← Акыда

Акыда · id 36996

الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان

ياسر برهامي

Полный текст (101 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان [١] إن الله اختص قوماً بولايته؛ لأنه علم منهم أهلية لذلك، وذلك مقام رفيع، فلما سمع قوم بذلك أرادوا أن يبلغوا الولاية ولكنهم لم يلتزموا بشرع الله، ولا اتبعوا أوامره، فادعوا الولاية وافتروا على الله، بل بعضهم جعل ما يفعله من الحرام دلالة على ولايته، ولكن الله جعل لأوليائه علامات تميز الدخيل فيهم ممن ليس منهم، فهيهات أن يدرك درجة الولاية قوم تمنوها دونما عمل وطاعة واتباع.

стр. 2

مقدمة المؤلف في الكلام عن أولياء الرحمن وأولياء الشيطان الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم. أما بعد: فبقراءة شرح الوصايا المهمة من وصايا شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وهي رسالة الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان. قال شيخ الإسلام ﵀: [بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد الله نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﷺ أرسله بالهدى، ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيداً، أرسله بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، فهدى به من الضلالة، وبصر به من العمى، وأرشد به من الغي، وفتح به أعيناً عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً، وفرق به بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والرشاد والغي، والمؤمنين والكفار، والسعداء أهل الجنة والأشقياء أهل النار، وبين أولياء الله وأعداء الله. فمن شهد له محمد ﷺ بأنه من أولياء الله فهو من أولياء الرحمن. ومن شهد له بأنه من أعداء الله فهو من أولياء الشيطان. وقد بين في كتابه وسنة رسوله ﷺ أن لله أولياء من الناس، وللشيطان أولياء. ففرق بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، فقال تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [يونس:٦٢ - ٦٤] وقال تعالى: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ [الأعراف:١٩٦]]. فقد ذكر الله صفة أوليائه أنهم المؤمنون المتقون، وبين عاقبة أمرهم أنهم لا خوف عليهم مما هم يقبلون عليه ويقدمون عليه، ولا هم يحزنون على شيء فاتهم أو حصل لهم. وبين أن لهم البشرى في الحياة الدنيا، فمن عاجل بشرى المؤمن ما يلقيه الله في قلوب وفي ألسنة الخلق من محبة أوليائه والثناء عليهم. ومن البشرى في الدنيا كذلك الرؤيا الصالحة التي يراها المؤمن أو ترى له. وأما في الآخرة فما تبشرهم به الملائكة عند احتضارهم وعند قيامهم من قبورهم، وعندما تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون. وكذلك من البشرى في الآخرة ما يبشر به العمل الصالح صاحبه حين يأتيه في صورة رجل طيب، حسن الوجه طيب الريح يقول: (أبشر بما يسرك هذا يومك هذا الذي كنت توعد، أنا عملك الصالح). قال المؤلف ﵀: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢٥٧]. إذاً لله أولياء كما في الآية: ((اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)) والله وليهم وهم أولياؤه، فهو يخرجهم من ظلمات الكفر والجهل والضلال إلى نور الإيمان والعلم والتوحيد. ((وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ)) ورأس الطواغيت الشيطان، والطاغوت: كل ما عبد من دون الله وهو راض، وهؤلاء بعضهم أولياء بعض، وهم يتعاونون على الكفر والفسوق والعصيان. ((يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ)) أي: يتركون الإيمان والعلم والعدل والحق الذي أخبر الله به وأمر به إلى ظلمات الظلم والشرك والشك والنفاق وغير ذلك مما يحصل لمن يعبد غير الله. ((أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)). قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِم يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ * وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة:٥١ - ٥٦]]. فالله له أولياء من المؤمنين وهو وليهم، ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة:٥٥]. ولا شك أن ذكر هذه الولاية عقب إيجاب البراءة من الكفار، من اليهود والنصارى، وعدم اتخاذهم أولياء دليل واضح على أنه لا تحصل الولاية لله إلا ببغض أعداء الله. أما النفاق فتدل الآية على أنه يسبب موالاة الكفار، قال تعالى: ((فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ)) أي: مرض النفاق والشبهات والشهوات ((يُسَارِعُونَ فِيهِم)) أي: يسارعون في موالاة اليهود والنصارى والكفار بزعم أنهم يخشون وقوع الهزيمة على المسلمين، فيضمنون أنهم قد أعدوا لهذا اليوم عدته بأن والوا أعداء الله، فيتخذون عندهم يداً يحمون بها أنفسهم إذا غلبوا. قال : ((فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ)) و (عسى) من الله واجبة، فمن تولى الله ، وتولى دين رسوله ﷺ وسنته، وتولى عباد الله المؤمنين، فإن الله يفتح عليه، ويأتي الكفار أمر من عنده فيجعل باطلهم ومكرهم وكيدهم هباءً منثوراً، وعند ذلك يندم المنافقون على ما أسروا في أنفسهم من موالاة الكفار. وبين أن المؤمنين يتعجبون من هؤلاء المنافقين، كيف يجمعون بين النقيضين؟ بين كونهم يقسمون أقوى الأيمان -وقد بذلوا الجهد في المبالغة في القسم- أنهم مع المؤمنين، وفي نفس الوقت هم يتخذون الكفار أولياء، فكيف يجتمع هذان النقيضان؟ لا يمكن أن يكون الإنسان مؤمناً، وهو في نفس الوقت يتخذ الذين كفروا أولياء. وقد بين أن موالاة الكفار تستوجب - والعياذ بالله - حبوط العمل، وتجلب الخسران، وبين أنها تجر إلى الردة فقال: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ)) وهذه صفات أولياء الله أنهم يحبون الله والله يحبهم، وكذلك من صفاتهم: ((أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ)) وأضافوا إلى ذلك الجهاد في سبيل الله، وأنهمولن يخافون لومة اللائمين الذين يلومون من يجاهد في سبيل الله، ومن يعمل لإعلاء كلمة الله. ((ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)) فمن تفضل الله عليه بحبه، وبالذلة على المؤمنين، والعزة على الكافرين، والجهاد في سبيله، فهذا قد آتاه الله من فضله، والله واسع عليم. ثم حصر الموالاة أنها تكون لمن لديهم صفات معينة، وهي: أنهم المؤمنون، والمقيمون للصلاة، والمؤتون للزكاة، والذين يركعون ويخضعون لله . وبين الله انتصار هذا الحزب الذي يشترط لعضويته: أن يكون الإنسان مؤمناً مصلياً مزكياً مطيعاً لله . والغرض المقصود من هذه الآية في هذا الباب هو قوله: ((إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا)) فلله أولياء. قال المؤلف ﵀: [قال تعالى: ﴿هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا﴾ [الكهف:٤٤]]. أي: هو يتولى أمور عباده عموماً، وأمور عباده المؤمنين بالحفظ والعناية خصوصاً. قال المؤلف ﵀: [قال تعالى: وذكر أولياء الشيطان فقال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل:٩٨ - ١٠٠]]. إذاً: هناك من يتولى الشيطان، والشيطان وليه. قال المؤلف ﵀: [وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء:٧٦]]. فسماهم أولياء الشيطان وأمر بقتالهم؛ لأنهم يصدون عن سبيل الله ويشركون به، ويظهرون الفساد في الأرض. قال المؤلف رحمه الله تعالى: وقال تعال

стр. 3

وجوب التفريق بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فصل: وإذا عرف أن الناس فيهم أولياء الرحمن وأولياء الشيطان فيجب أن يفرق بين هؤلاء وهؤلاء، كما فرق الله ورسوله بينهما. فأولياء الله هم المؤمنون المتقون، كما قال تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٢ - ٦٣]]. قال المؤلف ﵀: [وفي الحديث الذي رواه البخاري وغيره عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (يقول الله تعالى: من عادى لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة (أو فقد آذنته بالحرب) وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، (وفي رواية) فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه). فهذا أصح حديث يروى في الأولياء. فبين النبي ﷺ أنه من عادى ولياً لله فقد بارز الله بالمحاربة. وفي حديث آخر: (وإني لأثأر لأوليائي كما يثأر الليث الحرب)]، أي: الليث الذي يحارب أو نحو ذلك، وهذا التشبيه إنما هو في شدة البأس، وهو لتقريب الأمر إلى أذهان العباد، وإلا فالله ليس كمثله شيء. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أي آخذ ثأرهم ممن عاداهم كما يأخذ الليث ثأره. وهذا لأن أولياء الله هم الذين آمنوا به ووالوه، فأحبوا ما يحب وأبغضوا ما يبغض، ورضوا بما يرضى، وسخطوا بما يسخط، وأمروا بما يأمر، ونهوا عما ينهى، وأعطوا لمن يحب أن يعطى، ومنعوا من يحب أن يمنع، كما في الترمذي وغيره عن النبي ﷺ أنه قال: (أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله). وفي حديث آخر رواه أبو داود وقال: (من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان)].

стр. 4

بيان مفهوم الولاية والعداوة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والولاية: ضد العداوة، وأصل الولاية: المحبة والقرب، وأصل العداوة: البغض والبعد. وقد قيل: إن الولي سمي ولياً من موالاته للطاعات، أي: متابعته لها، والأول أصح، والولي: القريب، يقال: هذا يلي هذا أي: يقرب منه، ومنه قوله النبي ﷺ : (ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر) أي: لأقرب رجل إلى الميت وأكده بلفظ الذكر؛ ليبين أنه حكم يختص بالذكور ولا يشترك فيه الذكور والإناث] ,أيضاً لكي لا يتوهم أن ذلك خاص بالرجال دون الصبيان وسائر الذكور. قال المؤلف رحمه الله تعالى: كما قال ﷺ في الزكاة: (فابن لبون ذكر). فإذا كان ولي الله هو الموافق المتابع له فيما يحبه ويرضاه ويبغضه ويسخطه ويأمر به وينهى عنه كان المعادي لوليه معادياً له. كما قال تعالى: ﴿لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ [الممتحنة:١]. فمن عادى أولياء الله فقد عاداه، ومن عاداه فقد حاربه، ولهذا قال: (ومن عادى لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة)].

стр. 5

الأنبياء أفضل أولياء الله قال المؤلف ﵀ [وأفضل أولياء الله (الأنبياء، وأفضل الأنبياء المرسلون) منهم، وأفضل المرسلين أولوا العزم: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد صلوات الله عليه الله وسلامه عليهم أجمعين. قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى:١٣]. وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [الأحزاب:٧]] وأولوا العزم على قول جمهور العلماء: هم هؤلاء الخمسة المذكورون في الآية. والقول الآخر: أن كل الرسل أولي عزم. واستدل الأولون بقول الله عن آدم: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه:١١٥]. وقوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف:٣٥] والأصل في (من) أنها للتبعيض، ولا شك في أفضيلة هؤلاء، وقد نص الله على ذكرهم، وذلك دليل على فضلهم.

стр. 6

فضل الرسول ﷺ وفضل أمته قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأفضل أولي العزم: محمد ﷺ خاتم النبيين وإمام المتقين، وسيد ولد آدم ﷺ ، وإمام الأنبياء إذا اجتمعوا، وخطيبهم إذا وفدوا، صاحب المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون]. وقد روي في الحديث أنه ﷺ خطيبهم إذا وفدوا على الله، وإن كان الحديث لم يصح نصاً، ولكن في حديث الشفاعة ما يدل عليه؛ فإن الذي يتقدم ويسجد بين يدي الله، ويشفع عند الله في أمر خلقه هو النبي ﵊، فهو خطيبهم إذا وفدوا على الله، وهو صاحب المقام المحمود أي: الشفاعة التي يتراجع عنها أولو العزم من الرسل، وهذا المقام يغبطه به الأولون والآخرون. قال المؤلف ﵀: [صاحب لواء الحمد]. أي: يوم القيامة، وفي ذلك يقول ﷺ : (لواء الحمد بيدي وآدم ومن دونه تحت لوائي) أو كما قال ﵊؛ لأن الله يفتح عليه من أنواع المحامد والثناء مالم يفتحه على أحد قبله ﵊، فيجعل الله لواء يسمى: (لواء الحمد) يعرف به ﵊. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وصاحب الحوض المورود]. والحوض قد أخبر النبي ﷺ عنه أن: (آنيته كعدد نجوم السماء، من شرب منه لم يظمأ بعدها أبداً). قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وشفيع الخلائق يوم القيامة، وصاحب الوسيلة والفضيلة]. وهذه منزلة لا تنبغي إلا لعبد، وهو رسول الله ﷺ ، وقد جاء عنه ﵊ أن من سأل له الوسيلة حقت له الشفاعة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [بعثه الله بأفضل الكتب، وشرع له أفضل شرائع دينه، وجعل أمته خير أمة أخرجت للناس، وجمع له ولأمته من الفضائل والمحاسن ما فرقه فيمن قبلهم]. أي: أنه قد يكون في بعض الأمم بعض الفضائل، أما هذه الأمة فاجتمعت فيها كل الفضائل في العلم والعمل. قال المؤلف ﵀: [وهم آخر الأمم خلقاً، وأول الأمم بعثاً، كما قال ﷺ في الحديث الصحيح: (نحن الآخرون السابقون يوم القيامة)]، أي: نحن الآخرون زمناً السابقون يوم القيامة إلى الله منزلة وقدراً]. قال المؤلف ﵀: [قال: (بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم، فهذا يومهم الذي اختلفوا فيه) -يعني: يوم الجمعة- فهدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع: (غداً لليهود وبعد غد للنصارى)]. أي: أنهم اختلفوا في يوم الجمعة، وقد كان شرع لهم ابتداء، لكن لما اختلفوا فيه رفع ذلك عنهم ولم يعد مشروعاً لهم أن يعظموا يوم الجمعة؛ حرماناً لهم من ثوابه وفضله، بل لهم تعظيم السبت وتعظيم الأحد بدلاً من تعظيم الجمعة. قال المؤلف ﵀: [وقال ﷺ : (أنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر) أي: أن أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة هو رسول الله ﷺ . قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال ﷺ : (آتي باب الجنة فأستفتح، فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: أنا محمد ﷺ ، فيقول: بك أمرت أن لا أفتح لأحد قبلك). وفضائله ﷺ وفضائل أمته كثيرة].

стр. 7

الإيمان برسوله ﷺ واتباعه ظاهراً وباطناً دليل على ولاية الله تعالى قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن حين بعثه الله جعله الله الفارق بين أوليائه وبين أعدائه، فلا يكون ولياً لله إلا من آمن به وبما جاء به، واتبعه باطناً وظاهراً، ومن ادعى محبة الله وولايته وهو لم يتبعه فليس من أولياء الله، بل من خالفه كان من أعداء الله وأولياء الشيطان، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١]. قال الحسن البصري ﵀: ادعى قوم أنهم يحبون الله فأنزل الله هذه الآية محنة لهم]. أي: امتحاناً لهم إن كانوا صادقين في حب الله فليتبعوا النبي ﷺ . قال المؤلف ﵀: [وقد بين الله فيها أن من اتبع الرسول ﷺ فإن الله يحبه، ومن ادعى محبة الله ولم يتبع الرسول ﷺ فليس من أولياء الله]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإن كان كثير من الناس يظنون في أنفسهم أو في غيرهم أنهم من أولياء الله ولا يكونون من أولياء الله، فاليهود والنصارى يدعون أنهم أولياء الله، وأنه لا يدخل الجنة إلا من كان منهم، بل يدعون أنهم أبناء الله، وأحباؤه، قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [المائدة:١٨]. وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة:١١١ - ١١٢]]. قال المؤلف ﵀: [وكان مشركوا العرب يدعون أنهم أهل الله لسكناهم مكة ومجاورتهم البيت، وكانوا يستكبرون به على غيرهم كما قال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ * مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون:٦٦ - ٦٧]. وقال تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ * وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ * وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال:٣٠ - ٣٤]. فبين سبحانه أن المشركين ليسوا أولياءه ولا أولياء بيته إنما أولياؤه المتقون]. وهذه القضية مهمة جداً، وهي: أن ظن الإنسان أنه ولي لله لا يلزم منه أن يكون ولياً في الحقيقة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وثبت في الصحيحين عن عمرو بن العاص ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول جهاراً من غير سر: (إن آل فلان ليسوا لي بأولياء) -أي: طائفة من أقاربه- (إنما وليي الله وصالح المؤمنين)، وهذا موافق لقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم:٤]. وصالح المؤمنين هو من كان صالحاً من المؤمنين وهم المؤمنون المتقون أولياء الله، ودخل في ذلك أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر أهل بيعة الرضوان الذين بايعوا تحت الشجرة وكانوا ألفاً وأربعمائة كلهم في الجنة كما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة)، ومثل هذا الحديث الآخر: (إن أوليائي المتقون من كانوا وحيث كانوا)].

стр. 8

ادعاء الولاية من بعض الكفار والمنافقين قال المؤلف ﵀: [كما أن من الكفار من ادعى أنه ولي الله وليس ولياً لله بل عدو له، فكذلك من المنافقين الذين يظهرون الإسلام ويقرون في الظاهر بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأنه مرسل إلى جميع الإنس بل إلى الثقلين الإنس والجن، ويعتقدون في الباطن ما يناقض ذلك، مثل أن لا يوقروا في الباطن بأنه رسول الله ﷺ ، وإنما كان ملكاً مطاعاً ساس الناس برأيه من جنس غيره من الملوك، أو يقولون: إنه رسول الله إلى الأميين دون أهل الكتاب كما يقوله كثير من اليهود والنصارى] ويوافقهم في ذلك طوائف ممن لا يخطِّئ اليهود والنصارى، ولا يلزم باتباع النبي ﷺ والعياذ بالله، وهذا من المنافقين الذين يعتقدون خلاف ما يظهرون حين يقولون: إن النبي ﷺ هو رسولنا نحن، وهم لهم أنبياؤهم ورسلهم والعياذ بالله، وهذا من النفاق الأكبر. يقول المؤلف ﵀: [أو أنه مرسل إلى عامة الخلق وأن لله أولياء خاصة لم يرسل إليهم ولا يحتاجون إليه، بل لهم طريق إلى الله من غير جهته. كما كان الخضر مع موسى] وهذا الكلام هو أيضاً كلام بعض الصوفية الغلاة الذين يقولون مثل هذه الضلالات الكفرية. وتجد هؤلاء يركزون على قصة الخضر وموسى، ويحرفونها عما تدل عليه، وموسى ﵇ كان رسولاً إلى بني إسرائيل، ولم يكن رسولاً إلى الناس كافة، ولا مانع من وجود نبي في زمنه يوحى إليه، فالخضر إما نبي وإما متبع لنبي يأتيه وحي قاطع من عند الله بهذه الأفعال، ويقولون: إن أهل الالتزام بما جاء به الأنبياء هم أهل الشريعة، وأما أهل الباطن فهم أهل الحقيقة، فمن كان على حال الخضر فهو يعرف بواطن الأمور التي لا يعرفها أهل الشريعة، وقد يفعلون أشياء منكرة وهي في الحقيقة من المعروف، مثل قتل من لا يستحق القتل ونحو ذلك، وهم بهذا يؤصلون أن الولي مهما فعل من أموراً مستنكرة فلا ينكر عليه؛ لأن الذي ينكر عليهم لا يعرف الباطن، كما أن موسى كان مخطئاً حين أنكر على الخضر كما يقولون، وفتح هذا الباب يؤدي إلى الفواحش والمنكرات باسم الكرامات، لذلك تجد أهل الضلال والكفر والعياذ بالله يعظون ليستحلوا المحرمات فقط. ويقول بعضهم: إن من كرامة سيدي فلان الفلاني والعياذ بالله أنه خطب يوماً فقال: أشهد أن لا إله لكم إلا إبليس ﷺ ، فقال الناس: كفر كفر، فسل السيف ونزل من على المنبر، قال: وفعل ذلك ثلاثين جمعة! فمن يرضى بهذا الكلام يكون كافراً والعياذ بالله. ويذكرون أن من كرامات فلان الفلاني أنه كان ينزل شيخ البلد من على بغلته، فإن امتنع تسمر في مكانه، فيفعل بالدابة، والعياذ بالله، وهذه من أفضع الفضائع ومع ذلك يعدونها كرامات!! لذا من اعتقد أن أحداً يسعه الخروج عن شرع رسول الله ﷺ كما وسع الخضر الخروج عن شرع موسى كان كافراً، فهذا من نواقض الإسلام كما ذكره الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀. قال المؤلف ﵀: [أو أنهم يأخذون عن الله كل ما يحتاجون إليه وينتفعون به من غير واسطة، أو أنه مرسل بالشرائع الظاهرة، وهم موافقون له فيها، وأما الحقائق الباطنة فلم يرسل بها أو لم يكن يعرفها، أو هم أعرف بها منه، أو يعرفونها مثل ما يعرفها من غير طريقته. وقد يقول بعض هؤلاء: إن أهل الصفة كانوا مستغنين عنه ولم يرسل إليهم]. ولذلك تجدهم لا يهتمون بالسنة، ولا يبحثون في تهذيب النفوس من خلال سيرة وسنة النبي ﷺ ، بل عندهم وسائلهم الخاصة بهم.

стр. 9

إبطال ما يزعمه أدعياء الولاية في أهل الصفة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومنهم من يقول: إن الله أوحى إلى أهل الصفة في الباطن ما أوحى إليه ليلة المعراج فصار أهل الصفة بمنزلته]. فهم ظنوا أن كلمة الصوفية مأخوذة من الصفة، وهي ليست كذلك، لذا فإن من الكفر والعياذ بالله أن يقال: إنه يوحى إلى أهل الصفة في الباطن ما أوحى إليه ليلة المعراج. وأهل الصفة كانت بدايتهم أن هناك من يهاجر إلى رسول الله ﷺ ولا يجد مأوى، فجعل لهم في مؤخرة المسجد مكان يأوون إليه. قال المؤلف ﵀: [وهؤلاء من فرط جهلهم لا يعلمون أن الإسراء كان بمكة كما قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء:١]. وأن الصفة لم تكن إلا بالمدينة وكانت صفة في شمالي مسجده ﷺ ينزل بها الغرباء الذين ليس لهم أهل وأصحاب ينزلون عندهم، فإن المؤمنين كانوا يهاجرون إلى النبي ﵌ إلى المدينة، فمن أمكنه أن ينزل في مكان نزل به، ومن تعذر عليه ذلك نزل في المسجد إلى أن يتيسر له مكان ينتقل إليه. ولم يكن أهل الصفة ناساً بأعيانهم يلازمون الصفة بل كانوا يقلون تارة ويكثرون أخرى، ويقيم الرجل بها أياماً ثم ينتقل منها، والذين ينزلون بها هم من جنس سائر المسلمين ليس لهم مزية في علم ولا دين، بل فيهم من ارتد عن الإسلام وقتله النبي ﷺ كالعرنيين الذين اجتووا المدينة أي: استوخوهما]. أي: مرضوا من جوها. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فأمر لهم النبي ﷺ بلقاح أي: إبل لها لبن، وأمرهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها، فلما صحوا قتلوا الراعي واستاقوا الذود، فأرسل النبي ﷺ في طلبهم فأتي بهم فأمر بقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم] أي: جعلت المسامير فيها كما فعلوا بالراعي. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وتركهم في الحرة يستسقون فلا يسقون] والحرة: أرض فيها حجارة سوداء على أطراف المدينة. قال المؤلف ﵀: [وحديثهم في الصحيحين من حديث أنس وفيه أنهم نزلوا الصفة، فكان ينزلها مثل هؤلاء ونزلها من خيار المسلمين سعد بن أبي وقاص وهو أفضل من نزل بالصفة، ثم انتقل عنها، ونزلها أبو هريرة وغيره، وقد جمع أبو عبد الرحمن السلمي (تاريخ من نزل الصفة)]. وأما الأنصار فلم يكونوا من أهل الصفة، وكذلك أكابر المهاجرين كـ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وأبي عيدة بن الجراح وغيرهم لم يكونوا من أهل الصفة]. وهؤلاء هاجروا في سبيل الله وكانت لهم أموال فاتخذوا بها مساكن، أو تاجروا وربحوا حتى كانت لهم مساكن. والعرنيين نزلوا مصلحة وطمعوا في المال، فقتلوا راعي إبل الصدقة وأخذوا الإبل طمعاً في المال.

стр. 10

عدم صحة الأحاديث في عدة الأولياء والأبدال وأمثلة لذلك قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد روي أنه كان بها غلام للمغيرة بن شعبة وأن النبي ﷺ قال: (هذا واحد من السبعة) وهذا الحديث كذب باتفاق أهل العلم وإن كان قد رواه أبو نعيم في الحلية، وكذا لك كل حديث يروى عن النبي ﷺ في عدة الأولياء والأبدال والنقباء والنجباء والأوتاد والأقطاب مثل أربعة أو سبعة أو اثني عشر أو أربعين أو سبعين أو ثلاثمائة أو ثلاثة عشر أو القطب الواحد فليس في ذلك شيء صحيح عن النبي ﷺ ]. وبعض هذه التسميات وردت لكن لغير ما يقصده هؤلاء، فالنقباء وردت في نقباء الأنصار في بيعة العقبة، والأبدال ورد في حديث موقوف، وأما في فضل الأولياء فتوجد أحاديث صحيحة كثيرة، وأصح حديث في ذلك ما رواه البخاري: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب)، وأما الأوتاد والأقطاب فلم ترد لا في كتاب ولا سنة فيما أعلم. وكلمة الأبدال يعنون بها: أنه كل ما مات منهم أحد جعل الله بدلاً منه من أهل الخير لقول النبي ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم أو خذلهم حتى تقوم الساعة). فإذا مات في الأمة عالم مثلاً فإن الله يبدل مكانه من هو مثله في العلم، وكذلك في القيام بالحق ونحو ذلك، ولا يلزم أن يكون مثله تماماً، ولكن مثله في الطريقة؛ فإنه ﷺ لم يكن هناك من خلفه مثله، وأبو بكر لم يكن هناك مثله، فالله يقيم في مقامه بدلاً عنه؛ لأن الحق لا يضيع من هذه الأمة بحمد الله ﵎، فالأبدال هم الذين جعلهم الله بدلاً ممن سبقهم من الأولياء الذين يقومون بالحق علماً وعملاً في هذه الأمة، هذا الذي ورد، أما الأقطاب والأوتاد الذين يدعي الصوفية أنه يدور حولهم روح الكون كله، وأن القطب الواحد تدور الدنيا كلها حول أمره والعياذ بالله فهذا كلام باطل. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولم ينطق السلف بشيء من هذه الألفاظ إلا بلفظ الأبدال، وروى فيهم حديث أنهم أربعون رجلاً وأنهم بالشام، وهو في المسند من حديث علي ﵁ وهو حديث منقطع ليس بثابت، ومعلوم أن علياً ومن معه من الصحابة أفضل من معاوية ومن معه بالشام، فلا يكون أفضل الناس في عسكر معاوية دون عسكر علي، وقد أخرجا في الصحيحين عن أبي سعيد عن النبي ﷺ أنه قال: (تمرق مارقة من الدين على حين فرقة من المسلمين يقتلهم أولى الطائفتين بالحق)، وهؤلاء المارقون هم الخوارج الحرورية الذين مرقوا لما حصلت الفرقة بين المسلمين في خلافة علي فقتلهم علي بن أبي طالب وأصحابه، فدل هذا الحديث الصحيح على أن علي بن أبي طالب أولى بالحق من معاوية وأصحابه، فكيف يكون الأبدال في أدنى العسكرين دون أعلاهما]. إذاً: هذا الحديث حديث ضعيف. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكذلك ما يرويه بعضهم عن النبي ﷺ أنه أنشد منشد: قد لسعت حية الهوى كبدي فلا طبيب لها ولا راقي إلا الحبيب الذي شغفت به فعنده رقيتي وترياقي وأن النبي ﷺ تواجد حتى سقطت البردة عن منكبيه] أي: اهتز وتمايل ووجد من شدة المحبة. وقوله: (لسعت حية الهوى) تشبيه قبيح جداً، وهو أن الهوى والحب فعلان، وذلك هو أكثر تشبيهات الصوفية في أشعارهم إذ يشبهون المحبة بالخمر ونعوذ بالله، ويسموها: (القصيدة الخمرية) وقد يسمون بالمقامات العالية مقام السكر مثلاً، ومقام الدهش، ومقام الهيمان، ومصيبة تحصل للإنسان، فكيف يكون مقاماً ممدوحاً؟! قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإنه كذب باتفاق أهل العلم بالحديث، وأكذب منه ما يرويه بعضهم أنه فرق ثوبه، وأن جبريل أخذ قطعة منه فعلقها على العرش]. وهذا من خزعبلات الصوفية الموجودة في كتبهم والعياذ بالله. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فهذا وأمثاله مما يعرف أهل العلم والمعرفة برسول الله ﷺ أنه من أظهر الأحاديث كذباً عليه. وكذلك ما يروونه عن عمر ﵁ أنه قال: كان النبي ﷺ وأبو بكر يتحدثان وكنت بينهما كالزنجي] أي: يكلمونه بلغة لا يفهمها، ولذا فهم دائماً يكثرون من استعمال الكلام الغامض. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهو كذب موضوع باتفاق أهل العلم بالحديث] فمن يقر برسالته العامة في الظاهر ويقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله ويعتقد والعياذ بالله عقيدة وحدة الأديان، أو في وحدة الوجود، أو في الخروج عن الشريعة -والعياذ بالله- ونحو ذلك، فهو منافق. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والمقصود هنا أن فيمن يقر برسالته العامة في الظاهر من يعتقد في الباطن ما يناقض ذلك فيكون منافقاً، وهو يدعي في نفسه وأمثاله أنهم أولياء الله مع كفرهم في الباطن بما جاء به الرسول ﷺ إما عناداً وإما جهلاً]. وهذا الجهل ليس معتبراً في هذه الحالة؛ لأنه جهل نشأ عن الإعراض؛ فإن الرسول ﷺ بعث إلى الناس كافة، وشريعته هي شريعة الخلق جميعاً الإنس والجن. وأذكر أن شخصاً رأى آخر، فقال له: لماذا لا تصلي؟ فأجاب: أنه رجل واصل فلم يعد يكلف بالصلاة، لأنه وصل إلى المراتب العالية والعياذ بالله، وبعضهم من المجانين يقولون: جذبته المحبة فأصبح لا يحتاج إلى هذه التكاليف. وهذا الرجل لو كان مجنوناً حقيقة فهو معذور، وأما لو كان عاقلاً فهو كافر؛ لأنه مستحل لترك الصلاة، وكان أبي ﵀ يحكي لي عن بعض الأقارب ممن له مقام -كما يقولون- أنه كان عندما يأتي رمضان لا يصوم ولا يصلي، فيقول له خالي: صل. فيقول: الصلاة وسيلة لا غاية، ونحن قد وصلنا إلى الغايات، فلا حاجة بنا إلى الوسائل. والعياذ بالله. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [كما أن كثيراً من النصارى واليهود يعتقدون أنهم أولياء الله وأن محمداً رسول الله ﵌، ولكن يقولون: إنما أرسل إلى غير أهل الكتاب وأنه لا يجب علينا إتباعه؛ لأنه أرسل إلينا رسولاً قبله، فهؤلاء كلهم كفار مع أنهم يعتقدون في طائفتهم أنهم أولياء الله، وإنما أولياء الله هم الذين وصفهم الله تعالى بولايته بقوله: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٢ - ٦٣].

стр. 11

وجوب الإيمان بجميع الكتب والرسل قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولابد في الإيمان -وهو الوصف الأول من وصف أولياء الله وهم الذين آمنوا- من أن يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ويؤمن بكل رسول أرسله الله، وكل كتاب أنزله الله كما قال تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ * فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة:١٣٦ - ١٣٧]. وقال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة:٢٨٥] إلى آخر السورة. وقال في أول السورة: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة:٥١ - ].

стр. 12

وجوب الإيمان بأن محمداً خاتم النبيين قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فلابد في الإيمان من أن يؤمن أن محمداً ﷺ خاتم النبيين لا نبي بعده، وأن الله أرسله إلى جميع الثقلين الإنس والجن، فكل من لم يؤمن بما جاء به فليس بمؤمن فضلاً عن أن يكون من أولياء الله المتقين، ومن آمن ببعض ما جاء به وكفر ببعض فهو كافر ليس بمؤمن، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا * وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُوْلَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء:١٥٠ - ١٥٢]]. واستدل بهذه على أن من آمن ببعض الرسل وكفر ببعض فهو كافر، ومن آمن ببعض ما جاء به الرسول ﷺ وكفر ببعض فهو كافر، كما قال تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾ [البقرة:٨٥]. وهذا دليل على أن فاعل هذا كاف لكفره؛ لأن أشد العذاب لا يكون لعصاة الموحدين، وإنما يكون للكفرة والمنافقين والعياذ بالله، وهذا دليل أيضاً على لزوم الإيمان بكل الرسل، ولزوم الإيمان بكل ما جاء به الرسول ﵌.

стр. 13

لا طريق إلى الله إلا ما جاء به محمد ﷺ قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن الإيمان به: الإيمان بأنه الواسطة بين الله وبين خلقه في تبليغ أمره ونهيه، ووعده ووعيده، وحلاله وحرامه، فالحلال: ما أحله الله ورسوله ﷺ ، والحرام: ما حرمه الله ورسوله ﷺ ، والدين: ما شرعه الله ورسوله ﷺ . فمن اعتقد أن لأحد من الأولياء طريق إلى الله من غير متابعة محمد ﷺ فهو كافر من أولياء الشيطان]. فالرسول ﷺ بعث مبلغاً عن الله جميع ما أمر الله به لجميع الإنس والجن، فليس لأحد أن يخرج عن تحليل وتحريم هذه الشريعة التي جاء بها؛ لأن كثيراً من أهل الزندقة والنفاق -ممن يعتقدون أن هناك طائفة لهم أن يرتكبوا المنكرات والمحرمات وأن يتركوا الواجبات- يزعم أن لهم طريقاً آخر مع الله ، ويزعم أن هذا الأمر هو للعامة أي: التحليل والتحريم، وأما الخاصة فلا يلزمهم ذلك، وأن هذه العبادات والتحليلات والتحريمات إنما هي لمن لم يصل بعد، وأما من وصل فلا تلزمه والعياذ بالله، فهذا كله من الكفر الناقل عن الملة، وهؤلاء غالباً يحتجون بقصة موسى والخضر؛ فإن الخضر لم يكن ملزماً باتباع شريعة موسى ﷺ ، وأعلمه الله بأشياء من علوم الغيب، وأن الخضر شرفه الله بوحي مباشر له، أو شريعة بلغها له نبي من الأنبياء في زمنه، فقتل الغلام، وإصلاح الجدار بلا مقابل، وخرق السفينة، لا يمكن أن يبنى عليه مع وجود شريعة الرسول ﷺ في أي حال من الأحوال، بمعنى: أنه لا يجوز لأحد أن يدعي أنه قد علم ما أخفاه الله عن غيره من العباد، وبناء على ذلك يجوز له أن يرتكب المحرمات الظاهرة بزعم أنها في الباطن ليست حراماً، أو أن هناك أسباباً تجعل هذه المحرمات له حلال، فالرسول ﷺ هو الواسطة بين الله وبين خلقه. فهذه الفرق القائلة بذلك هي فرق خارجة من الملة؛ لأنهم يقرون أن الله حرم هذا الشيء، وأوجب هذه العبادة، ثم يفترون على الله الكذب، وأنه جعلهم خارجين عن هذا التكليف، ولذا فمن أركان الإيمان: الإيمان بأن الرسول ﷺ هو من يبلغ الأوامر والنواهي لنا عن الله، ويبلغنا الأخبار والوعد والوعيد، فلو أن إنساناً رأى نفسه خارجاً عن هذا كان كافراً بالرسول ﷺ . قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأما خلق الله تعالى للخلق ورزقه إياهم وإجابته لدعائهم وهدايته لقلوبهم ونصرهم على أعدائهم، وغير ذلك من جلب المنافع ودفع المضار فهذا لله وحده يفعله بما يشاء من الأسباب، لا يدخل في مثل هذا واسطة الرسل]. فبعضهم يقولون: إن من الإيمان به الإيمان بأنه الواسطة، أي: أنه ينفع الناس ويضرهم على سبيل الشفاعة، وأنه يدعى من دون الله ويستنصر به على الأعداء، ويطلب منه الإغاثة والمدد، وهذا الكلام شرك بالله، فإن الله هو الذي خلق الخلق وهو الذي يرزقهم ويجيب دعائهم، ويهدي قلوبهم وينصرهم على أعدائهم، وغير ذلك من جلب المنافع ودفع المضار لله وحده لا شريك له، وليس معنى وساطة الرسل الدخول في هذا، بل وساطة الرسل إنما هي في إبلاغ التحليل والتحريم، وفي تبليغ الوعد والوعيد، والأوامر والأخبار، فالأخبار فيما يتعلق بأمور الاعتقاد كأمور الغيب، والأوامر والنواهي في التحليل والتحريم.

стр. 14

كفر من لم يؤمن بجميع ما جاء به محمد ﷺ وإن بلغ الرجل ما بلغ من العلم والزهادة والعبادة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم لو بلغ الرجل في الزهد والعبادة والعلم ما بلغ ولم يؤمن بجميع ما جاء به محمد ﷺ فليس بمؤمن] أي: أنه لا بد أن يؤمن بجميع ما جاء مجملاً، وأن كل ما جاء به الرسول ﷺ فهو حق من عند الله، ولذا فلو اعتقد أن الرسول يقول كلاماً من عنده وفيه بعض حق فهو كافر. قال المؤلف رحمه الله تعالى. : [ولا ولي لله تعالى كالأحبار والرهبان من علماء اليهود والنصارى وعبادهم]. وعبادهم هم الأحبار وهم دون العلماء، والرهبان هم العباد الذين يتعبدون عبادات شديدة جداً، وربما مكثوا السنين في الفيافي والقفار والخلوات والصوامع لا يفعلون غير ما يظنونه عبادة، ويتخلون عن كل زخرف الدنيا، ومع ذلك ليسوا بمؤمنين ولا أولياء لله . قال المؤلف ﵀: [وكذلك المنتسبون إلى العلم والعبادة من المشركين: مشركي العرب والترك والهند وغيرهم ممن كان من حكماء الهند والترك]. أي: أنه كان هناك حكماء يعلمون الناس الحكمة، بزعمهم أن الحكمة ليست الحكمة الشرعية، وعندهم زهد رياضات نفسية لتحرير النفس من سلطان الشهوات، وهذا موروث عن عبادتهم أصلاًَ، وأنه يريد أن يستخدم الطاقات الكاملة من خلال التحكم في الجسم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن له علم أو زهد وعبادة في دينه وليس مؤمناً بجميع ما جاء به محمد ﷺ فهو كافر، عدو لله، وإن ظن طائفة أنه ولي لله، كما كان حكماء الفرس من المجوس كفاراً مجوساً] فليست القضية أن يكون الإنسان هو زاهداً أو متخففاً من الدنيا، بقدر ما يكون متبعاً مطيعا ًللشرع. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكذلك حكماء اليونان مثل: أرسطو وأمثاله كانوا مشركين يعبدون الأصنام والكواكب، وكان أرسطو قبل زمن المسيح ﵇ بثلاثمائة سنة، وكان وزيراً للسكندر بن فيلبس المقدوني، وهو الذي تؤرخ به تواريخ الروم واليونان ويؤرخ به اليهود والنصارى، وليس هذا هو ذا القرنين الذي ذكره الله تعالى في كتابه كما يظن بعض الناس]. فذو القرنين رجل مؤمن موحد، والإسكندر معروف في كل آثاره بأنه عابد أوثان. قال المؤلف ﵀: [كما يظن بعض الناس أن أرسطو كان وزيراً لـ ذي القرنين لما رأوا أن ذلك اسمه الاسكندر، وهذا قد يسمى بالاسكندر فظنوا أن هذا ذاك كما يظنه ابن سينا وطائفة معه]، وابن سينا هو رجل معظم جداً لـ أرسطو، والحقيقة أن الذي في القرآن لم يسم الاسكندر، وإنما في كلمة ذي القرنين. قال المؤلف ﵀: [وليس الأمر كذلك بل هذا الاسكندر المشرك الذي كان أرسطو وزيره متأخر عن ذلك، ولم يبن هذا السد، ولا وصل إلى بلاد يأجوج ومأجوج. وهذا الاسكندر الذي كان أرسطو من وزرائه يؤرخ له تاريخ الروم المعروف. وفي أصناف المشركين من مشركي العرب، ومشركي الهند، والترك واليونان، وغيرهم من له اجتهاد في العلم والزهد والعبادة، ولكن ليس بمتبع للرسل صلى الله عليهم وسلم، ولا مؤمن بما جاءوا به، ولا يصدقوهم بما أخبروا به، ولا يطيعوهم فيما أمروا، فهؤلاء ليسوا بمؤمنين، ولا أولياء لله، وهؤلاء تقترن بهم الشياطين وتتنزل عليهم، فيكاشفون الناس ببعض الأمور، ولهم تصرفات خارقة من جنس السحر، وهم من جنس الكهان والسحرة الذين تتنزل عليهم الشياطين، قال تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾ [الشعراء:٢٢١ - ٢٢٣]. وهؤلاء جميعهم الذين ينتسبون إلى المكاشفات وخوارق العادات، إذا لم يكونوا متبعين للرسل فلابد أن يكذبوا وتكذيبهم شياطينهم، ولابد أن يكون في أعمالهم ما هو إثم وفجور، مثل نوع من الشرك أو الظلم أو الفواحش أو الغلو أو البدع في العبادة، ولهذا تنزلت عليهم الشياطين، واقترنت بهم، فصاروا من أولياء الشيطان لا من أولياء الرحمن. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف:٣٦]. وذكر الرحمن هو الذي بعث به رسوله ﷺ ، مثل القرآن، فمن لم يؤمن بالقرآن ولم يصدق خبره ولم يعتقد وجوب أمره فقد أعرض عنه فيقيض له الشيطان فيقترن به، قال تعالى: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾ [الأنبياء:٥٠]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ [طه:١٢٤ - ١٢٦]. فدل ذلك على أن ذكره هو آياته التي أنزلها، ولهذا لو ذكر الرجل الله دائماً ليلاً ونهاراً مع غاية الزهد، وعبده مجتهداً في عبادته ولم يكن متبعاً لذكره الذي أنزله وهو القرآن: كان من أولياء الشيطان، ولو طار في الهواء أو مشى على الماء، فإن الشيطان يحمله في الهواء وهذا مبسوط في غير هذا الموضع.

стр. 15

اجتماع الإيمان والنفاق في الشخص الواحد قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن الناس من يكون فيه إيمان وفيه شعبة من نفاق، كما جاء في الصحيحين عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: (أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان، وإذا عاهد غدر). في الصحيحين أيضاً عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (الإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان). فبين ﵌ أن من كان فيه خصلة من هذه الخصال ففيه خصلة من النفاق حتى يدعها. وقد ثبت في الصحيحين أنه قال لـ أبي ذر وهو من خيار المؤمنين: (إنك امرؤ فيك جاهلية. فقال: يا رسول الله! أعلى كبر سني؟ قال: نعم)، وثبت في الصحيح عنه أنه قال: (أربع في أمتي من أمر الجاهلية: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والنياحة على الموت، والاستسقاء بالنجوم)، وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان). وفي صحيح مسلم: (وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم). وذكر البخاري عن ابن أبي مليكة قال: أدركت ثلاثين من أصحاب محمد ﷺ كلهم يخاف النفاق على نفسه. وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ * وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ﴾ [آل عمران:١٦٦ - ١٦٧]. فقد جعل هؤلاء إلى الكفر أقرب منهم للإيمان، فعلم أنهم مخلطون، وكفرهم أقوى، وغيرهم يكون مخلطاً وإيمانه يكون أقوى]. فإذا كان الرجل فيه إيمان ونفاق فهذا لا يكون ولياً، بل إن المؤمن الذي يكون ولياً لله هو المؤمن الذي اكتمل إيمانه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإذا كان أولياء الله هم المؤمنين المتقين فبحسب إيمان العبد وتقواه تكون ولايته لله تعالى، فمن كان أكمل إيماناً وتقوى كان أكمل ولاية لله، فالناس متفاضلون في ولاية الله بحسب تفاضلهم في الإيمان والتقوى، وكذلك يتفاضلون في عداوة الله بحسب تفاضلهم في الكفر والنفاق. قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة:١٢٤ - ١٢٥]. وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة:٣٧]،] فالكفر يزيد وينقص. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ﴾ [محمد:١٧]. وقال في المنافقين: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ [البقرة:١٠]. فبين أن الشخص الواحد قد يكون فيه قسط من ولاية بحسب إيمانه وتقواه، وقد يكون فيه قسط من عداوة الله بحسب كفره ونفاقه، وقال تعالى: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر:٣١]. وقال: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح:٤].

стр. 16

الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان [٢] الأولياء قسمان: مقربون وأبرار، كما أن الأنبياء قسمان: عبد رسول، ونبي ملك. وقد تواترت الأدلة بأن أهل الكبائر من الموحدين إذا دخلوا النار يخرجون منها.

стр. 17

طبقات أولياء الله

стр. 18

طبقات أولياء الله في سورة الواقعة قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: [وأولياء الله على طبقتين: سابقون مقربون، وأصحاب يمين مقتصدون، ذكرهم الله في عدة مواضع من كتابه العزيز في أول سورة الواقعة وفي آخرها وفي سورة الإنسان والمطففين وفي سورة فاطر] كما قال تعالى: ﴿وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً * فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ * وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة:٧ - ١١]. وأصحاب الميمنة: هم أصحاب اليمين، كما ذكرهم بعد السابقين مرة أخرى: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة:٢٧]. وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة:٨٨ - ٩١]. وفي سورة المطففين قال الله : ﴿وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين:٢٧ - ٢٨]. فالمقربون يشربون من التسنيم خالصاً، ويمزج لأصحاب اليمين. وقال : ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان:٥ - ٦]، فعباد الله الذين يشربون يشربونها خالصة. وفي المطففين: ﴿وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ﴾ [المطففين:٢٧]. في سورة فاطر: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر:٣٢]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإنه ذكر في الواقعة القيامة الكبرى في أولها، وذكر القيامة الصغرى في آخرها. يعني: الموت. فقال في أولها، وذكرهم تفصيلاً، فقال في أولها: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ * خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ * إِذَا رُجَّتِ الأَرْضُ رَجًّا * وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا * فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ [الواقعة:١ - ٦]]. أي: خافضة لأقوام ورافعة لآخرين. ﴿إِذَا رُجَّتِ الأَرْضُ رَجًّا﴾ [الواقعة:٤]، أي: زلزلت. ((وَبُسَّتِ))، أي فتتت الجبال تفتيتاً. ((فَكَانَتْ هَبَاءً)): وهو الغبار الذي يرى في ضوء الشمس. ((مُنْبَثًّا)): متفرقاً. قال المؤلف ﵀: وقال تعالى: ﴿وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً﴾ [الواقعة:٧] أي: أصنافاً ثلاثة. ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ * وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ﴾ [الواقعة:٨ - ١٣]] أي: جماعة كبيرة كثيرة من الأولين. قال المؤلف ﵀: [﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة:١٤]. فهذا تقسيم الناس إذا قامت القيامة الكبرى التي يجمع الله فيها الأولين والآخرين كما وصف الله سبحانه ذلك في كتابه في غير موضع. ثم قال تعالى في آخر السورة: ((فَلَوْلا)) أي: فهلا، ((إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ))]. أي: إذا غلبت الروح حلق الإنسان، تشبيهاً بالشيء الذي يتغرغر الإنسان به؛ لأنه يردده في حلقه. ﴿فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ﴾ [الواقعة:٨٣ - ٨٤] أي: وأنتم أصحاب الميت وأقاربه تنظرون إليه ماذا يفعل به، وماذا تستطيعون أن تفعلوا له؟ ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة:٨٥]، قرباً يليق بجلاله وعظمته، قرب علم وإحاطة وقدرة ومراقبة. قال: ﴿وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ * فَلَوْلا إِنْ كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ [الواقعة:٨٥ - ٨٦]: هلا إن كنتم غير محاسبين. ﴿تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الواقعة:٨٧]: ترجعون هذه الروح إن كنتم صادقين أنكم لا تحاسبون على ما تفعلون، وذلك أن من أخذت روحه فإنها تؤخذ رغماً عنه ورغماً عمن حوله، ومن يحبه فهو لا يملك الأمر، فكيف يجزم أنه لا يحاسب؟ فالروح لم يكن يملكها الإنسان ولا كان يملك الجسد، فإذا كان ذلك كذلك كان هذا دليلاً على أنك لا تملك الحياة وإنما هي ملك لله، فسوف تسأل عما تصرفت فيه من ملك غيرك. ﴿فَلَوْلا إِنْ كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [الواقعة:٨٦ - ٨٨]، أي أما إن كان المحتضر من المقربين، ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة:٨٩]: أي: راح، ((وَرَيْحَانٌ)) أي: الطيب، أو ريحان من الجنة. ((وَجَنَّةُ نَعِيمٍ)). ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة:٩٠ - ٩١] أي: فيقال له: سلام لك أنت من أصحاب اليمين. ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ * فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة:٩٢ - ٩٤]. والنزل: هو ما يعد للضيف فإذا كان هذا نزله كان ما يعد لهم أقبح وأشد، والإنسان إذا توقع خيراً وإذا به يجد شراً يكون ذلك أشد عليه مما لو توقع سوءاً وشراً، والعياذ بالله. قال تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران:٢١]: والإنسان إذا كان مبشراً يتوقع أن يجد خيراً فلو رأى خلافه كانت حسرة عظيمة. ﴿فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ﴾ [الواقعة:٩٣]: وهو الماء الحار الذي انتهى في حرارته. ﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة:٩٤]: يصلى في النار ويحرق فيها. ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ * فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة:٧٣ - ٧٤].

стр. 19

طبقات أولياء الله في سورة الإنسان قال المؤلف ﵀: [وقال تعالى في سورة الإنسان: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا * إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاسِلا وَأَغْلالًا وَسَعِيرًا﴾ [الإنسان:٣ - ٤]]. ((إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ)) أي: بينا له السبيل، فمنهم شاكر ومنهم كفور، أو ((إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ)) بمعنى: قذف الله في قلوبهم إرادة أحد الطريقين، فجعل بعضهم شاكرين، وجعل بعضهم كفاراً، والعياذ بالله. فالقول الأول: بينا السبيل لكل إنسان وخير بين أن يكفر، وبين أن يشكر. والقول الثاني: هداية توفيق، وما يقذفه الله في قلب العبد، فقد قذف في قلوب المؤمنين إرادة الشكر، ومحبة وطريق الخير، وقذف في قلوب الكفار الكفران والبعد عن طاعة الله. قال: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاسِلا وَأَغْلالًا وَسَعِيرًا﴾ [الإنسان:٤]، السلاسل: ما تقيد به الأيدي والأرجل، والأغلال: ما يوضع في الأعناق، والسعير: النار المشتعلة. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا﴾ [الإنسان:٥]، قوله تعالى: ((إِنَّ الأَبْرَارَ)): أصحاب اليمين، ((يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا)) تمزج من الكافور، ((عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ))، أي: عيناً يشرب بها المقربون، ((يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا)): في كل موطن يريدون أن تتفجر منه أنهار الأرض هذا الماء من هذا الشراب العذب الذي يمنع لغيرهم منه، فهم في كل موضع يريدون أن تتفجر ولا يحتاجون إلى الذهاب إلى أماكن معينة لشرب الماء، بل هو حاضر في كل موضع بإرادتهم، إذا فجروه في أي موضع تفجر. قوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان:٧]، أي: كان شره منتشراً. وقوله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان:٨]، أي: رغم أنهم يحبون ويحتاجون إلا أنهم يطعمون الطعام رغم حبهم له ((مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا))، ويقولون في أنفسهم: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ [الإنسان:٩ - ١٠] أي: شديداً. ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا * وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾ [الإنسان:١١ - ١٢] الآيات. قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وكذلك ذكر في سورة المطففين فقال: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ [المطففين:٧] أي: سجن، كلما ثقل ضاق ولم يطق. إلى أن قال: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾ [المطففين:١٨ - ٢٠]، بدل من كتاب، ليس بدلاً من عليين, ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين:١٨]، هو كتاب مرقوم أي: رقم، كتب فيه ما أمر الله ، ﴿يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين:٢١]، فهم يشهدون ما في هذا الكتاب العارف بأعمالهم. ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ * يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ * وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين:٢٢ - ٢٨]. وعن ابن عباس ﵄ وغيره من السلف قالوا: يمزج لأصحاب اليمين مزجاً ويشرب بها المقربون صرفاً، وهو كما قالوا، فإنه تعالى قال: ((يَشْرَبُ بِهَا))، ولم يقل: يشرب منها؛ لأنه ضمن قوله: يشرب معنى يروى، تقول: ضمنت فعل ما، ما هنا: فعل آخر، ولذلك عداه بآلته، فكلمة يروى: يشرب بها، فكلمة يشرب: ليس معناها: يشربها ويشرب منها، لكن يشرب بها؛ لأنه ضمنها معنى الارتواء، فإن الشارب قد يشرب ولا يروى، فإذا قيل: يشربون منها لم يدل على الري، وإذا قيل: يشربون بها كان المعنى: يروون بها، فالمقربون يروون بها فلا يحتاجون معها إلى ما دونها، فلهذا يشربون منها صرفاً، بخلاف أصحاب اليمين، فإنها مزجت لهم مزجاً، وهو كما قال تعالى في سورة الإنسان: ﴿كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ [الإنسان:٥ - ٦]، فعباد الله هم: المقربون المذكورون في تلك السورة؛ وهذا لأن الجزاء من جنس العمل في الخير والشر، كما قال النبي ﷺ : (من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه) رواه مسلم في الصحيح، وقال ﷺ : (الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء). قال الترمذي: حديث صحيح. وفي الحديث الآخر الصحيح الذي في السنن عن النبي ﷺ : (يقول الله تعالى: أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسماً من اسمي فمن وصلها وصلته ومن قطعها بتته) -أي: قطعته- وقال: (ومن وصلها وصله الله ومن قطعها قطعه الله) ومثل هذا كثير.

стр. 20

عمل المقربين وأصحاب اليمين وأولياء الله تعالى على نوعين: مقربون وأصحاب يمين كما تقدم، وقد ذكر النبي ﷺ عمل القسمين في حديث الأولياء، فقال: (يقول الله تعالى: من عادى لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة، وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها). فالأبرار أصحاب اليمين: هم المتقربون إليه بالفرائض، يفعلون ما أوجب الله عليهم، ويتركون ما حرم الله عليهم، ولا يكلفون أنفسهم في المندوبات، ولا الكف عن فضول المباحات، وأما السابقون المقربون: فتقربوا إليه بالنوافل بعد الفرائض، ففعلوا الواجبات والمستحبات وتركوا المحرمات والمكروهات، فلما تقربوا إليه بجميع ما يقدرون عليه من محبوباتهم أحبَّهم الله حباً تاماً كما قال الله تعالى: (ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه) يعني: الحب المطلق أي: الكامل، الحب الذي أعلنه بين ملائكته وصار محبوباً من كل وجه، فكذلك كان محبوباً منه تقواه، ومحبوباً منه إحسانه، فالله يحب المحسنين، ويحب التوابين، ويحب المتطهرين، فهذا مطلق الحب وأما: (حتى أحبه)، فهو الحب الكامل المطلق. قوله: (كقوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٦ - ٧] أي: أنعم عليهم الإنعام المطلق التام، وإذا رزق الله كل خلقه، فقد أنعم عليهم. قوله: ((صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ)) أي: الإنعام المطلق التام المذكور في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء:٦٩] فهؤلاء المقربون صارت المباحات في حقهم طاعات، يتقربون بها إلى الله ، فكانت أعمالهم كلها عبادات لله، فشربوا صرفاً كما عملوا صرفاً). والجزاء من جنس العمل، وهو أنهم لما عملوا لله فقط صرفاً شربوا منها صرفاً، أما في أعمالهم المباحة فقد اتبعوا الذين جعلوا المباحات طاعات، حتى السمع والبصر والملابس والمشي، كل ذلك كان لله، فلما عملوه لله صرفاً صار جزاءهم، أي: أنهم يأخذون الجزاء صرفاً، والمحتجزون بسبب أعمالهم عفا عنهم ليفوزوا برضاء الله، كما يستحضرون النية فيها. والمقتصدون: كان في أعمالهم ما فعلوه لنفوسهم، فلا يعاقبون ولا يثابون عليه، فلم يشربوا صرفاً، بل مزج لهم من شراب المقربين بحسب ما مزجوه في الدنيا).

стр. 21

انقسام الأنبياء نحو انقسام الأولياء ونظير هذا انقسام الأنبياء ﵈ إلى عبد رسول ونبي ملك، وقد خير الله محمداً ﷺ بين أن يكون عبداً رسولاً وبين أن يكون نبياً ملكاً، فاختار أن يكون عبداً رسولاً، فالنبي الملك مثل داود وسليمان ونحوهما عليهما الصلاة والسلام، قال الله تعالى في قصة سليمان الذي ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ * فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ * وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ * هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [ص:٣٥ - ٣٩] أي: اعط من شئت واحرم من شئت، لا حساب عليك، فالنبي الملك يفعل ما فرض الله عليه، ويترك ما حرم الله عليه، ويتصرف في الولاية والمال بما يحبه ويختاره من غير إثم عليه، وأما العبد الرسول فلا يعطي أحداً إلا بأمر ربه ولا يعطي من يشاء ويحرم، بل روي عنه أنه قال: (إني والله لا أعطي أحداً ولا أمنع أحداً، إنما أنا قاسم أضع حيث أمرت)، ولهذا يضيف الله الأموال الشرعية إلى الله والرسول كقوله: ﴿قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال:١]، وقوله تعالى: ﴿ومَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الحشر:٧]، وقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال:٤١] يعني: الفرق بين النبي الملك وبين العبد الرسول: أن النبي الملك يأمر وينهى أحياناً في الأموال وغيرها، على كونه ملتزماً ألا يخرج عن طاعة الله، ولكن العبد الرسول بالإضافة إلى كونه لا يخرج عن الطاعة أبداً فإنه فيما يستغرق الناس فيه من المباحات فهو يفعل ما أمر به، وإذا كان محمدٌ العبد الرسول أعلى قدراً فإنه كان لا يعيش منعماً وهو الرسول ﷺ ، بل نام على حصير قد أثر في جنبه، ورأى عمر حاله فبكى، فقال: النبي ﷺ لـ عمر: (أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة). ولهذا كان أظهر أقوال العلماء في قوله تعالى: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [ص:٣٩] يعني: افعل ما شئت فهو أمر مردود إليك، أما العبد الرسول فإنه ينتظر أمر الله في الإعطاء أو عدم الإعطاء، ولا عن المال أصلاً، ولا يريد أن يجمع منه يعني لحظ نفسه شيئاً، ولا ينتقم لنفسه قط، ولا يطالب بحقه قط أما سيدنا سليمان ﵇ له ذلك، والنبي محمد ﷺ لم يكن ملكاً ﵊ ولم ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ﴾ [سبأ:١٣] يعني: تماثيل على غير ذوات الأرواح إن شاء الله، ﴿وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ [سبأ:١٣] أي: قدور هائلة وكبيرة لا للطعام والشراب، وهذه أحوال الملوك دائماً، أما الرسول ﷺ فكان يعيش متقشفاً، فكان يأكل كما يأكل العبد الرسول ويتصور بذلك الأكل أنه مع الملوك، وخلفاؤه لم يكونوا ملوكاً، فقد ضربوا أروع الأمثلة في الإيمان والزهد، حتى إن جنودهم قبضوا على رؤوس الأجناد من الدول المجاورة ويدخلون عليهم بلا بواب رضي الله تعالى عنهم أجمعين.

стр. 22

الفرق بين النبي والرسول وهناك فرق بين الرسالة والنبوة، فالنبي يبعث لتكميل العبودية، أما الرسالة فقد انحصرت له ﵊ بكتاب وشريعة جديدة، وقد خُيّر في آخر عمره في أن يكون عبداً رسولاً أو أن يكون نبياً ملكاً، فاختار أن يكون عبداً رسولاً، والنبي رسول كما قال الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج:٥٢]. خلاصة الكلام: أن العبد الرسول أعلى قدراً عند الله وأقل في سلطان الدنيا من غيره من المقربين، والأنبياء الملوك أعلى قدراً من المقربين بالإجماع ولا يوجد نزاع بين أن أفضل أولياء الله هم الأنبياء، وقد فضل الله بعضهم على بعض، والمفضول من الأنبياء أعلى باتفاق المسلمين من كل الأولياء. ومن ضمن ضلالات ابن عربي أنه قال: إن الولي في درجة فوق النبي ودون الرسول. فجعل أولاً النبي ثم الولي ثم الرسول في التفضيل، ولكن بإجماع: أن الأولياء دون الأنبياء، والأنبياء أعلى الأولياء قدراً. قال المؤلف ﵀: (ولهذا كان أظهر أقوال العلماء: أن هذه الأموال تصرف فيما يحبه الله ورسوله ﷺ بحسب اجتهاد ولي الأمر كما هو مذهب مالك وغيره من السلف، ويذكر هذا رواية عن أحمد، وقد قيل في الخمس أنه يقسم على خمسة، كقول الشافعي وأحمد في المعروف عنه، وقيل على ثلاثة، كقول أبي حنيفة ﵀، يعني: أن الشافعي وأحمد المشهور عنهما: أنهما يجعلان الخمس لخمسة، كما قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال:٤١] والإمام مالك قال: لا، الخمس يصرف في أي واحد من هؤلاء الخمسة، مثل الصدقات، والصدقات تصرف على ثمانية: فتصرف للفقراء وتصرف للمساكين وتصرف للمحتاجين، إذاً: فلا يلزم القسمة بالتساوي فيما بين هذه الأصناف. والمقصود هنا: أن العبد الرسول هو أفضل من النبي الملك، كما أن إبراهيم وموسى وعيسى ومحمداً عليهم الصلاة والسلام أفضل من يوسف وداود وسليمان ﵈، كما أن المقربين السابقين أفضل من الأبرار أصحاب اليمين، الذين ليسوا مقربين سابقين، فمن أدى ما أوجب الله عليه وفعل من المباحات ما يحبه فهو من هؤلاء، ومن كان إنما يفعل ما يحبه الله ويرضاه، ويقصد أن يستعين بما أبيح له على ما أمره الله فهو من أولئك. أي: السابقين، أصحاب اليمين أقل درجة من المقربين، وأنهم كذلك أبرار بروا في أعمالهم، ولكن المقربين كما ذكرنا أدوا الواجبات وتركوا المحرمات، ويزاد على ذلك أنهم ما فعلوا المباحات إلا تقرباً منهم إليه سبحانه.

стр. 23

تفسير آية فاطر: (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا الآية) بأصناف المصطفين من هذه الآية، وأنهم يدخلون الجنة وقد ذكر الله تعالى أولياءه المقتصدين والسابقين في سورة فاطر في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ * وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ [فاطر:٣٢ - ٣٥]، لكن هذه الأصناف الثلاثة في هذه الآية هم: أمة محمد ﷺ خاصة، كما قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر:٣٢] وأمة محمد ﷺ هم الذين أورثوا الكتاب بعد الأمم المتقدمة وليس ذلك مختصاً بحفاظ القرآن، بل كل من آمن بالقرآن فهو من هؤلاء، وقسمهم إلى ظالم لنفسه، ومقتصد، وسابق بالخيرات، بخلاف الآيات التي في الواقعة والمطففين والإنسان والانفطار، فإنه دخل فيها جميع الأمم المتقدمة مؤمنهم وكافرهم، وهذا التقسيم لأمة محمد ﷺ ، فالظالم لنفسه هم: أصحاب الذنوب المصرون عليها، والمقتصد: المؤدي الفرائض المجتنب للمحارم، والسابق بالخيرات: هو المؤدي للفرائض والنوافل كما في تلك الآيات. وهذا ترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية لأحد القولين، وهو إن شاء الله القول الراجح، ومن العلماء: من يجعل قسم أصحاب النار في آخر سورة الواقعة وأولها أنهم: أصحاب المشأمة، وهو الموضع الوحيد الذي ذكر فيه المفرطون من الموحدين، وقال تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل:٥٩] فالذين اصطفاهم الله في البداية لابد أن يكون لهم السلام، وقد قال: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر:٣٢] إذاً: فالراجح أن هؤلاء في النهاية لا بد أن يكون لهم سلام، وهذا أقرب الأقوال والله أعلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ومن تاب من ذنبه -أي ذنب- كان توبة صحيحة لم يخرج بذلك عن السابقين والمقتصدين، كما في قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣ - ١٣٦]].

стр. 24

تواتر السنن بدخول كثير من أهل الكبائر النار وخروجهم منها قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وقوله: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ [الرعد:٢٣]، مما يستدل به أهل السنة على أنه لا يخلد في النار أحد من أهل التوحيد). فالقول الراجح: أن هؤلاء الأصناف من أمة محمد ﷺ ، ولا يدخل النار إلا الكفرة وأهل الكبائر، وأما جنات عدن يدخلها السابقون بالخيرات، والمقتصدون في الخيرات. قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وأما دخول كثير من أهل الكبائر النار فهذا مما تواترت به السنن عن النبي ﷺ ، كما تواترت بخروجهم من النار وشفاعة نبينا محمد ﷺ الكبائر، وإخراج من يخرج من النار بشفاعة نبينا ﷺ وشفاعة غيره.

стр. 25

تأويل المعتزلة والمرجئة لآية فاطر، والرد على الطائفتين قال المؤلف رحمه الله تعالى: (فمن قال: إن أهل الكبائر مخلدون في النار، وتأول الآية على أن السابقين هم الذين يدخلونها، وأن المقتصد أو الظالم لنفسه لا يدخلها، كما تأوله من المعتزلة، فهو مقابل بتأويل المرجئة الذين لا يقطعون بدخول أحد من أهل الكبائر النار، ويزعمون أن أهل الكبائر قد يدخل جميعهم الجنة من غير عذاب). فقول المرجئة: إن كل أهل الكبائر لا يخرجون من النار، والراجح قطعاً: خروجهم منها، وهذه أخبار متواترة: أن منهم من يدخل النار ثم يخرج منها بشفاعة النبي ﷺ وشفاعة غيره، وهؤلاء بمشيئة الله إن شاء عذبهم، وإن شاء غفر لهم. (وكلاهما مخالف للسنة المتواترة عن النبي ﷺ وإجماع سلف الأمة وأئمتها، وقد دل على فساد قول الطائفتين قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، فأخبر تعالى أنه لا يغفر الشرك، وأخبر أنه يغفر ما دونه لمن يشاء، ولا يجوز أن يراد بذلك التائب، كما يقوله من يقوله من المعتزلة؛ لأن الشرك يغفره الله لمن تاب، وما دون الشرك يغفره الله أيضاً للتائب فلا تعلق بالمشيئة). أي: أن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن تاب، هذا قول المعتزلة، وهو قول غير صحيح، فإن الشرك إذا تاب منه صاحبه يغفره الله له، فالشرك لا يغفر وما دونه يغفر لمن شاء الله فالآية في غير التائب، وفيها رد واضح على من يكفر من أصر على الكبيرة أو على المعصية، والمصر هو الذي لم يتب من المعصية ويعزم على أن يفعلها، يقولون له: تب إلى الله، فيأتي ويعزم على ألا يتوب إلى أن يموت، على سبيل المثال: يظل قاطع رحمه قاطعاً للرحم إلى أن يموت فهذا مصر، ومعناه: أنه قاطع مطلقاً وتارك لجنس صلة الرحم، تارك لجنس بر الوالدين، وهكذا، وهذا كلام المعتزلة والخوارج والعياذ بالله. قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ولهذا لما ذكر المغفرة للتائبين قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣]]. فمن تاب من الشرك بالله غفر الله له ذلك الشرك، لكن هذا في حق التائب المعترف بذنبه، قال تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [الزمر:٥٤]، ولكن نص الحديث قال: (أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله نداً وهو خلقك) فالشرك ذنب عظيم، وهو أعظم الذنوب ويغفره الله بالتوبة ولا يغفره لمن أصر عليه. قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣] فهنا عمم المغفرة وأطلقها، فإن الله يغفر للعبد أي ذنب تاب منه، فمن تاب من الشرك غفر الله له، ومن تاب من الكبائر غفر الله له، وأي ذنب تاب العبد منه غفره الله له، ففي آية التوبة عمم وأطلق، وفي تلك الآية خصص وعلق، فخص الشرك بأنه لا يغفره وعلق ما سواه على المشيئة، ومن الشرك التعطيل للخالق، ونبه بالشرك على ما هو أعظم منه، كالتعطيل للخالق وهذا يدل على فساد قول من يجزم بالمغفرة لكل مذنب، أو يجوز ألا يعذب بذنب، فإنه لو كان كذلك لما ذكر أنه يغفر للبعض دون البعض، ولو كان كل ظالم لنفسه مغفوراً له بلا توبة ولا حسنات ماحية لم يعلق ذلك بالمشيئة. وقوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] دليل على أنه يغفر للبعض دون البعض فبطل النفي والعفو العام]. أي: بطل أننا ننفي المغفرة لأهل الكبائر من الموحدين، وهو قول المعتزلة، وبطل الاعتقاد بالعفو العام لكل المذنبين بما فيهم المشركون والكفرة، على أنه لا يضر مع الإيمان معصية، وهو قول المرجئة، وهو قول باطل.

стр. 26

الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان [٣] الإيمان بالله ﵎ قسمان: إيمان مجمل وإيمان مفصل، والذي يطلَب من عوام المسلمين: هو أن يؤمنوا بأركان الإيمان إيماناً مجملاً، وهم غير مطالبين بالتفصيل ما دام التفصيل لم يبلغهم بعد، وما بلغهم من ذلك وجب عليهم الإيمان به واعتقاده. وعلى المسلم أن يبحث عن الحق بدليله؛ لكي يعبد الله على بصيرة، وأن يبتعد عن الشبهات قدر المستطاع.

стр. 27

تفاضل الناس في الولاية والعداوة فال المؤلف رحمه الله تعالى: (فصل: وإذا كان أولياء الله هم المؤمنون المتقون، والناس يتفاضلون في الإيمان والتقوى، فهم متفاضلون في ولاية الله بحسب ذلك، كما أنهم لما كانوا متفاضلين في الكفر والنفاق، كانوا متفاضلين في عداوة الله بحسب ذلك. وأصل الإيمان والتقوى: هو الإيمان برسل الله، وجماع ذلك: الإيمان بخاتم الرسل محمد ﷺ ، فالإيمان به يتضمن الإيمان بجميع كتب الله ورسله).

стр. 28

شرط العذاب قيام الحجة قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وأصل الكفر والنفاق: هو الكفر بالرسل وبما جاءوا به، فإن هذا هو الكفر الذي يستحق صاحبه العذاب في الآخرة، فإن الله تعالى أخبر في كتابه أنه لا يعذب أحداً إلا بعد بلوغ الرسالة، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا * وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا * رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٣ - ١٦٥]). وهذا هو الشاهد من هذه الآية مثل التي قبلها: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥]، وقوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥]. قوله (وقال تعالى عن أهل النار: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ [الملك:٨ - ٩]. فأخبر أنه كلما ألقي في النار فوج أقروا بأنهم جاءهم النذير فكذبوه، فدل ذلك على أنه لا يلقى فيها فوج إلا من كذب النذير). وعلى هذا فمن لم يأته نذير لم يلق في جهنم، ومن لم يكذب النذير لم يلق في جهنم. قوله: وقال تعالى في خطابه لإبليس: ﴿لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص:٨٥]. فأخبر أنه يملؤها بإبليس ومن اتبعه، فإذا ملئت بهم لم يدخلها غيرهم، فعلم أنه لا يدخل النار إلا من تبع الشيطان، وهذا يدل على أنه لا يدخلها من لا ذنب له، فإنه ممن لم يتبع الشيطان ولم يكن مذنباً، وما تقدم يدل على أنه لا يدخلها إلا من قامت عليه الحجة بالرسل).

стр. 29

الإيمان يكون مجملاً ويكون مفصلاً قال المؤلف رحمه الله تعالى: (فصل: ومن الناس من يؤمن بالرسل إيماناً عاماً مجملاً، وأما الإيمان المفصل فيكون قد بلغه كثير مما جاءت به الرسل ولم يبلغه بعض ذلك، فيؤمن بما بلغه عن الرسل، وما لم يبلغه لم يعرفه، ولو بلغه لآمن به، ولكن آمن بما جاءت به الرسل إيماناً مجملاً). يعني: عنده إيمان مجمل يقول: كمل ما جاء به الرسول فأنا أصدق، لكنه لا يعرف كل الذي جاء به الرسول ﷺ ، بل يعرف بعضاً ويجهل بعضاً. قوله: (فهذا إذا عمل بما علم أن الله أمره به مع إيمانه وتقواه، فهو من أولياء الله تعالى، له من ولاية الله بحسب إيمانه وتقواه، وما لم تقم عليه الحجة، فإن الله تعالى لم يكلفه معرفته والإيمان المفصل به، فلا يعذبه على تركه، لكن يفوته من كمال ولاية الله بحسب ما فاته من ذلك، فمن علم بما جاء به الرسول وآمن به إيماناً مفصلاً وعمل به، فهو أكمل إيماناً وولاية لله ممن لم يعلم ذلك مفصلاً ولم يعمل به، وكلاهما ولي الله تعالى). الشرط في ذلك: أن يكون غير مقصر في طلب العلم، ولو قصر في طلب العلم يكون آثماً، لكن عنده الإيمان المجمل، وهو أن الرسول ﷺ صادق فيما يخبر، ويجب الاتباع فيما أمر به، وهذا هو أصل الإيمان، وكونه يعرف التفصيل بعد ذلك يزداد به إيماناً، وهذه القضية قصرت عنها عقول وقلوب المبتدعة من الخوارج والمعتزلة وجماعة التكفير والتوقف ونحوها؛ ممن رأى وجوب تفاصيل معينة وإقامة الأدلة، والأدلة قامت عنده على وجوب هذه التفاصيل، وهذا حق، أن هذه التفاصيل واجبة، تفاصيل الإيمان بالله وتوحيده وأنواع التوحيد والملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر والقدر خيره وشره، لكنه جهل أن الإيمان المجمل يحصل للإنسان، ويوجب أصل الإيمان به، ولا يلزم التفصيل لأصول الإيمان المجمل، فالإيمان المجمل أن يقول: كل ما جاء به الرسول فهو حق وأنا ملتزم به، وكونه يلزمه معرفة تفصيل شيء معين، هذا لو اشترط في ثبوت أصل الإيمان، إذا بلغه صار هذا في حقه لازماً، بحيث لو كذب شيئاً بعد أن بلغه ما جاء به الرسول كفر، وهذا ليس له حد معين، يعني: لن نقول: إن جزءاً من التفصيل هو الذي به يتم أصل الإيمان، وما بعد ذلك هو مثلاً من كمال الإيمان، بل كل ما جاء به الرسول ﷺ ، يلزم كل مؤمن إذا بلغه أن يصدقه، وأن يعتقد لزومه له، ثم يلزمه بعد ذلك أن يعمل به، لكن أصل الدين يثبت بهذا الإجمال، وأهل البدع لما خالفوا في هذه القضية ترددوا واختلفوا وتناقضوا، فتجدهم يشترطون بعض الأشياء، ولا يشترطون البعض الآخر، مع أن الدليل على وجوب الأمرين واحد، وهذا أصل ضلال الفرق المعاصرة المخالفة في قضايا الإيمان والقدر، وهو الذي جعلهم يقولون: بأن الإيمان المجمل لا يكفي في حصول أصل الإيمان.

стр. 30

المؤمن إيماناً مجملاً لا يلزمه أن يكون مؤمناً إيماناً مفصلاً إن لم يعلم ذلك ولم يبلغه ولم يعرفه ومعنى قوله لم تقم عليه الحجة: لم يعرفها، لم يعلمها، لم تبلغه، ولو بلغته لآمن بما جاء به الرسول ﷺ ، فلو بلغته الصلاة فرضت عليه بإجماع المسلمين شرقاً وغرباً، ويلزمه أن يقر بأن الصلاة فرض، ويعتقد لزوم الصلاة له ويلتزم بها، فإنه يرى نفسه ملزماً بالصلاة، فإذا لم يصلِّ بعد ذلك فإنه لم يعمل في هذه الحالة، يعني: في إقرار تصديق وانقياد ما وقر في القلب، وبعد ذلك عمل بالجوارح، فإذا لم يصل أو لم يزك إذا بلغه، فالخلاف فيه مشهور بين العلماء في تكفير من تركه تكاسلاً، وقول الجمهور: إنه لا يخرج من الملة فيما عدا الأركان الأربعة، فهو متفقون فيما عدا الصلاة والزكاة والصوم والحج على أنه لو ترك شيئاً من العمل لم يخرج بذلك من الملة، وإنما صدق وانقاد بقلبه، وأقر بأن هذا يلزمه، ولكن نحن نتكلم عن الولاية، فمن الممكن أن يكون ولياً لله وهو لا يعرف بعض ما جاء به الرسول ﷺ ، أو يجهل بعض ما جاء به الرسول فلم تقم عليه الحجة به ولم يقصر في طلب العلم، حتى لو كان هذا في أي من مسائل الدين، نقول: أهل البدع عندما حددوا نقاطاً معينة، قالوا: بدون هذه لا يكون مسلماً ابتداء، ولا يكون مؤمناً بأسماء الله ، وهذه هي نقطة البدعة، ولذلك تناقضوا في هذه المسألة، لأنهم لم يختاروا إلا المعنى هذا، فهم يشترطون ثلاث مسائل: النسك، والولاية، والحكم، ولا يشترطون بقية شروط الإيمان، ولا يقفون عند الحدود التي وقف عندها رسول الله، فلو افترضنا أن الشروط الثلاثة فيها إجمال وتفصيل أيضاً، فإن النسك تشملها عبادة على مذهبه وعلى كلام أهل العلم، فالنسك تشمل: الركوع، والسجود في الصلاة، والصيام، والذبح، والنذر، والحب، والخوف والرجاء، ومن الممكن أن تقسم تقسيمات أخرى، فنقول: هذه النسك عبادات ظاهرة بالقول والعمل، ومن الممكن أن نضع عبادات خاصة بالقلب قسماً مستقلاً مادام التقسيم شرعياً، إذاً: فإنَّ فيه سعة الاطلاع، فمن الممكن أن نجعل الولاية أنواعاً: ولاية إجمال، وتفصيل، وفيها: متابعة وحب ونصرة وطاعة ومعاونة وصداقة، فكل هذه من معاني الموالاة، فهل أنت ستشترط كل تفصيل أو ستشترط الإجمال؟ ولو اشترطت الإجمال فالأحرى بك ألا تقبله فيما هو أعم من ذلك، والأحرى بك ألا تخترع تفصيلاً من عندك، والرسول ﷺ لم يحدد هذه الثلاث، لكنه فصل غيرها، فقال: الإيمان بالملائكة والكتب والرسل، فلماذا لم تقولوها، ولم تشترطوها؟ فلو أن أحداً يقول: أومن بأسماء الله وصفاته فقط، أو قال إنه يؤمن أن النبي حدد له أسماء الله تسعة وتسعين مثلاً، وصفات الله كذا في الكتاب والسنة، فلو أن واحداً قرأها في آية وعرف معناها وكذب بها فإنه سيكون كافراً، والإيمان بالقرآن فيه إجمال وفيه تفصيل، والإيمان بالرسل فيه إجمال وفيه تفصيل؛ فنحن نؤمن بكل رسل الله، ولا نعرف من هؤلاء الرسل إلا خمسة وعشرين، وأكثرهم لا نعرف أسماءهم، ففي قصة داود ﵇ لا نعرف اسم النبي الذي أرسل طالوت ملكاً في قومه، قال تعالى: ﴿قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٤٦] فربنا لم يسمهم، قال: ((وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ)) [النساء:١٦٤]، والملائكة من أسمائهم المعروفة ثلاثة أو أربعة معروفة، وغير هذه الأسماء لا نعرفها، قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر:٣١]، فنقول: لو أن شخصاً كذب بجبريل بعد أن بلغته حقيقته فهو كافر، وقد كذب بالقرآن، ولو كذب بالقرآن يكون كافراً، لكن هل يشترط على من يكون مؤمناً إيماناً مجملاً أن يعرف القرآن آية آية نوقفه عليها؟ نقول: لا يشترط ذلك، بل يكفيه الإيمان مجملاً بأن القرآن كلام الله، ويشهد أن محمداً رسول الله، وما دام أنه لم يعرف أن هناك شيء اسمه القرآن، فهو ليس بكافر حتى يبلغه ذلك، فنبدأ في تعليمه أولاً القرآن، فيمكث سنين حتى يتعلم القرآن، ومن الناس من لا يعرف قراءة القرآن، وبالتالي فما تتضمنه الآيات من عقائد وأحكام لا يعرفها من باب أولى؛ لأن آيات القرآن هي الحجة والدليل، فهو لا يعرف الدليل نفسه فضلاً عما تضمنه الدليل، فإذا كان ثبت إيمانه بدون معرفة الدليل نفسه وكان معروفاً أن هناك دليل فلابد أن يثبت إيمانه ولو لم يعرف ما يدل عليه الدليل، أو لم يعرف مضمون الدليل. وشروط لا إله إلا الله هذه من أعمال القلوب التي لا يطلع عليها إلا الله، لكن في الحقيقة كل أعمال القلوب تدخل في صحة لا إله إلا الله عند الله يوم القيامة، ولكننا لا نستطيع أن نسأل شخصاً ونمتحنه ونقول له: أتشك فيها أم توقن؟ أتعلم تفاصيل معناها أم لا تعلم؟ أتصدق بها بقلبك أم لا يوافق قلبك لسانك؟ فهذه كلها عبادات قلبيه، فنعلمه بوجوبها ونبلغه بانعدام الإيمان بدونها، فلو أنك لا تحب الله فأنت غير مؤمن، ولو أنك لا تخاف من الله لكنت غير مؤمن، قال تعالى: ﴿وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٧٥]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١] فعلينا أن نعرفه بوجوبها، ولكن لن نتعامل معه في الدنيا بناء على ذلك، فهي متعلقة من أجل أن تنفعه في الآخرة عند الله.

стр. 31

شروط لا إله إلا الله لم يحددها الشارع وإنما هي من باب التعليم للناس إن الرسول ﷺ لم يحدد هذه الشروط ولم يجعلها سبعة، ولم يثبت في الكتاب والسنة زيارتها على سبعة، فمن الممكن أن تجعلها شرطاً واحداً ثمّ تفرع منها باقي الشروط، فالناس يعرفون أن مقتضاها على الإجمال، ولكن لا يعرفونها حقيقة على التفصيل، وأبو طالب يعرف أن كلمة لا إله إلا الله معناها: ألا يعبد إلا الله ولا إله غيره، إذاً: فما كانت آلهة من دونه فيلزم ألا تسمى آلهة، والناس في هذا الزمان يعرفون ذلك، لكن قد لا يعرفون أنهم عندما يتحاكمون مثلاً إلى قانون يخالف الشريعة أن هذا ألوهية، وقد لا يعرفون أنهم عندما يذهبون إلى قبر ولي ويقولون له: أغثنا يا فلان! أو يشكون له شكوى، أو ينذرون له نذراً أن هذا ألوهية، فلو كان هؤلاء يؤاخذون على ذلك من باب الإيمان مفصلاً فإنهم مناقضون للا إله إلا الله في التفصيل الذي فصلوه، ولكنهم إجمالاً يقولون: إنه لا إله إلا الله، ولو قلت لأحدهم: أنت تعبد غير الله، فسيقول لك: أعوذ بالله، أعبد غير الله؟!! ولذلك أقول تصريحاً للذي يقول: إن هناك آلهة غير الله تصح عبادتها من دونه: إنه خارج من الملة ابتداء؛ لأنها مسألة لا يتصور الجهل بها؛ فهو يعلم أنه لا إله إلا الله. لكن من الممكن أن يكون لا يعرف أن هذه عبادة وأنها بهذا الشكل تكون عبودية، إذاً: فيحتاج أن يعرف التفصيل، وهذه هي النقطة الأساسية التي عملت خللاً كبيراً جداً لدى المتأخرين، فقد فهموا كلام بعض أهل العلم غلطاً، وبالتالي عمموا الحكم على الناس أنهم في هذا الزمان لا يفهمون لا إله إلا الله، وإذا كانوا لا يفهمون لا إله إلا الله فكأنهم لا يقولونها، وكل الفرق الضالة أتيت من هذا الجانب، من جانب قضية الإجمال والتفصيل، ويقولون: إن أبا طالب وأبا جهل يعرفان كلمة لا إله إلا الله، وكانا يقولان: اللات والعزى آلهة، قال تعالى: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥]، ولم يقولا: إنها إله وسنصرف إليها أنواعاً من العبادات، وكذلك الموجودون في هذا الزمان فهم لا يعرفون أن ما يعملونه عبادة، ولو كانوا يسمونه عبادة لانتهى الموضوع، أي: لو قال: أنا أعبد البدوي أو أعبد الحكام مثلاً لانتهى الموضوع، وخرج من الملة ونقض لا إله إلا الله، ولا يوجد مسلم يجهل هذه القضية، ولا يوجد مسلم يقول: إني لا أعرف أن الرسل جاءت بألا يعبد إلا الله، فلو كان لا يعرف ذلك فهو جاهل، إذاً: نبين له دعوة الرسل؛ وأن كلمة لا إله إلا الله معناها: أنه لا يوجد شيء يعبد غير الله، فلو قال: نعم، أنا مقر بألا يعبد غير الله، ثم يأتي يناقشنا في هذا العمل الذي عمله عند القبر أو في المحكمة، أو في حب الكفرة أو في الاحتفال بأعيادهم، وهل كل هذه موالاة وعبادة أم ليست موالاة؟ إذاً: فهو كافر خرج من الملة، فإذاً: لابد من التفريق بين قضية الإجمال والتفصيل، فالذي يثبت به أصل الدين: هو الإجمال، كما قال شيخ الإسلام: أصل الإيمان والتقوى الإيمان برسل الله، وجماع ذلك الإيمان بخاتم الرسل محمد ﷺ ، ولذلك لو أن شخصاً شهد أن محمداً رسول الله ودخل في الإسلام وأخبرناه أن الرسول ﷺ جاء بلا إله إلا الله، ثم فهم ذلك وقال: أنا ليست على لا إله إلا الله فسيكون خارجاً مرتداً، وهذا افتراض نظري محض؛ إذ كيف يكون عرف أن محمداً رسول الله من غير أن يعرف لا إله إلا الله؟ إنَّ هذا الذي يعبد غير الله إما أن يصرح ويقول: أنا أعبد غير الله، وإما أن يقول: هناك آلهة غير الله، فهذا فيه تناقض صريح، وإما أن يعمل عملاً هو عبادة، ثم يقول: هذه ليست عبادة، فعلينا أن نقيم عليه الحجة على أن هذا العمل عبادة، فإن أصر بعدما أعطيناه الحجة فهو مصر على أن يعبد غير الله، فهو خارج عن الملة؛ لأن الحجة أقيمت عليه، فالتفصيل في ذلك: أنه قال: أنا أصدق بشهادة أنْ لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ثم قالوا له: إن الرسول ﷺ يقول: إنّ هناك ملكاً اسمه جبريل جاءه بكتاب، فقال: فأخذوا يبينون له الأدلة من القرآن فقالوا: قال تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل:١٠٢] ثم قال: لا، حتى لو ظل يقول: محمداً رسول الله، ومصدق أنه رسول الله، ولكنه غير مصدق بأن جبريل جاء بالقرآن، فهو كافر، وإذا قال: إن القرآن حق، هذا إجمال، ثم يأتي إلى التفصيل فيقول: ولكن في المواريث: يجب أن يكون الذكر مثل الأنثى، ولابد أن تأخذ الأنثى مثل الذكر، لأن هذا ظلم وتخلف ورجعية، نقول له: ولكن الله يقول: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء:١١]، فقال: لا أعترف بذلك، وأصر على ما هو عليه، فهو كافر، مع أنه يقول: محمد رسول الله، ومع أنه يقول: لا إله إلا الله والقرآن حق، ولكن بالتفصيل أقيمت عليه الحجة، وكذلك الذي يقول: إن أحكام القطع والرجم أعمال وحشية، نقول له: هذه موجودة في القرآن قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:٣٨]، يقول لك: أنا أعرف، لكن هذا كان في العصور الوسطى، فهذا تخلف ورجعية، فهو بذلك خارج من الملة مرتد، مع أنه يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، لكن التفصيل بلغ به ما بلغ، فنقول: لو أقر بهذا التفصيل يكون مسلماً وإذا لم يقر به يكون كافراً؛ لأنه عرف أن القرآن جاء بها، والرسول ﷺ جاء بها، فلو عرف أن الرسول ﷺ جاء بالسواك، ثم قال: إني أستحبث السواك والعياذ بالله فلا بد أن تقام الحجة عليه، ونوضح له الحديث، واللحية كذلك، فمعظم الناس في هذه الأيام لا يعرفون حكم اللحية، فلا نستطيع أن نقيم الحجة عليهم؛ لأن هذا الأمر لم ينتشر ولم يعلم، وقد يشكون في أن الأحاديث التي وردت بتحريم حلق اللحية أحاديث ضعيفة، فلو تواتر لديهم ذلك، فهم مخطئون عندما يقولون: أحاديث ضعيفة في البخاري ومسلم وليست ضعيفة، وليس فيها نقاش مثلاً، ومع ذلك لا نستطيع أن تحكم عليه أنه يكذب القرآن أو يكذب حديثاً؛ لأن الحديث غير متواتر، لكن لو كذب بالصلاة في رمضان وبالحج إلى الكعبة، وبالأحاديث المتواترة في ذلك، فهذا قطعاً غير متأكد بأن هناك فريضة حج، ومن قال بتوزيع الحج على شهور السنة مع إقامة الحجة عليه، فهذا خروج من الملة، فالذين يقولون: لا بد أن يحج الناس في صفر من أجل الزحمة، فهذا في الحقيقة خروج من الملة فعلاً؛ لأن هذا معلوم من الدين بالضرورة، والملايين من المسلمين يعرفون أن الناس يحجون في ذي الحجة، فإذا قيل: إنَّ الحج في غير ذي الحجة وفي غير عرفة، فهو تكذيب للقرآن؛ لأنه أمر متواتر. ومن يقول: إن الحج هذا عبادات وثنية، وبقايا الجاهلية التي كانت موجودة من قبل، وإن الناس تطوف بأحجار، وتضرب أحجاراً في أحجار وغير ذلك، فإن هذه تصرفات لا يقبلها العقل، مع أن المسلمين بالملايين يعرفون أن الحجر الأسود يقبل، وأن الجمرة ترجم مثلاً، فإن هذه العبادات في الحج متواترة يعرفها الملايين جيلاً بعد جيل، إذاً: فهذا نفس القرآن تماماً، وبالتالي فالإنسان الذي يكذب مثل هذا خارج من الملة. وقال : ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة:٥١]، فهذا محتاج إلى بيان أن هذا الشيء أو ذاك يدخل في ضمن معنى الموالاة؛ لأجل أن يتبين الشخص أن هذا من الموالاة، فلا يقعد يتمدح فيمن يدعي حب الصليب؛ فإن الله يقول: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ﴾ [النساء:١٥٧]. إذاً: نحتاج إلى تفصيل لإقامة الحجة على من يوالي الكفار. وأما التهنئة فإنها محتملة، لأن التهنئة قد تكون متضمنة للإقرار، وهو لم يصرح بالإقرار بذلك، فإنه عندما يقول لك: هذا عيدهم هم، وأنا أقول لهم مثل آلاف المسلمين؛ لأجل أنهم يهنونا في عيدنا، فهو من باب المجاملة، فلهذا لا نقدر أن نجزم بأن تفصيل العلم في ذلك بلغ كل المسلمين. والمعلوم من الدين بالضرورة: هو الذي اشترك في معرفته الجاهل والعالم، وأنا أجزم بأن المسلمين يعتقدون أن النصراني كافر، والذي يقول: إنه ليس بكافر، يكون مكذباً للقرآن. والمعلوم من الدين بالضرورة يتفاوت من زمن لآخر، ومن مكان لآخر، ومن شخص لآخر إذا كان هناك قرينة؛ لأن كلمة (الضرورة) معناها: انتشر علمه، يعني: انتشر علمه وسط المسلمين، فعرفه الخاص والعام، فشرط كلمة: بالضرورة: أن يكون قد انتشر حتى علمه العالم والجاهل. ونحن نعلم أن الإسلام دين يقول: لا نعبد إلا الله، فهذا العلم جزماً منتشر، فمن صرح بأنه يعبد غير الله فهذا يستثنى من المعلوم من الدين بالضرورة، وما كان الجهل بها يصير المسألة غير معلومة، فتعريف المعلوم من الدين بالضرورة: هو ما انتشر علمه، فلو أنّ مسألة لم تنتشر فإنها لا تكون معلومة من الدين بالضرورة، إذاً: لا بد أن أتوقف فيها. فمن فهم حكم الله في مسألة بعد أن فصلت له فقد قامت عليه الحجة، وقامت عليه الحجة بالتفصيل هذا، إذاً: فقد لزمه الأمر، ولو ردها لأصبح كافراً. ولو كان يعتقد صحة عقيدة النصارى في الصليب فإنه لا يعذر؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء:١٥٧]، لا تحتمل؛ لأن المعلوم من الدين بالضرورة لا يحتاج إلى تفكير. وفي التهنئة لو كانت الألفاظ التي هنأهم بها متضمنة الإقرار بهذه العقيدة، فإن هذا الكلام يصبح كفراً مخرجاً من الملة. والتهنئة من لوازمها: الإقرار، لكن ليس كل لازم بلازم، يعني: من الممكن أن نلزمك حينما تهنئه بأنك تصحح عقيدتهم، ولكنه يقول لك: لا يلزم الكلام هذا؛ فإن الكلام الذي قلته قد حصل عند عشرات وآلاف المسلمين؛ فإنه يعرف فساد عقيدتهم، وهو لم يلتزم اللازم هذا، وليس عنده أن التهنئة يلزم منها الإقرار بهذه العقيدة الفاسدة، ولو التزمها لخرج من الملة، لكنه يقول: إنها مجرد مجاملة.

стр. 32

تصحيح عقائد الكفار كفر مخرج عن الملة ولقد تكررت هذه المأساة من سنين طويلة، ولكنه من باب المجاملات، وهو لا يلتزم بلوازمها، وأحياناً بعضهم يلتزم بلوازمها ويصحح عقائد الكفار، فالذي يصحح عقائد الكفار، ويصحح أن المسيح صلب، ويصحح أنه من الأموات يخرج من الملة؛ والذي لم يلتزم بهذه اللوازم ويقول: أنا لا أقول: إنهم على حق، ولا أقول: إن اعتقاداتهم صحيحة، ولا أقول: إنَّ الله ثالث ثلاثة، وإنما هنأتهم، فإن تهنئتهم لا تجوز، ويغلظ تحريم التهنئة لهم إذا كانت التهنئة على معصية كالزنا وشرب الخمر وغير ذلك، ويحتمل أن المشاركة في احتفالاتهم أهون من التهنئة، ولكن كل ذلك لا يجوز قطعاً؛ لأن في ذلك موالاة لهم ومعاداة لله ورسوله، وقد يخرج من يفعل هذا من الملة.

стр. 33

تهنئة اليهود والنصارى أشد من الاحتفال معهم فإن قال قائل: أيهما أشد التهنئة أم الاحتفال؟ ف الجواب التهنئة أشد من الاحتفال من جهة أنها تستلزم التصحيح أو الإقرار بهذه العقيدة الفاسدة، فإن احتفالهم هو مجرد لعب، فإن اليومين الذين كانوا يلعبون فيهما في الجاهلية كان لهم فيها سبب، والسبب: أنَّ عيسى مات، وبقي اللعب، فإن من أعيادهم التي لم يعرف سببها: يوم اليهود عند الفراعنة، أو يوم الزينة، أو عيد الربيع، أو يوم القيامة عند النصارى، فلو عملت بحثاً للنظر في هذه الأعياد من أين أتت؟ فإنك لن تصل إلى نتيجة قطعية، هل هي من عند الفراعنة أم من عند النصارى؟ والنصارى هؤلاء هل درسوه فعرفوا السبب فجعلوه عيداً؟ أم أنه أخذ وعطاء ورأيت الناس قد اجتمعوا فاجتمعت معهم؟ فإن أعيادهم ذهاب إلى البحر، وأكل للفطير، وغيره من المأكولات، والأولاد يلعبون، وأصبح الموضوع كله لعباً ولهواً وانتهى الموضوع ومات السبب أياً كان السبب، فإن هذا له ارتباط بالتأكيد بالعقيدة الكافرة عقيدة النصارى، وهؤلاء الناس الذين يشاركونهم في هذه الاحتفالات، الأمر عندهم مجرد لهو ولا يلتزمون اللوازم الكفرية، فهذه قضية تحتمل التفصيل والإجمال، فالتفصيل لا بد فيه من إقامة الحجة، أما الإجمال فلا يجوز مشاركتهم في احتفالاتهم، فلو أن شخصاً قال: اعذروا النصارى أيضاً، فإنَّ اليهود والنصارى كفروا إجمالاً، وكذبوا الرسول إجمالاً، وأشركوا بالله إجمالاً، فقالوا: الله أكثر من إله، أو ثالث ثلاثة، أو كذبوا القرآن إجمالاً، فليس لهم دخل في القرآن، بخلاف عوام المسلمين فإنهم صدقوا إجمالاً، فهؤلاء هم هؤلاء، فالرد على من قال ذلك هو: أن ليس هؤلاء كهؤلاء قطعاً بلا شك، أي: عوام المسلمين ليسوا كعوام الكفار، فالكفار قد زرع في نفوسهم الكفر فهم مكذبون، وقد كذبوا بالحق اتباعاً للباطل، وأما أهل الإيمان فقد وجدوا أهلهم مصدقين فصدقوا اتباعاً للحق، فإنَّ التسوية بين الفريقين ظلم وإهدار لأعظم كلمة جاء بها الرسول ﷺ ألا وهي: لا إله إلا الله، محمدٌ رسول الله.

стр. 34

الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان [٤] الجنة درجات متفاضلة تفاضلاً عظيماً، وأولياء الله فيها بحسب إيمانهم وتقواهم، وكل مؤمن تقي فهو لله ولي، وليس كل من يقع له خارقة للعادة يكون ولياً.

стр. 35

المؤمنون المتقون في درجات الجنة بحسب إيمانهم وتقواهم قال المؤلف رحمه الله تعالى: (والجنة درجات متفاضلة تفاضلا عظيماً، وأولياء الله المؤمنون المتقون في تلك الدرجات بحسب إيمانهم وتقواهم، قال الله ﵎: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا * وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا * كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا * انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء:١٨ - ٢١] فبين الله أنه يمد من يريد الدنيا ومن يريد الآخرة من عطائه، وأن عطاءه ما كان محظوراً من بر ولا فاجر). أي: ليس ممنوعاً منه بر ولا فاجر، بل يعطى منه المؤمن والكافر، قال تعالى: ((وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا)) أي: عطاؤه لكل الخلق، كلهم خلقهم الله ورزقهم. ثم قال تعالى: ﴿انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء:٢١] فبين الله سبحانه أن أهل الآخرة يتفاضلون فيها أكثر مما يتفاضل الناس في الدنيا، وأن درجاتها أكبر من درجات الدنيا.

стр. 36

بعض الأدلة على تفاضل النبيين والمؤمنين وقد بين الله تفاضل أنبيائه ﵈ كتفاضل سائر عباده المؤمنين فقال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ [البقرة:٢٥٣]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا﴾ [الإسراء:٥٥]. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجزن، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان)). يعني: هناك تفاضل، فهناك مؤمن حبيب إلى الله، وهناك مؤمن أحب إلى الله من هذا المؤمن، فهناك تفاوت في الدرجات. قوله: (وفي الصحيحين عن أبي هريرة وعمرو بن العاص ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر)). يعني: التفاوت في الأجور والتفاوت في الاجتهاد. قوله: [وقد قال الله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد:١٠]] هذه صريحة في تفاوت درجات المؤمنين وأولياء الله. وقال تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا * دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء:٩٥ - ٩٦]، وقال تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ * يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [التوبة:١٩ - ٢٢]). وهذه الآية على الصحيح كما ورد في صحيح مسلم أنها نزلت في أهل الإسلام الذين يسقون الحاج ويعمرون المسجد الحرام، ومع ذلك جعل الله ظالماً من سوى بين هذا وبين الإيمان والجهاد في سبيل الله، حتى لو وقع هذا العمل من مسلم، فإن الجهاد أفضل من سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام، وهذا يدلنا على تفاوت أهل هداية الله ، ولا شك أن سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام عمل صالح وهو من أعمال أولياء الله الصالحين، لكن أفضل منه وأكمل الجهاد في سبيل الله، فالجهاد أنواع ومراتب، فليحدث أحكم نفسه بالغزو. قوله: (وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر:٩]، وقال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة:١١].

стр. 37

الإيمان والتقوى شرط في ولاية الله قال المؤلف رحمه الله تعالى: (فصل: وإذا كان العبد لا يكون ولياً لله إلا إذا كان مؤمناً تقياً لقوله تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٣]. وفي صحيح البخاري الحديث المشهور -وقد تقدم- يقول الله ﵎ فيه: (ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه) ولا يكون مؤمناً تقياً حتى يتقرب إلى الله بالفرائض فيكون من الأبرار أهل اليمين، ثم بعد ذلك لا يزال يتقرب بالنوافل حتى يكون من السابقين المقربين، فمعلوم أن أحداً من الكفار والمنافقين لا يكون ولياً لله، وكذلك من لا يصح إيمانه وعباداته وإن قدر أنه لا إثم عليه مثل أطفال الكفار ومن لم تبلغه الدعوة) أي: لا إثم عليهم، ومع ذلك ليس عندهم إيمان، ولا يقال: إنهم من أولياء الله ، رغم أنهم غير معذبين حتى يمتحنوا. يقول: (وإن قيل: إنهم لا يعذبون حتى يرسل إليهم رسول فلا يكونون من أولياء الله، إلا إذا كانوا من المؤمنين المتقين) والصحيح: أن الله يوم القيامة يرسل إليهم رسولاً يأمرهم بدخول النار، فمن دخل النار كانت عليه برداً وسلاماً ومن لم يدخلها فإنه يعذب فيها.

стр. 38

الكشف والإلهام والمخاطبة يستأنس بها ولا يستدل بها ثم يذكر ابن تيمية القاعدة في التعامل مع الإلهام الذي يلقى في القلب فيقول: (ولا يجوز لولي الله أن يعتمد على ما يلقى إليه في قلبه إلا أن يكون موافقاً، وعلى ما يقع له مما يراه إلهاماً ومحادثة وخطاباً من الحق، بل يجب عليه أن يعرض ذلك جميعه على ما جاء به محمد؛ فإن وافقه قبله وإن خالفه لم يقبله، وإن لم يعلم أموافق هو أم مخالف توقف فيه). وهذا يتضح فيما حصل من عمر بن الخطاب ﵁ في أحداث صلح الحديبية، إذ وقع في نفسه أن ما كان في صلح الحديبية دنية في الدين مع أن ذلك كان عزة في الدين، ولم يكن ذلك إلا من الشيطان، ولا يبعد أن يأمر الشيطان ولي الله كما حلف أبو بكر ﵁ ألا يأكل مع الأضياف لما امتنعوا من الأكل، فقال لما رجع عنها: الأولى من الشيطان، فعلم أن اليمين التي أقسم من الشيطان ليؤدي إلى فساد العلاقة بينه وبين أضيافه، وبينه وبين أفراد أسرته. فإذا كان هؤلاء هم سادة الأولياء وأفضل الأمة بعد النبي ﷺ ، بل أفضل الناس بعد الأنبياء على الإطلاق وأفضل أصحاب الأنبياء، فهل يمكن أن يكون من دونهم في الولاية لا يأتيه الشيطان؟! الجواب لا، فهذا كلام فاسد ولكن لهم فضيلة ومنزلة، فإنهم كلما يغلبون من الشيطان سرعان ما يرجعون لما عندهم من العلم. وأهل السنة يثبتون الإلهام، والكشف، والمخاطبة، ولكن يستأنسون بها ولا يستدلون بها، فهي ليست أدلة قاطعة، ولذا لا تصلح دليلاً شرعياً تثبت به العبادات مثلاً، وفرق كبير جداً بين الصوفية وبين أهل السنة في هذه مسألة: فإنهم يأتون بالأوراد الكثيرة بحيث تكون كل طريقة لها وردها من خلال أنهم يدعون الإلهام والكشف، التي لا تصلح دليلاً، بل إذا عرضتها على الأدلة ظهر أنها محدثة بدعة، فلا يجوز أن يبنى عليها حكم شرعي باستحباب كذا أو بكراهية كذا، أو لزوم كذا، وأحياناً يلزمون السائر في الطريقة بأشياء معينة لم ترد في الكتاب ولا السنة، ولا قول صحابي ولا غيره. فمن هنا نقول: فرق كبير بين من يجعلها أموراً يستأنس بها كالرؤى والمنامات والكشف والإلهام، فيستأنس بها بعد أن تعرض على الكتاب والسنة، ويمكن أن تكون مقوية لقلوب أهل الإيمان في الخير، ويجب أن ترد إذا كانت مخالفة، وبين الاستئناس من حيث كونه دليلاً معضداً أو دليلاً مرجحاً أحياناً؛ وكونه دليلاً مستقلاً دون نظر إلى الكتاب والسنة، فهم يستأنسون بها ولا يستدلون بها.

стр. 39

أقسام الناس في الكشف والإلهام قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والناس في هذا الباب ثلاثة أصناف: طرفان ووسط، فمنهم من إذا اعتقد في شخص أنه ولي لله ووافقه في كل ما يظن أنه حدث به قلبه عن ربه، وسلم إليه جميع ما يفعله، ومنهم من إذا رآه قد قال أو فعل ما ليس بموافق للشرع أخرجه عن ولاية الله بالكلية وإن كان مجتهداً مخطئاً]. والموقف الصحيح ممن يقع في شيء من ذلك أن يقول كما قال المصنف: [خيار الأمور أوساطها، وهو ألا يجعل معصوماً ولا مأثوماً إذا كان مجتهداً مخطئاً، فلا يتبع في كل ما يقوله، ولا يحكم عليه بالكفر والفسق مع اجتهاده]، لكن لا شك أن صدور أمور من الكفر والعياذ بالله مع القول بأنها أمور اجتهادية فيه نظر، فإذا قلنا: إن هذا كفر فهذا بمخالفته المقطوع به في الشريعة، وهذا بعد بيان القرآن وبيان الرسول ﷺ أصبحت الأمور الكبرى التي بعث بها النبي ﵊ من أصول الإسلام والإيمان والإحسان معلومة لكل من يطلبها، وغالباً ما يكون هناك نوع من التفريط في البحث والسؤال والتحري في مخالفتها، بمعنى: أن من خالفها فغالباً ما يكون هناك نوع تفصيل لكن كقاعدة: من كان مجتهداً حتى ولو كان خطؤه كائناً ما كان، فهذا فيه نظر، ولكن لو بذل كل الجهد في معرفة الحق والصواب وخفي عليه فعلاً، ولم يكن متبعاً للهوى فهو مأجور وخطؤه مغفور، وكما ذكرنا أن وقوع الكفر غالباً يكون بتقصير من الشخص نفسه، والله أعلى وأعلم. لكن ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية منطبق على هذا الأمر كقاعدة.

стр. 40

اتباع الله ورسوله واجب على الناس قال المصنف رحمه الله تعالى: [والواجب على الناس اتباع ما بعث الله به رسوله ﷺ ، وأما إذا خالف قول بعض الفقهاء ووافق قول آخرين فلم يكن لأحد أن يلزمه بقول مخالف ويقول: هذا خالف الشرع] أي: أنه لا يجعل معصوماً ولا مأثوماً، يقول: منهم من إذا رآه قد قال أو فعل ما ليس بموافق للشرع أخرجه من الشرع بالكلية، وابن تيمية يرى أن هذا خطأ؛ لأنه يمكن أن يكون مجتهداً مخطئاً فلا يخرج عن ولاية الله، ويمكن من باب أولى أن يكون خالف بعض الفقهاء ولم يخالف الشرع، فكلمة خالف الشرع لا تطلق إلا على الأمر الذي يكون بيناً من البينات التي جاءت من عند الله، قال تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران:١٠٥]، فالذي يقال عنه: خالف الشرع هو الذي خالف البينات، أما إذا خالف قول بعض الفقهاء وهو عند تابعه هو الذي وافق الشرع، فهذا لا يقال عنه خالف الشرع، لكن لا بد أن ينتبه فلا يقال: هذا خالف الشرع لكونه خالف الشافعي أو مالكاً أو أحمد أو أبا حنيفة، فالخلاف بخلاف البينات.
следующие страницы →