← Общие книги

Общие книги · id 36994

أدب الخلاف - ياسر برهامي

ياسر برهامي

Полный текст (112 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

مسلك العلماء المتقدمين والمتأخرين في مسائل الخلاف لا شك أن هذا المسلك -الذي هو مسلك محاولة توحيد الأمة في كل المسائل على قول واحد- مسلك ما سلكه أحد من أهل العلم، بل المشهور عنهم رده على من طلبه منهم. روى ابن عساكر أن أبا جعفر المنصور سأل الإمام مالكاً ﵀ أن يحمل الناس على كتابه الموطأ، فقال له: لا تفعل هذا؛ فإن الناس قد سبقت إليهم أقاويل وسمعوا أحاديث وروايات، وأخذ كل قوم منهم بما سبق إليهم وعملوا به، ودانوا به، من اختلاف أصحاب رسول الله ﷺ وغيرهم، وإن ردهم عما اعتقدوا شديد، فدع الناس وما هم عليه وما اختار أهل كل بلد منهم لأنفسهم. فكلام الإمام مالك هذا كلام جميل جداً، لا بد أن يكون منا على بال، فمع أن كتابه هو الذي كان يعرض عليه أن يلزم به من في المشارق والمغارب، ولكن مع ذلك رفض الإمام مالك ﵀ ذلك ورأى أنه فتنة. ولذلك فإن الذي لا يستوعب وجود الخلاف السائغ يجد المشاكل حادة جداً وتحصل فتن بين البعض والبعض مثلما حصل في بعض البلدان قديماً، فشيخ الإسلام ابن تيمية جاءت له مسألة معرضة للفتنة والتبديع بين أهل قريتين في مسألة رؤية الله في الآخرة وهل يراه المنافقون وأهل الموقف جميعاً أم المؤمنون فقط؟ فـ ابن تيمية رد عليهم وقال: هذه المسألة مما لا يقتضي النزاع فيها، والمسألة فيها خلاف سائغ. ورجح رؤية أهل الموقف جميعاً، لكن قال: المسألة مما لا يضلل فيها. وهكذا المشايخ المعاصرين أيضاً، فقد حصل في بعض البلاد مسألة الترجيح والتضليل في مسألة وضع اليد اليمنى على اليسرى على الصدر بعد الرفع من الركوع. وسئلت لجنة الفتوى سؤالاً نص فيه على أنه حصل أن البعض قرأ كلاماً للشيخ الألباني أنه بدعة وضلالة والبعض قرأ للشيخ ابن باز أنه سنة وحصلت بينهم فتنة بسبب ذلك؟ فأفتت اللجنة بأن هذه المسألة لا يجوز أن يكون فيه اختلاف يؤدي إلى التباغض والفتنة التي تقع، بل حتى لو أن إنساناً رأى أن هذه بدعة ومن يفعلها على ضلالة فهذا لا يخرجها عن الخلاف السائغ، إذ ليس كل البدع متفق على بدعيتها، فهناك بدع متفق عليها وهناك بدع مختلف فيها.

стр. 37

نوع الخلاف في البدع المختلف فيها إن البدع المختلف فيها تدخل تحت الخلاف السائغ، فمن الناس من يرى بدعية وضع اليد اليمنى على اليسرى بعد الرفع من الركوع، ومنهم من يراها هي السنة المشروعة، ومنهم من يرى بدعة الاعتمار من التنعيم، والبعض يرى أنها سنة مستحبة، فمثل هذا الخلاف مما يسوغ فيه الاجتهاد. وسنذكر أمثلة للخلاف السائغ، وهذه الأمثلة فيها صعوبة لدى الكثير خاصة في المسائل الاعتقادية، ومنتشرة كثيراً في المسائل العملية، لكن المسائل الاعتقادية والعلمية يندر في أصولها هذا النوع، خاصة في المسائل الكبرى منها كأصول الإيمان بالله والملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر والقدر خيره وشره؛ والأسماء والصفات والربوبية والألوهية. فهذه كلها من الأصول الكبرى وكلها من المعلوم: إما من المعلوم من الدين بالضرورة، أو المجمع عليه بين أهل العلم، والمقصود بالمعلوم من الدين بالضرورة: هو ما انتشر علمه بين المسلمين حتى علمه العام والخاص والعالم والجاهل. أما المجمع عليه بين أهل العلم: فهو الذي يعرف العلماء الإجماع فيه، وإن لم يكن منتشراً بين عوام المسلمين، فهناك أشياء مجمع عليها، لكن ليست منتشرة بين العوام، فالمسائل المجمع عليها بين أهل العلم غير معلومة من الدين بالضرورة. فمثلاً: أجمع العلماء على أن القول بخلق القرآن كفر، وأن القرآن كلام الله غير مخلوق، وهذا مجمع عليه، لكن هذه المسألة ليست منتشرة بين العوام، واسأل أي واحد في الشارع فلن تجده يعرفها. لكن القول بأن الله واحد، وأن القرآن كلام الله، وأن جبريل هو الذي أتى بالوحي إلى الرسول ﷺ ، وأن محمداً رسول الله، وأن عيسى رسول الله، وأن موسى رسول الله، وأن إبراهيم خليل الله ورسوله؛ كل هذا مجمع عليه بين العلماء وهو معلوم من الدين بالضرورة. فكل الناس تعرف أن سيدنا إبراهيم نبي ورسول، وكلهم يعرفون سيدنا موسى وسيدنا عيسى، ويعرفون القيامة والجنة والنار، ولو جاء واحد يخالف شيئاً من هذا، لقلنا له: هذا كفر -والعياذ بالله- فهناك أشياء مجمع عليها وإن لم تكن مما يعلمها عوام الناس، كأنواع الشفاعة، فإنه مجمع على أنه يوجد شفاعة لخروج العصاة الموحدين من النار، لكن هذا ليس معلوماً من الدين بالضرورة في زماننا هذا، بل حتى في الأزمنة القديمة.

стр. 38

أمثلة على الاختلافات السائغة بين أهل العلم إن البدع المختلف فيها تدخل تحت الخلاف السائغ، فمن الناس من يرى بدعية وضع اليد اليمنى على اليسرى بعد الرفع من الركوع، ومنهم من يراها هي السنة المشروعة، ومنهم من يرى بدعة الاعتمار من التنعيم، والبعض يرى أنها سنة مستحبة، فمثل هذا الخلاف مما يسوغ فيه الاجتهاد. وسنذكر أمثلة للخلاف السائغ، وهذه الأمثلة فيها صعوبة لدى الكثير خاصة في المسائل الاعتقادية، ومنتشرة كثيراً في المسائل العملية، لكن المسائل الاعتقادية والعلمية يندر في أصولها هذا النوع، خاصة في المسائل الكبرى منها كأصول الإيمان بالله والملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر والقدر خيره وشره؛ والأسماء والصفات والربوبية والألوهية. فهذه كلها من الأصول الكبرى وكلها من المعلوم: إما من المعلوم من الدين بالضرورة، أو المجمع عليه بين أهل العلم، والمقصود بالمعلوم من الدين بالضرورة: هو ما انتشر علمه بين المسلمين حتى علمه العام والخاص والعالم والجاهل. أما المجمع عليه بين أهل العلم: فهو الذي يعرف العلماء الإجماع فيه، وإن لم يكن منتشراً بين عوام المسلمين، فهناك أشياء مجمع عليها، لكن ليست منتشرة بين العوام، فالمسائل المجمع عليها بين أهل العلم غير معلومة من الدين بالضرورة. فمثلاً: أجمع العلماء على أن القول بخلق القرآن كفر، وأن القرآن كلام الله غير مخلوق، وهذا مجمع عليه، لكن هذه المسألة ليست منتشرة بين العوام، واسأل أي واحد في الشارع فلن تجده يعرفها. لكن القول بأن الله واحد، وأن القرآن كلام الله، وأن جبريل هو الذي أتى بالوحي إلى الرسول ﷺ ، وأن محمداً رسول الله، وأن عيسى رسول الله، وأن موسى رسول الله، وأن إبراهيم خليل الله ورسوله؛ كل هذا مجمع عليه بين العلماء وهو معلوم من الدين بالضرورة. فكل الناس تعرف أن سيدنا إبراهيم نبي ورسول، وكلهم يعرفون سيدنا موسى وسيدنا عيسى، ويعرفون القيامة والجنة والنار، ولو جاء واحد يخالف شيئاً من هذا، لقلنا له: هذا كفر -والعياذ بالله- فهناك أشياء مجمع عليها وإن لم تكن مما يعلمها عوام الناس، كأنواع الشفاعة، فإنه مجمع على أنه يوجد شفاعة لخروج العصاة الموحدين من النار، لكن هذا ليس معلوماً من الدين بالضرورة في زماننا هذا، بل حتى في الأزمنة القديمة.

стр. 39

الخلاف في رؤية النبي لربه في الدنيا إن المسائل الكبيرة واضحة، لكن يوجد في بعض تفاصيل ذلك بعض الاختلافات السائغة، كما أشار إليها العلماء، وقد ذكر ابن تيمية ﵀ من ذلك: الخلاف في رؤية النبي ﷺ ربه، والخلاف في تفضيل عثمان على علي، وقال: إن هذه لا يبدع فيها ولا يضلل بالاتفاق. ومن ذلك: هل رأى النبي ﷺ ربه ليلة المعراج؟ وما الراجح في هذه المسألة؟ والراجح فيه أن رسول الله ﷺ رآه بقلبه ولم يره بعينيه، ولكن الخلاف فيها سائغ.

стр. 40

الخلاف في تفضيل عثمان على علي والخلاف في تفضيل عثمان على علي، خلاف سائغ، والراجح فيه تفضيل عثمان، ولا نزاع في الخلافة، فالخلافة يضلل فيها المخالف، لكن الخلاف السائغ في مسألة تفضيل عثمان على علي، فالجمهور على تفضيل عثمان، ولا يضلل من فضل علياً.

стр. 41

الخلاف في تفسير قوله تعالى (فثم وجه الله) ومن هذا النوع أيضاً الخلاف في تفسير بعض آيات القرآن، ومنها ما يتعلق بالأسماء والصفات، كقوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥] فبعض العلماء يقول: إن هذه من الصفات، ويذكرها في إثبات صفة الوجه، والبعض الآخر -وهم الجمهور- يقولون: إن هذه ليست من آيات الصفات. فعن عكرمة عن ابن عباس: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥] قال: قبلة الله، أينما توجهت شرقاً وغرباً، ونحوه عن مجاهد، ويشهد لهذا ما ذكر في سبب نزولها. فالوجه على هذا التفسير: الوجهة، ونسبته إلى الله إضافة تشريف، والمعنى: الوجهة التي يتوجه بها إلى الله، كما يقال: سرت في هذا الوجه وسار فلان في هذا الوجه، فليست من آيات الصفات، واحتج بها غير واحد من علماء السلف على إثبات صفة الوجه لله ، وأن هذه من آيات الصفات، والراجح أن هذه آية من آيات الصفات، لكن الخلاف سائغ. وهذا اختلاف اعتقادي؛ لأن مرده إلى أمر علمي ليس عليه عمل، ومع ذلك فالخلاف فيه سائغ، فالاختلاف في فهم معاني القرآن كلها داخل في الأمور العلمية الاعتقادية، وتفسير القرآن كله من الباب العلمي؛ لأنه ذكر معنى كلام ربنا الذي هو صفة من صفاته، فكون أنني أفهم هذا اللفظ من الكتاب على هذا الوجه، وأعتقد صحته أمر اعتقادي، وهذا أكثره خلاف سائغ، وأكثر الخلاف بين المفسرين خلاف سائغ.

стр. 42

الخلاف في عصمة الرسل من الصغائر غير المزرية ومنها اختلاف العلماء في عصمة الرسل من الصغائر غير المزرية، وهو أمر اعتقادي، والخلاف فيه مشهور، فالعلماء متفقون على عصمتهم من الكفر، ومتفقون على عصمتهم من عدم إتمام تبليغ الرسالة، وأنه لا يوجد أحد منهم يكتم التبليغ، ومتفقون أيضاً على عصمتهم من الكبائر، ومن الصغائر المزرية التي تزري بقدرهم، والتي تنفر الناس من اتباعهم. واختلفوا في الصغائر غير المزرية، فرجح طائفة -منهم شيخ الإسلام ابن تيمية - عدم عصمتهم منها ابتداءً، ولكن يتوبون أي: أنهم معصومون من الإصرار عليها، يعني: يمكن أن تقع منهم ابتداءً لكن لا يصرون عليها، بل يتوبون منها؛ احتجاجاً بظواهر الكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه:١٢١] وقال عن موسى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ [القصص:١٦] وقوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح:٢]. وفي حديث الشفاعة أن كلاً من أولي العزم من الرسل يذكر خطيئته التي أصاب ما عدا عيسى ﷺ . ورجحت طائفة أخرى عصمتهم من تعمد جميع الذنوب، وأن ما ورد في تسميته ذنباً هو من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين، ونسبه النووي إلى طائفة من المحققين، ورجحه القرطبي وابن حزم. فهذا خلاف سائغ كما عرفنا، والذي أرى أن الراجح فيها عصمتهم من الصغائر والذنوب كلها، وأنهم لا يتعمدون فعل شيء منها، فمعصية آدم كانت نسياناً، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه:١١٥]، وقتل موسى كان خطأ، فالخطأ والنسيان وارد، وهو متفق على عدم عصمتهم من النسيان، وكذبة إبراهيم كانت تعريضاً، وذنب محمد ﵌ كان غيناً على قلبه، وقد قال: (إنه ليغان على قلبي، وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة). والغين هذا فتور عن الذكر فقط، وخطأ غير مقصود في الاجتهاد، مثل قول الله في الرسول ﷺ : ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى﴾ [عبس:١ - ٢]، فذنوب النبي ﵊ عبارة عن خطأ في الاجتهاد وفتور عن الذكر وليست تعمداً لفعل معصية، ومن أدلة هذا قول النبي ﷺ : (فمن يطع الله إن عصيته)، رواه مسلم. هذا دليل على أن الرسول ﷺ لو عصى ربنا فما أحد سيطيعه، وهذا لا يمكن حصوله؛ لأن ربنا قال: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف:١٨١] إذاً: لابد أن يوجد من يطيع الله، وإذا كان الرسول سيعصي فما أحد يطيعه، وهذا لن يحصل، إذاً: الرسول لا يعصي.

стр. 43

الخلاف في نبوة الخضر ومنها اختلافهم في الخضر هل هو نبي أم لا؟ وهذه مسألة الراجح فيها الوقف، ورجح ابن حجر أنه نبي لقوله تعالى: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف:٨٢] ولسد باب الزندقة في ادعاء الخروج عن الشريعة، وتفضيل الأولياء على الأنبياء. فإن قيل: الراجح أن الخضر نبي؛ لأنه أوحي إليه ولا يوحى إلا إلى الأنبياء؟ فنقول: هو وحي بالتأكيد، لكن ليس شرطاً أن يكون وحياً مباشراً، فيمكن أن يكون هناك نبي في زمنه أوحى الله إليه أن يأمر الخضر بذلك. وهذا أمر فيه خلاف، والأدلة فيه غير قطعية، فلو قال واحد: الخضر ليس نبياً، فباتفاق العلماء لا يكفر ولا يضلل ولا يبدع، لكن شرط أنه يلتزم بعدم جواز الخروج عن الشريعة؛ لأن هذا الكلام وارد في زمن سيدنا موسى ﵊، حيث لم يوجد نبي تلزم شريعته جميع أهل الأرض كالنبي ﷺ . وجاء في نواقض الإسلام أن من ظن أن أحداً يسعه الخروج عن شريعة محمد ﷺ كما وسع الخضر أن يخرج عن شريعة موسى كفر. فالحقيقة أن هذه المسألة الأدلة فيها أدلة غير قطعية بل هي أدلة احتمالية، بخلاف أدلة نبوة موسى وإبراهيم ومحمد صلى الله عليهم وسلم التي من يكذب بها يكفر بلا نزاع.

стр. 44

الخلاف في نبوة مريم وهكذا الخلاف في مريم هل هي نبية أم لا؟ فيها خلاف، وهل هناك أنبياء من النساء أم لا؟ قد قال بكل واحد من القولين فريق من علماء أهل السنة، والخلاف في مريم نقله ابن تيمية والنووي فنقلاً عن جماهير العلماء أنها ليست نبية؛ احتجاجاً بقوله تعالى: ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ [المائدة:٧٥] وقالوا: هذا في مقام الثناء، ولو كان لها وصف ثانٍ لوصفت به. وهذا لا يلزم، لأنه من الممكن أن يثنى على إنسان بوصف أقل، مثل قوله تعالى في إبراهيم: ﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ [مريم:٤١] ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ [مريم:٤١] فهذا لا ينفي أنه خليل الرحمن. ويستدل له أيضاً بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ [يوسف:١٠٩] فهذا يدل على أنه لا يوجد رسل من النساء. ونقل القرطبي والقاضي عياض عن الجمهور عكس ذلك، فالمغاربة ينقلون عن الجمهور أنها نبية، والمشارقة ينقلون عن الجمهور أنها ليست نبية، والأمر فيه خلاف سائغ، والذي رجحه ابن حزم أنها نبية. ودليل ابن حزم أنها تلقت الخطاب من روح القدس جبريل ﵊ بأمر الله. ولكن هذا ليس شرطاً أيضاً، فمن الممكن أن يسمع الإنسان الملك ولا يكون نبياً؛ فالنبوة شيء آخر. والراجح فيها الوقف، والوقف معناه: أننا لا نرجح أحد القولين، والحقيقة أن هذا قول ثالث؛ لأننا نقول: إن البشر لا يعرفون هذا الموضوع، والأمر مربوط علمه بالله فنفوضه. وهذه مسائل اعتقادية بالتأكيد. فمن يخالف في نبوة سيدنا موسى وفي نبوة سيدنا عيسى يكفر؛ لأن هذه مسائل اعتقادية قطعية.

стр. 45

الخلاف في رؤية أهل الموقف لله ومنها الخلاف في رؤية الله في الآخرة: هل هي خاصة بالمؤمنين أم يراه أهل الموقف جميعاً ثم يحجب عن الكفار؟ فالعلماء متفقون على أن هناك حجاباً عن الكفار، لكن هل يراه أهل الموقف جميعاً أم يراه المؤمنون والمنافقون ثم يحجب عن المنافقين أم يراه المؤمنون ويحجب عن المنافقين؟ في المسألة ثلاثة أقوال: القول الأول: يراه أهل الموقف جميعاً. القول الثاني: يراه المؤمنون والمنافقون. القول الثالث: يراه المؤمنون فقط. وإنما انعقد إجماع أهل السنة على رؤية المؤمنين ربهم. والتبديع إنما هو في قول من قال: لا أحد يرى ربه، أو قال: إن المؤمنين لا يرون ربهم، أو قال: إن الله لا يرى في الآخرة. وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية هذه الأقوال وذكر أن هذه المسألة مما لا توجب العداوة، ومال ﵀ إلى ترجيح أن جميع أهل الموقف يرونه لحديث مسلم عن أبي هريرة قال: (قيل: يا رسول الله: هل نرى ربنا يوم القيامة)، الحديث. وفيه قال: (فوالذي نفسي بيده لا تضارون في رؤية ربكم إلا كما تضارون في رؤية أحدهما -يعني: الشمس والقمر- فيلقى العبد فيقول: أي فل فلان ألم أكرمك وأزوجك وأسخر لك الخيل والإبل وأذرك ترأس وتربع؟ -يعني: تصبح رئيساً، وتأخذ المرباع، وهو ربع الغنيمة- فيقول: بلى، فيقول: أفظننت أنك ملاقي؟ فيقول: لا، فيقول: فإني أنساك كما نسيتني). وهذا القول هو خلاف قول الجمهور، بل بعض العلماء ممن لم يطلع على الخلاف يقول: إن هذا قول لا يقوله أحد من أهل السنة. فقد ذكر النووي في شرح مسلم هذا الموضوع وقال: ليس من قول أهل السنة القول برؤية جميع أهل الموقف. وهذا القول رجحه ابن القيم في حادي الأرواح. والجمهور على أنه لا يراه إلا المؤمنون، ونقل هذا النووي في شرح مسلم عن أهل السنة، وضعف غيره؛ وذلك لقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥]. والذي يقول بعدم الرؤية يقول: سيلقى العبد ربه واللقاء لا يستلزم الرؤية. ونقول: الآية دلت على وجود المانع. وقال الآخرون: نحن نقول بظاهر الحديث، ونقول: إن قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥] أي: بعدما يلقونه؛ ليعلموا أن لقاء الله حق كما قال تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ﴾ [النحل:٣٩]. ووجه الجمع هذا أولى وأليق بظاهر الحديث، وأما قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥] فمحمول على أنهم يحجبون بعد أن يروه. وقالوا: هذا لا يرد على القول الأول؛ لأنهم يرونه، ثم يحجب عن الكفار والمنافقين، ورؤيتهم أول مرة ليست رؤية تكريم بل ليوقنوا بلقائه، كما قال تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ﴾ [النحل:٣٩]. فإن قيل: وهل اللقاء يستلزم الرؤية؟ فنقول: اللقاء لا يستلزم الرؤية على الراجح، وهذا اللقاء رتب الرسول ﷺ الرؤية عليه، فقال بعد أن ذكر الرؤية: (فيلقى) وهذه الفاء تدل على أنهم يرونه عندما يلقونه.

стр. 46

الخلاف في تسمية أفعال الرب حوادث ومنها الخلاف في تسمية أفعال الرب حوادث، وهل يصح أن نقول: إن فعل الرب حادث، كما في قوله تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنبياء:٢] فالذي قال فيه: إنه حادث، قصد أنه قديم النوع حادث الأفراد، فتسمى حادثة مع الإجماع على أنها ليست مخلوقة، وأن حدوثها ليس كحدوث المخلوقين، وهذا نص ترجمة الإمام البخاري في كتاب التوحيد، فقال: باب قول الله: ((مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ)) وأن حدثه لا يشبه حدث المخلوقين، فهذا ترجيح من الإمام البخاري لتسمية أفعال الرب بأنها بالحوادث. وقال قوم: كلام الله ليس بمحدث، وابن تيمية يقول: هو محدث وليس معنى محدث، عندهم أنه مخلوق، لكن معناه: أن الله تكلم به في وقت معين، فكلم الله به موسى حين كلمه ولم يكن كلمه قبل ذلك، أو بمعنى أنه محدث إلينا. فالإمام البخاري ذكر هذا في هذه الآية، فلا يلزم من كونه محدثاً أن يكون مخلوقاً؛ لأن حدثه لا يشبه حدث المخلوقين، فالإمام البخاري وابن تيمية وابن القيم ﵏ قالوا: إن أفعال الرب تسمى حادثة. وغلطوا من قال: حادث بعد أن لم يكن، وقالوا: هو قديم النوع حادث الأفراد. إذاً: فالخلاف في المسألة خلاف سائغ، مع أنها مسألة اعتقادية.

стр. 47

الخلاف في مسائل التكفير ومنها الخلاف في كثير من مسائل التكفير، وأن هذا يكفر أو لا يكفر، وهذه المسألة اعتقادية، وينبني عليها كثير من أحكام الولاء والبراء، والحب والبغض، وهذه من مسائل التوحيد، ومع ذلك فقد ثبت فيها الاختلاف السائغ باتفاق أهل العلم بحيث لا يضلل المخالف.

стр. 48

الخلاف في مسألة تكفير تارك الصلاة ومنها مسألة تكفير تارك الصلاة، فالمسألة هذه باتفاق العلماء خلافها خلاف سائغ، رغم أن هناك من يفتي أن الخلاف فيها غير سائغ، وأن المخالف فيها من أهل البدعة، والصواب: أن الخلاف فيها سائغ، لا ينكره إلا من لا يعلم الخلاف. فتارك الصلاة ذهب إلى تكفيره أحمد في رواية وإسحاق بن راهويه وعبد الله بن المبارك وغيرهم وذهب الجمهور مالك والشافعي وأبو حنيفة وأحمد في رواية أخرى وقبلهم الزهري وعمر بن عبد العزيز وغيرهم إلى أنه كفر لا ينقل عن الملة، مع الاتفاق على أن من تركها جاحداً بوجوبها فهو كافر إن كان مثله لا يجهل ذلك. فالخلاف في تكفير تاركها وليس جاحدها، وليس من يأبى الصلاة ويردها، وإنما من يقول: أنا متكاسل عنها، وأنا أعرف أن الصلاة فرض وسأحاول أن أصلي إن شاء الله. فهذا الذي اختلف فيه، وكذا المباني الأربعة عدا الشهادتين اختلف في حكم تاركها تكاسلاً أو بخلاً. فإن قيل: وحديث: (إذا صلحت صلح سائر عمله، وإذا فسدت فسد سائر عمله ودخل النار)؟ قلنا: لا يلزم من دخوله النار خلوده فيها، فيمكن أن يخرج بشفاعة الشافعين وبشفاعة أرحم الراحمين. ومن رأى كفر تارك الصلاة، لا يقول عمن لم يكفر تارك الصلاة: هذا كافر أو هذا ضال مبتدع؛ من أجل أنه ما كفر تارك الصلاة، بل بإجماع العلماء أنه لا يضلل ولا يبدع، فنحن ما سمعنا قبل عصرنا الحاضر الذي ابتدع فيه بدعة الإرجاء أن أحداً من العلماء بدع مالكاً أو بدع الشافعي أو بدع أبا حنيفة من أجل أنهم لم يكفروا تارك الصلاة، أو رد على عمر بن عبد العزيز وقال: إنه مبتدع. فهذا ما حصل أبداً ولم يؤثر عن أحد من العلماء أنه قال: هؤلاء مرجئة.

стр. 49

الخلاف في تكفير الخوارج والرافضة والمعتزلة ومنها تكفير بعض أهل البدع كالخوارج والرافضة والمعتزلة، فهذه مسألة خلافية بين العلماء. والرافضة: هم الذين يسبون أبا بكر وعمر. والخوارج: هم الذين يكفرون بالكبائر. فالمسألة فيها: خلاف بين العلماء، والراجح فيها أن أقوالهم أقوال كفرية والمعين لا يكفر حتى تقام عليه الحجة. فمن العلماء من يحكم عليهم بأنهم خارج فرق الإسلام، ويقول: هؤلاء كفرة نوعاً وعيناً، وعامة العلماء على عدم تكفيرهم، وأكثر العلماء يطلق عدم التكفير ويقولون: ليسوا كفاراً. وهذا ظاهر المنقول عن علي ﵁ في الخوارج، والشافعي كلامه في الرافضة نص صريح، فإنه قال: تجوز شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية -وهم فرقة من الرافضة وليسوا كل الرافضة- فإنهم يستحلون الكذب، فأما باقي أهل الأهواء فتجوز شهادتهم. وهذا الكلام من الإمام الشافعي ﵀ يدل على أنه ربما لا يفسق بعضهم أيضاً. يعني: أن هذه البدعة لا تقتضي فسقه إذا كان متأولاً ولم تقم عليه الحجة. فالراجح في هذه المسألة: أن فرق الرافضة والخوارج والمعتزلة أقوالهم كفر، والمعين منهم إذا أقيمت عليه الحجة يكفر، وقبل إقامة الحجة لا يكفر، ومن يراجع المسألة يجد أن الجمهور على عدم تكفيرهم، ولكن القول بتكفيرهم سائغ إذا قاله عالم مجتهد، وقد نقل عن مالك وعن بعض أهل الحديث تكفير الخوارج والرافضة. ومسألة تكفير الروافض الآن كثرت جداً من طلبة العلم، بل قد تجد الإجماع عليه عندهم؛ نتيجة أن المشايخ الذين أفتوا بذلك ما بينوا الخلاف القديم فيها، وأن أهل السنة ما زالوا يعاملونهم ضمن أهل الإسلام، رغم أن الذي في كتبهم كفر لا شك فيه. ولكن في مسألة التكفير لوازم ينبغي مراعاتها، فالرافضي قد يقبل ما يقوله مشايخه، لكنه لا يلتزم هذا الكلام ولا يعرفه، فمثلاً: ليس كل رافضي يعرف ما في كتاب الكافي، وهكذا ليس كل سني يعرف ما في البخاري، ولا يعرف ما في فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية. وعوام الشيعة الذين يأتون يصلون معنا في الحرم ويحجون ويعتمرون ونحو ذلك هل نقدر أن نقول: إن كلهم عارفون ما في كتاب الكافي؟ حتى مشايخهم ربما يكونون مقلدين، فتجد شيخاً لابساً عباية ولكنه مقلد لأئمتهم في الضلال والعياذ بالله. ولا شك أن الأقوال الموجودة في الكافي أقوال كفر صريح، ولكن لا يلزم من ذلك تكفير كل شيعي رافضي. وبالتالي نقول: جمهور العلماء على هذا، وهذا هو الراجح، فإننا لا نكفر بالعموم ولا بغير إقامة حجة. فالذين يسبون الصحابة ارتكبوا معصية عظيمة، ومن يسب الإمام ومن يكفر من بشروا بالجنة فكلامه هذا كلام كفر، والرد على الرسول ﷺ يلزم منه الكفر، لكن هو عنده أن الرسول ما قال كذا، أو عنده أن الرسول بشرهم بالجنة لو صدقوا، فعنده تأويلات، فلا بد من إقامة الحجة، ثم إن عوامهم نشئوا على هذه العقائد. فإن قيل: فهل يمكن أن نكفر رءوسهم وعلماءهم؟ فنقول: لا؛ لأن كثيراً منهم جهلة في الحقيقة، وبالتالي فلا بد في المعين عموماً أن ننظر هل قامت الحجة عليه أم لا؟ وإلا فـ نافع بن الأزرق كان رأساً في الخوارج، وكان ابن عباس يناظره ويبعث له ويذكر له أدلة وقال: وما أراك خارجاً منها، يعني: أخاف أنك لن تخرج من النار، لما كان يكذب بخروج الموحدين من النار، فكان ابن عباس يراسله ويبعث له بالأجوبة في المسائل الفقهية والمسائل الاعتقادية، وكان يناظره مناظرات عديدة ويلتقي به، فلو كان ابن عباس يرى ردته ما كان جالسه، مثلما فعل أبو موسى لما قتل الرجل الذي تهود بعد إسلامه فقال معاذ ﵁: لا أجلس حتى يقتل؛ قضاء رسول الله ﷺ ، فقتله أبو موسى ﵁. فهل عاملوا أهل البدع بنفس الطريقة التي عاملوا بها مسيلمة الكذاب؟ لا، وإنما كانوا يكاتبونه ويراسلونه مثلما كان ابن عباس يراسل نافع بن الأزرق. وبالتأكيد فإن الأمر مختلف، فمن يراجع أبواب الردة من كتب الفقه سيجد كثيراً من هذا النوع الذي هو اختلاف في تكفير بعض أصحاب البدع والاعتقادات والأقوال الفاسدة، فتجد من يقول: قال الحنفية: يكفر، والراجح عندنا أنه لا يكفر. فتجد أن عندهم مسائل في الردة فيها خلاف. وبالتالي فهذه مسألة اعتقادية لا يضلل فيها، فعند أن تجد من يقول في مسألة معينة: الراجح أنه يكفر أو يقول: الراجح أنه لا يكفر، تعرف أن هذه مسألة لا يضلل المخالف فيها، وأن الخلاف فيها خلاف سائغ.

стр. 50

الخلاف في تحقيق المناط في قضايا تكفير الأعيان ومنها الاختلاف في تحقيق المناط في قضايا تكفير الأعيان، بناءً على استيفاء الشروط وانتفاء الموانع. وشروط التكفير هي: العقل، والبلوغ، وإقامة الحجة، وهي من أهمها. وموانعه: الجنون، والصغر، والجهل الناشئ عن عدم بلوغ الحجة، والخطأ، والنسيان، والإكراه، والتأويل. فلما نقول: إن فلاناً قامت عليه الحجة أو استوفيت فيه الشروط، والبعض الآخر يقول: لم تستوف فيه الشروط، فهذا اسمه اختلاف في تحقيق المناط، بمعنى: أننا متفقون على مناط الحكم، فلو قلنا: مناط استحقاق الزكاة الفقر، فنحن متفقون على هذا الحكم؛ لأن ربنا قال: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة:٦٠] فمناط الحكم وجود وصف الفقر، ثم نأتي نختلف في فلان من الناس هل هو فقير أم لا؟ فيقول شخص: أنا أحس أن حاله فقير، وثانٍ يقول: أنا وجدت عنده كذا وكذا وكذا، فهذا ليس فقيراً. فهذا اسمه اختلاف في تحقيق المناط. فهم مسلمون فقهياً ولا يوجد خلاف فقهي، لكنهم مختلفون في التطبيق على الواقع، وعلى وصف شخص بأنه فقير أو ليس بفقير. ومن ضمن هذا الخلاف أن نكون متفقين على تكفير من يحكم بغير ما أنزل الله على جهة الاستحلال وعلى جهة الجحد وعلى جهة إلزام الناس بغير الشريعة. ولكن يختلف العلماء فيقول أحدهم: فلان هذا عنده عذر، والثاني يقول: ليس عنده عذر وقد أقيمت عليه الحجة، والثالث يقول: لم تقم عليه، وغيره يقول: هذا عنده تأويل، ويقول آخر: علماء السوء ضللوه، ويقول آخر: هو الذي يضلل علماء السوء وهكذا. فهذا الخلاف من الخلاف السائغ، وهذا الكلام مرده إلى القاضي الذي يطبق الحكم، أو العالم الذي سيقسم المواريث، وسيحكم بفراق الزوجة، وأن الرجل هذا أقيمت عليه الحجة أو لم تقم؛ لأنه سيترتب عليها أحكام، فالقاضي أو العالم هو الذي إليه مرد الأمر. فهذه المسألة مهمة جداً؛ لأن مبناها على الاختلاف في تحقيق المناط، مع أن الأصل متفق عليه. مثال آخر: سب الدين كفر وسب الله كفر باتفاق العلماء، لكن وجدنا ولداً يسب الدين، فهذا الولد هل نقول: كفر أم لا؟ تجد من يقول: لا يكفر؛ أنا رأيته صغيراً، وآخر يقول: يكفر؛ لأنه قد بلغ بالفعل، فقد عمل كذا وكذا، أو أن طبيباً كشف عليه ووجد أنه قد أنبت، وآخر يقول: الطبيب هذا ليس كفئاً. فلو أن قاضياً عرض عليه هذا الموضوع فقد يختبره في تحقيق المناط، وأنه استوفى الشرط الذي هو البلوغ أم لم يستوفه؟ وهل استوفى شرط الإكراه أم لم يستوفه؟ فقد يأتي من يقول: كان مكرهاً؛ فقد رأيت واحداً كان يهدده بمسدس. والثاني يقول: لا أنا ما رأيت ذلك، ولم يكن مكرهاً. فهذا خلاف في التطبيق على الواقع، وهذا الخلاف هذا خلاف سائغ، وبالتالي فبعض العلماء يمكن أن تستوفي عنده الشروط وتنتفي الموانع فيحكم بتكفير شخص معين، وآخر لم تستوف الشروط عنده أو يكون هناك بعض الموانع، أو يكون عنده احتمال في بعض الموانع فيتوقف عن التكفير؛ حذراً من تكفير المسلم. فهذه المسألة لا يجوز أن تكون سبب ضغينة بين المختلفين فيها؛ لأن الخلاف فيها خلاف سائغ في تحقيق المناط، مع أنها قد يكون لها توابع عقدية، فمثلاً: الذي لا يكفِّر، لا يقول عن الذي يكفِّر: هذا من الخوارج، والذي يكفِّر لا يقول عن الذي لا يكفِّر: هذا من المرجئة.

стр. 51

الخلاف في تكفير تارك الصلاة ليس اختلافاً في تحقيق المناط إن قيل: هل الاختلاف في تكفير تارك الصلاة، اختلاف في تحقيق المناط؟ قلنا: لا؛ لأن الاختلاف في تكفير تارك الصلاة ليس في تحقيق المناط، وإنما الخلاف في أصل الحكم. ليس من أجل احتمال أن يكون جاهلاً بها أو صغيراً، فأنا أقول: إن ترك الصلاة تكاسلاً كفر دون كفر، والثاني يقول: هذا كفر ناقل عن الملة، فهذا كحكم وليس كمناط، فنحن مختلفان في مناط الحكم وليس فيمن سيتعلق به هذا الحكم، وليس الخلاف في أنها ركن من أركان الإسلام، لكن بعض العلماء يحمل حديث: (من تركها فقد كفر) على ظاهره وأنه كفر ناقل عن الملة، والبعض الآخر يؤوله كفراً دون كفر. والبعض يقول عن تارك الصلاة: أنا أعذره بالجهل، أو لا أريد تكفير المعين أو يقول: لو كفرت تارك الصلاة لكفرت كل الأمة. فنقول له: لا تخف؛ فنحن لن نطبق هذا الكلام على المعين إلا بعد استيفاء شروط التكفير وانتفاء موانعه ولن نلتزم بتكفير المعين، هذا مخرج الدكتور سفر. فالخلاف إنما هو في تحقيق المناط، فمثلاً: نحن متفقون على أن القتال في سبيل الله يصرف له من الزكاة، بخلاف بناء المساجد؛ ففيه خلاف هل هو في سبيل الله أم لا، فهذا اختلاف في أصل الحكم وفي المناط نفسه، وليس في تحقيق المناط. فإن قيل: هل يمكن أن يكون الشخص جاهلاً بتحريم ترك الصلاة؟ فنقول: ليس هناك جهل في ترك الصلاة إلا لو كان المرء يعيش في أدغال أفريقيا -مثلاً- أو حديث عهد بإسلام، لكن ليس هو لعوام المسلمين في بلاد المسلمين اليوم، فإن الناس اليوم في أي بلد من بلاد الكفار يعرفون حرمة ترك الصلاة فضلاً عن بلاد المسلمين، والكفرة يعرفون رمضان، فلو رأوا واحداً يفطر في رمضان لعرفوا أن هذا ارتكب غلطاً، فضلاً عن المسلمين اليوم، فكلهم يعرفون رمضان، فلا يصح أن أختلف مع أحد في تحقيق المناط في هذا لأن هذا متفق عليه. فالذي يقول بتكفير من أفطر عمداً في رمضان وترك صوم رمضان، يلزمه تكفير كل من أفطر عمداً إلا المجانين والصغار. فالذي يقول بتكفير تارك الصلاة كفراً ناقلاً عن الملة، يحكم في بلد من بلاد المسلمين بانفساخ نكاحه وأن أهله لا يصلون عليه سواء أقيم عليه حد الردة أم لا، ولا ينبغي أن نقول: ليس في المسألة فائدة، بل لها فائدة من جهة الأحكام، فنقول عن زوجته مثلاًً: هل هي زوجته أو ليست زوجته؟ والمعاشرة بينهما زنا أم حلال؟ وهل يلزمها أن تفارقه ولا تسلمه نفسها؟ ولو سلمته نفسها هل تكون آثمة أم غير آثمة؟ فهذه الأحكام مبنية على فتوى، حتى وإن لم يقم عليه حد الردة، وبالتالي لا بد من تعليقها على تحقيق المناط. فالاختلاف في تكفير تارك الصلاة اختلاف في تخريج المناط، وليس في تحقيق المناط.

стр. 52

الخلاف في تحقيق المناط لا يوجب العداوة بين المختلفين إن تحقيق المناط في قضايا تكفير الأعيان لا يوجب عداوة فيما بيننا، خاصة في المسائل المهمة كمسألة الحكم بغير ما أنزل الله، أو مسألة تارك الصلاة لأنهما مسألتان من المسائل الكبار، وهكذا مسائل الولاء والبراء أيضاً، وكذلك قضايا الاستغاثة بالقبور، فنحن لا نختلف مع أحد من أهل السنة في أن دعاء غير الله كفر ناقل عن الملة، ولكن نحن نختلف في تكفير عين من قال: مدد يا بدوي. فهذا اختلاف في تحقيق المناط، وليس في تخريجه، فنحن متفقون على مناط الحكم، وأن دعاء غير الله -كأن يقول: مدد يا سيدي فلان- كفر ناقل عن الملة، واعتقاده في أنه يملك النفع والضر شرك ناقل عن الملة، لكن ننظر هل هذا الرجل قامت عليه الحجة أم لا؟ وهل جهله ناشئ عن عدم البلاغ أم لا؟ لأن الجهل الناشئ عن الإعراض عن الحجة بعد بلوغها لا يعذر به، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة:٦] يعني: أن الكفرة لا يعلمون أنهم جهلة، وربنا قال عن فرعون: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ [الأنعام:١١١] فهذا جهل العاقبة وجهل الإعراض عن أصل الدين، فهؤلاء الكفار لا يعلمون بسبب جهل الإعراض، أما فرعون فجهله جهل عاقبة. أما المسلم الذي ثبت إسلامه ثم لم يبلغه تفصيل معين في عقيدة أو عمل سواء كان مقصراً في طلب العلم أم غير مقصر فإنه لا يكفر، وإن كان يأثم بالتقصير في طلب العلم وإذا كانت عنده إمكانية لطلب العلم ولم يطلبه، فهذا إن بلغه الحق فأعرض ينظر في المخالفة التي ارتكبها، أهي من الأمور المكفرة؛ كارتكاب الشرك الأكبر، أم لا تكفره، كالذنوب والمعاصي؟ فمثلاً: أحدهم قامت عليه الحجة في أن مصافحة المرأة الأجنبية حرام، ووجدته بعد أن بلغته الحجة صافح امرأة أجنبية، فنقول: إنه بعد أن صافحها عمل معصية. وآخر قامت عليه الحجة في أن العادة السرية محرمة، وعرف هذا ثم عملها فنقول: هذا عاصٍ. وآخر قامت عليه الحجة في أن قوله: (مدد يا بدوي) شرك، ثم قال: مدد يا بدوي، فهو كافر، والعياذ بالله! وآخر قامت عليه الحجة في أن الحكم بما أنزل الله فرض وأن الحكم بغير ما أنزل الله من الكفر، ثم حكم بغير ما أنزل الله، فهذا يكفر طالما أنه استوفى شروط التكفير أينما كانت. فإن كانت المعصية من المكفرات فيحكم بكفره؛ لبلوغ الحجة وزوال الشبهة، ولا اعتبار بإعراضه، ولا التأويل الباطل الذي يخالف المعلوم من الدين بالضرورة، ولكن يعلم بطلانه أهل العلم، كأن يأتي رجل فيؤول الصلوات الخمس بأنها ذكر أسماء أهل البيت. ويقول: الصلوات الخمس أن يقول: علي وفاطمة وحسن وحسين ويقول: إن الزنا هو أن يبلغ الإنسان سر الطائفة إلى غير الطائفة؛ لأنه من إدخال الشيء في شيء آخر، أما أنه يعاشر امرأة أجنبية ولو أدخل الفرج في الفرج فهذا ليس بحرام، فمثل هذا كافر ولا أقول: إنه تقام عليه الحجة؛ لأن هذا معلوم من الدين بالضرورة، وهذا تأويل، لكنه تأويل لا يعتد به؛ لمخالفته ما هو معلوم من الدين بالضرورة. أما التأويل الباطل فالعلماء فقط هم الذين يعرفونه، ولا بد من إقامة الحجة؛ لأنه في الحقيقة نوع من الجهل.

стр. 53

موانع التكفير والتفسيق وموانع التكفير والتفسيق هي: الجنون والصغر والجهل الناشئ عن عدم بلوغ الحجة والخطأ والنسيان والإكراه والتأويل. وهذه الموانع كأحكام عامة لا يعرف عن علماء السلف اختلاف في اعتبارها، ونرى أن الخلاف في عدم اعتبارها أصلاً ليس سائغاً. ومع ذلك هناك فتاوى قديمة لبعض العلماء وفتاوى لبعض المعاصرين يقولون فيها: فلان هذا كافر وإن لم تبلغه الحجة أو عنده جهل وإن كان في أدغال أفريقيا، والجهل منتشر هناك، ومع ذلك يحكم بكفره. وبعضهم يقول: إنه يعامل في الآخرة معاملة الممتحن، وحكمه في الدنيا كافر. فالحقيقة أن هذه المسألة ليست هكذا، فهي ليس فيها خلاف سائغ عند السلف، رغم وجود بعض الخلاف عند المعاصرين، وهذا خطأ منهم -والله أعلى وأعلم- وأنا لا أشك في خطئه، فـ ابن تيمية ينقل الإجماع على ذلك، والاتفاق عند السلف قائم على عدم وجود مسائل اسمها مسائل أصول يكفر فيها المخالف، ومسائل اسمها فروع لا يكفر فيها المخالف؛ فالمسألة مبناها على نوع الدليل في المسألة. فالذي يخالف في عذر الإكراه مثلاً ويقول: حتى ولو أكره يكون كافراً، والذي يخالف في عذر التأويل ويقول: حتى ولو كان متأولاً أي تأويل فهو كافر، فقد أخطأ خطأً بيناً؛ لأن السلف اتفقوا على ذلك، لكن الخلاف السائغ في هذه هو عند تطبيق هذه الأمور، فقد أتفق مع أحدهم أن العذر بالجهل عذر لكن أختلف معه في أشخاص معينين، فأقول: هؤلاء جهلة، ويقول: هؤلاء غير جهلة، وهؤلاء قامت عليهم الحجة، فهذا خلاف سائغ؛ لأن هذا خلاف في في تحقيق المناط. فنحن متفقون على أن الجهل عذر -والمقصود: الجهل الناشئ عن عدم البلاغ- ومختلفون في أن هؤلاء وصلتهم الحجة أم لم تصلهم، والبعض يعتبر وجود الدعوة فقط كافٍ، والبعض يقول: الدعوة لم تنتشر الانتشار الكافي بين الناس، وهناك فتوى للشيخ ابن باز ﵀ يقول فيها: إن بلادنا وبلاد غيرنا فيها من أهل التوحيد مثل أنصار السنة، وبالتالي فالناس متمكنون من أن يصلوا إلى الحجة. وأنا أقول: الحقيقة أن أنصار السنة انتشارهم محدود الأثر، ولا نقول: إن الأمر انتشر بين المسلمين حتى صار من المعلوم في الدين بالضرورة.

стр. 54

الأسئلة

стр. 55

مسائل التوحيد في بلاد الحرمين من المعلوم من الدين بالضرورة السؤال هل مسائل التوحيد في السعودية معلومة من الدين بالضرورة؟ الجواب نعم؛ لأنه من حين أن ينشأ الطفل وهو يعرف أن دعاء غير الله شرك، ويعرف غير ذلك من أمور التوحيد، فلو أتى واحد من السعودية نشأ في وسط المجتمع وقال: مدد يا سيدي فلان، فإنه يكفر مباشرة، لكن من نشأ في مكان فيه جهل ليس حكمه كذلك.

стр. 56

نوع الخلاف في نبوة الخضر وذكر شروط تكفير المعين السؤال هل الخلاف في نبوة الخضر خلاف في تحقيق المناط؟ الجواب الخلاف في نبوة الخضر خلاف في أصل المسألة، وفيها خلاف سائغ، ونحن نتكلم في مسألة متفق على القول بالكفر فيها لكن وقع الاختلاف في التطبيق، فنقول: قد يوجد عالم يرى أن هذا الشخص الذي ارتكب الشرك الأكبر جاهل أو متأول تأويلاً يمنع من تكفيره بعينه؛ لأنه لم يطلع على أن أحداً أقام الحجة عليه، بينما عالم آخر يعلم أنه قد أقام عليه الحجة وأزال شبهته ولم يبق له عذر فقال بكفره بعينه، فلا ينبغي أن يُجعل هذا خلافاً بينهما، لا تتسع له الصدور، خاصة من أتباعهما. يعني: أتباع الشيخ فلان وأتباع الشيخ فلان من أجل أن هذا يكفر وهذا لا يكفر تصير بينهم معركة كبيرة جداً، مثلما حصل في بعض مدن قطرنا، فإنك تجد الخلاف عنيفاً جداً حول مسائل التكفير، فالذي لا يكفر يبدع الذي يكفر والذي يكفر يبدع الذي لا يكفر، وهذا خطأ في الحقيقة؛ لأن الخلاف إن كان في تحقيق المناط أو تخريجه فإنه يكون خلافاً سائغاً. فمثلاً: نحن متفقون على أن من دعا غير الله كفر، وأن قول القائل: أغثني يا سيدي فلان وارحمني واغفر لي ذنبي كفر ناقل عن الملة، لكن وجدنا واحداً من عوام الناس لم يتعلم ولم يسمع الأدلة يقول: مدد يا سيدي فلان، أغثني يا سيدي فلان، والجهل منتشر في بلادنا بهذه المسألة وبغيرها من المسائل، وبالتالي فهذا الرجل بعينه لا بد من استيفاء شروط التكفير في حقه، فنتأكد من إقامة الحجة عليه، ونتأكد أنه عاقل غير مجنون، ونتأكد من بلوغه وعدم صغره. فلو رأيت طفلاً صغيراً يقول كلاماً كفراً فهل يكفر هذا الطفل؟ لا يكفر؛ لأن من شروط التكفير البلوغ، ومن موانع التكفير الصغر. ومن شروط التكفير العلم الذي هو في الحقيقة إقامة الحجة، ومن موانع التكفير الجهل الناشئ عن عدم بلوغ الحجة، ومن شروط التكفير القصد، ومن موانع التكفير الخطأ، فلو قال واحد: اللهم أنت عبدي وأنا ربك متعمداً فإنه يكفر، ولو قالها من شدة الفرح يريد أن يقول: اللهم أنت ربي وأنا عبدك فأخطأ وقال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك فلا يكفر. ومن شروط التكفير الذكر، ومن موانع التكفير النسيان، فمثلاً: رجل نسي آية وقال: أنا أنكر أن آية كذا بالواو، وهي فيها واو، فجاءوا له بالمصحف فقال: أنا كنت مخطئاً، فساعة ما كان ينكر آية أو حرفاًًً نسياناً غير ذاكر لم يكن كافراً، وإنما كان ناسياً. ومن موانع التكفير الإكراه، وضد الإكراه الاختيار، فلو ثبت أن فلاناً نطق بالكفر مختاراً فإنه يكفر، ولو نطقه مكرهاً لم يكفر. فقضية وتكفير المعينين لا بد فيها من استيفاء الشروط وانتفاء الموانع، فكثير جداً من المسائل المعاصرة نكون متفقين على أصل المسألة ومختلفين في أن فلاناً استوفيت فيه الشروط أو لم تستوف. فيبقى هناك اختلاف في تطبيق الحكم على الواقع. فأنا أجزم أن كثيراً جداً من عوام المسلمين في بلادنا يجهلون أن قول: مدد يا سيدي يا بدوي شرك، بل يجهلون أنها حرام أصلاً. فلا بد من إقامة الحجة على هؤلاء، وأنا مقتنع بأن أحداً اليوم لو قال: إن النصارى ليسوا بكفار، فلا بد من إقامة الحجة عليه، وذلك بتلاوة الآية عليه؛ لأن كثيراً من الناس لا يعلمون أن في القرآن آية: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة:١٧] وإن كان من اعتقد أن اليهود أو النصارى ليسوا بكفار أو شك في كفرهم فهو كافر، لكن كتطبيق عملي على فلان من الناس فهنا نقول: لا بد من إقامة الحجة. فلو قال مسلم هذا الكلام من غير أن يعرف الدليل، ومن غير أن يبلغه الدليل القاطع والآية الواضحة، نتيجة الشبهات المنتشرة ومشايخ الضلال والسوء الذين يوهمون الناس، فبعضهم يصرح وبعضهم يلمح ولا يصرح؛ من أجل أن يهرب، وبعضهم يوهم فلا يقول: إن اليهود والنصارى مؤمنون ولا يقول: إنهم غير كفار، لكن يأتي بالكلام الذي يفهم العوام منه أنهم ليسوا كفاراً. فهذه المسائل يحكم فيها بناءً على وصول الدليل وعدم وصوله، فيعذر الذي لم يصله الدليل، ولا يعذر الذي وصله الدليل، والأمر هذا نسبي وإضافي، فالذي وصله الحق بأن جاءته البينات فهو غير معذور، والذي لم تأته البينات فهو معذور إلى أن تأتي له البينات. فهناك مسائل أجزم أن البينات فيها وصلت للناس، ومسائل نجح علماء السوء فعلاً في تشويه صورتها لدى الكثيرين.

стр. 57

حكم من يقول بإيمان اليهود والنصارى السؤال ما حكم من يقول: إن اليهود والنصارى مؤمنون، مع أنه عالم وحافظ للقرآن؟ الجواب الذي يحفظ القرآن ويقول: إن اليهود والنصارى مؤمنون يدخلون الجنة يكون كافراً.

стр. 58

اعتبار الأشرطة في وصول الحجة السؤال هل سماع الآيات من الشريط يكفي في وصول الحجة للقول بكفر اليهود والنصارى أم لا؟ الجواب الذي يسمع شريط التسجيل لأحد القراء كـ الحصري أو المنشاوي أو غيرهما فسمع الآية بأذنه من هذا الشيخ أو فتح المصحف فوجدها وبعد ذلك قال: هم غير كفار فقد كذب ربه، لكن أنا لن أكفره شخصياً إلى أن أسمعه الآية من أجل أن أتأكد.

стр. 59

أدب الخلاف [٤] الخلاف منه ما هو مذموم ومنه ما هو جائز، فمن المذموم الخلاف مع وجود النص الواضح، فهذا خلاف شقاق وتضاد، وقد نهانا الشرع عنه، وهو شر محض، ومن الخلاف الجائز خلاف الأفهام، وهو رحمة، وفيه توسعة على الأمة، لكن يجب على العالم أن يتحرى الصواب، فإن أخطأ فله أجر على اجتهاده، وإن أصاب فله أجران، وعلى العامي أن يقلد من يثق بعلمه، ويظهر له تقواه وورعه.

стр. 60

ذكر مسائل اشتهرت بين العامة ووقع فيها خلاف بين أهل العلم الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، أما بعد: فقد ذكرنا الأمثلة على الخلاف السائغ في الأمور العلمية والفقهية، وهي أكثر من أن تحصى، ولكننا نشير إلى بعض المسائل التي تعم بها البلوى مما قد يسبب انشقاقاً ونزاعاً بين أبناء الصحوة، ومنها الاختلاف في كثير من أمور الوضوء والصلاة، كالخلاف في وجوب المضمضة والاستنشاق أم استحبابه؟ والمقصود هنا ذكر أمثلة، وليس الغرض الآن تحقيق المسائل، وهذه المسائل نتيجة تناولها بطريقة معينة من بعض المشايخ والدعاة وطلاب العلم المعاصرين ظن بعض طلاب العلم أو بعض من يستمع لهؤلاء المشايخ ويتابعهم أن هذه المسائل حسمت وانتهى الخلاف فيها.

стр. 61

الاختلاف في وجوب المضمضة والاستنشاق في مسألة وجوب المضمضة والاستنشاق أن كثيراً من المعاصرين يرجح وجوبهما، ولكن جمهور أهل العلم على الاستحباب، فالبعض يرى أن فيها نصاً واضحاً، وهو أن الرسول قال: (إذا توضأت فمضمض) والشيخ الألباني صححه، وفي حديث آخر أن النبي ﷺ قال: (إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماءً ثم لينتثر) فيقولون: هذا نص في المسألة. فنقول: هل هذا نص أم هذا الأمر ظاهر فقط؟ ونحن نعرف أن حد مسائل الخلاف السائغ هو ما لا يصادم نصاً، والنص معناه: ما لا يحتمل إلا وجهاً واحداً، وليس معناه وجود حديث في أمر ما؛ فإن هذا الأمر أولاً كما ذكرنا ظاهره الوجوب ويحتمل الاستحباب، فإذا كان هناك قرينة صارفة من الوجوب إلى الاستحباب صح أنه للاستحباب، وإذا لم يكن هناك قرينة فهو للوجوب. فنقول: إن هذا الأمر لا يصح أن يقال: فيه نص، وإنما ظاهر الأمر الوجوب، وجمهور العلماء يرون أن هذا الأمر للاستحباب حتى لو صح حديث: (إذا توضأت فمضمض) وحديث الأمر بالاستنشاق، وقول الجمهور بالاستحباب من أجل قرينة قوية -وفي الحقيقة أنا أرى قول الجمهور فيها- وهي: أن النبي ﷺ في مقام التعليم لأعرابي جاهل لا يدري كيف يصلي أمره بالوضوء كما أمره الله، والنبي ﷺ أمره بما أتى به وبما لم يأت به في صلاته، فقال: (إنه لا تتم صلاة أحدكم حتى يتوضأ كما أمره الله، فيغسل وجهه ويديه ويمسح برأسه ورجليه إلى الكعبين)، فلم يزد على الآية، والآية ليست مجملة، بل هي في مقام البيان، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز. وهذا الكلام كلام قوي من جهة الدليل، وهذا يصلح قرينة صارفة من الوجوب إلى الاستحباب، فهذا قول جمهور أهل العلم، ومعروف أن الحنابلة يقولون بوجوب الاستنشاق، وفي قول آخر يقولون بوجوب المضمضة والاستنشاق، والخلاف في وجوب المضمضة والاستنشاق في الغسل والوضوء معروف، والمقصود من هذا ألا يظن أحد أننا نخالف النصوص. وهكذا وجوب الترتيب في الوضوء أو استحبابه، فهناك من يلغي الترتيب ويقول: إن فصل القرين عن قرينه والنظير عن نظيره لابد أن يكون لسبب، وليس هناك نص قاطع في هذا الباب، فالشافعية يقولون بوجوب الترتيب، والمالكية وغيرهم يقولون باستحباب الترتيب في أعضاء الوضوء.

стр. 62

الاختلاف في بعض مسائل الصلاة ومن الأمثلة: وضع اليد اليمنى على اليسرى على الصدر بعد الركوع وإرسالهما، أما قبل الركوع فهناك اتفاق من أهل الحديث على ثبوت ذلك عن النبي ﵊، رغم أن هناك من يخالف كالمالكية، ولكن نرى أن هذا خلافَ ما صح وثبت عن الرسول ﷺ في مشروعية الضم عند القيام، وأن الأمر على الوجوب، ولكن البعض يقول: يستحب أن يضم يديه، وله أن يرسلهما بدون وضع على الصدر. لكن الذي لا شك فيه هو مشروعية وضع اليدين على الصدر، أما بعد الرفع من الركوع فهذا الذي وقع فيه خلاف بين أهل الحديث من أجل العمل بعموم حديث: (كان إذا صلى وضع يده اليمنى على اليسرى)، وأنه كان يأمر به النبي ﷺ في القيام، فهنا يمكن أن يقال: هو القيام الأول، ويمكن أن يقال: هو كل قيام في الصلاة، وهذا أظهر من جهة العمل بالعموم. لكن هذه مسائل فيها خلاف بين أهل العلم، والخلاف فيها سائغ بلا شك، حتى من يقول: إن وضع اليدين على الصدر بعد الرفع من الركوع يعد بدعة، وهذا قول الشيخ الألباني، وبعض طلاب العلم يظن أن هذا القول معناه أن الذي يعمل هذا فهو مبتدع، ونحو ذلك، مع أن كونه بدعة أصلاً فيه نظر. وقد ذكرنا أن مسائل البدع أيضاً يدخل فيها مسائل الخلاف، أعني: أن من البدع ما هو متفق عليها ومن البدع ما هو مختلف فيها، والخلاف في المختلف فيها سائغ. والبعض يقول: إن هذا عموم لم يعمل به السلف، والعموم الذي لم يعمله السلف العمل به بدعة، والبعض الآخر يقول: لم ينقل عن السلف أنهم كانوا يرسلون إلا من كان يرسل قبل الركوع، فمثل هذا لا شك أنه خلاف سائغ، حتى ولو قال بعض العلماء: إنه بدعة فهذا رأيه ومذهبه، ولا يعني ذلك إلغاء الخلاف في المسألة، فهو لم يقل: إن المسألة مجمع عليها ونحو ذلك وإنما هذا ما يراه هو، وبالتالي إذا وجدنا خلافاً بين المشايخ الكبار في هذه المسألة أو بين طلاب العلم لا يلزم من ذلك تباعد ولا افتراق ولا تبديع. فالقول بأن هذا الفعل بدعة لا يلزم منه تبديع المعين الذي فعلها متأولاً أو مرجحاً قول من يقول: إنها سنة. والحقيقة أنها أقرب إلى السنة. ومنها: هل يكون النزول على الركبتين أم على اليدين في السجود؟ فهذه مسائل تأخذ من بعض طلاب العلم المبتدئين كراسات ومجلدات وأبحاثاً طويلة جداً. وقد اتفق العلماء في هذه المسألة على صحة الصلاة بكلا الأمرين، وأنه سواء نزل بركبتيه أم نزل بيديه فالصلاة صحيحة والاختلاف إنما هو في الأولى، وفي أيهما أفضل. ومنها قراءة الفاتحة خلف الإمام خاصة في الجهرية، فالمسألة كلها خلافية وخصوصاً في الجهرية، والخلاف فيها قوي، ونحن نرى وجوب القراءة خلف الإمام. ومسألة الاعتداد بالركوع أم اشتراط قراءة الفاتحة في صلاة المسبوق مسألة اجتهادية، وقد نقل بعض العلماء الإجماع على صحة الركعة التي أدرك فيها المأموم الركوع، وهذا وهم منهم بلا شك، فإن المسألة فيها خلاف من عصر الصحابة إلى يومنا هذا، وقد نقل الإمام البخاري قول من يقول: لا تحسب ركعة لا يقرأ فيها الفاتحة، قال: وهو قول كل من يقول بوجوب القراءة خلف الإمام، والقول بوجوب القراءة خلف الإمام منقول عن عبد الله بن عمرو بن العاص وعائشة وأبي هريرة وعبادة بن الصامت وغيرهم من الصحابة، ومن الصحابة من يرى عدم القراءة خلف الإمام، وهذا مما وسع فيه الخلاف عندهم فيسع من بعدهم. ومن المسائل المختلف فيها: جلسة الاستراحة، فمن العلماء من يقول: جلسة الاستراحة مشروعة مطلقاً، ومنهم من يقول: من كبر في السن أو كان مريضاً فيجلس للاستراحة، والأرجح أنها مشروعة مطلقاً ويتركها المصلي أحياناً. ومن المسائل المختلف فيها: حكم الصلاة في المساجد التي بنيت على القبور هل تبطل أم تحرم مع الإجزاء؟ ونحن هنا نتكلم عن رجل صلى في مسجد به قبر، ونحن لا نرى الخلاف سائغاً في جواز الصلاة، فهناك نصوص واضحة وصريحة بل ومستفيضة في النهي عن اتخاذ القبور مساجد، ولعن من فعل ذلك، وهذا لا يحتمل كراهة التنزيه ولا الجواز، ولا يحتمل النسخ كما تقوله الصوفية. وبالتالي فنحن نقول بتحريم الصلاة في المساجد التي بنيت على القبور بأدنى الدرجات، واختلف في صحة الصلاة، فقال بعضهم: الصلاة باطلة فتعاد، وقال آخرون: هي صحيحة ومجزئة مع الإثم، وبعضهم فصل فقال: إذا قصد التبرك بالصلاة إلى جوار صاحب القبر فصلاته باطلة، ومن صلى مروراً فصلاته صحيحة مع الإثم، وأرجح الأقوال فيما نرى القول الأخير الذي فيه تفصيل. أما مسألة اتخاذ القبور نفسها مساجد فخلافنا مع الصوفية فيها خلاف غير سائغ، وتوجد جماعات إسلامية تصلي في المساجد التي فيها قبور، وترى أن الأمر فيه سعة كجماعة التبليغ وبعض مشايخ الأوقاف، ويقولون: المسألة فيها خلاف، فنقول لهم: هذا الخلاف غير سائغ؛ وذلك لثبوت النهي عن النبي ﵊، والخلاف الذي نراه سائغاً مسألة هل الصلاة باطلة أو صحيحة؟ فإن النصوص صريحة في التحريم، ولا يوجد صارف لهذا النهي عن التحريم، بل كل القرائن تؤكد تحريم الصلاة في المساجد التي بنيت على القبور، أو تحريم الصلاة إلى القبور أو عندها. ومن المسائل المختلف فيها: هل يجب قضاء الفوائت المتروكة بدون عذر أم لا يجوز قضاؤها أصلاً؟ فلو أن رجلاً ترك الصلاة عدة سنوات أو أيام أو شهور، فالأئمة الأربعة على وجوب القضاء، وأنه يلزمه قضاء كل هذه الصلوات أما الظاهرية وخصوصاً ابن حزم وطوائف من العلماء من أتباع المذاهب كشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم ومن وافقهم يرون عدم جواز قضاء الفوائت المتروكة؛ لأن الصلاة المتروكة عمداً بدون عذر قضاؤها غير مقبول أصلاً؛ ولذا يأمرونه بمزيد من النوافل ولا يؤمرونه بقضاء الصلاة، وهذا الذي نميل إليه من جهة الدلالة. ومن المسائل المختلف فيها: هل تصلى صلاة النفل التي لها سبب في أوقات الكراهة كتحية المسجد ونحوها؟ وهذه المسألة فيها خلاف سائغ، والذي أراه أنه يصليها؛ لأنها صلاة لها سبب.

стр. 63

الاختلاف في مسألة اختلاف المطالع في رؤية الهلال ومن المسائل المختلف فيها: هل لكل أهل بلد رؤيتهم للهلال أم يلزم جميع البلاد رؤية بلد واحد؟ من أكثر المسائل التي تحدث فرقة في القلوب قضية اختلاف المطالع، والصوم والفطر في توقيتات مختلفة، والخلاف في هذه المسألة خلاف سائغ، فينبغي ألّا لا تفسد الأخوة الإيمانية بين المسلمين، وعند التأمل في كل مذهب من المذاهب الأربعة تجد القولين داخل المذهب الواحد نفسه. وبالتالي نقول في هذه المسألة: إن الذي يأخذ بأحد القولين فيها لا يظهر مخالفة أهل البلاد، ولا ينكر عليه أحد، فلا يقال له: أنت مفطر عمداً في رمضان، ويجب عليك القضاء والكفارة؛ لأنه متأول بلا شك، وهذا أمر اجتهادي، وحتى لو تغير قوله بعد ذلك فلا يقضي ما فاته من الأيام التي كان يفطرها. فالذي يغلظ في هذه المسائل مخطئ، وإنما يفعل من يفعل هذا مجتهداً لا أنه تعمد الفطر في رمضان، وإنما اعتقد أن اليوم يوم عيد فوجب عليه أن يفطر. وبعض العلماء يقول: ثبوت الرؤية بأي وسيلة يلزم جميع أهل البلد الذين هم تحت سلطان واحد، ويجعلها حكماً يسري على الجميع، ولكن هي مسألة فتوى واجتهاد وليست مسألة حكم. وهذا مثل لو أن قاضياً رأى -على سبيل المثال- أن يد السارق تقطع في ربع دينار وليس في عشرة دراهم، فهذا الحكم ليس لازماً. وكذا لو رفعت امرأة طلقت ثلاثاً أمرها للقاضي، والقاضي حكم بأن طلاق الثلاث يقع ثلاثاً، ونفذ ذلك الحكم، فالمسألة مسألة حكم طالما فيها خصومة، والمرأة هذه تحل للأزواج، بالرغم من أنه يمكن لزوجها أن يأخذ بقول من يقول: الطلاق الثلاث يقع واحدة، لكن القاضي حكم بالقول الأول وانتهى الأمر، لأن المسألة مسألة حكم، أما المسألة كفتوى ففيها سعة.

стр. 64

الاختلاف في مسألة الطلاق المعلق ومن المسائل التي يسوغ فيها الخلاف الاختلاف في وقوع الطلاق المعلق وعدم وقوعه مع وجوب كفارة اليمين، والطلاق المعلق كأن يقول الرجل لزوجته: إن فعلت كذا فأنت طالق، وجمهور العلماء يرون وقوعه، وشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يرى أنه يلزم قائله كفارة يمين إذا كان لا يقصد الطلاق، وهو المعمول به في مصر وغيرها، وبه يفتي عامة المشايخ المعاصرين. أما ابن حزم فيرى أن الطلاق المعلق كله غير واقع، ولا يلزم فيه شيء؛ لأن الطلاق عنده لا يكون إلا ناجزاً. والصحيح في ذلك أنه إذا كان يقصد الطلاق فيقع طلاقاً، وإذا كان يقصد التهديد أو الحث أو المنع فيقع يميناً، ويلزمه كفارة اليمين، وإذا كان معلقاً على وقت كأن يقول: إذا طلعت الشمس فأنت طالق، فيقع التطليق قطعاً.

стр. 65

الاختلاف في مسألة طلاق الثلاث بلفظ واحد ووقع الخلاف بين العلماء في مسألة طلاق الثلاث بلفظ واحد هل يقع ثلاثاً أم واحدة؟ وجمهور العلماء عبر العصور على أنها تقع ثلاثاً، أما شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وطائفة كبيرة من العلماء يقولون: الطلاق الثلاث يقع واحدة إذا كان في مجلس واحد وبلفظ واحد، وهذا الذي يفتى به في بلادنا، وعليه قانون الأحوال الشخصية، ويفتي به كبار المشايخ، أمثال الشيخ ابن باز وابن عثيمين والألباني ﵏.

стр. 66

الاختلاف في مسألة ستر المرأة وجهها ومما اختلف فيه ستر المرأة وجهها عن الرجال الأجانب هل هو واجب أم مستحب، وكذلك اختلف في وجوب النقاب والجلباب أو استحبابه، أما القول ببدعته فهو بدعة بلا شك. فعندنا في هذه المسألة أقوال: قول بوجوب النقاب، وقول باستحباب، وهناك قول لبعض الجهلة أن النقاب ليس من الدين وأنه بدعة، وأن التي تلبس النقاب آثمة! وهذا القول عندنا بدعة وضلالة، والخلاف فيه غير سائغ. وهل يمكن أن يكون هناك اختلاف فقهي يصل إلى هذه الدرجة ويكون سائغاً؟ نعم، يمكن أن يقول عالم: هذا مستحب، والثاني يقول: هذا واجب، والثالث: يقول: هذا حرام، مثل الخلاف في وجوب القراءة خلف الإمام، فـ أبو حنيفة يقول: تحرم القراءة خلف الإمام، والذي يقرأ خلف الإمام صلاته باطلة، والإمام الشافعي يقول: قراءة الفاتحة خلف الإمام فرض، والذي لا يقرؤها صلاته باطلة. وهذه مسألة ما فيها أحوط، بينما بعض المسائل فيها أحوط، مثل أن يقول عالم: هذا حرام، والثاني يقول: هذا مباح، فالأحوط أن تتركه، أو عالم يقول: هذا مباح، والثاني يقول: هذا واجب، فالأحوط أن تعمله، أو عالم يقول: هذا مستحب، والثاني يقول: هذا واجب، فالأحوط أن تعمله؛ لأن هذا يخرجك من الخلاف فعلاً، لكن لو قال عالم: هذا حرام، والثاني قال: هذا فرض، فمثل هذا ليس فيه أحوط، والواجب على الناس تجاه هذا الخلاف أن العالم يجتهد، وطالب العلم يرجح بين الأقوال، والعامي يقلد من يثق فيه. وقد ذهب جمهور العلماء قديماً وحديثاً إلى استحباب ستر الوجه، وقال بعضهم بالوجوب، فالمسألة فيها خلاف سائغ، وهذا باتفاق، ومن الخطأ أن يقال: إن هذه المسألة لا تحتمل المناقشة، أو إن من قال بغير قولنا فليس منا! أو ينظر إلى المرأة التي كشفت وجهها على أنها امرأة فاسقة، أو أنها امرأة سافرة تستحق أنواع الازدراء، أو أن الرجل الذي يترك امرأته تكشف وجهها رجل ديوث! هذا كله منكر ينكر على صاحبه؛ لأن هذه المسألة مما يسع فيها الخلاف، ولا أعلم في ذلك اختلافاً إن شاء الله.

стр. 67

الاختلاف في حكم التصوير واختلف في التصوير الفوتوغرافي، هل هو داخل في النهي أم لا؟ وهذا النوع من التصوير حادث في الحقيقة، فهل هو نوع من حبس الظل فلا يكون فيه مضاهاة لخلق الله أم أنه من التصوير المحرم؟ المسألة فيها خلاف، ومن أوائل من أفتى بجواز التصوير الشمسي -أول ما ظهر- الشيخ محمد بن إبراهيم مفتي السعودية سابقاً، والذي يفتي بجوازه حالياً الشيخ ابن عثيمين، وهناك من يفتي بتحريمه -وهم كثيرون- مثل الشيخ الألباني والشيخ ابن باز رحم الله الجميع. والمسألة فيها خلاف سائغ، وأنا أرجح جوازه بشرط ألا يكون فيه محرم آخر غير المضاهاة. فإن سأل سائل: هل الترجيح يرفع الخلاف؟ فنقول: الترجيح لا يرفع الخلاف. وبعض الطلاب يسأل دائماً عن الراجح من الأقوال، ويظن أن كل مسألة فيها قول راجح مطلقاً، ولم يتفطن أنه راجح عند فلان ومرجوح عند غيره، ولا شك أن السؤال عن الراجح من الأقوال بالأدلة أمر محمود، وهو دليل على الورع، ولكن لابد من معرفة أن هذا مما يسع فيه الخلاف.

стр. 68

الاختلاف في مسألة أكل اللحوم المستوردة ومن مسائل الخلاف حكم أكل اللحوم المستوردة من دول أوروبا وأمريكا هل يجوز أم يحرم؟ وقد اختلف أهل العلم في هذه المسألة، فأفتى بالجواز الشيخ ابن باز ﵀، والشيخ الجزائري يقول: الأصل أن هذه دول أهل كتاب ويجوز الأكل فيها، وممن كان يفتي بالتحريم -وأراه الأصل في هذا الباب- الشيخ عبد الله بن حميد ﵀ والد الشيخ صالح بن حميد إمام المسجد الحرام، وله رسالة قيمة جداً في أن اللحوم المستوردة الأصل فيها المنع، حتى يتيقن تذكيتها التذكية الشرعية.

стр. 69

الاختلاف في مسألة التوسل بالصالحين ومسألة التوسل هذه مسألة مهمة، وهناك خلاف في بعض أنواعها، وللأستاذ حسن البنا في هذا الموضوع كلام وقعت به أزمة عبر تاريخ الصحوة الإسلامية المعاصرة، فقضية التوسل من المشاكل التي أدت إلى افتراق شديد جداً بين الاتجاهات السلفية وجماعة الإخوان، فالشيخ حسن البنا يقول: إذا اقترن الدعاء بالتوسل بأحد من الخلق فهو خلاف فرعي في كيفية الدعاء وليس من مسائل العقيدة، وهذا مذكور في الأصول العشرين، وهذا الكلام كان سبباً لتساهل الإخوان مع الصوفية، فنقول: هذه عبارة يمكن أن يكون لها وجه صحيح، وإطلاقها هو الخطأ؛ لأن بعض أنواع التوسل مختلف فيه فعلاً، كالتوسل بالحق والجاه والذات، مع أننا نرجح أنه ممنوع، ولكن هذا النوع من الخلاف خلاف فرعي. أما التوسل إلى الله بأن يصرف الدعاء إلى غير الله ويسميه توسلاً فهذا شرك -والعياذ بالله- كأن يقول للميت: ارحمني وانصرني يا سيدي فلان اغفر لي انتقم من عدوي أغثني المدد يا سيدي فلان، وإذا سئل: كيف تدعو غير الله؟ فيقول: هذا توسل، فنقول: هذا توسل شركي، فالمشركون يعبدون غير الله ويقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣]، وقال الله عنهم: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس:١٨]، والتوسل هو: طلب التقرب إلى الله. هناك نوع آخر من مسائل العقيدة من جهة أنه شرك أصغر مجمع على بدعيته بين السلف وهو أن يقول للميت: ادع الله لي اشفع لي عند الله، فهو لم يقل له: ارحمني واغفر لي وأعطني وارزقني، ولكن قال له: ادع الله أن يرزقني ادع الله أن يسقيني اشفع لي عند الله أن يشفي ابني ونحو ذلك فهذا متفق على منعه بين السلف، ولكنه من باب الشرك الأصغر الذي هو من الذرائع إلى الشرك الأكبر، وقد قال بعض المشايخ: هذا النوع شرك أكبر، وهذا خطأ بين من قائله، وخلاف ما بينه أهل العلم كشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وغيره، فالشرك هو: صرف العبادة لغير الله، وهذا لم يدع غير الله، وإنما طلب من الميت أن يدعو له، وهناك فرق بين أن يدعو الميت ويطلب منه قضاء الحاجة، وبين أن يطلب منه أن يدعو له عند الله، وفي هذا الأمر خلل كبير جداً عند كثير من السلفيين، فهم يتصورون أن دعاء غير الله يساوي طلب الدعاء من غير الله، فيقولون: هذه شفاعة، والمشركون كانوا يقولون: ((هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ))، فيرون أن كل من يقول: اشفع لي يا رسول الله اشفع لي يا سيدي فلان، أنه أشرك بالله، وأنه مثل المشركين. فنقول: هذا مسلم ما عبد غير الله، وما دعاه وما سجد له وما ركع له وما ذبح له ونحو ذلك، وإنما خاطبه بما لم يرد، كأن يقول له: أيعجبك حالنا يا رسول الله؟ أترى ما نحن فيه يا رسول الله؟ استسق لأمتك أو ادع الله أن يفرج هذا الكرب، وهذا خطاب بما لا يجوز، مثل قول بعض الشعراء: يا رسول الله ما يرضيك عنا؟ أو نحو ذلك، ومثل أن يقول: يا رسول الله! أخبرنا عن هذا الحديث أصحيح هو أم ضعيف؟ أقلته أم لم تقله؟ أنقول: هذا أشرك بالله من أجل أنه سأل النبي ﷺ أن يخبره بذلك؟ لا، إنما نقول: إنه خاطبه بما لم يرد، ومعروف أن الرسول ﷺ لن يرد عليه، ونقول: هذا بدعة وضلالة، وهو خلاف غير سائغ عندنا، لكن لا يكون مشركاً شركاً أكبر بل هو ذريعة إلى الشرك؛ ولذلك قد يسمى شركاً أصغر؛ لأنه ذريعة إلى الشرك الأكبر، لكنه ليس بالشرك الأكبر الناقل عن الملة؛ لأن الشرك هو: صرف العبادة لغير الله، وهذا لم يعبد غير الله. وقد ورد هذا النوع عن بعض الفقهاء المتأخرين، لكن لأجل إجماع السلف على منعه وعدم ورود دليل على جوازه، قلنا: إنه من ضمن الخلاف غير السائغ، وإن كنا لا نكفر قائله، أما طلب قضاء الحاجات من غير الله فهذا كفر ناقل عن الملة، وإن كنا لا نكفر المعين حتى تقام عليه الحجة. ومن الأمور الخطيرة وهي ذريعة إلى الشرك، تعليق صورة الوالد ونحوه من أجل أن يقول له: انظر إلى إخوتك أو انظر إلى أولادك كيف فعلوا بي ونحو ذلك، وهو يعرف أنه لن يسمعه، لكن يشتكي له ونحو ذلك، ومثل هذا الكلام محرم بلا شك، وخطر عظيم وذريعة للشرك، فالأصل عدم سماع الأموات إلا ما ورد فيه الدليل. أما السلام على الموتى عند زيارة القبور وقول: (السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين) الحديث، وكذلك خطاب النبي ﷺ لأهل القليب؛ لأن الصحابة قالوا للنبي ﷺ : كيف تخاطب أجساداً لا أرواح فيها؟! فقال ﵊: (ما أنتم بأسمع لما أقول منهم) ومن ذلك تبشير الكفار الموتى بالنار كلما مررنا على قبورهم، فهذا مستثنى من الدليل على عدم سماع الأموات. وعبارة الأستاذ حسن البنا في أن التوسل بالحق والجاه خلاف فرعي عبارة فضفاضة جداً تشمل نوعي الشرك الأكبر والأصغر والمختلف فيه؛ ولذلك استغلها الصوفية في الدفاع عن قولهم: مدد يا سيدي فلان، واغفر لي يا سيدي فلان، مع أن هذا شرك أكبر مخرج من الإسلام. ويحتجون بأن الصحابي قال للنبي ﷺ : (أسألك مرافقتك في الجنة)، وهناك فرق عظيم، فالرسول ليس هو الذي يعطيه الجنة بل المعنى: أسألك عملاً يؤدي إلى مرافقتك في الجنة، وهم يقولون: نحن نقول للشيخ الميت: نسألك الجنة ونعوذ بك من النار على أن تشفع لنا عند ربنا، وهذا في الحقيقة عبادة فعلاً وإن كان على سبيل الشفاعة، فهو شرك أكبر والعياذ بالله؛ لأنه دعاء لغير الله، والله يقول: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [الأحقاف:٥]، وقال تعالى: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ [العنكبوت:١٧]، إذاً ابتغاء الرزق من عند غير الله من الشرك. إذاً: من يتوسل ويقول: أسألك يا رب بحق جاه فلان، أو أسألك بفلان أو أسألك بذات فلان أن تغفر لي، فهذا ليس بشرك؛ لأنه ما سأل غير الله، بل سأل ربنا، ولكن هذا لا يجوز؛ لأنه لم يرد في الكتاب ولا في السنة، والأصل في العبادات التوقيف، وكذا لم يرد عن السلف مع استحضارهم له، وكل أمر تركه الصحابة والسلف مع وجود المقتضي له وانتفاء الموانع يدل على بدعيته، هذا هو الراجح عندنا. وقد ورد بأسانيد فيها مقال أن بعض الصحابة أفتى بعض الناس بأن يستعمل هذا النوع من التوسل، وورد عن بعض الأئمة القول به، ولكن نحن نرجح عدم ثبوته عن الصحابة، ومن أجل هذا نرجح القول ببدعيته، ولكن هذا يدل على أنه خلاف سائغ. وهذه المسائل لا تدخل في مسائل الإنكار، ولا تدخل في مسائل التبديع للمعين، وهذا الكلام ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه القاعدة الذهبية في التوسل والوسيلة، وذكر أيضاً أن الإمام المروزي -وهو من أصحاب الإمام أحمد - نقل عن الإمام أحمد دعاءً فيه توسل بالنبي ﵊، فـ شيخ الإسلام يقول: هذه الرواية مخرجة على الرواية الضعيفة عن الإمام أحمد في جواز الحلف بالنبي ﵊، والإمام أحمد روي عنه روايتان في هذا الباب. ونحن نجزم بأن الخلاف غير سائغ في جواز الحلف بالنبي ﵊؛ لثبوت النص: (من حلف بغير الله فقد أشرك)، حتى ولو كان الإمام أحمد جوز ذلك، والراجح عند شيخ الإسلام ابن تيمية أن الإمام أحمد يمنع من الحلف بالنبي ﵊، لكن هو يقول: في المذهب روايتان في جوازه ومنعه. وبعضهم يستدلون على جواز التوسل بزيادة ضعيفة وردت في حديث الأعمى، وهو حديث صحيح، وهو أن أعمى أتى النبي ﷺ فقال: (إنه شق علي فقد بصري، فادع الله أن يرده لي، فقال: إن شئت دعوت وإن شئت صبرت، فقال: بل ادع لي، فقال: فائت الميضأة فتوضأ ثم قل: اللهم إني أتوجه إليك بنبيك، يا محمد يا نبي الرحمة إني أتوجه بك إلى ربي في قضاء حاجتي، اللهم شفعه في وشفعني فيه)، فالحديث إلى هنا صحيح، والرجل رد الله عليه بصره، وفي رواية أخرى بزيادة: أن عثمان بن حنيف في زمن عثمان بن عفان علم رجلاً كانت له عند عثمان بن عفان حاجة، وكان عثمان لا يلتفت إليه، فشكا الرجل إلى عثمان بن حنيف ذلك، فقال له: ائت الميضأة ثم توضأ وصل ركعتين ثم قل: اللهم إني أتوجه إليك بنبيك، يا محمد يا نبي الرحمة إني أتوجه بك إلى ربي في قضاء حاجتي، فذهب إلى عثمان فقضى حاجته. وهذه الزيادة رواها الطبراني، وشيخ الإسلام رجح ضعف هذه الزيادة، وضعفها كذلك الشيخ الألباني، والراجح أنها ضعيفة، أما أصل الحديث فهو صحيح، وما ورد فيه جائز، فلو جاء شخص وقال: اللهم إني أتوسل إليك بفلان، وفلان هذا قال له: أنا سأدعو لك، فهذا توسل صحيح ومشروع، وهو من التوسل بدعاء المسلم الصالح الحي، كما فعل عمر حينما قال للعباس: ادع الله وقال: اللهم إنا نتوسل إليك بعم نبيك. ولم يقل: نتوسل إليك بنبيك، وإنما قال: نتوسل إليك بعم نبيك، ففي هذا دليل على أن التوسل بالدعاء لا بالذات يجوز؛ فإن ذات الرسول موجودة، ولو كان التوسل بالذات جائزاً لتوسل بذات الرسول ﷺ ، لكنه ترك التوسل بالرسول ﷺ وتوسل بدعاء العباس. إذاً: أجمع الصحابة مع عمر ﵁ على أن التوسل بذات الرسول ﷺ غير مشروعة؛ لأن عمر ما كان يغفل عن

стр. 70

حرمة تتبع الرخص في المسائل الاجتهادية تنبيه هام جداً: ليس معنى قولنا: إن الخلاف سائغ أنه يجوز لكل واحد أن ينتقي من الأقوال ما يشتهي، بل هذا خطأ كبير جداً يقع فيه الكثيرون، وبعضهم يقول: كل الأقوال صواب، بل إن الاجتهاد فيه خطأ وصواب، وهذا القول أوله طقطقة وآخره زندقة، الذي يصوب كل المجتهدين، وبالتالي يختار من أقوالهم ما يشتهي، هذا أمر خطير للغاية، وهذا يقع فيه طوائف إسلامية كثيرة في الوقت المعاصر، فالإخوان المسلمون مذهبهم على ذلك، وكذا علماء الأزهر مذهبهم على ذلك، ولجان الفتوى تعمل بهذه الطريقة، فتنتقي القول الأيسر على الناس من المذاهب، ولا تلتزم بالأدلة. والشيخ يوسف القرضاوي مذهبه بهذه الطريقة، حيث يبحث عن الأسهل للناس، بدون نظر في الأدلة، إنما يقول: الإمام أبو حنيفة قال كذا، والإمام الفلاني قال كذا، وأنا آخذ بهذا القول، مثل قوله: ابن حزم قال: الموسيقى حلال، فأنا أقول مثله ولا أحد يناقش في الأدلة! وعنده أن أي قول قيل في المسألة فله أن يأخذ به ويفتي به الناس! وعندما تم الاستغناء في الدستور المصري على جعل الشريعة المصدر الرئيسي بدءوا في الأزهر يعدون لجاناً لتقنين الشريعة، فهذه اللجان تسير بهذه الطريقة، وإذا لم يجدوا في مذاهب أهل السنة قولاً فيه تيسير أخذوا من المذاهب المذاهب الأخرى كالظاهرية والزيدية والإمامية والإباضية الخوارج، فصار عندنا ثمانية مذاهب، وعندهم فتوى بتسويغ العمل بالمذهب الإمامي؛ لأنه مذهب فقهي كسائر المذاهب، وهذا أمر خطير للغاية. فنقول: ليس معنى قولنا: إن الخلاف سائغ أنه يجوز لأي أحد أن ينتقي من الأقوال بالتشهي دون اجتهاد، فهذا سبيل للزندقة والانحلال، وقد أجمع العلماء -كما نقل أبو عمر بن عبد البر في كتابه جامع بيان العلم وفضله- أنه لا يجوز تتبع رخص العلماء فضلاً عن الزلات والسقطات. يعني: ما يأخذ قول أهل مكة في الصرف، وأهل المدينة في السماع، وأهل العراق في الشراب فإذا فعل ذلك اجتمع فيه الشر كله. فالعالم المجتهد يلزمه البحث والاجتهاد وجمع الأدلة والنظر في الراجح منها، فما ترجح عنده قال به وعمل به في خاصة نفسه وأفتى به، وينبغي في المسائل التي تعم بها البلوى أن يشير إلى الخلاف فيها مع بيان ما يراه صواباً، وهذا هو المسلك الأمثل، فطريقة العلماء الكبار الإشارة إلى الخلاف كما استنبط ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ من سورة الكهف، قال: إن ربنا ذكر الخلاف فيها فقال تعالى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾ [الكهف:٢٢]، وهذا ترجيح للقادم، ثم قال: ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف:٢٢]، فلما ذكر الرجم بالغيب بعد القولين السابقين، وسكت عن الأخير، هذا فيه إشارة إلى ترجيح القول الأخير. ثم ذكر ثمرة الخلاف فقال: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف:٢٢]، ومع أن الخلاف فيها قليل الفائدة، فإن الله رجح فيها الصواب، ورد العلم إلى الله في آخر الأمر فقال: ((قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ)).

стр. 71

حكم التلفيق بين المذاهب من الخطأ ما يفعله كثير من أهل زماننا في مسائل الخلاف السائغ وغير السائغ بأخذ ما يشتهي، بل يفعله كثير من المنتسبين إلى العلم، ويفتي البعض بجواز التلفيق بين المذاهب لا بحسب أدلة الاجتهاد. والذي نحن عليه والإخوة الدعاة في أكثر المسائل يعتبر تلفيقاً، فعندما آخذ بقول الإمام الشافعي بوجوب القراءة خلف الإمام مثلاً، ولا آخذ بقول الإمام الشافعي في كل المسائل، هذا يسمى تلفيقاً، لكن هذا تلفيق مبني على الدليل، ولا يلزم طالب العلم أن يأخذ مذهباً واحداً ولا يخرج عنه. وشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ مذهبه الحقيقي في الاختيارات الفقهية يعتبر تلفيقاً، لكنه تلفيق مبني على اجتهاد. وفي مسائل خالف فيها مذهب الحنابلة بالكلية، واختار قولاً ليس موجوداً أصلاً في المذهب، فهذا تلفيق شرعي، وهو في الحقيقة الواجب على مثل شيخ الإسلام؛ لأن شيخ الإسلام عالم مجتهد، فكونه اجتهد ورجح هذا القول يلزمه أن يقول به، وإن سماه غيره تلفيقاً، فعنده القدرة على الترجيح بين المذاهب. فالشرع قال الله وقال الرسول ﷺ ، وإجماع أهل العلم، والقياس على هذه الأصول، أما أن يتحول الشرع إلى أن أي قول من أقوال العلماء هو الشرع، وأن من أخذ به فهو آخذ بالشريعة، وأن الخلاف رحمة وإن خالف النصوص؛ فهذا كلام فاسد يؤدي إلى الزندقة والانحلال، ويلزم من هذا القول أن الملاهي الليلية لا بأس بها، والنظر إلى عورات أهل الذمة لا بأس به؛ لأن سفيان الثوري قال بجواز النظر إلى عورات أهل الذمة وشعور نساء أهل الذمة، وأن المحرم النظر إلى المؤمنة فقط، والموسيقى أجازها ابن حزم والبيرة أجاز الحنفية الشرب منها بغير سكر، وبهذا التلفيق تكون الملاهي جائزة مع أن عوام المسلمين وفساقهم يعرفون حرمتها بلا شك. فأهل الأهواء التلفيق عندهم بحسب التشهي والانتقاء لا بحسب الأدلة والاجتهاد، فكل ما يظنونه مصلحة أو فيه تيسير على الناس يجوزونه بدون نظر في الأدلة! قال أبو عمر بن عبد البر: الاختلاف ليس بحجة عند أحد علمته من فقهاء الأمة إلا من لا بصر له ولا معرفة عنده، ولا حجة في قوله. وأبو عمر من أعلم الناس بمذاهب المتقدمين. وقال المزني: يقال لمن جوز الاختلاف وزعم أن العالمين إذا اجتهدا في الحادثة فقال أحدهما: حلال والآخر: حرام، فقد أبد كل واحد منهما جهده وما كلف به، وهو في اجتهاده مصيب للحق: هل قلت هذا بأصل أم بقياس؟ فإن قال: بأصل، قيل: كيف يكون هذا أصلاً والكتاب أصل ينفي الخلاف؟ لأن ربنا قال: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء:٧٩]، وإن قال بقياس، قيل: كيف تكون الأصول تنفي الخلاف، ويجوز لك أن تقيس على هذا الخلاف؟ هذا ما لا يجوزه عاقل فضلاً عن عالم. ويقال له: أليس إذا ثبت حديثان مختلفان عن رسول الله ﷺ في معنى واحد أحله أحدهما وحرمه الآخر، وفي كتاب الله أو في سنة رسول الله ﷺ دليل على إثبات أحدهما ونفي الآخر أليس يثبت الذي يثبته الدليل ويبطل الآخر ويبطل الحكم به قطعاً، فإن خفي الدليل على أحدهما وأشكل الأمر فيهما وجب الوقوف؟ فإذا قال: نعم، قيل له: فلم لا تصنع هذا برأي العالمين المختلفين، ويثبت منهما ما يثبته الدليل، ويبطل ما أبطله الدليل؟! هذا كلام متين جداً من المزني صاحب الشافعي ﵀، وهذا ينقله عن كل العلماء، فليس الخلاف نفسه حجة، وليس كلام العالم حجة، وليست الشريعة جملة الأقوال، فهذا كلام في منتهى الخطورة، وهو مخالف للإجماع القديم فعلاً، وهذا مما لا شك فيه. وكلام المزني مذكور في (جامع بيان العلم وفضله) للإمام أبي عمر بن عبد البر (ص٣٥٦). إذاً: في الخلاف السائغ: يجب على العالم المجتهد أن يجتهد ويعمل ويفتي بالقول الراجح لديه حسب اجتهاده من الأقوال المختلفة، ولا يسعه أن يفتي الناس بما يشتهون، أو بما يشتهي هو، أو بما يشتهي غيره، أو لمجرد الأيسر؛ ظناً أن الخلاف السائغ معناه الانتقاء من الأقوال، وعلى العامي أن يسأل من يثق به من أهل العلم، فإن سأله برئت ذمته، وأما إن سأل من لا يثق به فلا تبرأ ذمته، بل يكون آثماً.

стр. 72

بيان حقيقة القول بأن اختلاف الأمة رحمة يتعلق بالمسألة السابقة مسألة اشتهر الكلام فيها وهي: أن اختلاف الأمة رحمة، فظن كثير من الناس أن سبب ذلك أن فيه توسعة على الناس، فإذا ضاق مذهب على الناس وجدوا سعة في العمل بغيره، وقد قلنا: إن هذا أمر لا يسوغ ولا يجوز باتفاق العلماء، وإن الخلاف ليس بحجة لا للعالم ولا لطالب العلم ولا للعامي، حتى أن العامي عليه أن يجتهد في اختيار الأوثق في نفسه من أهل العلم فيقلده، وعلى طالب العلم القادر على الترجيح والنظر في الأدلة أن يختار من أقوال العلماء ما ترجح لديه، وعلى العالم أن يجتهد في استنباط الحكم الشرعي. إذاً: فما معنى هذا القول؟ وما حقيقة هذه المسألة؟ الجواب نقل غير واحد من العلماء عن بعض السلف قولهم: الاختلاف رحمة ومنهم: عمر بن عبد العزيز والقاسم بن محمد حيث قال: لقد نفع الله الأمة باختلاف أصحاب النبي ﷺ في أعمالهم، لا يعمل العامل بعمل رجل منهم إلا رأى أنه في سعة، ورأى أن خيراً منه قد عمله. وقد جاء في ذلك حديث عن النبي ﷺ قال: (اختلاف أمتي رحمة)، وهو لا يصح سنداً ولا متناً، بل هو منكر متناً وضعيف سنداً، وإنما هو كلام لبعض السلف، وليس معنى ذلك عندهم أن الاختلاف نفسه رحمة، بل الكتاب والسنة يذمان الاختلاف كما سبق في الجملة، والمراد بالاختلاف الذي هو رحمة نوع خاص، ولم يرد أن الخلاف نفسه رحمة، فقد قال ابن مسعود: الخلاف شر، والمقصود عند هؤلاء السلف الذين قالوا: إن الاختلاف رحمة، أن أصحاب هذا الاختلاف مرحومون، وليس أن الاختلاف ذاته مطلوب، ولا أنه في ذاته هو الرحمة، وإنما أصحابه مرحومون، بمعنى: أن من اجتهد في الوصول للحق، ولم يقصر فقد أدى ما عليه، فإن أخطأ فله أجر، وإن أصاب فله أجران كما دل عليه الحديث الصحيح كما سبق، ودل عليه القرآن بالثناء على داود وسليمان عليهما الصلاة والسلام مع تصويب سليمان، فليس الاختلاف نفسه رحمة أو أنه مطلوب شرعاً، بل إن استطعنا أن نعدم هذا الخلاف وننهيه فهو الأفضل، وحتى الخلاف السائغ إن استطعنا أن نلغيه بأن نتناظر ونتناقش في جو من الود والمحبة إلى أن نصل إلى قول واحد فهذا أفضل وأحسن؛ لأن اجتماع الناس على قول واحد أفضل لهم من الاختلاف، لكن المعنى كما ذكرنا هو أن أصحاب هذا الاختلاف لا يعذبون طالما أنهم بذلوا وسعهم في معرفة الحق كل حسب علمه وقدرته، والحق واحد لا يتعدد، ووجود هذا النوع من الاختلاف له حكمة كونية لا حكمة شرعية، وأسباب الاختلاف تعود إلى اختلاف الأفهام والقدرات وطرق التعليم في بداية النشأة، وهذه أمور قدرية فالمطلوب شرعاً الاتفاق ما أمكن، والبحث عن الحق قدر الطاقة، وبالتالي فأصحاب هذا النوع من الاختلاف مرحومون. إذاً: الإنسان المجتهد أو العامي إذا قلد الأوثق من أهل العلم في نظره فلا يظن أنه على خطر وعلى شفا هلكة إن ظهر أن هذا القول خطأ أو كان هذا القول في حقيقته عند الله خطأ، بل طالما قد عمل به بعض السلف من الأئمة المعتبرين فهو مرحوم ومأجور أجراً واحداً أو أجران، فكان هذا الخلاف من هذه الحيثية رحمة، وليس أن الخلاف ذاته رحمة ولا أنه مطلوب.

стр. 73

معارضة السنة بآراء الرجال ليس من الخلاف السائغ ليس من الخلاف السائغ بين الفقهاء أن تصادم السنة بآراء الرجال، فلا يجوز لأحد من العلماء أبداً أن يقول: إن قوله أو قول غيره يقابل سنة رسول الله ﷺ فضلاً عن أن ترد السنة من أجله. وقد تكون المسألة اجتهادية وفيها جملة من الأدلة التي تختلف طرق الجمع بينها وليس واحداً من الأدلة قاطعاً على غيره، فتكون المسألة بهذا الضابط من مسائل الخلاف السائغ، وأما إذا استبانت السنة للإنسان فلا يجوز له أن يعارضها بأقوال العلماء، وهذا المرض حدث عند المتأخرين، فتصل السنة إلى بعضهم ولم يصله الدليل المخالف لها، فيأخذ برأي لا يعرف دليله ولا وجهه مع معرفته أن رسول الله ﷺ قد حكم في هذه المسألة بحكم معين، وقد يكون في المسألة حديث آخر لكنه لا يعرفه ولم يصله، فمثل هذا الفعل لا يجوز. فبعضهم يعارض السنة ويقول لك: إن إمامي أو شيخي لم يعمل بهذا الحديث، فيرده أو يؤوله أو يقول: هذا ضعيف، فيخالف السنة، زاعماً أن المسألة فيها خلاف بين العلماء. قال الشافعي ﵀: أجمع العلماء على أن من استبانت له سنة رسول الله ﷺ لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس، هذا إجماع على أن من وصلته سنة لا يجوز له أن يدع السنة؛ لذلك عندما نتكلم عن مسألة الاجتهاد والتقليد واتباع المذاهب نقول: لا يلزم اتباع المذاهب أولاً، يعني: أن المسلم لا يلزم في عصر من العصور بمذهب لم يكن لازماً على المسلمين طوال الثلاثة القرون الخيرية؛ فهذا أمر بلا شك محدث، والقول بإلزام كل عالم أو عامي أو طالب علم أن يلتزم مذهباً واحداً لا يخالفه ولا يفارقه لم يكن معروفاً مدة ثلاثة قرون في عصر الصحابة والتابعين وتابعيهم، إنما حدث هذا الإلزام بعد هذه العصور، وكان بلا شك في العصور الأولى تأثر بالصحابي المعين، فلا شك أن ابن مسعود كان له أصحاب، وابن عباس كان له أصحاب، وابن عمر كان له أصحاب، ولا شك أن كل تلميذ تأثر بأستاذه، لكن لم يكن أحد يلزم أحداً ألا يأخذ علماً عن غير إمامه وصاحبه، بل كان كل تلميذ منهم يأخذ عن شيخه أكثر علمه، ويأخذ عن غيره، وإذا وضح له الحق لم يكن يرده لقول أحد من الصحابة ﵃، وإنما يرد القول المخالف لسنة الرسول ﷺ . فمن هنا نقول: يجوز أن يتمذهب الإنسان، ولا يلزم ذلك، والقول بإلزام الناس بمذهب معين وتحريم الخروج عليه بدعة مُحدثة، فلم يقل أحد: يجب أن يتبع ابن عباس أو يجب أن يتبع ابن مسعود أو يجب أن يتبع عمر أو يجب أن يتبع أبو بكر في كل أقواله. وأيضاً الإيجاب حكم شرعي والذي يوجب هو . والرسول ﷺ يبلغ عن الله ويخبر أن هذا واجب أوجبه الله. فالتقليد سائغ وليس بلازم بشرط أنه إذا استبانت له السنة ترك المذهب وترك الإمام وترك قول كل أحد للإجماع المنعقد على ذلك كما نقله الشافعي ﵀. وهل يجوز لإمام المسلمين أن يلزم الناس بمذهب معين أو قول معين؟ الجواب لا يجوز للإمام أن يلزم جميع الناس بمذهب معين، ويعاقب من يخالفه أو يأمر المحتسبين أن يعاقبوا من يخالفهم، والمسألة فيها خلاف سائغ، لكن لو كان فيه فتنة فهذا محتمل من أجل منع الفتنة. وقول عائشة عن النبي ﷺ : (ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما)، المقصود بالأمور الاختيارية، أي: بين أمرين مستحبين أو مباحين، وليس بين واجب ومحرم، أو بين واجب ومباح، أو بين محرم ومباح، فلا بد أن يكون كلا الأمرين جائز. سأل رجل الشافعي عن مسألة فأجابه فيها بحديث، فقال له: أتقول به يا أبا عبد الله؟ فقال: أتراني خرجت من الكنيسة؟! أتراني أشد على وسطي زناراً؟! والزنار حبل يلبسه القساوسة في وسطهم -أقول: قال رسول الله ﷺ ولا أقول به؟! نعم على العين والرأس. فالإمام الشافعي ﵀ أنكر جداً على هذا الرجل، وقال: أشهدكم أني إذا رويت حديثاً عن رسول الله ﷺ ثم قلت بخلافه أنه قد ذهب عقلي. وهذا دليل على أن الأمر عندهم أمر قطعي، فلا يجوز لأحد أبداً أن تقول له: قال رسول الله ﷺ فيقول لك: قال فلان أو هذا رأي آخر. سئل أبو موسى الأشعري ﵁ عن مسألة فأجاب فيها ثم قال للسائل: ائت ابن مسعود فسله فسوف يوافقني، فقال ابن مسعود: قد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين إن وافقته، وما قال لهم: أبو موسى ضال، قال: ولكن أقول بقول رسول الله ﷺ ، وذكر الحديث. إذاً: أئمة الهدى والعلم لا يرون لأحد حجة في خلاف ما علمه من سنة رسول الله ﷺ . وقد تكون المسألة اجتهادية في حق عالم لعدم علمه بالسنة فيجتهد فيها، ويكون من تبعه على اجتهاده غير معذور إذا كان قد علم بالسنة واستبانت له، فـ ابن عباس ﵁ كان يفتي بالمتعة في الحج وقال لـ عروة: (أمر رسول الله ﷺ بالمتعة، فقال له عروة بن الزبير: كان أبو بكر وعمر ينهيان عن هذا، فقال له عبد الله بن عباس: توشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله ﷺ وتقولون قال: أبو بكر وعمر!!). لماذا قال لـ عروة: توشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء؟ الجواب: من أجل أنه عارض أمر رسول الله بأن أبا بكر وعمر كانا ينهيان عن المتعة حتى ولو قال عروة: أبو بكر وعمر أعلم برسول الله منك، فهذا كلام صحيح، لكن هذا ليس بحجة، من أجل ذلك غلظ عليه ابن عباس ﵁، وتخوف من نزول حجارة من السماء، والآن كل المقلدين يقولون: هل أنت أعلم من الشافعي؟ هل أنت أعلم من أبي حنيفة؟ أنا لست أعلم منهم قطعاً، لكن عندنا حديث عن النبي ﵊ يقول كذا، فلا نتركه لهذه الشبهة. من استبانت له السنة وخالفها غير معذور؛ لأنه في هذه الحالة خالف الإجماع بعد مخالفته لأدلة الكتاب والسنة بوجوب اتباع رسول الله ﷺ . ومعرفة خلاف الفقهاء أمر مهم؛ لأن كثيراً من طلاب العلم وأبناء الصحوة الإسلامية لا ينتبهون لوجود هذا النوع من الاختلاف، ويظنون أن كل مسائل الاختلاف بين العلماء مما يعادا فيه ولأجله ويبغض المخالف له، وهذا يوجد من أسباب الفساد والتعادي ما لا يعلمه إلا الله، فينبغي إدراك وجود هذا النوع من الاختلاف، وعدم إمكانية إزالته، وأن له أسباباً لن تزول، فالأدلة منها ما هو قطعي وما هو ظني، وخلاف الأفهام وارد، فالخلاف لا يمكن أن يزول بالكلية، ولن يكون جميع الناس في كل المسائل على قول واحد، وبعض الطلاب يظن أن دعوة بعض المشايخ للتصفية معناه: أنه لابد أن يكون لنا قول نجتمع عليه في كل مسألة، ونحارب من خالفه! كلا، ليس الأمر كذلك، بل نزيل منه ما يمكن إزالته، وهذا سيكون لطائفة معينة في زمن معين، ولن يكون في كل الأزمنة وفي كل المسائل ولكل الناس، فهذا لا يمكن إزالته بالكلية. وإدراك وجود هذا النوع من الاختلاف يوسع صدور المسلمين لاحتماله، وليكن شعارنا في ذلك: يسعنا ما وسع السلف الصالح، ولا يسعنا ما لم يسعهم، فيعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه، مما اختلف فيه السلف من قبلنا، وليس في كل خلاف. بقيت المودة والألفة بين السلف مع وجود الاختلاف بينهم، فليكن هذا حالنا أيضاً، ولنرفق بالمخالف لنا، ولا يزيد إنكارنا على مجرد المذاكرة العلمية وبيان الأدلة التي نرى رجحانها، ولا نسمح للشيطان بإلقاء جذور العداوة عبر الاتهامات بالجهل أو الضلال أو الانحراف عن منهج السنة وطريق السلف، وليكن حوارنا هادئاً نلتزم فيه بما أدبنا به العلماء، وكما نعرفه من طرقهم في البحث والمناظرة والرد الرفيق على المخالف، ليكن هذا الحوار هو الأسلوب الذي ينتهجه أبناء الصحوة في خلافاتهم حول المسائل التي يسوغ فيها الاختلاف والاجتهاد، وليبذل كل منا جهده في معرفة الحق والعمل به، وليعذر الآخرين، وليدع للجميع بالتوفيق لما يحبه الله ويرضاه والقبول عنده .

стр. 74

أدب الخلاف [٥] إن اختلاف التضاد المذموم هو الاختلاف غير السائغ، ويعرف بأنه: ما خالف نصاً من كتاب أو سنة أو إجماعاً أو قياساً جلياً لا يختلف فيه، سواء كان ذلك في الأمور الاعتقادية العلمية، أو كان في المسائل العلمية.

стр. 75

الاختلاف غير السائغ الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، أما بعد: فقد ذكرنا فيما سبق اختلاف التنوع وقلنا: إنه لا بأس من حصوله، ثم ذكرنا اختلاف التضاد السائغ واشترطنا فيه ألا يصادم نصاً جلياً سواء كان ذلك في الأصول أو الفروع. واليوم نتناول اختلاف التضاد غير السائغ، وهو الاختلاف المذموم، وكثير من أهل العلم يعرفونه بأنه: الخلاف في الأصول أي: في العقائد، والصحيح أن يعرف بأنه: ما خالف نصاً من كتاب أو سنة أو إجماعاً أو قياساً جلياً لا يختلف فيه، سواء كان في الأمور الاعتقادية العلمية وهذا أكثر أنواع هذا الاختلاف أو كان في المسائل العملية، فكما يذم المخالف دائماً في مسائل الاعتقاد في الغالب يذم المخالف أيضاً في بعض مسائل العمل، فيذم المخالف الذي يقول بعدم صحة المسح على الخفين، ويذم المخالف الذي يفتي بجواز زواج المتعة، ويذم المخالف الذي يقول: لا ربا إلا في النسيئة. ومعروف أن ابن عباس ﵁ كان يفتي بجواز زواج المتعة، وهذا قول لا شك في بطلانه؛ لأنه مخالف للثابت من سنة رسول الله ﷺ ، ومن يفعله يستحق العقاب، وليس هذا طعناً في ابن عباس ﵁. إذاً: كثير من مسائل الفروع -أي الأحكام- فيها نصوص من الكتاب والسنة والإجماع، وقد لا يعذر المخالف فيها، بل قد يكفر، كمن أنكر وجوب الصلوات الخمس وصوم رمضان وحرمة الزنا والخمر، فهذه من مسائل الأحكام المسماة عند الكثيرين بالفروع، وقد يبدع المخالف فيها كإنكار المسح على الخفين، والقول يجواز نكاح المتعة، والأغلب في اختلاف أهل العلم في مسائل الفروع -مسائل الفقه- أنه من الاختلاف السائغ كما سبق ذلك. إذاً: ضابط خلاف التضاد أنه مخالفة البينات، قال تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران:١٠٥]، فالذي يخالف البينات يكون مذموماً، سواء كان خلافه في الاعتقاد أو كان في العمل وهذا أمر مهم جداً؛ لأن بعض الناس يلغي أي ذم لأي اختلاف عملي ولو كان خلافاً في البينات، ويجعل كل مسائل الخلاف العملي مما يعذر بعضنا بعضاً فيه، وهذا قول خطير، فنقول: قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران:١٠٣] قال ابن كثير: ((وَلا تَفَرَّقُوا)): أمرهم الله بالجماعة، ونهاهم عن الفرقة، وقد وردت الأحاديث المتعددة بالنهي عن التفرق والأمر بالاجتماع، كما في صحيح مسلم من حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: (إن الله يرضى لكم ثلاثاً ويسخط لكم ثلاثاً، يرضى لكم: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم، ويسخط لكم: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال). وقد ضمنت لهم العصمة من الخطأ عند اتفاقهم، كما وردت بذلك الأحاديث المتعددة أيضاً، وخيف عليهم الافتراق والاختلاف، وقد وقع ذلك في هذه الأمة، وافترقوا على ثلاث وسبعين فرقة منها فرقة ناجية إلى الجنة، ومسلَّّمة من النار: وهم الذين على ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه. انتهى كلام ابن كثير ﵀. هذا الكلام واضح الدلالة على أن هناك فرقة خارجة عن هذا النوع وهو الاعتصام بحبل الله، وهو الوحي المنزل من عنده، وهو الكتاب والسنة، والإجماع، فقد أشار إلى هذه الأمور التي ضمنت لهم العصمة من الخطأ عند اتفاقهم. قال: كما قال: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين). إذاً: لو أن كل الأمة على قول، فلا بد أن تكون هذه الطائفة الظاهرة ضمن الأمة، وهذا القول سوف يكون هو الحق؛ لأن الطائفة ضمن الأمة على الحق، فلهذا يستحيل أن يضيع الحق بالكلية من الأمة الإسلامية، كما كان عليه أصحاب النبي ﷺ من بعده، قال تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران:١٠٥]. فهناك عذاب وذنب لمن خالفوا البينات وتفرقوا بعد وجودها، قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران:١٠٦ - ١٠٧]. عن ابن عباس ﵄ قال: تبيض وجوه أهل السنة والائتلاف، وتسود وجوه أهل البدع والافتراق، رواه النسائي في شرح أصول الاعتقاد، وابن أبي حاتم وأبو نصر في الإبانة، والخطيب في تاريخه. وقد ذم الله في هذه الآية من خالف البينات، ومن هنا: كان تعريف هذا النوع من الاختلاف المذموم من هذه الآية الكريمة: ((وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ))، إذاً: البينات هي الأمر البين الواضح الذي جاء من عند الله وهو من حبل الله هو ما كان. نص كتاب أو نص سنة أو إجماعاً أو قياساً دليلياً على هذه الثلاثة، والقياس الدليلي القول به يتفق عليه الصحابة جميعاً ﵃. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [الأنعام:١٥٩]، هذه الآية وإن نزلت في اليهود والنصارى كما قال مجاهد وقتادة والضحاك والسدي ووكيع عن ابن عباس إلا أنها تشمل أهل البدع والشبهات والضلالات، إذاً: لا يقال هذا على من اختلفوا خلافاً سائغاً، ولا يقال عن أهل السنة ضمن الفرق؛ لأن البعض يأتي يطلق ذلك على الجماعات الإسلامية المعاصرة، يقول: ((إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ))، فأي جماعات تكون من ((الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا))، ومعنى هذا: أن أهل السنة ضمن الفرق النارية، وكلهم: ((لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ))، وهذا الكلام باطل؛ لأن النبي ﵊ تبرأ من الفرق الثنتين والسبعين، وتولى التي في الجنة، كما قال النبي ﷺ : (إلا واحدة). إذاً: أهل السنة وأهل الحق هم على ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه، وعلى الصراط المستقيم، والذي فرق دينه هو الذي ابتعد عنهم، وهم الذين وصفهم الله بقوله: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون:٥٣]، فهذا يأخذ جزءاً من الكتاب ويتمسك به ويترك الباقي, والثاني يأخذ الجزء الباقي ويترك هذا الجزء، وهذا ليس كلام أهل السنة أبداً، فإن القدرية والجبرية كل منهم تمسك ببعض شيء: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون:٥٣]، وترك الباقي. الجبرية مثلاً تتمسك بقول الله: ﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ﴾ [الأنعام:٣٩]، وتقول: ليس للإنسان قدرة وإرادة، والقدرية تتمسك بقوله: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير:٢٨]، وهذا الكلام تحريف للدين، وتفريق له، وعدم إيمان بالكتاب كله، وهذا هو المذموم. أما أهل الحق فهم السائرون على الصراط، وكل من يبعد عنهم فهو من الذين ((فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا))، وليس أهل الحق من يقال عنهم هذا الكلام بنص هذه الآية. عندما يقول شخص عن الجماعات المختلفة: هذه الآية دليل على أن أي تجمع يكون من ((الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا))، هذا ظلم بين، واستدلال في غير الموضع، بل تحريف لمعنى الآية؛ لأن الآية لم تشمل من كانوا على ما كان عليه النبي ﵊ في الذم، إنما ذم وتبرأ وأمر الله نبيه ﷺ أن يتبرأ من الذين فرقوا دينهم. أما أهل السنة فجمعوا الدين والتزموا به، حتى وإن أصبحوا واحدة من ثلاث وسبعين، لكن من الذي سبب وجود الثلاثة والسبعين؟ من المذموم على فعله؟ المفارقون المخالفون أهل البدع والضلال، فهم هؤلاء الذين صنعوا التفرق. قال ابن كثير ﵀: والظاهر أن الآية عامة لكل من فارق دين الله، وكان مخالفاً له، فإن الله بعث رسوله ﷺ بالهدى ودين الحق؛ ليظهره على الدين كله، وشرعه واحد لا اختلاف فيه ولا افتراق، فمن اختلف فيه وكانوا شيعاً -أي: فرقاً كأهل الملل والنحل والأهواء والضلالات- فإن الله تعالى قد برأ رسوله ﷺ مما هم فيه. وهذا فيما هو من الدين، أما ما فيه اجتهاد فهو داخل ضمن قوله: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء:٧٩]. وقال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ [الشورى:١٣]، أمرنا الله أن نقيم الدين ولا نتفرق فيه، وقال: ﴿وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَ
следующие страницы →