن المقصود بالمختلف فيه والذي لا إنكار فيه، أي: إذا لم يخالف نصاً من الكتاب والسنة والإجماع، وهذا حد الخلاف السائغ كما ذكرنا، أما ما خالف نصاً أو إجماعاً أو قياساً جلياً فهذا ينكر، ويعترض عليه، وينقض فيه حكم الحاكم وقضاء القاضي، وقد سبق مثل هذا في تبويب الإمام البخاري: إذا قضى الحاكم بجور أو خلاف أهل العلم فهو رد، وتبويبه: إذا اجتهد العالم أو الحاكم فأخطأ خلاف الرسول ﷺ من غير علم فحكمه مردود.
وقد ذكر الغزالي في الإحياء الكلام على عدم ضمان من كسر آلات اللهو والمعازف، مع وجود الاختلاف في حرمة المعازف، ومثله الماوردي في الأحكام السلطانية، قال عن آلات الملاهي: فعلى المحتسب أن يبطلها حتى تصير خشباً، لتزول عن حكم الملاهي، ويؤدب على المجاهرة بها، ولا يكسرها إن كان خشبها يصلح لغير الملاهي فهو عندهم خلاف غير سائغ مع أنهم يعلمون الخلاف فيها، وابن حزم يقول: تجوز الملاهي، ومع ذلك يجيزون للمحتسب أن يكسرها.
إذاً: كل هؤلاء عندما يقولون: لا ينكر إلا في المجمع عليه، أو لا ينكر ما كان مختلفاً فيه، والمراد الخلاف السائغ وليس أي خلاف، فلا يؤخذ جزء من كلامهم دون تفاصيله لكي تقول: كل خلاف لا ينكر فيه على المخالف.
قال القاضي أبو يعلى الفراء في الأحكام السلطانية -وهو حنبلي-: وأما المجاهرة بإظهار الملاهي المحرمة فعلى المحتسب كسرها ولا يتساهل بتفصيلها سواء كان خشبها يصلح لغير الملاهي أو لا يصلح.
يعني: يكسرها حتى ولو كانت للاستخدام في غير الملاهي، مع العلم أن ضوابط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر معروفة من المفسدة والمصلحة، لكن على المحتسب المعين عندهم أن يقوم بذلك من باب العقاب والتعزير.
هؤلاء العلماء هم الذين يحتج البعض بأقوالهم في عدم الإنكار في مسائل الخلاف، فسمعنا كلام القاضي أبي يعلى في الإنكار على اللاعب بالشطرنج أنه متأول إذا كان فعله بغير اجتهاد أو تقليد سائغ، فرد كلامه ابن رجب، وهذا يدل على أن هذا من المتفق عندهم، لكن عند القاضي اللعب بالشطرنج خلاف سائغ وعند ابن رجب خلاف ضعيف.
يقول: هؤلاء العلماء هم الذين يحتج البعض بأقوالهم في عدم الإنكار في مسائل الخلاف، وأنت تجدهم جميعاً يصرحون بنقض حكم الحاكم فيما يخالف النص والإجماع، وأن على المحتسب إزالة المنكر من آلات اللهو كالعود ونحوه بالكسر وغيره مع اختلافهم في إبقاء الخشب أو جواز كسره حتى ولو أمكن فصله عن بعضه، وفيما نقل كفاية لمن أراد معرفة الحق.
أما هل تحتاج المسألة إلى اجتهاد؟ نعم، من أجل أن نعرف إذا كانت من الخلاف السائغ أو غير السائغ.
قد يكون الأمر مختلفاً فيه بين الفقهاء حسب ظهور الدليل عندهم وقد لا يظهر، فكما يلزم الاجتهاد لمعرفة درجة الخلاف في المسألة، وهل للدليل فيها نص أو إجماع أو قياس أو غير ذلك من أدلة المجتهدين.
يعني: كما يلزم الاجتهاد لمعرفة الحكم يلزم الاجتهاد في معرفة درجة الخلاف، وقولنا: الدليل هنا ظاهر الحديث، بخلاف قولنا: الدليل هنا نص الحديث، فلو قلت: ظاهر الحديث؛ إذاً المسألة فيها اجتهاد، ولو قلت: نص الحديث؛ إذاً أنا عندي على الأقل خلاف غير سائغ والاجتهاد فيه خطأ بين.
قال القاضي أبو يعلى ناقلاً الخلاف في الإنكار على غير اللعب -العرائس، وهذا أيضاً في الأحكام السلطانية-: أما اللعب فليس يقصد بها المعاصي، وإنما يقصد بها إلف البنات بتربية الأولاد، ففيها من وجوه التدبير ما تقارنه معصيتهم بتصوير الأرواح ومشابهة الأصنام، فللتمكين منها وجه، وللمنع منها وجه، وبحسب ما تقتضيه شواهد الأحوال يكون إنكاره وإقراره.
يقول: هذه فيها احتمال لأن ننكر واحتمال لئلا ننكر.
يقول: وظاهر كلام أحمد ﵀ المنع منها وإنكارها إذا كانت على صورة ذوات الأرواح، إلى أن قال: وقد حكي أن أبا سعيد الإصطخري من أصحاب الشافعي قلد حسبة بغداد في أيام المقتدر، فأزال س
стр. 112
نوع الخلاف الواقع بين المسلمين اليوم
بعد استعراض أنواع الخلاف، نقول: الخلاف في واقع المسلمين اليوم ينتمي إلى أي نوع من أنواع الخلاف حتى أعرف كيف أتعامل معه؟ بالنظر إلى أحوال المسلمين وواقعهم اليوم نجد الساحة الإسلامية تموج بالاختلافات بل المنازعات والصراعات، فتختلف وجهات النظر من الحريصين على وحدة العمل الإسلامي ومستقبل الصحوة حول وسائل معالجة هذا الواقع، فيرى البعض أن التعدد الحاصل بين الاتجاهات الإسلامية والجماعات الإسلامية لا ضرر منه ولا حرج شرعاً من وجوده، ولا يطلب من الجماعات المختلفة أن تسعى إلى الاجتماع؛ لأن كلاً منها على خير وعلى مصالح، ولا شك أن هذه النظرة إنما تصح على بعض أنواع الاختلاف الذي هو اختلاف التنوع، فاختلاف التنوع كله على خير، وهو اختلاف سائغ لأنه عمل صالح.
أما القول بأنه لا يطلب شرعاً السعي إلى الاجتماع فغفلة كبيرة عن الفساد والمنكرات والمعاصي الحاصلة بين الاتجاهات المختلفة بسبب التفرق، والمفترض في اختلاف التنوع التكامل والتعاضد، وهو أمر مفقود إلى حد كبير في أبناء الصحوة باتجاهاتها المختلفة.
وذلك لعدم الانضباط بالضوابط التي حددناها في اختلاف التنوع، منها: ألا يكون هناك تعصب على العمل، أو تحقير لأعمال الآخرين، وأن كل أحد لا يكون تاركاً للواجبات التي عليه بزعم أنه يؤدي هذا الواجب، إذ لا بد أن يحافظ على جميع الواجبات وما فرض عليه من فرض العين ولا يفرط فيه من أجل النوع الآخر من الواجبات التي يقوم بها، فهو من أجل الجهاد يترك طلب العلم الواجب أو الصلاة، أو لأنه يدعو إلى الله يترك الجهاد في سبيله، أو لأجل الجهاد يترك العلم الواجب أو الدعوة إلى الله، بل لا بد عليه أن يؤدي فرض العين الذي عليه، ثم بعد ذلك ينشغل بفروض الكفاية، وفي نفس الوقت لا يكون هناك تحقير لعمل الآخرين، من أجل هذا لم يحصل التكامل نتيجة عدم وجود هذه الضوابط.
ويرى البعض أن هذا التعدد والافتراق خير للمسلمين من جهة أن أعداءهم سوف يتركونهم في دعوتهم طالما كانوا مفترقين، أما لو اجتمعوا فسيكون ذلك معجلاً لضربهم.
وهذه النظرة أيضاً قاصرة عن التفريق بين الأمر الشرعي والأمر القدري, فالحكم والمصالح التي يقدرها الله من تقدير السيئات، ومن السيئات الافتراق والاختلاف المذموم والتنافس على الدنيا والغيبة والنميمة والوقيعة بين المسلمين.
هذه الحكم لا تجعل طلب السيئات والحرص عليها والفرح بوجودها مشروعاً، بل يجب كراهيتها، حتى لو كان فيها مصلحة، يعني: صحيح أن الفرقة من حكم ربنا وأنه قدرها، لكن لا نقول: دعونا مختلفين، وما يدريك ما يقدره الله في الطاعات لو أطعناه واجتمعنا على كتابه وسنة رسوله ﷺ ، ربنا سيدفع عنا بسبب ذلك.
نقول: لعل ما يقدره الله في الاجتماع من الخيرات والبر والبركات أضعاف ما نحسبه من حكمة ومصلحة من وراء السيئات، فلا بد أن يكون سعينا للاجتماع -وهو مطلب شرعي سبق بيانه- وعدم الرضا بالافتراق الحاصل، وكثير منه من النوع المذموم بدلالة نتائجه على قلوب أبناء الصحوة.
ولا بد أن نفرق بين الاحتجاج بالقدر والحكمة القدرية على أمر قد مضى وصار من المصائب، وإن كان معه ذنب فتلزم التوبة منه، وبين الاحتجاج بهذه الحكم القدرية في إبقاء هذا الواقع والرضا به واستمراره في المستقبل، فهذا الثاني من جنس الاحتجاج بالقدر على المعائب والذنوب ولا خلاف بين أهل السنة في ذم ذلك.
لماذا نفترض دائماً أن الأعداء إذا أرادوا ضرب المسلمين تم لهم ما أرادوا على الوجه الذي خططوه؟ فليكن لنا في البوسنة دروس، فقد خططوا لإبادة المسلمين لمجرد اسم الإسلام دون حقيقة العمل به، ومع ذلك إذا بالنائم الكامن في النفوس يخرج من نومه وخموله ليقلب موازينهم عليهم.
وهل نظن أننا إذا أطعنا الله سلط الله علينا عدونا أكثر من تسليطه علينا إذا افترقنا، هل هذا من حسن الظن بالله؟ ثم إنه من الممكن أن يتفق المسلمون، ويظهروا عدم اتفاقهم إذا رأوا المصلحة في ذلك، ولكن الجميع يعلم أن هذا غير حق، رغم أن البعض من الأعداء يتوهم ذلك، ويقول للناس: إنها أدوار قسموها فيما بينهم، ويا ليتها تكون أدواراً.
ويحاول البعض الوقوف موقف التوسط بين الاتجاهات الإسلامية المتباينة، ليكون قريباً من الجميع، وهذه كثيرة جداً وبكتابات متعددة، حتى إن بعض أصحاب المشارب السلفية يحاول أن يكون قريباً من الجمع، ويقول: هذا قريب وهذا قريب وهذا خلاف سائغ، ويرى أن الاختلافات المعاصرة كلها من جنس الاختلاف السائغ الذي لا يفسد للود قضية.
ولا شك أيضاً أن هذا الموقف قاصر في نظرته على بعض الاختلافات لا على كل أنواعها، فإن منها بلا شك ما هو مذموم لا تصلح الوسطية المتوهمة فيه، كما أن هذا الموقف يمكن أن يسع أفراداً لكنه لا يسع جماعة أو جمعاً غفيراً من الأفراد؛ لأنهم بذلك الموقف سوف يصبحون تياراً جديداً واتجاهاً جديداً له أنصاره وخصومه ومنازعاته.
وقد أراح البعض نفسه بأن أقنع نفسه وغيره بإنكار التجمع مطلقاً، معللاً ذلك بالعيوب الناشئة عن الجماعات والعصبية الممقوتة التي تظهر في أتباعها، وآثر العمل الفردي وظهرت التجمعات حول أشخاص الدعاة دون وجود أي نظام للعمل على استكمال العمل الإسلامي، والقيام بفروض الكفايات إلا نظام الشيخ والتلميذ، وما قد يقتنع به البعض من أعمال الخير.
ولا يخفى أن هذه النظرة تفتقد الرؤية الصحيحة لمستقبل العمل الإسلامي، ولا تحدد خطوات محددة لتطور العمل والقيام بفروض الكفايات الضائعة، كما أن هذه التجمعات إن قويت فهي جماعة دون مسمى، أو أن مسماها هو ألا جماعة، أو هو اسم قائدها ومعلمها وآراؤه، وليس منهجاً متكاملاً قابلاً للاستمرار والبقاء بعد غياب القائد لموت أو عجز أو غيره، وهذا ما لابد في الصحوة أن تنتبه له، فعمر الأمم والدعوات ليس بعمر الأشخاص، بل عمرها يقاس بالأجيال، وتغيرات الشعوب بما يحتاج إلى عقود أو قرون، فهل نعد دعوتنا لتحمل هذه الرحلة الشاقة؟ أم هي مرتبطة بأشخاصها تذهب بذهابها، وتمرض بمرضها، وتموت بموتها؟ لا شك أن البقاء بإذن الله لا بالنظام والمنهج والجماعة.
والبعض من أصحاب الاتجاهات الإسلامية يعتبر أن جماعته هي المصيبة دائماً في كل خلاف، وأن كل من خالفها فعليه أن يترك جماعته لينضم إليها، فهي نظرة ضيقة فيها الغلو وعدم تقدير واقع أي من الجماعات والاتجاهات الموجودة في هذه الساحة.
بعد هذا الاستعراض السريع لوجهات النظر، فما هو الموقف الذي نراه؟ الجواب وبالله التوفيق: إننا قد ذكرنا خلال بحثنا أنواع الاختلاف، وأمثلةً لكل نوع، وكثير مما ذكرناه هو من واقع العمل الإسلامي والحركات الإسلامية، ويمكننا أن نخلص من الأمثلة المذكورة إلى أن أنواع الاختلاف الثلاثة المذكورة -يعني: أنواع الاختلاف الموجود بين المسلمين هو في الحقيقة يرجع إلى الثلاثة أنواع المذكورة- فمنها ما يرجع إلى اختلاف التنوع، وهذا يجب استثماره والتعاون عليه، ولا يصح أن نسعى لإلغاء هذا الاختلاف؛ لأنه بالتكامل فيه يتم الواجب ويتحقق المقصود بإذن الله بالشروط التي ذكرناها.
ومنها ما يرجع إلى اختلاف التضاد السائغ، وهذا يجب احتماله، وأن يسعنا كما وسع سلفنا الصالح، ولا يفسد الود والمحبة بيننا لوجود هذا النوع من الاختلاف، ولكن يلزم ضبطه جيداً، وبذل الوسع في تحقيقه، والرجوع إلى أمثل أهل العلم عند الاختلاف مع الالتزام بقواعد أهل السنة بذلك.
ومنها ما يرجع إلى اختلاف التضاد غير السائغ، وهذا يجب علاجه، وذلك بمحاربة البدع والضلالات والأقوال الباطلة، والاجتماع على منهج أهل السنة والجماعة، والعمل على نشره بتفاصيله، وهذا يقتضي تحقيق هذا المنهج، وتحديده تحديداً مفصلاً في قضايا العقيدة والعمل والدعوة ومناهج التغيير وغير ذلك.
ولا شك أن أفضل المؤهلين في تحقيق هذه المعالجة المطلوبة هم الجماعات الملتزمة بمنهج أهل السنة على طريقة السلف، فهي تحتاج إلى ترتيب جهودها، وتقارب صفوفها، وبذل الوسع في نشر منهجها، ووحدتها واجتماعها فريضة منشودة، فإن تعدد القيادة في مكان واحد في زمان واحد من الاختلاف المذموم الذي يجر إلى الصراع على الرئاسة وما معه من مفاسد ومحن، نسأل الله العافية منها.
فلا بد لهذه الاتجاهات أن تضع في أولويات عملها تحقيق التواصل فيما بينها للوصول إلى هذه الغاية المطلوبة ووجود منهج أهل السنة في جماعة واحدة قوية كفيل بإذهاب الدخن من الاتجاهات الأخرى على الأقل إن لم يوحد صفوف الأمة كلها خلف قيادة أهل العلم من أهل السنة وتحت لوائها.
﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ﴾ [الرعد:١٧].
وليست هذه أحلاماً وردية غير قابلة للتطبيق بل مع التجرد والإخلاص والعمل المستمر، نرجو الله أن يمن على هذه الأمة بوحدتها ورشدها وصلاحها.
فنسأل الله أن يؤلف بين قلوبنا، وأن يصلح ذات بيننا، وأن ينصرنا على عدوه وعدونا، اللهم اهدنا سبل السلام وأخرجنا برحمتك إلى النور، واجعلنا هداة مهتدين، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.