← Общие книги

Общие книги · id 36994

أدب الخلاف - ياسر برهامي

ياسر برهامي

Полный текст (112 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

حكم التلفيق بين المذاهب من الخطأ ما يفعله كثير من أهل زماننا في مسائل الخلاف السائغ وغير السائغ بأخذ ما يشتهي، بل يفعله كثير من المنتسبين إلى العلم، ويفتي البعض بجواز التلفيق بين المذاهب لا بحسب أدلة الاجتهاد. والذي نحن عليه والإخوة الدعاة في أكثر المسائل يعتبر تلفيقاً، فعندما آخذ بقول الإمام الشافعي بوجوب القراءة خلف الإمام مثلاً، ولا آخذ بقول الإمام الشافعي في كل المسائل، هذا يسمى تلفيقاً، لكن هذا تلفيق مبني على الدليل، ولا يلزم طالب العلم أن يأخذ مذهباً واحداً ولا يخرج عنه. وشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ مذهبه الحقيقي في الاختيارات الفقهية يعتبر تلفيقاً، لكنه تلفيق مبني على اجتهاد. وفي مسائل خالف فيها مذهب الحنابلة بالكلية، واختار قولاً ليس موجوداً أصلاً في المذهب، فهذا تلفيق شرعي، وهو في الحقيقة الواجب على مثل شيخ الإسلام؛ لأن شيخ الإسلام عالم مجتهد، فكونه اجتهد ورجح هذا القول يلزمه أن يقول به، وإن سماه غيره تلفيقاً، فعنده القدرة على الترجيح بين المذاهب. فالشرع قال الله وقال الرسول ﷺ ، وإجماع أهل العلم، والقياس على هذه الأصول، أما أن يتحول الشرع إلى أن أي قول من أقوال العلماء هو الشرع، وأن من أخذ به فهو آخذ بالشريعة، وأن الخلاف رحمة وإن خالف النصوص؛ فهذا كلام فاسد يؤدي إلى الزندقة والانحلال، ويلزم من هذا القول أن الملاهي الليلية لا بأس بها، والنظر إلى عورات أهل الذمة لا بأس به؛ لأن سفيان الثوري قال بجواز النظر إلى عورات أهل الذمة وشعور نساء أهل الذمة، وأن المحرم النظر إلى المؤمنة فقط، والموسيقى أجازها ابن حزم والبيرة أجاز الحنفية الشرب منها بغير سكر، وبهذا التلفيق تكون الملاهي جائزة مع أن عوام المسلمين وفساقهم يعرفون حرمتها بلا شك. فأهل الأهواء التلفيق عندهم بحسب التشهي والانتقاء لا بحسب الأدلة والاجتهاد، فكل ما يظنونه مصلحة أو فيه تيسير على الناس يجوزونه بدون نظر في الأدلة! قال أبو عمر بن عبد البر: الاختلاف ليس بحجة عند أحد علمته من فقهاء الأمة إلا من لا بصر له ولا معرفة عنده، ولا حجة في قوله. وأبو عمر من أعلم الناس بمذاهب المتقدمين. وقال المزني: يقال لمن جوز الاختلاف وزعم أن العالمين إذا اجتهدا في الحادثة فقال أحدهما: حلال والآخر: حرام، فقد أبد كل واحد منهما جهده وما كلف به، وهو في اجتهاده مصيب للحق: هل قلت هذا بأصل أم بقياس؟ فإن قال: بأصل، قيل: كيف يكون هذا أصلاً والكتاب أصل ينفي الخلاف؟ لأن ربنا قال: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء:٧٩]، وإن قال بقياس، قيل: كيف تكون الأصول تنفي الخلاف، ويجوز لك أن تقيس على هذا الخلاف؟ هذا ما لا يجوزه عاقل فضلاً عن عالم. ويقال له: أليس إذا ثبت حديثان مختلفان عن رسول الله ﷺ في معنى واحد أحله أحدهما وحرمه الآخر، وفي كتاب الله أو في سنة رسول الله ﷺ دليل على إثبات أحدهما ونفي الآخر أليس يثبت الذي يثبته الدليل ويبطل الآخر ويبطل الحكم به قطعاً، فإن خفي الدليل على أحدهما وأشكل الأمر فيهما وجب الوقوف؟ فإذا قال: نعم، قيل له: فلم لا تصنع هذا برأي العالمين المختلفين، ويثبت منهما ما يثبته الدليل، ويبطل ما أبطله الدليل؟! هذا كلام متين جداً من المزني صاحب الشافعي ﵀، وهذا ينقله عن كل العلماء، فليس الخلاف نفسه حجة، وليس كلام العالم حجة، وليست الشريعة جملة الأقوال، فهذا كلام في منتهى الخطورة، وهو مخالف للإجماع القديم فعلاً، وهذا مما لا شك فيه. وكلام المزني مذكور في (جامع بيان العلم وفضله) للإمام أبي عمر بن عبد البر (ص٣٥٦). إذاً: في الخلاف السائغ: يجب على العالم المجتهد أن يجتهد ويعمل ويفتي بالقول الراجح لديه حسب اجتهاده من الأقوال المختلفة، ولا يسعه أن يفتي الناس بما يشتهون، أو بما يشتهي هو، أو بما يشتهي غيره، أو لمجرد الأيسر؛ ظناً أن الخلاف السائغ معناه الانتقاء من الأقوال، وعلى العامي أن يسأل من يثق به من أهل العلم، فإن سأله برئت ذمته، وأما إن سأل من لا يثق به فلا تبرأ ذمته، بل يكون آثماً.

стр. 72

بيان حقيقة القول بأن اختلاف الأمة رحمة يتعلق بالمسألة السابقة مسألة اشتهر الكلام فيها وهي: أن اختلاف الأمة رحمة، فظن كثير من الناس أن سبب ذلك أن فيه توسعة على الناس، فإذا ضاق مذهب على الناس وجدوا سعة في العمل بغيره، وقد قلنا: إن هذا أمر لا يسوغ ولا يجوز باتفاق العلماء، وإن الخلاف ليس بحجة لا للعالم ولا لطالب العلم ولا للعامي، حتى أن العامي عليه أن يجتهد في اختيار الأوثق في نفسه من أهل العلم فيقلده، وعلى طالب العلم القادر على الترجيح والنظر في الأدلة أن يختار من أقوال العلماء ما ترجح لديه، وعلى العالم أن يجتهد في استنباط الحكم الشرعي. إذاً: فما معنى هذا القول؟ وما حقيقة هذه المسألة؟ الجواب نقل غير واحد من العلماء عن بعض السلف قولهم: الاختلاف رحمة ومنهم: عمر بن عبد العزيز والقاسم بن محمد حيث قال: لقد نفع الله الأمة باختلاف أصحاب النبي ﷺ في أعمالهم، لا يعمل العامل بعمل رجل منهم إلا رأى أنه في سعة، ورأى أن خيراً منه قد عمله. وقد جاء في ذلك حديث عن النبي ﷺ قال: (اختلاف أمتي رحمة)، وهو لا يصح سنداً ولا متناً، بل هو منكر متناً وضعيف سنداً، وإنما هو كلام لبعض السلف، وليس معنى ذلك عندهم أن الاختلاف نفسه رحمة، بل الكتاب والسنة يذمان الاختلاف كما سبق في الجملة، والمراد بالاختلاف الذي هو رحمة نوع خاص، ولم يرد أن الخلاف نفسه رحمة، فقد قال ابن مسعود: الخلاف شر، والمقصود عند هؤلاء السلف الذين قالوا: إن الاختلاف رحمة، أن أصحاب هذا الاختلاف مرحومون، وليس أن الاختلاف ذاته مطلوب، ولا أنه في ذاته هو الرحمة، وإنما أصحابه مرحومون، بمعنى: أن من اجتهد في الوصول للحق، ولم يقصر فقد أدى ما عليه، فإن أخطأ فله أجر، وإن أصاب فله أجران كما دل عليه الحديث الصحيح كما سبق، ودل عليه القرآن بالثناء على داود وسليمان عليهما الصلاة والسلام مع تصويب سليمان، فليس الاختلاف نفسه رحمة أو أنه مطلوب شرعاً، بل إن استطعنا أن نعدم هذا الخلاف وننهيه فهو الأفضل، وحتى الخلاف السائغ إن استطعنا أن نلغيه بأن نتناظر ونتناقش في جو من الود والمحبة إلى أن نصل إلى قول واحد فهذا أفضل وأحسن؛ لأن اجتماع الناس على قول واحد أفضل لهم من الاختلاف، لكن المعنى كما ذكرنا هو أن أصحاب هذا الاختلاف لا يعذبون طالما أنهم بذلوا وسعهم في معرفة الحق كل حسب علمه وقدرته، والحق واحد لا يتعدد، ووجود هذا النوع من الاختلاف له حكمة كونية لا حكمة شرعية، وأسباب الاختلاف تعود إلى اختلاف الأفهام والقدرات وطرق التعليم في بداية النشأة، وهذه أمور قدرية فالمطلوب شرعاً الاتفاق ما أمكن، والبحث عن الحق قدر الطاقة، وبالتالي فأصحاب هذا النوع من الاختلاف مرحومون. إذاً: الإنسان المجتهد أو العامي إذا قلد الأوثق من أهل العلم في نظره فلا يظن أنه على خطر وعلى شفا هلكة إن ظهر أن هذا القول خطأ أو كان هذا القول في حقيقته عند الله خطأ، بل طالما قد عمل به بعض السلف من الأئمة المعتبرين فهو مرحوم ومأجور أجراً واحداً أو أجران، فكان هذا الخلاف من هذه الحيثية رحمة، وليس أن الخلاف ذاته رحمة ولا أنه مطلوب.

стр. 73

معارضة السنة بآراء الرجال ليس من الخلاف السائغ ليس من الخلاف السائغ بين الفقهاء أن تصادم السنة بآراء الرجال، فلا يجوز لأحد من العلماء أبداً أن يقول: إن قوله أو قول غيره يقابل سنة رسول الله ﷺ فضلاً عن أن ترد السنة من أجله. وقد تكون المسألة اجتهادية وفيها جملة من الأدلة التي تختلف طرق الجمع بينها وليس واحداً من الأدلة قاطعاً على غيره، فتكون المسألة بهذا الضابط من مسائل الخلاف السائغ، وأما إذا استبانت السنة للإنسان فلا يجوز له أن يعارضها بأقوال العلماء، وهذا المرض حدث عند المتأخرين، فتصل السنة إلى بعضهم ولم يصله الدليل المخالف لها، فيأخذ برأي لا يعرف دليله ولا وجهه مع معرفته أن رسول الله ﷺ قد حكم في هذه المسألة بحكم معين، وقد يكون في المسألة حديث آخر لكنه لا يعرفه ولم يصله، فمثل هذا الفعل لا يجوز. فبعضهم يعارض السنة ويقول لك: إن إمامي أو شيخي لم يعمل بهذا الحديث، فيرده أو يؤوله أو يقول: هذا ضعيف، فيخالف السنة، زاعماً أن المسألة فيها خلاف بين العلماء. قال الشافعي ﵀: أجمع العلماء على أن من استبانت له سنة رسول الله ﷺ لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس، هذا إجماع على أن من وصلته سنة لا يجوز له أن يدع السنة؛ لذلك عندما نتكلم عن مسألة الاجتهاد والتقليد واتباع المذاهب نقول: لا يلزم اتباع المذاهب أولاً، يعني: أن المسلم لا يلزم في عصر من العصور بمذهب لم يكن لازماً على المسلمين طوال الثلاثة القرون الخيرية؛ فهذا أمر بلا شك محدث، والقول بإلزام كل عالم أو عامي أو طالب علم أن يلتزم مذهباً واحداً لا يخالفه ولا يفارقه لم يكن معروفاً مدة ثلاثة قرون في عصر الصحابة والتابعين وتابعيهم، إنما حدث هذا الإلزام بعد هذه العصور، وكان بلا شك في العصور الأولى تأثر بالصحابي المعين، فلا شك أن ابن مسعود كان له أصحاب، وابن عباس كان له أصحاب، وابن عمر كان له أصحاب، ولا شك أن كل تلميذ تأثر بأستاذه، لكن لم يكن أحد يلزم أحداً ألا يأخذ علماً عن غير إمامه وصاحبه، بل كان كل تلميذ منهم يأخذ عن شيخه أكثر علمه، ويأخذ عن غيره، وإذا وضح له الحق لم يكن يرده لقول أحد من الصحابة ﵃، وإنما يرد القول المخالف لسنة الرسول ﷺ . فمن هنا نقول: يجوز أن يتمذهب الإنسان، ولا يلزم ذلك، والقول بإلزام الناس بمذهب معين وتحريم الخروج عليه بدعة مُحدثة، فلم يقل أحد: يجب أن يتبع ابن عباس أو يجب أن يتبع ابن مسعود أو يجب أن يتبع عمر أو يجب أن يتبع أبو بكر في كل أقواله. وأيضاً الإيجاب حكم شرعي والذي يوجب هو . والرسول ﷺ يبلغ عن الله ويخبر أن هذا واجب أوجبه الله. فالتقليد سائغ وليس بلازم بشرط أنه إذا استبانت له السنة ترك المذهب وترك الإمام وترك قول كل أحد للإجماع المنعقد على ذلك كما نقله الشافعي ﵀. وهل يجوز لإمام المسلمين أن يلزم الناس بمذهب معين أو قول معين؟ الجواب لا يجوز للإمام أن يلزم جميع الناس بمذهب معين، ويعاقب من يخالفه أو يأمر المحتسبين أن يعاقبوا من يخالفهم، والمسألة فيها خلاف سائغ، لكن لو كان فيه فتنة فهذا محتمل من أجل منع الفتنة. وقول عائشة عن النبي ﷺ : (ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما)، المقصود بالأمور الاختيارية، أي: بين أمرين مستحبين أو مباحين، وليس بين واجب ومحرم، أو بين واجب ومباح، أو بين محرم ومباح، فلا بد أن يكون كلا الأمرين جائز. سأل رجل الشافعي عن مسألة فأجابه فيها بحديث، فقال له: أتقول به يا أبا عبد الله؟ فقال: أتراني خرجت من الكنيسة؟! أتراني أشد على وسطي زناراً؟! والزنار حبل يلبسه القساوسة في وسطهم -أقول: قال رسول الله ﷺ ولا أقول به؟! نعم على العين والرأس. فالإمام الشافعي ﵀ أنكر جداً على هذا الرجل، وقال: أشهدكم أني إذا رويت حديثاً عن رسول الله ﷺ ثم قلت بخلافه أنه قد ذهب عقلي. وهذا دليل على أن الأمر عندهم أمر قطعي، فلا يجوز لأحد أبداً أن تقول له: قال رسول الله ﷺ فيقول لك: قال فلان أو هذا رأي آخر. سئل أبو موسى الأشعري ﵁ عن مسألة فأجاب فيها ثم قال للسائل: ائت ابن مسعود فسله فسوف يوافقني، فقال ابن مسعود: قد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين إن وافقته، وما قال لهم: أبو موسى ضال، قال: ولكن أقول بقول رسول الله ﷺ ، وذكر الحديث. إذاً: أئمة الهدى والعلم لا يرون لأحد حجة في خلاف ما علمه من سنة رسول الله ﷺ . وقد تكون المسألة اجتهادية في حق عالم لعدم علمه بالسنة فيجتهد فيها، ويكون من تبعه على اجتهاده غير معذور إذا كان قد علم بالسنة واستبانت له، فـ ابن عباس ﵁ كان يفتي بالمتعة في الحج وقال لـ عروة: (أمر رسول الله ﷺ بالمتعة، فقال له عروة بن الزبير: كان أبو بكر وعمر ينهيان عن هذا، فقال له عبد الله بن عباس: توشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله ﷺ وتقولون قال: أبو بكر وعمر!!). لماذا قال لـ عروة: توشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء؟ الجواب: من أجل أنه عارض أمر رسول الله بأن أبا بكر وعمر كانا ينهيان عن المتعة حتى ولو قال عروة: أبو بكر وعمر أعلم برسول الله منك، فهذا كلام صحيح، لكن هذا ليس بحجة، من أجل ذلك غلظ عليه ابن عباس ﵁، وتخوف من نزول حجارة من السماء، والآن كل المقلدين يقولون: هل أنت أعلم من الشافعي؟ هل أنت أعلم من أبي حنيفة؟ أنا لست أعلم منهم قطعاً، لكن عندنا حديث عن النبي ﵊ يقول كذا، فلا نتركه لهذه الشبهة. من استبانت له السنة وخالفها غير معذور؛ لأنه في هذه الحالة خالف الإجماع بعد مخالفته لأدلة الكتاب والسنة بوجوب اتباع رسول الله ﷺ . ومعرفة خلاف الفقهاء أمر مهم؛ لأن كثيراً من طلاب العلم وأبناء الصحوة الإسلامية لا ينتبهون لوجود هذا النوع من الاختلاف، ويظنون أن كل مسائل الاختلاف بين العلماء مما يعادا فيه ولأجله ويبغض المخالف له، وهذا يوجد من أسباب الفساد والتعادي ما لا يعلمه إلا الله، فينبغي إدراك وجود هذا النوع من الاختلاف، وعدم إمكانية إزالته، وأن له أسباباً لن تزول، فالأدلة منها ما هو قطعي وما هو ظني، وخلاف الأفهام وارد، فالخلاف لا يمكن أن يزول بالكلية، ولن يكون جميع الناس في كل المسائل على قول واحد، وبعض الطلاب يظن أن دعوة بعض المشايخ للتصفية معناه: أنه لابد أن يكون لنا قول نجتمع عليه في كل مسألة، ونحارب من خالفه! كلا، ليس الأمر كذلك، بل نزيل منه ما يمكن إزالته، وهذا سيكون لطائفة معينة في زمن معين، ولن يكون في كل الأزمنة وفي كل المسائل ولكل الناس، فهذا لا يمكن إزالته بالكلية. وإدراك وجود هذا النوع من الاختلاف يوسع صدور المسلمين لاحتماله، وليكن شعارنا في ذلك: يسعنا ما وسع السلف الصالح، ولا يسعنا ما لم يسعهم، فيعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه، مما اختلف فيه السلف من قبلنا، وليس في كل خلاف. بقيت المودة والألفة بين السلف مع وجود الاختلاف بينهم، فليكن هذا حالنا أيضاً، ولنرفق بالمخالف لنا، ولا يزيد إنكارنا على مجرد المذاكرة العلمية وبيان الأدلة التي نرى رجحانها، ولا نسمح للشيطان بإلقاء جذور العداوة عبر الاتهامات بالجهل أو الضلال أو الانحراف عن منهج السنة وطريق السلف، وليكن حوارنا هادئاً نلتزم فيه بما أدبنا به العلماء، وكما نعرفه من طرقهم في البحث والمناظرة والرد الرفيق على المخالف، ليكن هذا الحوار هو الأسلوب الذي ينتهجه أبناء الصحوة في خلافاتهم حول المسائل التي يسوغ فيها الاختلاف والاجتهاد، وليبذل كل منا جهده في معرفة الحق والعمل به، وليعذر الآخرين، وليدع للجميع بالتوفيق لما يحبه الله ويرضاه والقبول عنده .

стр. 74

أدب الخلاف [٥] إن اختلاف التضاد المذموم هو الاختلاف غير السائغ، ويعرف بأنه: ما خالف نصاً من كتاب أو سنة أو إجماعاً أو قياساً جلياً لا يختلف فيه، سواء كان ذلك في الأمور الاعتقادية العلمية، أو كان في المسائل العلمية.

стр. 75

الاختلاف غير السائغ الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، أما بعد: فقد ذكرنا فيما سبق اختلاف التنوع وقلنا: إنه لا بأس من حصوله، ثم ذكرنا اختلاف التضاد السائغ واشترطنا فيه ألا يصادم نصاً جلياً سواء كان ذلك في الأصول أو الفروع. واليوم نتناول اختلاف التضاد غير السائغ، وهو الاختلاف المذموم، وكثير من أهل العلم يعرفونه بأنه: الخلاف في الأصول أي: في العقائد، والصحيح أن يعرف بأنه: ما خالف نصاً من كتاب أو سنة أو إجماعاً أو قياساً جلياً لا يختلف فيه، سواء كان في الأمور الاعتقادية العلمية وهذا أكثر أنواع هذا الاختلاف أو كان في المسائل العملية، فكما يذم المخالف دائماً في مسائل الاعتقاد في الغالب يذم المخالف أيضاً في بعض مسائل العمل، فيذم المخالف الذي يقول بعدم صحة المسح على الخفين، ويذم المخالف الذي يفتي بجواز زواج المتعة، ويذم المخالف الذي يقول: لا ربا إلا في النسيئة. ومعروف أن ابن عباس ﵁ كان يفتي بجواز زواج المتعة، وهذا قول لا شك في بطلانه؛ لأنه مخالف للثابت من سنة رسول الله ﷺ ، ومن يفعله يستحق العقاب، وليس هذا طعناً في ابن عباس ﵁. إذاً: كثير من مسائل الفروع -أي الأحكام- فيها نصوص من الكتاب والسنة والإجماع، وقد لا يعذر المخالف فيها، بل قد يكفر، كمن أنكر وجوب الصلوات الخمس وصوم رمضان وحرمة الزنا والخمر، فهذه من مسائل الأحكام المسماة عند الكثيرين بالفروع، وقد يبدع المخالف فيها كإنكار المسح على الخفين، والقول يجواز نكاح المتعة، والأغلب في اختلاف أهل العلم في مسائل الفروع -مسائل الفقه- أنه من الاختلاف السائغ كما سبق ذلك. إذاً: ضابط خلاف التضاد أنه مخالفة البينات، قال تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران:١٠٥]، فالذي يخالف البينات يكون مذموماً، سواء كان خلافه في الاعتقاد أو كان في العمل وهذا أمر مهم جداً؛ لأن بعض الناس يلغي أي ذم لأي اختلاف عملي ولو كان خلافاً في البينات، ويجعل كل مسائل الخلاف العملي مما يعذر بعضنا بعضاً فيه، وهذا قول خطير، فنقول: قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران:١٠٣] قال ابن كثير: ((وَلا تَفَرَّقُوا)): أمرهم الله بالجماعة، ونهاهم عن الفرقة، وقد وردت الأحاديث المتعددة بالنهي عن التفرق والأمر بالاجتماع، كما في صحيح مسلم من حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: (إن الله يرضى لكم ثلاثاً ويسخط لكم ثلاثاً، يرضى لكم: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم، ويسخط لكم: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال). وقد ضمنت لهم العصمة من الخطأ عند اتفاقهم، كما وردت بذلك الأحاديث المتعددة أيضاً، وخيف عليهم الافتراق والاختلاف، وقد وقع ذلك في هذه الأمة، وافترقوا على ثلاث وسبعين فرقة منها فرقة ناجية إلى الجنة، ومسلَّّمة من النار: وهم الذين على ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه. انتهى كلام ابن كثير ﵀. هذا الكلام واضح الدلالة على أن هناك فرقة خارجة عن هذا النوع وهو الاعتصام بحبل الله، وهو الوحي المنزل من عنده، وهو الكتاب والسنة، والإجماع، فقد أشار إلى هذه الأمور التي ضمنت لهم العصمة من الخطأ عند اتفاقهم. قال: كما قال: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين). إذاً: لو أن كل الأمة على قول، فلا بد أن تكون هذه الطائفة الظاهرة ضمن الأمة، وهذا القول سوف يكون هو الحق؛ لأن الطائفة ضمن الأمة على الحق، فلهذا يستحيل أن يضيع الحق بالكلية من الأمة الإسلامية، كما كان عليه أصحاب النبي ﷺ من بعده، قال تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران:١٠٥]. فهناك عذاب وذنب لمن خالفوا البينات وتفرقوا بعد وجودها، قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران:١٠٦ - ١٠٧]. عن ابن عباس ﵄ قال: تبيض وجوه أهل السنة والائتلاف، وتسود وجوه أهل البدع والافتراق، رواه النسائي في شرح أصول الاعتقاد، وابن أبي حاتم وأبو نصر في الإبانة، والخطيب في تاريخه. وقد ذم الله في هذه الآية من خالف البينات، ومن هنا: كان تعريف هذا النوع من الاختلاف المذموم من هذه الآية الكريمة: ((وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ))، إذاً: البينات هي الأمر البين الواضح الذي جاء من عند الله وهو من حبل الله هو ما كان. نص كتاب أو نص سنة أو إجماعاً أو قياساً دليلياً على هذه الثلاثة، والقياس الدليلي القول به يتفق عليه الصحابة جميعاً ﵃. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [الأنعام:١٥٩]، هذه الآية وإن نزلت في اليهود والنصارى كما قال مجاهد وقتادة والضحاك والسدي ووكيع عن ابن عباس إلا أنها تشمل أهل البدع والشبهات والضلالات، إذاً: لا يقال هذا على من اختلفوا خلافاً سائغاً، ولا يقال عن أهل السنة ضمن الفرق؛ لأن البعض يأتي يطلق ذلك على الجماعات الإسلامية المعاصرة، يقول: ((إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ))، فأي جماعات تكون من ((الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا))، ومعنى هذا: أن أهل السنة ضمن الفرق النارية، وكلهم: ((لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ))، وهذا الكلام باطل؛ لأن النبي ﵊ تبرأ من الفرق الثنتين والسبعين، وتولى التي في الجنة، كما قال النبي ﷺ : (إلا واحدة). إذاً: أهل السنة وأهل الحق هم على ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه، وعلى الصراط المستقيم، والذي فرق دينه هو الذي ابتعد عنهم، وهم الذين وصفهم الله بقوله: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون:٥٣]، فهذا يأخذ جزءاً من الكتاب ويتمسك به ويترك الباقي, والثاني يأخذ الجزء الباقي ويترك هذا الجزء، وهذا ليس كلام أهل السنة أبداً، فإن القدرية والجبرية كل منهم تمسك ببعض شيء: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون:٥٣]، وترك الباقي. الجبرية مثلاً تتمسك بقول الله: ﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ﴾ [الأنعام:٣٩]، وتقول: ليس للإنسان قدرة وإرادة، والقدرية تتمسك بقوله: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير:٢٨]، وهذا الكلام تحريف للدين، وتفريق له، وعدم إيمان بالكتاب كله، وهذا هو المذموم. أما أهل الحق فهم السائرون على الصراط، وكل من يبعد عنهم فهو من الذين ((فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا))، وليس أهل الحق من يقال عنهم هذا الكلام بنص هذه الآية. عندما يقول شخص عن الجماعات المختلفة: هذه الآية دليل على أن أي تجمع يكون من ((الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا))، هذا ظلم بين، واستدلال في غير الموضع، بل تحريف لمعنى الآية؛ لأن الآية لم تشمل من كانوا على ما كان عليه النبي ﵊ في الذم، إنما ذم وتبرأ وأمر الله نبيه ﷺ أن يتبرأ من الذين فرقوا دينهم. أما أهل السنة فجمعوا الدين والتزموا به، حتى وإن أصبحوا واحدة من ثلاث وسبعين، لكن من الذي سبب وجود الثلاثة والسبعين؟ من المذموم على فعله؟ المفارقون المخالفون أهل البدع والضلال، فهم هؤلاء الذين صنعوا التفرق. قال ابن كثير ﵀: والظاهر أن الآية عامة لكل من فارق دين الله، وكان مخالفاً له، فإن الله بعث رسوله ﷺ بالهدى ودين الحق؛ ليظهره على الدين كله، وشرعه واحد لا اختلاف فيه ولا افتراق، فمن اختلف فيه وكانوا شيعاً -أي: فرقاً كأهل الملل والنحل والأهواء والضلالات- فإن الله تعالى قد برأ رسوله ﷺ مما هم فيه. وهذا فيما هو من الدين، أما ما فيه اجتهاد فهو داخل ضمن قوله: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء:٧٩]. وقال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ [الشورى:١٣]، أمرنا الله أن نقيم الدين ولا نتفرق فيه، وقال: ﴿وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَ

стр. 76

أسباب الخلاف السائغ وغير السائغ لكن هل يكون هناك خلاف سائغ مع وجود الأدلة من الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة؟ يقول الإمام ابن تيمية ﵀: وقد اتفق الصحابة في مسائل تنازعوا فيها على إقرار كل فريق للفريق الآخر، إذاً: نقول إن ربنا إنما قال: ﴿وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى:١٤] لما يأتي العلم وتأتي البينات ويتفرقون بغياً فهذا هو الاختلاف المذموم ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ [الشورى:١٤]. قال ابن كثير ﵀: ((أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ)) أي: أوصى الله تعالى جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بالائتلاف والجماعة، ونهاهم عن التفرق، وقال تعالى في ذم أهل الكتاب في تحذير لنا من مشابهتهم: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة:٢١٣]، كان الناس أمة واحدة فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين. هذا معنى الآية. ((وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ))، فلا بد من الكتاب الذي فيه حكم ونص في ذلك، وكذا سنة النبي ﷺ مثل ذلك. قال الله : ((وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ))، دائماً نلحظ أن سبب الخلاف غير السائغ هو الذي يكون بعد ظهور الحق. روى عبد الرزاق عن أبي هريرة عن النبي ﷺ في هذه الآية قال: قال النبي ﷺ : (نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، نحن أول الناس دخولاً الجنة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم, فهدانا الله لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، فهذا اليوم الذي اختلفوا فيه فهدانا الله له، الناس لنا فيه تبع، فغداً لليهود، وبعد غد للنصارى)، فمثل هذه الاختلافات مذمومة باطلة. يقول: أما أدلة السنة: فروى الإمام أحمد وأبو داود والدارمي والحاكم والآجري في الشريعة وحسنه الألباني عن معاوية ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ألا وإن من كان قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة وهم الجماعة)، وفي رواية الترمذي والطبراني: (هم من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي)، لذا نؤكد أن منهج السلف، وما أجمع عليه السلف من الصحابة ﵃ ومن كان على طريقتهم لا يسوغ فيه الخلاف، ويسعنا ما وسعهم، وما أجمعوا عليه فهو ضمن الحق المقطوع به ضمن البينات؛ لأن إجماعهم معصوم من الضلال والخطأ.

стр. 77

قاعدة الشرع الذهبية في التعامل مع المخالف روى الترمذي وأبو داود عن العرباض بن سارية ﵁ قال: (وعظنا رسول الله ﷺ موعظة بليغة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله! كأنها موعظة مودع فأوصنا، قال: أوصيكم بتقوى الله ، والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد؛ فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل بدعة ضلالة). إذاً: البدع والضلالات هي ما خالف سنة النبي ﷺ أو تطبيق الصحابة والخلفاء الراشدين لسنة الرسول ﷺ ؛ فإن سنتهم وطريقتهم تطبيق لسنة الرسول ﷺ . من أجل ذلك نقول: كتاب وسنة بفهم سلف الأمة، وما خالف ذلك فهو المذموم، هذه هي قاعدة أهل السنة الذهبية، وهي أنه إن كانت عندنا سنة للرسول ﷺ وسنة للخلفاء الراشدين فلا يمكن أن نتركها، وإنما نترك البدع. إذاً القاعدة الذهبية القائلة: نجتمع فيما اتفقنا فيه ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه، ثم نطبقها على دائرة واسعة جداً بما فيها الخلاف غير السائغ مع الشيعة والصوفية، والخوارج أحياناً، والبعض منا يطبقها مع الخوارج ويقول: يعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه، لا. هذا الأمر لا يسع ولا يقبل: (عليكم بسنتي)، إذاً: الرسول ﷺ أمر عند الاختلاف بلزوم السنة، فإنما يعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه، لكن إذا وجدت السنة نلزمها. وقال البخاري في صحيحه في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة: باب إذا اجتهد العامل أو الحاكم فأخطأ خلاف الرسول ﷺ من غير علم فحكمه مردود، لقول النبي ﷺ : (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)، هذا ضابط ينطبق على حقيقة الخلاف غير السائغ، وأن قضاء الحاكم وفتوى المفتي ترد إذا خالف فيها النص. ثم ذكر حديث أبي سعيد وأبي هريرة في النهي عن بيع التمر بالتمر إلا مثلاً بمثل، وقال النبي ﷺ لمن اشترى تمراً جيداً بتمر رديء: (أوه عين الربا، ردوه)، وأمر برده؛ لأن فيه مخالفة للنص. هذه المسألة مهمة جداً، فهناك مسائل ما كان النص فيها واضحاً عند الصحابة، واجتهدوا فيها، فما قال لهم فيها: أعيدوها، مثل قصة أبي بكرة عندما ركع دون الصف، مع أن الرسول ﷺ نهى عنه، واحتسب هذه الركعة على الظاهر بعد ذلك، لكن على الأقل هناك جزء منهي عنه متفق عليه بين العلماء، وهو أن مشيه في الصلاة كان بسرعة مثلاً، لكن الرسول ﷺ قال له: (زادك الله حرصاً ولا تعد)، وما كان عنده بيان قبلها وما وصلته السنة، فالرسول ﷺ قال له لا تعمل هذا مرة ثانية. وأخذنا من هذا: أن ما فيه اجتهاد لا ينقص، وحتى بعدما يتبين له فيه الحق لا يعيده، وهذا خلاف حالة المسيء في صلاته؛ لعدم ورود احتمال الجهل، وإن ورد فهو مبطل للعمل لا منقص فقط. ولذلك سنجد آثاراً عن الصحابة فيها تراجع عن أحكام ماضية، مثل: عمر ﵁ لما غير اجتهاده في مسائل لم يبلغه فيها حكم السنة الماضية، فقالوا له: أنت قضيت بهذا العام الماضي فقال: تلك على ما قضينا، وهذه على ما نقضي. إنما النبي ﷺ قال هنا: (ردوه) وأمر برد هذا البيع الذي تضمن الربا. وقال أيضاً في كتاب الأحكام: باب إذا قضى الحاكم بجور أو خلاف أهل العلم فهو رد. ثم ذكر حديث ابن عمر قال: (بعث النبي ﷺ خالد بن الوليد إلى بني جذيمة فلم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا فقالوا: صبئنا صبئنا!) وهذا دليل على أن من عادة العرب أن يسموا من أسلم صابئاً، فهم يريدون أن يقولوا: نحن دخلنا في هذا الدين، فقالوا: صبئنا، قال: فجعل خالد يقتل ويأسر، ودفع إلى كل رجل منا -هذا كلام ابن عمر - أن يقتل أسيره، فقلت: والله لا أقتل أسيري، ولا يقتل رجل من أصحابي أسيره. يعني: كان له من يسمع كلامه داخل الجيش المسلم، وابن عمر أعلم من خالد بلا شك، وخالد خالف النص، فهؤلاء لم يحسنوا أن يقولوا: دخلنا في الدين, وقتلهم محرم، ولابد أن تعصم دماؤهم، فهو أخطأ, وخالف النص، والإمام البخاري يقول: إذا قضى الحاكم بجور أو خلاف أهل العلم فهو رد. فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فقال: (اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد)، والواجب حسن الظن بالصحابة؛ لأن هذا كان خطأ من خالد بن الوليد، وهو مأجور فيه، لكن هذا الفعل باطل بلا شك. حديث آخر: (الغنم والجارية رد عليك)، فالرسول ﷺ أمر برد الحكم الذي يخالف النص؛ لأن الأجير زنى بامرأة صاحب العمل، فافتدى منه بمائة كبش ووليدة، فقال: (الغنم والجارية رد عليك، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، وعلى امرأة هذا الرجم)، فأبطل ما أفتي به وما حكم به خلاف النص.

стр. 78

ما ورد من الأمر بلزوم الجماعة قال أيضاً في كتاب الاعتصام: باب: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:١٤٣]، وما أمر النبي ﷺ بلزوم الجماعة وهم أهل العلم. إذا وجد الإجماع فلا يجوز مخالفته، ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ [آل عمران:١٩]، ﴿وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [البقرة:٢١٣]. يعني: عليهم الالتزام بالكتاب كما في الآيات السابقة، والسنة لقوله: (عليكم بسنتي)، فالإجماع يعني: إجماع أهل العلم كما بينته الآية السابقة. ثم ذكر حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : (يجاء بالنبي يوم القيامة فيقال: هل بلغت؟ فيقول: نعم يا رب، فتسأل أمته: هل بلغكم؟ فيقولون: ما جاءنا من نذير، فيقول: من شهودك؟ فيقول: محمد ﷺ وأمته، فيجاء بكم فتشهدون، ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:١٤٣] قال: عدلاً، ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة:١٤٣]). قال ابن حجر: أما قوله: (وما أمر النبي ﷺ بلزوم الجماعة وهم أهل العلم)، فمطابقته لحديث الباب خفية, من أين استنبط الإمام البخاري هذه الترجمة، وأن الرسول أمر بلزوم الجماعة وهم أهل العلم؟ يقول: وكأنه من جهة الصفة المذكورة وهي العدالة، لما كانت تعم الجميع لظاهر الخطاب أشار إلى أنها من العام الذي أريد به الخاص، أو من العام المخصوص؛ لأن أهل الجهل ليسوا عدولاً، وكذلك أهل البدع، فعرف أن المراد باللفظ المذكور أهل السنة والجماعة، وهم أهل العلم الشرعي, ومن سواهم ولو نسب إلى العلم فهي نسبة صورية لا حقيقية, وورد الأمر بلزوم الجماعة في عدة أحاديث منها: ما أخرجه الترمذي مصححاً من حديث الحارث الأشعري -فذكر حديثاً طويلاً وفيه-: (وأنا آمركم بخمس أمرني الله بهن: السمع والطاعة والجهاد والهجرة والجماعة؛ فإن من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه). وفي خطبة عمر المشهورة التي خطبها بالجابية: عليكم بالجماعة، وإياكم والفرقة، فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد، وفيها: من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة. قال ابن بطال: المراد بالجماعة أهل الحل والعقد في كل عصر. قال الكرماني: مقتضى الأمر بلزوم الجماعة: أنه يلزم المكلف متابعة ما أجمع عليه المجتهدون, وهم المراد بقوله: وهم أهل العلم، والآية التي ترجم بها احتج بها أهل الأصول لكون الإجماع حجة: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:١٤٣]، هذا دليل بأن الأمة إذا كانت على شيء فهذا الشيء من الحق قطعاً، إذاً: الإجماع إذا كان في أمر فهذا هو الحق قطعاً، ولا تجتمع الأمة على ضلالة؛ لأن الله تعالى جعلها أمة وسطاً.

стр. 79

وجوب العمل بالبينات والعلم لكل من وصلته يقول: ومما سبق من الأدلة وكلام أهل العلم يتضح أن الخلاف والتفرق المذموم في الكتاب والسنة المحكوم ببطلانه ورده هو ما خالف الوحي المنزل من عند الله سبحانه, وهو حبل الله، وهو الكتاب العزيز، وهو قد دل على السنة الشريفة- الكتاب دل على السنة- وهي أمر رسول الله ﷺ الذي من أتى بخلافه فهو رد -أي: مردود- وهو العلم والبينات التي آتاها الله أهل الكتاب فتفرقوا عنها فذمهم على ذلك. إذاً: العلم عبارة عن كتاب وسنة وإجماع أهل العلم، وما خالف -ذلك وخاصة صحابة رسول الله ﷺ ، وبالأخص طريقة خلفائه الراشدين المهديين من بعده- كان من أهل البدع المحدثات والضلالات التي أخبر ﷺ أنها في النار. وأما القياس الجلي فهو ملحق بهذه الثلاث؛ لأن هذه الثلاث دلت عليه، وقد وضح أيضاً من عموم الأدلة السابقة أنها لم تقسم الدين أو الوحي أو الكتاب والسنة والإجماع إلى مسائل أصول وفروع يترتب عليها الأحكام، من أجل ذلك نقول: هذا التقسيم غير صحيح؛ لأنه ينبني عليه المدح والذم، ولو أن هذا التقسيم لا ينبني عليه حكم لا توجد مشكلة, إنما نأخذ بالاصطلاح، وإذا كنت ستقسم بدون بناء أحكام فلا بأس، لكن عندما تبني أحكاماً بالمدح والذم، وتقول: هذا خلاف في الفروع، لا ذم فيه ولا تخطئة، ولا قول بالبطلان ولا تبديع، فلا. أو لأنه خلاف في الأصول لا بد أن يدخل فيه ذم أو تكفير, كل هذه الأدلة واضحة جداً، هل الرسول ﵊ فلما قال: (عليكم بسنتي)، فهل نقول: كان يريد في العقائد فقط؟ وربنا لما قال: ((مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ))، هل نقول: هذا في المسائل الاعتقادية؟! لا، لكنها بينات جاءت ونصوص إذاً هناك إجماع، وإذا جاء الدليل على ذلك انتهى الأمر. كل ما جاء في الكتاب والسنة مبيناً لا إشكال فيه، ولا اجتهاد في فهمه، وهو المعني بقولنا: بالتقييد، وكلمة (نص) معناها: ما لا يحتمل إلا وجهاً واحداً، مبين لا إشكال فيه، وكذلك الإجماع، سواء كانت المسألة أصلية اعتقادية، أو فرعية حكمية فقهية، فالعبرة ببيان الدليل ووضوحه ودرجة وصوله إلى المكلف. فلو خالف مخالف البينات لأنها لم تأته فهو معذور، لكن الذي جاءته البينات غير معذور. وتبين أيضاً من عموم تلك الأدلة وإطلاقها استواء المكلفين في هذه المسألة، وهو أنه متى وصل إليه بيان الكتاب أو السنة أو إجماع أهل العلم فهو ليس بمعذور في مخالفته سواء كان عالماً أو جاهلاً لأن البعض يقول: هذا للعلماء فقط، أما العوام فليس لهم شأن، لا؛ بل هو للذي يصله من هؤلاء أيضاً؛ لأن ربنا أطلق الأمر، والرسول ﷺ قال: (عليكم بسنتي) يخاطب كل أمته ﵊، فمن يصله واحد من الثلاثة: كتاب أو نص للنبي ﷺ أو إجماع فهو غير معذور عالماً كان أو جاهلاً، وإن كان العالم بذلك أشد إلا أن الجاهل إذا وصله شيء من ذلك لم يكن معذوراً في ظن يظنه اجتهاداً، ولا تقليداً لمن يراه من أهل العلم سائغاً، وإلا لم يذم مبتدع قط على بدعته. فالمبتدع يرى نفسه على الحق، وأن شيخه هو العالم، لكن لماذا يذم أهل البدع؟ من أجل المسائل التي خالفوا فيها أدلتها وهي بينات واضحات، ومخالفها مذموم بلا شك عالماً كان أو جاهلاً. يقول: لأنهم جميعاً أهل جهل، وهم يظنون أنفسهم على الحق، أو متبعين لرءوسهم الذين يحسبون أنهم أهل العلم والدين. أي: غير معذور وإنما يأثم، وقد تصل الدرجة للتكفير، كل على حسب الوضوح والعلم المعلوم من الدين بالضرورة. يقول: فلماذا كان الذم لأهل البدع ولمن تبعهم، وحقهم العقاب في الدنيا والآخرة؟ لأن الرسول ﷺ أمر بقتال الخوارج، وهم يظنون أنفسهم مجاهدين في سبيل الله، يقاتلون الكفرة, ومن هؤلاء الكفرة عندهم؟ علي بن أبي طالب ومعاوية وكل من خالفهم يكون كافراً, وتجد خطب نجدة الحروري وأشعار هؤلاء الخوارج تصرح بقتال الصحابة ﵃ واستباحة دمائهم. إذاً: هؤلاء استحقوا العقاب في الدنيا والآخرة، والرسول قال عنهم (كلاب أهل النار). إذاً: لو كان كل واحد يظن نفسه متبعاً لعالم وهو ضال ومعرض عن البينات التي وصلته ومتبع للهوى بغياً وحباً للرئاسة، لو كان كل هؤلاء معذورين فماذا نصنع بالأدلة؟ إذاً: الرافضة والخوارج والقدرية وغيرهم كيف نعاملهم في ظل حديث: (إذا مرضوا فلا تعودوهم، وإذا ماتوا فلا تتبعوهم)، والقدرية النفاة قال ابن عمر عنهم: إذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم، وأنهم برآء مني؛ لأنهم ينفون العلم ونحو ذلك، وغيرهم من رءوس البدع وأتباعهم، وما ذلك الذنب إلا لتقصيرهم فيما يلزمهم بعد بروز الحق لهم.

стр. 80

التنافس على الدنيا من أسباب الاختلاف المذموم من أسباب الاختلاف المذموم: البغي والتنافس على الدنيا. والباغي هو من يجاوز الحد الذي من المفروض أن يقف عنده إلى ما عداه، قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [البقرة:٢١٣] , إذاً: الاستطالة على المسلمين والمؤمنين نهى الله عنها. قال: والذي يؤدي إلى البغي الكبر المنافي للتواضع والتنافس على الرئاسة والوجاهة، وسائر شهوات الدنيا، قال النبي ﷺ : (إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغي أحد على أحد). والبغي سببه عدم التواضع والكبر والعياذ بالله، فيحب هذا الإنسان أن يكون هو الأعلى، ويقول: أنا الأول، أنا المقدم، وغيري تابع لي. قال ﷺ : (ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تفتح عليكم الدنيا فتنافسوها كما تنافسها من قبلكم، فتهلككم كما أهلكتهم)، صدق الرسول ﷺ الرءوف الرحيم؛ فإن التنافس في الدنيا وعلى رئاستها ووجاهتها من أعظم أسباب هلاك من هلك، وتأمل في التاريخ كيف كان قتل عثمان ﵁ ظلماً وبغياً، ومنافسة ممن قتلوه على رئاسة أرادوها وليسوا لها أهلاً، فهؤلاء الرءوس كانوا يريدون أن يكونوا هم الرؤساء، ويريدون أن يخلعوا عثمان عن الخلافة طمعاً فيها وهم ليسوا لها أهلاً, وما جره ذلك على الأمة من الفتنة التي لم تصب الذين ظلموا خاصة بل عمت الصالحين وغيرهم، ثم لما وقعت الفتنة، قالوا: كنا نظن أننا من أهلها: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال:٢٥]، ولذا كان علي بن أبي طالب يبكي على هؤلاء ويبكي على هؤلاء، ويصلي على هؤلاء ويصلي على هؤلاء ﵁. وتعطلت الفتوحات مدة بسبب ما حدث من قتال وفتن، فمضت خمس سنوات دون حصول فتوحات، فمن عهد أبي بكر وعمر وعثمان والإسلام ينتصر انتصاراً بعد آخر, ولما وقعت الفتنة بقتل عثمان توقفت الفتوحات حتى اجتمعت الأمة بعد ذلك, وذلك بسبب أهل الدنيا الذين أشعلوا نار الحرب بين الفريقين، وكلاهما يحاول إطفاءها، ولكن أهل الدنيا هم الذين كانوا يشعلون الفتنة. وتأمل كذلك حال المسلمين يوم سقوط بغداد في أيدي التتار، ذلك السقوط التاريخي الذي ما سمع في التاريخ بمذبحة مثله؛ قتل فيه مع الخليفة وحاشيته على أقل التقديرات ثمانمائة ألف، وقيل: ألف ألف وثمانمائة ألف، وذكر صاحب البداية والنهاية القولين، وهذا كان في عاصمة الخلافة الإسلامية، وتأمل في حال المسلمين في تلك الفترة. ما حركوا ساكناً، وظل كل أمير وملك مشغولاً بملكه وملذاته وصراعاته حتى الخليفة نفسه يذكر ابن كثير ﵀ في البداية والنهاية: أنه بينما كانت جارية ترقص بين يدي الخليفة أصابها سهم فقتلها، ولا حول ولا قوة إلا بالله. فكان التتار على أبواب بغداد والملوك مشغولون بدنياهم ورقص الجواري بين أيديهم حتى دخلت عليهم البلاد فقتلوا كما هم. نسأل الله أن يرحمهم. وقد نصح الخليفة وزراء السوء بالخروج إلى هولاكو بالهدايا -ودائماً ما يكون خلف أمثال هذه المشاكل أهل البدع- فقبل صاغراً, وأهين أعظم إهانة حتى قتل ﵀ وغفر له ولجميع المسلمين والمسلمات. وكذلك من تأمل أحوال ملوك الطوائف في الأندلس قبل سقوطها الذريع في أيدي الفرنجة، وما فعلوه بأهلها من الظلم والقتل وانتهاك لكل الحرمات، وأعظمها فتنتهم عن دينهم, فسقوط الأندلس كان أشد من سقوط بغداد؛ لأن بغداد إلى اليوم فيها مسلمون، والأندلس هي الوحيدة التي حصل فيها استئصال للمسلمين بالكلية وأبيدوا إبادة تامة بعد محاكم التفتيش التي كانت في الأندلس، وكان سببها لو نظرنا أهل البدع وموالاتهم. فأيام الخلافة العباسية كان فيها موالاة للشيعة وكان وزير المسلمين فيها ابن العلقمي الرافضي وهو الذي أشار على الخليفة أن يخرج لـ هولاكو والعياذ بالله. فالوزير كان رافضياً وكان يريد ينتقم من الخليفة؛ لأنه كان قد وقعت وقعة قبلها بمدة بين أهل السنة والشيعة، فيريدون أن ينتقموا منهم، فقال له: اخرج له ببعض الهدايا, فأهين أعظم إهانة , ثم أشار بقتله الآخر نصير الدين الطوسي أو نصير الكفر بمعنى أصح, وكان شيعياً باطنياً من غلاة الشيعة، أما أمراء الأندلس فكانوا يوالون الكفار أنفسهم. فتجد أنهم كانوا يستعينون بالكفار على بعضهم في حروبهم، لأن الملوك والطوائف حكمت مدة طويلة وكان الكفار يأخذون بلاد الإسلام جزءاً إثر جزء. نقول: فكانت الصراعات فيما بينهم، وموالاة النصارى على بعضهم بعضاً من أعظم أسباب الانهيار، فالتنافس على الدنيا سبب البغي، والبغي سبب الاختلاف والفرقة وهي سبب الضعف وذهاب الريح وتسلط الأعداء، ولا علاج لذلك إلا بإخلاص النية لله سبحانه والتنافس على الآخرة، كما فرضه الله وقال الله: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات:٦١] وقال: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦]. فالتنافس على الآخرة لا يجلب حسداً ولا حقداً ولا طوائف ولا بغياً, وإنما يثمر حباً صادقاً وتآلفاً وإخاء، ووحدة في الصف, وقوة على الأعداء. والحقيقة أن كثيراً مما يجري بين الاتجاهات الإسلامية المعاصرة من اختلافات مريرة على المناهج والأفكار والأولويات والأعمال سببه الجهل وحب الرئاسة وحب كثرة الأتباع، فلولا هذه الأمور لما أثمرت هذه الثمار المرة في التعاملات التي تجري بين هذه الاتجاهات وأفرادها. ومن أعظم وأهم أسباب العلاج: أن نعلم حرمة دم المسلم، وحرمة والاستطالة عليه أياً من كان، طالما بقي في دائرة الإسلام ولم يخرج منها إلى الكفر، فنتعامل بشرع الله مع من عاملنا به، ومع من لم يعاملنا. فإذا كان هو يراعي حرمتي فأنا عليّ أن أراعي حرمته لأنه مسلم, وحتى لولم يراع هو حرمتي فأنا أراعي حرمته؛ فما عاقبت من لم يتق الله فيك بمثل أن تتقي الله فيه. لو أنك اتقيت الله فيه فهذا هو عقابه أحسن عقاب للذي يظلمك ألا تظلمه، والحذر واجب في تناول أحوال المخالفين من الوقوع في الغيبة باسم النصيحة, ومن تلمس العثرات، والفرح بالسقطات تحت شعار بيان الحق, ومن خديعة الشيطان للتنافس على المنازل والرياسات الدنيوية تحت شعار الحرص على إمامة المتقي، فهذه الأمور التي نقول هي حق يلتبس فيها في أحيان كثيرة الخطأ, يقول: أنا أريد أن أكون من أئمة المتقين ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان:٧٤]، فأنا سأقتل غيري حتى أكون أنا الإمام والخطيب والمدرس والقائد العسكري، لا. هذا لا يصح أبداً، فالنيات أمر مهم بلا شك، والنصيحة للمسلمين واجبة, وكشف الباطل وبيان الحق واجب، والحرص على إمامة المتقين من صفات عباد الرحمن وإن لم تكن بالضرورة عن طريق الرئاسة عليهم، فكم من إمام للمتقين وهو في زمرة المغمورين الخاملين غير المشهورين: (رب أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره)، ولكن المشكلة الحقيقية في النية والإخلاص والزهد الحقيقي في الدنيا وترك البغي.

стр. 81

الجهل ونقص العلم سبب في توليد الاختلاف المذموم ومن أعظم أسباب الاختلاف المذموم: نقص العلم, كما قال النبي ﷺ : (إن الله لا ينزع العلم بعد إذ أعطاكموه انتزاعاً ولكن ينتزعه بقبض العلماء, فإذا قبض العلماء اتخذ الناس رءوساً جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا)، متفق عليه. فلقد كان أول شرك وقع على ظهر الأرض بسبب نقص العلم بموت العلماء، فبدأت البدع في الظهور، كما في البخاري عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح:٢٣]، قال: هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح ﵇، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصاباً وسموها بأسمائهم ففعلوا؛ فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك ونسي العلم عبدت؛ فأنت ترى كيف كان نقص العلم سبباً لظهور البدع العملية أولاً لا الاعتقادية. يعني: أول بدعة كانت بسبب الجهل، وما كان الناس يعتقدون فيها أي شيء, وكان غرضهم أن تحثهم هذه التماثيل على الاقتداء بالصالحين في عبادة الله ، فأصلها بدعة عملية، لكن سرعان ما تحولت إلى بدعة اعتقادية, وإلى شرك أكبر والعياذ بالله. ثم لما زاد النقص بموت جهابذة العلماء؛ لأن هؤلاء أثناء وجودهم لم يكن أحد يقدر أن يظهر هذه الأشياء, ولم تظهر البدع في وجود العلماء؛ فلما مات العلماء وبقي عندهم أنصاف العلماء الذين ليس لديهم كل العلم بدأت البدع العملية لا الاعتقادية؛ لأنهم كانوا يعلمون حقيقة توحيد الله , ولم يستطع الشيطان أن يصور لهم أن هؤلاء الصالحين كانوا يعبدون من دون الله، فلذلك نقول: وجود العلماء أولاً منع من ظهور البدع، ووجود تلامذة العلماء كان على الأقل يمنع من فساد العقيدة، ثم بعد ذلك لما نقص العلم بموت تلامذة العلماء ظهرت البدع الكفرية الاعتقادية وظهر الشرك, وأوحى الشيطان إليهم أنهم كانوا يسقون بهم، فبدءوا بالتوسل ثم زاد الأمر إلى أن وقعوا في الشرك، وعبدوا غير الله, ولقد جعل الله الجهل صفة الكفار والمنافقين، قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة:٦]، فوصف الكفار بأنهم لا يعلمون، وقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون:٨]، وقال: ﴿وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون:٧]. وقال النبي ﷺ : (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)، فقلة الفقه في الدين علامة عدم إرادة الخير, وبالتالي كانت تؤدي إلى ظهور البدع والاختلاف، وكفى بذلك سبباً في ضياع الأمة وظهور البدع. وقد رأينا كيف كان ظهور البدع والنفاق سبباً لتسلط الأعداء، وقد ظهر هذا جلياً عندما تسلط الصليبيون على الأمة بعد ظهور الدولة الباطنية المسماة بالفاطمية, وتسلطها على كثير من بلاد المسلمين في مصر وأفريقيا والحجاز وأجزاء من الشام, فلم تقم للمسلمين قائمة إلا بعد زوال هذه الدولة الكافرة المنافقة على يدي صلاح الدين مبعوث نور الدين رحمهما الله تعالى. ونرى كيف كان استفحال خطر الصوفية في الدولة العثمانية حتى حاربت دعوة التوحيد التي قام بها محمد بن عبد الوهاب حتى عاونت العدو الصليبي الأوروبي الحاقد المتربع على أكثر البلاد الإسلامية. فهم لم ينسوا حربهم مع المسلمين, فأحد قادة الحرب العالمية الأولى من الحلفاء لما دخل دمشق ذهب إلى قبر صلاح الدين وضربه بقدمه وقال: ها قد عدنا يا صلاح الدين , فهذا دليل على الحقد العظيم الذي يكنونه للإسلام وأهله. وسبب كل هذا أهل البدع من الصوفية التي كانت تملأ السهل والوادي في ذلك الوقت, وكان ذلك هو السمة الغالبة على المسلمين في ذلك الوقت, فهذا خطر عظيم جداً سببه البدع التي منبعها أصلاً من الجهل، أو وجود زنادقة يحرصون على وجود البدع، ولكن لن توجد إلا مع الجهل. ولقد حذر الرسول ﷺ من البدع كسبب من أسباب تفرق الأمة، وأمر بالسنة على طريقة الخلفاء الراشدين، وقال: (إنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً؛ فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة). فقوله: (عضوا عليها بالنواجذ) , فيه الحذر من البدع؛ لأن كل بدعة ضلالة, وهذه هي القاعدة النبوية السلفية في مواجهة الاختلاف, وهي عقيدة أهل السنة في التمسك بالسنة على طريقة السلف رضوان الله عليهم، وليس العلاج كما يتوهم البعض هو التوقف بين أهل السنة وأهل البدع. هذا هو منهج الإخوان في حال الاختلاف بين أهل البدع وأهل السنة أتباع السلف، فهو أصلاً يرى التوسط دائماً بين السلفية والصوفية، وبين عقيدة السلف وعقيدة الخلف، وبين السنة وبين الشيعة، وفي كل المسائل حتى بين الإسلام والعلمانية يحاول التوسط بقبول الشعارات الجاهلية على الأقل كالديمقراطية والحرية والمساواة، وأساس العلمانية هو هذه الشعارات, فتجد هذه الشعارات معكوسة أحياناً حينما ينادى بها كشعارات إسلامية، أو يطالب بها الإسلاميون, وهذه من أخطر الشعارات المنحرفة التي تؤدي إلى انحراف المنهج بالفعل، وقبول المنكرات التي تتضمنها هذه الشعارات. ليس العلاج كما يظن البعض هو التوسط بين أهل السنة وأهل البدعة، ومحاولة التوفيق بين الأقوال المتناقضة والمذاهب المتباينة، أو سكوت كل فريق عن الآخر، يعني: أنت على ما أنت عليه وأنا على ما أنا عليه , وكل واحد لا يتكلم في الآخر, واختلاف الرأي لا يفسد للود قضية.

стр. 82

الرد على القائلين بإمكانية التقارب بين السنة والشيعة توجد عدة محاولات للتقريب بين السنة والشيعة، والزعم بأن خلافهم خلاف سياسي مضى زمنه ومقتضياته, والسكوت عنه أولى. يقول: هذا خلاف سياسي على الإمامة. وانتهى الموضوع. لا، فهذا أمر اعتقادي، لابد أن نعتقد أن المجتمع المثالي الذي ننشد مثله هو عهد الخلافة الراشدة، وهو امتداد طبيعي للمجتمع المسلم في عهد النبي ﵊، ونعتقد أن الخلفاء بعد رسول الله ﷺ أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي , وأنهم في الفضل كذلك: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي , وليس هذا الأمر بموضع خلاف حتى يقال: يمكن السكوت عنه، وقد يظن البعض أن هذا -يعني: السكوت عن الخلاف- هو مقصود السلف من قولهم بالإمساك عما شجر بين الصحابة من خلاف, وهذا باطل لا شك؛ لأنهم لم يختلفوا في أبي بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي رضي الله تعالى عنهم، والذي حصل هو الخلاف على أي الأمور يبدأ بها في الفتنة التي وقعت, هل القصاص من قتلة عثمان، أم توطيد البيعة لـ علي ﵁؟ هذا الخلاف الذي حدث، والإمساك المقصود عند السلف هو عن وقائع الفتنة وتفاصيلها بعد مقتل عثمان , وليس عن الإقرار بخلافة أبي بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ﵃ أجمعين، ويلزم كذلك الإقرار بفضل أبي بكر وعمر على علي ﵁، فالمخالف في أي من المسألتين، مسألة الخلافة بالترتيب، وتفضيل أبي بكر وعمر على علي مبتدع. والشيعة إما أن تطعن في الخلافة مثل الإمامية، أو تنتقد الخلافة مثل الزيدية القائلين بتفضيل علي على أبي بكر وعمر، مع أن الخلافة عندهم صحيحة لـ أبي بكر وعمر وعثمان، لكن علياً أفضل منهم جميعاً، وهذا قول مبتدع باتفاق أهل السنة, فضلاً عن المسائل الأخرى التي يبدع فيها الرافضة, فضلاً عن المسائل الكفرية التي يقول بها غلاتهم. أما الرافضة فإن الكتب المعتمدة عندهم مليئة بأنواع الضلالات والكفر من الغلو في الأئمة، وإن كان الأمر يحتاج إلى إقامة حجة كما تقام الحجة على الصوفية ونحوهم، بل عقيدة الصوفية أصلاً أخذت معظم ضلالاتها عن الشيعة، والرافضة، وما انتشرت الصوفية بغلوها إلا بعد ظهور الدولة الباطنية المسماة بالفاطمية التي كانت تعلن الرفض وتبطن الإلحاد. إذاً: تفضيل علي على أبي بكر وعمر بدعة، أما الذي يفضل علياً على عثمان فهو مخطئ لكن لا يضلل ولا يبدع؛ لأنه من شيعة أهل السنة؛ فمن السلف الأوائل من يقدم علي على عثمان في الفضل، أما المتأخرين فقد حصل عندهم اتفاق على تقديم عثمان على علياً في الفضل كما هو في الخلافة. فمن قال: الخلفاء أبو بكر ثم عمر ثم علي يبدع، ولا يوجد أحد يقول بهذا، فالذي يقول بالخلافة إما أن يطعن في خلافة الثلاثة، أو يقول: الخلفاء الثلاثة خلافتهم صحيحة لكن علياً أفضل. فضلاً على أن الزيدية دخلوا في مذهب الاعتزال، وهذا أصل ظهور مذهب الزيدية، وهو تقديم علي على الثلاثة في الفضل, ولكنهم يشهدون بخلافتهم ولا يتبرءون منهم. وسبب تسمية الرافضة بذلك: أنهم رفضوا إمامة زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵁ لما طلبوا منه أن يتبرأ من أبي بكر وعمر فأبى فرفضوا أن يجعلوه إماماً فسموا رافضة، وأتباع زيد ظلوا على الإقرار بصحة إمامة أبي بكر وعمر ولكنهم غلوا في فضل علي , فقالوا: علي أفضل, وعلي ﵁ ثابت عنه أنه قال: لا يؤتى بأحد يفضلني على أبي بكر وعمر إلاجلدته حد الفرية، وثبت عنه عن ابنه محمد بن الحنفية أنه قال: يا أبت! من أفضل بعد رسول الله ﷺ ؟ فقال: أوما تعلم يا بني؟ قال لا، قال: أبو بكر قال: ثم من؟ قال: ثم عمر، قال: ثم أنت؟ قال: ما أنا إلا رجل من المسلمين. وهذا ثابت في البخاري , ومجمع عليه بين أهل السنة. فالمسألة التي يخطأ فيها المخالف ولايضلل هي مسألة تفضيل علي على عثمان، فترتيبهم في في الفضل مثل ترتيبهم في الخلافة. أما الزيدية فعندهم بدع اعتزالية, مثل إنكار صفة الرؤية في الدار الآخرة، والقول بخلود مرتكب الكبيرة في النار, وهم أصبحوا معتزلة في سائر العقائد ما عدا مسألة التفضيل, فإن المعتزلة أكثرهم لا يفضلون علياً على أبي بكر وعمر. وهؤلاء الرافضة عندهم غلو شديد في الجملة في آل البيت, وعندهم أقوال مكفرة، فكيف يتصور بعد هذا أن يوجد من ينادي بالتقارب معهم؟ ومع ذلك وجد من قيادات الإخوان المسلمين من يدعو إلى التقارب مع الشيعة، والأستاذ حسن البنا كان عضواً في لجنة التقريب بين السنة والشيعة, وفي بعض الكتب تصور مع أعضاء لجنة التقريب بين السنة والشيعة, والتقريب هذا كله مبناه على أننا ننظر إلى ما نحن متفقون عليه. نقول: والذي نختلف فيه ماذا نعمل فيه؟ يقول الدكتور القرضاوي: نستخدم مع الشيعة القاعدة الذهبية: نجتمع فيما اتفقنا فيه, ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه. وهذا يؤكد لنا منهجهم الموجود في التعامل, وهم يتعاملون مع جماعات كثيرة جداً من أهل البدع في مثل هذه المسائل، التبليغ توصل لأصول الدعوة بقولها: يجب ألا يخوض الناس في أمراض الأمة، ولا في الشرك ولا في البدع, ومن صنع ذلك فهو خارج عن خط الجماعة، ولا شك أن كثيراً منهم لا يظهر الموافقة على هذه المسألة، وبالنظر إلى أصل أئمة الجماعة يعرف سبب ذلك، فقد كانوا أناساً صوفيين أو أحد الجماعات الصوفية. فجماعات كثيرة من الجماعات الصدامية لا ترى غضاضة في اجتماع أهل السنة وأهل البدع في سبيل إزالة الحكم العلماني، مع أن السكوت على البدع الشركية يؤدي إلى خلل عظيم جداًً، هذا الكلام يطبق عملياً في جماعات الجهاد في أفغانستان- وإن لم يكن هناك جهاد في الحقيقية- فهي لم تجد غضاضة في التحالف مع الإسماعيلية، رغم أنهم كفرة، ومع ذلك فقد تحالف الجهاديون مع الطائفة الإسماعيلية والشيعة ومع إيران, فمنهج هؤلاء الجهاديين قائم على هذا، ولذلك حكمتيار لما تدهور الحال في أفغانستان ذهب للإقامة في إيران. فهذه المناهج أصلاً منبعها إخواني، فبعضها كان صدامياً, وبعضها نتيجة الجهل قامت بتحالفات خاطئة إلى أن وصل الأمر بهم إلى التحالف مع الشيعة بغرض الوصول -في تصوره هو- إلى إقامة الحكم. يقول: لم تعد هذه بدع ولا فرق بيننا وبينهم، لكن العلاج الحقيقي هو في الحذر من البدع. إذا: القاعدة الذهبية هي: (عليكم بسنتي وإياكم ومحدثات الأمور)، لا أننا نتعاون فيما اتفقنا فيه ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه، هذه القاعدة عندما تطبق في الخلاف السائغ يكون فيها اجتماع, مع أننا في الخلاف السائغ يلزمنا أن نبحث عن الأدلة ونحو ذلك، ومع ذلك لابد أن يعذر بعضنا بعضاً فيما عذر فيه السلف بعضهم بعضاً، أما في الخلاف غير السائغ مع أهل البدع خصوصاً فهذا من أخطر الأمور في المناهج غير الموافقة للسلف. وفي الحقيقية فإن مشايخ الأزهر ولجان التقارب بين السنة والشيعة التي كانت تحت راية الأزهر يرون ذلك, وما زالوا يرون أن الشيعة لهم مذهب معتبر، والفتاوى تصرح بأن الشيعة الإمامية أحد المذاهب المعتبرة. وأول من اخترع مصطلح المذاهب الثمانية هو محمد أبو زهرة مؤلف التراجم عن أتباع المذاهب الثمانية, ومن هي المذاهب الثمانية؟ أقرب المذاهب إلى طرق أهل السنة هو المذهب الزيدي بعد المذهب الظاهري، ولما دخل الشوكاني والصنعاني في مجال الفقه المقارن بكتبهم المشهورة -التي أثرت علم الفقه المقارن- كان هذا سبباً في انتشار المذاهب الزيدية التي لم يتعود أهل السنة من قبل على ذكرها، وعلى ذكر الأئمة من الزيدية، وبعده يأتي المذهب الإباضي، ثم مذهب الإمامية، فأصبحت بذلك ثمانية. وهذا منهج موجود أصلاً في جهات متعددة، وليس وليداً أو حادثاً, فالأمر لا شك خطير للغاية. هذا غير الخطر الناتج من تقريب هؤلاء المبتدعين، وهل حصل فعلاً تقارب حقيقي أم أنه تقية منهم؟ فهم لا يتغيرون وعداؤهم لأهل السنة وتكفيرهم لهم بات، ومحاولة النيل منهم بكل طريقة عبر التاريخ مذكورة. وموقفهم في أفغانستان واضح جداً، فحزب الوحدة الشيعي ما صنع شيئاً مطلقاً أمام الشيوعيين, وترك الجهاد نهائياً، ولما بدأ التنافس الداخلي ظهر حزب الوحدة الشيعي، وظهرت أطماعهم الشديدة، فلم يشارك في الجهاد وإنما كان يعد نفسه للوثوب على السلطة أو جزء منها عندما تقسم الكعكة. والتاريخ يثبت دائماً موقف الرافضة في صف أعداء الإسلام، وسوء معاملتهم لأهل السنة إذا ظهروا عليهم، فأهل السنة في إيران إلى اليوم من أشد الناس اضطهاداً، فهم يضطهدون أشد مما يضطهد المتدينون الآن في البلاد الإسلامية المختلفة، فأهل السنة هناك في السجون تصب عليهم أنواع التعذيب والقتل، ولا أحد يعرف عنهم خبراً رغم أن الدولة تحاول أن تخدع أبناء المسلمين بأنها ثورة إسلامية، وليست إلا شيعية رافضية جعفرية اثنا عشرية. وما مواقفهم في تأييد التتار، و

стр. 83

الخلاف بين أهل السنة والصوفية خلاف في القضايا الكبرى كذلك التقارب بين السلفية والصوفية؛ لأنه أيضاً مخالف للقاعدة الذهبية النبوية في التحذير من البدع, والتمسك بالسنة على منهج الخلفاء الراشدين، وليس الخلاف بين أهل السنة والصوفية هو في مجرد أمور يسيرة يعذر فيها، بل في قضايا توحيد الربوبية والإلهية، فاعتقاد أن الكون له أقطاب يدبرونه، هذا من الشرك في الربوبية، وكذلك من الشرك اعتقاد جواز الدعاء والذبح والنذر والطواف للأولياء، بينما يقول عمر التلمساني: إن هذه مسألة تذوق, فالذي يجد راحة نفسية عند قبور أولياء لا حرج عليه في الذهاب إليها وشد الرحال إليها، هذه مسألة وهو حر يعمل ما يريد، ومعروف ما الذي يحصل عند قبور الأولياء، ومعروف أن هناك شركاً، لكن هو لا يرى أن ذلك من الشرك. هناك قضايا أساسية تمنع التقارب مع الصوفية، فهم مثلاً عندهم غلو فظيع جداً في المقبورين، كذلك في قضية القضاء والقدر فهم جبرية، كما أنهم يرون سقوط التكاليف عن أئمة الصوفية، وكذلك نفارقهم في معاني ولاية الله، فنحن عندنا ولاية ربنا : ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٣]، بينما الأولياء عند الصوفية هم الذين تقع منهم خوارق العادات ولو كانوا من أفجر الفجرة. ربما تجد الواحد من الصوفية مسجل في قائمة الخطرين في شرطة الآداب، وعنده مخدرات، ونصاب وجرت على يديه شعبذة. وأنواع من السحر، وحينها يصبح ولياً من أولياء الله! وأنا أعرف أحد الأقارب -كان والدي يحكي لي عنه- الله أعلم به على أي شيء مات، لكنه كان تاركاً للصلاة، وللصيام، والعياذ بالله! وله مولد كبير جداً في محافظة المنيا حالياً, فلما كان يقول له: صل, يقول له: الصلاة وسيلة, ومعنى كلامه: أنا وصلت, وهذا كفر بواح والعياذ بالله وخروج من الملة, لذلك فإن معاني الولاية معاني خطيرة جداً عند الصوفية. كذلك العلاقة بين الحقيقة والشريعة، فالحقيقة هي الأمور الباطنة عند الصوفية، والشريعة هي الأمور الظاهرة، فعندهم انفصال في هذا الأمر فأصحاب الشريعة لا يفهمون شيئاً وهم الفقهاء، وأصحاب الحقيقة هم الصوفية الذين لا تلزمهم الشريعة، فهذا الانفصال أمر خطير، إذ لا يجوز الانفصال بين الحقيقة والشريعة، ولا يكون صاحب حقيقة باطنة شرعية من يخالف الشريعة الظاهرة؛ لأن هذا خلاف في الاتباع؛ لأنهم يرون أن السنة لا يمكن الاتباع لها إنما لابد من طلب الشيخ, ومن ليس له شيخ فشيخه الشيطان ونترك الكتاب والسنة, ولو عارض كلام المشائخ الأحاديث الصحيحة تترك؛ لأن الشيخ أفهم. كذلك قضية الأحاديث الضعيفة والموضوعة التي هي عمدة عقائدهم الفاسدة، وأنواع الضلالات التي تبنى على هذه الأحاديث الموضوعة. كذلك قضية الاتباع وعندهم هي قضية مهملة بل مضيعة. ومنهج التزكية أيضاً عندهم فيه خلل خطير، إذ عندهم أعمال القلوب التي تمدح وتطلب من مثل الفناء والدهش والهيمان ونحو ذلك، أما عبادات العوام فهي تنتقص وتزدري لدى السائرين وهي مثل الصبر والحب والخوف والرجاء؛ لأن فيها شعوراً بوجود الإنسان نفسه، وهي ليست على أعتاب الفناء. وهذه المسائل كلها تجعل من المستحيل أن تجتمع الصوفية مع المنهج السلفي السني. كذلك مسألة مراتب الأولياء، فهم فوق الأنبياء، وهذا ابن عربي يقول: إن مرتبة الولي دون الرسول وفويق النبي! والعياذ بالله، فقدر الأولياء عندهم أعلى قدراً من الأنبياء. هذا فضلاً عن العقائد الكفرية التي يتبناها أئمتهم من الحلول والاتحاد والإباحية والجبر والفناء وغير ذلك، ومن أئمة الجبر الحلاج مثلاً، وهو عند كل الصوفية من كبار الأئمة، الذي يدافع عنه البعض دفاعاً مستميتاً, ويعد الذي حصل له مأساة كبيرة جداً؛ لأنه كان يقول: لا إله إلا الله ما في الجبة إلا الله، وهذه الجبة جبته هو، والعياذ بالله! وأما الاتحادية فأكثر من الصوفية، مثل: ابن عربي، وابن الفارض، وابن سبعين، فـ ابن عربي اسمه الكبريت الأحمر والقطب الأكبر، وأما ابن الفارض فهو سلطان العاشقين، وأقوال الدسوقي وابن عطاء الله والمرسي أبو العباس وغيرهم من الاتحادية في أورادهم وكلامهم في وحدة الوجود فظيعة جداً. وجميع الطرق الشاذلية التي ينتمي إليها ابن عطاء وأبو العباس المرسي، إلى يومنا هذا يتناقلون جزءاً من الأوراد المنقولة عن الحسن الشاذلي نفسه -الله أعلم بصحته- وهي مما يتفق عليه بينهم رغم تشعب الطرق الشاذلية، وهي أكثر الطرق انتشاراً في مصر، فيقول في هذا الورد: اللهم انشلني من أوحال التوحيد، وأغرقني في عين بحر الوحدة. وهذه الوظيفة اليومية لديهم، وكلما بحثت عنها أجدها في جميع الأوراد: اللهم انشلني من أوحال التوحيد، نعوذ بالله، كلام كفر بواح، وأغرقني في عين بحر الوحدة، أي: وحدة الوجود. أما الجبر والإباحية التي هي الجبر المطلق ومشاهدة العبد للحكم، فهذه قاعدة بشعة، مع أن ابن القيم يحسن الظن بهم جداً وبشيخه الهروي الذي يقول: إن مشاهدة العبد للحكم لم تدع له استحسان حسنة واستقباح كبيرة، الحسنات والسيئات كلها أصبحت سواء؛ لأنه يشاهد حكم الله ، فهي محتملة التأويل، لكن المفهوم عنده هكذا، وتأويله صعب وتكلف حتى نتأول: أنه لم يستحسن حسنة ولم يستقبح السيئة، ولا بد أن يستحسن الإنسان خلق الله في الحسنة والسيئة؛ لأنه من صفات الله أنه خلق الحسنات والسيئات. هذا حسن من الله أم لا؟ لا بد أن يكون حسناً؛ لأن هذا فعل الله، وأفعاله كلها كمال، ولكن المشاهدة لم تدع له استحسان حسنة، فواضح أنه يتكلم على المخلوقين، إذاً: هذا لا يقع في السيئة، ولا الشرك، ولا الكفر، وهذا الحكم القدري الكوني. ومن العقائد: عقيدة الفناء، وأحسن أحواله: الفناء عن شهود السوى. أي من سوى الله، يعني: إن أحسن أحواله أن نحمله على أنه غاب بمذكوره عن وجود غيره، من كثرة الذكر لم يعد يشعر بالذي حوله, ولما ينتبه يعرف الحقيقة فهذه محاولة التأويل في الحقيقة لكلامهم. أما كلامهم الصريح فلا، فمثلاً أبو اليزيد البسطامي ينقل عنه أنه يقول: سبحاني، سبحاني ما أعظم شاني!! وابن القيم يقول: إنهم كانوا مجانين وقتها. فهذا التأويل الوحيد أنه مجنون لما قال ذلك الكلام، لكن من يقول: سبحاني، سبحاني ما أعظم شاني!! يستحق القتل بلا شك، ثم هم في منازل عالية أنت لا تفهمهم، وأنت لم تصل إلى درجتهم حتى تفهم معنى: سبحاني سبحاني ما أعظم شاني!! واحد من الصوفية هنا ممن خبا صوته يقول: لما سيدنا أبو اليزيد البسطام يقول: سبحاني سبحاني ما أعظم شاني! قصده أن الإنسان يتخلق بأخلاق الله وبصفات الله! يعني: هو يقر بكلمة أبو اليزيد البسطامي وأنها كلمة جيدة، ومعناها هكذا, فيؤولها مع أن هذا في الحقيقة كلام كفر لا يؤول، بل يمكن تأويل كلام اليهود والنصارى القائلين بالأقانيم الثلاثة ولا يمكن التأويل لمن يقول: سبحاني سبحاني ما أعظم شاني!! وسلطان عاشقيهم وهو ابن الفارض في التائية يقول: ذاتي لذاتي صلت ولها كان سجودي في كل ركعة وإذا خر في البيد للأصنام عاكف فلا تعد بالإنكار للعصبية يعني ذاك من التعصب، فلا تنكر على من يركع ويسجد للأصنام، ومعناها: دع الناس تعبد الأصنام. والتائية هذه فيها من الكفر أنواع عجيبة والعياذ بالله، وهو يقول عن نفسه: سلطان العاشقين. إذاً: هذه هي الصوفية، وهل أحد من الصوفية يستطيع أن يتبرأ من ابن عربي أو ابن الفارض أو الدسوقي أو الشاذلي؟ لا يمكن حتى أن يتبرأ من هذه الأقوال، بل يقول: سيدنا أبو اليزيد البسطامي يقول بعضهم: سبحاني سبحاني ما أعظم شاني!! لكن معناها كذا. هذا لمن عندهم، وهذا الكلام مذكور في كتبهم المطبوعة وليس في كتبنا نحن، مثل فصوص الحكم لـ ابن عربي. ثم بعد ذلك نقول في تربيتنا الروحية للأستاذ سعيد حوى: دعوة سلفية وحقيقة صوفية. ويقول: إن الشيخ حسن البنا نقح هذا الكلام، وفي الحقيقة هو لم ينقح شيئاً بل هناك تعتيم على مثل هذه المسائل لدى الأتباع، لكيلا يكون الأمر غير واضح لديهم، وأن هناك فروقاً هائلة، وأن أصل الصوفية الفلسفية لدى المتأخرين ممن ضربنا أمثلتهم هي خروج عن ملة الإسلام، وهذا هو الذي فتح باب الغلو المعروف الآن في مظاهر عبادة القبور ونحو ذلك. هذه أحد أنواع الخلافات، لكن أنواع الخلافات التي عند الصوفية هي في الربوبية والإلهية والقضاء والقدر، ومعاني ذات الله، والعلاقة بين الحقيقة والشريعة والاتباع، والتزكية، ومراتب الأولياء فضلاً عن خلافاتنا معهم في قضايا مثل الحلول والاتحاد والإباحية والجبر والفناء وغير ذلك من أصول الإسلام الكبرى والإيمان باليوم الآخر، وفي أصول الإيمان والإسلام هناك خلافات هائلة مع الصوفية، وإن كنا لا نعمم الحكم على جميعهم بأنهم من أهلها، فنحن لا نقول: الصوفية كلهم يقولون بوحدة الوجود، مثلما يميل البعض إلى ذلك، فنحن نعلم أن منهم من لا يقوله لكن عندهم من البدع والضلالات أضعافاً مضاعفة، إلا أنهم يتسترون بأئمتهم وإن نفوا عنهم حقيقة مذهبهم. والعلاج الواجب في هذا السبب، ليس بأن نتوقف ما بين السنة والبدعة، أو أننا نقرب ما بين الاثنين، أو أن نقول للناس: هذا العلم مشكلة من المشاكل. العلاج الواجب في هذا السبب من أسباب الافتراق بين المسلمين: هو الانتصار للسنة، ومحاربة البدعة وقمعها، فهذا خلاف لا ينبغي ولا يجوز؛ لأن موقفنا مع أهل البدع هو: (إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة). فالاجتماع المأمور به ليس مجرد الاجتماع ولو على أي منهج، بل نجتمع على منهج واحد وطريق واحد هو طريق أهل السنة والسلف رضوان الله عليهم، ول

стр. 84

ضرورة طلب العلم لحل الخلافات بين الجماعات الإسلامية إن طلب العلم صفة ضرورية لكل الدعاة إلى الله، بل لكل مسلم ومسلمة، كما قال رسول الله ﷺ : (طلب العلم فريضة على كل مسلم)، حديث صحيح. وقد تظن بعض الاتجاهات الإسلامية أن الاهتمام بطلب العلم قد يضر بقضية السمع والطاعة -التي هي الجندية- المطلوبة لتحقيق التعاون على البر والتقوى، يعني: لكي يتم فعلاً تعاون على البر والتقوى لابد من جندي، ولابد من سمع وطاعة، ويرى أن من الذين سيطلبون العلم سيطالبون بالدليل على كل مسألة، ويقولون: قال الله، وقال الرسول، وهذا الكلام يخالف الحديث الصحيح، فيقول: إذاً: أحسن ألا يطلبوا العلم، فجماعة التبليغ يقولون: ما يصحبنا عالم، والإخوان عندهم نفس الأمر. وأن الأيسر عليه في قيادة أتباعه ألا يكون منهم من يناقش ويسأل عن الدليل، ولماذا فعلنا كذا؟ ولماذا تركنا كذا؟ كما أن مسألة العاطفة مقدمة في التربية عنده على الفهم والعلم، أي: أن يكون عنده عاطفة إسلامية قوية، ومستعد لأن يبذل نفسه كلها حين تطلب منه، يعني: هو سيربي فيه العاطفة وعدم الفهم، أو العلم، وينشأ على ذلك. وهذه العاطفة نحن نحبها منه لأنه يحب الإسلام، لكن نكره منه جهله وبدعه، فإننا نجد أن التبليغ أو الإخوان لديهم عواطف جياشة قوية جداً، وحب للخير وللدعوة وللبذل في سبيل الله وللتضحية، ولو كانت تضحية في مظاهرة من المظاهرات، نتيجة لعدم الفهم. نقول: وهذا من أخطر الظن وأسوأ الظن، فإن الصحوة الإسلامية ليست بحاجة إلى جهلة يقودهم قادتهم كقطعان الماشية بلا دراية ولا معرفة، بل هذا يحرم الصحوة الإسلامية من أسباب نورها وصفائها, ومن موجبات الوقاية من الانحراف، ويفرغ الدعوة الإسلامية من مضمونها مع بقاء اسمها وشكلها؛ لأن من عنده علم -إن وجد بينهم- هو من سيقول للمخطئ: توقف أنت مخطئ، فيمكن للتابع أن يقول للمتبوع: لا هكذا غلط، فيوجد عندها محافظة على النقاء، ولن يدخل لنا في يوم من الأيام ضال مبتدع يترأس علينا، والناس يمشون وراءه في طريق الضلالة بدون فهم، وهذا يوفر جواً مناسباً لأهل الزندقة أن يترأسوا في يوم من الأيام، وللأسف هذا حصل مرات عديدة مثلما حصل في ثورة ثلاثة وعشرين يوليو، فالضباط كان معظمهم أعضاء ضمن جماعة الإخوان المسلمين, وبعضهم ضمن التنظيم السري مثل عبد الناصر شخصياً, ولكن نتيجة عدم وجود أي تفكير: هل يصلح مثل هذا الإنسان للترأس والظهور باسمنا أم لا؟ فقد يكون هو أصلاً في باطنه الزندقة والنفاق والضلال وحب الرئاسة فيخسف بكل معاني الدعوة، وهذا يؤدي إلى انحرافات عديدة. كذلك الثورة الجزائرية بدأت ثورة إسلامية، ولكن سرعان ما تحولت إلى ثورة علمانية، والذين قطفوا الثمرة هم العلمانيون فذبحوا الإسلاميين وأنهوهم تماماً، وكل مرة تتكرر هذه المأساة يكون ذلك بسبب مثل هذه الأمور, لذلك نحن لا يلزمنا لأجل مصلحتنا ولكي نحقق الطاعة أن يكون الناس جهلة، بالعكس نحن نريد سمعاً وطاعة على بصيرة. لذلك نقول: هذا من أخطر الأمور علينا جميعاً. وإن كان هناك بالفعل عيب لدى الكثير من طلاب العلم يتمثل في عدم الامتثال وكثرة الاعتراض وضعف التعاون على البر والتقوى. فهناك من يناقش ويجادل حتى ولو كان في أمر شرعي صحيح وظاهر، بل أصبح سمة عامة أن أي طالب علم لا يكون عنده تعاون على البر والتقوى, وهمٌّ لمصالح الدعوة، وليس هذا لعيب في طلب العلم بل لنقص في التربية. إذاً: نحن نريد أن يكون عندنا الأمران معاً؛ طلب العلم والسمع والطاعة والالتزام، وجدية ومعاونة على البر والتقوى، فلا يصح أن نحثهم على العلم فقط، بل لابد من إذكاء روح العمل الإسلامي الشامل في نفوس طلاب العلم، وبيان مسئوليتهم عن أمتهم، وأن عاطفتهم نحو قضايا المسلمين هي في الحقيقة جزء من إيمانهم وإسلامهم. فلا تجد طالب علم فعلاً ليس له علاقة بقضايا المسلمين، فهذا ليس طالب علم، فلابد لطالب العلم أن يشعر بالعاطفة الإسلامية، وهذه العاطفة تشتمل على معان إيمانية، ومعاني حب الخير للمسلمين، والتألم لآلام المسلمين، والحزن لحزنهم. فكون طالب العلم حاملاً لهم المسلمين. هذا جزء من معاني الإيمان والإسلام. كما أن عملهم في الدعوة المنظمة التي تهدف إلى إقامة القلوب الضائعة في الأمة الإسلامية هو علامة عملهم بالعلم وإلا كان حجة عليهم لا لهم، وأن التزامهم بالسمع والطاعة لمن هو أعلم منهم وأمكن في قيادة العمل الإسلامي لتحقيق الواجبات هو علامة على انتفاء الكبر المذموم والحسد وحب الرياسة من قلوبهم. فبهذا تعالج المشكلة وليس بالإبقاء على الذم والتحذير من طلاب العلم أو السخرية منهم، كمن يقول عنهم: أصحاب الكتب الصفراء، أو من يقول لمن يحفظ البخاري: زدنا من بخاريك! أو يخترع صفة للسخرية من طلاب العلم، كان هناك كاتب اسمه: ناصح أمين من الإخوان يقول: إن رجلاً أصر أن يدخل مع امرأته في شوال. نكته ما حصلت ولا ستحصل؛ لأنه جاهل لا يفهم، لأنه قرأ أن النبي ﷺ دخل في العاشر من شوال، واستحباب الدخول في شوال، فأصر أنه يدخل في شوال. هذا نوع من السخرية للذين يقرءون الكتب لكي يترك الناس القراءة والتعلم، ولا يبحثون في المسائل ونحو ذلك. استمرار لدعوتنا نقية صافية دون تخريج الأجيال من طلاب العلم الواعين لمنهجهم العاملين به الداعين إليه، والله المستعان.

стр. 85

أدب الخلاف [٦] إن ما يقع بين الجماعات الإسلامية من الخلاف منه ما هو محمود وهو خلاف التنوع، ومنه ما هو مذموم وهو خلاف التضاد غير السائغ، وهذا الخلاف المذموم له أسباب تؤدي إلى تأججه واستفحاله، ومن أهم هذه الأسباب ظهور أهل الأهواء والبدع وترؤسهم، ومنها التعصب بالباطل للأشخاص أو الجماعات أو المذاهب.

стр. 86

من أسباب الخلاف المذموم ظهور أهل البدع والأهواء وترؤسهم الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، أما بعد: فقد ذكرنا سابقاً أن من أسباب ظهور الاختلاف المذموم البغي والتنافس على الدنيا، ومن الأسباب كذلك نقص العلم وقلنا: إنه لابد من التربية على طلب العلم والتربية على العاطفة الإسلامية والعمل الإسلامي. أما السبب الثالث من أسباب الاختلاف المذموم فهو: ظهور رءوس البدع، ورءوس الضلال الدعاة على أبواب جهنم. من أعظم أسباب الخلاف غير السائغ بين المسلمين ما أخبر به الرسول ﷺ في حديث حذيفة حين سأله عن الخير والشر فقال: (يا رسول الله! إنا كنا في جاهلية وشر، فأتانا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم، قلت: فهل بعد هذا الشر من خير؟ قال: نعم وفيه دخن. قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يهتدون بغير هديي، ويستنون بغير سنتي، تعرف منهم وتنكر. قلت: فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم، دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها، قلت: يا رسول الله! صفهم لنا. قال: هم من جلدتنا يتكلمون بألسنتنا)، والحديث متفق عليه. قال النووي ﵀: قوله ﷺ : (دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها) قال العلماء: هؤلاء من كان من الأمراء يدعو إلى بدعة أو ضلال كالخوارج والقرامطة وأصحاب المحنة. وقال ابن حجر قوله: (هم من جلدتنا) أي: من قومنا ومن أهل لساننا وملتنا. وقال القابسي: معناه: أنهم في الظاهر على ملتنا، وفي الباطن مخالفون. وقال أيضاً: الذي يظهر أن المراد بالشر الأول: ما أشار إليه من الفتن الأولى بين الصحابة، وبالخير: ما وقع من الاجتماع على معاوية ﵁ سنة أربعين من الهجرة، وبالدخن: ما كان في زمانهما من بعض الأمراء كـ زياد بالعراق، وخلاف من خالف علياً من الخوارج، وبالدعاة على أبواب جهنم: من قام في طلب الملك من الخوارج وغيرهم. انتهى باختصار من فتح الباري. ولا شك أن أهل البدع المعاصرة المنتسبين إلى الإسلام الداعين إلى الكفر والنفاق من أصحاب المذاهب الإلحادية كالعلمانيين، وأصحاب القوانين الوضعية، والديمقراطيين، والاشتراكيين، والوطنيين، والقوميين الذين يريدون هدم الرابطة الدينية للمجتمع، وإقامة الرابطة الوطنية المدنية، ومن ينادي بلزوم اتباع الغرب وتقليده، وكذا سائر الأحزاب القائمة على خلاف مبادئ دين الله ، بالإضافة إلى دعاة البدع القديمة التي تطل في ثوب جديد، أو في ثوبها القديم كالرافضة والخوارج والقبوريين، لا شك أن كل هؤلاء ينطبق عليهم هذا الوصف من النبي ﷺ ، وما أكثرهم في زماننا، وقد قوي سلطانهم، وتملكوا بلاداً وأقطاراً نشروا فيها النفاق الأكبر، وأحياناً الكفر البواح بلا مداراة، فضلاً عن صفات النفاق والفسوق والعصيان التي ملأت المجتمعات الإسلامية، وتفرق الناس في صراعات جاهلية، أهلكت القلوب والأبدان والعباد والبلاد. ولا شك أن القبول بأمثال هؤلاء ورياستهم للمجتمع والإقرار بولايتهم على المسلمين ولاية شرعية يؤمر المسلمون فيها بالسمع والطاعة، والاعتراف لهم بحق التوجيه والأمر والنهي من أعظم ما يؤدي إلى فرقة المسلمين وهلاكهم في طاعة هؤلاء. ولو تأملت في حالهم تجد الأوصاف منطبقة عليهم، ومن العجب أن تجد من يقول للناس: اسمعوا لهم وأطيعوا، ومما يؤسف أن هذا مذهب البعض من أبناء الصحوة، حيث يرون أن هؤلاء الدعاة على أبواب جهنم ولاة أمور شرعيين، وليسوا فقط قد فرضوا على المسلمين أمراً واقعاًً. ولا شك في ضرورة وأهمية التفرقة بين الأمر الواقع والأمر الشرعي الذي هو الحق دون ما سواه. ومن أسباب الشبهة التي تلبست البعض في هذا المقام: كلام أهل العلم في أن الولاية قد تثبت بالتغلب ولو لم يكن صاحبها مستوفياً لشروط الإمامة، والحقيقة أن كلام العلماء في ذلك إنما هو ابتلاء من هو صالح للإمامة، فإن خلا الزمان عن ذلك واستولى كاف ذو استقلال للذب عن بيضة الإسلام وحوزته، فهذا حكم الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر الذي توكل له الأمور التي كانت منوطة بالأئمة؛ لأنهم إنما تولوا الأمور ليكونوا ذرائع إلى إقامة أحكام الشرائع. هذا كلام الإمام الجويني. والأدلة التي استدلوا بها تدل على ذلك، فإن من أدلة ذلك: قول النبي ﷺ : (لو استعمل عليكم عبد حبشي يقودكم بكتاب الله؛ فاسمعوا له وأطيعوا)، وفي رواية: (مجدع الأطراف). ومعلوم أن الحرية والنسب من شروط الإمامة، وقد حمل العلماء الحديث على صورتين: إما أن يوليه بعض الأئمة، أو أن يتغلب على البلاد بشوكته وأتباعه، والحديث ظاهر في أنه لابد أن يقود الناس بكتاب الله. فالغرض إقامة الدين، وسياسة الدنيا بالدين، وكما قال الجويني: والغرض استصلاح أهل الإيمان على أقصى ما يفرض فيه الإمكان، وليس المقصود وجود صورة الولاية حتى ولو كانت حرباً على الدين وأهله، وموالاة للكفار ونصحاً لهم، وسعياًً لمصلحتهم على حساب المسلمين وبلادهم، وإيذائهم، فإذا أضفنا إلى ذلك أنهم ما تولوا الرياسة والولاية أصلاً باسم الدين، ولا نسبوا أنفسهم إلى القيام بواجباته، بل هم يقسمون صراحة على إقامة دساتيرهم وقوانينهم الوضعية التي يعلم الكافة مخالفتها للشريعة الفطرية، بل لا يتولى أحدهم منصبه إلا بمثل هذا القسم، فأين العقد الذي عقدته لهم الأمة ممثلة بأهل الحل والعقد منها؟ وأين المقصود الشرعي للإمامة شكلاً أو موضوعاً رسماً أو حقيقة واقعة حتى يمكن من أجله تخصيص الولاية للقيام بالمصالح والمقاصد الشرعية، وعدم إهدارها، ولو بدون عقد ولاية من أهل الحل والعقد؟ من الواضح الجلي أنه لا هذا ولا ذاك يمكن أن يدعى وجوده بأقل الدرجات، وهذه المسألة -نعني: عدم اعتبارهم ولاة شرعيين- ليست مبنية على تكفير أعيانهم من عدم تكفيرهم، فالإسلام شرط آخر من شروط الولاية تبطل بفقده كولاية شرعية ابتداء أو عند طروء الكفر كما هو مبين في موضعه، ولكن لا يلزم من عدم التكفير للأعيان بعذر بجهل أو تأويل، أو إكراه مدعى أن تصحح الولاية شرعاً؛ لأن العقد لم يتم عليها. فمن الممكن لأحدنا ألا يثبت الكفر لمعين لكن لا يمكن أن يثبت بذلك الإمامة الشرعية، فقد يعذره بجهل أو تأويل، لكن أين الإمامة الشرعية التي يثبت بها الأحكام الشرعية؟! لأن العقد لم يتم عليها -على الولاية- ولا المقاصد الشرعية وجدت حتى يمكن اعتبارها صحيحة بالتغلب. أما مسألة التكفير فهي لأهل العلم استيفاء الشروط وانتفاء الموانع، وكثيراً ما يكون الاختلاف فيها راجعاً إلى تحقيق المناط، وهذا في أحوالنا اليوم غالباً ما يكون سائغاً لانتشار المنافقين وكثرة مداراتهم وتلبيسهم على الناس حتى أهل العلم منهم. والعلاج الواجب لهذا السبب من أسباب الاختلاف: جمع الناس حول علمائهم، فهم في الحقيقة أولي الأمر منهم؛ لأنهم هم الذين يمكنهم أن يقودوهم بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، واجتماع الناس عليهم من أسباب قوة الصحوة وتأثيرها في المجتمعات المسلمة الجريحة بجراح الكفار والمنافقين، ثم هؤلاء العلماء عليهم أن يختاروا من بينهم أمثل من يقود المسلمين في ملماتهم ومهماتهم، ولا سبيل إلى أن يصبح أهل الحل والعقد الحقيقيون -الذين هم أهل العلم من أهل السنة والجماعة- أهل قوة وتأثير إلا بجمع الناس عليهم، ورد أمرهم إليهم؛ فإن واجب المسلمين حال غياب الإمام أن يكون العلماء هم ولاة الأمور. قال الجويني ﵀: قال العلماء: لو خلي الزمان عن السلطان، فحق على قطان كل بلدة وسكان كل قرية أن يقدموا من ذوي الأحلام والنهى وذوي العقول والحجى من يلتزمون امتثال إشارته وأوامره، وينتهون عن مناهيه ومزاجره. وقال أيضاً: ثم كل أمر يتعاطاه الإمام في الأموال المطلوبة إلى الأئمة، فإذا شغر الزمان عن الإمام وخلي عن سلطان ذي نجدة واستقلال وكفاية ودراية، فالأمور موكولة إلى العلماء، وحق على الخلائق على اختلاف طبقاتهم أن يرجعوا إلى علمائهم، ويصدروا في جميع قضايا الولايات عن رأيهم، فإن فعلوا ذلك فقد هدوا إلى سواء السبيل، وصار علماء البلاد ولاة العباد، فإن عسر جمعهم على واحد استبد أهل كل قطر وناحية باتباع عالمهم، وإن كثر العلماء في الناحية فالمتبع أعلمهم، وإن فرض استواؤهم- وهو فرض نادر لا يكاد يقع؛ - فإصدار الرأي عن جميعهم مع تناقض المطالب والمذاهب محال، فالوجه أن يتفقوا على تقديم واحد، فإن لم يتفقوا يقرع بينهم. وخلاصة العلاج لهذه المسألة: أولاً: أن يتفق على تحرير الناس من الدعاة على أبواب جهنم، ومعرفة ضررهم، وأن ولايتهم غير صحيحة شرعاً وإن استقرت واقعاً. ثانياً: جمع الناس على علمائهم بأن يقدموا أمثلهم وأعلمهم، فإن تعذر الجمع استقل كل أهل بلد بعالمهم كحل مؤقت، ارتكاباً لأخف الضررين؛ وإن كان لابد من السعي إلى تحقيق الأمر الأول وهو الاتفاق على تقديم أحدهم ولا خلاف أنه لا يكون من أهل العلم الصالحين المتقين إلا من كان من أهل السنة والجماعة.

стр. 87

التعصب للأسماء والجماعات والمذاهب من أسباب الخلاف المذموم ذكرنا من أسباب وقوع الخلاف المذموم في الأمة البغي والتنافس على الدنيا ورياستها، والجهل، ونقص العلم، وظهور البدع، واختلاف المناهج، وظهور الدعاة على أبواب جهنم بالضلال. ومن أسباب الخلاف التعصب المذموم للأسماء والأشخاص والجماعات ووضع الولاء تبعاً لها. وهذا السبب من أخطر الأسباب وأكثرها تدميراً للعالم الإسلامي، بل هو الذي جعل الكثيرين -ممن نحسب منه الصدق والإخلاص والرغبة في نصرة الإسلام- يقولون بعدم مشروعية العمل الجماعي جملةً، واعتبار الجماعات الإسلامية العاملة على الساحة أحزاباً باطلة يجب التحذير منها، وعدم الانتساب لها، والعمل من خلالها، وهذه مسألة حساسة جداً وشائكة، بل ربما يفهم -خطأ أو صواباً- من كلام بعض المشايخ: أن العمل الجماعي بدعة، وأن الانتساب للجماعات الإسلامية العاملة على الساحة حزبية ممقوتة وتعصب مذموم، مع أن هذا تشخيص غير صحيح، ويحتاج إلى علاج، وهو أشد منه خطأ وخطراً في الحقيقة. أقول: لقد حذرنا الرسول ﷺ من دعوى الجاهلية، وهذا أمر لا نزاع فيه ولا شك، ولما تنادى المهاجرون: يا للمهاجرين! وتنادى الأنصار! يا للأنصار، قال: (أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم دعوها فإنها منتنة) رواه مسلم وغيره، هذا مع أن اسم المهاجرين والأنصار من أشرف الأسماء، وهي من الأسماء التي سماهم الله بها في كتابه، وسماهم بها الرسول ﷺ في سنته. وبناءً على ذلك فقد توجد العصبية المذمومة ودعوى الجاهلية مع وجود الأسماء الشريفة المعتبرة ومع أن التسمية ليست بدعة وليست مذمومة ويمكن أن توجد معها العصبية الجاهلية فبمجرد التسمية هي العصبية؛ لأن الأسماء كانت موجودة قبل ذلك وظلت موجودة بعد ذلك. فالتسمي نفسه ليس عصبية جاهلية بحد ذاته. نقول: ومع ذلك حين صارت الأسماء الشريفة شعاراً ينتصر الناس له دون تبين للمحق من المبطل صارت جاهلية، فحين نادى الغلام المهاجري يا للمهاجرين، فهب المهاجرون يشاجرون لا لشيء إلا لأنه منهم وكذا الأنصار حين ناداهم الأنصاري فقال: يا للأنصار فهبوا لا لشيء إلا لأنه منهم. فصار هذا انتصاراً لمجرد الاسم وهو الجاهلية ولو كان الاسم اسماً شريفاً كاسم السنة مثلاً، فلو أن سُنياً نازع صوفياً فنادى السني في أصحابه فلا ينبغي الانتصار له دون تبين، بل لا بد أن نتبين من المحق ومن المبطل، وما يدرينا فقد يكون المنتسب للسنة ظالماً للصوفي، حتى لو كان هذا الصوفي مبتدعاً في جزئية لكن لابد أن ينتصف لصاحب الحق. ومن المؤسف أن كثيراً من المسلمين اليوم يتعصبون للأسماء فما إن ينتمي أحدهم لجماعة حتى يتعصب لها وقد يتعصب البعض لعالم معين أو لبلد معين، ينصر على ذلك، ويغضب عليه ويتغاضى عن المخالفات التي تصدر من جماعته أو طائفته، وبالمقابل يُعظِّم ما يصدر عن غيرهم، ويعمل على المصلحة المحدودة لطائفته دون النظر إلى مصالح باقي المسلمين، فالمصلحة بالنسبة له هي مصلحة الطائفة التي ينتمي إليها، فهذا يعتبر مذموماً إذ أن نظرته وموازينه غير صحيحة. فلو أن واحداً -على سبيل المثال- من جماعة أخرى وقع في منكر ما تجد الآخر يطير بالخبر قائلاً: الجماعة الفلانية يفعلون كذا وكذا، وقد يكون هذا الأمر يرتكبه أحد أفراد جماعته التي ينتمي إليها، فيصير الأمر بالنسبة لجماعته خطأ فردياً مع أن الباقين قد يكونون على نفس الأمر طالما لم يؤسس هذا الأمر عندهم ولم يقبل، فهم راضون به ويرونه حينها فعلاً قد ينسب إلى الجميع، وهذا ممكن الحصول لجماعة معينة وقد يكون لعالم معين، فلو أن أناساً لا يوجد لهم اسم معين بل هم تلامذة شيخ من المشايخ وتلامذة الشيخ معلوم أنهم أتباع الشيخ، وربما يقولون: العمل الجماعي بدعة والحزبية مذمومة، بينماالحزبية عندهم قائمة بالفعل، من جهة أن قول الشيخ: كذا، يصير هو الحق وما سواه هو الباطل، وكل من خالف الشيخ فهو عدو لنا، ويغضب إذا خالف الشيخ أي أحد حتى ولو كان الخلاف مما يجوز ومما يسوغ فضلاً عن أن ينتصر له بيده ولسانه. وقد يكون التعصب لبلد معين أشد أنواع العصبية ظهوراً إذ يؤدي إلى التقاتل بين الطوائف المسلمة، فقد تجد جماعات أو دولاً وطوائف تميز بين الناس على أساس الجنسية، فمثلاً أهل البلد مصنفون على أنهم طبقة أولى، والكفرة من اليهود والأمريكان والنصارى هم أعلى قليلاً من أهل البلد، ويليهم طائفة قريبة منهم كدول الخليج مثلاً ومن ثم بقية الدول، وليس هناك تصنيف على أساس أن المسلمين مقدمون على غيرهم، لا، بل هذا هو الترتيب عندهم، فربما يكون هناك نوع من الانتصار لابن البلد على الأجنبي مع أنه مسلم مثله، وقد يكون صاحب الحق والجميع يعلم أنه صاحب الحق، ومع ذلك يعجز عن الانتصار لنفسه، ويعجز أن يجد الإنصاف من غيره، فهذه العصبية مذمومة جداً ومع ذلك تجد البعض يقرها ويصوب مثل هذه المبادئ حتى تصير قوانين مسنونة، فسمح مثلاً لبعض الناس بالحج ويمنع الآخرون من الحج، ويسمح للبعض بالتوافد والإقامة والبعض يمنع من ذلك بناء على حقوق تعطى وتمنع ومبناها في الأصل على الجاهلية، والبعض قد يرى ذلك حقاً لولي الأمر مثلاً، مع أن ولي الأمر ليس من حقه أن يؤصل العصبية الجاهلية ويميز بين الناس، وإذا كان ولي أمر المسلمين جميعاً فلا بد أن يكون كل المسلمين عنده سواء، أما إذا كان ولي أمر لطائفة معينة فليس له دخل في الباقين، فلو كان لا يرى ولايته عليهم فليس عليهم أن يسمعوا ويطيعوا؛ لأنه لا يراعي مصالحهم، والأصل أن بلاد الله هي بلاد المسلمين عموماً. فهذا أمر موجود، بل قد يكون التعصب في البلد نفسها، فتجد مثلاً الفلاحين يتعصبون لبعضهم، وأهل الصعيد يتعصبون لبعضهم وكذا سكان الإسكندرية، وفي بلد آخر كثيراً ما تسمع هذا نجدي وهذا حجازي ونحو ذلك، وهذا شريف وهذا غير شريف، وهكذا داخل البلد الواحد قد يفهم البعض أن الاتجاهات الإسلامية هي التي تؤاخذ أو أنه لا تعصب في الدنيا إلا هذا، وجميع أنواع التعصب الأخرى لا تحارب. فنقول: لا، بل يجب أن تحارب كل أنواع التعصب سواء كانت لمشائخ أو لجماعات إذ التعصب يكون مذموماً سواء وجدت الأسماء أو لم توجد، فهذا شأن لابد من محاربة جميع أموره، ويزداد الأمر سوءاً إذا رأى الشخص أن جماعته هي وحدها جماعة المسلمين التي من فارقها فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه، وهذا ما تعلنه جماعة التكفير صراحة، وهو أن شرط الحكم بالإسلام هو الانتماء للجماعة التي ينتمون إليها؛ لأن جماعتهم كانت أول من صرح به تصريحاً، وكذلك تطبيقات جماعات الإخوان رغم تصريحات القادة والمفكرين البارزين فيها بأنهم جماعة من المسلمين إلا أن الاستهانة الشديدة بمن خرج عن الجماعة يجعل المعاملة في هذا الباب قريبة ممن يرى أن جماعته هي جماعة المسلمين، وإن كانوا لا يصرحون بذلك، ولكن أسلوب التعامل من التشديد والتعنيف على المخالف خصوصاً في مراحل سابقة يظهر ذلك جلياً، ولا شك أن هذه الأمراض تؤثر على القلب وإخلاصه ونصيحته لله ولكتابه ولرسوله ﷺ وللمؤمنين، وتفتح باب الصراعات الداخلية بين أبناء الصحوة الإسلامية لأعداء الإسلام لينفذوا منه لضرب الجميع.

стр. 88

علاج التعصب المذموم لا يكون بحظر الجماعات أو منع التسمي بها فلا بد أن تتكاتف الاتجاهات الإسلامية لعلاج هذه الظاهرة، وليس هذا العلاج حتماً بإلغاء الجماعات وإبطالها ولا حتى بعدم ذكر أسمائها. فالبعض يرى أن العلاج هو في هدم العمل الجماعي أو عدم التسمي بالأسماء، إن الاجتماع على إقامة الواجبات من الفروض يترتب عليه وجود العمل الجماعي الذي يهدف إلى إقامة الواجبات الشرعية وفروض الكفاية التي تغيب عن واقع المسلمين، فهذا أمر فرض على المسلمين فكيف يهدم من أجل التعصب؟ ومثل هذا مثل من جاءه مريض ليعالجه فقال: علاجه بقتله، وهذا غير صحيح، بل لا بد من علاج المريض لا منعه مما وجب عليه شرعاً، فالاجتماع فرض أما التسمي فهو من الأمور الجائزة أو المستحبة المشروعة، والانتساب إلى أسماء معينة كالانتساب إلى بلد أو عالم أو طائفة ليس بمحرم في الشرع، كقولنا: فلان الحجازي، أو فلان العراقي، فتحريم مثل هذا غير موجود عبر التاريخ والعصور بل نرى في تاريخنا الانتساب إلى البلاد كالإمام البخاري مثلاً واسمه محمد بن إسماعيل لكنه انتسب إلى البلد التي نشأ منها. ومثله الحافظ العراقي وابن حجر العسقلاني، والإمام النووي. وكذا الانتساب إلى عالم معين كقولنا: فلان الشافعي، أو فلان المالكي، أو فلان الحنبلي، فهذا أمر ظل موجوداً من عدد من العلماء، حتى عند ظهور التعصب المذموم ولم يقل أحد بحرمة الانتساب للأسماء. وقبل هذا لم يكن ينتسب إلى الأسماء بياء النسب بل كان ينتسب إليه بكلمة أخرى، فنحن نعرف أصحاب عبد الله، وكم جرى على الألسن: كان أصحاب عبد الله يرون كذا، وكذا أصحاب ابن مسعود وأصحاب ابن عباس، فهذا الأمر كان موجوداً وكان يعرف أن أصحاب فلان، أي: تلامذته وأتباعه، فانتسابهم له كان باسم (أصحاب) قبل أن تظهر المذاهب المشهورة، وكذا الانتساب إلى طائفة معينة كالأشراف مثلاً، فقيل: الشريف فلان أو نحو ذلك، أو نسب إلى الطوائف المعاصرة كالطوائف والجماعات التي تريد أن تقوم بواجب من الواجبات الشرعية، كجماعة تيسير الحج والعمرة، فمن الخطأ أن أقول له: أنت مرتكب محرم وقد يكون القائل ضمن جماعة تريد أن تتعاون على إقامة واجب من الواجبات وتيسيره على الناس، كجماعة تحفيظ القرآن الكريم مثلاً، فالجماعة تهدف إلى إقامة هذا الأمر المشروع، وأخرى تريد الدعوة إلى الله ، وأخرى تريد الجهاد في سبيل الله بشروطه الشرعية، وإلا فليس كل من تسمى بالمجاهد أو بجماعة الجهاد يكون مجاهداً، ولا كذلك من انتسب إلى جماعة الدعوة يكون داعياً، ولا حتى من انتسب إلى السلفية يلزم أن يكون سلفياً فالانتساب نفسه ليس بمحرم بل قد يكون محتاجاً إليه، كأن يقول: أنا من أهل السنة والجماعة أنا من أهل الحديث أو نحو ذلك؛ ليبين منهجه الصحيح، فإن رسول الله ﷺ لما لحظ بداية ظهور دعوى الجاهلية بين المهاجرين والأنصار لم يعالجه -كما يحاول البعض أن يفعل الآن- بتحريم الانتساب إلى هذه الأسماء، وأمرهم بإلغاء الأسماء مثلما يقول البعض، بل قد يترتب على قوله إلغاء الاجتماع على الطاعة، وهذا علاج غير مقبول وهو أشر العلاجين، فلو قال أحدهم: نحن سنلغي الأسماء، مع العلم أن المشكلة ليست إلغاء الأسماء، بل إن البعض فرض الأسماء وإن كان بعض المشايخ لا يوافقونهم ونحن لا نوافق على فرضية ذلك وهذا غير لازم بل هذا لتمييز منهج أهل السنة، ولكن الأمر ليس بمحرم. فليس العلاج بإلغاء الأسماء ولا العلاج قطعاً بإلغاء التجمعات الإسلامية التي تريد إقامة الواجبات الشرعية، بل العلاج بتحذيرهم من حقيقة دعوى الجاهلية وهي الانتصار للأسماء دون معرفة الحق، وهذه هي التربية الواجبة التي يجب أن يتربى عليها أبناء الصحوة جميعاً، ولا يزال العلماء ينتسبون إلى بلادهم كالمدني والمصري والخرساني والنووي والعسقلاني، وإلى مذاهب أئمتهم كالشافعي والمالكي والحنبلي والحنفي، ولم ينكر العلماء التسمية ولم يحرموها حتى بعد ظهور العصبية، بل تُحارب العصبية بدون تحريم ما أحله الله، وبدون تحريم شيء لم يرد في الشرع تحريمه، فلو احتج أحدهم على تحريم التسمي والانتساب بأن العصبية مذمومة، نقول له: ومن قال لك: إن التسمي عصبية بل إن السلف على مدى حياتهم انتسبوا وكانوا يحرمون العصبية، ولم يفسروا الانتساب والتسمي على أنه عصبية.

стр. 89

من وسائل علاج التعصب: قبول الحق مهما كان مصدره ولا يتحقق هذا العلاج إلا بتعميق الولاء على الكتاب والسنة، وأن الأتباع إنما يعملون لنصرة الإسلام، وهذا هو الأمر المهم وليس نصرة الجماعة، بل إن الجماعة وسيلة إلى نصرة الإسلام، وهذا أمر عظيم الأهمية في التربية. وأنه لا بد من قبول الحق والمعاونة عليه ممن جاء به وعمله كائناً من كان - فأي مسلم يقول الحق لابد أن نساعده، وكذا لو عمل به لا بد أن نساعده- ولا بد أن توزن مواقف الجماعات بميزان الشريعة لا بمجرد أسمائها، فقد نجد البعض يرفض عملاً معيناً أو نظاماً معيناً لمجرد أن الجماعة الفلانية التي يخالفها في اعتقاده فعلته أو تفعله فلو أقيمت مثلاً رحلة أو اعتكاف في غير رمضان، تجد من يحتج قائلاً: لقد أصبحتم إخواناً، ولو أنا رتبنا جدولاً للخطابة تجد الرد ذاته من بعض السلفيين، فهل مجرد عمل الإخوان لعمل ما يجعل هذا العمل غير مقبول، لا بل لا بد أن نزن الأمر بميزان الشرع ونبحث في هذا الأمر: هل هو بدعة أم أنه طاعة؟ وهكذا. ومن العجيب أنه لو ذكر أناس بخير ينتمي إلى جماعة أخرى كـ سيد قطب أو محمد قطب -رغم أن لنا مآخذ عليهما ونبين أخطاءهما المخالفة لمنهج أهل السنة- لقاموا بالرد وشنعوا عليه وعدوه ضمن الطوائف المنحرفة، وهو خطأ بالتأكيد إذ لا بد أن نزن بميزان الشرع ونقبل به ولو كان من شيطان، ألم يقل الرسول ﷺ لـ أبي هريرة ﵁ قال: (صدقك وهو كذوب)؟ وقبل أن أبا هريرة يقول للأمة كلها أن تقرأ آية الكرسي عند النوم مع أن بداية تعلمها كان من هذا الشيطان لـ أبي هريرة، وما كان أبو هريرة سمعها من النبي ﷺ بعد، وهذا كله بعد عرضه على السنة وعلى هذا فأي أحدٍ قال كلام حق لزمنا قبوله وإن كان القائل كذاباً، فمناقشة الأقوال والحكم عليها بالصواب والخطأ وإصابة السنة أو مخالفتها أمر غير مستنكر ولا خلاف منهج أهل السنة، فالحق أن منهج أهل السنة التوازن، فلابد أن توزن مواقف الجماعات بميزان الشريعة لا بمجرد الأسماء، وقد يرفض البعض عملاً معيناً أو نظاماً معيناً؛ لمجرد أن الجماعة الفلانية التي يخالفها في اعتقاده هي التي قامت به، فالدليل عنده وجوب مخالفتهم. على سبيل المثال: من المعروف أن جماعة الإخوان تهتم بالتواجد في الهيئات والأنظمة كالنقابات واتحادات الطلاب ونحوها، وجماعة التبليغ تهتم بالخروج للناس لدعوتهم، فلا يجوز أن ينكر البعض هذا التواجد أو هذا الخروج لمجرد أننا إذا فعلنا ذلك صرنا مثلهم، فأنا لا أخالف التبليغ؛ لأنه يخرج إلى الناس، بل أخالفه لأنه يخطئ فيما يقول، وأخالفه لأنه يحصر الإسلام في شيء معين ويحصر نصرة الإسلام والجهاد في سبيل الله في باب معين، وأخالفه لأنه يهمل قضايا عظيمة جداً كقضايا التوحيد والإيمان ولا يتكلم فيها لا أولاً ولا آخراً بل لا يربى على التوحيد، فهو يهمل قضاياه دائماً، فتجده يمنعك من الكلام في الشرك والبدع وأمراض الأمة، أو العقيدة، أو الحلال والحرام، أو السياسية، أو الولاء والبراء، بل لا يكلم الناس إلا فيما تضمنه كتاب رياض الصالحين أو حياة الصحابة أما غير ذلك فلا يكلم الناس فيه، وبالتالي يتربى الناس على أن المنكرات هي ما قالها هؤلاء، ثم الأجيال اللاحقة تأتي فإذا وجد فيهم من يدعو غير الله يتركه بحجة أنه تعود على ذلك، ويمنع الآخرين من التحدث في هذا الموضوع فأول شيء يطلبه من المدعوين أن يصفوا قلوبهم ويخرجوا معهم، وقد يكون من يخرج معهم لا يعرف أن الطواف بالقبر شرك ولا أن دعاء غير الله وطلب المدد منه أمر منكر، فلا تجده ينكر مثل هذه الأمور، وهكذا أيضاً في الاتجاهات الأخرى فدخول النقابات والاتحادات الطلابية ونحو ذلك ليست مشكلةً بحد ذاتها بل فيما يرافق ذلك من مخالفات شرعية كتضييع الولاء والبراء، والإقرار بموازين الباطل وشعاراته، واستباحة كثير من المنكرات وإباحتها للناس، وعمل أعمال فيها معاونة على المنكر والعياذ بالله. وقد يسأل البعض: كيف لا ينتقد خروج التبليغ مع أنه بدعة؟ فنقول: إذا كان المرء يتعبد الله بإلزام نفسه أن يخرج ثلاثة أيام أو أربعين يوماً أو سنة فهذا بدعة، لكن لو فرغ شخص نفسه ثلاثة أيام أو يومين لإلقاء دروس معينة، أو فرغ نفسه ثلاثة أيام في الشهر وهي الأيام التي يستطيع الاستئذان فيها من عمله، أو الخميس والجمعة كونهما عطلة فهذا الأمر ليس بدعة. على أن جماعة التبليغ لديهم أخطاء كبيرة بإهمال قضايا التوحيد والإيمان والعلم، والاتباع، فلا يعملون على إنكار البدع والشركيات، كما يهملون قضايا الحكم والولاء والبراء وأصول العقائد، وهذا خطر عظيم فأصل الجماعة أنها كانت صوفية، فهذا الأمر بالنسبة إليهم ليس ذا خطورة بالغة، ومع ذلك فلهم بعض الإيجابيات، وكذلك الإخوان لديهم بعض الإيجابيات، فكثير من الشباب يبدأ حياة الالتزام على يد أحد هذه الطوائف ثم الله يهديه إذا أراد الحق إلى المنهج الصحيح. فينبغي أن يكون عملنا منضبطاً بالشرع، بعيداً عن البدع، وفي نفس الوقت لا ينبغي أن نهدم الخير لوجود دخن فيه، بل نعرف المعروف وننكر المنكر والدخن، ونعين على الحق ولا نعين على سواه، هذه حقيقة الولاء على الكتاب والسنة، ولهذا كان موقفنا كدعوة سلفية في مثل هذه المسائل: أن ما استطعنا أن نقوم به بالصبغة الشرعية قمنا به، وطلبنا من غيرنا أن يعيننا عليه وأن ينضبط في عمله بالشرع، وما عجزنا عنه وقام به غيرنا على بعض الدخن أيدناه على الخير ونصحناه بترك الدخن؛ لأن البديل في حالة تركه أو عجزه عن هذا الخير هو الشر المحض من الدعاة على أبواب جهنم وأتباعهم، وهذا أمر ملحوظ وظاهر. فلو قلنا مثلاً: لو أنهم يستطيعون خوض انتخابات اتحاد الطلاب فسيترتب على ذلك بعض الخير وفيه دخن، على أن البديل أن ينظم الناس حفلات رقص ورحلات مختلطة وغير ذلك من الفساد، مع العلم أن فوزهم غير ممكن ولو أمكن فسنساعدهم على مثل ذلك ولاءً لله وللرسول ﵊. ومثل ما تقدم نتعاون على الطاعات. قضية الاسم لا تمثل عندنا خطراً أو أثراً ذا بال، فلا بأس من التنازل عنه طالما كان المضمون حقاً، هذا إذا كان الاسم يمثل عائقاً عن وصول الحق للناس. كما لو ظللت تردد في كل مكان: أنا سلفي أنا سلفي فسينفض عنك الناس نحو الآخرين، ولذا كانت تكتب رسائل باسم محمد بن سليمان التميمي لأن اسم محمد بن عبد الوهاب يجعل الناس يرفضون الحق في بلاد كثيرة جداً وسبب الرفض هو معرفتهم أن هذا هو رأس الوهابية؛ لأن الوهابية عندهم مسبة أو خوارج أو كفار أو نحو ذلك، فإذا استعمل هذا الاسم البديل لم تعد لدى الناس مشكلة في قراءة رسائله. كما لو سأل أحدهم: هل أنت وهابي؟ وإذا كان الانتساب للسلف تهمة أخرى فقل لهم: أنا مسلم. لكن لابد أن نعلم ويعلم غيرنا أن اختلاف الأسماء ليس هو السبب الأساسي للاختلاف، حتى يظن أن الواجب هو ترك الأسماء، وإذا تركت انتهت المشكلات، فهذا وهم كبير أدى بكثير إلى ترك التعاون الواجب إلى ما بعد التخلي عن الأسماء. إذاً: فإنه كما بينا لا يحرم التسمي بالأسماء الطيبة التي تدل على الخير وتحض عليه وليست هذه الأسماء بديلاً عن اسم الإسلام، بل: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الحج:٧٨] فلم يجعل لنا التسمي بالمذاهب أو بالعلماء أو بالجماعات بديلاً عن اسم الإسلام؛ لأن هذا يكون كفراً، بل كل اسم هو داخل اسم الإسلام وليس بديلاً عنه، إنما هو لتمييز معنى معين، وتنبيه الناس إلى ما غفلوا عنه، كما تميز أهل السنة والجماعة بهذا الاسم للتحذير من البدعة والافتراق المذموم، فكلمة أهل السنة ضد البدعة، والجماعة ضد الفرقة، وهكذا اسم السلفية أو أهل الحديث أو أي اسم آخر لجماعات أهل السنة في أقطار مختلفة إنما يكون المقصود منه تمييز المنهج، وترسيخ مبادئه، أو التنبيه إلى بعض ما غفل الناس عنه من هذه المذاهب، وعلى كل يبقى ولاؤنا على الإسلام، وطاعة الله، وطاعة الرسول ﷺ ، ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة:٥٥]. يقول: المدح والذم والحب والبغض يكون على الصفات الواردة في الكتاب والسنة، سواء كانت قولاً أو عملاً قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:٧١]. وقال : ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢]. قال الإمام ابن القيم في فوائد صلح الحديبية: إن من طلب الإعانة على حق أجيب إليه ولو كان لا يجاب إلى غيره من الباطل. هذا عندما قال النبي ﵊: (والله لا يسألوني خطة يعظمون بها حرمات الله إلا أجبتهم إليها). ولهذا من أصعب المواضع على النفوس أن تعظم الحرمات ولو كان الذي يطلبها كافراً، فتعظيم الحرمات يجب التعاون عليه وإن كان المتعاون معه كافر وإن منع غيره مما ليس من الحق. فإدراك وجود الاختلاف غير السائغ له أهمية كبيرة، فكما لم ينتبه فريق من أبناء الصحوة إلى وجود الخلاف السائغ فغلا في كل مسائل الخلاف، وجعلها مكائد وعداء وحب وبغض آخر إلى وجود الاختلاف غير السائغ، فقصر تقصيراً خطيراً في غمار حماسته الجارفة نحو التوحد والاجتماع. فتجده يردد منبهاً على ضرورة الاجتماع: إن وحدة المسلمين فرض، وقد يبدي استعداداً على أن يضيع في سبيلها العقيدة الصحيحة أو الواجبات الشرعية. يقول: حتى صارت كل الفرق المنتسبة للإسلام عنده حتى ولو كانت من شر أهل البدع كالروافض والصوفية مثلاً مقبولة

стр. 90

القاعدة الذهبية لجماعة الإخوان وإمكانية تطبيقها على أرض الواقع كانت القاعدة المسماة بالقاعدة الذهبية التي وضعها الأستاذ: حسن البنا ﵀ وغفر له قابلة للتطبيق حتى في هذا النوع من الخلاف. وهذا أمر طبقه البنا في حياته، لكن عندما جاء عمر التلمساني وحاول تطبيق هذه القاعدة، وذكر أن سنياً تقابل مع أحد الشيعة عندما أتى لزيارتهم في الأربعينات، فسأله عن الخلافات التي بينهم وبين الشيعة، فقال لهم: كتابنا واحد، وقرآننا واحد، وملتنا واحدة، وأصلنا واحد فلم يجبهم بالحقيقة، فنشأ جيل يقول بأن الشيعة والسنة لا خلاف بينهم، إلا أن يكون الخلاف سياسياً مثلاً، والأستاذ يوسف القرضاوي يقول هذا الكلام صراحة ويقول: إن القاعدة الذهبية: نجتمع فيما اتفقنا فيه ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه مع الشيعة الرافضة سبابي الصحابة، والذين يعتقد بعضهم تحريف القرآن -والعياذ بالله- والمغالين في الأئمة كما لا يخفى موضعه في الكتب الأساسية المعتمدة في مذهبهم المليء بالكفر. أقول: فإنه لو قيل بتطبيق هذه القاعدة في الخلاف السائغ -السابق بيانه- مع الاجتهاد في معرفة الحق والعمل به لكانت قاعدة صحيحة، وليس معنى إذا ما قلنا بصحتها: أن كل واحد له حق الاجتهاد في الحق، وله أن يطبق القاعدة في الخلاف السائغ إذا ما طبق منهج الصحابة والسلف كما بينا في الخلاف السائغ، أي: أنه وسعهم أشياء اتفقوا على إقرار كل فريق على أن يعمل بما يراه كما نقل ابن تيمية ﵀ الإجماع على هذا. أما أن تطبق هذه القاعدة مع أهل البدع كالرافضة فيشجع مثلاً التقريب بين السنة والشيعة أو السنة والصوفية وتصبح الدعوة: عقيدة سلفية وحقيقة صوفية، ويتأول المتأولون الضلالات والمنكرات حتى طلب المدد من غير الله، ودعاء غير الله ليدخل في دائرة خلاف الفروع كما يسمى، كما فعل سعيد حوى في كتاب تربيتنا الروحية، إذ يقول: نحن سننصح: أنه لا يحبذ أن يقولوا: مدد يا سيدي فلان، وإن كان هذا عنده من باب أسألك مرافقتك في الجنة. فهذا كلام في منتهى الخطورة، إذ كيف يكون: أسألك مرافقتك في الجنة، كما لو قال أسألك الجنة؟ إذاً: يجوز أن يقول له: أسألك الجنة على أنه وسيلة للوصول إلى الجنة، نعوذ بالله! بمعنى أنه: لو سأل أحدهم مقبوراً فقال له: أسألك الجنة وأعوذ بك من النار. لكان قوله عند أحد من هؤلاء المؤولين الذين يؤولون أفعال الصوفية من باب قول الصحابة للنبي ﵊: أسألك مرافقتك في الجنة، كأن الرسول سيعطيه الجنة، بل هل تعلم ما يقولون عند القبور؟ إنهم يقولون: يا شيخ فلان دلني على طريق أسلكه حتى أكون معك في الجنة، مع أنه يعلم أن الشيخ لن يرد عليه إذ إنه ميت، ولكنهم يعتقدون أن الشيخ موكل بتوزيع المنازل والمقامات، فيأتي من يؤول هذا لكي يصبح قولهم: مدد يا سيدي فلان قول صحيح غير أنا نستحسن أن يقولوا: مدد يا رب فهذا كلام في منتهى الخطورة بلا شك، وكان يفترض بالأستاذ سعيد حوى ألا يقول: إن الذكر اللفظي المفرد الذي هو بدعة بلا نزاع في الحقيقة بين أهل العلم المعتبرين جائز بإجماع أهل الطرق، أي إجماع أصحاب المنهج الذي يسلكه أهل التزكية فهم عنده أقصر الطرق إلى الله، أي: أن البدعة والضلالة الحقيقية تصبح هي أقصر الطرق إلى الله، ثم يقول: حتى لا نُغضب السلفيين: إن الذي يريد أن يستعمل الجملة المفيدة يستعملها، يعني: يقول: سبحان الله والحمد لله سيصل أيضاً. فهو يريد أن يبين معنى ما كتبه من أن دعوتنا سلفية وحقيقتها صوفية، وهو أيضاً يشجع التقارب مع الشيعة والصوفية وأصحاب بدع التأويل والتحريف بل يزداد الأمر خطورة حين يحاول البعض -قد قرأنا وسمعنا بأنفسنا آراء من هذا القبيل- أن يطبق قاعدته الذهبية مع العلمانيين المعتدلين كما يسمونهم. وبالتالي هذا التطبيق حاصل منذ الاندماج مع الأحزاب، فيزعمون أن من العلمانيين من هو معتدل، أي: لا يظهر القول بأن الإسلام باطل لكنه يقول بمضمونه. ومنهم المتعصبون الذين يصرحون بأن الإسلام باطل فنجد من يقبل التعايش والتقريب مع المعتدلين الذين يقبلون المنهج الإسلامي شكلاً ويرفضونه مضموناً، كالتحالف مع حزب الوفد وحزب العمل، أو في الحقيقة يستحون أن يعلنوا رفضهم لاسم الإسلام، ولا يستطيعون أن يقبلوا حقائق هذا الدين، هذا في غمار قبول التعددية والحرية، وعدم مصادرة الرأي الحر، وفتح باب الاجتهاد، وغيرها من شعارات أخبث وأصرح في مخالفة الإسلام كالديمقراطية والوحدة الوطنية ونحوها، كل هذا حتى يوصف هؤلاء أنهم معتدلون يقبلون الحوار، ويمكن إدخالهم في اللعبة السياسية، فهذا كله من أخطر ما يواجه الصحوة الإسلامية، إذ يفرغ الشعار من حقيقته، فيبقى الاسم ويختفي المضمون، ويصبح الأمر مجرد إلباس المبادئ الباطلة أثواباً إسلامية وأسماء إسلامية. فمثلاً الديمقراطية حقيقتها ديمقراطية، ونحن سنسميها شورى، وفي النهاية سيستفتون على شرع الله، وسيحصلون على الأغلبية في مسألة تعطيل الحدود، ثم يسمونها شورى، وهذا نهايته التمكين لأهل الباطل والنفاق باسم الإسلام، وليس التمكين لدين الله سبحانه، وتظل الشعوب في سكر الوهم الناتج عن الشعار إلى أن تصدم بالحقيقة المرة بعد حين. كما صنع صدام حسين عندما خدع الملايين من العالم الإسلامي عند إعلانه الحرب على الخليج بدعوى أن ما يقوم به جهاد مقدس ضد الأمريكان، فكان إعلان الاسم والحقيقة تظل علمانية بعثية كما هي، فالاسم جهاد والمسمى علمانية حتى حظي بتأييد عوام المسلمين في المشرق والمغرب، نسأل الله العافية. يقول: فيكون الأمر طعنة قاتلة للعمل الإسلامي لأجيال عدة وليس لبضع سنوات. هذا الخلل يظهر جلياً في بعض الأقطار التي لم تلتزم حركتها الإسلامية بمنهج أهل السنة وآثرت هذا الفهم المشوه بمسائل الخلاف على القاعدة النبوية الذهبية، التي قال فيها ﷺ : (وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة). رأينا حركات إسلامية جاهدت سنين طوالاً ضد الكفر والنفاق، وضحت بالدم والمال، ونال شرف الشهادة كثير من أبنائها لإعلاء كلمة الله، وإذا بهم عند قطف الثمار يقبلون في صفوفهم غلاة الرافضة في تحالفات مشبوهة. وبالفعل هذا ما يحدث اليوم، فمليون مسلم يقتلون في المعارك، والله أعلم بمن استشهد منهم، ويسمونهم شهداء ونحسبهم شهداء عند الله والله حسيبهم، ولكن في النهاية نجد أن طوائف كثيرة جداً يتحالفون مع الشيعة أو مع غلاة القبوريين كالرؤساء والأمراء وهم يعلمون حقيقتهم، فماذا نتوقع لمستقبل هذه البلاد؟ لذلك خذلهم الله، فالتجمع الذي يسمونه معارضة الآن وقت كتابة هذه المقالات في أول مرة كانوا هم الحاكمين وكانوا يقولون: لا بد أن يصبح مجددي أحد الرؤساء المطروحين للدولة في أفغانستان، وهو رجل قبوري، وحزب الوحدة الشيعي أصبح له أعضاء في البرلمان فقد تحصل على عشرين في المائة من المقاعد، فالله خذلهم خذلاناً شديداً. ماذا نتوقع لمستقبل هذه البلاد؟ رأينا في بلاد غيرها تحالفات مع الاتجاهات العلمانية الاشتراكية دون تنازل أصحابها لا عن اسمها ولا رسمها ولا حقيقتها كتركيا ومثله في اليمن نفس التحالفات مع الأحزاب الإخوانية وكانت نتيجة تلك التحالفات هي تضييع العمل الإسلامي، ولم تحصل أي نتيجة، والأمثلة كثيرة متعددة، وللأسف لا يدرك الناس خطر هذا الأمر إلا بعد عشرات السنين، ألم تكن ثورة الجزائر أصلاً جهاداً إسلامياً؟ ألم يكن الضباط الأحرار يوماً أعضاء قد أقسموا بالبيعة للمرشد العام للإخوان المسلمين؟ بالفعل كان كذلك فـ عبد الناصر والسادات وغيرهم كلهم كانوا أعضاء في قيادة سرب الإخوان المسلمين، وأقسموا على المصحف المشرف، على السمع والطاعة والجهاد في سبيل الله إلا أن كان ما وقع للإخوان على يد كل من عبد الناصر والسادات، كما أن الإخوان يعلمون أنهم غير ملتزمين، لكن قبول المبادئ المنحرفة والتحالفات المشبوهة جعلهم يدخلونها لنيل مصالح سياسية. ألم يعلم الإخوان في أفغانستان أن الشيعة حلفاء الشيوعية ومع ذلك قبلوا بمشاركتهم في الحكومات الإسلامية؟ بل وصل الأمر إلى تحالفات مع الإسماعيلية الباطنية. ألم يناد البعض حتى ممن ينتمي إلى منهج السلف إلى قادسية صدام؟ فالجزائر مثلاً كان من أتباع الخط السلفي من يبدي تأييده لـ صدام، نسأل الله العفو والعافية. وهذا كان موقف جبهة الإنقاذ، فقد كانوا يؤيدون صدام في الجهاد ضد أمريكا، وأشد منهم بعض الااتجاهات في دول الخليج فقد كانوا يقولون: قادسية صدام عندما كانت الحرب مع إيران فيقولون: قادسية صدام في وجه العدوان الفارسي المجوسي، فلما انقلب عليهم صدامهم عرفوا أنه بعثي كافر يحارب المسلمين، فأصدرت الفتاوى بتكفير صدام حسين، وتكفير حزب البعث، ومن الغريب أن ثمان سنين من الحرب مع إيران لم تظهر فيها أي فتوى أو توجيه واحد للسادات بأن صدام حسين بعثي بل كانت قادسية صدام، وهناك اتجاهات إسلامية أخرى ذهبت وقابلت صدام حسين، والبعض قال: إن لديه التزاماً في الأسماء والصفات بمنهج السلف. فمما يدعو للاستغراب أن الناس تتعامل بهذا المنهج المنحرف، ثم عادت العلاقات بعد ذلك مع الجيران الإيرانيين وينادى بحسن الجوار مع العدوان المجوسي الكافر لتحسن العلاقات مع الدولة الإيرانية بعد ذلك، حتى يأتي أحد زعماء الرافضة ويبصق على قبر الشيخين ويسبهما علناً، وإذا جاء من ينكر عليه فلابد من إبعاده مع أن الأمر كان ملحوظاً جداً، نسأل الله العفو والعافية. ولو أن هذه الأمور تصدر عن غير الإسلاميين لما استغربت؛ لأنهم عندهم الميكيافلية المشهورة، ولكن صدورها من بعض الرموز الإسلام

стр. 91

كيفية الحفاظ على نقاء المنهج وصفائه إن الاحتفاظ بنقاء المنهج الإسلامي مرتبط ارتباطاً أكيداً بالموقف من المنحرفين عن المنهج السلفي من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وإلا دخل الزور والبهتان إلى الصحوة الإسلامية، وبقدر ذلك تفقد نصر الله لها؛ لأنها إنما تنصر لقيامها بالدين الذي أنزله، وبالشرع الذي شرعه، وبالسنة التي جاء بها رسول الله ﷺ . ومن أهم ما يلزم التنبه إليه في إدراك هذا الاختلاف وأسبابه: أن الأمر لابد فيه من معالجة حقيقية للأسباب، وليس مجرد رفع شعارات التوحد والاجتماع، أو نبذ العصبية والفرقة دون التصدي لحقيقة هذا الخلاف، وتحديد المسائل التي توضع تحته في كل نواحي العمل الإسلامي -بمعنى أنه يجب أن نحدد أي نوع من المسائل التي يجوز فيها الخلاف السائغ وغير السائغ- في العقائد، وأصول الإيمان، ومناهج الاستدلال، والعمل، ومناهج التغيير وغيرها من المسائل التي تشغل أبناء الحركات الإسلامية. إن من يحاول علاج هذا النوع من الخلاف بالعاطفة وحدها مثله كمثل رجل أراد أن يطفئ ناراً فغطاها بثوب رقيق والجمر تحته مشتعل، فبعد لحظات اشتعلت النار في الثوب نفسه فصار سبباً لزيادة اشتعالها. لابد كذلك من الناصحين للحركات الإسلامية ممن يقف موقف الناقد المتفرج دون النزول إلى مجالات العمل الإسلامي من التمييز عند تعدد المناهج، والتمييز بين الخلاف السائغ وغيره من أنواع الخلاف. ونسمعهم يقولون: نريد ترشيد الصحوة الإسلامية، فإذا به يوجه الخطاب لكل المناهج دون تفريق بينها معتبراً أن الخلاف يمكن إنهاؤه بالتقريب ين الأطراف المختلفة وهذا ليس نصحاً. لابد أن يميز هؤلاء بين تعدد المناهج، وبين أنواع الخلاف السائغ، فلا يسوي بين أهل السنة وأهل البدعة بطريقة نقده أو نصيحته، إن كان فعلاً صادق الانتماء للسنة ومنهج السلف؛ لأن البعض يجعل الجماعات كلها جماعات بدعة، سنية أو بدعية، والبعض ينصح بقبولها كلها سنية أو بدعية، ويحاول تهوين الخلاف. ولذلك فمن المؤكد أن إدراك هذا النوع من الخلاف وأن معظم الخلاف المنهجي راجع إليه لابد ألا يجعل لنا إلا موقفاً واحداً تجاهها وهو موقف النابذ للبدعة؛ لأجل ذلك خلاصة الثلاثة أنواع من الخلاف: خلاف التعدد يجب استثماره بالضوابط، والسائغ يجب احتماله، وغير السائغ يجب محاربته، وعند الخلط في التعامل مع هذه الأنواع من الخلاف أو معاملتها بطريقة واحدة ستكون مصائب عظيمة، ولذا لابد من الضبط التام لمثل هذه المعاني.

стр. 92

منهج أهل السنة والجماعة هو السبيل الوحيد الذي يجب الاجتماع عليه قال رسول الله ﷺ في الفرقة الناجية: (هي الجماعة)، والحديث في الصحيح. وقال ﵊: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل بدعة ضلالة). فالقضية الأولى المستفادة من هذا أن السبيل واحدة، ولابد أن نكون عليها جميعاً، ولا يسع الناس أن يتفرقوا في المناهج، ولا يسعهم أن يختار كل واحد منهم لنفسه بين السنة والبدعة، أو أن يقف موقفاً متوسطاً بين السنة والبدعة زاعماً أنه يريد تجميع الناس، لا يجوز ذلك بل يجب أن يكون الناس على طريق واحد، أصحاب الحق هم أهل السنة والجماعة ومنهجهم الواضح لا يجوز أن يختلف الناس فيه أو يبتعدوا عنه، والتعدد الحاصل بسبب الاختلاف في المنهج بين موافق ومخالف لطريقة السلف تعدد مذموم. وهناك تعدد آخر يرجع سببه إلى اختلاف الهمم والنوازع، فتجد إنساناً همته في طلب العلم وآخر همته في الجهاد، وآخر في النفقة في سبيل الله فتلك كلها سكك داخل الطريق الواحد، لكن الطريق كله يسير متوازياً بأطرافه فكل جهة توازي الأخرى لكن التعدد الناشئ عن المناهج هذا اختلاف تضاد يتجه نحو الاختلاف المذموم لذلك من يحاول تسطيح الخلافات الإسلامية، فيجعلها مسائل سطحية بسيطة، ويردد: لا ينبغي أن نتصارع أو نختلف، وينصب نفسه داعية للتوحد وما يصنعه محض كذب إذ لا يتم التوحد إلا باتحاد المنهج، ولذا نقول: إن الاختلاف والتعدد الحاصل بسبب الاختلاف في المنهج بين موافق ومخالف لطريق السلف تعدد مذموم ووجوده شر على الدعوة والدعاة، وتفرقة للقلوب، وبث للضغينة والحسد والغيبة والنميمة. وبعض الناس يأتي ويقول لأهل السنة: إنكم أنتم سبب ما يحدث فأنتم تفرقتم واختلفتم معاشر الجماعات الإسلامية. إن من يتحمل وزر هذا الخلاف أهل البدع الذين خالفوا طريق الحق، فلا يعمم الكلام ولا يقال: إن كل الاتجاهات الإسلامية بما أنها تفرقت إذاً هي على ضلال أو أنها كلها متفرقة، متحزبة، بل يتحمل وزر ذلك من تحزبوا واجتمعوا على خلاف المنهج الحق، وخالفوا سبيل الحق الواحد، فالواجب ألا يلام أهل السنة على التزامهم بالسنة، ولا يجوز أن يعدوا على أنهم فرقة من الفرق المنحرفة، فهم فرقة من الفرق الكثيرة المنتسبة للأمة لكنها الفرقة الناجية، فالرسول ﵊ عدها كذلك لما قال: (كلها في النار إلا واحدة)، ففرقة واحدة فقط من الثلاثة والسبعين هي الناجية ولا ينجو غيرها، لذلك لا يصح أن يقال: إن الاتجاهات الإسلامية كلها خطأ؛ لأنها متفرقة، أو كلها متحزبة التحزب المذموم. إن الاجتماع على الحق ليس تحزباً مذموماً، والعصبية للحق ليست عصبية جاهلية، ونعني بالتعصب أن نكون عصابة شرعية، والرسول ﷺ يقول: (لا تزال عصابة من أمتي على الحق ظاهرين)، فلا بد أن نكون عصابة على الحق، أو طائفة مجتمعة على الحق، من أجل ذلك نقول: على أهل السنة في كل قطر من الأقطار بل في كل مكان أن يكونوا كلهم في الأرض كلها جماعة واحدة، وأن يكونوا معاً في هذه السبيل؛ لأن أصل أمر الخلافة أن الأمة كلها تكون على طريق الحق، وأن تكون تحت قيادة الخليفة، فإذا عجز الناس عن ذلك فأقل شيء أن يكونوا في كل بلد قادرين على التعاون، وأن يكونوا معاً على هذه السبيل، هكذا كان رسول الله ﷺ وصحابته أمة واحدة وطائفة واحدة، متعاونين على البر والتقوى كما أمرهم الله. فما بال كثير من الناس اليوم يحبذ التفرقة، ويدعو الناس إلى أن يكون لكل منهم جزيرة مستقلة بزعم أن الاجتماع عصبية وحزبية، هذا كلام باطل وخلط للأمور بلا شك، إذ إن الذي يتحمل وزر الاختلاف المذموم هم من خالفوا الحق وليس من اجتمعوا وتعاونوا عليه، ومن أخطر المسائل التي يكثر فيها الكلام أن بعض الناس -كما أسلفنا- يظنون أن مجرد الاجتماع نفسه مذموم، وهذا من أجهل الجهل، وأعظم الباطل، ولا ينسب أبداً لعالم يفقه دين الله ويعلم الواجبات الملقاة على الأمة الإسلامية. وما زلنا نجد كثيراً من الناس اليوم يحبذ التفرقة، وهو يعلم ما عليه المسلمون من تضييع الواجبات العينية والكفائية، ولا شك في عجز الأفراد عن القيام بهذه الواجبات مع تباعدهم وتفرقهم وعدم انتظامهم في سلك واحد، ولا تقوم دعوة من الدعوات -ولا يعلم في سنة الله الكونية ولا الشرعية أن دعوةً قامت- بغير تعاون ووحدة وائتلاف، اليوم يجتمع الناس في كل المجالات لتقوى شوكتهم، والضعيف يؤكل، والمنفرد يؤكل، هذه سنة كونية في كل المجالات كما أنها سنة شرعية، فالله أمرنا بالاجتماع على طاعته، وقال: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة:٢]، فلم يأمرنا فقط أن نفعل البر والتقوى، وإنما قال: ((وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى))، فالتعاون على البر والتقوى في نظر أن يعمل أو يترك وقتما يريد وأن هذا هو الأمر الذي أمر الله به، لكن بلا شك أن أحسن لفظ يمكن أن يعبر به عن الاجتماع على طاعة الله هو ((وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى))، لكن ليس معنى ذلك أن الأمر متروك لإرادة الناس، فالتعاون معناه: أن يعملوا مجتمعين يجمعهم أمر واحد، وكلمة واحدة ولا يتحقق ذلك مع تباعد الآراء، واختلاف الأمور، بل لا بد أن يكون مرجعهم إلى أولي الأمر منهم، كما قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩]. فأولي الأمر هم العلماء والأمراء الذين يقودون الناس بكتاب الله، فمن كان من الأمراء يقود الناس بكتاب الله وجب أن يكون الناس معه؛ ليقوموا بواجبات الشرع التي افترضها الله على الأمة الإسلامية كأمة، وعند غياب الأمراء الذين يقودون الناس بكتاب الله يرجع الناس إلى علمائهم، ويلزم هؤلاء أن ينتدبوا واحداً منهم يرجعون إلى أمره، أو يجتمعون بأي طريقة كانت، وإلا ترتب على ذلك أعظم الفتن والمفاسد، وكيف يتسنى لأهل المنهج الحق أن يتفرقوا ويكون غيرهم أحرص على الاجتماع منهم؟! نسأل الله أن يؤلف بين قلوب المسلمين. فوحدة المنهج والطريق ووحدة العمل بالتعاون على البر والتقوى كلاهما أمر لازم ومطلوب لكل من سار على طريق النبي ﵊، ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ [يوسف:١٠٨]، سبيل موحدة، وقد ذكرنا أن اختلاف النوازع والقدرات، والتنوع في الهمم أمر يثري العمل ولا يفرقه؛ لأن كل إنسان إذا كان سائراً في سكة داخل الطريق الواحد، فإن كلاً منهم يتقن باباً ويسير عليه، ولا شك أن هناك قدراً من الاختلاف داخل هذا الطريق الواحد، بمعنى أن فرداً قد يختار أمراً معيناً داخل الطريق الواحد، كما وسع الصحابة ﵃، فقد اختلفوا في مسائل واتفقوا على إقرار كل فريق للآخر على عمله، اتفاقاً منهم على أن هناك من أنواع الاختلاف ما يسوغ، ولذلك فإن مرد الأمر في هذا إلى ما وسعهم ﵃، فما وسعهم يسعنا، وما لم يسعهم لا يسعنا، فما عدوا فيه المخالف ضالاً مبتدعاً يجب علينا أن نعده كذلك، وما رأوا فيه أن هذا مما يسوغ فيه الاختلاف؛ لعدم ورود النص فيه، ولعدم حصول الإجماع ولا الخلاف الجلي؛ فإن ذلك يجعله أمراً واسعاً عندهم، وهذا الأمر هو الذي صفت به القلوب رغم وجود قدر من الاختلاف. فأنواع الاختلاف منها اختلاف التنوع، وهذا يجب استثماره والانتفاع به، واختلاف التضاد السائغ الذي لا يصادم نصاً من كتاب أو سنة أو إجماعاً، وهذا لا يعني تنافي وحدة السبيل، وهذا النوع من الاختلاف يجب احتماله، وأما اختلاف التضاد غير السائغ، وهو ما صادم النص من الكتاب والسنة أو الإجماع أو القياس الجلي فهذا يجب محاربته، ويجب عدم قبوله ولا يسعنا، كالخلاف مع أهل البدع والضلال كالرافضة والخوارج والمعتزلة والصوفية وأمثالهم، فلذلك نقول: إن هذا الأمر يجب أن نفقهه جيداً؛ لنسير على السبيل الواحدة التي هي سبيل رسول الله ﵌.

стр. 93

كيف تكون الدعوة إلى الله ربانية ؟ قال تعالى: ﴿أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف:١٠٨]: فيه نسبة هذه الدعوة إلى الله تعالى، وهذه نسبة ما أشرفها! لكن لا يتحقق هذا الانتساب فتكون الدعوة دعوة ربانية إلى الله فعلاً حتى تكون ربانية في أصلها ومصدرها طريقها ومنهجها غايتها ومقصدها. أما في الأصل والمصدر: فبأن ترجع إلى الوحي المنزل من عند الله كتاباً وسنة؛ فإن نقاء الأصل فيه نقاء الثمر وصحته وقوته، وهو الذي يثمر الثمار الطيبة، فلو كانت الدعوة إلى الله بزعم صاحبها تعتمد على أصول غير الكتاب والسنة، كالطريقة اليونانية في الكلام، أو التقليد الأعمى في الطرق الفقهية، أو السياسات المأخوذة عن الرؤساء والملوك ونحو ذلك أو أصول التهذيب المأخوذة عن أهل الضلال من المخالفين لأهل الإسلام في تهذيب القلوب والأعمال والمقامات البدعية ونحو ذلك، ثم ينتسب إلى الله، لكن المصدر عنده حكمة الهنود، أو أهل وحدة الوجود أو المبتدعون من أهل البدع، فهذه لا يمكن أن تكون دعوة ربانية، وإن انتسبت إلى أنها دعوة إلى الله؛ إذ الدعوة الربانية لابد أن تكون ربانية في أصلها ومصدرها، قال تعالى: ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [الأنعام:١٠٦]، وقال: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف:٣]، وقال: ﴿وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء:١١٣]. أما الدعوات التي تتخذ من المناهج الكلامية، أو الطرق الفلسفية، أو آراء الرجال، أو تحكمات العقول مصدراً لها فهي لا تستحق أن تكون دعوات ربانية وإن انتسبت إلى ذلك، لذلك بقدر ما نُحصّل من الكتاب والسنة، وتكون دعوتنا فيما نكلم الناس فيه مبنية على الوحي، فنقول لهم: قال الله وقال الرسول، حتى من لا يسمعون منك قال الله وقال الرسول تقول لهم ما قاله الله والرسول بطريقة بيان الحجة، كما قال موسى: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه:٥٠] ونحو ذلك من مناظرة الأنبياء، وبالمناظرات العقلية التي تبين الحجج القرآنية فتذكر لهم ما يقوله الله في مقام البيان، وتبين لهم بلسانهم؛ ليتضح لهم الأمر، كبيان معاني الآيات، والأحاديث. والعبد عندما يدعو إلى الله لا يلزمه أن يحصل على شهادات، مثلما يصنع بعض الجهلة والزنادقة والمنافقين حينما يريدون إيقاف الدعوة إلى الله بذلك، لو تأملتم الشهادات الموجودة اليوم لوجدتم أنها لا قيمة لها، -نسأل الله العفو والعافية- فعلى قدر ما عنده من قال الله وقال الرسول يكون داعياً إلى الله . وحتى لو انتسبت إلى الدعوة الصحيحة ولم يكن عندك العلم الشرعي الأصل والمصدر الذي تبنى عليه الدعوة والفهم الصحيح للكتاب والسنة فلن تكون داعياً إلى الله، وقد تقول في الدنيا: أنا منتسب إلى الدعوة السلفية، لكن هذا لن ينفعك يوم القيامة إذا لم يكن عندك حظ من العلم الشرعي، فلكي تكون دعوة إلى الله لابد أن تكون ربانية في أصلها ومصدرها، ولابد أن تكون ربانية في وسائلها ومنهجها، بمعنى: أن تتبع القواعد الشرعية في السلوك، فليست الغاية تبرر الوسيلة كما يظن كثير من الناس، فإذا أردت أن تكون على منهج الأنبياء فالغاية لا تبرر الوسيلة، بل الوسيلة من عند الله، كما أن الغاية إليه وحده، وسيرة الرسول ﷺ وسيرة من قبله من الأنبياء فيها البيان لوسائل الدعوة وطريقها وما يقدم وما يؤخر، وما هي موازين المصالح والمفاسد حتى لا تختلط الأمور وتلتبس الأحوال. فالوسائل ليست توقيفية كما يظن البعض فيمنع من استعمال أي وسيلة لم تكن واردة من قبل في كتاب الله ولا سنة رسوله ﷺ كالوسائل المعاصرة فيمنع استخدام المجلات؛ لأن الرسول ﷺ لم يكن يقرؤها، وكذا الأشرطة لأن النبي ﷺ لم يكن يسمعها، أو يقول عن رحلة لغرض التربية: هذه بدعة، فهذا لم يُعمل ولم يجتمع الناس عليه على أنه يمكن أن يقال: كانت عندهم رحلات شهرية في الغزو في سبيل الله يتربون من خلالها، وتوجه لهم التربية الإيمانية من خلال الأعمال الصالحة. فاجتماع الناس على طاعة من الطاعات، وتوجيههم إليها بوسيلة من الوسائل المشروعة وإن كانت معاصرة أمر مطلوب، ووجه مشروعيتها: أن تكون ربانية متفقة مع الكتاب والسنة فلا نتبع الطرق الباطلة بدعوى أننا نريد الوصول إلى الحق، كمداهنة أهل الباطل بزعم أننا لابد وأن نصل إليهم من خلال موافقتهم فيما يدعون، وتعجب أن ترى من الناس من يوافق أهل الباطل في باطلهم ويشاركهم فيه وهو يعلم أنه باطل، فيشارك الكفار في أعيادهم، ويزعم أن في ذلك مصلحة الدعوة، وإذا سألته: هل تعتقد أن عيد القيامة مجيد حتى تشارك النصارى فيه؟ فسيقول لك: لا، ولكن المصلحة تقتضي ذلك! وهذا عين المنكر ولا يمكن أن يكون من وسائل الدعوة إلى الله ، بل هذه وسائل منحرفة. ومن ذلك تقديم المصالح وتأخيرها بناء على الأهواء، وهنا لابد أن نعلم ما هي موازين التقديم والتأخير. وسنضرب بعض الأمثلة في توجيه القرآن لدعوة النبي ﵊: قال : ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى﴾ [عبس:١ - ٢]، فالرسول ﵊ عندما جاءه ابن أم مكتوم ليتعلم الدين وكان مشغولاً بدعوة غيره ﵊ من رءوس الكفر، فأعرض عن هذا الأعمى لمصلحة الدعوة، فعاتبه الله ، وذلك أن مصلحة الدعوة في هدم موازين الجاهلية وليس في تعظيمها، فموازين الجاهلية في أن يقدم الكبير وإن كان كافراً، كما يقدم الغني وإن كان ظالماً ضالاً، ويهمل الفقير الضعيف، فكان لا بد من هدم هذه الموازين، وكذا قال : ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام:٥٢]. فهذا الأمر منذ نبوة سيدنا نوح ﵇ لم يتغير، فقد كان الكفار يقولون: اطرد الفقراء ونحن سنأتي معك، -والعياذ بالله- فيوحي الله على نوح أن يقول: ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ [هود:٢٩]، لا ينبغي أن نقبل المداهنة في الباطل، كأن يقال: إن من وسائل الدعوة: ألا نذكر ما يغضب الناس منا، فلو أن أناساً يغضبون عند الحديث عن السياسة فسنترك الحديث عن السياسة، وآخرون يغضبهم الحديث عن التوحيد، فسنترك الكلام عن التوحيد، وهكذا أشياء كثيرة لا ينبغي بزعمهم التحدث عنها مراعاة للناس، وهذه من أخطر القضايا، بل لا بد أن نعلم أن قضايا الإيمان والإحسان لا تقبل المداهنة، بمعنى: أنها لا تقبل أن يسكت الإنسان عنها أو يحجم عن بيانها، فضلاً عن أن يبين خلافها أو يذكر خلافها. فتجد من يسأل عن حكم شرعي في التبرج، وأهل التبرج أمام عينيه، وقد يسألونه عن البنطلون الجنز، فيحدثهم عن رحمة الله الواسعة، وعن سعة صدر الرسول ﵌، وعن مغفرة الله ، ولا يجيب عن أسئلتهم؛ لأنه إن أجابهم وبين لهم حرمة ذلك فسيسمونه بالمتطرف. ونود التنبيه هنا إلى أنه ليس المقصود من أمثلتنا الوسائل المعاصرة في تبليغ الحق للناس، أو التي تسهم في تربية الناس على الحق بأي طريقة شرعية صحيحة وإن كانت مختلفة بشرط أن تخلو من البدع والضلالات، بل ما ننبه عليه هو المداهنة التي تسمى اليوم وسيلة، ومن صورها ما يفعله البعض عندما يكون في مجتمع كافر بل أحياناً في مجتمعات المسلمين حيث يساير الناس فيما هم مقبلون عليه من التعامل بالربا أو من شرب الخمر، ويبرر فعله الشنيع بقوله: هذا من مصلحة المسلمين، عجباً كيف تكون مصلحتهم في أن يشاركوا في هذه المجالات؟! وقد يبرر فعله بدعوى التوصل إلى التأثير، أو أخذ خبرة في البنوك ويشيع أنه لا مانع من أن تدخل البنوك الربوية بحجة التعلم أو عدم ترك هذه المجالات فارغة، فيدخل معهم في كل مجال حتى في الربا، أو في الأفلام السينمائية، أو القرى السياحية. وكل ذلك بدعوى المصلحة وقد يعدها من وسائل الدعوة وهي ليست كذلك؛ لأنك في الحقيقة تعتبر مشاركاً للمنكر. سألت مرة امرأة أحد الدعاة المشهورين في بلد من بلاد الكفار عن زوجها الذي كان لديه سوبر ماركت وهو يريد أن يضع عليه (ماركة عالمية)، وهذه الماركة من الماركات المشهورة، وعند وضعها يصير فرعاً من فروع هذه الماركة، وسيربح عند ذلك أموالاً طائلة، لكن إدارة الماركة اشترطوا عليه أن يبيع الخمور، وقد نصحته الزوجة بحرمة ذلك، والزوج مصر على العرض، فقال لها الداعية: لا أستطيع أن أفتي زوجك بترك العمل من أجل قليل من الكحوليات، ويبرر ذلك بأنه من أجل مصلحة قوة الاقتصاد الإسلامي، ومثله أهل الباطل والضلال والزندقة والنفاق المنتسبون إلى أهل العلم الذين يقولون: لا بد من بيع الخمر من أجل السياحة فهذا ضلال مبين، فلا يجوز للمسلم أن يظن أن هذا من وسائل الدعوة، أو أنه طالما أن غايته أن يدعو إلى الله ، أو أن يعبد الناس لربهم، أو أن يدعوهم إلى الالتزام بالإسلام، فله إن من أجل ذلك أن يستحدث الموازين الباطلة، ويقدم المصالح الموهومة على المصالح الشرعية، ويخلط الحق بالباطل من أجل قبول الناس لشيء من الحق، فهذا انحراف أيما انحراف. يقول لك سأشاركهم في ضلالهم من أجل أن أدعوهم إلى الله، بل لا تشاركهم في ضلالهم إلا أن تنكر عليهم ذلك. أما أن يكون البديل الإسلامي المقترح هو الخوض في المنكرات. فهذا لا يجوز أن يكون حلاً إسلامياً. فالمقصود أن الطريق والمنهج والوسائل لابد أن تكون أيضاً ربانية حتى تكون دعوة إلى الله، وإلا لوكانت دعوة مقصدها الله ، ولكنها في وسائلها غير ربانية فهي لا تستحق أن تكون دعوة إلى الله، فلا بد أن تكون كذلك في الأصل والمصدر والطريق والمنهج والغاية والمقصد الغاية والمقصد لابد أن يكون وجه الله والدار الآخرة لا غير، وذلك من خلال العمل لإعلاء كلمة الله تعالى في الأرض، ﴿فَم

стр. 94

معنى التمكين في الأرض وغرضه ليس التمكين في الأرض لطائفة الدعاة لغاية مخصوصة لهم، بل هي من وسائل الدعوة لتحقيق العبودية لله في أكمل صورها فهم لايريدون التمكين لكي يستريحوا من المتاعب كالمطاردات والمضايقات، لا بل من أجل أن تزداد عبودية الله ؛ لأن هذه أكمل في العبودية لذا نقول: الغاية الأساسية من الحياة هي العبودية لله ، وبهذا نصل إلى مرضاة الله ونصل إلى الدار الآخرة. هذا التمكين منة من الله تعالى وليس بيد الدعاة ولا من كسبهم، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [الحج:٤١]. فالتمكين من أجل إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وقد يزعم البعض أنه يريد التمكين لدين الإسلام وهو لا يصلي الفجر مثلاً، فهل ينتظر التمكين لكي يصلي الفجر؟ وهل يريد التمكين إلا لإقامة الصلاة، كما لا ينفع أن تقول: أنا سأدعو إلى الله، وغايتي التمكين للإسلام، وإعلاء كلمة الله. وأنت لا تؤتي الزكاة الواجبة أو تكون قادراً على أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر بدرجة من الدرجات وأنت لا تفعل ذلك، إذاً: أنت تريد التمكين لكي تقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر. لذلك لا يمكن أن يكون مقصدك التمكين لله ، وإعلاء كلمة الله، وأنت تتمكن من ذلك ثم تفرط فيه قبل أن يتحقق؛ لأن وسائل تحقيق العبودية كثيرة بحمد الله، وإنما المهم ألا يقصر الدعاة فيما يجب عليهم مما يقدرون عليه، أما الدعوات التي تجعل غايتها التسلط على رقاب الناس، أو الظفر بهم للانتقام؛ إذ إن هناك دعوات تتحول بعد مدة إلى أن يكون الهدف لمنتسبها أن يتسلط على هؤلاء وينتقم ممن آذاه أو يسعى وراء الملك والجاه والثروة والراحة تخلصاً من المطاردة والاستضعاف والفقر والخوف، فهذه ليست بالدعوات الربانية، كما أنه لا ييئس إذا لم يحدث التمكين، فهل أترك العمل لأني كنت أظن أني سأتمكن خلال كذا سنة ولم أتمكن، أو كنا نظن أن الدعوة إلى الله لابد أن تثمر ثمارها، وإذا لم تثمر، ولم يحصل الغرض المقصود لتقصير أو عجز، فهل معنى ذلك أن نسلك ذلك الطريق إذاً: أنت فعلاً جعلت التمكين هو الغاية، وليس وسيلة لتحقيق العبودية، فالتمكين وسيلة لتحقيق العبودية، وإذا كان مطلوباً ويحبه كل مؤمن فليس من أجل شيء إلا لمزيد من العبودية لله . وبالتالي فلا يظهر في سلوك الإنسان أنه إذا لم تثمر هذه الوسيلة تركها، ولا يجعلها غاية ويقول: أنا أريد أن أعيش، ثم يترك الالتزام، ويترك الدعوة إلى الله ، ولذا لا بد أن يعلم أن التمكين وسيلة وليس غاية، وإن غايته الله ، فالله وحده هو القادر على التغيير، ولا يستطيع أحد أن يقطع عنك ثواب الله، أو يمنعك من الجنة، لذا لا تيئس وتترك الالتزام، أو تحاول أن تنتقم ممن لم يستجيبوا لك وتتحول غايتك رأساً على عقب، أو تكون كمن يريد أن ينطح الصخرة ويريد أن يكسرها، حتى لو كسر رأسه ثم يظن أنه قد أدى ما عليه فيترك العمل محتجاً بأنه لم يثمر، وهذا ليس صواباً، فالذي عليك هو أن تطيع الله إلى أن تموت، بل وتجتهد في أن تأخذ الوسيلة الموصلة إلى الغاية، والعبودية هي الغاية، ومعلوم أن العبودية لله تتحقق في أي مكان، سواء كنت غنياً أو فقيراً، فالمسلم الرباني عبد لله في كل أحواله وأوقاته، فقيراً كان أو غنياً، ممكناً كان أو مستضعفاً، مظلوماً في ظلمات السجون، أو ملكاً ممكناً على رءوس الناس. فندعو الله أن يرزقنا الإخلاص والعمل الصالح في كل حين. فالربانية من سمات الدعوة إلى الله وهي التي تمنحها صفة الاستقرار، فهي لا تتلون بتلون ما حولها، ولا تغير جلدها، ولا رايتها، ولا ولاءها حسب المصالح، فلا تتغير مثل تغير الشيوعيين الذين هم أقبح البشر فقد كان ولاؤهم قبل سنوات للشرق، ثم بعدما انهارت الشيوعية أصبحوا هم أكثر الناس عبيداً للغرب. وكم من أناس كانوا يتكلمون على الإمبريالية والرأسمالية والاشتراكية وكانت حياتهم كلها على ذلك، على أن هناك من المنتسبين إلى الدعوة أُناساً عندهم استعداد لتغيير الولاء حسبما يريد من بيده السلطة، أو الملك أو الغنى والمال، فمن يدفع الأكثر يكون الولاء له، وهذا أمر مرفوض لأننا لا يمكن أن نتلون ولا أن ننتمي إلى أحزاب الضلال لأنها الكثرة الآن، فالدعوة الربانية لا يمكن أن تغير لونها ولا جلدها ولا رايتها ولا ولاءها حسب المصلحة كسائر الدعوات الأرضية؛ لأنها ربانية لله ، إذاً لا فرق في أن نكون ممكنين أو مستضعفين بل يظل ولاؤنا لله ولرسوله وللمؤمنين، سواءً كانوا هم الأقوياء أو الضعفاء. وكم نعجب ممن ينتسب إلى الإسلام عندما يسألون: كيف توافقون الشيشان؟ فيجيبون: نحن لا نوافق الشيشان بل أنتم تتهموننا باطلاً، بل نحن حريصون على وحدة الأراضي الروسية. وهذا كان مضمون بيان إحدى لجان الجامعة العربية، فتجدهم يؤكدون أنهم حريصون على وحدة الأراضي الروسية، وأنهم ضد الدعوات الانفصالية. فهذه مصيبة عظيمة وغير محتملة، إذ كيف يصل الولاء إلى أنك لا تريد أن تنتمي إلى الإسلام؛ لأنهم ضعاف وقلة مثلاً، بل إن بعض البلاد حتى الإسلامية عندما يسمعون عن إبادة للمسلمين في دولة من الدول يصرحون أنه لا شأن لهم ويقولون: نحن من سياساتنا الأساسية الإسلامية ألا نتدخل في الشئون الداخلية للدول الإسلامية الأخرى، وتعجب كيف لا يتدخل في الشئون الداخلية والمسلمون يبادون، بل العالم كله يتدخل وأنت تصرح أن من أساسيات مبادئك أنك لا تتدخل في الشئون السياسية الداخلية. هذا كلام عظيم النكارة.

стр. 95

شمول الدعوة إلى الله وعالميتها ومن سمات الدعوة الشمول والاتساع، فليست منحصرة في جانب واحد بل تأخذ الدين وتقوم به من جميع جوانبه علماً وعملاً وسلوكاً وخلقاً. ونعني بالشمول والاتساع: أن هذه الدعوة ليست دعوة مقتصرة على جانب معين ككثير من الدعوات التي تقتصر على جانب معين، فتجد من الناس من يجعل همه أن الإنسان يحفظ القرآن، أو أن يكون الناس في هيئتهم الظاهرة ملتزمين بالسنة، وآخر يكون عنده اهتمام بجزئية معينة من بعض القضايا الاعتقادية، وآخر تجد أن أهم شيء عنده أن يكون الفرد متحمساً للعمل الإسلامي من غير أن يكون عنده أي جوانب أخرى، ولذلك تجد ازدواجية خطيرة في الشخصية، وهذا الكلام موجود لدى كثير منا في الحقيقة، بل كل منا فيه قدر من هذه الازدواجية وعدم الشمول، فتجد بعضنا، وإن كانت هيئته إسلامية، لكن أخلاقه لم تتغير بعد، كذا تعامله المادي لم يتغير بعد، وما زال على طريقة أهل الباطل والجهل والظلم والعدوان، ولم يتغير في اعتقاداته بل زال بعيداً عن الفهم الصحيح للعقيدة وتطبيقها الحقيقي، كذلك التزام الحلال والحرام، وقضايا كثيرة جداً لم تزل موجودة على ما كانت عليه، فكثير من الدعاة يركز على جانب معين دون شمول باقي الجوانب، وهذا خطر بلا شك، فالدعوة الربانية حتى تكون دعوةً إلى الله صحيحة النسبة لابد أن تكون دعوة شاملة لمعاني الدين كله، فتغير الإنسان كفرد وتغيره كأمة، وهذا من أخطر ما يلام عليه الكثير من الدعاة، أعني: تقصيرهم باقتصارهم على إصلاح جانب معين من جوانب الفرد ومن جوانب الأمة دون بقية الجوانب، فيحصل النتوء في الشخصية بسبب أن فلاناً بالغ جداً في قضايا معينة، وربما كان الاهتمام بها في حجمها مشروعاً، ولكن أن تكون هي الإسلام الوحيد للإنسان، فأمر غير محتمل وغير مرضي أبداً، ولا يمكن أن يكون من سمات الشخصية المسلمة المتكاملة. وكذلك بعضنا يهتم بإصلاح الفرد ولا يهتم بإصلاح الأمة، بل يتعبد لله ويقول: ممنوع أن أتكلم في أمر الأمة، أو العقائد، أو البدع، أو السياسة، فبماذا يتكلم إذاً؟ أيتكلم في دعوة الناس إلى أن يذهبوا إلى المسجد ثم يخرجوا بعد ذلك إلى الدعوة، فأين إصلاح الأمة؟ وأين تغيير هؤلاء الأشخاص أنفسهم في الاعتقاد والعمل والسلوك والعبادة وسائر الأمور؟ فبعض الناس قد يهتم بجانب العبادة أو التهذيب، وقد يحصل بذلك خلل في الدعوة، فالدعوة الربانية هي التي تأخذ الدين كله، وتقوم به من جميع جوانبه للفرد وللأمة، فتكون الشخصية المسلمة، وتسعى في إيجاد الطائفة المؤمنة التي تقوم بفروض الكفاية. وكذلك يجب أن تكتسب الدعوة صفة العالمية، ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ [يوسف:١٠٤]، هذه قضية عظيمة ليست محلية. فكثير جداً من الدعوات تتأثر بالواقع الذي تعيشه، وتنعزل عما سواه، فتجد الذي يعرف الأزمة الجزائرية يقول لك: نريد أن نتجه بقضيتنا إلى طريقة اتجاه الجزأرة، يعني: نحن ملتزمون بالسنة والدين ولكن ليس لنا دخل في شيء آخر أبداً، وإنما نحن نختص بأنفسنا فقط. فأين هم ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ [يوسف:١٠٤]؟ إن شأن المسلم أن يكون شعاره: إن الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، فهل كان هذا تدخلاً في شئون دولة الفرس؟ نحن مأمورون بالتدخل لمصلحة الإنسان، ومأمورون بأن ننقذ الإنسان من ظلم الإنسان، وأن نخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد. والله تعالى أعلى وأعلم.

стр. 96

أدب الخلاف [٧] إن الخلاف في الأمور الاعتقادية والعملية قد يصل بصاحبه إلى أن يكفر بعينه، وفي بعض الأحيان تكفر الفرق بكليتها عند خلافها في بعض المسائل الاعتقادية والعملية، فقد أجمع أهل العلم على تكفير الباطنية والدروز والنصيرية والإسماعيلية وغلاة الجهمية.

стр. 97

الخلاف في الأمور الاعتقادية والعملية الذي يكفر به المعين الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فإن الخلاف في الأمور الاعتقادية والعلمية على مراتب وقد قسمه أهل العلم على ثلاثة أقسام: أولاً: ما يكفر به المخالف، والمقصود به المعين. ثانياً: ما يبدع فيه بالاتفاق، ويختلف على تكفير المعين فيه، والراجح أن أكثر المسائل من هذا النوع، ولابد من العلم فيها. ثالثاً: ما يبدع ولا يكفر فيه. إذًا: لدينا ثلاثة أنواع: الأول: تكفير المعين، والثاني: بدعة بالاتفاق، وبعض العلماء يكفر بالعلم وأكثرهم لا يكفر بالعلم. إذاً: هم متفقون على التبديع، وأن القول نفسه قول كفر في الأغلب، ولكن لا يكفر المعين قبل إقامة الحجة عليه؛ لعدم انتشار هذا النوع بين المسلمين. والثالث: أقرب إلى التكفير في الأمور الاعتقادية والعملية.

стр. 98

الفرق المتفق على تكفيرها نوعاً وعيناً نقول: الأصول الإجمالية لهذه الأمور الاعتقادية متفق عليها كالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، وهي معلومة بالضرورة، فلو أن رجلاً قال: لا يوجد ملائكة، ولا يوم آخر، ولا قدر، ولا كتب سماوية، فهو كافر إجماعاً، إذ لا يوجد مسلم يجهل هذا بلا خلاف بين أهل الملة، والمخالف ليس معدوداً ضمن أهل الملة، بل خروجه من الملة مجمع عليه عند أهل العلم، كالفرق الآتية: غلاة النفي والتعطيل في أسماء الله وصفاته، كالباطنية بأنواعها المختلفة كالعبيديين المعروفين في التاريخ بالفاطميين، والدروز والنصيرية والإسماعيلية، كل هذه الفرق تنبع منها غلاة النفي والتعطيل والرفض، وهم القائلون بألوهية غير الله؛ وهم في الصفات يقولون بنفي النقيضين، فيقولون: الله لا حي ولا ليس بحي لا موجود ولا ليس بموجود، ويشبهونه في الحقيقة بالمستحيل، وأقل منهم من شبهوه بالعدم، وهؤلاء يشبهونه بأسوأ من العدم وهو المستحيل، إذ ماذا يعني حي وليس بحي، وموجود وليس بموجود؟ فما هو الشيء الذي هو موجود وليس بموجود؟ إنه المستحيل، وهذا جمع بين النقيضين ونفي للنقيضين معاً، ولذلك صرفوا صفات الإله للإمام والعياذ بالله، فالدروز قالوا: إن الحاكم بأمر الله هو الله، وأتى الشاعر يقول له: ما شئت لا ما شاءت الأقدار فاحكم فأنت الواحد القهار فابتلاه الله بأن حكم عليه بالسجن حتى مات فيه، ويقال بأن اسمه المعز لدين الله، مع أنه غير معز لدين الله ولا هو فاطمي. وهذه الطوائف موجودة إلى يومنا مثل الدروز والإسماعيلية، بل معظم رؤساء الجيش التركي من النصيرية العلويين. كذلك الفلاسفة المؤمنون بذات الرب سبحانه يقولون: هو موجود، أما الذات فهم لا يثبتونها، وهم منكرون لخلق العالم، ويقولون: إنه قديم أزلي وحقيقة البعث والأجساد ينكرونها أيضاً، ويقولون: إن الأجساد لا تبعث. وهذا كلام ابن سيناء، وبسبب هذه المسائل كفره بعض العلماء صراحة؛ لأنها أصلاً معلومة من الدين بالضرورة، ولا يوجد أحد ينازع في إثبات ذات الرب . وكذا هناك غلاة الجهمية الذين يكذبون صريح القرآن، كمن يقول: لم يكلم الله موسى تكليماً، ولم يتخذ الله إبراهيم خليلاً، كـ الجعد بن درهم الذي قتله خالد بن عبد الله القسري، وهم ينفون كل أسماء الرب وصفاته، وكل هذه الفرق خارجة من الملة. فالمعتزلة مثلاً من لوازم قولهم: إن الله لم يكلم موسى تكليماً، نفي صفة الكلام لله، لكنهم لا يصرحون بأن الله لم يكلم موسى تكليماً، كما نقول: من لوازم كلام الصوفية: أن الأبدال والشيوخ آلهة، لكنه لو قال ذلك المتصوفة كفروا، مثل الذي يقول: ذاتي لذاتي صلت ولها ركوعي في كل سجدة فهذا يصرح بأن ذاته هي الإله، وكذلك القائل: لا إله إلا الله ما في الجبة إلا الله، ويمسك جبته، فهذا يصرح بالكفر؛ لأنه يقول شيء مخالف للقطعي المعلوم من الدين بالضرورة. وكذلك الحلولية والاتحادية المصرحون بأن ذات الرب سبحانه هي في ذوات المخلوقين، أو هي عين ذواتهم، فالحلولية يقولون: في ذوات المخلوقين، والاتحادية يقولون: هي عين ذواتهم. والاتحادية يقولون: الحلولية مخطئون؛ لأنهم يقولون بذاتين، ذات حلت في الثانية، ونحن نقول: هي ذات واحدة. حتى الكلاب والخنازير والأصنام، ولا خلاف في كفر هؤلاء، كمن يقول: وما الكلب والخنزير إلا إلهنا وما الله إلا راهب في كنيسة وآخر يقول: الرب عبد والعبد رب فيا ليت شعري من المكلف إن قلت عبد فذاك رب وإن قلت رب أنى يكلف وهذا كفر بواح، والعياذ بالله. وكذا من يقول في فتوحاته في سورة نوح عن قصد نوح من قوله: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ﴾ [نوح:٢٥]، أي: خطت بهم إلى المعرفة والعلم ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا﴾ [نوح:٢٥]، أي: أغرقوا في بحور العلم والفهم، ﴿فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾ [نوح:٢٥] أحرقت ذواتهم فلم يبق إلا ذات واحدة، ﴿فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا﴾ [نوح:٢٥]؛ لأنهم شهدوا اتحادهم بذات الرب. ومثل من يقول: إن فرعون كان على حق -وأنا أذكر المعاني وأما الألفاظ فهي موجودة في كتبهم- عندما قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]؛ لأنه كان صاحب الوقت، وكان مظهراً لأمر الله. وقال آخر: إن سيدنا موسى كان يغلط على هارون بقوله: ﴿قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا﴾ [طه:٩٢] أي: تاهوا في عظمة الله ﴿أَلَّا تَتَّبِعَنِ﴾ [طه:٩٣] على عدم الإنكار عليهم ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ [طه:٩٣] حين أنكرت عليهم؛ لأنهم عبدوا العجل، إذ كيف تنكر عليهم عبادة العجل؟ لأنه يقول: فيستوي عندي كعبة طائف وبيت أوثان ودير رهبان. كل هذا سواء، ومثل هذا أبيات ابن الفارض في التائية: وإن خر للأصنام في البيد عاكف فلا تعد بالإنكار بالعصبية أي: لا تنكر على أحد يعبد الأصنام، ثم بعد هذا نجد من يقول عنهم: أئمة الزهد والعشق والتصوف ومن قال هذا فهو كافر مثلهم، أما من أول كلامهم فهو ضال مبتدع، ولا نكفره طالما رفض كلامهم. ثالثاً: من يعتقدون بآلهة مدبرة للعالم مع الله تعالى في الضر والنفع والإحياء والإماتة، والشقاوة والسعادة والشفاء والرزق والأمر والنهي، ويصرف لها العبادة كغلاة الصوفية الذين يقولون: إن الأبدال يدبرون الكون، وما دام أن الله ترك لهم تدبير الكون فهم آلهة يعبدون. رابعاً: غلاة القدرية الأوائل، نفاة العلم الإلهي الذين يقولون: إن الله لا يعلم الأشياء حتى تقع، ويصرحون بأنه لا قدر. فلو قيل مثلاً: لا يوم آخر كفر، كذا لو قيل: لا قدر كفر بعينه. أما المعتزلة فقد قالوا كلامهم وأنكروا اللوازم، لكن لم يقولوا: لا قدر. كما فعل الصوفية؛ فإن كلامهم يلزم منه ذلك كمن يطلب من القبر المدد، وعندما تقول له: من الذي ينظم الكون؟ يقول لك: ربنا، وهذا كلام متناقض؛ إذ يلزم من فعله أن يكون صاحب المدد هو الذي يدبر الكون. وأذكر أن أخاً كان يقول لي بأنه حضر المولد في قريتهم، فصعد الخليفة يلقي كلمة بحضور المحافظ والمشايخ والوعاظ، فقال: إن ملك الموت أتى لقبض روح البدوي فنزل له في الأرض فصعد في السماء، فصعد إليه في السماء فنزل إلى الأرض، فذهب الملك يشتكي لله، وأنه أتعبه، فقال الله له: مدد يا بدوي والعياذ بالله! إن الشخص لا يتصور أن يوجد من يجرؤ على الكذب على الله إلى هذا الحد الذي يخرج من الملة، وكل من صفق له حينها أو أقر هذا فهو خارج من الملة، ولا نقول: إنه جاهل؛ وهل يجهل أحد أن الله يطلب المدد من عبد من عبيده؟ لا، ولا يحتمل الجهل بهذا أصلاً، بل هذا هو جهل أبي جهل، وجهل فرعون؛ إذ الجهل أنواع مختلفة. خامساً: غلاة الجبرية الذين يصرحون بنسبة الظلم إلى الله. يعني: أن ربنا ظلم العباد، ولا يوجد مسلم يقبل بهذا أبداً، لكن الذي يقول مثلاً: ظلمنا، أو يقول: قدر أحمق الخطى سحقت هامتي خطاه، ومعنى كلامه: القدر ظالم وأنا مدفون تحته، وهذا قول كامل الشناوي ونحن نقصد بالغلاة من يصرح بالظلم أو بالإباحية. يقول: فلا يحرمون ما علم تحريمه بالضرورة، فالزنا عنده غير حرام طالما وافق القدر، فمن وصل منهم لدرجة اليقين -الذي هو فوق القدر- فليس عليه واجبات ولا فرائض ولا غسل للجنابة ولا صلاة ولا يحرم عليه الزنا، وهؤلاء خارجون من الملة بالإجماع شخصياً بأعيانهم. جاءت إلي امرأة وقالت: إن زوجها يقول لها: لن أغتسل من الجنابة ولن أصوم رمضان، ولن أصلي الصلوات الخمس ونحو ذلك. ولو أتاني إنسان وقال لي هذا، لقلت له: إن هذه ليست زوجتك، وهذا ليس زوجك، وهو مرتد عن الإسلام، خارج من الملة، كمثل أتباع الرجل الذي ادعى الألوهية يعتبرون خارجين من الملة نوعاً وعيناً؛ لأنهم يقولون: إن ربنا يحل فيه. وهم كذلك يحللون المحرمات المعلومة من الدين بالضرورة، ولا يوجبون الفرائض المعلومة بالضرورة كالصلاة والصيام وارتفاع التكليف، ومثلهم الإباحية من غلاة الإرجاء، والإباحية إنما تفعل ذلك من طريق الجبر، أو الإرجاء، وأنه لا يكون مع الإيمان معصية، فيقول: أنا مؤمن كامل الإيمان طالما قلت: الزنا حرام والخمر حرام. فلا يلزمه أن يترك شرب الخمر، لكن يلزمه أنه يقول: الخمر حرام، وهذا هو قول الإباحية الذين كفرهم الإمام أحمد ﵀ وغيره. سادساً: غلاة الرافضة الذين يعتقدون الألهية في غير الله، كالعلويين في علي والحاكم بأمر الله، والطوائف الباطنية في أئمتهم. هؤلاء كفرة من جهتين: من جهة الأسماء والصفات، لقولهم بنفي النقيضين، ومن جهة الغلو في أئمة آل البيت. وكذلك الذين يعتقدون بنبي بعد محمد ﷺ غير عيسى ﵇، كالقديانية والبهائية، وهؤلاء هم من غلاة الشيعة الذين يعتقدون بنبوة الباب ثم البهاء والعياذ بالله، ويعتبرون البهاء تجلى عليه مظهر من مظاهر الإله، وكذلك من يعتقدون تحريف القرآن، ويرفعون الأئمة والأولياء فوق الأنبياء والمرسلين، وهؤلاء شر منهم، فمن يقول عن الأولياء: إنهم أنبياء. كافر، فضلاً عن قوله: إنهم أعلى من الأنبياء. وكذلك الذين يعتقدون أن الشريعة الإسلامية غير صالحة إما مطلقاً أو لهذا الزمان من العلمانيين المصرحين بالعلمانية، يعني: يقول: هذه الشريعة عبارة عن ضلالات القرون الوسطى، أو أنها كانت تصلح من قبل، لكن الآن لم تعد تصلح، ويفضل عليها شرائع البشر الوضعية، أو يساويها، أو يلزم الناس بها ويحرم عليهم شرع الله. ومثله من يعتقد مساواة الملل، وعدم بغض اليهود والنصارى. بما في ذلك من نقض لمسألة الولاء والبراء، ويقول: إن اليهود والنصارى ليسوا كفرة، هذه المسائل مما لا يختلف أهل السنة في تكفير المخالف للحق فيها، فضابط تكفير النوع والعين عندهم هو انتشار الأمر واستفاضة العلم به

стр. 99

ضوابط العذر بالجهل في المسائل الاعتقادية والعلمية إن ما لم ينتشر علمه بين عموم المسلمين في مكان ما ولو كان من هذه المسائل، فلا يكفر من يجهله حتى تقام عليه الحجة التي يكفر المخالف فيها، فيفرق في هذا النوع من المسائل بين كفر النوع وكفر العين، بخلاف ما انتشر علمه فلا فرق فيه بل يكفر نوعاً وعيناً، ومن هنا يتبين لك أن تكفير الغلاة من أهل البدع كغلاة الروافض والجهمية والفلاسفة وغيرهم مما ذكرنا هو في العموم بلا فرق بين النوع والعين؛ لأن العلم منتشر. وما ذكر من قبل في تكفير الطوائف نوعاً وعيناً هو باستقراء الواقع الذي نشاهده في زماننا وواقعنا، وهو كذلك في الأغلب الأعم عبر العصور والبلاد المختلفة إلا أن ذلك لا يعني أنه إن وجد من يحتمل جهله في شيء منها ببعض الأخطاء فلا بد من تكفيره بعينه -لا يعني هذا- بل ربما وجد في البعض من هذه المسائل اختلاف في كثير من البلاد، مثل مسألة عدم كفر اليهود والنصارى؛ فإن الشبه تقوى لدى كثيرين من جراء ما يضلل به المجرمون، وما يموه به مشائخ الضلال أتباعهم من المحبة والمودة والمساواة بين هذه الملل. ولكن ولله الحمد لا زال كثير من المسلمين لا زال عندهم مفاصلة في ذلك، فهم يعتقدون بلا شك أن الإسلام حق وما سواه باطل حتى الفساق منهم ولو كان حتى لا يظهره إلا أنه يكره الكفار من اليهود والنصارى ويكفرهم، ولكن الشبهة وردت من الفئة التي أتت بعد الثورة التي تبنت بعض مبادئ العلمانية، وعلى أي حال فإقامة الحجة في مثل هذه المسألة بتلاوة الآيات القاطعة في كفرهم، كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة:٧٣]، وقوله: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة:١٧]، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء:١٥٠ - ١٥١]. فمن يقول لك صراحة: إن الله لم يكلم موسى تكليماً، فهذا إنكار منه لصريح القرآن. أما في حق غلاة الصوفية فإننا نقصد بتكفير من صرح منهم بترك الأداء، وصرف العبادة للأولياء، كمن يقول: أنا ماذا أعبد؟ والعياذ بالله. أو كأصحاب الحلول والاتحاد، كمن قال: إن الله حل في فلان، ومن قال: أنا الله، أو كالقائل: أنا الله أمامك. فهذا معتقد لمبدأ الحلولية فلا شك في كفره حينئذ عيناً. أما من يصرف العبادة حقيقة دون أن يقر بذلك لفظاً، كمن سألته: هل تعبد البدوي يقول لك: لا أنا أعبد الله دون أن يقر بذلك لفظاً، كمن يسأل غير الله المدد والشفاء، ونحو ذلك، فإذا أنكر أنه يعبده، وأنه عنده وسيلة فقط، فهذا لا نشك في بلادنا إلى الحاجة إلى إقامة الحجة فيه على المخالف قبل تكفيره بعينه، وإن كان لا خلاف عند أهل الحق في كفر هذا النوع في هذه المسائل، أما في بلاد المملكة العربية السعودية فإنه يظهر جلياً أن الحجة قد قامت بهذا على كل أحد؛ إذ يعلَم الناس جميعاً صغيرهم وكبيرهم مسائل التوحيد، فلو قال ذلك من نشأ في ذلك المجتمع فإنه يكفر بعينه، والله اعلم. كلام الإمام الطهطاوي بعد أن ذكر أن مانعي الزكاة في عهد أبي بكر ﵁ هم أهل بغي على الحقيقة، قال: فإن قيل: كيف تأولت أمر هذه الطائفة التي منعت الزكاة وجعلتهم أهل بغي؟ وهل إذا أنكرت طائفة من المسلمين في زماننا فرض الزكاة وامتنعوا عن أدائها يكون حكمهم كحكم أولئك؟ قلنا: لا، فإن من أنكر فرض الزكاة في هذه الأزمان كان كافراً بإجماع المسلمين، والفرق بين هؤلاء وأولئك: أنهم عذروا بأمور لا يحدث مثلها في هذا الزمان، منها: قرب العهد بزمان الشريعة التي كان يقع فيها تبديل الأحكام والنسخ. ومنها: أن القوم كانوا جهالاً في أمور الدين، وكان عهدهم بالإسلام قريباً، فدخلتهم الشبهة لضعفهم، فأما اليوم وقد شاع دين الإسلام، واستفاض في المسلمين علم وجوب الزكاة حتى عند الخاص والعام، واشترك فيه العالم والجاهل، فلا يعذر أحد بتأويل يتأوله في إنكارها، وكذلك الأمر في كل من أنكر شيئاً مما أجمعت عليه الأمة من أمور الدين إذا كان علمه منتشراً، كصلاة القصر وصوم شهر رمضان، وتحريم الزنا والخمر، ونكاح ذوات المحارم ومثلها من الأحكام، إلا أن يكون رجلاً حديث عهد بالإسلام، ولا يعرف حدوده؛ فإنه إذا أنكر شيئاً منه جهلاً به لم يكفر، وكان سبيله سبيل أولئك القوم في بقاء اسم الدين عليه. أما ما كان الإجماع فيه معلوماً من طريق علم الخاصة، كتحريم زواج المرأة على عمتها وخالتها، وأن القاتل عمداً لا يرث، وأن للجدة السدس، وما أشبه ذلك من الأحكام؛ فإن من أنكرها لا يكفر، بل يعذر فيها لعدم استفاضة علمها في العامة. هذا كلام الطهطاوي نقلاً عن مراتب الإجماع. قال ابن قدامة: لا خلاف بين أهل العلم في كفر من تركها - يعني الصلاة- جاحداً لوجوبها إذا كان ممن لا يجهل مثله ذلك، فإن كان ممن لا يعرف الوضوء كحديث الإسلام، والناشئ في غير دار الإسلام، أو بادية بعيدة عن الأمصار وأهل العلم لم يحكم بكفره، ويعرَّف ذلك، وتذكر له أدلة وجوبها؛ فإن جحدها بعد ذلك كفر. وأما إذا كان الجاحد ناشئاً في الأمصار بين أهل العلم؛ فإنه يكفر بمجرد جحدها. انتهى من المغني. قال ابن حزم في الفصل: وأما من قال: إن الله هو فلان لإنسان بعينه، أو إن الله تعالى يحل في جسم خلقه، أو إن بعد محمد ﷺ نبياً غير عيسى بن مريم؛ فإنه لا يختلف اثنان في تكفيره؛ لصحة قيام الحجة بكل هذا على كل أحد. ولو أمكن أن يوجد أحد يدين بهذا لم يبلغه قط خلافه لما وجب تكفيره حتى تقوم الحجة عليه.

стр. 100

أدب الخلاف [٨] من مراتب خلاف التضاد غير السائغ ما يبدع صاحبه عيناً مع تكفير النوع، ومن الفرق التي كفرت أنواعها ولم يكفر أعيان أتباعها المعتزلة والرافضة غير الغلاة والقدرية والجبرية من غير الإباحية منهم والصوفية غير الغلاة. والأقوال البدعية لهذه الفرق هي أقواك كفرية، ولكن لانتشار الجهل بين أفرادها عدل عن تكفير الأعيان إلى تبديعهم حتى تقام عليهم الحجة.

стр. 101

الخلاف في الأمور الاعتقادية والعملية الذي اتفق فيه على تبديع العين وتكفير النوع الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، أما بعد: سبق وأن ذكرنا الفرق المتفق على تكفيرها نوعاً وعيناً، وأنها خارج الثنتين والسبعين فرقة، بل خارجة عن ملة الإسلام بالكلية. أما النوع الثاني من البدع فهو: الأمور الاعتقادية والعلمية التي يبدع فيها المخالف باتفاق العلماء، ولكن يختلفون في تكفيره -أي: المعين- والبعض قد يطلق أن خلاف التكفير حتى في النوع، وهذه مسألة مما اشتبهت على كثير من المتأخرين، وظن خاطئ ظنه بعض المتأخرين من كلام الأئمة المتقدمين كالإمام أحمد وغيره من العلماء حين تكلموا على تكفير من قال بخلق القرآن مثلاً، وتكفير من أنكر الاستواء أو نحو هذا ممن لا يصرح بنقيض القرآن؛ فمن صرح بنقيض القرآن فهو كافر باتفاق. لكن هؤلاء اختلف فيهم العلماء المتأخرون، وذلك أن من العلماء من أطلق كفر من قال هذا، ولكن في نفس الوقت وجد أنه لا يعامل من قال بهذه الأقوال -حتى من دعا الناس إليها- معاملة الكافر، فالإمام أحمد يقول بتكفير من قال بخلق القرآن، وهو في نفس الوقت لما سألوه عن الخروج على الخليفة؟ قال: لا ننزع يداً من طاعة، وذكر الأحاديث في عدم الخروج على الإمام المسلم، وكان يقول عنه: أمير المؤمنين، وهذا يدل على عدم تكفيره، ومن هنا قال بعض العلماء: إن للإمام قولان: قول بالتكفير، وقول بعدم التكفير، أو أن أكثرهم قالوا: إن الراجح عدم التكفير، والصحيح أن قوله بالتكفير يحمل على كفر دون كفر، وهذا قول غير صحيح؛ فإن المتأمل في نصوص العلماء وكلامهم يدل على أنهم يقصدون الكفر الناقل عن الملة، وأقوالهم في كفر من قام بالبدع الغليظة كبدعة القدر ونفي الأسماء والصفات أو الجهمية والمعتزلة ونحو ذلك ظاهرة، وبين المسألة شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وهو أنه إنما قصد الإمام كفر النوع، وأما تكفير المعين فإنه امتنع منه لانتفاء بعض شروط التكفير، ولوجود مانع من موانع التكفير، مع أن الفعل والقول هو قول كفري. وهذا أصح الأقوال في هذه المسألة. لكن هل المسألة اختلفت فيها أنظار العلماء؟ نعم، فنجد مثلاً المنقول عن الشافعي ﵀ وعن كل الشافعية: أن جميع أهل الأهواء لا يكفرون، وذلك أن الإمام الشافعي قبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية؛ لأنهم طائفة من الشيعة يستحلون الكذب، فدل ذلك على أنه لا يكفر الرافضة، وهذا ظاهر في تصرفات الأئمة عموماً، ولم يزل الرافضة موجودون في وسط أهل السنة ولم يطلب ولم يسع العلماء إلى إقامة حد الردة عليه مع أن في كلامهم من الكفر ما هو معلوم. إذاً: الراجح في هذا النوع الثاني أنه مما يبدع فيه باتفاق أهل السنة. أما أنه كافر أو غير كافر فهذا فيه اختلاف، والراجح أنه لا يكفر المعين، ويقال بكفر النوع، فأصح الأقوال وسط ما بين قولين: القول الأول: وهو يقول بكفر هؤلاء، خصوصاً الرافضة والجهمية؛ فإن من العلماء من أخرجهم من الثنتين والسبعين فرقة، وقال بكفر النوع كالخوارج، وطائفة من أهل الحديث كفرت الخوارج بالذات. القول الثاني يقول بعدم التكفير، وأن هذا كفر دون كفر، إذاً: هو يكفر النوع والعين. والراجح في الباب: أنه كافر نوعاً لا عيناً، وأن من قال كذا فهو كافر، وأما فلان من الناس فلا بد من استيفاء الشروط وانتفاء الموانع، وهي: أولاً: البلوغ، فلو كان صغيراً، كان الصغر مانعاً من موانع التكفير. ثانياً: العقل والتكليف: فلو كان مجنوناً فهذا مانع من موانع التكفير ولو كان عاقلاً فهذا شرط من شروطه. ثالثاً: الاستيقاظ: فلو تكلم بالكفر وهو نائم فذلك مرفوع عنه القلم حتى يستيقظ. رابعاً: القصد الذي ضده الخطأ، فلو أنه قال كفراً خطأ بالتلفظ، كمن قال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، فهذا مانع من موانع التكفير، والقصد من شروط التكفير، والخطأ من موانعه. خامساً: النسيان من موانع التكفير والتذكر من شروطه: كمن أسقط آية ناسياً. سادساً: بلوغ الحجة التي يكفر المخالف لها شرط من شروط التكفير. سابعاً: وجود الجهل الناشئ عن عدم البلاغ مانع من موانع التكفير. ثامناً: الإكراه وعدم الاختيار، وعدم التأويل من شروط التكفير. هذا بالنسبة للمعين. فهذه الثمانية التي تعرض لأهلية الإنسان فتجعله لا يحاسب على تصرفاته كما يحاسب من اكتملت أهليته في الدنيا. إذاً: الراجح في هذا الباب هو القول الوسط ما بين القولين، وهو ترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية: أنه كافر نوعاً وليس عيناً. ونعني بقولنا: ليس عيناً: أنه يمكن أن يكفر الشخص إذا أقيمت عليه الحجة وثبتت، ونفيت شبهة التأويل التي عنده، وأزيلت الشبهة بحق. وقد عرفهم بقوله: هم المقرون بأصول الإيمان إجمالاً. وقد ذكرنا النوع الأول المتفق عليه نوعاً وعيناً: أنهم ينكرون أحد أصول الإيمان إجمالاً، كمن يقول: إن ربنا إنسان بعينه، أو يخالف في النبوة، أو يقول: لا قدر، بخلاف من قال: أنا أؤمن بالقدر، ولكنه يفسره على نفي القدر مثل المعتزلة، فهؤلاء يقرون في الجملة بأصول الإيمان الستة، فيقولون: هناك إيمان بالله والملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر والقدر خيره وشره، وهم مخالفون لفهم أهل السنة في أصل كلي من أصول الاعتقاد كالأسماء والصفات، وهي مخالفة في أصل الدين، ونذكر على سبيل المثال: لو خالف شخص في مسألة من ضمن مسائل الإيمان باليوم الآخر، فأنكر المسيح الدجال، فقد ارتكب بدعة، لكن لم يصبح فرقة من الفرق النارية؛ لأنها جزئية يسيرة، لكن عندما يخالف في أصل كلي فهذا لا شك أنه من الفرق النارية. فضابط الحكم عليه: أنه يخالف أصلاً كلياً، أو في فروع كثيرة جداً تجتمع وتصل إلى مرتبة الأصل الكلي، والأصول هذه مبناها على الأسماء والصفات، والقدر، والإيمان بالوعد والوعيد -أي: الإيمان والكفر- والاعتقاد في الصحابة. هذه أربع مسائل كبرى حصل فيها الافتراق: قضايا الأسماء والصفات، وقضايا القضاء والقدر، وقضايا الإيمان بالوعد والوعيد الذي هو مسمى الإيمان وحقيقته، هل هو: قول وعمل، أو قول فقط، أو اعتقاد فقط أو كل عمل من الأعمال ركن من أركان الإيمان يزول بزواله إذا تركه، وهذا قول المعتزلة والخوارج. والاعتقاد في الصحابة والإمامة وأهل بيت النبي ﵊، ومن الأئمة بعد رسول الله ﷺ ؟ أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي.

стр. 102

أمثلة لكفار النوع من أمثلة كفار النوع: المعتزلة الذين يثبتون الأسماء وينفون الصفات، وهؤلاء قد انقرضوا إلا بعض العقلانيين المتأثرين بهم في بعض الجامعات، وهم موجودون لكن بقلة، وليسوا منتشرين في عامة المسلمين، وليس هناك أحد يمتحن الناس أو يدعو الناس لذلك علانية، والمنتشر ممن يتدين بهذا الدين الأشاعرة، لكن هؤلاء الأشاعرة ليسوا من الفرق المختلف في تكفيرها، وعامة أهل العلم لا يكفرون الأشاعرة. كذلك الخوارج الذين يكفرون الصحابة ﵃، ويكفرون مرتكب الكبيرة، ويخلدونه في النار، وهؤلاء مثل الإباضية الذين ينتشرون في عمان وليبيا، وكفرق التكفير المعاصرة -مثل جماعة شكري مصطفى وأمثالها- هي من فرق الخوارج وتصرح بتكفير مرتكب الكبيرة ونحو ذلك. ومن الأمثلة: الرافضة الذين يسبون الصحابة ﵃، وربما كفروا بعضهم، ويسبون أبا بكر وعمر، ويعتقدون أن أول الخلفاء علي بن أبي طالب ﵁، وهم الإمامية الإثنا عشرية، وهم منتشرون بالعراق وإيران، وبعض الجمهوريات الإسلامية في آسيا. ومن الأمثلة: القدرية الذين يثبتون علم الله، وكتابة المقادير، وينفون المشيئة، وخلقه تعالى لأفعال العباد، وهذه العقيدة للأسف تنتشر بين أوساط من يسمون بالمثقفين في بلادنا وغيرها، بل وينصرها بعض المشايخ الذين يتصدرون للدعوة في بعض الجماعات، وهناك كتاب سيئ صاحبه اسمه مصطفى درويش من أنصار السنة، دافع فيه عن القدرية، مع أنه منتسب لجماعة سنية، والشيخ الشعراوي في كتاب القضاء والقدر خلاصة كلامه يدل على إثبات عقيدة القدرية أيضاً، وإن كان هو في أماكن أخرى يتكلم كلاماً حسناً، لكنه في كتاب القضاء والقدر الذي هو أول لقاءاته واشتهر به، ينقل فيه عقيدة القدرية. ومن الأمثلة: الجبرية وإن كان يفترض أن القدرية تذكر في مقابل الجبرية. أما من يصل إلى درجة الإباحية من الجبرية، ويقول: إن المعاصي لا تضر فهو كافر من النوع الأول. ومن الأمثلة: الصوفية الذين يطوفون بقبور الأولياء، ويطلبون منهم المدد، ويذبحون لهم وينذرون، وهؤلاء مختلف في تكفيرهم وذكروا في هذا الباب، وإن كان النوع بلا شك كفر، ولكن الخلاف على أساس انتشار الجهل في هذا الأمر في كثير من المتأخرين منع من الحكم عليهم بالتكفير، فهم أولاً ذكروا في النوع الأول ضمن غلاة الصوفية، الذين يقولون: أنا أعبد الولي فلاناً، ويصرح بعبادة غير الله، أو يصرح أنه الله، أو أن الولي فلاناً هو الله، فهؤلاء لا يوجد نزاع بأنهم كفار نوعاً وعيناً، أما هؤلاء ممن يطوفون بالقبور عندما تقول له: هل أنت تعبد البدوي؟ يقول لك: أعوذ بالله، أنا لا أعبد البدوي. فهو يأبى أن يقر بعبادة غير الله، مع أن هذا الذي يفعله عبادة، تماماً كالرافضي الذي يسب أبا بكر ﵁، فهذا تكذيب للقرآن ومناقضة له، لكن هل يلتزم ذلك، ويصرح بأنه يخالف القرآن؟ لا، وإذا كان هكذا فقد خرج من الملة في ساعته وتوه، لكنه يقول لك: هذا الكلام غير صحيح، أو أنه يؤول الكلام على غير وجهه، ويقول لك: هذا لما كان مع الرسول ﷺ ، ثم ارتد، ويحرف معنى الكلام، ومثل اعتقاد الخوارج كفر علي بن أبي طالب والصحابة، فهذا يعتبر كفراً، ومعلوم بلا شك أن الشرع أتى بخلاف عقائدهم، بل مقطوع بكفر هذا القول، والرسول ﷺ أخبر بخروجهم من الدين، ومن تقام عليه الحجة منهم ثم يصر على هذه العقائد فهو كافر. فالصوفي يقول: أنا أعمل هذا العمل تبركاً بالولي، وأنا لا أذبح له تعظيماً له وعبادة له، ومن فعل ذلك فهو كافر، أما من لا يعلم أن الذبح عبادة، فلا بد من إقامة الحجة عليه. أما من يذبح لله عند البدوي، فهذه بدعة وضلالة، ومما لا يختلف في عدم تكفيره، وهو غير مشرك باتفاق، لكن هذا ذريعة إلى الشرك والكفر. والصحيح في هذا النوع من الخلاف: أن هذه الأقوال البدعية أقوال كفرية، ولكن لكثرة الجهل، وانتشار البدع، وعدم تميز أصحاب العقائد الكفرية عن غيرهم من أهل البدع غير المكفرة لم يُمكن إطلاق الكفر على عمومهم وعوامهم قبل إقامة الحجة على أعيانهم، فمثلاً الدروز طائفة كافرة بأعيان أفرادها، وهي متميزة بالعقيدة الكفرية المخالفة للمعلوم بالضرورة كما سبق في النوع الأول، وكذا الإسماعيلية والبهرة والقاديانية والبهائية، أما الروافض فما في كتبهم كالكافي وغيره كفر بلا نزاع، ولكن كثيراً منهم بل جُلُّ عوامهم لا يعرفون شيئاً عنها ولا عن غيرها، بل هؤلاء من أجهل الجهلة، وهم كما لو قلنا: عوام المسلمين من أهل السنة ماذا يعرفون عن البخاري؟ هم يعظمون البخاري، لكنهم لا يعرفون شيئاً عن حياته، لكن هؤلاء مع ذلك أعلم من الشيعة، فعوام أهل السنة كثير منهم عرب، ويدركون كثيراً جداً من المعاني عندما يقرءونها، أما الروافض فمعظمهم من الأعاجم، حتى عندما يقرأ القرآن لا يفهمه، فضلاً عما هو في تلك الكتب الكفرية، فمعظمهم لا يعرفون شيئاً عنها، إنما عنده أن الكافي كتاب عظيم القدر، أو هو الكتاب المعتمد الأول بعد القرآن، فهم لا يعرفون عن هذه الكتب شيئاً ولا عن غيرها، وإنما هم مقلدون لأئمتهم في الضلال، ولا يثبت أن الحجة قد قامت على أعيانهم في سب أبي بكر وعمر، ولو ثبتت إقامة الحجة على أحدهم يكفر؛ فالراجح عدم تكفير عوامهم، أو عدم تكفيرهم بالعموم، ولذلك لو أنهم يحجون ويصومون ويصلون معنا، ولا يعلمون شيئاً عما في كتبهم، فهم منا، ولكنهم يبغضون على بدعتهم، ولا يحكم أن هذه الفرقة كلها كافرة؛ لأن فيهم من لم تقم عليه الحجة، وهكذا الصوفية، فلا شك في كفر كثير من أقوالهم، ولكن يوجد فيهم من لا يعتقد هذه الأقوال الكفرية، ويوجد في من يعتقدها من يتأول الأدلة تأويلاً لا يصل في حقه أن يكون مخالفاً للمستفيض المعلوم بالضرورة، فهو يتأول الأدلة بطريقة تجعلنا نقول: تأويله هذا لا بد فيه من أن تقام عليه الحجة، أو تزال شبهاته قبل أن يحكم عليه بالكفر، لأنه غير مخالف للمعلوم بالدين بالضرورة في حقه هو. أما صاحب الكافي الكليني فالظاهر أنه زنديق منافق، ومن قرأ كلامه يكاد يجزم بكفره، وهذه قناعة أكيدة في أن هذه بدعة، كما لا شك أن مؤلف هذا الكتاب زنديق منافق في الدرك الأسفل من النار. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ونحن نعلم بالضرورة أن رسول الله ﷺ لم يشرع لأمته أن يدعوا أحداً من الأحياء والأموات، ولا الأنبياء ولا غيرهم، لا بلفظ الاستعانة، ولا بلفظ الاستغاثة، ولا بغيرهما، كما أنه لم يشرع لهم ﷺ السجود لميت ولا إلى ميت -يعني: إلى قبر يستقبله- ونحو ذلك، بل نعلم أنه نهى عن ذلك كله، وأنه من الشرك الذي حرمه الله ورسوله ﷺ ، لكن لغلبة الجهل وقلة العلم بآثار الرسالة في كثير من المتأخرين لم يمكن تكفيرهم بذلك حتى يبين لهم ما جاء به ﷺ . لأن البعض مثل أبي بصير، وهو من مؤلفي كثير من الكتب والرسائل في الدعوة الوهابية، وكثير ممن تبعه على ذلك، يقول: إن العذر بالجهل يدخل في المسائل الخفية كبعض مسائل الصلاة والوضوء. وهذا كلام خطأ، فإن مسائل الوضوء والصلاة ليست من مسائل التكفير أصلاً، ولكن الذي يقول: إن هذا كفر لا بد أن يكون في مسائل الاعتقاد، أو مسائل عملية مشهورة جداً، ومع ذلك فالأمر عند شيخ الإسلام ابن تيمية أن الاستغاثة بالأموات، والاستعانة بهم، والسجود لهم وإليهم هذا لا يكفر به حتى تقام الحجة، وهذا واضح من كلام شيخ الإسلام: لكن لغلبة الجهل وقلة العلم بآثار الرسالة في كثير من المتأخرين لم يمكن تكفيرهم بذلك حتى يبين لهم ما جاء به ﷺ .

стр. 103

الحكم على الفرق المنشئة للبدع وقال أيضاً ﵀: وأما القدرية المقرون بالعلم، والروافض الذين ليسوا من الغالية، أي: الذين لا يقولون: إن علياً هو الله، أو إنه النبي، أو بتحريف القرآن، فهؤلاء الغلاة من النوع الأول. يقول: والجهمية، والخوارج -قصده بالجهمية المعتزلة- فيذكر عنه -يعني: عن الإمام أحمد ﵀ في تكفيرهم روايتان، هذا حقيقة قوله المطلق مع أن الغالب عليه -يعني: الإمام أحمد - التوقف عن تكفير القدرية المقرين بالعلم والخوارج. ما الذي جعل الإمام أحمد يتوقف عن تكفير الخوارج، مع أن الأدلة في تكفيرهم فيها قوة؟ سبب ذلك: أن علي بن أبي طالب ﵁ لم يكن يكفرهم، وهم كفروه شخصياً، حتى الصحابة الذين كانوا معه لم يكفروهم، وهو إنما قاتلهم عندما سفكوا الدم الحرام، فهم أظهروا البدعة أولاً، وكفروه، ومع هذا ما قاتلهم، ولما قاتلهم لم يقسم أموالهم، مع أن شيخ الإسلام يرجح أنه قسم أموالهم، وبالإجماع أنه لم يسب نساءهم، والذي بقي منهم أمر بتفريقه في البلاد، وهذه كلها معاملة تدل على عدم تكفيره لهم، ثم قد أتت الأحاديث بإثبات أنه شك في آخرهم، فهذا يدل على أن كثيراً من الرؤساء خرجوا بالفعل، لكن لوجود شك في الأتباع المتأخرين العوام يمتنع التكفير بالعموم. يقول: والغالب على الإمام أحمد التوقف عن تكفير القدرية المقرين بالعلم، والخوارج مع قوله: ما أعلم قوماً شراً من الخوارج. ثم طائفة من أصحابه يحكون عنه في تكفير أهل البدع مطلقاً روايتين، حتى يجعلوا المرجئة داخلين في ذلك وليس الأمر كذلك -أي المرجئة الذين ليسوا إباحية- وعنه في تكفير من لا يكَّفر روايتان: أصحهما لا يكَّفر، وربما جعل بعضهم الخلاف في تكفير من لا يكَّفر مطلقاً وهو خطأ محض. والجهمية عند كثير من السلف مثل: عبد الله بن المبارك ويوسف بن أسباط وطائفة من أصحاب الإمام أحمد وغيرهم ليسوا من الثنتين والسبعين فرقة التي افترقت عليها هذه الأمة، فالأصول الكفرية منشؤها من عند الخوارج والشيعة والمرجئة والقدرية. يعني: أصول الفرق الضالة الاثنين والسبعين: الخوارج، والشيعة، والمرجئة، والقدرية، ويخرجون الجهمية خارج الثنتين والسبعين فرقة، لكن قلنا: الراجح أن هؤلاء ضمن الثنتين والسبعين، وغلاة الجهمية هم الكفار الخارجون عن الثنتين والسبعين، وهم الحلولية الذين يصرحون بنقيض القرآن، ويقولون: لم يستو الله على العرش. ولا شك أن هذا هو الراجح. أما المعتزلة الذين خلاصة قولهم ولازمه هو قول الجهمية لكنهم لا يلتزمون به، فلا يقولون: لم يستو الله على العرش، لكن يقولون: استوى بمعنى: استولى، فهناك فرق بين الاثنين. فيقول: إن الإمام أحمد يتوقف في تكفير هؤلاء. يقول: وهذا المأثور عن أحمد، وهو المأثور عن عامة أئمة السنة والحديث أنهم كانوا يقولون: من قال القرآن مخلوق فهو كافر، ومن قال: إن الله لا يرى في الآخرة فهو كافر، ثم حكى أبو نصر السجزي عنهم في هذا قولين: أحدهما: أنه كفر ينقل عن الملة وهو قول الأكثرين. والثاني: أنه كفر لا ينقل، ولذلك قال الخطابي: إن هذا قالوه على سبيل التغليظ. إلى أن قال: وسبب هذا التنازع تعارض الأدلة؛ فإنهم يرون أدلة توجب إلحاق أحكام الكفر بهم، ثم إنهم يرون من الأعيان - الأفراد- الذين قالوا تلك المقالات من قام به من الإيمان ما يمتنع معه أن يكون كافراً. كرجل يحافظ على الصلاة والصيام وتعظيم الشرع، بل ربما يأمر بقتل المخالف تعظيماً للشرع، وتجده يقرأ القرآن، فيقول: هذا يمنع أن يكون كافراً. يقول: فتعارض عندهم الدليلان وحقيقة الأمر أنهم أصابهم في ألفاظ العموم في كلام الأئمة ما أصاب الأولين في ألفاظ العموم في نصوص الشرع، كلما رأوهم قالوا: من قال كذا فهو كافر -يعني: كلما رأوا أن الأئمة يقولون: من قال كذا فهو كافر- اعتقد المستمع أن هذا اللفظ شامل لكل من قاله -يعني: لا يوجد فرق بين النوع والعين- ولم يتدبروا أن التكفير له شروط وموانع قد تنتفي في حق المعين، وأن تكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع. وهي الثمانية التي ذكرناها. يبين هذا أن الإمام أحمد وعامة الأئمة الذين أطلقوا هذه العمومات لم يكفروا أكثر من تكلم بهذا الكلام بعينه -أمثال الذين قالوا: القرآن مخلوق، في عصرهم- وتفوهوا بما وصفه الأئمة بأنه كفر، ومع ذلك امتنعوا عن التكفير للعين. قال: وأيضاً فإن الكتاب والسنة قد دلا على أن الله لا يعذب أحداً إلا بعد إبلاغ الرسالة، فمن لم تبلغه جملة لم يعذب أصلاً، ومن بلغته جملة دون بعض التفصيل لم يعذبه إلا على إنكار ما قامت به الحجة بذلك. هذا من أهم الكلام الذي لا بد من فهمه من حيث الجملة والتفصيل، فعندما يقول مبتدع ضال من فرق التكفير: لم لا تعذرون اليهود والنصارى بالجهل، وكذلك الذي يطوف بالقبور، أو يذبح لها، أو يتحاكم لغير الشرع جاهلاً أو متأولاً؟ فنقول له: لأن هذا بلغه الإجمال فكذب به، أي: اليهودي والنصراني، بخلاف هذا فقد بلغه الإجمال وصدق به، لكن لم يبلغه التفصيل. وقال أيضاً: وأهل السنة والجماعة متفقون على أن المعروفين بالخير كالصحابة وغيرهم من أهل الجمل وصفين من الجانبين لا يفسق أحد منهم فضلاً عن أن يكفر. قال: مع العلم بأن كثيراً من المبتدعة منافقون النفاق الأكبر، وأولئك كفار في الدرك الأسفل من النار، فما أكثر ما يوجد في الرافضة والجهمية ونحوهم زنادقة منافقون، بل أصل هذه البدع هو من المنافقين والزنادقة ممن يكون أصل زندقته عن الصابئين والمشركين -هؤلاء أصلاً الذين اخترعوا هذه البدعة تدثروا بالإسلام، ولأجل أن يخدعوا الناس ألفوا هذه البدعة- فهؤلاء كفار في الباطن، ومن علم حاله فهو كافر في الظاهر أيضاً. إلى أن قال: فتكفير المعين من هؤلاء الجهال وأمثالهم بحيث يحكم عليه بأنه من الكفار لا يجوز الإقدام عليه إلا بعد أن تقوم على أحدهم الحجة بالرسالة التي يبين بها لهم أنهم مخالفون للرسل، وإن كانت هذه المقالة لا ريب أنها كفر -لكن الشخص القائل لها يبين له أولاً- وهذا كلام في تكفير جميع المعينين مع أن بعض هذه البدع أشد من بعض، وبعض المبتدعة يكون فيه من الإيمان ما ليس في بعض، فليس لأحد أن يكفر أحداً من المسلمين وإن أخطأ وغلط حتى تقوم عليه الحجة وتبين له، ومن ثبت إيمانه بيقين لم يزل عنه بالشك، بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة وإزالة الشبهة. انتهى مختصراً من الجزء الثاني عشر في الفتاوى (من ٤١٤ إلى ٥٠١). وينبغي أن يدخل في هذا النوع من الخلاف غير السائغ: الخلاف في حكم من يُلزم الناس بقول مخالف لشريعة الإسلام في التشريع العام، ويحتمه عليهم، فلا شك أن هذا من الكفر الأكبر. أما تكفير المعين فمبناه على استيفاء الشروط وانتفاء الموانع. كقاضٍ يحكم بغير ما أنزل الله، مع أنه يصلي ويصوم ويخاف الله، ولكنه متأول، أو أن بعض المشايخ قال له: دافع عن الإسلام في هذا المكان، ولعلك تقلل من الشر، وهل هو سيدافع فعلاً أم أنه سيقع في الكفر؟! هذا كلام خطير جداً، فهذا المفتي أجهل من القاضي؛ لأنه يفتيه بأن عمله هذا صحيح، وهذا بلا شك كلام عظيم النكارة، بل هو كلام كفر في الحقيقة.

стр. 104

التوسل الممنوع ومراتبه من هذا النوع التوسل البدعي بطلب الدعاء من الأموات والغائبين. نحن قلنا بأن دعاء غير الله، وطلب المدد من النوع الوسط، وهو كفر النوع، والمعين يحتاج إلى إقامة الحجة عليه. فمن يقول للشيخ: يا شيخ فلان! ادع الله لي، فهذا بدعة بالاتفاق، لكن من جهة أنه كفر فهو ليس بكفر؛ لأنه لم يصرف العبادة لغير الله، ونحن نقول: الشرك والكفر لا بد أن يكون فيه صرف للعبادة لغير الله، أو تكذيب للرسول ﷺ ، من أجل هذا نقول: إن التوسل البدعي بطلب الدعاء من الأموات والغائبين كقوله: يا سيدي فلان! ادع الله لي. هذا شرك أصغر؛ لأنه ذريعة إلى الشرك الأكبر، ولا يكفر صاحبه باتفاق؛ لأنه لم يصرف العبادة لغير الله، وإنما خاطب الميت بما لا يشرع، فقد ذكر شيخ الإسلام في قاعدة جليلة: أن مراتب التوسل غير المشروع ثلاثة: الأولى: أن يدعو غير الله وهو ميت أو غائب، سواء كان من الأنبياء والصالحين أو غيرهم، فيقول: يا سيدي فلان! أغثني أو أنا أستجير بك، أو أستغيث بك، أو انصرني على عدوي، وأعظم من ذلك أن يقول: اغفر لي وتب علي، كما يفعله طائفة من الجهال المشركين، فهذا شرك بهم، وإن كان يقع كثير من الناس في بعضه، وهذا إذا كان جاهلاً لا يكفر حتى تقام عليه الحجة. الثانية: أن يقال للميت أو الغائب من الأنبياء والصالحين: ادع الله لي، أو ادع لنا ربك، أو اسأل الله لنا، كما تقول النصارى لمريم وغيرها، فهذا لا يستريب عالم أنه غير جائز، وأنه من البدع التي لم يفعلها أحد من سلف الأمة. وقال: فعلم أنه لا يجوز أن يسأل الميت شيئاً، لا يطلب منه أن يدعو الله ولا غير ذلك، ولا يجوز أن يشتكى إليه شيء من مصائب الدنيا والدين، ولو جاز أن يشتكى إليه ذلك في حياته فإن ذلك في حياته لا يفضي إلى الشرك، وهذا يفضي إلى الشرك. وواضح جداً في أن هذا من الذارئع وليس من الشرك. الثالثة: أن يقول: أسألك بفلان أو بجاه فلان عندك ونحو ذلك، فهذا الذي تقدم عن أبي حنيفة وعن أبي يوسف وغيرهما أنه منهي عنه، وتقدم أيضاً أن هذا ليس بمشهور عن الصحابة، بل عدلوا عنه إلى التوسل بدعاء العباس وغيره. وهذا النوع الأخير فيه خلاف، والراجح فيه أنه بدعة، ولكن هذه من مسائل النوع الثاني من أنواع الاختلاف، وهو الذي يعد من الخلاف السائغ، مع ترجيحنا لبدعيته. ونقلنا قبل هذا كلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب في هذا الباب، وأن هذا الخلاف منقول عن الإمام أحمد في المناسك، رواه المروزي عنه، وكذلك العز بن عبد السلام والشوكاني ومحمد بن عبد الوهاب ﵀ يقول: إننا نرى أن هذا بدعة، لكننا لا نبدع ولا ننكر على فاعله بالتغليظ، كما في الجزء الرابع صفحة ستة وثمانين من مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، فهو يصرح بأن هذه مسألة خلافية. مثال ذلك إذا سمعنا أحدهم يقول: اللهم ارحمني بحق جاه النبي، فهذا عندنا بدعة، لكننا لا نغلظ فيها الإنكار؛ لأنها من الخلاف السائغ؛ ولأنها مسألة فيها اجتهاد، ونقلت خطأً عن عثمان بن حنيف، والنقل فيها ضعيف السند، ورواية الدارقطني التي فيها زيادة عن عثمان بن حنيف: أنه قال لرجل عنده حاجة عند عثمان بن عفان: (ائت ميضأة ثم توضأ وصل ركعتين، وقل: يا محمد نبي الرحمة إني أتوجه بك إلى ربك)، وهذا الحديث الراجح أنه ضعيف؛ لأن هذه الزيادة شاذة بل منكرة، لكن هناك من صحح هذه الزيادة، فبضعهم قالوا: إنه ثبت عن الصحابة هذا النوع من التوسل، ونحن نرجح عدم ثبوته عنهم؛ لأنه توسل بدعي، ولكن هذه المسألة هي خلاف في الفروع. نقول: ما يبدع فيه المخالف مع الاتفاق على عدم تكفيره هو النوع الثالث، ونحن لدينا نوع توسل واحد مما يكفر فيه المخالف تكفير نوع لا عين حتى تقام عليه الحجة، وهو من يقول: ارحمني، أغثني، المدد يا سيدي فلان. ونوع متفق على بدعيته ولكن لا يكفر صاحبه وهو قوله: ادع الله لي يا سيدي فلان ادع لنا ربك اسأل لنا ربك. وهذا شرك أصغر وهو ذريعة إلى الشرك الأكبر. ونوع مختلف فيه والراجح منعه، وهو من ضمن الخلاف السائغ، ولا نقول عن فاعله: رجل مبتدع، بل نقول: أخطأ في هذه المسألة. فالنوع الأول هو من يقول: يا سيدي فلان أغثني، فهذا شرك أكبر، لكن يحتاج إلى إقامة الحجة؛ لأن هؤلاء الناس جهلة، ولم تبلغهم الحجة التفصيلية، وشيخ الإسلام يقول: لا يمكن تكفيرهم حتى تقام عليهم الحجة التي يكفر المخالف لها. فالذي يقول: إني أسألك مرافقتك في الجنة. لا يسأله لأن الرسول سوف يعطيها له، لكنه يقصد: دلني على عمل أكون به من مرافقيك في الجنة، وهذا هو معنى الكلام، فهو يقول: قصدي من قولي: اغفر لي، يعني: ادع الله أن يغفر لي، فنقول له: إن قولك (اغفر لي) التلفظ بها شرك وكفر، ونقيم عليه الحجة بأن المغفرة لا تكون إلا من الله ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:١٣٥]. والنوع الثالث هو ما يبدع فيه المخالف مع الاتفاق على عدم تكفيره، وقد مضى من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية أن قول أحمد لا يختلف على عدم تكفير الشيعة المفضلة وهم الزيدية الذين يقرون بخلافة أبي بكر وعمر وعثمان ويفضلون عليهم علياً ﵃ أجمعين. وكذا المرجئة فإن الإمام أحمد لا يكفرهم -انظر (١٢/ ٨٨٥ - ٨٨٦) من الفتاوى- بل هم من ضمن فرق الأمة رغم أنهم مبتدعة في المسائل الاعتقادية، ومثل هؤلاء الأشاعرة والماتريدية الذين يؤولون بعض الصفات دون بعض. وهؤلاء لا نعلم أحداً من أهل العلم يقول بتكفيرهم، ومن هذا النوع: إنكار أصل أن الله لا يعذب أحداً قبل بلوغه الحجة، وبالذات في العقيدة باتفاق، ونحن لن نكفر المخالف الذي يقول: يمكن أن يعذب الله البعض قبل بلوغ الحجة؛ لأنهم لا يعذرون بالجهل، وعندنا أن العذر بالجهل يثبت في حق من لم يبلغه شيء، ولم تصله الحجة، ومن زعم أنه معذب فقوله بدعة اعتقادية باتفاق، ولكن لا نكفر هذا المبتدع، وقد نقل عليه الإجماع ابن تيمية وابن حزم.

стр. 105

أمثلة الخلاف غير السائغ في المسائل العملية من هذا النوع من الخلاف القولي: جواز ربا الفضل، وأن المحرم هو ربا النسيئة فقط، هذا يروى عن ابن عباس ويروى رجوعه عنه، وقد استفاضت الأحاديث بتحريمه، وهو ذهب بذهب مع التفاضل، أو قبض بقبض مع التفاضل. ومنه: القول بجواز شرب النبيذ المسكر الكثير من غير عصير العنب، وهو قول أهل العراق، وهو خلاف نص الحديث الصحيح: (كل مسكر خمر، وكل خمر حرام). ومنه: القول بجواز نكاح المتعة، وهو قول ابن عباس، ويروى أيضاً رجوعه عنه. يلاحظ: أننا قلنا بأنه خلاف غير سائغ، ونقول بأن هذا قول ابن عباس، وثابت عنه، لكن لأن السنة مستفيضة في النهي واتفق على خطأ ابن عباس ﵁ الله عنه في ذلك، ويروى عنه رجوعه، وممكن أن يكون هذا أيضاً منقول عن بعض الصحابة، لكن اشتهر جداً الدليل المخالف له، فيهجر بالاتفاق. وقد ثبت النهي عن نكاح المتعة في الصحيحين، ونسخ جوازه عام الفتح، وأجمع عليه أهل السنة، ولم يخالف فيه إلا الشيعة الروافض. ومنه: القول بصحة النكاح دون ولي. الحقيقة أن هذه المسألة عند أكثر العلماء ضمن الخلاف السائغ، فعند الشافعية والحنابلة أن النكاح بدون ولي عندهم من الخلاف السائغ، وأنا لصحة النص بوضوح شديد أرجح قول بعض الشافعية والحنابلة مع أنهم قلة جداً، وهو في المذهب يعد شذوذاً، لكن من جهة الدليل أنا صراحة أقول: إن هذا القول غير سائغ، وأعتبر أن المخالف فيه مخالف خلافاً غير سائغ، وينبني على هذا: أن من يقول: هذا خلاف سائغ. يقول: حتى ولو كان عالماً بأن نكاحه باطل لا يقام عليه الحد، ومن يقول: إن الخلاف غير سائغ يقول: إذا كان متأولاً فلن نقيم عليه حد الزنا، وإذا كان غير متأول ووصلته الأدلة، وعالم بأن نكاحه باطل يقام عليه حد الزنا، والقول بصحة النكاح بدون ولي هو قول الحنفية، وهو مصادم لنص الحديث الصحيح: (أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل. قال ذلك ثلاث). ونص ابن قدامة في المغني على أنه: لو حكم حاكم بصحة النكاح بدون ولي يثبت حكمه ولا ينقض ذلك النكاح، لكن الصحيح: أنه ينقض حكمه؛ لأن هذا مخالف للنص، ولا يوجد احتمال لتفسير (أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها)، ثم هم أيضاً لا يقولون ذلك في البكر، بل في المرأة الرشيدة، فهو مذهب مصادم لنص، والمحتمل أن يكون هذا من الخلاف السائغ في الثيب، فيقول: هذا عام وقابل للتخصيص لكنه يقول: أي امرأة رشيدة بلغت تزوج نفسها. هذا القول مصادم للنص مائة في المائة. ومنه: القول بجواز المعازف وسماعها، وهو قول ابن حزم، وهو مصادم لنص الحديث الصحيح: (ليكونن أقوام من أمتي يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف). أقول أيضاً: إن بعض الفقهاء قالوا بأن هذا من الخلاف السائغ. وهذا مشهور جداً عند أناس مثل الدكتور يوسف القرضاوي وغيره، لكن الحقيقة أن هذا القول خلاف غير سائغ، والإمام أحمد والغزالي وغيرهما يجوزون للمحتسب كسر آلات المعازف، وهذا دليل على أنه ليس بخلاف سائغ أبداً عندهم؛ لأن المحتسب عندهم ليس له أن يحمل الناس على مذهبه في مسائل الخلاف. ومنه: القول بجواز تصوير ذوات الأرواح إذا لم يكن للصورة ظل -يعني: غير مجسمة- أي: جواز رسم اليد، وهو قول بعض السلف، وابن حجر يراه من الخلاف السائغ، ويعترض على النووي في قوله: وهذا مذهب باطل؛ لأن القرام الذي سترت به عائشة السهوة كان بلا شك بلا ظل، فـ ابن حجر يعترض على النووي ويقول في الشرح: وأما قوله: مذهب باطل. فهذا فيه نظر؛ فإن حديث: (إلا رقماً في ثوب) قد يدل على الجواز، يعني: ابن حجر يرجح عدم جواز تصوير ذوات الأرواح، لكنه يرى وجود خلاف سائغ، وعليه فلا ينبغي أن يقال عنه: باطل؛ لأن الشافعية عندهم تدقيق قوي في هذه المسائل، فعندما يقول: هو الراجح أو هو الصحيح غير كلمة الأصح، فالأخيرة تدل على قرب الكلمتين في الصحة، ولا يقولون في خلاف الأصح: إنه ضعيف أو مرجوح. وعندما يقولون: الصحيح. فهو ضد الخطأ أو الضعيف في القول، لكن عنده هذا خلاف سائغ، وعندما يقول: هذا صواب، فهو ضد الباطل، فهم مدققون جداً في هذا، فقولهم: هذا باطل أي: غير سائغ، وقول النووي: الصحيح بل الصواب إضراب عن كلمة الصحيح، أي: أن الخلاف هنا غير سائغ ويظهر الفرق فيما لو دخل شخص إلى بيت آخر ورأى الصور فنزعها فقد أتى بعمل مشروع. والصواب: أنه خلاف غير سائغ، والراجح هو قول الإمام النووي، وحديث عائشة نص في ذلك؛ لأنه لا يحتمل التخصيص بما ليس له ضد، بخلاف حديث زيد بن خالد فإنه يحتمل التخصيص بغير ذوات الأرواح: (إلا رقماً في ثوب)، فهو عام يشمل كل ما في الثياب، ويمكن أن يخصص بالجواز بما ليس فيه روح، وعمومه يفيد الحرمة في غير ذوات الأرواح، أما حديث عائشة (يا عائشة! إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون)، فلا نخصصه بالمجسم وغير المجسم بدليل حديث زيد بن خالد -هذا كلام ابن حجر - لأن حديث عائشة: (إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون) ورد على المرسوم باليد، وهو ما ليس فيه ظل، أو ليس بمجسم وهذا يجعله قطعي الدخول فيه، وبالتالي فهو لا يتخرج منه؛ لأن ورود العام على سبب يجعل ذلك السبب قطعي الدخول فيه، ولا يمكن تخصيص هذا الجزء منه، وبالتالي أصبح عندنا نص في موطن النزاع، وبالتالي المخالف للنص لا يحتمل أن يكون خلافاً سائغاً. وهذا مثل حديث النمرقة، وهي قطعاً غير مجسمة. ومنه: القول بتحريم الذهب المحلق على النساء، وهو قول الشيخ ناصر الدين الألباني حفظه الله، فمن يقول بأن الذهب المحلق بأي حلقة حرام على النساء مخالف للإجماع، وأنا أعتقد وأجزم أن الأمة الإسلامية ما عرفت هذا القول طيلة أربعة عشر قرناً، حتى أتى صديق حسن خان بهذا الكلام، ثم أخذه عنه الشيخ الألباني، وهذه لا تصلح أن تكون علة إلا للتفرقة بين الأشياء، وهذا عدم التفات إلى مقاصد الشرع في التحريم، فحديث: (من أراد أن يحلق حبيبه حلقة من نار فليحلق حلقة من ذهب)، يمكن أن يعلق عليه أكثر من وصف، فقوله: (من أراد أن يحلق حبيبه) لعله يراد به الرحل، فالحديث يحمل عليه وهل هو حرام على الذي يحبه وحلال لمن لا يحبه؟ وهذا لا يصح؛ لأن الشرع لا يلتفت إلى مثل هذه التفريقات، وأن من تحبه له حكم، ومن تكرهه له حكم آخر، و (من أراد) لفظ مذكر، والصواب أن الشرع لا يلتفت إلى مثل التفرقة بين أراد وأرادت. ومثل هذا أخذ مفهوم المخالفة من كلمة حلقة، فيفهم من كلمة (حلقة من ذهب) أن ما ليس بحلقة جائز، والحلقة هي المحرمة، وهذا التفات إلى ما لا يلتفت إليه الشرع نهائياً. ومثله من يأتي إلى حديث الأعرابي ويقول: تحريم بول الأعراب في المسجد، وهذا فهم باطل باتفاق؛ لأن الأعراب مثل الهنود ومثل الحبشة وبول كل الناس داخل في هذا فهذا التفات إلى ما لا يلتفت إليه الشرع، وتعليل الحكم بوصف فردي غير مقصود شرعاً ولم يعهد التفات الشرع إليه، فبالتالي كان هذا استحداث قول بدعة بالتأكيد، مع أن المسألة عملية، لكن لا يوجد أحد قال بالتفرقة بين المحلق وغيره عبر القرون، والنقل المتفق عليه هو انتهاء الخلاف في أن الذهب حرام على النساء كله، وهذا هو المنقول عن أبي هريرة بإسناد صحيح، لكن ليس التحريم صراحة، إنما أبو هريرة يبرر فعله في عدم تحليته بالذهب: أخاف عليها من النار، هو حمله على المحلق أيضاً، وهذا كلام غلط قطعاً؛ لأن العلة المرعية شرعاً: أنها عندما تظهر الزينة سيخاف عليها من النار، أو لا تؤدي زكاته، فلا يحليها بالذهب حتى لا يبلغ النصاب وهي لا تدري فتعذب لعدم إخراج زكاته، وأصح الأقوال حملها على هذا الأصل، وهو أن الذهب محرم على النساء إذا لم تكن تؤدي زكاته؛ لأن رسول الله ﷺ قال: (أيسركما أن يسوركما الله بسوارين من نار؟ قالتا: لا، قال: أديا زكاته)، فهو لم يأمرهما بنزعه، ولكن أمر بأداء زكاته، ولم يتعرض لكونهما حلقة أم لا، فهذا نص في إباحة الذهب المحلق فضلاً عن الإجماع الصحيح الذي يطعن الشيخ فيه. فعندما ينقل الإجماع أحد الأئمة المعروفين بمعرفة أقوال العلماء عبر العصور مثل المروزي أو إسحاق أو ابن المنذر فكلهم مشهور بمعرفة أقوال المتقدمين من الصحابة إلى زمانهم، أو حتى من المتأخرين مثل أبي عمر بن عبد البر، أو شيخ الإسلام ابن تيمية، ويؤكدون اتفاق أكثر من عالم على النقل ويقولون: هذا إجماع إجماع إجماع، فلا يصح أن ينفي أحد هذا. مثلاً: نجاسة الدم، نقل الإجماع فيه ابن حزم والنووي، وابن القيم، وابن رشد إلا الحيوان البحري، فهؤلاء كلهم ينقلون الإجماع على ذلك، فعلى من ينكر ذلك أن يأتي بالمخالف الذي قال بطهارة الدم. ففي مسألة الذهب الأغلب أنه يكون محلقاً، والذهب المقطع قليل جداً، فلما ينقل الاتفاق على جوازه، وجواز خاتم الذهب للنساء ونحو ذلك، تقول: من ادعى الإجماع فقد كذب، إذاً: لا بد أن تأتي بمن نقض الإجماع، ولولا أن هذا غير معلوم من الدين بالضرورة لوضعنا المسألة في باب أغلظ من ذلك، لكن هذا غير معلوم من الدين بالضرورة في هذا المقام. فالشيخ لم يأت بقائل يقول بحرمة الذهب المحلق، إنما أتى بأقوال متقدمين قالوا: الذهب محرم على النساء؛ لأنها لا تؤدي زكاته بعد بلوغه النصاب أو لأنها تظهره للرجال، فهو لم ينقل تصريح أحد من المتقدمين على التفريق بين المحلق وغير المحلق، ولكن أوهم القارئ أن هـ

стр. 106

أدب الخلاف [٩] إن الأقوال البدعية قد تصدر عن بعض أهل البدع ممن أفنى عمره فيها وانتدب نفسه للدفاع عنها، ومثل هذا يبدع ويغلظ عليه ويحذر منه، كما أن من أهل العلم والصلاح والتقى من يصدر عنه أقوال بدعية، وقد صدر مثل هذا عن أئمة أعلام، فمثل هذا يبين الخطأ في قوله، والتحذير من بدعته مع الثناء عليه، وذكره بالحسن الجميل، ومعرفة قدره، وغمر خطئه في بحار حسناته.

стр. 107

الموقف من العلماء الذين قالوا ببعض البدع فنتناول هنا مسألة الموقف من العلماء الذين قالوا ببعض البدع، أو بالأقوال الباطلة التي عددناها ضمن الخلاف غير السائغ نقول: لا شك أن أهل العلم وطلابه عند مطالعتهم لكثير من كتب بعض العلماء المتقدمين وفتاويهم يصطدمون بأقوال من التي سبق عدها في الخلاف غير السائغ، سواء كان ذلك في مسألة الاعتقاد، كمسألة التأويل في الأسماء والصفات، فإنه يقول بها خلائق من أهل العلم المنتسبين للأئمة الأربعة من المذاهب الفقهية، وللأشعري في كثير من المسائل الاعتقادية كالإمام النووي وابن حجر رحمهما الله، وكمسألة فناء النار ومخلوقات لا أول لها التي تنسب إلى ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله، وانتصر له ابن القيم في مصنفات عدة. فانتصر لها في حادي الأرواح، وشفاء العليل وغير ذلك، ونسبة القول بفناء النار محتمل النسبة إلى شيخ الإسلام لأن ابن القيم في شفاء العليل قال: إنه سئل عنها، فقال: هذه مسألة عظيمة وفيها نزاع، لكن مخلوقات لا أول لها ظاهر كلام ابن تيمية بأنه يقول بها، ومعنى: مخلوقات لا أول لها أي: ما من مخلوق إلا وقبله مخلوق بلا بداية في الأزل، مثلما نقول: مخلوقات لا آخر لها، مثل النار والجنة وأهلهما مخلوقات لا آخر لها، وما من نعيم إلا وبعده نعيم لأهل الجنة، وما من عذاب إلا وبعده عذاب لأهل النار بلا نهاية، فقال هو: وفي البداية وجد هذا، وخلاصة ذلك: أن جنس المخلوقات قديم وأنواعه حادثة، وهذا كلام باطل، نعم هناك حوادث لا أول لها، والصحيح فيها: أن أفعال الرب تسمى حادثة وهي لا أول لها، فلم يزل الرب فعالاً لما يريد، فحمل كلام حوادث لا أول لها على المخلوقات يظهر من كلام شيخ الإسلام. نقول: وفي المسائل الفقهية كالقول بجواز ربا الفضل، ونكاح المتعة، كلاهما ثابت عن ابن عباس، وعددنا ذلك من الخلاف غير السائغ، رغم وجود خلاف الصحابة ﵃ فيه؛ لأن المسألة ثبت فيها حد الخلاف غير السائغ وهو وجود النص وليس الدليل فقط، وقلنا في هذا الحد: هو ما يخالف نصاً من كتاب أو سنة أو إجماعاً أو قياساً جلياً، فهناك نص جلي في منتهى البيان بأن ربا الفضل يجري في أصناف ستة. ويروى رجوع ابن عباس عنهما، وغير ذلك مما سبق، فكيف يعامل هؤلاء العلماء وإن قالوا بما ندين الله به أنه بدعة ضلالة أو خطأ وباطل قطعاً؟ و الجواب أن أهل السنة لا يتفقون على عدم ذم من اجتهد فأخطأ كائناً من كان خطؤه ممن هو معروف بالخير والصلاح كالصحابة ﵃، والأئمة الأعلام كالأربعة، وأئمة أهل الحديث، ومن سار على نهجهم، ولهم في الأمة الذكر الجميل والثناء الحسن. ولا يستوي عندهم من قضى عمره في العلم النافع والعمل الصالح، والدعوة إلى الحق، ونصرة السنة وأهلها، وبذل النفوس والأوقات والأموال في سبيل الله، وتحمل المشاق في سبيل الله، لا يستوي هؤلاء ومن قضى عمره في الصد عن سبيل الله، ومحاربة السنة ونشر البدعة والاجتهاد لنصرة الباطل. مثلاً: هل نقول الجهم بن صفوان اجتهد فأخطأ؟ لا؛ لأنه عاش عمره مناصراً للبدعة وصاداً عن السنة، وكذا الجعد بن درهم وبشر المريسي، بخلاف من وقع في شيء من الأخطاء، فالإمام النووي يقول بالتأويل، لكن هل الإمام النووي عاش عمره ينصر قضية التأويل، وهي القضية الأساسية، وكان يبتدع في الدين، أم أنه عاش عمره مناصراً للسنة، خادماً لها مؤيداً، ساع في نصر الدين والدعوة إلى الحق؟ لا شك أن الثاني هو الصحيح. أقول: لا يستوي هؤلاء العلماء ومن قضى عمره في الصد عن سبيل الله، ومحاربة السنة، ونشر البدعة، والاجتهاد في نصرة الباطل، والتعصب الممقوت عليه كـ الجهم بن صفوان والجعد بن درهم وبشر المريسي وغيلان القدري، فهؤلاء عرفوا بالبدعة وكونهم من رءوسها ودعاتها، ولم يكن لهم في العلم حظ ونصيب، بل ما حصلوا منه ما يؤهلهم لكونهم طلاباً؛ لذا كان وقوعهم في البدعة من جراء تقصيرهم، ولما ناظرهم العلماء وبينوا لهم الحق كان الإعراض من شأنهم؛ بسبب ترؤسهم بغير استحقاق، وتصدرهم بغير تأهيل. -فهم تصدروا بالفعل وصاروا رءوساً وصار لهم أتباع مثل: الخوارج- فكيف يستوون -أي: هؤلاء المبتدعون- مع من كانت جل أقوالهم وأعمالهم مطابقة للحق؟ فنقول في حق هؤلاء العلماء: إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث، ولا يعني ذلك أن تصحح الأقوال الباطلة، أو نسكت عن البدع المخالفة للحق. فمثلاً ابن القيم يقول في حق شيخه -وهو غير مباشر ولكنه شيخ له على مدى الزمن البعيد، ونقصد أنه متتلمذ على كتبه-: شيخ الإسلام حبيب إلى نفوسنا، ولكن الحق أحب إلينا منه، والبعض يظن أن قصده بذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، والصواب أنه يقصد شيخ الإسلام الهروي، مع أن تسمية الهروي بشيخ الإسلام فيه نظر، والأقوال المنسوبة إليه من البدع فظيعة جداً، بل بعض الأقوال أقوال كفرية، فتسميته بشيخ الإسلام محل نظر، لكن هذا قول ابن القيم، وهو يحسن به الظن جداً. نقول: فلا بد من النظرة المتوازنة التي ترى الحسنات والسيئات معاً، وتزن كل الأقوال بميزان الشريعة، وتزن أصحابها بما عندهم من الخير والشر معاً. وقد سبق قول شيخ الإسلام ابن تيمية: وأهل السنة متفقون على أن المعروفين بالخير كالصحابة المعروفين وغيرهم من أهل الجمل وصفين من الجانبين لا يفسق أحد منهم فضلاً عن أن يكفر. مع أننا نجزم أن هناك فئة باغية، ومع ذلك لا يفسق ولا يبدع؛ لأنهم معروفون بالخير. وقال أيضاً ﵀: وأيضاً فإن السلف أخطأ كثير منهم في كثير من هذه المسائل، واتفقوا على عدم التكفير بذلك، مثلما أنكر بعض الصحابة أن يكون الميت يسمع بكاء الحي. وفي قول النبي ﵊ لما خاطب أهل قليب بدر: (ما أنتم بأسمع لما أقول منهم)، وليس معنى ندائه أنه يطلب منهم قضاء الحاجة. يقول: وأنكر بعضهم أن يكون المعراج يقظة، وأنكر بعضهم رؤية محمد ﷺ ربه. والراجح في مسألة المعراج بيناه، وهل كان يقظة أو مناماً، أو أنه بالقلب، أم أنه بالبدن والروح معاً، وأما رؤية النبي لربه فهي مسألة خلافية من الخلاف السائغ أصلاً، والراجح أنه رآه بقلبه ولم يره بعينه. يقول: ولبعضهم في قتال بعض، ولعن بعض، وإطلاق تكفير بعض أقوال معروفة، وكان القاضي شريحاً ينكر قراءة من قرأ: (بل عجبتُ ويسخرون) ونحن نقرأ ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾ [الصافات:١٢]، لكن قراءة الجمهور قراءة ثابتة وسبعية، فقال: إن الله لا يعجب، فبلغ ذلك إبراهيم النخعي، فقال: إن شريح شاعر يعجبه كلامه، كان عبد الله بن مسعود أفقه منه وكان يقول: (بل عجبتُ)، فهذا قد أنكر قراءة ثابتة، وأنكر صفة دل عليها الكتاب والسنة، واتفقت الأمة على أنه إمام من الأئمة. وشريح القاضي كان في زمن علي ﵁. وكذلك أنكر بعض السلف حروفاً من القرآن -يعني: بعض حروف القرآن- مثل إنكار بعضهم قوله: ﴿أَفَلَمْ يَيْئَسِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الرعد:٣١]، وقال إنما هي: أولم يتيقن الذين آمنوا. وإنكار الآخر قراءة قوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:٢٣]، وقال إنما هي: ووصى ربك. فهي لم تبلغه سماعاً، ووجدها في المصحف: (وقضى) فقال بل هي: ووصى، وتجده ربما يقول: خطأ من الناسخ، واحتمل عنده ذلك بسبب أن القرآن لم يتواتر، ونحن الآن نجزم بخطأ من قال: إنها خطأ من الناسخ، بل لو جاء أحد اليوم وقال: هذا خطأ من الناسخ يكفر؛ لأن هذا الأمر مجمع عليه وأن تقرأ: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾ [الإسراء:٢٣]، بل قراءة ووصى ربك فيها شذوذ؛ لأنها مخالفة لرسم المصحف. يقول: وبعضهم -يقصد عبد الله بن مسعود - كان يحذف المعوذتين، وآخر يكتب سورة القنوت -يقصد دعاء: (اهدني في من هديت) وهذا خطأ معلوم بالإجماع والنقل المتواتر. من ينكر المعوذتين من القرآن الآن كافر، وعبد الله بن مسعود ثابت عنه أنه أنكرهما وقال: إنهما ليستا من القرآن، وربما يقال: كان يقصد الذي يكتب في المصاحف وإنما يتعوذ بهما، لكن هذا خطأ بالإجماع، وكذا لو زاد أحد سورة القنوت؛ لأن هذا معلوم من الدين بالضرورة، ونحن قد نكفر المتأخرين في مسائل عذرنا فيها المتقدمين؛ لأنهم لم تبلغهم الحجة. يقول: ومع هذا فلما لم يكن قد تواتر النقل عندهم بذلك لم يكفروا، وإن كان يكفر بذلك من قامت عليه الحجة بالنقل المتواتر، فها هو شريح ينكر صفة من صفات الله، ويجمع أهل العلم على إمامته فلا يبدع ولا يفسق ولا يكفر، وإنكار كتابة المعوذتين في المصحف ثابتة عن ابن مسعود ﵁، ولا خلاف في عدالة الصحابة أجمعين، ولا يجرؤ على اتهام مثل ابن مسعود وابن عباس بشيء إلا ضال مجرم، رغم الجزم والقطع بخطأ القول المنسوب إليهم، بل قد يصل الأمر إلى ما هو أشد من ذلك فيمن ينكره اليوم؛ فإن من ينكر اليوم: ﴿أَفَلَمْ يَيْئَسِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الرعد:٣١] أو ﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾ [الإسراء:٢٣] فإنه يكفر لتواتر النقل بها في هذه الأعصار، وصارت معلومة من الدين بالضرورة. هذه أمثلة صارخة جداً تعتبر كفراً الآن، وهم قالوها ولم يكفروا، إذاً: الأولى أن نقول: إن هذا الإمام قال بهذه البدعة ولكنه ليس بمبتدع. يقول: ومن هنا فإن موقفنا من العلماء أمثال النووي وابن حجر وغيرهما ممن قال بالتأويل هو موقفنا

стр. 108

الإنكار في مسائل الخلاف غير السائغ ومسألة الإنكار في مسائل الخلاف غير السائغ هي مسألة مهمة جداً؛ لأن كثيراً من العلماء ممن تكلم في شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد أطلق أن من شروط إنكار المنكر أن يكون المنكر غير مختلف فيه، وربما قال بعضهم: ألا يكون منكراً في مذهب فاعله -هذا كلام الغزالي، يقول: لو كان مذهبه أن هذا ليس منكراً فلا ينكر عليه- وهذا الإطلاق رغم وجوده في كلام هؤلاء العلماء أنفسهم وغيرهم إلا أن في تطبيقاتهم وأمثلتهم ما يقيده. فـ الغزالي مثلاً يعد في إنكار المنكر تكسير آلات اللهو وهو يعرف أن فيها خلافاً، إذاً لم يقول: ألا يكون منكراً في مذهب فاعله، أو يكون غير مختلف فيه؟ وما قصده بهذا وهو يجوز تكسير آلات اللهو؟ هذا دليل على أن الخلاف عنده هو ما يخالف النص من الكتاب والسنة أو الإجماع أو القياس الجلي يرد فيه، وكذلك هو كلام الإمام النووي حيث يقول: ومن شرط المنكر أن يكون غير مختلف فيه، ثم يقول بعد ذلك: إلا أن يخالف نصاً من الكتاب والسنة أو الإجماع أو القياس الجلي. فبعض الجماعات والاتجاهات جعلت هذا الكلام على إطلاقه حجة في إنكار مشروعية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في أي أمر خلافي دون اعتبار لنوع الخلاف، ولهذا كان بيان هذه المسألة، وهو مشروعية الإنكار في مسائل الخلاف غير السائغ بالأدلة وكلام أهل العلم من الأمور المهمة للدعوة والدعاة خاصة في هذه الأزمان التي تكلم فيها الزنديق بلسان الصديق، وصارت كل الأمور حتى البديهية والمجمع عليها محل خلاف عند طائفة من المنتسبين إلى الملة بل إلى العلم والعلماء أحياناً كثيرةً -فالربا خلاف سائغ، وبيع الخمر خلاف سائغ، والتوسل خلاف سائغ، ثم يصبح كل خلاف سائغاً لا أحد ينكر فيه، ويترتب على ذلك تضييع الدين -فنبدأ أولاً بذكر الأدلة وبيان طريقة الصحابة ﵃، ثم نوضح كلام العلماء الذين احتج البعض بأقوالهم.

стр. 109

أدلة الكتاب والسنة في مشروعية الإنكار في الخلاف غير السائغ أول دليل على مشروعية الإنكار هو عموم الأدلة القرآنية والنبوية، كقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران:١٠٤]، وقول النبي ﷺ : (من رأى منكم منكراً فليغيره). المعروف: هو ما عرف في الشرع حكمه، والمنكر: هو ما استنكره الشرع واستقبحه، فإذا ثبت قطعاً بالنص أو الإجماع أن أمراً ما هو من الأمور المنكرة ومن المنكرات فهو داخل في هذا العموم ولا يضر مخالفة من خالف، يعني: لماذا يخرجه من المنكر وقد ثبت أن الرسول عده من المنكرات، والقرآن عده من المنكرات؟ إذاً: فهذا من المنكرات ولابد أن ينكر، حتى ولو خالف فيه فلان من الناس. إنما قلنا بترك الإنكار في مسائل الخلاف السائغ الذي لا يخالف نصاً ولا إجماعاً لاتفاق الصحابة على عدم الإنكار فيها، كما نقل شيخ الإسلام الاتفاق على أنهم لا ينكر بعضهم على بعض في بعض مسائل الخلاف السائغ؛ لأنه لم يلزم أن يكون منكراً بالقطع واليقين في الشرع، إنما يغلب على ظنه أن هذا منكر، وسيغلب على ظن الآخر أنه معروف، وبالتالي اتفق الصحابة على إخراج الخلاف السائغ، وقد مدح الله داود وسليمان وأثنى على سليمان بالفهم، وقال: ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء:٧٩]، مع أن حكم داود كان خطأ وحكم سليمان هو الصواب. فنقول كما قال ابن تيمية ﵀: اتفق الصحابة على عدم الإنكار فيها إلا على درجة التعريف، فهم متفقون على أنهم يعرفون أو يناظرون ويبينون، كما قال ابن تيمية ﵀: قد ثبت بالكتاب والسنة والإجماع أن من الخطأ في الدين ما لا يكفر مخالفه، بل ولا يفسق، بل ولا يأثم، فيبقى ما دل عليه النص أو الإجماع على الأصل وهو وجوب الإنكار. إذاً: أي منكر في الشرع لا يخرج من استحقاق الإنكار إلا ما أجمع عليه من الأمور التي هي محل خلاف سائغ، وجميع أدلة ذم البدع وإنكارها تدل بمجموعها على الإنكار في الخلاف غير السائغ. قال البخاري ﵀ في صحيحه: باب إذا اجتهد العالم أو الحاكم فأخطأ خلاف الرسول ﷺ من غير علم فحكمه مردود، لقول النبي ﷺ : (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد). وذكر حديث أبي سعيد وأبي هريرة: أن النبي ﷺ بعث أخا بني عدي الأنصاري واستعمله على خيبر، فقدم بتمر جنيب -جيد- فقال له رسول الله ﷺ : (أكل تمر خيبر هكذا؟ قال: لا والله يا رسول الله! إنا لنشتري الصاع بالصاعين من الجمع)، والجمع هو: تمر رديء، قال: فأنا أشتري الصاع من هذا بصاعين من التمر الأقل جودة، فقال رسول الله ﷺ : (لا تفعلوا، ولكن مثلاً بمثل، أو بيعوا هذا واشتروا بثمنه من هذا، وكذلك الميزان). وفي رواية في الصحيح قال: (أوه عين الربا لا تفعل)، وفي رواية قال: (ردوه)، فأمر برد البيع رغم أن الصحابي عمل في ذلك باجتهاده، وقد كان يريد أن يأتي للرسول ﷺ بأحسن شيء. وقال أيضاً الإمام البخاري في كتاب الأحكام: باب إذا قضى الحاكم بجور أو خلاف أهل العلم فهو رد، وذكر فيه قصة قتل خالد للأسرى لما قالوا: صبأنا فأمر خالد بقتلهم، فقال النبي ﷺ : (اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد)، مرتين، وكلمة أبرأ إليك مما صنع خالد صريحة في الإنكار على من خالف السنة ولو كان متأولاً مجتهداً كـ خالد لكن الرسول ﷺ أظهر الإنكار، بخلاف فعله في كثير من أفعال الصحابة مثل مسألة بني قريظة، بل الراجح في هذا -كما قلنا- أنه خلاف تنوع وأن كلاهما مصيب.

стр. 110

آثار الصحابة في مشروعية الإنكار في الخلاف غير السائغ روى مسلم في صحيحه عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تمنعوا النساء من الخروج إلى المساجد بالليل)، فقال ابن لـ عبد الله بن عمر: لا ندعهن يخرجن فيتخذنه دغلاً، قال: فزجره ابن عمر وقال: أقول قال رسول الله ﷺ وتقول: لا ندعهن، وفي رواية فضربه في صدره، قال النووي: فيه تعزير المعترض على السنة المعارض لها برأيه مع أن له وجهة، وعائشة ﵂ قالت: (لو علم رسول الله ﷺ ما أحدث النساء لمنعهن)، ومع ذلك ضرب ابن عمر ابنه لأنه عارض السنة برأيه لكي يعاقبه في رده لهذا الخبر. وفي رواية أبي عمر بن عبد البر في جامع العلم وفضله: قال بلال بن عبد الله بن عمر: أما أنا فسأمنع أهلي، فمن شاء فليسرح أهله -كلمة يسرح كلمة سيئة، مع أن الرسول ﷺ هو الذي أذن- فالتفت إليه وقال: لعنك الله، لعنك الله، لعنك الله - ابن عمر ﵁ يلعن ابنه- تسمعني أقول: إن رسول الله ﷺ أمر ألا يمنعن، فقام مغضباً. وروى أبو عمر أيضاً بسنده عن ابن عباس قال: (تمتع النبي ﷺ ؟ فقال: عروة بن الزبير نهى أبو بكر وعمر عن المتعة، فقال ابن عباس: أراهم سيهلكون، أقول: قال النبي ﷺ ، ويقولون: نهى أبو بكر وعمر، وفي رواية له قال: والله ما أراكم منتهين حتى يعذبكم الله، أحدثكم عن رسول الله ﷺ وتحدثوني عن أبي بكر وعمر)، مع أن ابن عباس يعرف قدر أبي بكر وعمر أعظم معرفة. قال أبو عمر يعني: متعة الحج، وهو فسخ الحج إلى العمرة. إذاً: الذي يعارض السنة بآراء الرجال فهذا خلاف غير سائغ، فعندهم إنكار على من يخالف السنة، مع أن عروة هو أحد الفقهاء السبعة، وأبو بكر وعمر هما أعلم من ابن عباس بكثير، لكن الذي يخالف السنة ينكر عليه، وهذا أصل عظيم في قضية الإنكار في مسائل الخلاف، وكان يقول: سيأتيكم عذاب ستنزل عليكم حجارة من السماء ستهلكون، وهذا إنكار غليظ. وروى أيضاً أبو عمر عن صفوان بن محرز: أنه سأل عبد الله بن عمر عن الصلاة في السفر، فقال: ركعتان، من خالف السنة كفر. مع أن المسألة قال بها عائشة وعثمان ﵄، والمقصود هنا كفر النعمة وعدم شكرها كما بينه في التمهيد. وروى مسلم في صحيحه عن أبي الأشعث قال: غزونا غزاة وعلى الناس معاوية -أمير في عهد عمر - فغنمنا غنائم كثيرة، وكان فيما غنمنا آنية من فضة، فأمر معاوية رجلاً أن يبيعها في أعطية الناس، فتسارع الناس في ذلك، فبلغ عبادة بن الصامت، فقال: (إني سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، إلا سواءً بسواء عيناً بعين، فمن زاد أو استزاد فقد أربى). فرد الناس ما أخذوا، فبلغ ذلك معاوية، فقام خطيباً فقال: ألا ما بال رجال يتحدثون عن رسول الله ﷺ أحاديث قد كنا نشهده ونصحبه فلم نسمعها منه، فقام عبادة بن الصامت فأعاد القصة. ومعلوم أن صحبة معاوية ﵁ للرسول ﷺ كانت قليلة، وأما عبادة بن الصامت فهو من المبايعين الأوائل في بيعة العقبة، فلا شك أنه أعلم منه بالتأكيد، فـ معاوية لما قام فتكلم قام عبادة بن الصامت وأعاد عليه الحديث مع أن معاوية هو الأمير، ثم قال: لنحدثن بما سمعنا من رسول الله ﷺ وإن كره معاوية، أو قال: وإن رغم معاوية، ما أبالي ألا أصحبه في جنده، ليلة سوداء. يعني: الليلة التي يرد فيها الناس كلام النبي ﷺ ، وهذا إنكار منه على معاوية ﵁، ومعاوية ظن أنه أخطأ في النقل، لكن عبادة أغلظ له كثيراً جداً، وقال: تلك ليلة سوداء التي يتكلم فيها أحد عن أحاديث النبي ﵊، ورغماً عن الأمير سنقول. هذا إنكار شديد بلا شك. لذا نقول: غير معروف عند الصحابة أن رجلاً يخالف السنة ولا ينكر عليه، حتى ولو كان مجتهداً أو عالماً، فهم ينكرون على كل من خالف السنة، فضلاً عن أن يكون مخالفاً لنص من الكتاب، ومثله من يخالف الإجماع أو القياس الجلي. وروى أبو عمر عن أبي الدرداء قال: من يعذرني من معاوية؟ أحدثه عن رسول الله ﷺ ويخبرني برأيه، لا أساكنك بأرض أنت فيها، وأرسل لـ عمر بن الخطاب، فقال له: لا بارك الله في أرض لست فيها، وأمر معاوية أن يرد كل البيوعات التي وقعت في الربا. وروى مسلم في صحيحه عن عروة بن الزبير: أن عبد الله بن الزبير قام بمكة وقال: إن ناساً أعمى الله قلوبهم كما أعمى أبصارهم يفتون بالمتعة، يعرض برجل -يعني: ابن عباس ﵁ هل هناك تغليظ أكبر من هذا؟! وابن عباس كان قد عمي في آخر عمره، فيعرض بفتواه في جواز نكاح المتعة، فدعاه ابن عباس، فقال: إنك لجلف غليظ -هذا في الخطبة- لعمري لقد كانت المتعة تفعل على عهد إمام المتقين رسول الله ﷺ ، فقال له ابن الزبير: فجرب لنفسك، فوالله لئن فعلت لأرجمنك بأحذيتك. فرغم شدة هذه الأقوال بين الصحابة ﵃ إلا أنه يدل على اتفاقهم على الإنكار على من خالف السنة؛ لأن ابن عباس قال له: جلف غليظ؛ لأن ابن الزبير لديه حديث، ويجزم ببطلان ما عليه ابن عباس؛ لأن الحديث الذي رواه ابن عباس منسوخ، فهم اختلفوا في المسألة، لكن اتفقوا على التغليظ في الإنكار لمن خالف السنة. وقد سبق قول عائشة ﵂ لأم ولد زيد بن أرقم: أبلغي زيد بن الأرقم أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله ﷺ إلا أن يتوب. والأحاديث متواترة في الأمر بقتال الخوارج وذمهم مع أنهم كانوا يظنون أنفسهم من أحسن الناس، وكذلك أحاديث قتال مانعي الزكاة، وكلها في الصحاح والسنن والمسانيد، وهؤلاء كانوا متأولين ولأجل هذا لم يكفَّروا، لكنه لم يمنع من الإنكار عليهم بالقتال، والقتال أبلغ درجات الإنكار، وكذا الأمر بقتال الفئة الباغية إذا ظهر بغيها رغم تأويلها حتى تفيء إلى أمر الله. وجميع الأدلة والآثار السابقة وغيرها كثير تدلنا على طريقة الصحابة ﵃ في الإنكار على من خالف الكتاب والسنة إذا بلغته وعارضها بآراء الرجال.
следующие страницы →