Полный текст (101 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
بعض الأدلة على تفاضل النبيين والمؤمنين
وقد بين الله تفاضل أنبيائه ﵈ كتفاضل سائر عباده المؤمنين فقال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ [البقرة:٢٥٣]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا﴾ [الإسراء:٥٥].
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجزن، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان)).
يعني: هناك تفاضل، فهناك مؤمن حبيب إلى الله، وهناك مؤمن أحب إلى الله من هذا المؤمن، فهناك تفاوت في الدرجات.
قوله: (وفي الصحيحين عن أبي هريرة وعمرو بن العاص ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر)).
يعني: التفاوت في الأجور والتفاوت في الاجتهاد.
قوله: [وقد قال الله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد:١٠]] هذه صريحة في تفاوت درجات المؤمنين وأولياء الله.
وقال تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا * دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء:٩٥ - ٩٦]، وقال تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ * يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [التوبة:١٩ - ٢٢]).
وهذه الآية على الصحيح كما ورد في صحيح مسلم أنها نزلت في أهل الإسلام الذين يسقون الحاج ويعمرون المسجد الحرام، ومع ذلك جعل الله ظالماً من سوى بين هذا وبين الإيمان والجهاد في سبيل الله، حتى لو وقع هذا العمل من مسلم، فإن الجهاد أفضل من سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام، وهذا يدلنا على تفاوت أهل هداية الله ، ولا شك أن سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام عمل صالح وهو من أعمال أولياء الله الصالحين، لكن أفضل منه وأكمل الجهاد في سبيل الله، فالجهاد أنواع ومراتب، فليحدث أحكم نفسه بالغزو.
قوله: (وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر:٩]، وقال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة:١١].
стр. 37
الإيمان والتقوى شرط في ولاية الله
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (فصل: وإذا كان العبد لا يكون ولياً لله إلا إذا كان مؤمناً تقياً لقوله تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٣].
وفي صحيح البخاري الحديث المشهور -وقد تقدم- يقول الله ﵎ فيه: (ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه) ولا يكون مؤمناً تقياً حتى يتقرب إلى الله بالفرائض فيكون من الأبرار أهل اليمين، ثم بعد ذلك لا يزال يتقرب بالنوافل حتى يكون من السابقين المقربين، فمعلوم أن أحداً من الكفار والمنافقين لا يكون ولياً لله، وكذلك من لا يصح إيمانه وعباداته وإن قدر أنه لا إثم عليه مثل أطفال الكفار ومن لم تبلغه الدعوة) أي: لا إثم عليهم، ومع ذلك ليس عندهم إيمان، ولا يقال: إنهم من أولياء الله ، رغم أنهم غير معذبين حتى يمتحنوا.
يقول: (وإن قيل: إنهم لا يعذبون حتى يرسل إليهم رسول فلا يكونون من أولياء الله، إلا إذا كانوا من المؤمنين المتقين) والصحيح: أن الله يوم القيامة يرسل إليهم رسولاً يأمرهم بدخول النار، فمن دخل النار كانت عليه برداً وسلاماً ومن لم يدخلها فإنه يعذب فيها.
стр. 38
الكشف والإلهام والمخاطبة يستأنس بها ولا يستدل بها
ثم يذكر ابن تيمية القاعدة في التعامل مع الإلهام الذي يلقى في القلب فيقول: (ولا يجوز لولي الله أن يعتمد على ما يلقى إليه في قلبه إلا أن يكون موافقاً، وعلى ما يقع له مما يراه إلهاماً ومحادثة وخطاباً من الحق، بل يجب عليه أن يعرض ذلك جميعه على ما جاء به محمد؛ فإن وافقه قبله وإن خالفه لم يقبله، وإن لم يعلم أموافق هو أم مخالف توقف فيه).
وهذا يتضح فيما حصل من عمر بن الخطاب ﵁ في أحداث صلح الحديبية، إذ وقع في نفسه أن ما كان في صلح الحديبية دنية في الدين مع أن ذلك كان عزة في الدين، ولم يكن ذلك إلا من الشيطان، ولا يبعد أن يأمر الشيطان ولي الله كما حلف أبو بكر ﵁ ألا يأكل مع الأضياف لما امتنعوا من الأكل، فقال لما رجع عنها: الأولى من الشيطان، فعلم أن اليمين التي أقسم من الشيطان ليؤدي إلى فساد العلاقة بينه وبين أضيافه، وبينه وبين أفراد أسرته.
فإذا كان هؤلاء هم سادة الأولياء وأفضل الأمة بعد النبي ﷺ ، بل أفضل الناس بعد الأنبياء على الإطلاق وأفضل أصحاب الأنبياء، فهل يمكن أن يكون من دونهم في الولاية لا يأتيه الشيطان؟!
الجواب
لا، فهذا كلام فاسد ولكن لهم فضيلة ومنزلة، فإنهم كلما يغلبون من الشيطان سرعان ما يرجعون لما عندهم من العلم.
وأهل السنة يثبتون الإلهام، والكشف، والمخاطبة، ولكن يستأنسون بها ولا يستدلون بها، فهي ليست أدلة قاطعة، ولذا لا تصلح دليلاً شرعياً تثبت به العبادات مثلاً، وفرق كبير جداً بين الصوفية وبين أهل السنة في هذه مسألة: فإنهم يأتون بالأوراد الكثيرة بحيث تكون كل طريقة لها وردها من خلال أنهم يدعون الإلهام والكشف، التي لا تصلح دليلاً، بل إذا عرضتها على الأدلة ظهر أنها محدثة بدعة، فلا يجوز أن يبنى عليها حكم شرعي باستحباب كذا أو بكراهية كذا، أو لزوم كذا، وأحياناً يلزمون السائر في الطريقة بأشياء معينة لم ترد في الكتاب ولا السنة، ولا قول صحابي ولا غيره.
فمن هنا نقول: فرق كبير بين من يجعلها أموراً يستأنس بها كالرؤى والمنامات والكشف والإلهام، فيستأنس بها بعد أن تعرض على الكتاب والسنة، ويمكن أن تكون مقوية لقلوب أهل الإيمان في الخير، ويجب أن ترد إذا كانت مخالفة، وبين الاستئناس من حيث كونه دليلاً معضداً أو دليلاً مرجحاً أحياناً؛ وكونه دليلاً مستقلاً دون نظر إلى الكتاب والسنة، فهم يستأنسون بها ولا يستدلون بها.
стр. 39
أقسام الناس في الكشف والإلهام
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والناس في هذا الباب ثلاثة أصناف: طرفان ووسط، فمنهم من إذا اعتقد في شخص أنه ولي لله ووافقه في كل ما يظن أنه حدث به قلبه عن ربه، وسلم إليه جميع ما يفعله، ومنهم من إذا رآه قد قال أو فعل ما ليس بموافق للشرع أخرجه عن ولاية الله بالكلية وإن كان مجتهداً مخطئاً].
والموقف الصحيح ممن يقع في شيء من ذلك أن يقول كما قال المصنف: [خيار الأمور أوساطها، وهو ألا يجعل معصوماً ولا مأثوماً إذا كان مجتهداً مخطئاً، فلا يتبع في كل ما يقوله، ولا يحكم عليه بالكفر والفسق مع اجتهاده]، لكن لا شك أن صدور أمور من الكفر والعياذ بالله مع القول بأنها أمور اجتهادية فيه نظر، فإذا قلنا: إن هذا كفر فهذا بمخالفته المقطوع به في الشريعة، وهذا بعد بيان القرآن وبيان الرسول ﷺ أصبحت الأمور الكبرى التي بعث بها النبي ﵊ من أصول الإسلام والإيمان والإحسان معلومة لكل من يطلبها، وغالباً ما يكون هناك نوع من التفريط في البحث والسؤال والتحري في مخالفتها، بمعنى: أن من خالفها فغالباً ما يكون هناك نوع تفصيل لكن كقاعدة: من كان مجتهداً حتى ولو كان خطؤه كائناً ما كان، فهذا فيه نظر، ولكن لو بذل كل الجهد في معرفة الحق والصواب وخفي عليه فعلاً، ولم يكن متبعاً للهوى فهو مأجور وخطؤه مغفور، وكما ذكرنا أن وقوع الكفر غالباً يكون بتقصير من الشخص نفسه، والله أعلى وأعلم.
لكن ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية منطبق على هذا الأمر كقاعدة.
стр. 40
اتباع الله ورسوله واجب على الناس
قال المصنف رحمه الله تعالى: [والواجب على الناس اتباع ما بعث الله به رسوله ﷺ ، وأما إذا خالف قول بعض الفقهاء ووافق قول آخرين فلم يكن لأحد أن يلزمه بقول مخالف ويقول: هذا خالف الشرع] أي: أنه لا يجعل معصوماً ولا مأثوماً، يقول: منهم من إذا رآه قد قال أو فعل ما ليس بموافق للشرع أخرجه من الشرع بالكلية، وابن تيمية يرى أن هذا خطأ؛ لأنه يمكن أن يكون مجتهداً مخطئاً فلا يخرج عن ولاية الله، ويمكن من باب أولى أن يكون خالف بعض الفقهاء ولم يخالف الشرع، فكلمة خالف الشرع لا تطلق إلا على الأمر الذي يكون بيناً من البينات التي جاءت من عند الله، قال تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران:١٠٥]، فالذي يقال عنه: خالف الشرع هو الذي خالف البينات، أما إذا خالف قول بعض الفقهاء وهو عند تابعه هو الذي وافق الشرع، فهذا لا يقال عنه خالف الشرع، لكن لا بد أن ينتبه فلا يقال: هذا خالف الشرع لكونه خالف الشافعي أو مالكاً أو أحمد أو أبا حنيفة، فالخلاف بخلاف البينات.
стр. 41
عرض الكشف والإلهام على الكتاب والسنة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقد ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (قد كان في الأمم قبلكم محدثون، فإن يكن في أمتي أحد فـ عمر منهم).
وروى الترمذي وغيره عن النبي ﷺ أنه قال: (لو لم أبعث فيكم لبعث فيكم عمر).
وفي حديث آخر: (إن الله ضرب الحق على لسان عمر وقلبه) ﵁.
وفيه: (لو كان نبي بعدي لكان عمر).
وكان علي بن أبي طالب ﵁ يقول: ما كنا نبعد أن السكينة تنطق على لسان عمر].
يعني: أن الله أنزل سكينة في قلبه جعلها تظهر على لسانه، وثبت هذا عنه من رواية الشعبي.
[وقال ابن عمر: ما كان عمر يقول في شيء: إني لأراه كذا إلا كان كما يقول.
وعن قيس بن طارق قال: كنا نتحدث أن عمر ينطق على لسانه ملك] أي: ملك يسدده.
[وكان عمر يقول: اقتربوا من أفواه المطيعين، واسمعوا منهم ما يقولون، فإنه تنجلي لهم أمور صادقة.
وهذه الأمور الصادقة التي أخبر بها عمر بن الخطاب ﵁ أنها تتجلي للمطيعين: هي الأمور التي يكشفها الله لهم، فقد ثبت أن لأولياء الله مخاطبات ومكاشفات، فأفضل هؤلاء في هذه الأمة بعد أبي بكر عمر بن الخطاب ﵄؛ فإن خير هذا الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ﵄.
وقد ثبت في الصحيح تعيين عمر بأنه محدث في هذه الأمة، فأي محدث ومخاطب فرض في أمة محمد ﷺ فـ عمر أفضل منه، ومع هذا فكان عمر ﵁ يفعل ما هو الواجب عليه، فيعرض ما يقع له على ما جاء به الرسول ﵌، فتارة يوافقه فيكون ذلك من فضائل عمر؛ كما نزل القرآن بموافقته في غير مرة، وتارة يخالفه فيرجع عمر عن ذلك؛ كما رجع يوم الحديبية لما كان قد رأى محاربة المشركين، والحديث معروف في البخاري وغيره؛ فإن النبي ﵌ قد اعتمر سنة ست من الهجرة، ومعه المسلمون نحو ألف وأربعمائة، وهم الذين بايعوه تحت الشجرة، وكان قد صالح المشركين بعد مراجعة جرت بينه وبينهم على أن يرجع في ذلك العام ويعتمر من العام القادم، وشرط لهم شروطاً فيها نوع غضاضة على المسلمين في الظاهر، فشق ذلك على كثير من المسلمين، وكان الله ورسوله ﷺ أعلم وأحكم بما في ذلك من المصلحة، وكان عمر فيمن كره ذلك حتى قال للنبي ﵌: (يا رسول الله! ﷺ ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى، قال: أفليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: بلى، قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا؟! فقال له النبي ﷺ : إني رسول الله وهو ناصري ولست أعصيه، ثم قال: أفلم تكن تحدثنا أنا نأتي البيت ونطوف به، أو نطوف به؟ قال: بلى، قال: أقلت لك: أنك تأتيه العام؟ قال: لا، قال: إنك آتيه ومطوف به) فذهب عمر إلى أبي بكر ﵄ فقال له مثل ما قال للنبي ﷺ ، ورد عليه أبو بكر مثل جواب النبي ﷺ ، ولم يكن أبو بكر قد سمع جواب النبي ﷺ ، فكان أبو بكر ﵁ أكمل موافقة لله وللنبي ﷺ من عمر، وعمر ﵁ رجع عن ذلك، وقال: فعملت بذلك أعمالاً.
كذلك لما مات النبي ﷺ أنكر عمر موته أولاً، فلما قال أبو بكر: إنه مات رجع عمر عن ذلك.
وكذلك في مانعي الزكاة قال عمر لـ أبي بكر: كيف نقاتل الناس وقد قال رسول الله ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها؟ فقال له أبو بكر ﵁: ألم يقل: إلا بحقها؟ فإن الزكاة من حقها، والله! لو منعوني عناقاً كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها، قال عمر: فوالله! ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعلمت أنه حق)].
يقصد من ذلك أن عمر ﵁ كان يرجع عما يقع في قلبه من أمور امتثالاً لما ورد في الشرع، فهذا هو الواجب على كل أحد.
وعندما مات النبي كان يظن أنه أغمي عليه وسوف يرجع مرة أخرى، فأسكته أبو بكر فلم يسكت، فجاء أبو بكر فقال: من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات.
فبمجرد ما إن قرأ أبو بكر الآية قعد عمر على الأرض وهدأ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ولهذا نظائر تبين تقدم أبي بكر على عمر ﵄، مع أن عمر ﵁ محدَّث؛ فإن مرتبة الصديق فوق مرتبة المحدث]، ومعنى محدث أي: تحدثه الملائكة، وتقذف في قلبه شيئاً، وهناك واعظ من الله في قلب كل مؤمن، والمحدثون ربما يسمعون الخطاب مباشرة أو يلقى في قلوبهم، وهذا التحديث أرفع من عامة المؤمنين، وأرفع من مرتبة التحديث مرتبة الصديق.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [لأن الصديق يتلقى عن الرسول المعصوم ﷺ كل ما يقوله ويفعله، والمحدث يأخذ عن قلبه أشياء وقلبه ليس بمعصوم، فيحتاج أن يعرضه على ما جاء به النبي ﷺ ]، ومن هنا نعرف أن إثبات كرامة الإلهام والكشف والتحديث ليس معناه إثبات أنها من مصادر التشريع؛ لأنها قابلة للخطأ والصواب، فلا بد أن تعرض على الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، وهي في الحقيقة يستأنس بها ولا يستدل بها -كما ذكرنا- بل القياس يقدم على التحديث والإلهام ونحو ذلك؛ لأن القياس الصحيح مرده إلى الوحي، وغلبة الظن في صحته أقوى من غلبة الظن في صحة الإلهام أو الكشف.
والكشف: أن يكشف الله له أموراً غابت عن غيره.
كما وقع لـ عمر بقوله: يا سارية الجبل! فقد انكشف له أنهم لو لجئوا إلى الجبل لنجاهم الله .
وأعظم من درجات الكشف الكشف عن الحق، وانشراح صدر أبي بكر للقتال كان كشفاً، فهو كشف عن الحق بأدلته الظاهرة بأن يقع في قلبه أن الأمر سيكون كذلك.
وقد يكون منه الاستخارة، فقد يكون فيها انشراح الصدر لأمره، ولكن هذه يستأنس بها ولا يستدل بها، فمثلاً: كان شيخ الإسلام يجزم في بعض الوقائع مع التتار أن المسلمين ينتصرون في هذه الواقعة، وأنهم يردون التتار؛ وذلك للصفات الموجودة في المسلمين التي تغيرت عما كانت عليه فتوقع لهم النصر، بل كان يجزم بذلك وكانوا يقولوا له: قل: إن شاء الله، ويقول: إن شاء الله تحقيقاً لا تعليقاً، ولا بد أن يعلق الأمر بمشيئة الله؛ لأن ظن الإنسان قابل للخطأ والصواب.
والكشف والإلهام باب واحد، فكلاهما من أنواع العلوم التي تقع في القلوب.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [والمحدث يأخذ عن قلبه أشياء وقلبه ليس بمعصوم فيحتاج أن يعرضه على ما جاء به النبي ﷺ ؛ ولهذا كان عمر ﵁ يشاور الصحابة ﵃ ويناظرهم، ويرجع إليهم في بعض الأمور، وينازعونه في أشياء فيحتج عليهم ويحتجون عليه بالكتاب والسنة، ويقررهم على منازعته] كما حصل مثلاً مع عمار عندما أنكر عمر التيمم للمحدث حدثاً أكبر فذكره عمار يوم حصلت له الجنابة فتمرغ عمار في التراب، وقال له النبي ﷺ : (إنما يكفيك أن تضرب بكفيك الأرض ثم تمسح بوجهك وكفيك) فـ عمر ﵁ لم يكن يتذكر هذه الواقعة وترك عمار يحدث بذلك، لكنه حذره من الخطأ ونحو ذلك.
والمقصود أن عمر ﵁ أقرهم على مناظرته وعلى كونهم ينازعونه ويناظرونه.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ولا يقول لهم: أنا محدَّث، ملهم، مخاطب؛ فينبغي لكم أن تقبلوا مني ولا تعارضوني].
وهذا هو الفرق في الإلهام عند أهل السنة وعند الصوفية، فالصوفية يقولون: كن بين يدي الشيخ كالميت بين يدي الغاسل، ومن اعترض يطرد ونحو ذلك، فلا يوجد عندهم احتمال أصلاً لمناقشة الشيخ ولو أتى بالمنكرات، ويعد فعل الشيخ مهما كان هذا الفعل من المنكرات لسر بينه وبين الله ، فيكون هذا من الطاعات العمياء التي قد تصل بصاحبها إلى الكفر والعياذ بالله.
стр. 42
تخطيء كل من يلزم أتباعه بطاعته الطاعة العمياء
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فأي أحد ادعى أو ادعى له أصحابه أنه ولي لله، وأنه مخاطب يجب على أتباعه أن يقبلوا منه كل ما يقوله ولا يعارضوه، ويسلموا له حاله من غير اعتبار بالكتاب والسنة فهو وهم مخطئون، ولو كان من أفضل الناس، فـ عمر بن الخطاب ﵁ أفضل منه، وهو أمير المؤمنين، وكان المسلمون ينازعونه فيما يقوله، وهو وهم على الكتاب والسنة، وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها على أن كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ ، وهذا من الفروق بين الأنبياء وغيرهم؛ فإن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم يجب الإيمان بجميع ما يخبرون به عن الله ، وتجب طاعتهم فيما يأمرون به، بخلاف الأولياء؛ فإنه لا تجب طاعتهم في كل ما يأمرون به، ولا الإيمان بجميع ما يخبرون به، بل يعرض أمرهم وخبرهم على الكتاب والسنة فما وافق الكتاب والسنة وجب قبوله، وما خالف الكتاب والسنة كان مردوداً، وإن كان صاحبه من أولياء الله وكان مجتهداً معذوراً فيما قاله له أجر على اجتهاده، لكنه إذا خالف الكتاب والسنة كان مخطئاً وكان من الخطأ المغفور إذا كان صاحبه قد اتقى الله ما استطاع، فإن الله تعالى يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]، وهذا تفسير قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران:١٠٢].
قال ابن مسعود وغيره: (حق تقاته) أن يطاع فلا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر.
أي: بحسب استطاعتكم؛ فإن الله تعالى لا يكلف نفساً إلا وسعها كما قال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة:٢٨٦].
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الأعراف:٤٢].
وقال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [الأنعام:١٥٢]]، فـ ابن مسعود يرد على من يقول أن ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران:١٠٢] منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]، بل يقول: هي مفسرة بها وليست منسوخة، وإن حق التقوى هي ما استطاعه الإنسان.
стр. 43
الأمر بالإيمان بما جاء به الأنبياء دون غيرهم
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقد ذكر الله الإيمان بما جاءت به الأنبياء في غير موضع، كقوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣٦]]، إذاً ربنا أمر بالإيمان بما أوتي النبيون وليس الأولياء، فالأولياء يخطئون ويصيبون.
ويقل المصنف رحمه الله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة:٢ - ٥]]، والشاهد قوله تعالى: ((يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ)) أي: على الأنبياء.
والمبتدعون في ذلك يرون وقوع الإلهام وحياً قاطعاً لا يقبل أن يكون فيه تردد، فهذا يلحقه بالوحي المنزل من عند الله، فيترتب على ذلك الخلل الكبير جداً، فتأتي البدع من أوسع أبوابها من خلال هذا الإلهام المدعى والكشف المدعى.
ويقول المصنف رحمه الله تعالى: [وقال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٧٧]].
الشاهد من الآية قوله تعالى: ((وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ)).
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وهذا الذي ذكرته من أن أولياء الله يجب عليهم الاعتصام بالكتاب والسنة، وأنه ليس فيهم معصوم يسوغ له أو لغيره اتباع ما يقع في قلبه من غير اعتبار بالكتاب والسنة؛ هو مما اتفق عليه أولياء الله ].
ومنبع العصمة من الرافضة فإن أول بدعة في إثبات العصمة لغير الأنبياء كانت عند الرافضة الذين يقولون بعصمة الائمة الإثني عشر، ومن خلالهم تسرب هذا إلى مشايخ الصوفية وغيرهم.
يقول المصنف رحمه الله تعالى: [ومن خالف في هذا فليس من أولياء الله الذين أمر الله باتباعهم، بل إما أن يكون كافراً وإما أن يكون مفرطاً في الجهل، وهذا كثير في كلام المشايخ].
أي: أن هذا الأمر متفق عليه من عرض ما يقع في الكتاب والسنة وموجود في كلام المشايخ.
стр. 44
كلام مشايخ الصوفية الحقة في الولاية
قال المصنف رحمه الله تعالى: [كقول الشيخ أبي سليمان الداراني: إنه ليقع في قلبي النكتة من نكت القوم فلا أقبلها إلا بشاهدين: الكتاب والسنة].
قوله: (النكتة) أي: الفائدة ونحو ذلك، ولذلك عندما نعرض مثلاً بعض المنازل التي يعدونها من منازل الفضل إذا عرضناها على الكتاب والسنة وجدناها لا حقيقة لها ولا أصل لها كالدهش والهيمان والسكر المعدودة عندهم من مقدمات الفناء؛ فإن هذا لا يدل عليها شيء من كتاب ولا سنة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال أبو القاسم الجنيد رحمة الله عليه: علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة، فمن لم يقرأ القرآن ويكتب الحديث لا يصلح له أن يتكلم في علمنا، أو قال: لا يقتدى به].
فمثلاً إنسان فقأ عينه لما نظر إلى امرأة، نقول: إن هذا أمر محرم، فلا يجوز أن يفقأ الإنسان عينه؛ لأجل أنه نظر إلى امرأة محرم عليه أن ينظر إليها، فيعاقبها بذلك؛ لأن هذا لم يرد في كتاب الله ولا في سنة رسوله ﷺ ؛ ولأن هذا إفساد لما وهبه الله ، وليس من حقه أن يفعل ذلك، مع أن هذا كان غرضه غض البصر ونحو ذلك، فيقول: علمنا هذا -أي علم تهذيب النفوس وعلم أحوال القلوب- لا بد أن يعرض على الكتاب والسنة كسائر أنواع العلوم.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال أبو عثمان النيسابوري: من أمر السنة على نفسه قولاً وفعلاً نطق بالحكمة، ومن أمر الهوى على نفسه قولاً وفعلاً نطق بالبدعة؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ [النور:٥٤].
وقال أبو عمرو بن نجيد: كل وجد لا يشهد له الكتاب والسنة فهو باطل].
والوجد: ما يجده السالك في قلبه من رقة وميل إلى المحبة ونحو ذلك، أو منازل من أحوال العباد قد تقع في قلبه فهو ينظر إلى هذه الأحوال ويعرضها على الكتاب والسنة وإذا خالفها كان باطلاً.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وكثير من الناس يغلط في هذا الموضع فيظن في شخص أنه ولي لله، ويظن أن ولي الله يقبل منه كل ما يقوله ويسلم إليه كل ما يقوله، ويسلم إليه كل ما يفعله وإن خالف الكتاب والسنة، فيوافق ذلك الشخص له، ويخالف ما بعث الله به رسوله ﷺ الذي فرض الله على جميع الخلق تصديقه فيما أخبر وطاعته فيما أمر، وجعله الفارق بين أوليائه وأعدائه، وبين أهل الجنة وأهل النار، وبين السعداء والأشقياء، فمن اتبعه كان من أولياء الله المتقين وجنده المفلحين وعباده الصالحين، ومن لم يتبعه كان من أعداء الله الخاسرين المجرمين، فتجره مخالفة الرسول وموافقة ذلك الشخص أولاً إلى البدعة والضلال، وآخراً إلى الكفر والنفاق والعياذ بالله، ويكون له نصيب من قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان:٢٧ - ٢٩]، ومن قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا * وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب:٦٦ - ٦٨].
وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ * إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة:١٦٥ - ١٦٧].
وهؤلاء مشابهون للنصارى الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣١].
وفي مسند الترمذي عن عدي بن حاتم في تفسيره هذه الآية: لما سأل ﷺ عنها فقال: (ما عبدوهم، فقال النبي ﷺ : أحلوا لهم الحرام وحرموا عليهم الحرام فأطاعوهم وكانت هذه عبادتهم إياهم).
ولهذا قيل في مثل هؤلاء: إنما حرموا الوصول بتضييع الأصول؛ فإن أصل الأصول تحقيق الإيمان بما جاء به الرسول ﷺ ، فلا بد من الإيمان بالله ورسوله ﷺ وبما جاء به الرسول ﷺ ، فلا بد من الإيمان بأن محمداً رسول الله ﷺ إلى جميع الخلق إنسهم وجنهم، وعربهم وعجمهم، وعلمائهم وعبادهم، وملوكهم وسوقتهم، وأنه لا طريق إلى الله لأحد من الخلق إلا بمتابعته باطناً وظاهراً حتى لو أدركه موسى وعيسى وغيرهما من الأنبياء لوجب عليهم اتباعه كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ * فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران:٨١ - ٨٢].
قال ابن عباس ﵄: ما بعث الله نبياً إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث محمد ﷺ وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه، وأمره أن يأخذ على أمته الميثاق لئن بعث محمد ﷺ وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه، وقد قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا * فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا * وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا * فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٠ - ٦٥].
وكل من خالف شيئاً مما جاء به الرسول ﷺ مقلداً في ذلك من يظن أنه ولي لله فإنه بنى أمره على أنه ولي لله، وأن ولي الله لا يخالف في شيء، ولو كان هذا الرجل من أكبر أولياء الله كأكابر الصحابة والتابعين لهم بإحسان لن يقبل منه ما خالف الكتاب والسنة، فكيف إذا لم يكن كذلك؟! وتجد كثيراً من هؤلاء عمدتهم في اعتقاد كونه ولياً لله أنه قد صدر عنه مكاشفة في بعض الأمور أو بعض التصرفات الخارقة للعادة مثل أن يشير إلى شخص فيموت، أو يطير في الهواء إلى مكة أو غيرها، أو يمشي على الماء أحياناً، أو يملأ إبريقاً من الهواء] أي: إبريقاً فارغاً يملأه ماءً من الهواء من غير محل.
يقول المصنف رحمه الله تعالى: [أو ينفق بعض الأوقات من الغيب] بمعنى أنه يخبر بعض الأوقات عن أمور قد تكون غيبية.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أو أن يختفي أحياناً عن أعين الناس، أو أن بعض الناس استغاث به وهو غائب أو ميت فرآه قد جاء فقضى حاجته، أو يخبر الناس بما سرق لهم، أو بحال غائب لهم، أو مريض أو نحو ذلك من الأمور، وليس في شيء من هذه الأمور ما يدل على أن صاحبها ولي لله، بل قد اتفق أولياء الله على أن الرجل لو طار في الهواء أو مشى على الماء لم يغتر به حتى ينظر متابعته لرسول ﷺ وموافقته لأمره ونهيه.
وكرامات أولياء الله تعالى أعظم من هذه الأمور، وهذه الأمور الخارقة للعادة وإن كان قد يكون صاحبها ولياً لله فقد يكون عدواً لله] يعني: من صار عندهم من ذلك أشياء يخدعون بها عوامهم، كالبوذيين والهندوس وغيرهم ممن يقوم بأعمال السحر.
стр. 45
التصرفات الخارقة ليست دليلاً على الولاية
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فإن هذه الخوارق تكون لكثير من الكفار والمشركين وأهل الكتاب والمنافقين، وتكون لأهل البدع وتكون من الشياطين، فلا يجوز أن يظن أن كل من كان له شيء من هذه الأمور أنه ولي لله، بل يعتبر أولياء الله بصفاتهم وأفعالهم وأحوالهم التي دل عليها الكتاب والسنة، ويعرفون بنور الإيمان والقرآن، وبحفاوة الإيمان الباطنة وشرائع الإسلام الظاهرة.
مثال ذلك: أن هذه الأمور المذكورة وأمثالها قد توجد في أشخاص ويكون أحدهم لا يتوضأ ولا يصلي الصلوات المكتوبة، بل يكون مجالساً للنجاسات، معاشراً للكلاب، يأوي إلى الحمامات والقمامين والمقابر والمزابل، رائحته خبيثة لا يتطهر الطهارة الشرعية ولا يتنظف.
وقد قال النبي ﷺ : (لا تدخل الملائكة بيتاً فيه جنب ولا كلب)، وقال عن هذه الأخلية: (إن هذه الحشوش) -أي: أماكن قضاء الحاجة-، (إن هذه الحشوش محتضرة) -أي: يحضرها الشيطان-، وقال: (من أكل من هاتين الشجرتين الخبيثتين فلا يقربن مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم).
وقال: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً)، وقال: (إن الله نظيف يحب النظافة) -وهذا حديث حسن-وقال: (خمس من الفواسق يقتلن في الحل والحرم: الحية والفأرة والغراب والحدأة والكلب العقور)، وفي رواية: (الحية والعقرب).
وأمر صلوات الله وسلامه عليه بقتل الكلاب]، وهذا منسوخ، فقد نسخه بعد ذلك، ونهى عن قتل الكلاب إلا الأسود قال المصنف ﵀: [وقال: (من اقتنى كلباً لا يغني عنه زرعاً ولا ضرعاً) أي: حماية الماشية، (نقص من عمله كل يوم قيراط) وقال: (لا تصحب الملائكة رفقة معهم كلب)، وقال: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات إحداهن بالتراب).
وقال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف:١٥٦ - ١٥٧].
فإذا كان الشخص مباشراً للنجاسات والخبائث التي يحبها الشيطان، أو يأوي إلى الحمامات والحشوش التي تحضرها الشياطين، أو يأكل الحيات والعقارب والزنابير وآذان الكلاب التي هي خبائث وفواسق، أو يشرب البول ونحوه من النجاسات التي يحبها الشيطان، أو يدعو غير الله فيستغيث بالمخلوقات ويتوجه إليها، أو يسجد إلى ناحية شيخه ولا يخلص الدين لرب العالمين، أو يلابس الكلاب أو النيران أو يأوي إلى المزابل والمواضع النجسة، أو يأوي إلى المقابر ولاسيما إلى مقابر الكفار من اليهود والنصارى أو المشركين، أو يكره سماع القرآن وينفر عنه ويقدم عليه سماع الأغاني والأشعار، ويؤثر سماع مزامير الشيطان على سماع كلام الرحمن؛ فهذه علامات أولياء الشيطان لا علامات أولياء الرحمن.
قال ابن مسعود ﵁: لا يسأل أحدكم عن نفسه إلا القرآن فإن كان يحب القرآن فهو يحب الله، وإن كان يبغض القرآن فهو يبغض الله.
قال عثمان بن عفان ﵁: لو طهرت قلوبنا لما شبعت من كلام الله .
وقال ابن مسعود: الذكر ينبت الإيمان في القلب كما ينبت الماء البقل.
وإن كان الرجل خبيراً بحقائق الإيمان الباطنة فارقاً بين الأحوال الرحمانية والأحوال الشيطانية فيكون قد قذف الله بقلبه من نوره كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [الحديد:٢٨]] يعني: تحقيق الإيمان بالرسول ﷺ يؤدي إلى حصول الفرقان والنور.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى:٥٢]، فهذا من المؤمنين] الذي هو الفارق بين الأحوال الرحمانية والشيطانية.
قال المصنف ﵀: [الذي جاء فيهم الحديث الذي رواه الترمذي عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ : (اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله) قال الترمذي: حديث حسن، وقد تقدم الحديث الصحيح الذي في البخاري وغيره قال فيه: (لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته، ولابد له منه).
فإذا كان العبد من هؤلاء: فرق بين حال أولياء الرحمن وأولياء الشيطان كما يفرق الصيرفي -صاحب الصرافة- بين الدرهم الجيد والدرهم الزيف، وكما يفرق من يعرف الخيل بين الفرس الجيد والفرس الرديء، وكما يفرق من يعرف الفروسية بين الشجاع والجبان، وكما أنه يجب الفرق بين النبي الصادق والمتنبئ الكاذب فيفرق بين محمد الصادق الأمين ﷺ رسول رب العالمين وموسى والمسيح بن مريم وبين مسيلمة الكذاب والأسود العنسي وطليحة الأسدي والحارث الدمشقي وباباه الرومي وغيرهم من الكذابين، كذلك يفرق بين أولياء الله المتقين وأولياء الشيطان الضالين].
стр. 46
الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان [٥]
لقد أرسل الله جميع الرسل بدعوة واحدة هدفها واحد وشرائعها مختلفة، فكل الأنبياء يدعون إلى عبادة الله وحده دون ما سواه، ونبذ كل آلهة تعبد من دون الله سواء من البشر أو البقر أو الحجارة والأضرحة وغير ذلك.
وإن من أعظم الضلال في هذه الأمة ضلال الصوفية الغلاة، وانحرافهم الشديد جاء بالزندقة وادعاء الألوهية، وتنقص الأنبياء والرسل، ومدح الكفار والمحاربين لله ورسوله.
стр. 47
الإسلام دين جميع الرسل
الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﷺ .
قال المؤلف ﵀: [فصل: والحقيقة: حقيقة الدين دين رب العالمين هي ما اتفق عليها الأنبياء والمرسلون، وإن كان لكل منهم شرعة ومنهاج.
فالشرعة: هي الشريعة، قال الله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة:٤٨]، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [الجاثية:١٨ - ١٩].
والمنهاج: هو الطريق، قال تعالى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا * لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾ [الجن:١٦ - ١٧].
فالشرعة: بمنزلة الشريعة للنهر، والمنهاج: هو الطريق الذي سلك فيه، والغاية المقصودة: هي حقيقة الدين، وهي عبادة الله وحده لا شريك له، وهي حقيقة دين الإسلام، وهو: أن يستسلم العبد لله رب العالمين، لا يستسلم لغيره، فمن استسلم لله ولغيره كان مشركاً، والله لا يغفر أن يشرك به، ومن لم يستسلم لله بل استكبر عن عبادته كان ممن قال الله فيه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر:٦٠]].
وهذان النوعان هما أساس كل كفر والعياذ بالله، الأول شرك قوم نوح ومشركي العرب، ومعظم الأمم التي تعبد الله، ولكن في نفس الوقت تشرك به وخصوصاً في الدعاء وصرف العبادات لغيره.
النوع الثاني: شرك إبليس، وهو شرك فرعون وأمثاله ممن جحد دين الله ورده ولا يقبل بالخضوع والانقياد له، كالشرك المنتشر في زماننا من فصل الدين عن الحياة، والإباء والرد لدين الله ، وكلا النوعين مازال منتشراً يقع فيه كثير من الناس.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ودين الإسلام: هو دين الأولين والآخرين من النبيين والمرسلين، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٨٥] عام في كل زمان ومكان، فنوح وإبراهيم، ويعقوب، والأسباط، وموسى، وعيسى والحواريون كلهم دينهم الإسلام].
الحواريون ليسوا من الأنبياء ولا من المرسلين، ولكنهم أتباع المسيح ﷺ .
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [كلهم دينهم الإسلام الذي هو عبادة الله وحده لا شريك له، قال الله تعالى عن نوح: ﴿يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ﴾ [يونس:٧١] إلى قوله: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس:٧٢]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣٠ - ١٣٢]، وقال تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ [يونس:٨٤]، وقال السحرة: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ [الأعراف:١٢٦]، وقال يوسف ﵇: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف:١٠١]، وقالت بلقيس: ﴿أَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل:٤٤]، وقال تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ﴾ [المائدة:٤٤]، وقال الحواريون: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:٥٢].
فدين الأنبياء واحد وإن تنوعت شرائعهم].
دينهم الذي هو عبادة الله، والخضوع لله والاستذلال له.
стр. 48
ذم التفرق في الدين
قال المؤلف ﵀: [كما في الصحيحين عن النبي ﷺ قال: (إنا معشر الأنبياء ديننا واحد)، قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ [الشورى:١٣]].
إذاً: الدين الذي فرضه الله على الأنبياء وشرعه لهم هو دين واحد لا يجوز التفرق فيه، والتفرق بمعنى: أن يجعل شيء لله وشيء لغيره، أي: شيء من العبادة لله وشيء لغيره، هذا -والعياذ بالله- هو التفرق المذموم.
[وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ * فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون:٥١ - ٥٣]].
فبدلاً من أن يقيموا الدين كله، ويلتزموا بما جاءت به الرسل كله، قطعوا أمرهم فكل طائفة أخذت قطعة ((زُبُرًا)) أي: قطعاً وأجزاءً، فكل منهم تمسك بشيء زعم أنه يتمسك به وترك غيره، وتركه لغيره تضييع لما تمسك به، فلا يكون متمسكاً بشيء، فلو قلنا مثلاً: إن النصارى زعموا تمسكهم بحب المسيح، لكنهم لما غلوا فيه ورفعوه فوق منزلته صاروا غير متمسكين، ولما زعم اليهود تمسكهم بالإيمان بموسى ﷺ وتركوا الإيمان بمن جاء بعده صاروا غير متمسكين بموسى، فهؤلاء الذين تقطعوا أمرهم بينهم زبراً، ((كُلُّ حِزْبٍ)) كل طائفة، ((بِمَاَ لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ)).
كذلك أهل البدع تجدهم يزعمون التمسك ببعض النصوص ويتركون البعض الآخر، وكل طائفة مبتدعة تفعل ذلك وتقع فيه، فهذا الذي حذر الله منه، ومن هنا يحدث التفرق في الدين، فالدين واحد، ولذلك ليس هناك حقيقة مخالفة للشريعة، وهذا الذي يذكره شيخ الإسلام فيقول: (والحقيقة: حقيقة الدين دين رب العالمين: هي ما اتفق عليه الأنبياء والمرسلون، وإن كان لكل منهم شرعة ومنهاج)، والحقيقة هذه أن يعبد الله وحده لا شريك له، وأن يستسلم له وحده لا شريك له، وبالتالي فلا يوجد شيء اسمه الحقيقة الذي عند أهل التصوف بمعنى: أن أصحاب الحقيقة لا يلتزمون بشريعة، فهذا وهم باطل ليس من الدين، وحقيقة الدين: هي أن نعبد الله وحده لا شريك له، وأن نلتزم بشريعته ظاهراً وباطناً، فلا يجوز أن نجعل خلافاً بين الحقيقة والشريعة إذ هما شيء واحد في الحقيقة، والحقيقة: أن يكون الإنسان مستسلماً لله على ما جاءت به الرسل، فهذه هي حقيقة دين الإسلام، أما أن يقال: هؤلاء أصحاب الشريعة يتمسكون بها ظاهراً، والآخرون أصحاب الحقيقة لا يلزمهم الشريعة الظاهرة، فهذا خلاف دين الإسلام الذي جاءت به كل الرسل.
نحن قلنا: من استسلم لله ولغيره يكون مشركاً، ومن أبى الاستسلام بالكلية يكون مستكبراً كافراً مشركاً؛ لأنه اتبع هواه، وعبد الشيطان في الحقيقة الذي وسوس له هذا الأمر، فهو شرك من هذه الجهة، وإن كان هذا شرك إبليس والعياذ بالله، فكل كافر مشرك، وكل مشرك كافر بالتلازم، وإن كان واحد يغلب عليه شيء، والثاني يغلب عليه شيء آخر، فإذا نظرت إلى اليهود فهم مغضوب عليهم، والنصارى ضالون، فاليهود مغضوب عليهم وضالون، والنصارى مغضوب عليهم وضالون، ولكن هؤلاء أحق بوصف الغضب، وهؤلاء أحق بوصف الضلال، لكن بلا شك أن الذي علم الحق ولم يعمل به ضال أيضاً، وليس فقط مغضوب عليه؛ لأن هذا نوع من الضلال، لكونه يعلم الحق ولا يلتزم به، وكذا الذي ضل عن الحق ولم يعلمه مغضوب عليه، فكذلك: كل كافر مشرك، وكل مشرك كافر، فشخص يشرك في عبادة الله والآخر يتكبر عن عبادة الله، الذي يتكبر عن عبادة الله هذا يتبع إبليس والعياذ بالله وهواه؛ لأنه اتخذ إلهه هواه فصار مشركاً والعياذ بالله، وهذا أشرك بالله وقد فطر على التوحيد.
стр. 49
تفضيل الأنبياء ومراتب السعداء
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها وسائر أولياء الله تعالى على أن الأنبياء أفضل من الأولياء الذين ليسوا بأنبياء].
فالأنبياء هم خاصة أولياء الله، فكل نبي ولي، وليس كل ولي نبياً، فاتفق سلف الأمة وأئمتها وسائر أولياء الله تعالى على أن الأنبياء أفضل من الأولياء الذين ليسوا بأنبياء، إلا الرافضة الذين قولهم قول كفري والعياذ بالله، فغلاة الرافضة يقولون: إن بعض الأولياء أفضل من الأنبياء، يقول الخميني: إننا معشر الشيعة الإمامية نعتقد أن لأئمتنا أحوالاً مع الله لا يبلغها ملك مقرب ولا نبي مرسل والعياذ بالله! ومثل هؤلاء غلاة الصوفية الذين يقولون: مقام الولي في برزخ دون الرسول وفوق النبي؛ لأن الترتيب عندهم الرسول ثم الولي ثم النبي وهذا كفر والعياذ بالله! يقول المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد رتب الله عباده السعداء المنعم عليهم أربع مراتب: فقال: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء:٦٩]].
وبالنسبة لتقسيم ابن تيمية الكافر إلى نوعين قد يقول قائل: والساحر والكاهن الذي يأتيه ويصدقه هل يكون كافراً؟ نحن نقول: ابن تيمية هنا يتكلم عن الخروج الذي هو الكفر الأكبر الذي استسلم فيه العبد لله ولغيره فيكون مشركاً، ومن استكبر على عباده كان مستكبراً، فهذان الاثنان شركهما أكبر من إتيان الكاهن أو الساحر، فهذا منه ما هو أكبر ومنه ما هو أصغر، فلو أن شخصاً ذهب إلى الكاهن واعتقد فيه علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله فهذا كفر أكبر، لكن إن صدقه فيما هو من خصائص الربوبية كأن صدقه في الغيب النسبي من أنه سيحضر له الحاجة المسروقة ويعرف مكان الضالة، وهو الغيب الذي غاب عن البعض وعرفه البعض والعياذ بالله! فهذا يعتقد أنه يعلم الغيب عن طريق الكلمة التي أخذها من السماء ونحوها، فهذا النوع كفر دون كفر، لكن الذي يذهب إلى الساحر ويقول له: من أجل أن أعمل لك هذا العمل لابد أن ترمي المصحف في القاذروات، ولابد أن تذبح للجني، ولابد أن تسجد للصنم، ففعل ذلك فهذا أشرك بالله، ولو اعتقد أن الساحر يضر وينفع من دون الله، وأن الكواكب تفعل ما يطلب منها، فهذا يكون كفراً أكبر والعياذ بالله! وشخص آخر ذهب إلى الساحر وأراد منه أن يعمل له شيئاً فأقنعه الساحر أن عنده ملائكة أو جناً مسلمون يساعدونه في الخير، وسيعمل له العمل من غير ما يصرف العبادة لغير الله، فوافقه؛ فهذا شرك أصغر، فهنا في هذا المقام يقول ابن تيمية: إن الله رتب عباده السعداء أربع مراتب.
يقول المؤلف رحمه الله تعالى: [وفي الحديث: (ما طلعت الشمس ولا غربت على أحد بعد النبيين والمرسلين أفضل من أبي بكر)].
هذا حديث ضعيف، لكن معناه صحيح بلا شك، فـ أبو بكر الصديق أفضل أمة محمد ﷺ بعد النبي ﵊، وهو أفضل من كل أصحاب الأنبياء إلى قيام الساعة، إلا ما كان من شأن عيسى ﷺ فإنه من أصحاب محمد ﷺ ولكنه رسول، ونحن نقول: هناك اتفاق على أن الأنبياء أفضل من الأولياء الذين ليسوا بأنبياء، ونقول: إن سيدنا أبا بكر أفضل هذه الأمة بغض النظر عن عيسى بن مريم ﷺ بعد النبي ﷺ .
стр. 50
أفضل الأمم أمة محمد ﷺ
يقول المؤلف رحمه الله تعالى: [وأفضل الأمم أمة محمد ﷺ ، قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠]، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر:٣٢].
وقال النبي ﵌ في الحديث الذي في المسند -الحديث الصحيح-: (أنتم توفون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله) وأفضل أمة محمد ﷺ القرن الأول، وقد ثبت عن النبي ﷺ من غير وجه أنه قال: (خير القرون القرن الذي بعثت فيه، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)، وهذا ثابت في الصحيحين من غير وجه].
وفي رواية: (خير الناس قرني) وهذا عام يشمل كل الناس، إذاً: الأمم السابقة واللاحقة خير القرون منها جملة هو قرن النبي ﷺ وأصحابه، وبالتالي إذا قلنا: خير أصحاب النبي ﷺ أبو بكر فهو خير الناس بعد الأنبياء.
يقول المؤلف رحمه الله تعالى: [في الصحيحين أيضاً عنه ﵌ أنه قال: (لا تسبوا أصحابي، فو الذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه).
والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار أفضل من سائر الصحابة].
وهذا لا شك فيه، فالسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار أفضل من سائر الصحابة، وبالتالي هم أفضل من كل من يأتي بعدهم، لا يبلغ أحد منزلتهم، لكن لا يلزم من هذا أن كل واحد من الصحابة أفضل من كل واحد ممن يأتي بعد ذلك، والظاهر أنه كان فيهم من قال الله عنهم: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤]، فإذاً: كان هناك مسلمون وليسوا بمنافقين النفاق الأكبر، وكان منهم من ارتكب الكبائر، فلا يصح أن يقال: إن كل واحد من الصحابة أفضل من كل من يأتي بعدهم، لكن كل واحد من السابقين الأولين أفضل من كل من يأتي بعدهم؛ لأن الله إنما مدح الذين جاءوا من بعدهم باتباعهم لهم، قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة:١٠٠].
والصحابي هو: كل من لقي النبي ﷺ ولو لحظة، فـ محمد بن أبي بكر معدود في الصحابة، وهو ولد في حجة الوداع قبل موت النبي ﷺ ببضعة وثمانين يوماً، ومع هذا فإنه معدود ضمن الصحابة ﵃.
فالصحابي كل من رأى النبي ﷺ مؤمناً ومات على ذلك؛ لأجل ذلك نقول: هذا الأمر الصحيح فيه ما ذكرنا، قال تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد:١٠]، وهذا أحسن حد، يعني: التحديد بالفتح الذي هو صلح الحديبية هو أفضل ما قيل في الفرق بين السابقين الأولين وبين من أتى بعدهم، فمن أسلم وقاتل قبل صلح الحديبية -وهو الفتح الذي سماه الله فتحاً مبيناً- فهو أعظم وأفضل من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا، وكلاً وعد الله الحسنى.
يقول: [والسابقون الأولون: هم الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا، والمراد بالفتح: صلح الحديبية، فإنه كان أول فتح في مكة، وفيه أنزل الله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح:١ - ٢]، (فقالوا: يا رسول الله! أوفتح هو؟! قال: نعم).
وأفضل السابقين الأولين: الخلفاء الأربعة، وأفضلهم أبو بكر ثم عمر، هذا هو المعروف عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وأئمة الأمة وجماهيرها، وقد دلت على ذلك دلائل بسطناها في (منهاج أهل السنة النبوية في نقض كلام أهل الشيعة والقدرية)].
كتاب المنهاج هذا من أفضل ما كتب في الرد على الشيعة والمعتزلة، والشيعة أصلاً هم معتزلة في العقائد.
يقول المؤلف رحمه الله تعالى: [وبالجملة اتفقت طوائف السنة والشيعة على أن أفضل هذه الأمة بعد نبيها واحد من الخلفاء].
الشيعة يقولون: هو علي، وأهل السنة جميعاً يقولون: هو أبو بكر الصديق.
стр. 51
قياس ملاحدة الصوفية خاتم الأولياء على خاتم الأنبياء
يقول المؤلف رحمه الله تعالى: [ولا يكون من بعد الصحابة أفضل من الصحابة، وأفضل أولياء الله تعالى أعظمهم معرفة بما جاء به الرسول صلى الله تعالى عليه وآله وسلم واتباعاً له، كالصحابة الذين هم أكمل الأمة في معرفة دينه واتباعه، وأبو بكر الصديق أكمل معرفة بما جاء به وعملاً به، فهو أفضل أولياء الله إذ كانت أمة محمد ﷺ أفضل الأمم، وأفضلها أصحاب محمد ﷺ ، وأفضلهم أبو بكر رضي الله تعالى عنه.
وقد ظنت طائفة غالطة أن خاتم الأولياء أفضل الأولياء قياساً على خاتم الأنبياء، ولم يتكلم أحد من المشايخ المتقدمين بخاتم الأولياء إلا محمد بن علي الحكيم الترمذي].
الحكيم الترمذي ليس هو صاحب السنن، وإنما هو صاحب كتاب اسمه: نوادر الأصول، وقد طعن العلماء في كثير من مؤلفاته.
يقول المؤلف رحمه الله تعالى: [إلا محمد بن علي الحكيم الترمذي فإنه صنف مصنفاً غلط فيه في مواضع، ثم صار طائفة من المتأخرين يزعم كل واحد منهم أنه خاتم الأولياء، ومنهم من يدعي أن خاتم الأولياء أفضل من خاتم الأنبياء من جهة العلم بالله، وأن الأنبياء يستفيدون العلم بالله من جهته، كما يزعم ذلك ابن عربي صاحب كتاب: (الفتوحات المكية) وكتاب (الفصوص) -فصوص الحكم- فخالف الشرع والعقل مع مخالفة جميع أنبياء الله تعالى وأوليائه، كما يقال لمن قال: فخر عليهم السقف من تحتهم: لا عقل ولا قرآن].
السقف يكون فوق، فعندما يقول شخص: من تحتهم إذاً: لا عقل ولا قرآن ولا شيء معه.
стр. 52
فضل محمد ﷺ على غيره من الأنبياء
يقول المؤلف رحمه الله تعالى: [وذلك أن الأنبياء أفضل في الزمان من أولياء هذه الأمة، والأنبياء عليهم أفضل الصلاة والسلام أفضل من الأولياء، فكيف يكون الأنبياء كلهم والأولياء إنما يستفيدون معرفة الله ممن يأتي بعدهم ويدعي أنه خاتم الأولياء!].
أفضل الأولياء أبو بكر فهو أول شخص أسلم، وليس الأفضل من الذين سيكون في آخر الزمان.
يقول المؤلف رحمه الله تعالى: [وليس آخر الأولياء أفضلهم كما أن آخر الأنبياء أفضلهم، فإن فضل محمد ﷺ ثبت في النصوص الدالة على ذلك، كقوله ﵌: (أنا سيد ولد آدم ولا فخر!)، وقوله: (آتي باب الجنة فأستفتح فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمد ﷺ ، فيقول -الخازن-: بك أمرت ألا أفتح لأحد قبلك)، وليلة المعراج رفع الله درجته فوق الأنبياء كلهم، فكان أحقهم بقوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة:٢٥٣] إلى غير ذلك من الدلائل، والأنبياء كل منهم يأتيه الوحي من الله لاسيما محمد ﷺ لم يكن في نبوته محتاجاً إلى غيره، فلم تحتج شريعته إلى سابق ولا إلى لاحق، بخلاف غيره، فإن المسيح أحالهم في أكثر الشريعة على التوراة].
وكذلك لم يكن هناك تشريعات للنصارى إلا بالاعتماد على العهد القديم التوراة.
يقول المؤلف رحمه الله تعالى: [وشريعة التوراة جاء المسيح يكملها، ولهذا كان النصارى محتاجين إلى النبوات المتقدمة على المسيح كالتوراة والزبور، وتمام الأربع وعشرين نبوة، وكان الأمم قبلنا محتاجين إلى محدثين، بخلاف أمة محمد ﷺ ، فإن الله أغناهم به، فلم يحتاجوا معه إلى نبي ولا إلى محدث].
يعني: لسنا محتاجين أن نبحث في الكتب السابقة، يكفينا ما ثبت عن رسول الله ﷺ كتاباً وسنة، إذاً: لن نحتاج إلى كتب متقدمة، ولن نحتاج إلى محدثين ملهمين.
وعيسى هو آخر الأربعة والعشرين نبياً المذكورين في القرآن.
يقول المؤلف رحمه الله تعالى: [بل جمع له من الفضائل -لمحمد ﷺ والمعارف والأعمال ما فرقه في غيره من الأنبياء، فكان ما فضله الله به ما أنزله إليه، وأرسله إليه لا بتوسط بشر وهذا بخلاف الأولياء، فإن كل من بلغه رسالة محمد ﷺ لا يكون ولياً لله إلا باتباع محمد ﷺ ، وكل ما حصل له من الهدى ودين الحق هو بتوسط محمد ﷺ ، وكذلك من بلغه رسالة رسول إليه لا يكون ولياً إلا إذا اتبع ذلك الرسول الذي أرسل إليه، ومن ادعى أن من الأولياء الذين بلغتهم رسالة محمد ﷺ من له طريق إلى الله لا يحتاج فيه إلى محمد ﷺ ، فهذا كافر ملحد، وإذا قال: أنا محتاج إلى محمد ﷺ في علم الظاهر دون علم الباطن، أو في علم الشريعة دون علم الحقيقة فهو شر من اليهود والنصارى الذين قالوا: إن محمداً رسول إلى الأميين دون أهل الكتاب، فإن أولئك آمنوا ببعض وكفروا ببعض، فكانوا كفاراً بذلك، وكذلك الذي يقول: إن محمداً ﷺ بعث بعلم الظاهر دون علم الباطن، آمن ببعض ما جاء به، وكفر ببعض، فهو كافر وهو أكفر من أولئك؛ لأن علم الباطن الذي هو علم إيمان القلوب ومعارفها وأحوالها هو علم بحقائق الإيمان الباطنة، وهذا أشرف من العلم بمجرد أعمال الإسلام الظاهرة].
من يقول: إن الرسول ﷺ ما بعث بهذا العلم الشريف وإنما بعث بالعلم الظاهر، هذا أكفر من اليهود والنصارى فعلاً.
[فإذا ادعى المدعي أن محمداً ﷺ إنما علم هذه الأمور الظاهرة دون حقائق الإيمان، وأنه لا يأخذ هذه الحقائق عن الكتاب والسنة، فقد ادعى أن بعض الذي آمن به مما جاء به الرسول ﷺ دون البعض الآخر، وهو شر ممن يقول: أؤمن ببعض وأكفر ببعض، ولا يدعي أن هذا البعض الذي آمن به أدنى القسمين].
اليهود لا يقولون: شريعتكم هذه أقل من الشريعة الأولى، لكن هم يقولون: لا تلزمنا؛ لأن كل عاقل ينظر إلى شريعة الإسلام يقول: هي أحسن الشرائع، وأكمل مما سبقها بالتأكيد، وهذا بالموازنة العقلية المحضة، فلا يشك عاقل أن شريعة الإسلام أكمل، ومع ذلك فمن قال: لا تلزمني وإنما يلزمه الذي آمن به كان كافراً، فكيف إذاً من يقول: إن الذي جاء به هذا هو الأدنى، والذي لم يأت به هو الأعلى قدراً وأنا لا أحتاج إليه؟!
стр. 53
ملاحدة الصوفية وتفضيلهم الولاية على النبوة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهؤلاء الملاحدة يدعون أن الولاية أفضل من النبوة، ويلبسون على الناس فيقولون: ولايته أفضل من نبوته، وهم ملاحدة الصوفية]! من أجل أن يلبسوا على الناس يقولون: إن الرسول ﷺ ولي وولايته أفضل من نبوته.
يقول المؤلف رحمه الله تعالى: [وينشدون: مقام النبوة في برزخ فويق الرسول ودون الولي ويقولون: نحن شاركناه في ولايته التي هي أعظم من رسالته، وهذا من أعظم ضلالهم، فإن ولاية محمد ﷺ لم يماثله فيها أحد، لا إبراهيم ولا موسى فضلاً عن أن يماثله هؤلاء الملحدون، وكل رسول نبي وكل نبي ولي، فالرسول نبي ولي، ورسالته متضمنة لنبوته، ونبوته متضمنة لولايته، وإذا قدروا -قدر هؤلاء الملاحدة- مجرد إنباء الله إياه بدون ولايته لله فهذا تقدير ممتنع].
يعني: كيف يقول: إنه نبي من غير أن يكون ولياً؟! الذي يقول: إن الله جعله يأتي بالأنباء دون أن يكون ولياً! فهذا تقدير ممتنع.
стр. 54
علاقة ملاحدة الصوفية الاتحادية بالمتفلسفة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإنه حال إنبائه إياه ممتنع أن يكون إلا ولياً لله، ولا تكون مجردة عن ولايته ولو قدرت مجردة لم يكن أحد مماثلاً للرسول في ولايته، وهؤلاء قد يقولون كما يقول صاحب الفصوص ابن عربي: إنهم يأخذون من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحي به إلى الرسول].
أعوذ بالله! يقولون: نحن نأخذ من الأصل الذي يأخذ منه الملك، يعني: ليس من الذي يأخذ منه الرسول، بل الملك يبلغ الرسول فيأخذه من الأصل ويأخذ منه الملك.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وذلك أنهم اعتقدوا عقيدة ملاحدة المتفلسفة ثم أخرجوها في قالب المكاشفة؛ وذلك أن المتفلسفة الذين قالوا: إن الأفلاك قديمة أزلية لها علة تتشبه بها، كما يقوله أرسطو وأتباعه: أولها موجب بذاته -موجب وواجب الوجود- كما يقوله متأخروهم كـ ابن سينا وأمثاله ولا يقولون: إنها لرب خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، ولا خلق الأشياء بمشيئته وقدرته، ولا يعلم الجزئيات، بل إما أن ينكروا علمه مطلقاً كقول أرسطو -الذي هو واجب الوجود كالأول- أو يقولوا: إنما يعلم في الأمور المتغيرة كلياتها كما يقول ابن سينا].
فهو ينكر علم الجزئيات.
يقول المؤلف رحمه الله تعالى: [وحقيقة هذا القول: إنكار علمه بها، فإن كل موجود في الخارج فهو معين جزئي، والأفلاك كل معين منها جزئي، وكذلك جميع الأعيان وصفاتها وأفعالها، فمن لم يعلم إلا الكليات لم يعلم شيئاً من الموجودات، والكليات إنما توجد كليات في الأذهان لا في الأعيان، والكلام على هؤلاء مبسوط في موضع آخر في رد تعارض العقل والنقل وغيره، فإن كفر هؤلاء أعظم من كفر اليهود والنصارى، بل ومشركي العرب، فإن جميع هؤلاء يقولون: إن الله خلق السماوات والأرض، وإنه خلق المخلوقات بمشيئته وقدرته، وأرسطو ونحوه من متفلسفة اليونان كانوا يعبدون الكواكب والأصنام، وهم لا يعرفون الملائكة والأنبياء، وليس في كتب أرسطو ذكر شيء من ذلك، وإنما غالب علوم القوم الأمور الطبيعية، وأما الأمور الإلهية فكل منهم فيها قليل الصواب كثير الخطأ، واليهود والنصارى بعد النسخ والتبديل أعلم بالإلهيات منهم بكثير، ولكن متأخروهم -متأخرو الفلاسفة- كـ ابن سينا أرادوا أن يلفقوا بين كلام أولئك وبين ما جاءت به الرسل، فأخذوا أشياء من أصول الجهمية والمعتزلة وركبوا مذهباً قد يعتزي إليه متفلسفة أهل الملل، وفيه من الفساد والتناقض ما قد نبهنا على بعضه في غير هذا موضع].
ابن عربي كان من الصوفية المتفلسفة، ولذلك الصوفية المتفلسفة هم طور من التصوف هو شر الأطوار على الإطلاق، ومن خلاله دخل الكفر والإلحاد والخروج من الملة والعياذ بالله! يقول المؤلف رحمه الله تعالى: [وهؤلاء لما رأوا أمر الرسل كموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليهم وسلم قد بهر العالم، واعترفوا بأن الناموس الذي بعث به محمد ﷺ أعظم ناموس طرق العالم -وهذا كلام ابن سينا - ووجدوا الأنبياء قد ذكروا الملائكة والجن؛ أرادوا أن يجمعوا بين ذلك وبين أقوال سلفهم اليونان الذين هم أبعد الخلق عن معرفة الله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وأولئك -الذين هم الفلاسفة- قد أثبتوا عقولاً عشرة يسمونها: المجردات، والمفارقات؛ وأصل ذلك مأخوذ من مفارقة النفس للبدن، فسموا تلك مفارقات لمفارقتها المادة وتجردها عنها، وأثبتوا الأفلاك، وجعلوا لكل فلك نفساً، وأكثرهم جعلوها أعراضاً وبعضهم جعلها جواهر].
الأفلاك هذه أصلاً على حسب معلوماتهم القديمة أن هناك عشرة أفلاك بعضها فوق بعض.
يقول المؤلف رحمه الله تعالى: [وهذه المجردات التي أثبتوها ترجع عند التحقيق إلى أمور موجودة في الأذهان لا في الأعيان -يعني: مجرد خيالات في الحقيقة- كما أثبت أصحاب أفلاطون الأمثال الأفلاطونية المجردة، وأثبتوا هيولى مجرد عن الصورة].
هيولى التي هي مادة أصل المادة يعني: مجرد عن الصورة ليس لها أي وصف ولا شكل.
يقول المؤلف رحمه الله تعالى: [ومدة وخلاء مجردين].
الذي هو الزمان والمكان المجردان من أي وجود.
يقول المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد اعترف حذاقهم بأن ذلك إنما يتحقق في الأذهان لا في الأعيان].
يعني: العقل البشري هو الذي يفصل، ويستطيع أن يتخيل أنه يوجد زمان مجرد ومكان مجرد.
стр. 55
النبوة عند المتفلسفة
يقول المؤلف رحمه الله تعالى: [فلما أراد هؤلاء المتأخرون منهم كـ ابن سينا أن يثبت أمر النبوات على أصولهم الفاسدة: زعموا أن النبوة لها خصائص ثلاثة من اتصف بها فهو نبي: أن تكون له قوة علمية يسمونها القوة القدسية ينال بها من العلم بلا تعلم.
وأن يكون له قوة تخيلية تخيل له ما يعقل في نفسه بحيث يرى في نفسه صوراً أو يسمع في نفسه أصواتاً كما يراه النائم ويسمعه، ولا يكون له وجود في الخارج، وزعموا أن تلك الصور هي ملائكة الله، وتلك الأصوات هي كلام الله تعالى.
وأن يكون له قوة فعالة يؤثر بها في هيولى العالم -في مادة العالم-، وجعلوا معجزات الأنبياء وكرامات الأولياء وخوارق السحرة هي قوى النفس؛ فأقروا من ذلك ما يوافق أصولهم كقلب العصا حية، دون انشقاق القمر].
لأن القمر عندهم من الأفلاك، والأفلاك هذه لا تتغير، لكن الذي ممكن أن يتغير هنا في العالم السفلي، ولذلك تراهم ينكرون انشقاق القمر ويثبتون معجزة العصا حية.
[فإنهم ينكرون وجود ذلك، وقد بسطنا الكلام على هؤلاء في مواضع، وبينا أن كلامهم هذا أفسد الكلام، وأن هذا الذي جعلوه من خصائص النبي يحصل ما هو أعظم منه لآحاد العامة ولأتباع الأنبياء].
القوى الثلاثة هذه ابن سينا عندما يثبتها يقول: إن النبوة مكتسبة، وهذه أحد المواطن التي كفره بها الغزالي نفسه، ويرى أن الفلاسفة والحكماء مثل الأنبياء تماماً!
стр. 56
نظرية العقول العشرة عند الفلاسفة
يقول المؤلف رحمه الله تعالى: [وأن هذا الذي جعلوه من خصائص النبي يحصل ما هو أعظم منه لآحاد العامة ولأتباع الأنبياء، وأن الملائكة التي أخبرت بها الرسل أحياء ناطقون أعظم مخلوقات الله وهم كثيرون، كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر:٣١]، وليسوا عشرة وليسوا أعراضاً].
الأعراض: الصفات تعرض أو الأفعال.
يقول المؤلف رحمه الله تعالى: [لا سيما وهؤلاء يزعمون أن الصادر الأول هو: العقل الأول، وعنه صدر كل ما دونه، والعقل الفعال العاشر رب كل ما تحت فلك القمر].
الذي هو آخر فلك من الأفلاك والعياذ بالله، وهذه كلها فعلاً عقائد لدى المتفلسفة.
يقول المؤلف رحمه الله تعالى: [هذا كله يعلم فساده بالاضطرار من دين الرسل].
فهم على العموم يعبدونها على أنها ترمز للقوة، وآخر شيء الذي هو العقل الفعال العاشر، والأفلاك عندهم عشرة آخر شيء منها تحت فلك القمر، فـ ابن سينا يعتقد هذه العقيدة كما هو اعتقاد اليونان أن رب كل ما تحت فلك القمر هو العقل الفعال العاشر.
نحن نتكلم على أساس هذا الضلال من أين أتى؟ من أجل أن نبين أن هؤلاء فعلاً جاءوا بما لم يأت به الرسل، والكلام هذا موجود في الكتب، فهؤلاء أناس منتسبون إلى الإسلام ويتكلمون بهذه الفلسفة، فـ ابن سينا الناس يسمونه فيلسوف الإسلام ويعظمونه جداً، ومنهم من يعتقد أن ابن سينا هو الأستاذ الذي علم أوروبا! فـ ابن تيمية يتسلسل في هذا الكلام من أجل أن يبين أن الصوفية الذين فرقوا بين الحقيقة والشريعة جاءوا بهذا من هذا الكلام، الذي هو بالاضطرار معلوم أن هذا خلاف دين الرسل، وكلام ابن عربي عندهم مثل الكبريت الأحمر، وهو الشيخ الأكبر، صاحب كتاب: فصوص الحكم، والفتوحات المكية، فعندهم هذه من أعظم الكتب التاريخية التي لا نظير لها، ويقولون: إنه هو خاتم الأولياء، وإنه أعلى من الرسل، فالرسول عندهم دون الولي، إذاً الولي أعلى من الكل والعياذ بالله، فهذا الكلام هو الذي جعل الصوفية المتفلسفة وكل الفرق الضالة المنحرفة المنتسبة إلى التصوف تعظم هؤلاء، فهو يريد أن يخرج جذور ضلالهم من أجل أن الناس يعرفون أن هذا الكلام نابع من غير دين الإسلام، فهذا دين آخر في الحقيقة، فالصوفية المتفلسفة الذين أصلهم ابن عربي وابن الفارض والتلمساني وأمثال هؤلاء، فهؤلاء أصلاً يقولون بدين آخر غير دين الإسلام، والتلمساني الصوفي هو غير التلمساني المعاصر.
يقول المؤلف رحمه الله تعالى: [وهذا كله يعلم فساده بالاضطرار من دين الرسل].
وأي شخص يتكلم في هذا الباب ولم يكن عنده علم يتأثر به، فتجد مثلاً كتاب محاسن التأويل للقاسمي عندما يأتي يتكلم في تفسير قوله ﵎: ﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ [الكهف:٦٥]، يتكلم عن العلم اللدني، وهو مأخوذ من كلام الغزالي صاحب إحياء علوم الدين، فهو ينقل كلام الفلاسفة دون أن يعلق عليه؛ من أجل ذلك قالوا: إن الغزالي دخل في بطن الفلسفة ولم يستطع أن يخرج منها، مع أنه رد على الفلاسفة وألف كتاب: تهافت الفلاسفة وكفرهم، لكن بقيت عنده آثار، فيقول في العلم اللدني: إن علم الرسل: هو زوال الحجب من العقل الكلي والجزئي، الذي هو عقل الرسول من الوحي، والعقل الكلي: جبريل، وإن العلم اللدني: هو زوال الحجب بين النفس الكلي وبين النفس الجزئي التي هي نفس الولي، وإن النفس الكلي عند الفلاسفة هو اللوح المحفوظ، فقال كلام الفلاسفة بالضبط، وصاحب محاسن التأويل -مع أن كتابه جيد جداً- نقل الكلام ولم يقل فيه ولا كلمة، والذي لا يعرف أصلاً عقائد الفلاسفة التي هي فعلاً عقائد الفلاسفة الكافرة التي ذمها الشيخ، وهي فعلاً يعلم فسادها بالاضطرار من دين الإسلام، وأنها شيء ليس له علاقة بالدين الذي جاء به موسى وعيسى ومحمد ﷺ يظن أن هذا الكلام هو كلام المحققين، وقد وقع في هذا كثير من الناس.
إذاً: من أجل ذلك نقول: إن هذا الأمر لابد من التحذير منه، ونعلم أن الكلام هذا ليس كلام أهل الإسلام والإيمان، ولا كلام أحد من أتباع الرسل، فمن أجل ذلك نقول: إن هذا منهج مختلف تماماً مع الدين، ولا يمكن أن نقول: إن هؤلاء في يوم من الأيام سيكونون مصدر صحوة للأمة، بل هؤلاء أولياء الشيطان فعلاً -والعياذ بالله- وإن كان كثير من الناس يخدعون بهم ويقولون: إن هؤلاء أناس يصلون ويصومون ويتعبدون إلى آخره، لكن حقيقة منهجهم أنهم يعظمون هؤلاء المبتدعين -بل هؤلاء الزنادقة الملحدين- ويتبعونهم على ذلك، وحقيقتهم خلاف دين الإسلام.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهذا كله يعلم فساده بالاضطرار من دين الرسل، فليس أحد من الملائكة مبدع لكل ما سوى الله].
العقل الكلي الذي جعلوه الملك الأول جبريل يجعلونه مبدعاً لما تحته، فكل فيض في وزن العقل من واجب الوجود مبدع خالق لما تحته، وفي الحقيقة: الخلق عندهم عبارة عن فيض وليس عن الإحداث من العدم، وعقيدة أن المادة لا تفنى ولا تستحدث ولا تخلق من عدم، هي عقيدة الفلاسفة المتقدمين؛ لأنهم يقولون أصلاً: العالم قديم غير مخلوق، وهو فيض فاض من واجب الوجود، والفيض هذا هو الذي يسمونه أحياناً خلقاً، ولكن هو في الحقيقة ليس مخلوقاً من عدم، إنما هو فيض فاض بأن تتابع الفيض الأول في الفيض الثاني، فهذا معناه أنه مبدع لما تحته، يعني: العقل الكلي فاض منه عشرة عقول، من أجل ذلك يقول: هذا مبدع لعشرة عقول، وآخر صاحب عقل فعال؛ ولذا يقولون: رب كل ما تحت القمر؛ لأنه فاض منه آخر شيء الذي هو الهيولى الذي هو المادة التي تتكون من أربعة: هواء وماء ونار وتراب، والأربعة هذه عكس الأربعة التي تشكلت منها الأرض، فهذه تهدمت وانتهت منذ سنين طويلة، وهذا هو المقبول، وقد بقيت بقايا فلسفية أثرت في العلوم التجريبية الأخيرة مثلهم قولهم: المادة لا تفن، ولا تستحضر، ولا تخلق من عدم، وحتى نظرية تحول الطاقة إلى مادة، والمادة إلى طاقة، وأن العالم كله كان طاقة في البداية هي نظرة انشتاين التي مردها أيضاً إلى نفس التطور الأول، الذي هو: أنه لابد أن تكون المادة غير مخلوقة، بمعنى: غير مستحدثة، فأهل الإسلام واليهود والنصارى كل اعتقاداتهم أن العالم هذا كان عدماً محضاً ثم ربنا أوجده، وأنه كان الله ولم يكن شيء غيره، وهذه عقيدة كل الملل التي تتبع الرسل، وعقائد الفلاسفة أثرت تأثيراً خطيراً جداً مع كونها مخالفة لكل ما جاءت به الرسل من المعلوم بالاضطرار من دين الرسل، فهؤلاء كلامهم كفر فظيع، فهم يقولون بقدم العالم، وهذا كفر لوحده، كذلك يقولون باكتساب النبوة، وشيء آخر أيضاً معلوم من الدين بالضرورة، وهو: القول بعدم بعث الأرواح؛ لأن الأرواح هذه مرحلة من المراحل التي نعبر بها هذه الحياة، ومن بعد ذلك الأرواح ستتحول إلى شيء آخر ولن تعود!
стр. 57
بطلان حديث العقل الذي رواه الفلاسفة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فليس أحد من الملائكة مبدع لكل ما سوى الله، وهؤلاء يزعمون أنه العقل المذكور في حديث يروى: (إن أول ما خلق الله العقل، فقال له: أقبل، فأقبل، فقال له: أدبر، فأدبر، فقال: وعزتي ما خلقت خلقاً أكرم علي منك، فبك آخذ، وبك أعطي، ولك الثواب، وعليك العقاب) ويسمونه أيضاً القلم؛ لما روي: (إن أول ما خلق الله القلم) الحديث رواه الترمذي.
والحديث الذي ذكروه في العقل كذب موضوع عند أهل المعرفة بالحديث، كما ذكر ذلك أبو حاتم البستي والداراقطني وابن الجوزي وغيرهم، وليس في شيء من دواوين الحديث التي يعتمد عليها، ومع هذا فلفظه -لو كان ثابتاً- حجة عليهم، فإن لفظه: (أول ما خلق تعالى العقل قال له) ويروى: (لما خلق الله العقل قال له) فمعنى الحديث أنه خاطبه في أول أوقات خلقه، وليس معناه أنه أول المخلوقات، وأول: منصوب على الظرف، كما في اللفظ الآخر (لما) وتمام الحديث: (ما خلقت خلقاً أكرم علي منك) فهذا يقتضي أنه خلق شيئاً قبله، ثم قال: (فبك آخذ، وبك أعطي، ولك الثواب، وعليك العقاب)، فذكر أربعة أنواع من الأعراض، وعندهم أن جميع جواهر العالم العلوي والسفلي صادر عن ذلك العقل فأين هذا من هذا؟].
سبق وأننا رددنا أن مرد العقل في لغة المسلمين ليس هو لفظ العقل في لغة اليونان، فعندنا العقل بمعنى: التعقل والإدراك، والعقل دائماً يوصف به أهل الإيمان.
стр. 58
لفظ العقل في لغة المسلمين واليونان
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وسبب غلطهم: أن العقل في لغة المسلمين ليس هو لفظ العقل في لغة هؤلاء اليونان، فإن العقل في لغة المسلمين مصدر عقل يعقل عقلاً كما في القرآن: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك:١٠]، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد:٤]، ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ [الحج:٤٦] ويراد بالعقل: الغريزة التي جعلها الله تعالى في الإنسان يعقل بها، وأما أولئك فالعقل عندهم جوهر قائم بنفسه كالعاقل وليس هذا مطابقاً للغة الرسل والقرآن، وعالم الخلق عندهم -كما يذكره أبو حامد - عالم الأجسام العقل والنفوس، فيسميها عالم الأمر، وقد يسمي العقول: عالم الجبروت، والنفوس: عالم الملكوت، والأجسام: عالم الملك، ويظن من لم يعرف لغة الرسل ولم يعرف معاني الكتاب والسنة أن ما في الكتاب والسنة من ذكر الملك والملكوت والجبروت موافق لهذا وليس الأمر كذلك].
يعني: أن العقل الجوهر، لكن هذا العقل الفعال، فهو ليس جسماً، لكنه شيء له أعراض، وأبو حامد الغزالي عندما يتكلم في تهذيب النفوس يستعمل هذه الألفاظ الفلسفية كثيراً.
стр. 59
الملائكة في نظر المتفلسفة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهؤلاء يلبسون على المسلمين تلبيساً كثيراً، كإطلاقهم أن الفلك محدث أي: معلول، مع أنه قديم عندهم، والمحدث لا يكون إلا مسبوقاً بالعدم، وليس في لغة العرب، ولا في لغة أحد أنه يسمى القديم الأزلي محدثاً، والله قد أخبر أنه خالق كل شيء، وكل مخلوق فهو محدث، وكل محدث كائن بعد أن لم يكن، لكن ناظرهم أهل الكلام من الجهمية والمعتزلة مناظرة قاصرة لم يعرفوا بها ما أخبرت به الرسل، ولا أحكموا فيها قضايا العقول، فلا للإسلام نصروا ولا للأعداء كسروا، وشاركوا أولئك في بعض قضاياهم الفاسدة، ونازعوهم في بعض المعقولات الصحيحة، فصار قصور هؤلاء في العلوم السمعية والعقلية من أسباب قوة ضلال أولئك كما قد بسط في غير هذا الموضع.
وهؤلاء المتفلسفة قد يجعلون جبريل هو الخيال الذي يتشكل في نفس النبي ﷺ ، والخيال تابع للعقل، فجاء الملاحدة الذين شاركوا هؤلاء الملاحدة المتفلسفة، وزعموا أنهم أولياء الله، وأن أولياء الله أفضل من أنبياء الله، وأنهم يأخذون عن الله بلا واسطة، كـ ابن عربي صاحب الفتوحات والفصوص فقال: إنه يأخذ من المعدن الذي أخذ منه الملك الذي يوحي به إلى الرسول ﷺ ، والمعدن عنده هو العقل، والملك هو الخيال، والخيال تابع للعقل، وهو بزعمه يأخذ عن العقل الذي هو أصل الخيال، والرسول يأخذ عن الخيال، فلهذا صار عند نفسه فوق النبي، ولو كان خاصة النبي ما ذكروه، ولم يكن هو من جنسه فضلاً عن أن يكون فوقه، فكيف وما ذكروه يحصل لآحاد المؤمنين، والنبوة أمر وراء ذلك؟! فإن ابن عربي وأمثاله وإن ادعوا أنهم من الصوفية فهم من صوفية الملاحدة الفلاسفة، ليسوا من صوفية أهل العلم فضلاً عن أن يكونوا من مشايخ أهل الكتاب والسنة كـ الفضيل بن عياض وإبراهيم بن أدهم وأبي سليمان الداراني ومعروف الكرخي والجنيد بن محمد وسهل بن عبد الله التستري وأمثالهم رضوان الله عليهم أجمعين].
شيخ الإسلام دائم الثناء على هؤلاء المشايخ وهم من كبار الموصوفين بالصوفية، وربما بعضهم تسمى بأنه من الصوفية، وكما تكلمنا عن هذا الاسم أنه ليس محموداً فهو حادث، ولكن كان من الزهاد والعباد ممن هو على منهج أهل السنة والجماعة ممن اشتهر بملازمته لطريق الزهد ونحو ذلك؛ فأطلق عليه مثل هذا الاسم، والعبرة بوجود المعتقد الصحيح، والسلوك الصحيح، والبعد عن البدع والضلالات، والذين ذكرهم هم مقدمون في أمر الزهد والعبادة، وهم في الجملة ملتزمون بمنهج أهل السنة والجماعة، وإن أثر على بعضهم بعض الأقوال أو الأفعال فهذا مما لا يسلم منه أحد، إما أنهم اجتهدوا فأخطئوا، أو خطؤهم مغمور بالنسبة إلى فضائلهم وعبادتهم والله أعلم.
وعلى أي حال: فهم لم يبلغوا منزلة السلف المتقدمين رضي الله تعالى عنهم من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين الملازمين للكتاب والسنة.
стр. 60
وصف الملائكة في القرآن
قال رحمه الله تعالى: [والله قد وصف الملائكة في كتابه بصفات تباين قول هؤلاء].
يعني: قولهم: إن لملك هو الخيال قطعاً هذا كلام يخالف ما في الكتاب والسنة؛ لأن إيمانهم بالملائكة في الحقيقة تكذيب بهم.
وهذه الآيات التي وصف الله بها ملائكته في كتابه تبين أنهم مخلوقون لهم وجود، ولهم أعمال وأفعال وقدرات.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [كقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ * وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٢٦ - ٢٩]].
بين الله أن الملائكة ليسوا بنات لله، ولا أولاد له ، كما يعتقد النصارى ويعتقد المشركون أن الملائكة بنات الله، وبين أنهم عباد، وأنهم مكرمون عنده لهم منزلة كريمة، وأنهم لا يعملون عملاً قبل أن يأمرهم الله، لا يسبقونه بالقول، وأنهم إذا أمروا نفذوا كلما أمروا به، قال تعالى: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦]، ﴿وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٧]، وأن الله محيط بعلم ما عندهم وما بين أيديهم وما خلفهم، وأن الملائكة لا تشفع إلا لأهل التوحيد والإخلاص ممن رضي الله أن يشفع فيهم، ومع ذلك هم في إشفاق ووجل وخشية لله تعالى، فكل هذه الصفات تثبت وجوداً لهؤلاء، فهم أصل المخلوقات النورانية كما قال النبي ﵊ عن الملائكة: (خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم).
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم:٢٦]].
إذاً: هم يشفعون لمن شاء الله ورضي أن يشفع فيه، وقد بين سبحانه أن ذلك إنما يكون في أهل التوحيد ولا ينفع المشركين شفاعة الشافعين.
وقال النبي ﷺ : (أسعد الناس بشفاعتي من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه).
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ:٢٢ - ٢٣]].
لأن المشركين كانوا يدعون الأوثان على أنها ترمز للملائكة، فبين حقيقة الأمر فقال: ((قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ)) زعمتم أنهم آلهة تعبد من دون الله! ((لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ))، فنفى الملك التام لذرة فما فوقها، ثم نفى المشاركة في هذه الذرة فما فوقها فقال: ((وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ))، ثم نفى المعاونة، فالملائكة لا تعاون الرب ، بل هم يعملون بأمره وهو الذي قواهم وأعطاهم الحول والقوة والقدرة، قال: ((وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ)) أي: من معين، ﴿وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾، لم يبق إلا مقام الشفاعة، فبين أنهم لا يشفعون إلا لمن أذن الله له أن يشفع؛ وذلك بعد الاستئذان، ويكون هو من خاصة أهل الإيمان والتوحيد، ويشفعون لمن ابتغى الله، وهم أيضاً من كان من أهل الإيمان والتوحيد وإن نقصت أعمالهم عن استحقاق دخول الجنة من غير عذاب في النار.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء:١٩ - ٢٠]].
فبين أن الملائكة وغيرهم مملوكون لله، ((وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ)) أي: الملائكة ((لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ)) لا ينقطعون، استحسر بمعنى: انقطع ولم يستمر، فهم لا يكلون عن العبادة، قال: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ لا يصيبهم فتور وهو ضعف في العمل.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد أخبر أن الملائكة جاءت إبراهيم ﵇ في صورة البشر، وأن الملك تمثل لمريم بشراً سوياً، وكان جبريل ﵊ يأتي النبي ﷺ في صورة دحية الكلبي وفي صورة أعرابي -مثل حديث تعليم الناس الإسلام والإيمان والإحسان- ويراهم الناس كذلك، وقد وصف الله تعالى جبريل ﵇ بأنه: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير:٢٠ - ٢١]].
قوله: (ذي قوة): هذا فيه إثبات القوة والقدرة للملائكة، ((عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ)) عند الله ((مَكِينٍ)) ذو مكانة، ((مُطَاعٍ)) هناك عند الله في السماوات؛ لأنه يكون أول من يرفع رأسه إذا سمع كلام الله، وتسجد الملائكة عند ذلك، فإذا رفع جبريل رأسه رفعت الملائكة رءوسها، فهو مطاع من الملائكة عند الله ((ثَمَّ)) أي هناك، ((أَمِينٍ)) مستأمن على أعظم رسالة وهي الرسالة إلى البشر.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأن محمداً ﷺ ﴿رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ [التكوير:٢٣]].
أي: رآه بأجياد عندما رآه أول ما رآه على صورته التي خلقه الله عليها.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ووصفه بأنه: ﴿شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى * وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم:٥ - ١٨]].
جبريل ﴿شَدِيدُ الْقُوَى﴾، ((ذُو مِرَّةٍ)) ذو خلق حسن، وقيل: ذو قوة، ولكن القوة ذكرت في الآية قبلها: ﴿شَدِيدُ الْقُوَى﴾، فقوله: ((ذُو مِرَّةٍ)) أي: ذو خلق حسن، فهو في قوة عظيمة، وخلق حسن جميل، ((فَاسْتَوَى)) فعلا وارتفع، ﴿وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى﴾ أي: أنه رآه النبي ﷺ بأعلى الأفق، كما ذكر ذلك في سورة: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير:١]، ((ثُمَّ دَنَا)) بعد أن ارتفع دنا أي: قرب من النبي ﷺ ، ((فَتَدَلَّى)) فنزل، فكان في قربه من النبي ﷺ قدر قوسين، وإنما يقدر العرب الشيء اليسير بقدر قوسين، و (أو) ليست للشك، بل هي بمعنى بل.
﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ أوحى الله من خلال جبريل إلى عبده محمد ﷺ ما أوحى من القرآن، ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ ما كذب فؤاد محمد ﷺ ما رأى، ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى﴾ هذا قد رآه بفؤاده وبعيني رأسه ﷺ ، فرأى جبريل على صفته التي خلقه الله عليها، ((أَفَتُمَارُونَهُ)) أتجادلونه ((عَلَى مَا يَرَى)) وهذا دليل على أن المعاينة أعلى درجات اليقين.
ثم قال: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ مرة أخرى، ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ عند السدرة التي في السماء السابعة التي ينتهي إليها ما يصعد إليها من تحتها فيقبض هناك، وينتهي إليها ما ينزل إليها من فوقها فيقبض هناك.
وقوله: ﴿عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ عندها الجنة التي تأوي إليها أرواح المؤمنين ثم أجسامهم بعد ذلك، ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ يغطي هذه السدرة، وهي شجرة نبق ((مَا يَغْشَى)) تعظيم لشأنها، قال النبي ﷺ في تفسير هذه الآية: (غشيها ألوان ما أدري ما هي!) كانت تتغير حتى تغيرت ألوانها فالنبي ﷺ لا يستطيع أن يصفها من حسنها، (وغشيها فراش من ذهب)، جاء عليها فراش من ذهب.
قال: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ فيه بيان أن المعراج كان بالروح والجسد قطعاً؛ لأن البصر من صفات البدن، ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ مدح للنبي ﵊ أنه ما زاغ، وزيغ البصر: اضطرابه من شدة هول ما يرى ((وَمَا طَغَى)) ليتطلع إلى غير ما أذن له فيه، قال تعالى: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ رأى آيات عظيمة.
الشاهد: أن جبريل له وجود وليس مجرد خيال، نزل وتدلى واقترب من النبي ﷺ ، وأوحى إليه ونقل إليه الوحي.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ول
стр. 61
اعتقاد ملاحدة الصوفية في الوجود وحقيقة أمرهم جحد الخالق
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [إلى غير ذلك من الصفات التي تبين أنه من أعظم مخلوقات الله تعالى الأحياء العقلاء ليس خيالاً في نفس النبي كما زعم هؤلاء الملاحدة المتفلسفة والمدعون ولاية الله، وأنهم أعلم من الأنبياء، وغاية حقيقة هؤلاء إنكار أصول الإيمان].
فالفلاسفة حقيقة نهاية كلامهم أنهم ينكرون أصول الإيمان الستة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإن أصول الإيمان تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وحقيقة أمرهم جحد الخالق، فإنهم جعلوا وجود المخلوق هو وجود الخالق، وقالوا: الوجود واحد، ولم يميزوا بين الواحد بالعين والواحد بالنوع، فإن الموجودات تشترك في مسمى الوجود، كما يشترك الناس في مسمى الإنسان، والحيوانات في مسمى الحيوان، لكن هذا المشترك الكلي لا يكون مشتركاً كلياً إلا في الذهن].
الحيوانية هذه وصف مشترك كلي هل توجد حيوانية هي صفة للإنسان وصفة للحيوان وصفة لجميع الكائنات الحية؟ نعم فالحيوانية مصدر، مثل قولك: الوجود مثلاً، فالحياة هذه صفة لكل حي تنتقل وحدها أو تقوم بحي.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإلا فالحيوانية القائمة بهذا الإنسان ليست هي الحيوانية القائمة بالفرس، ووجود السماوات ليس هو بعينه وجود الإنسان، فوجود الخالق ﷻ ليس هو كوجود مخلوقاته.
وحقيقة قولهم قول فرعون الذي عطل الصانع، فإنه لم يكن منكراً هذا الوجود المشهود، لكن زعم أنه موجود بنفسه لا صانع له، وهؤلاء وافقوه في ذلك، لكن زعموا بأنه هو الله، فكانوا أضل منه وإن كان قوله هذا هو أظهر فساداً منهم، ولهذا جعلوا عباد الأصنام ما عبدوا إلا الله، وقالوا: لما كان فرعون في منصب التحكم صاحب السيف وإن جار في العرف الناموسي].
في العرف الناموسي: الذي هو في عرف الشريعة جائر.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [لذلك قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] أي: وإن كان أرباباً بنسبة ما فأنا الأعلى منكم بما أعطيته في الظاهر من التحكم فيكم].
هذا كلام ابن عربي في فصوص الحكم حيث يفسر ويبرر لفرعون ويقول: عنده حق -والعياذ بالله- حين قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] فيوجد أرباب بنسبة ما، لكن أنا الأعلى منكم بما أعطيته في الظاهر! قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قالوا: ولما علمت السحرة صدق فرعون فيما قاله أقروا له بذلك، وقالوا: ﴿اقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه:٧٢]].
من أجل أنك عندنا في الدنيا فأنت الأعلى، إذاً من حقك أن تفعل شيئاً؛ لأن هذا ليس أمر استهزاء به، ولا استهانة ولا احتقار له، بل هذا له أمر إظهار وإباحة له أن يعمل هذا الشيء والعياذ بالله! قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قالوا: فصح قول فرعون: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]، وكان فرعون عين الحق -أي: عين الرب والعياذ بالله-، ثم أنكروا حقيقة اليوم الآخر فجعلوا أهل النار يتنعمون كما يتنعم أهل الجنة] والعياذ بالله! يقول ابن عربي في أشعاره: فلم يبق إلا صادق الوعد وحده وليس لوعيد الحق عين تعاين وإن دخلوا دار الشقاء فإنهم على لذة فيها نعيم مباين نعيم جنان الخلد فالأمر واحد وبينهما عند التجلي تباين سمي عذاباً من عذوبة طعمه وذلك له كالقشر والقشر صائن فأنكروا حقيقة اليوم الآخر فجعلو أهل النار يتنعمون كما يتنعم أهل الجنة!
стр. 62
عامة كلام الملاحدة المتصوفة من التخيلات الشيطانية
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [كافرين بالله واليوم الآخر وبملائكته وكتبه ورسله مع دعواهم أنهم خلاصة خاصة الخاصة من أهل ولاية الله، وأنهم أفضل من الأنبياء، وأن الأنبياء إنما يعرفون الله من مشكاتهم، وليس هذا موضع بسط إلحاد هؤلاء، لكن لما كان الكلام في أولياء الله، والفرق بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، وكان هؤلاء من أعظم الناس ادعاءً لولاية الله، وهم من أعظم الناس ولاية للشيطان؛ نبهنا على ذلك؛ ولهذا كان عامة كلامهم إنما هو في الحالات الشيطانية، ويقولون ما قاله صاحب الفتوحات -الفتوحات المكية-: باب أرض الحقيقة، ويقولون: هي أرض الخيال، فيعترف بأن الحقيقة التي يتكلم فيها هي خيال، والخيال هو محل تصرف الشيطان، فإن الشيطان يخيل للإنسان الأمور بخلاف ما هي عليه، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف:٣٦]].
من يتعامى عن ذكر الرحمن وهو القرآن وما أنزله على الرسول ﵊ يقيض الله له شيطاناً يلازمه فهو له قرين ملازم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ * حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ [الزخرف:٣٧ - ٣٨]].
-بعد ما بين المشرق والمغرب- ﴿وَلَنْ يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف:٣٩]].
الاشتراك في المصائب يهون وقعها، أما مصائب يوم القيامة فمهما اشتركوا فيها لا يهون عليهم ولا ينفعهم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء:١١٦] إلى قوله تعالى: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [النساء:١٢٠].
وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [إبراهيم:٢٢]]-بمصرخكم: بمغيثكم، وما أنتم بمصرخي: بمغيثي- وقال تعالى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال:٤٨].
وقد روي عن النبي ﷺ في الحديث الصحيح: (أنه رأى جبريل يزع الملائكة)، والشياطين إذا رأت ملائكة الله التي يؤيد بها عباده هربت منهم، والله يؤيد عباده المؤمنين بملائكته، قال تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال:١٢]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب:٩].
وقال تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا﴾ [التوبة:٤٠].
وقال تعالى: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ * بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران:١٢٤ - ١٢٥]].
وهؤلاء -يعني: أصحاب البدع والضلالات والأحوال الشيطانية- تأتيهم أرواح تخاطبهم وتتمثل لهم، وهي جن وشياطين فيظنونها ملائكة كالأرواح التي تخاطب من يعبد الكواكب والأصنام].
لذلك نجد هذا معروفاً عند اليهود والنصارى والمشركين؛ حيث تظهر لهم هيئات كثيرة، وربما يدعون مثلاً أن المسيح قد ظهر على الكنيسة الفلانية، والعذراء قد ظهرت في المكان الفلاني، وكثيراً ما يراه أتباعهم في هذه الأماكن فبعضها من الخيالات، وبعضها من السحر، وانعكاسات ضوئية ونحو ذلك، وأحياناً تكون الشياطين تتمثل، وأهل الإيمان إذا حضروا لم يستطيعوا أن يخدعوهم، إنما يخدعون من كان على شاكلتهم أو من كان ضالاً يعتقد أن الخطابات الكفرية من الإسلام، وهي من المنافقين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكان أول من ظهر من هؤلاء -في الإسلام- المختار بن أبي عبيد الذي أخبر به النبي ﷺ في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم في صحيحه عن النبي ﷺ قال: (سيكون في ثقيف كذاب ومبير) فكان الكذاب: المختار بن أبي عبيد، والمبير: الحجاج بن يوسف الثقفي فقيل لـ ابن عمر وابن عباس: إن المختار يزعم أنه ينزل إليه، فقالا: صدق، قال تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ [الشعراء:٢٢١ - ٢٢٢]].
المختار أول ما ظهر دعا إلى الانتقام من قتلة الحسين والانتصار لأهل البيت، وبالفعل سلطه الله على طائفة منهم، وتمكن من قتلهم، فحصل له قبول عظيم عند كثير من الناس، ولم يكن يريد وجه الله ، وإنما كان يريد وسيلة إلى الرئاسة والشهرة، واجتمع له خلق كثير، فبدأ بعد ذلك بادعاء الأحوال الشيطانية والأمور الخارقة، وكان يخدع أتباعه بذلك إلى أن وصل إلى أنه ادعى أن جبريل يأتيه، ولم يدع النبوة صراحة، ولكنه كان يزعم أن جبريل يأتيه، وأنه ينزل عليه ويكلمه، ومن هنا خدع طوائف من الشيعة؛ لأن الشيعة أصلاً مستعدون لقبول مثل هذه الخزعبلات، ثم كان آخر أمره أن قتل على يد مصعب بن الزبير.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقيل لـ ابن عباس: إن المختار يزعم أنه يوحى إليه، فقال: قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ [الأنعام:١٢١]].
فأقروا بصحة النظر أنه يوحى إليه من الشيطان، وما ينزل عليه ما يتنزل على الشياطين.
[وهذه الأرواح الشيطانية هي الروح التي يزعم صاحب الفتوحات أنه ألقى إليه ذلك الكتاب، ولهذا يذكر أنواعاً من الخلوات بطعام معين وشيء معين، وهذه مما تفتح لصاحبها اتصالاً بالجن والشياطين، فيظنون ذلك من كرامات الأولياء، وإنما هو من الأحوال الشيطانية، وأعرف من هؤلاء عدداً ومنهم من كان يحمل في الهواء إلى مكان بعيد ويعود، ومنهم من كان يؤتى بمال مسروق تسرقه الشياطين وتأتيه به، ومنهم من كانت تدله على السرقات بجعل يحصل له من الناس أو بعطاء يعطونه إذا دلهم على سرقاتهم ونحو ذلك].
حدثني عدد من الناس بأنهم كانوا عندما تحصل لهم أزمة مالية يأتون إلى المرأة التي معها الجن، فكانوا عندما يقترضون منها يجدون المال تحت المخدة في الصباح بعد ذلك، على أن يردوه بعد أن تنتهي مدته فيضعونه أيضاً فوق الثلاجة، وإذا المبلغ قد اختفى ونحو ذلك! وغالباً يكون هذا مالاً مسروقاً، وقد يكون السارق جنياً مسلماً، وليس معنى أنه جني مسلم أن يكون الفعل جيداً، فبعضهم يقول: هذا جني مسلم، طيب! وإذا كان مسلماً؟! الجني المسلم ممكن أنه يسرق بل الجهل يغلب على الجن بكثرة، ألسنا نرى أحوال الإنس من المسلمين؟! إذاً: الجن المسلمون سيكونون أسوأ؛ لأن النوع الجني أصلاً فيه خفة وضعف عقل؛ ولذلك لم يكن منهم رسل، فربنا إنما جعل النبيين في جنس البشر، ولم يجعلهم في الجن؛ لأن الجن أصلاً فيهم من النقص بالنسبة إلى الإنس الشيء الكثير؛ ولذا كرم الله بني آدم عليهم، فكونه يقول لك: معي جني مسلم ويجعلها مفتاحاً لكل أنواع الشرور، ويسأله عن المغيبات، ويحضر له الأشياء المفقودة الغائبة، ويطلب منه قضاء الحاجات، ثم يقول لك: هذا جني مسلم! فنقول: حتى لو كان مسلماً فإن ذلك لا يبيح التعامل معه.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولما كانت أحوال هؤلاء شيطانية كانوا مناقضين للرسل صلوات الله تعالى وسلامه عليهم كما يوجد في كلام صاحب الفتوحات المكية والفصوص وأشباه ذلك يمدح الكفار مثل قوم نوح وهود وفرعون وغيرهم، ويتنقص الأنبياء كنوح وإبراهيم وموسى وهارون].
وهذا الكفر كله، وكونه يمدح الكفرة المقطوع بكفرهم هذا مخرج من الملة، وتنقص الأنبياء من أسباب الكفر أيضاً.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويذم المسلمين المحمودين عند المسلمين كـ الجنيد بن محمد وسهل بن عبد الله التستري وأمثالهما ويمدح المذمومين عند المسلمين كـ الحلاج ونحوه كما ذكره في تجلياته الخيالية الشيطانية].
الحلاج كان يقول: لا إله إلا الله، ما في الجبة إلا الله! ليس أي جبة وإنما الجبة التي هي له، وقد قتل على الزندقة، ولذلك تجد هناك علامة مميزة في منهج المتصوفة، هل هو يقدم هؤلاء أو يقدم الشيوخ المحمودين كـ الجنيد وأمثاله، فإذا ذكر وقدم
стр. 63
الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان [٦]
الإيمان بالقدر ركن من أركان الإيمان الستة لا يصح إيمان العبد إلا به، والقدر سر من أسرار الله ، وقد ضلت فيه أفهام وزلت فيه أقدام، فبعض الناس يسلك سبيل المشركين في الاحتجاج بالقدر على الذنوب والمعاصي، وبعض الناس تشتبه عليه الحقائق الكونية بالحقائق الدينية، ويجب على المسلم أن يقوم إيمانه على الحجة والبرهان والدليل، حتى يلقى ربه وهو سليم العقيدة.
стр. 64
اشتباه الحقائق الدينية والكونية على كثير من الناس
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.
أما بعد: فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (وكثير من الناس تشتبه عليه الحقائق الأمرية الدينية الإيمانية، بالحقائق الخلقية القدرية الكونية.
فإن الله له الخلق والأمر، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف:٥٤].
فهو سبحانه خالق كل شيء وربه ومليكه، لا خالق غيره ولا رب سواه، ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، فكل ما في الوجود من حركة وسكون فبقضائه وقدره ومشيئته وقدرته وخلقه.
وهو سبحانه أمر بطاعته وطاعة رسله، ونهى عن معصيته ومعصية رسله) أي: أن الأمر الكوني القدري الذي به يكون ما يكون في الوجود، ودخل فيه الأمر الشرعي، فهو يأمرك بطاعته وينهاك عن معصيته.
ثم يقول: (أمر بالتوحيد والإخلاص ونهى عن الإشراك بالله.
فأعظم الحسنات التوحيد، وأعظم السيئات الشرك، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨].
وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥].
وفي الصحيحين عن ابن مسعود ﵁ قال: (قلت: يا رسول الله! أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله نداً وهو خلقك، قلت: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك.
قلت: ثم أي؟ قال: أن تزني بحليلة جارك) -أي: بزوجة جارك- فأنزل الله تصديق ذلك: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان:٦٨ - ٧٠].
فأمر سبحانه بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، ونهى عن الفحشاء والمنكر والبغي) يذكر شيخ الإسلام ويؤكد أن كل شيء هو بأمر الله الكوني، ولا يعني ذلك إلغاء الأوامر الشرعية، بل إن هناك أموراً أمر بها، وهناك أشياء نهى عنها، مع أن الكل بخلقه وإرادته الكونية.
ثم يقول: (وأخبر أنه يحب المتقين، ويحب المحسنين، ويحب المقسطين، ويحب التوابين، ويحب المتطهرين، ويحب الذي يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص.
وهو يكره ما نهى عنه، كما قال تعالى في سور الإسراء: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء:٣٨]) إذاً: المحبة تابعة للأمر الشرعي، والكراهية تابعة لمخالفة الشرع، فالله يكره مخالفة ما أمر به.
ثم يقول: (وقد نهى عن الشرك، وعقوق الوالدين، وأمر بإيتاء ذي القربى الحقوق، ونهى عن التبذير وعن التقتير، وأن يجعل يده مغلولة إلى عنقه وأن يبسطها كل البسط، ونهى عن قتل النفس بغير الحق، وعن الزنا، وعن قربان مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن، إلى أن قال: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء:٣٨].
وهو سبحانه لا يحب الفساد، ولا يرضى لعباده الكفر).
إذاً: الرضا ليس بمعنى الإرادة، فهؤلاء الكفرة خلقهم الله وهو لا يرضى فعلهم، ولا يرضى كفرهم، ولا يحب الفساد منهم.
стр. 65
حاجة كل مكلف إلى التوبة والاستغفار
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (والعبد مأمور أن يتوب إلى الله تعالى دائما، قال الله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:٣١].
وفي صحيح البخاري عن النبي ﷺ أنه قال: (أيها الناس توبوا إلى ربكم، فوالذي نفسي بيده إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة)، وفي صحيح مسلم عنه ﷺ أنه قال: (إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة)، وفي السنن عن ابن عمر قال: (كنا نعد لرسول الله ﷺ في المجلس الواحد يقول: رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم مائة مرة، أو قال أكثر من مائة مرة).
وقد أمر الله سبحانه عباده أن يختموا الأعمال الصالحات بالاستغفار فكان النبي ﷺ إذا سلم من الصلاة يستغفر ثلاثاً ويقول: (اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام).
كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح عنه) أي: أن كل هذه المعاصي التي وقعت هي بقدر ربنا ، لكن تدفعها بقدر آخر ألا وهو: التوبة والاستغفار، فأنت مأمور بأن تفر من هذا القدر المكروه إلى القدر المحبوب.
والقدر المكروه: المعصية، والقدر المحبوب: الطاعة والتوبة.
والإيمان بالقدر من الإلتزام بالشرع، وكل شيء وقع فهو بقدر الله ، لكن لا يعني ذلك بأن ترضى بما لم يرض الله به من المعاصي، أو أن تستسلم لهذه المعاصي، وتقول: قدر الله، لأنه ليس كل قدر أمرت أن تستلم له، بل القدر المكروه ينبغي أن تفر منه إلى القدر المحبوب بالتوبة والإنابة والاستغفار.
وكما قال النبي ﷺ : (وأن تؤمن بالقدر خيره وشره) إذاً: هناك قدر بوجود الشر، ولكن نفر منه إلى قدر الخير، وندفع القدر بالقدر، ونفر من الله إليه.
فلذلك ذكر طريق التوبة والاستغفار هنا، وذلك بعدما بين أن كل شيء بخلق الله وأمره وملكه، ولكن أمر بالطاعات ونهى عن المعاصي، وأحب الطاعات وكره المعاصي، وكره الكفر والفسوق والعصيان، وهو يحب المتقين، ويحب المحسنين، ولا يحب الفساد، ولا يرضى لعباده الكفر، وأمر بالتوبة التي هي الفرار من المعاصي إلى الطاعات، وإن كانت بقدره، إلا أنه مأمور أن يدفعها بقدر آخر وهو: التوبة.
يقول المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد قال تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ﴾ [آل عمران:١٧] فأمرهم أن يقوموا بالليل ويستغفروا بالأسحار، وكذلك ختم سورة المزمل وهي سورة قيام الليل بقوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة:١٩٩].
وكذلك قال في الحج: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ * ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة:١٩٨ - ١٩٩]].
ففي أشرف العبادات يأمر الله بعدها بالاستغفار، أي: بعد الوقوف بعرفة، وبعد الصلاة، وبعد قيام الليل.
ثم يقول: (بل أنزل في آخر الأمر لما غزا النبي ﷺ غزوة تبوك وهي آخر غزواته: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ * وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة:١١٧ - ١١٨] وهي من آخر ما نزل من القرآن.
وقد قيل: إن آخر سورة نزلت قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر:١ - ٣]) أي: بعد الدعوة والجهاد وتأسيس دولة الإسلام أمر الله الرسول ﷺ بالاستغفار.
ثم يقول: (فأمره الله تعالى أن يختم عمله بالتسبيح والاستغفار.
وفي الصحيحين عن عائشة ﵂: (أن النبي ﷺ كان يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي يتأول القرآن)، وفي الصحيحين عنه ﷺ أنه كان يقول: (اللهم اغفر لي خطيئتي وإسرافي في أمري وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي هزلي وجدي وخطئي وعمدي وكل ذلك عندي، اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت، لا إله إلا أنت).
وفي الصحيحين أن أبا بكر ﵁ قال: (يا رسول الله! علمني دعاء أدعو به في صلاتي، قال: قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم).
وفي السنن: عن أبي بكر ﵁ قال: (يا رسول الله! علمني دعاء أدعو به إذا أصبحت وإذا أمسيت، فقال: قل: اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة رب كل شيء ومليكه، أشهد أن لا إله إلا أنت، أعوذ بك من شر نفسي، ومن شر الشيطان وشركه، وأن أقترف على نفسي سوءاً أو أجره إلى مسلم، قله إذا أصبحت وإذا أمسيت، وإذا أخذت مضجعك)).
فهو ﵊ يعلم أفضل أصحاب الأنبياء على الإطلاق الاستغفار، وفي خاتمة أفضل عبادة وهي الصلاة، وفي صباحه ومسائه وعند نومه.
يقول المؤلف رحمه الله تعالى: (فليس لأحد أن يظن استغناءه عن التوبة إلى الله والاستغفار من الذنوب، بل كل أحد محتاج إلى ذلك دائماً.
قال الله تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا * لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٢ - ٧٣].
فالإنسان ظالم جاهل، وغاية المؤمنين والمؤمنات التوبة، وقد أخبر الله تعالى في كتابه بتوبة عباده الصالحين ومغفرته لهم.
وثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (لن يدخل الجنة أحد بعمله.
قالوا: ولا أنت يا رسول الله!؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل).
وهذا لا ينافي قوله: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة:٢٤].
فإن الرسول ﷺ نفى باء المقابلة والمعادلة، والقرآن أثبت باء السبب).
أي: أنه بسبب الأعمال نلتم الجنة برحمة الله، فالأعمال سبب لنيل الرحمة؛ أما أن الأعمال تساوي الجنة وتوجبها فلا؛ لأن الذي يوجب ذلك رحمة الله، فالإنسان لا يجعل حسناته في مقابلة نعم الله ، لكن الأعمال تكون سبباً لنيل الرحمة، والرحمة بها يدخل العبد الجنة.
ثم يقول: (وقول من قال: إذا أحب الله عبداً لم تضره الذنوب، معناه: أنه إذا أحب عبداً ألهمه التوبة والاستغفار، فلم يصر على الذنوب، ومن ظن أن الذنوب لا تضر من أصر عليها فهو ضال، مخالف للكتاب والسنة وإجماع السلف والأئمة، بل من يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره.
وإنما عباده الممدوحون هم المذكورون في قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٣ - ١٣٥]).
стр. 66
التوبة غاية المؤمنين
يقول المؤلف رحمه الله تعالى: (فليس لأحد أن يظن استغناءه عن التوبة إلى الله، والاستغفار من الذنوب، بل كل أحد محتاج إلى ذلك دائماً.
قال الله تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا * لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٢ - ٧٣].
فالإنسان ظالم جاهل، وغاية المؤمنين والمؤمنات التوبة، وقد أخبر الله تعالى في كتابه بتوبة عباده الصالحين، ومغفرته لهم.
وثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (لن يدخل الجنة أحد بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله!؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل).
وهذا لا ينافي قوله: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة:٢٤].
فإن الرسول ﷺ نفى باء المقابلة والمعادلة، والقرآن أثبت باء السبب).
يعني: بسبب الأعمال نلتم الجنة برحمة الله، الأعمال سبب لنيل الرحمة؛ لأن أما إن الأعمال تساوي الجنة وتوجبها فلا؛ لأن الذي يوجب ذلك رحمة الله، فالإنسان لا يجعل حسناته في مقابلة نعم الله ، لكن الأعمال تكون سبباً لنيل الرحمة، والرحمة بها يدخل العبد الجنة.
ثم يقول: (وقول من قال: إذا أحب الله عبداً لم تضره الذنوب، معناه: أنه إذا أحب عبداً ألهمه التوبة والاستغفار فلم يصر على الذنوب، ومن ظن أن الذنوب لا تضر من أصر عليها فهو ضال مخالف للكتاب والسنة وإجماع السلف والأئمة، بل من يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره.
وإنما عباده الممدوحون هم المذكورون في قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٣ - ١٣٥]).
стр. 67
الاحتجاج بالقدر على الذنوب سبيل المشركين
يقول المؤلف رحمه الله تعالى: (ومن ظن أن القدر حجة لأهل الذنوب فهو من جنس المشركين الذين قال الله تعالى عنهم: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:١٤٨].
قال الله تعالى راداً عليهم: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا﴾ [الأنعام:١٤٨]) أي: أنهم كذبوا بالشرع احتجاجاً بالقدر، الذي هو الخلط بين الأمر الشرعي والأمر الكوني؛ فهو يقول: طالما أن الله تركنا نفعل ذلك وقدره علينا فهو يرضاه، وهذا كلام فاسد، بل هو من جنس كلام المشركين.
ثم يقول: (قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا﴾ [الأنعام:١٤٨].
أي: هل عندكم علم أن الله أمر بذلك وشرع ذلك؟! ثم يقول: (قال تعالى: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ * قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام:١٤٨ - ١٤٩].
ولو كان القدر حجة لأحد لم يعذب الله المكذبين للرسل، كقوم نوح وعاد وثمود والمؤتفكات وقوم فرعون، ولم يأمر بإقامة الحدود على المعتدين، ولا يحتج أحد بالقدر إلا إذا كان متبعاً لهواه بغير هدى من الله.
ومن رأى القدر حجة لأهل الذنوب يرفع عنهم الذم والعقاب فعليه ألا يذم أحداً ولا يعاقبه إذا اعتدى عليه) أي: أن الذي يؤخذ منه ماله بقدر ربنا ، يجب عليه أن يقول: هاتوا لي حقي.
وهذا أمر بالفطرة، لأن أي إنسان يكره أن يعتدى عليه، ويذم من اعتدى عليه وآذاه.
ثم يقول: (بل يستوي عنده ما يوجب اللذة وما يوجب الألم، فلا يفرق بين من يفعل معه خيراً وبين من يفعل معه شراً، وهذا ممتنع طبعاً وعقلاً وشرعاً).
أي: أنك لو أعطيت الطفل الصغير شيئاً جميلاً فإنه سيضحك، لكن لو ضربته فإنه سيبكي، وهذا أمر فطري طبع في البشر، فالإنسان يفرق بين من يفعل معه خيراً، وبين من يفعل معه شراً، فكيف تقول: ليس هناك فرق بين الاثنين!.
إذاً: الاحتجاج بالقدر على الذنوب والمعاصي باطل عقلاً وطبعاً وشرعاً.
ثم يقول: (وقد قال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص:٢٨].
وقال تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ [القلم:٣٥].
وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية:٢١].
وقال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون:١١٥].
وقال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة:٣٦] أي: مهملاً لا يؤمر ولا ينهى).
стр. 68
حديث احتجاج آدم وموسى ومذاهب الناس فيه
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وقد ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (احتج آدم وموسى، قال موسى: يا آدم أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة؟ -وفي رواية: خيبتنا وأخرجتنا ونفسك من الجنة- فقال له آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله بكلامه، وكتب لك التوراة بيده، فبكم وجدت مكتوباً علي قبل أن أخلق: وعصى آدم ربه فغوى؟ قال: بأربعين سنة، قال: فلم تلومني على أمر قدره الله علي قبل أن أخلق بأربعين سنة؟ قال: فحج آدم موسى) -أي: غلبه بالحجة- وهذا الحديث ضلت فيه طائفتان: طائفة كذبت به لما ظنوا أنه يقتضي رفع الذم والعقاب عمن عصى الله لأجل القدر) وهؤلاء هم المعتزلة، فقد كذبوا بالحديث، وقالوا: إن هذا الحديث باطل، مع أنه في الصحيحين ومتفق على صحته.
ثم يقول: (وطائفة شر من هؤلاء جعلوه حجة) أي: إذا كان المعتزلة أبطلوا حديثاً واحداً ونبدعهم ونضللهم بسبب أنهم أبطلوا حديثاً واحداً، فالجبرية سيبطلون الشريعة كلها، سيبطلون الصلاة والصوم والزكاة، وحرمة الزنا وحرمة شرب الخمر، ولذلك هم شر من المعتزلة.
ثم يقول: (وقد يقولون: القدر حجة لأهل الحقيقة الذين شهدوه) يقول بعض الصوفية: إن القدر هذا حجة للذي وصل إلى درجة اليقين، قال تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩] واليقين عندهم ليس هو الموت كما هو تفسير الآية، فعندهم الذي يصل إلى الحقيقة يصبح معفواً عنه، وتسقط عليه الفرائض! نقول: إن هذا من الجهل العظيم ومن الكفر في الحقيقة؛ لأنه سيجعل هناك طائفة من الناس لا تلتزم بالشريعة.
ثم يقول: (أو الذين لا يرون أن لهم فعلاً.
ومن الناس من قال: إنما حج آدم موسى لأنه أبوه) وهذه حجة ضعيفة.
ثم يقول: (أو لأنه كان قد تاب) أي: أن سيدنا آدم احتج بالقدر؛ لأنه قد تاب من الذنب، وهو لم يختر المصيبة، والذنب بعد التوبة بمنزلة المصيبة.
إذاً: لا يصح الاحتجاج بالقدر على ذنب إلا بعد التوبة، وإذا تاب يكون قد عمل الذي عليه، وهو أنه فر -فعلاً- من القدر المكروه إلى القدر المحبوب، فيكون مؤمناً بالقدر؛ لأنه لا يستطيع أن يفعل أكثر من ذلك.
ثم يقول: (أو لأن الذنب كان في شريعة، واللوم في أخرى) أي: أن الذنب كان في شريعة آدم، واللوم في شريعة موسى.
ثم يقول: (أو لأن هذا يكون في الدنيا دون الآخرة) أي: أن الاحتجاج بالقدر إنما يكون في الآخرة، وأما في الدنيا فلا.
ثم يقول: (وكل هذا باطل) أي: أن الحديث يؤول على غير وجهه.
ثم يقول: (ولكن وجه الحديث: أن موسى ﵇ لم يلم أباه إلا لأجل المصيبة التي لحقتهم من أجل أكله من الشجرة، فقال له: (لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة؟) لم يلمه لمجرد كونه أذنب ذنباً وتاب منه) وهذا كلام فيه نظر؛ لأن سيدنا آدم قال لسيدنا موسى: فبكم وجدت مكتوباً علي قبل أن أخلق: (وعصى آدم ربه فغوى؟) قال: بأربعين سنة، قال: فلم تلومني على أمر قدره الله عليّ) إذاً: المتأمل للرواية يتيقن أن سيدنا موسى لام آدم على المعصية، وسيدنا آدم احتج على أن المعصية مكتوبة عليه قبل أن يخلق بأربعين سنة، فهو لامه على المعصية التي ترتبت عليها المصيبة، وسيدنا موسى لا يمكن أن يلومه على المصيبة فقط، وإلا لا يوجد أي شخص عاقل يلوم أحداً على مصيبة ليس له فيها دخل، وهل يمكن أن يقول شخص لآخر: لماذا ولدت أسود؟! ليس هناك عاقل يقول هذا أصلاً.
لكن سيدنا موسى أخطأ في ذلك وغلبه آدم بالحجة، ولا يمكن أن يكون موسى ﵇ يلومه على مصيبة مجردة، فقول شيخ الإسلام: إن موسى لم يلمه إلا لأجل المصيبة، هذا قول ضعيف جداً، فالصواب أنه: هذا لامه لأجل الذنب الذي ترتب عليه المصيبة، أي: أنه تسبب في إخراج نفسه من الجنة، والله هو الذي كتب عليه الإخراج، ولذلك لم يقل له: فبكم وجدت مكتوباً علي أني أخرج من الجنة، أو أني أكون موجوداً في الأرض، بل قال: (فبكم وجدت مكتوباً علي قبل أن أخلق: وعصى آدم ربه فغوى؟) وهذا واضح جداً.
ثم يقول: (لم يلمه لمجرد كونه أذنب ذنباً وتاب منه، فان موسى يعلم أن التائب من الذنب لا يلام، وهو قد تاب منه أيضاً، ولو كان آدم يعتقد رفع الملام عنه لأجل القدر لم يقل: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف:٢٣]).
стр. 69
حكم الصبر والرضا عند المصائب
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (والمؤمن مأمور عند المصائب أن يصبر ويسلم، وعند الذنوب أن يستغفر ويتوب.
قال الله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [غافر:٥٥]، فأمره بالصبر على المصائب والاستغفار من المعائب).
وهذا كلام حق بلا شك، فسيدنا آدم كان يعتقد الملام على الذنب الذي تاب منه؛ لأجل أنه مقدر.
إذاً: نجمع بين ما دل عليه الحديث كله ونقول به كله، فسيدنا آدم يعتقد أنه ليس عليه لوم؛ لأنه قد تاب من الذنب، والذنب بعد التوبة ينزل منزلة المصيبة، ثم نقول: إن سيدنا موسى يعلم أن التائب من الذنب لا يلام، ويعلم بأن المصيبة لا يمكن أن يلام عليها، إلا إذا كانت مترتبة على ذنب.
وبالتالي فإننا نحمل خطأ سيدنا موسى على أنه كان يلوم على المصيبة المجردة، فسيدنا موسى أخطأ لما لامه على مصيبة ترتبت على ذنب قد تاب منه، وهنا يصح الاحتجاج بالقدر، فمتى يصح الاحتجاج بالقدر على الذنب؟ عندما يتوب الإنسان توبة مقبولة نصوحاً.
وهذا هو الذي حصل من كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه عندما وقع في معصية وذنب، فقد جلس متذكراً لهذا الذنب ونادماً عليه، وهذا معنى التوبة، ولذلك قال: (فهممت أن أرتحل فأدركهم، فيا ليتني فعلت، غير أنه لم يقدر لي ذلك) فهو هنا يعزي نفسه بالقدر، وهو في نفس الوقت مستحضر حقيقة التوبة، التي هي الندم، لكن هو غير ملام، وبالتالي يحكي قصة فضل ربنا عليه بالتوبة.
فالإنسان يحتج بالقدر على ذنب تاب منه؛ لأنه صار بعد التوبة بمنزلة المصيبة، فشيخ الإسلام ﵀ في هذه المسألة خالف الحديث، وذلك حين قال: إن سيدنا موسى لامه على المصيبة، والصواب: أن سيدنا موسى لامه على مصيبة ترتبت على ذنب، أو لامه على ذنب ترتبت عنه مصيبة؛ لأنه غير ممكن أن يلومه على شيء ليس له دخل فيها، فكان لا بد أن يكون له دخل في الموضوع، وسيدنا آدم احتج بالقدر؛ لأن المصيبة حصلت وهو لم يخترها، والذنب كان مكتوباً عليه، وقد تاب منه، فلا بد أن يحتج بالقدر.
ثم يقول: (وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن:١١].
قال ابن مسعود: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم).
فالمؤمنون إذا أصابتهم مصيبة مثل: المرض والفقر والذل صبروا لحكم الله، وان كان ذلك بسبب ذنب غيرهم، كمن أنفق أبوه ماله في المعاصي فافتقر أولاده لذلك، فعليهم أن يصبروا لما أصابهم وإذا لاموا الأب لحظوظهم ذكر لهم القدر).
أي: أنهم لو لاموا أباهم بعدما تاب، فله أن يحتج بالقضاء والقدر، لكن لو كان مصراً على المعاصي، فليس له أن يحتج بالقدر.
ثم يقول: (والصبر واجب باتفاق العلماء، وأعلى من ذلك الرضا بحكم الله)، أي: الصبر لا زالت النفس تكرهه، وأما الرضا فهو شهود حكمة الله في القدر مما يجعل العبد لا يشعر بألم المكروه.
ثم يقول: (والرضى قد قيل: إنه واجب) وهو الرضا بالمصائب، وإلا فالرضا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ نبياً ورسولاً واجب بلا شك، وكذا الرضا بحكم الله الشرعي، فلا بد أن يرضى الإنسان بحكم الله الشرعي.
ثم يقول: (وقيل: إنه هو مستحب) وهو الصحيح (وأعلى من ذلك أن يشكر الله على المصيبة، لما يرى من إنعام الله عليه بها).
أي: أنه ليس الغرض تحريك اللسان، وإنما المقصود أن يحمد الله على المصيبة؛ لأنه يرى في المحنة منحة، ويشكر الله على المنحة، وقد زال عنه شهود ألم المحنة.
ثم يقول: (حيث جعلها سبباً لتكفير خطاياه، ورفع درجاته، وإنابته إلى الله، وتضرعه إليه، وإخلاصه له في التوكل عليه، ورجائه دون المخلوقين.
وأما أهل الغي والضلال فتجدهم يحتجون بالقدر إذا أذنبوا واتبعوا أهواءهم، ويضيفون الحسنات إلى أنفسهم إذا أنعم عليهم بها، كما قال بعض العلماء: أنت عند الطاعة قدري وعند المعصية جبري، أيّ مذهب وافق هواك تمذهبت به! وأهل الهدى والرشاد إذا فعلوا حسنة شهدوا إنعام الله بها عليهم، وأنه هو الذي أنعم عليهم وجعلهم مسلمين، وجعلهم يقيمون الصلاة، وألهمهم التقوى، وأنه لا حول ولا قوة إلا به، فزال عنهم بشهود القدر العجب والمن والأذى) أي: الإعجاب ويمنون على غيرهم بالطاعة، قال تعالى عنهم: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات:١٧]، أي: يمن على الله ، ويرى أن له فضلاً على الدين والعياذ بالله.
ثم يقول: (وإذا فعلوا سيئة استغفروا الله وتابوا إليه منها.
ففي صحيح البخاري عن شداد بن أوس قال: قال رسول الله ﷺ : (سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربى لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، من قالها إذا أصبح مؤمناً بها فمات من يومه دخل الجنة، ومن قالها إذا أمسى مؤمناً بها فمات من ليلته دخل الجنة).
وفي الحديث الصحيح عن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه ﵎ أنه قال: (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرماً، فلا تظالموا، يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً ولا أبالي، فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم، يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم، يا عبادي إنكم لن تبغلوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم اجتمعوا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته، ما نقص ذلك مما عندي، إلا كما ينقص البحر إذا غمس فيه المخيط غمسة واحدة، يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه) فأمر سبحانه بحمد الله على ما يجده العبد من الخير وأنه إذا وجد شراً فلا يلومن إلا نفسه.
وكثير من الناس يتكلم بلسان الحقيقة-أي: الحقيقة القدرية الكونية- ولا يفرق بين الحقيقة الكونية القدرية المتعلقة بخلقه ومشيئته وبين الحقيقة الدينية الأمرية المتعلقة برضاه ومحبته، ولا يفرق بين من يقوم بالحقيقة الدينية موافقاً لما أمر الله به على ألسن رسله وبين من يقوم بوجده وذوقه غير معتبر ذلك بالكتاب والسنة).
أي: أن هؤلاء الصوفية يقومون بالوجد والذوق، ويقول لك: أنا ارتحت لهذا الموضوع وذقت حلاوته.
غير معتبر بالكتاب والسنة.
стр. 70
الفرق بين ما يطلق عليه لفظ الشرع ووجوب التزام الشرع المنزل
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (كما أن لفظ الشريعة يتكلم به كثير من الناس ولا يفرق بين الشرع المنزل من عند الله تعالى وهو الكتاب والسنة الذى بعث الله به رسوله ﷺ ، فإن هذا الشرع ليس لأحد من الخلق الخروج عنه، ولا يخرج عنه إلا كافر، وبين الشرع الذى هو حكم الحاكم، فالحاكم تارة يصيب، وتارة يخطىء).
يقصد بذلك الأحكام التطبيقية، أي: أن الحاكم قد يكون مصيباً وقد يكون مخطئاً، فإن أخطأ فليس حكمه هو الشرع، وإن أصاب فحكمه قد وافق الشرع.
ثم نقول: (هذا إذا كان عالماً عادلاً).
أي: أن الحاكم العالم العادل ممكن يصيب ويخطئ، فضلاً عن أن يكون جاهلاً.
ثم يقول: (وإلا ففى السنن عن النبي ﷺ أنه قال: (القضاة ثلاثة: قاضيان فى النار، وقاض فى الجنة: رجل علم الحق وقضى به، فهو فى الجنة، ورجل قضى للناس على جهل فهو فى النار، ورجل علم الحق فقضى بغيره فهو فى النار).
وأفضل القضاة العالمين العادلين سيد ولد آدم محمد ﷺ ، فقد ثبت فى الصحيحين أنه قال: (إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم يكون ألحن بحجته من بعض، وإنما أقضي بنحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار).
فقد أخبر سيد الخلق ﷺ أنه إذا قضى بشىء مما سمعه وكان فى الباطن بخلاف ذلك لم يجز للمقضي له أن يأخذ ما قضى به له، وأنه إنما يقطع له به قطعة من النار.
وهذا متفق عليه بين العلماء فى الأملاك المطلقة، إذا حكم الحاكم بما ظنه حجة شرعية كالبينة والإقرار، وكان في الباطن بخلاف الظاهر لم يجز للمقضي له أن يأخذ ما قضى به له بالاتفاق، وإن حكم فى العقود والفسوخ بمثل ذلك فأكثر العلماء يقول: إن الأمر كذلك، وهو مذهب مالك والشافعى وأحمد بن حنبل، وفرق أبو حنيفة رضى الله عنه بين النوعين).
أي: في العقود لو أن رجلاً كان يؤذي زوجته ويسبها وحكم القاضي بالطلاق الإجباري، فالجمهور يقولون: الإكراه هذا غير معتبر ولا تطلق، وأبو حنيفة يقول: لا، هكذا طلقت.
стр. 71
إبطال الاحتجاج بقصة موسى مع الخضر
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (فلفظ الشرع والشريعة إذا أريد به الكتاب والسنة لم يكن لأحد من أولياء الله ولا لغيرهم أن يخرج عنه، ومن ظن أن لأحد من أولياء الله طريقاً إلى الله غير متابعة محمد ﷺ باطنا وظاهراً فلم يتابعه باطناً وظاهراً فهو كافر، ومن احتج فى ذلك بقصة موسى مع الخضر كان غالطاً من وجهين: أحدهما: أن موسى لم يكن مبعوثاً إلى الخضر ولا كان يجب على الخضر اتباعه، فإن موسى كان مبعوثاً إلى بنى إسرائيل، وأما محمد صلى الله عليه وآله سلم فرسالته عامة لجميع الثقلين -الجن والإنس- ولو أدركه من هو أفضل من الخضر كإبراهيم وموسى وعيسى وجب عليهم اتباعه، فكيف بالخضر سواء كان نبياً أو ولياً، ولهذا قال الخضر لموسى: (أني على علم من علم الله علمنيه لا تعلمه، وأنت على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه)، وليس لأحد من الثقلين الذين بلغتهم رسالة محمد ﷺ أن يقول مثل هذا.
الثانى: أن ما فعله الخضر لم يكن مخالفاً لشريعة موسى ﵇، وموسى لم يكن علم الأسباب التى تبيح ذلك، فلما بينها له وافقه على ذلك، فإن خرق السفينة ثم ترقيعها لمصلحة أهلها خوفاً من الظالم أن يأخذها إحسان إليهم، وذلك جائز، وقتل الصائل جائز وان كان صغيراً، ومن كان تكفيره لأبويه لا يندفع إلا بقتله جاز قتله، ولهذا قال ابن عباس رضى الله عنهما لـ نجدة الحروري لما سأله عن قتل الغلمان: قال له: إن كنت علمت منهم ما علمه الخضر من ذلك الغلام فاقتلهم).
هذه النقطة ضعيفة جداً؛ لأنه لا يجوز قتل الصائل قبل أن يكون صائلاً، فهذا الأمر أمر غيب محض، وهو مخالف لشريعة موسى ﵊، ولكن كان ذلك جائزاً في شريعة الخضر.
ثم يقول: (أما الإحسان إلى اليتيم بلا عوض والصبر على الجوع فهذا من صالح الأعمال، فلم يكن في ذلك شيء يخالف شرع الله.
وأما إذا أريد بالشرع حكم الحاكم فقد يكون ظالماً وقد يكون عادلاً، وقد يكون صواباً وقد يكون خطأ، وقد يراد بالشرع قول أئمة الفقه كـ أبي حنيفة والثوري ومالك بن أنس والأوزاعي والليث بن سعد والشافعي وأحمد وإسحاق وداود وغيرهم، فهؤلاء أقوالهم يحتج لها بالكتاب والسنة، وإذا قلد غيره حيث يجوز ذلك، كان جائزاً، أي: ليس اتباع أحدهم واجباً على جميع الأمة كاتباع الرسول ﷺ ، ولا يحرم تقليد أحدهم كما يحرم اتباع من يتكلم بغير علم).
أي: أن الذي تعلم جهله لا يجوز أن تتبعه، لكن هؤلاء الأئمة لا يحرم تقليدهم واتباعهم، ولا يعني هذا أن أقوال هؤلاء الأئمة مثل نصوص الكتاب والسنة، بحيث تصبح الشريعة عبارة عن مجموع ما قاله العلماء؛ لأن أي قول يخالف الشريعة لا يتابع، ويكون مردوداً على صاحبه كائناً من كان.
ثم يقول: (وأما إن أضاف أحد إلى الشريعة ما ليس فيها من أحاديث مفتراة، أو تأول النصوص بخلاف مراد الله، ونحو ذلك، فهذا نوع من التبديل.
فيجب الفرق بين الشرع المنزل، والشرع المؤول، والشرع المبدل).
أي: أن كل هذا يسمى شرع، وهذا الشرع المبدل قد أتى بخلاف الشريعة وسماها شريعة، والشرع المؤول: عالم أخطأ في التأويل، مثل: الأئمة الذين ذكر أسماءهم فيما أخطئوا فيه، والشرع المنزل بالكتاب والسنة: فهذا هو الذي لا يجوز لأحد أن يخرج عنه، وإن اعتقد أحد جواز الخروج عنه كان كافراً.
ثم يقول: (كما يفرق بين الحقيقة الكونية، والحقيقة الدينية الأمرية -الحقيقة الدينية: هي الشرعية-، وبين ما يستدل عليها بالكتاب والسنة، وبين ما يكتفى فيها بذوق صاحبها ووجده).
أي: أن الحقيقة الدينية الشرعية لا بد أن يكون عليها دليل، وأي قول وأي حال وأي طريق وأي عمل لا بد أن يكون الاستدلال له من الكتاب والسنة، وأما أن يستدل بالذوق والوجد فهذا لا يجوز.
стр. 72
الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان [٧]
إن الله قد يكرم أولياءه بخوارق عجيبة؛ لمكانتهم عنده، وإيمانهم بدينه الذي جاءهم به رسوله ﷺ ، فميزوا بين أوامره الشرعية الدينية، وبين أوامره الكونية التي لابد من وقوعها، فسارعوا في امتثال أوامره وإرادته الشرعية، والانتهاء عما نهى عنه منها؛ فبلغوا تلك المنزلة العلية والدرجة المرضية.
стр. 73
تبيين الله في كتابه الفرق بين الكون الذي خلقه والدين الذي شرعه
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فصل: وقد بين الله في كتابه الفرق بين الإرادة والأمر والقضاء والإذن والتحريم والبعث والإرسال والكلام والجعل.
وبين الكوني الذي خلقه وقدره وقضاه وإن كان لم يأمر به ولا يحبه ولا يرضاه، ولا يثيب أصحابه ولا يجعلهم من أوليائه المتقين، وبين الديني الذي أمر به وشرعه وأحبه ورضيه وأحب فاعليه وأثابهم وأكرمهم وجعلهم من أوليائه المتقين وحزبه وجنده الغالبين].
هذا الكلام كله في الفرق بين الإرادة الشرعية والإرادة الكونية؛ فكون الله يريد أن يوجد شيئاً، ليس معناه أنه يرضاه، أو يحبه، أو لا يعاقب الذي فعله وهو حرام؛ فالكفر وقع من أكثر الناس، والله هو الذي خلقهم، ولكن كون الله خلقهم لا يعني أنه لا يعذبهم، أو أنه لا يسخط عليهم، فهو يسخط الكفر والفسوق والعصيان.
وليس لأحد أن يحتج بإرادة الله أو بأمره الكوني على ترك الأوامر الشرعية.
ثم قال: [وهذا من أعظم الفروق التي يفرق بها بين أولياء الله وأعدائه، فمن استعمله الرب فيما يحبه ويرضاه ومات على ذلك كان من أوليائه، ومن كان عمله فيما يبغضه الرب ويكرهه ومات على ذلك كان من أعدائه].
هذه من أعظم الفروق المهمة التي لا بد أن يفرق بها بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان؛ لأن كثيراً من الناس يعتقد في شخص معين أنه من أولياء الله حتى ولو كفر وأتى الفواحش والمنكرات والعياذ بالله.
وكثير جداً من الناس يظن أن جريان بعض الخوارق للعادات دليل على الولاية وليس كذلك، بل الولي هو ينقاد للأمر الشرعي الديني والإرادة الشرعية الدينية ويموت على ذلك، وأما من يخالف الأمر الشرعي ويموت على ذلك فهو العدو.
стр. 74
حقيقة الإرادة الكونية والإرادة الدينية
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فالإرادة الكونية هي مشيئته لما خلقه، وجميع المخلوقات داخلة في مشيئته وإرادته الكونية].
يعني: أنه يقدر خيرها وشرها، والإيمان بالقدر كوني وشرعي، فالله هو الذي قدر وجود الخير وقدر وجود الشر، ولم يقل: إن الشر خارج عن قضاء الله، أو عن قدره، بل إن الشر واقع بقضاء الله، وهو مخلوق من مخلوقاته، فهذا إبليس مخلوق، بل هو شر والعياذ بالله، وهو مصدر فعل الشر في الناس بوسوسته لهم، ومع ذلك فإن الله ، لا يحب إبليس، ولا أفعاله، ولا من يستجيب لوسوسته.
ثم قال: [والإرادة الدينية: هي المتضمنة لمحبته ورضاه، المتناولة لما أمر به وجعله شرعاً وديناً، وهذه مختصة بالإيمان والعمل الصالح].
يعني: ليست شاملة لكل المخلوقات، بل في الخير فقط؛ لأن الله يحب الإيمان والعمل الصالح، ويحب المتقين والمحسنين.
ثم قال: [قال الله تعالى في الأولى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام:١٢٥]].
هذه الإرادة الكونية، يعني: إرادة أن يكون هذا مؤمناً وأن يكون هذا كافراً.
قوله: ((فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ)).
هذا فيه ترغيب للإنسان بسلوك طريق الهداية وقوله: ((يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ)).
يعني: يشرح بمعنى يجعل الله الهداية في قلبه، والإسلام هو شرع الله .
وقوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا ٣) [الأنعام:١٢٥].
هذا الجعل كوني، والحرج مثل الشجرة التي تكون محاطة بأشواك من كل جانب فلا يستطاع الوصول إليها، فالحرج: هو الشيء الضيق.
وقوله: ((كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ)).
أي: كأنما يكلف الصعود في السماء، أو كأنما يكلف المستحيل، حين يقولون له: اطلع إلى السماء وهو في الأرض، وهو لا يستطيع.
والمؤلف رحمه الله تعالى سيذكر الآن جملة من الآيات في الإرادة الكونية، ومن ثم يذكر الفرق بينها وبين الإرادة الشرعية.
ثم قال: [وقال نوح ﵇ لقومه: ﴿وَلا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود:٣٤]].
فهنا يريد الله إغواء الناس ومع ذلك لا يكون هذا منه ظلماً؛ لأن إرادة الإغواء وقعت فيهم من خلال عملهم؛ والله تعالى قد أعطاهم قدرة وعقلاً، وأرسل إليهم رسلاً، وأعطاهم إرادة، وهم فعلوا بإرادتهم ما يخالف ما جاءت به الرسل، فالحجة قائمة لله على عباده، ولم يظلمهم؛ لأنه يتصرف في ملكه بالحكمة والعدل، فالملك ملكه ، وليس معنى ذلك أنه يتصرف فيه حتى ولو كان بالظلم والعدوان، حاشاه تعالى أن يظلم نفساً شيئاً، ولا يوجد أحد أرغمه الله وأكرهه على فعل الشر وهو يريد الخير، ولا يوجد شخص وجد يده رفعت وأمسكت زجاجة خمر وصبتها في فمه من غير إرادة منه، ولا يوجد شخص وجد نفسه يسجد للصنم مغصوباً، وأيضاً لا يوجد شخص وجد نفسه يجر غصباً عنه إلى الزنا، ولو كان كذلك لكان غير مكلف، ومعلوم أنه لو اغتصبت امرأة فهي غير آثمة، ولو أن شخصاً وضعوا رأسه غصباً أمام صنم فهو غير آثم؛ بالقيد الذي في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦] فلا يعاقب على ذلك.
فنقول: إن الله يريد إغوائهم؛ لأنهم أهل شر وفساد، والله تعالى أعلم بالظالمين.
ثم قال: [وقال تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ [الرعد:١١]].
تقول المعتزلة: الله لا يريد إلا الخير.
نقول: نعم، لا يريد إلا الخير شرعاً، لكن لا تقل: لا يريد إلا الخير كوناً؛ لأن الله تعالى يقول: ((وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا))، فهؤلاء أراد الله بهم سوءاً.
ثم قال: [وقال الله تعالى في الثانية، ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥]] هذه الإرادة الشرعية، ولو كانت هذه الإرادة كونية، لكان لكانت أمور الدنيا ميسرة وليس فيها عسر وضيق، لكن يريد الله بكم اليسر في الشريعة.
ثم قال: [وقال في آية الطهارة: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة:٦]، ولما ذكر ما أحله وما حرمه من النكاح، قال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٢٦ - ٢٧]].
هذه إرادة شرعية، ولو كانت هذه إرادة كونية لتاب الناس كلهم بقوله: ((كُنْ فَيَكُونُ))، وكذلك قوله: ((يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ)) لو كانت هذه الهداية هداية الخلق التي هي خلق الإرادة في قلوبهم، أي: الإرادة الكونية لاهتدى جميع الناس.
ثم قال: [﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء:٢٨]] أي: هذه الشرائع أراد الله منها أن يخفف عنكم.
ثم قال: [وقال لما ذكر ما أمر به أزواج النبي ﷺ وما نهاهم عنه قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب:٣٣]، والمعنى أنه أمركم بما يذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً، فمن أطاع أمره كان مطهراً قد أذهب عنه الرجس، بخلاف من عصاه.
стр. 75
حقيقة الأمر الكوني والأمر الديني
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأما الأمر فقال -في الأمر الكوني-: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل:٤٠].
وقال تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر:٥٠]].
يعني: لا يقال: كن مرتين، وإنما أمر الله واحداً.
وقوله: ((كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ)) هذا تشبيه؛ لأن أقرب شيء نعرفه لمحة البصر؛ لكن الأمر أسرع منها، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢].
ثم قال: [وقال تعالى: ﴿أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ﴾ [يونس:٢٤]].
يعني: أمر الله بإهلاك القرية الظالمة، حيث أتاها أمرنا في وقت من ليل الأرض أو نهارها، وليس ذلك الإهلاك يوم القيامة.
إذاً: فالإرادة الشرعية إرادة من الله، أما قوله: ((إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ))، فالذي أراد هو الله، وهذه إرادة كونية، أما قوله ((يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ))، فهذه أرادة شرعية، فلا يجوز أن تقول لما يريد العبد الهداية: إن الله لا يريد له الهداية.
والإيمان بالقدر أخبرنا الله به؛ من أجل أن نعلم أن الأمر بيده .
إذاً: فإرادة الله الكونية صفة من صفاته، إرادته الشرعية كذلك صفة من صفاته، وهناك نوعان من الكلام، كما سيأتي، فكلمة: (أقيموا الصلاة) وآتوا الزكاة، ليستا مثل: (كن فيكون).
يعني: لو كانت (فأقيموا الصلاة) من جنس (كن فيكون) لأسرع الناس إلى إقامتها مثلما يجري الدم في عروقهم، ولكان الأمر كذلك في رمضان، فلا يقدر أحد أن يأكل في نهاره، وكذا وقت إخراج الزكاة فإذا لم تخرج خرجت بإرادة كن فيكون، وتصل للفقراء تلقائياً، لكن نقول: إن أمر أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، غير: (كن فيكون) وغير ﴿وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ [التوبة:٤٦] وغير: ﴿اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ [البقرة:٣٨] وغير ﴿اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا﴾ [الأعراف:١٨]، فهذه أوامر كونية لابد من وقوعها وليست شرعية دينية.
ثم قال: [وأما الأمر الديني، فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:٩٠]].
قوله: (إن الله يأمر بالعدل) لو كان هذا الأمر كونياً لما كان هناك ظلم في الدنيا أبداً؛ لكن المعنى: أنه شرع العدل وأمر به ولم يجبر الخق عليه، فهو يثيب من فعله، ويعاقب من تركه.
ثم قال: [وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء:٥٨]].
следующие страницы →