← Акыда

Акыда · id 36996

الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان

ياسر برهامي

Полный текст (101 стр.). Показаны 71–101 · переход к 76.

стр. 71

إبطال الاحتجاج بقصة موسى مع الخضر قال المؤلف رحمه الله تعالى: (فلفظ الشرع والشريعة إذا أريد به الكتاب والسنة لم يكن لأحد من أولياء الله ولا لغيرهم أن يخرج عنه، ومن ظن أن لأحد من أولياء الله طريقاً إلى الله غير متابعة محمد ﷺ باطنا وظاهراً فلم يتابعه باطناً وظاهراً فهو كافر، ومن احتج فى ذلك بقصة موسى مع الخضر كان غالطاً من وجهين: أحدهما: أن موسى لم يكن مبعوثاً إلى الخضر ولا كان يجب على الخضر اتباعه، فإن موسى كان مبعوثاً إلى بنى إسرائيل، وأما محمد صلى الله عليه وآله سلم فرسالته عامة لجميع الثقلين -الجن والإنس- ولو أدركه من هو أفضل من الخضر كإبراهيم وموسى وعيسى وجب عليهم اتباعه، فكيف بالخضر سواء كان نبياً أو ولياً، ولهذا قال الخضر لموسى: (أني على علم من علم الله علمنيه لا تعلمه، وأنت على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه)، وليس لأحد من الثقلين الذين بلغتهم رسالة محمد ﷺ أن يقول مثل هذا. الثانى: أن ما فعله الخضر لم يكن مخالفاً لشريعة موسى ﵇، وموسى لم يكن علم الأسباب التى تبيح ذلك، فلما بينها له وافقه على ذلك، فإن خرق السفينة ثم ترقيعها لمصلحة أهلها خوفاً من الظالم أن يأخذها إحسان إليهم، وذلك جائز، وقتل الصائل جائز وان كان صغيراً، ومن كان تكفيره لأبويه لا يندفع إلا بقتله جاز قتله، ولهذا قال ابن عباس رضى الله عنهما لـ نجدة الحروري لما سأله عن قتل الغلمان: قال له: إن كنت علمت منهم ما علمه الخضر من ذلك الغلام فاقتلهم). هذه النقطة ضعيفة جداً؛ لأنه لا يجوز قتل الصائل قبل أن يكون صائلاً، فهذا الأمر أمر غيب محض، وهو مخالف لشريعة موسى ﵊، ولكن كان ذلك جائزاً في شريعة الخضر. ثم يقول: (أما الإحسان إلى اليتيم بلا عوض والصبر على الجوع فهذا من صالح الأعمال، فلم يكن في ذلك شيء يخالف شرع الله. وأما إذا أريد بالشرع حكم الحاكم فقد يكون ظالماً وقد يكون عادلاً، وقد يكون صواباً وقد يكون خطأ، وقد يراد بالشرع قول أئمة الفقه كـ أبي حنيفة والثوري ومالك بن أنس والأوزاعي والليث بن سعد والشافعي وأحمد وإسحاق وداود وغيرهم، فهؤلاء أقوالهم يحتج لها بالكتاب والسنة، وإذا قلد غيره حيث يجوز ذلك، كان جائزاً، أي: ليس اتباع أحدهم واجباً على جميع الأمة كاتباع الرسول ﷺ ، ولا يحرم تقليد أحدهم كما يحرم اتباع من يتكلم بغير علم). أي: أن الذي تعلم جهله لا يجوز أن تتبعه، لكن هؤلاء الأئمة لا يحرم تقليدهم واتباعهم، ولا يعني هذا أن أقوال هؤلاء الأئمة مثل نصوص الكتاب والسنة، بحيث تصبح الشريعة عبارة عن مجموع ما قاله العلماء؛ لأن أي قول يخالف الشريعة لا يتابع، ويكون مردوداً على صاحبه كائناً من كان. ثم يقول: (وأما إن أضاف أحد إلى الشريعة ما ليس فيها من أحاديث مفتراة، أو تأول النصوص بخلاف مراد الله، ونحو ذلك، فهذا نوع من التبديل. فيجب الفرق بين الشرع المنزل، والشرع المؤول، والشرع المبدل). أي: أن كل هذا يسمى شرع، وهذا الشرع المبدل قد أتى بخلاف الشريعة وسماها شريعة، والشرع المؤول: عالم أخطأ في التأويل، مثل: الأئمة الذين ذكر أسماءهم فيما أخطئوا فيه، والشرع المنزل بالكتاب والسنة: فهذا هو الذي لا يجوز لأحد أن يخرج عنه، وإن اعتقد أحد جواز الخروج عنه كان كافراً. ثم يقول: (كما يفرق بين الحقيقة الكونية، والحقيقة الدينية الأمرية -الحقيقة الدينية: هي الشرعية-، وبين ما يستدل عليها بالكتاب والسنة، وبين ما يكتفى فيها بذوق صاحبها ووجده). أي: أن الحقيقة الدينية الشرعية لا بد أن يكون عليها دليل، وأي قول وأي حال وأي طريق وأي عمل لا بد أن يكون الاستدلال له من الكتاب والسنة، وأما أن يستدل بالذوق والوجد فهذا لا يجوز.

стр. 72

الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان [٧] إن الله قد يكرم أولياءه بخوارق عجيبة؛ لمكانتهم عنده، وإيمانهم بدينه الذي جاءهم به رسوله ﷺ ، فميزوا بين أوامره الشرعية الدينية، وبين أوامره الكونية التي لابد من وقوعها، فسارعوا في امتثال أوامره وإرادته الشرعية، والانتهاء عما نهى عنه منها؛ فبلغوا تلك المنزلة العلية والدرجة المرضية.

стр. 73

تبيين الله في كتابه الفرق بين الكون الذي خلقه والدين الذي شرعه قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فصل: وقد بين الله في كتابه الفرق بين الإرادة والأمر والقضاء والإذن والتحريم والبعث والإرسال والكلام والجعل. وبين الكوني الذي خلقه وقدره وقضاه وإن كان لم يأمر به ولا يحبه ولا يرضاه، ولا يثيب أصحابه ولا يجعلهم من أوليائه المتقين، وبين الديني الذي أمر به وشرعه وأحبه ورضيه وأحب فاعليه وأثابهم وأكرمهم وجعلهم من أوليائه المتقين وحزبه وجنده الغالبين]. هذا الكلام كله في الفرق بين الإرادة الشرعية والإرادة الكونية؛ فكون الله يريد أن يوجد شيئاً، ليس معناه أنه يرضاه، أو يحبه، أو لا يعاقب الذي فعله وهو حرام؛ فالكفر وقع من أكثر الناس، والله هو الذي خلقهم، ولكن كون الله خلقهم لا يعني أنه لا يعذبهم، أو أنه لا يسخط عليهم، فهو يسخط الكفر والفسوق والعصيان. وليس لأحد أن يحتج بإرادة الله أو بأمره الكوني على ترك الأوامر الشرعية. ثم قال: [وهذا من أعظم الفروق التي يفرق بها بين أولياء الله وأعدائه، فمن استعمله الرب فيما يحبه ويرضاه ومات على ذلك كان من أوليائه، ومن كان عمله فيما يبغضه الرب ويكرهه ومات على ذلك كان من أعدائه]. هذه من أعظم الفروق المهمة التي لا بد أن يفرق بها بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان؛ لأن كثيراً من الناس يعتقد في شخص معين أنه من أولياء الله حتى ولو كفر وأتى الفواحش والمنكرات والعياذ بالله. وكثير جداً من الناس يظن أن جريان بعض الخوارق للعادات دليل على الولاية وليس كذلك، بل الولي هو ينقاد للأمر الشرعي الديني والإرادة الشرعية الدينية ويموت على ذلك، وأما من يخالف الأمر الشرعي ويموت على ذلك فهو العدو.

стр. 74

حقيقة الإرادة الكونية والإرادة الدينية قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فالإرادة الكونية هي مشيئته لما خلقه، وجميع المخلوقات داخلة في مشيئته وإرادته الكونية]. يعني: أنه يقدر خيرها وشرها، والإيمان بالقدر كوني وشرعي، فالله هو الذي قدر وجود الخير وقدر وجود الشر، ولم يقل: إن الشر خارج عن قضاء الله، أو عن قدره، بل إن الشر واقع بقضاء الله، وهو مخلوق من مخلوقاته، فهذا إبليس مخلوق، بل هو شر والعياذ بالله، وهو مصدر فعل الشر في الناس بوسوسته لهم، ومع ذلك فإن الله ، لا يحب إبليس، ولا أفعاله، ولا من يستجيب لوسوسته. ثم قال: [والإرادة الدينية: هي المتضمنة لمحبته ورضاه، المتناولة لما أمر به وجعله شرعاً وديناً، وهذه مختصة بالإيمان والعمل الصالح]. يعني: ليست شاملة لكل المخلوقات، بل في الخير فقط؛ لأن الله يحب الإيمان والعمل الصالح، ويحب المتقين والمحسنين. ثم قال: [قال الله تعالى في الأولى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام:١٢٥]]. هذه الإرادة الكونية، يعني: إرادة أن يكون هذا مؤمناً وأن يكون هذا كافراً. قوله: ((فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ)). هذا فيه ترغيب للإنسان بسلوك طريق الهداية وقوله: ((يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ)). يعني: يشرح بمعنى يجعل الله الهداية في قلبه، والإسلام هو شرع الله . وقوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا ٣) [الأنعام:١٢٥]. هذا الجعل كوني، والحرج مثل الشجرة التي تكون محاطة بأشواك من كل جانب فلا يستطاع الوصول إليها، فالحرج: هو الشيء الضيق. وقوله: ((كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ)). أي: كأنما يكلف الصعود في السماء، أو كأنما يكلف المستحيل، حين يقولون له: اطلع إلى السماء وهو في الأرض، وهو لا يستطيع. والمؤلف رحمه الله تعالى سيذكر الآن جملة من الآيات في الإرادة الكونية، ومن ثم يذكر الفرق بينها وبين الإرادة الشرعية. ثم قال: [وقال نوح ﵇ لقومه: ﴿وَلا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود:٣٤]]. فهنا يريد الله إغواء الناس ومع ذلك لا يكون هذا منه ظلماً؛ لأن إرادة الإغواء وقعت فيهم من خلال عملهم؛ والله تعالى قد أعطاهم قدرة وعقلاً، وأرسل إليهم رسلاً، وأعطاهم إرادة، وهم فعلوا بإرادتهم ما يخالف ما جاءت به الرسل، فالحجة قائمة لله على عباده، ولم يظلمهم؛ لأنه يتصرف في ملكه بالحكمة والعدل، فالملك ملكه ، وليس معنى ذلك أنه يتصرف فيه حتى ولو كان بالظلم والعدوان، حاشاه تعالى أن يظلم نفساً شيئاً، ولا يوجد أحد أرغمه الله وأكرهه على فعل الشر وهو يريد الخير، ولا يوجد شخص وجد يده رفعت وأمسكت زجاجة خمر وصبتها في فمه من غير إرادة منه، ولا يوجد شخص وجد نفسه يسجد للصنم مغصوباً، وأيضاً لا يوجد شخص وجد نفسه يجر غصباً عنه إلى الزنا، ولو كان كذلك لكان غير مكلف، ومعلوم أنه لو اغتصبت امرأة فهي غير آثمة، ولو أن شخصاً وضعوا رأسه غصباً أمام صنم فهو غير آثم؛ بالقيد الذي في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦] فلا يعاقب على ذلك. فنقول: إن الله يريد إغوائهم؛ لأنهم أهل شر وفساد، والله تعالى أعلم بالظالمين. ثم قال: [وقال تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ [الرعد:١١]]. تقول المعتزلة: الله لا يريد إلا الخير. نقول: نعم، لا يريد إلا الخير شرعاً، لكن لا تقل: لا يريد إلا الخير كوناً؛ لأن الله تعالى يقول: ((وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا))، فهؤلاء أراد الله بهم سوءاً. ثم قال: [وقال الله تعالى في الثانية، ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥]] هذه الإرادة الشرعية، ولو كانت هذه الإرادة كونية، لكان لكانت أمور الدنيا ميسرة وليس فيها عسر وضيق، لكن يريد الله بكم اليسر في الشريعة. ثم قال: [وقال في آية الطهارة: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة:٦]، ولما ذكر ما أحله وما حرمه من النكاح، قال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٢٦ - ٢٧]]. هذه إرادة شرعية، ولو كانت هذه إرادة كونية لتاب الناس كلهم بقوله: ((كُنْ فَيَكُونُ))، وكذلك قوله: ((يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ)) لو كانت هذه الهداية هداية الخلق التي هي خلق الإرادة في قلوبهم، أي: الإرادة الكونية لاهتدى جميع الناس. ثم قال: [﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء:٢٨]] أي: هذه الشرائع أراد الله منها أن يخفف عنكم. ثم قال: [وقال لما ذكر ما أمر به أزواج النبي ﷺ وما نهاهم عنه قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب:٣٣]، والمعنى أنه أمركم بما يذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً، فمن أطاع أمره كان مطهراً قد أذهب عنه الرجس، بخلاف من عصاه.

стр. 75

حقيقة الأمر الكوني والأمر الديني قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأما الأمر فقال -في الأمر الكوني-: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل:٤٠]. وقال تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر:٥٠]]. يعني: لا يقال: كن مرتين، وإنما أمر الله واحداً. وقوله: ((كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ)) هذا تشبيه؛ لأن أقرب شيء نعرفه لمحة البصر؛ لكن الأمر أسرع منها، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢]. ثم قال: [وقال تعالى: ﴿أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ﴾ [يونس:٢٤]]. يعني: أمر الله بإهلاك القرية الظالمة، حيث أتاها أمرنا في وقت من ليل الأرض أو نهارها، وليس ذلك الإهلاك يوم القيامة. إذاً: فالإرادة الشرعية إرادة من الله، أما قوله: ((إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ))، فالذي أراد هو الله، وهذه إرادة كونية، أما قوله ((يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ))، فهذه أرادة شرعية، فلا يجوز أن تقول لما يريد العبد الهداية: إن الله لا يريد له الهداية. والإيمان بالقدر أخبرنا الله به؛ من أجل أن نعلم أن الأمر بيده . إذاً: فإرادة الله الكونية صفة من صفاته، إرادته الشرعية كذلك صفة من صفاته، وهناك نوعان من الكلام، كما سيأتي، فكلمة: (أقيموا الصلاة) وآتوا الزكاة، ليستا مثل: (كن فيكون). يعني: لو كانت (فأقيموا الصلاة) من جنس (كن فيكون) لأسرع الناس إلى إقامتها مثلما يجري الدم في عروقهم، ولكان الأمر كذلك في رمضان، فلا يقدر أحد أن يأكل في نهاره، وكذا وقت إخراج الزكاة فإذا لم تخرج خرجت بإرادة كن فيكون، وتصل للفقراء تلقائياً، لكن نقول: إن أمر أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، غير: (كن فيكون) وغير ﴿وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ [التوبة:٤٦] وغير: ﴿اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ [البقرة:٣٨] وغير ﴿اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا﴾ [الأعراف:١٨]، فهذه أوامر كونية لابد من وقوعها وليست شرعية دينية. ثم قال: [وأما الأمر الديني، فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:٩٠]]. قوله: (إن الله يأمر بالعدل) لو كان هذا الأمر كونياً لما كان هناك ظلم في الدنيا أبداً؛ لكن المعنى: أنه شرع العدل وأمر به ولم يجبر الخق عليه، فهو يثيب من فعله، ويعاقب من تركه. ثم قال: [وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء:٥٨]].

стр. 76

الإذن الكوني والديني قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأما الإذن: فقال في الكوني -لما ذكر السحر-: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٠٢]، أي: بمشيئته وقدرته، وإلا فالسحر لم يبحه الله . ثم قال المؤلف: وقال في الديني: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:٢١]]. يعني: هذا الشرك الذي وقع كان بإذن الله الكوني، ولم يأذن الله به شرعاً، ولذلك قال الله: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:٢١]، أي: لم يأذن به الله الإذن الديني. ثم قال: [وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب:٤٥ - ٤٦]]. يعني: بإذنه الشرعي، أذن الله لك في الدعوة إليه، وهذا أذن شرعي؛ لأنه متعلق بالإذن في الدعوة والإذن في الإيمان، فهذا فرعون، يريد من الناس أن يستأذنوه في الإيمان فقال: ﴿آمَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ [الأعراف:١٢٣]، فالله هو الذي أذن في الإيمان والدعوة شرعاً. ثم قال: [وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء:٦٤]، فهذا إذن اجتمع فيه أمران، إذن الله الشرعي، وإذنه الكوني. ثم قال: [وقال تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الحشر:٥]] يعني: لما أمر الرسول ﷺ بقطع نخل بني النضير من أجل أن يرغمهم على الاستسلام، اعترضوا وقالوا: كيف يأمر محمد بذلك؟!

стр. 77

القضاء الكوني والديني قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأما القضاء فقال في الكوني: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت:١٢]، وقال سبحانه: ﴿َإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة:١١٧]. وقال في الديني: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:٢٣]، أي أمر، وليس المراد به قدر ذلك، فإنه قد عبد غيره كما أخبر في غير موضع، كقوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس:١٨]]. وقد جاء في تفسير ابن عربي عند قوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:٢٣]، تفسير هذا بالقضاء الكوني، فيكون المعنى: أن كل من عبد شيئاً غير الله يكون عابداً لله، وهذا كفر والعياذ بالله. ثم قال: [وقول الخليل ﵇ لقومه: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:٧٥ - ٧٧]. وقال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [الممتحنة:٤]. وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون:١ - ٦] والآية الأخيرة تعني: البراءة التامة، وليس معنى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون:٦] أن يتركوا على ما هم عليه، وإنما المعنى: إنما أنتم كفار بذلك. ثم قال: [وهذه كلمة تقتضي براءته من دينهم، ولا تقتضي رضاه بذلك، كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [يونس:٤١]، ومن ظن من الملاحدة أن هذا رضا منه بدين الكفار فهو من أكذب الناس وأكفرهم، كمن ظن أن قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:٢٣] بمعنى قدر، وأن الله ما قضى بشيء إلا وقع، وجعل عباد الأصنام ما عبدوا إلا الله، فإن هذا من أعظم الناس كفراً.

стр. 78

البعث الكوني والديني قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأما لفظ العبث: فقال تعالى في البعث الكوني: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا﴾ [الإسراء:٥]]. يعني: سلط الله تعالى على بني إسرائيل ملكاً جباراً، ولم يكن ذلك إلا بعد كفرهم، فهذا بأس كوني. وقوله: ((فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ))، أي: خلال المسجد الأقصى الذي بناه يعقوب أو إبراهيم أو إسحاق ﵈، فبيت المقدس بني على التوحيد، وهو خير مسجد في الأرض بعد المسجد الحرام، والمسجد النبوي، وما تدميره من قبل اليهود بل وما تسلط اليهود على المسلمين؛ إلا لأنهم مفرطون في حق الله تعالى، حتى قام النصارى بوضع الصليب على قبة الصخرة. قوله: ﴿وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ [الإسراء:٧]، يعني لما دخل المسلمون يبت المقدس في عهد عمر لم يتبروه، ولما دخلوه في عهد صلاح الدين رغم النصارى، فإن المسلمين لم يدمروا المسجد الأقصى بل لم يدخلوه إلا معظمين له. وقوله: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ [الإسراء:٨]، هذا من أجل التخفيف عنهم؛ لأن المسلمين لما دخلوا بيت المقدس كان دخولهم رحمة بالنصارى المشركين. ثم قال: [وقال في البعث الديني: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [الجمعة:٢]. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]]. هذا بعث شرعي يعني: بعث الله الرسل برسالة وكلفهم بأن يبلغوا الناس بعبادة الله وحده، واجتناب الطاغوت.

стр. 79

الإرسال الكوني والديني قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأما لفظ الإرسال: فقال في الإرسال الكوني: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ [مريم:٨٣]]. أي: تجذبهم إلى مخالفة شرع الله تعالى، وتجلبهم إلى الفساد، فهذا الإرسال كوني. ثم قال: [وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الفرقان:٤٨]، هذا إرسال كوني. وقال في الديني: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب:٤٥]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ [نوح:١]. وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا﴾ [المزمل:١٥]، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج:٧٥].

стр. 80

الجعل الكوني والديني قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأما لفظ الجعل فقال في الكوني: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [القصص:٤١]]. وقال في الديني: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة:٤٨]، وقال: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ﴾ [المائدة:١٠٣]].

стр. 81

التحريم الكوني والديني قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأما لفظ التحريم، فقال في الكوني: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ [القصص:١٢]]. يعني: حرم الله على سيدنا موسى، الإرضاع من غير أمه، وهذا تحريم كوني. ثم قال: [وقال: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ﴾ [المائدة:٢٦]. وقال في الديني: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ﴾ [النساء:٢٣].

стр. 82

الكلمات الكونية والدينية قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأما لفظ الكلمات فقال في الكلمات الكونية: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ﴾ [التحريم:١٢]. وثبت في الصحيح أن النبي ﷺ أنه كان يقول: (أعوذ بكلمات الله التامة كلها، من شر ما خلق، ومن غضبه وعذابه وشر عباده، ومن همزات الشياطين وأن يحضرون). وقال ﷺ : (من نزل منزلاً فقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك)، وكان يقول: (أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر، ومن شر ما خلق في الأرض، ومن شر ما يخرج منها، ومن شر فتن الليل والنهار، ومن شر كل طارق، إلا طارق يطرق بخير يا رحمن)، وكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر، هي التي كون بها الكائنات، ولا يخرج بر ولا فاجر عن تكوينه ومشيئته. وأما كلماته الدينية، وهي كتبه المنزلة، وما فيها من أمره ونهيه، فأطاعها الأبرار وعصاها الفجار. وأولياء الله المتقون هم المطيعون لكلماته الدينية، وجعله الديني وإذنه الديني وأمره الديني وإرادته الدينية. وأما كلماته الكونية التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر، فإنه يدخل تحتها جميع خلقه حتى إبليس وجنوده، وجميع الكفار، وسائر من يدخل النار، فالخلق وإن اجتمعوا في شمول الخلق، والمشيئة من القدرة والقدر له، فقد افترقوا في الأمر والنهي والمحبة والرضا والغضب. فأولياء الله المتقون هم الذين فعلوا المأمور، وتركوا المحضور، وصبروا على المقدور، فأحبهم وأحبوه، ورضي عنهم ورضوا عنه، وأعداءه أولياء الشياطين، وإن كانوا تحت قدرته، فإنه يبغضهم ويمقتهم، ويغضب عليهم ويلعنهم ويعاديهم].

стр. 83

موافقة الرسول ﷺ هي جماع الفرق بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان يقول المؤلف رحمه الله تعالى: [وبسط هذه الجمل له موضع آخر، وإنما كتبت هنا تنبيهاً على مجامع الفرق بين أولياء ارحمن وأولياء والشيطان. وجماع الفرق بينهما: اعتبارهم موافقة رسول الله ﷺ ، فإنه هو الذي فرق الله تعالى به بين أوليائه السعداء، وأعدائه الأشقياء، وبين أوليائه أهل الجنة، وأعدائه أهل النار، وبين أوليائه أهل الهدى والرشاد، وأعدائه أهل الغي والضلال والفساد، وبين أوليائه جند الرحمن وأعدائه حزب الشيطان، وأوليائه الذين كتب في قلوبهم الإيمان، وأيدهم بروح منه، قال تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة:٢٢]. وقال تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال:١٢]. وقال في أعدائه: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ [الأنعام:١٢١]. وقال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام:١١٢]. وقال: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ * وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ [الشعراء:٢٢١ - ٢٢٧]. وقال تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لا تُبْصِرُونَ * إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ * وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ * تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ * وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ * وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ * وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ * وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ * فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة:٣٨ - ٧٤]]. فإذاً: أولياء الشيطان هم الذين يجادلون الرسل وأتباعهم، فأولياء الشيطان يوحي ويشير بعضهم إلى بعض بالقول المزخرف الباطل ليغر بعضهم بعضاً، فهم الأفاكون الآثمون المكذبون لرسل الله، الذين يقولون على رسول الله ﷺ : كاهن أو شاعر، وكذلك الذين يكذبون بالقرآن. ثم قال: [﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ * أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ * قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾ [الطور:٢٩ - ٣١]، إلى قوله: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ [الطور:٣٤]. فنزه نبينا محمداً ﷺ عمن تقترن به الشياطين من الكهان والشعراء والمجانين، وبين أن الذي جاءه بالقرآن ملك كريم، اصطفاه، الله تعالى، قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج:٧٥]، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * ﴿عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:١٩٢ - ١٩٥]. وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٩٧]. وقال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل:٩٨ - ١٠٠]، إلى قوله : ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل:١٠٢]، فسماه الروح الأمين. وسماه روح القدس وقال تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾ [التكوير:١٥ - ١٦]، يعني الكواكب التي تكون في السماء خانسة أي: مختفية قبل طلوعها، فإذا ظهرت رآها الناس جارية في السماء، فإذا غربت ذهبت إلى كناسها الذي يحجبها، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ [التكوير:١٧] أي: إذا أدبر وأقبل الصبح، ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ [التكوير:١٨]، أي: أقبل ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [التكوير:١٩]، وهو: جبريل ﵇، ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير:٢٠ - ٢١]، أي: مطاع في السماء أمين، ثم قال تعالى: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير:٢٢]، أي: صاحبكم الذي من الله عليكم به، إذ بعثه إليكم رسولاً من جنسكم، يصحبكم إذ كنتم لا تطيقون أن تروا الملائكة، كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الأَمْرُ ثُمَّ لا يُنظَرُونَ * وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام:٨ - ٩]. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ [التكوير:٢٣] أي: رأى جبريل ﵇، ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ [التكوير:٢٤]، أي: بمتهم، وفي القراءة الأخرى: (بضنين) أي: ببخيل يكتم العلم ولا يبذله إلا بجعل، كما يفعل من يكتم العلم إلا بالعوض، ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ [التكوير:٢٥]. فتنزه جبريل ﵇ عن أن يكون شيطاناً، كما نزه محمداً ﷺ عن أن يكون شاعراً أو كاهناً. فأولياء الله المتقون هم المقتدون بمحمد ﷺ ، فيفعلون ما أمر الله به، وينتهون عما نهى وزجر، ويقتدون به فيما بين لهم أن يتبعوه فيه، ويؤيدهم الله بملائكته وروح منه، ويقذف الله في قلوبهم من أنواره، ولهم الكرامات التي يكرم الله بها أولياءه المتقين].

стр. 84

الغاية من معجزات الرسول ﷺ وكرامات الأولياء قال المؤلف ﵀: [وخيار أولياء الله: كراماتهم لحجة في الدين، أو لحاجة بالمسلمين، كما كانت معجزات نبيهم ﷺ كذلك]. يعني: هذا أعظم ما يكرم به الإنسان، أن يأتي بكرامة تكون حجة في الدين، أو لحاجة للمسلمين. ثم قال: [وكرامات أولياء الله إنما حصلت ببركة اتباع رسوله ﷺ ، فهي في الحقيقة تدخل في معجزات الرسول ﷺ ، مثل: انشقاق القمر، وتسبيح الحصى في كفه، وإتيان الشجر إليه، وحنين الجذع إليه، وإخباره ليلة المعراج بصفة بيت المقدس، وإخباره بما كان وما يكون، وإتيانه بالكتاب العزيز، وتكثير الطعام والشراب مرات كثيرة، كما أشبع في الخندق العسكر من قدر طعام، وهو لم ينقص، في حديث أم سلمة المشهور، وروى المعسكر في غزوة خيبر من مزادة ماء ولم تنقص، وملأ أوعية العسكر في عام تبوك من طعام قليل ولم ينقص، وهم نحو ثلاثين ألفاً، ونبع الماء من بين أصابعه مرات عديدة، حتى كفى الناس الذين كانوا معه، كما كانوا في غزوة الحديبية نحو ألف وأربعمائة، أو خمسمائة، ورده لعين قتادة حين سالت على خده، ورجعت أحسن عينيه، ولما أرسل محمد بن مسلمة لقتل كعب بن الأشرف فوقع وانكسرت رجله فمسحها بيده الكريمة فبرأت، وأطعم من شواء مائة وثلاثين رجلاً، كل منهم حز له قطعة، وجعل منها قطعتين، ثم فضل فضله، وقضى دين عبد الله الذي لليهود وهو ثلاثون وسقاً، قال جابر: فأمر صاحب الدين أن يأخذ التمر جميعه بالذي له فلم يقبل، فمشى فيها رسول الله ﷺ ثم قال لـ جابر: (جد له فوفاه الثلاثين وسقاً وفضل سبعة عشر وسقاً)، ومثل هذا كثير، قد جمعت نحو ألف معجزة].

стр. 85

من كرامات الصحابة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكرامات الصحابة والتابعين بعدهم وسائر الصالحين كثيرة جداً، مثلما كان أسيد بن حضير يقرأ سورة الكهف، فنزل من السماء مثل الظلة، -سحابة- فيها أمثال السرج -المصابيح- وهي الملائكة نزلت تستمع. وكانت الملائكة تسلم على عمران بن حصين، وكان سلمان وأبو الدرداء يأكلان في صحفة فسبحت الصحفة، أو سبح ما فيها، وعباد بن بشر وأسيد بن حضير خرجا من عند رسول الله ﷺ في ليلة مظلمة، فأضاء لهما نور مثل طرف السوط، فلما افترقا افترق الضوء معهما، رواه البخاري وغيره. وقصة الصديق في الصحيحين: (لما ذهب بثلاثة أضياف معه إلى بيته، وجعل لا يأكل لقمة إلا ربا من أسفلها أكثر منها، فشبعوا وصارت أكثر مما هي قبل ذلك، فنظر إليها أبو بكر وامرأته فإذا هي أكثر مما كانت، فرفعها إلى رسول الله ﷺ وجاء إليه أقوام كثيرون، فأكلوا منها وشبعوا). وخبيب بن عدي كان أسيراً عند المشركين بمكة شرفها الله تعالى، وكان يؤتى بعنب يأكله وليس بمكة عنب. وعامر بن فهيرة قتل شهيداً فالتمسوا جسده، فلم يقدروا عليه، وكان لما قتل رفع، فرآه عامر بن الطفيل وقد رفع، فقال عروة: فيرون أن الملائكة رفعته. وخرجت أم أيمن مهاجرة، وليس معها زاد ولا ماء، فكادت تموت من العطش، فلما كان وقت الفطر وكانت صائمة، سمعت حساً على رأسها فرفعته فإذا دلو برشاء أبيض معلق، فشربت منه حتى رويت، وما عطشت بقية عمرها. وسفينة مولى رسول الله ﷺ أخبر الأسد بأنه مولى رسول الله ﷺ فمشى معه الأسد حتى أوصله مقصده. والبراء بن مالك، كان إذا أقسم على الله تعالى أبر قسمه، وكان الحرب إذا اشتدت على المسلمين في الجهاد، فيقولون: يا براء أقسم على ربك، فيقول، يا رب! أقسمت عليك لما منحتنا أكتافهم، فيهزم العدو، فلما كان يوم تستر، قال: أقسمت عليك يا رب، لما منحتنا أكتافهم وجعلتني أول شهيد، فمنحوا أكتافهم، وقتل البراء شهيداً. وخالد بن الوليد حاصر حصناً فقالوا: لا نسلم حتى تشرب السم، فشربه ولم يضره]. وهذا ثبوته فيه نظر، وكل ما تقدم ثابت في الصحيح. ثم قال: [وسعد بن أبي وقاص: كان مستجاب الدعوة، ما دعا قط إلا استجيب له، وهو الذي هزم جنود كسرى، وفتح العراق. وعمر بن الخطاب لما أرسل جيشاً أمر عليهم رجلاً يسمى: سارية، فبينما عمر يخطب فجعل يصيح على المنبر، يا سارية الجبل، يا سارية الجبل -يعني الزم الجبل- فقدم رسول الجيش، فسأل، يا أمير المؤمنين، لقينا عدونا فهزمونا، فإذا بصائح: يا سارية الجبل، يا سارية الجبل، فأسندنا ظهورنا بالجبل، فهزمهم الله. ولما عذبت الزنيرة على الإسلام في الله تعالى، فأبت إلا الإسلام، وذهب بصرها، قال المشركون، ما أصاب بصرها اللات والعزى، قالت: كلا والله، فرد الله عليها بصرها. ودعا سعيد بن زيد على أروى بنت أنيس لما كذبت عليه فقال: اللهم إن كانت كاذبة، فأعم بصرها واقتلها في أرضها، فعميت ووقعت في حفرة من أرضها فماتت. والعلاء بن الحضرمي: كان عامل رسول الله ﷺ على البحرين، وكان يقول في دعائه: يا عليم يا حليم يا علي يا عظيم، فيستجاب له، ودعا الله بأن يسقوا ويتوضئوا لما عدموا الماء، ولا يبقى الماء بعدهم فأجيب، ودعا الله لما اعترضهم البحر، ولم يقدروا على المرور بخيولهم، فمروا كلهم على الماء ما ابتلت سرج خيولهم، ودعا الله أن لا يروا جسده إذا مات، فلم يجدوه في اللحد].

стр. 86

من كرامات التابعين قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وجرى مثل ذلك لـ أبي مسلم الخولاني، الذي ألقي في النار، فإنه مشى هو ومن معه من العسكر على دجلة وهي ترمي بالخشب من مداها، ثم التفت إلى أصحابه فقال: هل تفقدون من متاعكم شيئاً، حتى أدعو الله فيه؟ فقال بعضهم: فقدت مخلاة، فقال: اتبعني، فتبعه فوجدها قد تعلقت بشيء فأخذها، وطلبه الأسود العنسي لما ادعى النبوة، فقال له: أتشهد أني رسول الله، قال: ما أسمع، قال: أتشهد أن محمداً رسول الله، ﷺ قال: نعم، فأمر بنار، فألقي فيها، فوجدوه قائماً يصلي فيها، فقد صارت عليه برداً وسلاماً، وقدم المدينة بعد موت النبي ﷺ ، فأجلسه عمر بينه وبين أبي بكر الصديق ﵄ وقال: الحمد لله الذي لم يمتني حتى أرى من أمة محمد ﷺ من فعل به كما فعل بإبراهيم خليل الله، ووضعت له جارية السم في طعامه، فلم يضره، وقد خببت امرأة عليه زوجته، فدعا عليها فعميت، فجاءت وتابت، فدعا لها فرد الله عليها بصرها. وكان عامر بن عبد قيس، يأخذ عطاءه ألفي درهم في كمه، وما يلقاه من سائل في طريقه إلا أعطاه بغير عدد، ثم يجيء إلى بيته فلا يتغير عددها ولا وزنها، ومر بقافلة قد حبسها الأسد، فجاء حتى مس بثيابه الأسد، ثم وضع رجله على عنقه، وقال: إنما أنت كلب من كلاب الرحمن، وإني أستحي أن أخاف شيئاً غيره، ومرت القافلة، ودعا الله تعالى أن يهون عليه الطهور في الشتاء، فكان يؤتى بالماء له بخار، ودعا ربه أن يمنع قلبه من الشيطان وهو في الصلاة، يعني فلم يقدر الشيطان عليه. وتغيب الحسن البصري عن الحجاج، فدخلوا عليه ست مرات، فدعا الله فلم يروه، ودعا على بعض الخوارج كان يؤذيه، فخر ميتاً. وصله بن أشيم مات فرسه وهو في الغزو، فقال: اللهم لا تجعل لمخلوق علي منة، ودعا الله فأحيا له فرسه، فلما وصل إلى بيته، قال: يا بني! خذ سرج الفرس، فإنه عارية، فأخذ سرجه فمات الفرس، وجاء مرة بالأهواز فدعا الله واستطعمه، فوقت خلفه دخوله رطب في ثوب حرير، فأكل التمر وبقي الثوب عند زوجته زماناً، وجاءه الأسد وهو يصلي في غيضة بالليل، فلما سلم قال له: اطلب الرزق من غير هذا الموضع، فولى الأسد وله زئير. وكان سعيد بن المسيب في أيام الحرة يسمع الأذان من قبر رسول الله ﷺ في أوقات الصلوات، وكان المسجد قد خلا فلم يبق فيه غيره. ورجل من النخع كان له حمار، فمات في الطريق، فقال له أصحابه: هلم نتوزع متاعك على رحالنا، فقال لهم: أمهلوني هنيهة، ثم توضأ فأحسن الوضوء، وصلى ركعتين ودعا الله تعالى فأحيا له حماره، فحمل عليه متاعه. ولما مات أويس القرني، وجدوا في ثيابه أكفاناً لم تكن معه قبل، ووجدوا له قبراً محفوراً، فيه لحد في صخرة، فدفنوه فيه وكفونه في تلك الأثواب. وكان عمرو بن عتبة بن فرقد يصلي يوماً في شدة الحر، فأظلته غمامة، وكان السبع يحميه وهو يرعى ركاب أصحابه؛ لأنه كان يشترط على أصحابه في الغزو أن يخدمهم. وكان مطرف بن عبد الله بن الشخير إذا دخل بيته سبحت معه آنيته، وكان هو وصاحب له يسيران في ظلمة، فأضاء لهما طرف السوط. ولما مات الأحنف بن قيس وقعت قلنسوة رجل في قبره، فأهوى ليأخذها، فوجد القبر قد فسح فيه مد البصر. وكان إبراهيم التيمي يقيم الشهر والشهرين لا يأكل شيئاً، وخرج يمتاز لأهله طعاماً، فلم يقدر عليه، فمر بسهلة حمراء فأخذ منها ثم رجع إلى أهله، ففتحوها فإذا هي حنطة حمراء، فكان إذا زرع منها، تخرج السنبلة من أصلها إلى فرعها حباً متراكباً. وكان عتبة بن الغلام سأل ربه ثلاث خصال: صوتاً حسناً، ودمعاً غزيراً، وطعاماً من غير تكلف، فكان إذا قرأ بكى وأبكى، ودموعه جارية دهره، وكان يأوي إلى منزله، فيصيب فيه قوته، ولا يدري من أين يأتيه. وكان عبد الواحد بن زيد أصابه الفالج -الشلل النصفي- فسأل ربه أن يطلق له أعضاءه وقت الوضوء، فكانت وقت الوضوء تطلق له أعضاؤه، ثم تعود بعده. وهذا باب واسع، قد بسط الكلام على كرامات الأولياء في غير هذا الموضع، وأما ما نعرفه نحن عياناً ونعرفه في هذا الزمان فكثير.

стр. 87

الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان [٨] الإيمان بكرامات الأولياء مذهب أهل السنة والجماعة، وكرامات أولياء الله إنما تحصل ببركة اتباع النبي ﷺ ، وتحصل هذه الكرامات بحسب حاجة الرجل إليها، فمن الناس من هو ضعيف إيمانه فتأتيه الكرامة لتقوي إيمانه, ويكون من هو أكمل ولاية لله منه مستغنياً عن ذلك، فلا يأتيه مثل ذلك لعلو درجته وغناه عنها، وهي بخلاف الأحوال الشيطانية الذين يلبس بها أصحابها على الناس، ويدعون أموراً وكرامات لهم، وهي في الحقيقة من الشياطين المتعاونين معهم.

стр. 88

مقتضيات الكرامة ومراتب الأولياء في ذلك قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومما ينبغي أن يعرف أن الكرامات قد تكون بحسب حاجة الرجل، فإذا احتاج إليها الضعيف الإيمان، أو المحتاج، أتاه منها ما يقوي إيمانه ويسد حاجته، ويكون من هو أكمل ولاية لله منه مستغنياً عن ذلك، فلا يأتيه مثل ذلك لعلو درجته وغناه عنها، لا لنقص ولايته. الكرامة المقصود بها هنا: خوارق العادات، وهذه لا تدل على ارتفاع منزلة من تأتيه هذه الخوارق، يعني: لا يلزم أن يكون الرجل من أولياء الله حتى تأتيه هذه الخوارق، بل قد لا تأتيه الخوارق ويكون من أعظم أولياء الله ، وممن لا شك في ولايتهم الأئمة الكبار، الذين أجمعت الأمة على الثناء عليهم: كـ مالك والشافعي وأحمد وأبي حنفية والبخاري ومسلم، ومعلوم أن أكثرهم لم يكن لهم خوارق لنقص الولاية، بل لاستغنائه عن ذلك. ثم يقول: [ولهذا كانت هذه الأمور في التابعين أكثر منها في الصحابة] أي: أن هناك من الصحابة من بشر بالجنة، ولم يذكر له من خوارق العادات. ثم يقول: [بخلاف من يجري على يديه الخوارق لهدى الخلق ولحاجتهم، فهؤلاء أعظم درجة] يعني: لا لحاجة أنفسهم، بل لحاجة الناس.

стр. 89

أصحاب الأحوال الشيطانية المخالفة للأحوال الإيمانية قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهذا بخلاف الأحوال الشيطانية، مثل حال عبد الله بن صياد الذي ظهر في زمن النبي ﷺ وكان قد ظن بعض الصحابة أنه الدجال] أي: أن عمر ﵁ كان يقسم أن ابن صياد هو الدجال. ثم قال: [وتوقف النبي ﷺ في أمره حتى تبين له فيما بعد أنه ليس هو الدجال]. وذلك أن الرسول ﷺ صدق تميماً فيما أخبره من أن الدجال موجود في إحدى جزر البحر جهة المشرق، وهذا تنافى مع كونه ابن صياد، ولكن ابن صياد يعتبر دجالاً من الدجاجلة، لكن ليس هو المسيح الدجال وإن كان قد أخبر أنه يعرف الدجال وأمه وأباه، ويعرف مولده ومقاله، وأين هو الآن. فالدجال صادق وكاذب، كما قال النبي ﷺ : (لبس عليه، وقال: أرى عرشاً على الماء)، أي: أن هذا من توهيم الشيطان له، فظن أن عرش إبليس الذي رآه على الماء هو عرش الرحمن، يعني: ليظن أن ما يراه من تلبيسات الشياطين هي أحوال رحمانية، كمن ظن رجل من أهل الضلال أنه رأى الله ، وهو إنما رأى الشياطين، وهكذا كان ابن صياد يرى عرش إبليس على الماء، فظن أنه عرش الرحمن ؛ لأن الله يقول: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود:٧]. وهو في الحقيقة إنما يرى عرش إبليس على البحر. ثم قال: [وتوقف النبي ﷺ في أمره حتى تبين له فيما بعد أنه ليس هو الدجال، لكنه كان من جنس الكهان قال له النبي ﷺ : (قد خبأت له خبئاً، قال: الدخ الدخ، وقد كان خبأ له سورة الدخان)]. وربما تحدث النبي ﷺ بشيء من ذلك فلم يلتقط قرينه إلا الدخ، فألقاها على ابن صياد، فلم يعرف ابن صياد أن يقول للنبي ﷺ ما خبأه له إلا ما سمعه من القرين، وهو: الدخ. ثم قال: [فقال له النبي ﷺ : (اخسأ فلن تعدو قدرك)، يعني: إنما أنت من إخوان الكهان. والكهان كأن يكون لأحدهم القرين من الشياطين يخبره بكثير من المغيبات مما يسترقه من السمع، وكانوا يخلطون الصدق بالكذب كما في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري وغيره أن النبي ﷺ قال: (إن الملائكة تنزل في العنان -وهو السحاب- فتذكر الأمر قضي في السماء، فتسترق الشياطين السمع، فتوحيه إلى الكهان فيكذبون معها مائة كذبة من عند أنفسهم). وفي الحديث الذي رواه مسلم عن ابن عباس ﵄ قال: (بينما النبي ﷺ في نفر من الأنصار، إذ رمي بنجم فاستنار - أي: عمل إضاءة قوية ساعة وصوله إلى الأرض- فقال النبي ﷺ : ما كنتم تقولون لمثل هذا في الجاهلية إذا رأيتموه؟ قالوا: كنا نقول: يموت عظيم أو يولد عظيم، فقال رسول الله ﷺ : فإنه لا يرمى بها لموت أحد ولا لحياته، ولكن ربنا ﵎ إذا قضى أمراً سبح حملة العرش، ثم سبح أهل السماء الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، حتى يبلغ التسبيح أهل هذه السماء، ثم يسأل أهل السماء السابعة حملة العرش: ماذا قال ربنا؟ فيخبرونهم، ثم يستخبر أهل كل سماء حتى يبلغ الخبر أهل السماء الدنيا، وتخطف الشياطين السمع فيرمون، فيقذفونه إلى أوليائهم، فما جاءوا به على وجهه فهو حق، ولكنهم يزيدون). وفي رواية: قال: معمر: قلت للزهري: أكان يرمى بها في الجاهلية؟ قال: نعم، ولكنها غلظت حين بعث النبي ﷺ ]. أي: أنه كما دلت عليه آيات القرآن فقال عن الجن: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا * وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ [الجن:٨ - ٩]، أي: منعت الجن من السماع؛ وذلك حماية للوحي، وحتى لا يأخذوا شيئاً منه إلى أحد من الكهان، وهذا الذي ظهر من الكهان إنما يسترق لهم الشياطين السمع ليخبروهم ببعض هذه المغيبات. ثم يقول: [والأسود العنسي الذي ادعى النبوة كان له من الشياطين من يخبره ببعض الأمور المغيبة، فلما قاتله المسلمون كانوا يخافون من الشياطين أن يخبروه بما يقولون فيه، حتى أعانتهم عليه امرأته، لما تبين لها كفره فقتلوه. وكذلك مسيلمة الكذاب، كان معه من الشياطين من يخبره بالمغيبات، ويعينه على بعض الأمور. وأمثال هؤلاء كثيرون مثل الحارث الدمشقي، الذي خرج بالشام زمن عبد الملك بن مروان، وادعى النبوة، وكانت الشياطين تخرج رجليه من القيد، وتمنع السلاح أن تنفذ فيه، وتسبح الرخامة إذا مسحها بيده، وكان يري الناس رجالاً وركباناً على خيل في الهواء، ويقول: هي الملائكة، وإنما كانوا جناً، ولما أمسكه المسلمون ليقتلوه طعنه الطاعن بالرمح فلم ينفذ فيه، فقال له عبد الملك: إنك لم تسم الله، فسمى الله وطعنه فقتله. وهكذا أهل الأحوال الشيطانية، تنصرف عنهم شياطينهم إذا ذكر عندهم ما يطردها، مثل: آية الكرسي، فإنه قد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ في حديث أبي هريرة ﵁: (لما وكله النبي ﷺ بحفظ زكاة الفطر، فسرق منه الشيطان ليلة بعد ليلة، وهو يمسكه فيتوب فيطلقه، فيقول له النبي ﷺ : ما فعل أسيرك البارحة؟ فيقول: زعم أنه لا يعود، فيقول: كذبك وإنه سيعود، فلما كان في المرة الثالثة قال: دعني حتى أعلمك ما ينفعك، إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥] إلى آخرها، فإنه لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح، فلما أخبر النبي ﷺ قال: صدقك وهو كذوب)، وأخبره أنه شيطان. ولهذا إذا قرأها الإنسان عند الأحوال الشيطانية بصدق أبطلتها، مثل من يدخل النار بحال شيطاني، أو يحضر سماع المكاء والتصدية فتنزل عليه الشياطين] يعني: يتواجدون عند سماع الأناشيد ويسمى بـ (الحضرة). ثم قال: [وتتكلم على لسانه كلاماً لا يعلم، ربما لا يفقه، وربما كاشف بعض الحاضرين بما في قلبه، وربما تكلم بألسنة مختلفة، كما تتكلم الجن على لسان المصروع، والإنسان الذي حصل له الحال لا يدري بذلك بمنزلة المصروع الذي يتخبطه الشيطان من المس، ولبسه وتكلم على لسانه، فإذا أفاق لم لا يشعر بشيء مما قال، ولهذا قد يضرب المصروع ضرباً كثيراً حتى قد يقتل مثله الإنسي أو يمرضه لو كان هو المضروب، وذلك الضرب لا يؤثر في الإنسي، ويخبر إذا أفاق أنه لم يشعر بشيء من الضرب؛ لأن الضرب كان على الجني الذي لبسه. ومن هؤلاء من يأتيه الشيطان بأطعمة وفواكه وحلوى وغير ذلك مما لا يكون في ذلك الموضع]. وقد أخبرني من أثق به عن الأحوال الشيطانية هذه، فقال: إن بعض النعوش طارت بالميت، وكان هناك شيخ سني قام فأمسك بقائمة النعش وقرأ آية الكرسي، فحمل النعش إلى المقابر بدون أدنى حركة. وأيضاً أخبرني بأن ممسوساً كان له علاقة بجني، فكانوا عندما يحتاجون إلى المال يأتيهم الجني بالمال، وبعد أن يأخذوا حاجتهم ويضعوه مثلاً تحت المخدة، أو فوق الثلاجة، فإذا قاموا لا يجدونه في مكانه، فكأن الجني كان يسرقه ثم يرجعه مرة أخرى. ثم يقول: [ومنهم من يطير به الجني إلى مكة أو بيت المقدس أو غيرهما] أي: أن طلب الاستعانة من الجن لا تجور؛ لأنها من الأحوال الشيطانية، لكن لو سمع شيئاً من غير طلب، وكان أمراً مباحاً جاز لنا أن ننتفع به، ولكن ليس لنا أن نطلب من الجني أن يفعل شيئاً، ولا أن نستخبره على أشياء؛ لأنه قد يخبرنا بأشياء لا نعرف صدقه من كذبه. كذلك قضية الاستخبار أو قضية الاستعانة، وطلب فعل الأشياء، قد جعلها شيخ الإسلام من الأحوال الشيطانية، فقال: ومن هؤلاء من يأتيه الشيطان بأطعمة وفواكه وحلوى، وهذه الأشياء مباحة في الأصل. ومع ذلك أصبحت من الأحوال الشيطانية؛ لأن من يحصل لهم مثل ذلك يلبسون على الناس كثيراً جداً، ويقولون للناس: عندنا جن من المسلمين نستعين بهم من أجل معالجة المرضى، ويستدلون على جواز ذلك بقصة سؤال النبي ﷺ ابن صياد لكن نقول لهم: إن النبي ﷺ سأل عن أشياء من أجل أن يعرف صدق ابن صياد من كذبه، ومعرفة حاله ومن يأتيه ونحو ذلك، فالذي عنده قدرة على ذلك، ويستطيع أن يسأل هذا الجني فليفعل، والرسول ﷺ إنما سأل ابن صياد امتحاناً له وتعرفاً عليه، وليس طلباً لإخبار غيبيات كما يفعل كثير من المشعوذين. ثم يقول: [ومنهم من يحمله عشية عرفة ثم يعيده من ليلته، فلا يحج حجاً شرعياً، بل يذهب بثيابه ولا يحرم إذا حاذى الميقات ولا يلبي، ولا يقف بمزدلفة، ولا يطوف بالبيت، ولا يسعى بين الصفا والمروة، ولا يرمي الجمار، بل يقف بعرفة بثيابه، ثم يرجع من ليلته، وهذا ليس بحج مشروع باتفاق المسلمين، بل هو كمن يأتي الجمعة ويصلي بغير وضوء وإلى غير القبلة. ومن هؤلاء المحمولين من حمل مرة إلى عرفات ورجع فرأى في النوم ملائكة يكتبون الحجاج، فقال: ألا تكتبوني؟ فقالوا: لست من الحجاج، يعني: لم تحج حجاً شرعياً.

стр. 90

بعض الفروق بين كرامات الأولياء وما يشبهها من الأحوال الشيطانية قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وبين كرامات الأولياء وبين ما يشبهها من الأحوال الشيطانية فروق متعددة، منها: أن كرامات الأولياء سببها الإيمان والتقوى، والأحوال الشيطانية سببها ما نهى الله عنه ورسوله ﷺ . وقد قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣٣]، فالقول على الله بغير علم، والشرك، والظلم، والفواحش، قد حرمها الله تعالى ورسوله ﷺ ، فلا تكونون سبباً لكرامة الله تعالى، ولا يستعان بالكرامات عليها]. إن أعلى كرامة يكرم الله بها عبده هي الهداية والتوفيق لطاعته . ثم يقول: [فإذا كانت لا تحصل بالصلاة والذكر وقراءة القرآن، بل تحصل بما يحبه الشيطان، وبالأمور التي فيها شرك، كالاستغاثة بالمخلوقات، أو كانت مما يستعان بها على ظلم الخلق وفعل الفواحش، فهي من الأحوال الشيطانية لا من الكرامات الرحمانية].

стр. 91

صور من الأحوال الشيطانية قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن هؤلاء من إذا حضر سماع المكاء والتصدية يتنزل عليه شيطانه حتى يحمله في الهواء ويخرجه من تلك الدار، فإذا حضر رجل من أولياء الله تعالى طرد شيطانه فيسقط، كما جرى هذا لغير واحد] يعني: إذا وجد رجل من أولياء الله يذكر الله، ويقرأ آية الكرسي مثلاً سقط المحمول. ثم قال: [ومن هؤلاء من يستغيث بمخلوق إما حي أو ميت، سواء كان ذلك المخلوق مسلماً أو نصرانياً أو مشركاً، فيتصور الشيطان بصورة ذلك المستغاث به ويقضي بعض حاجة ذلك المستغيث، فيظن أنه ذلك الشخص أو هو ملك على صورته، وإنما هو شيطان، أضله لما أشرك بالله، كما كانت الشياطين تدخل في الأصنام وتكلم المشركين. ومن هؤلاء من يتصور له الشيطان ويقول له: أنا الخضر]. ولذلك أجمع أهل البدع على حياة الخضر، وأنه يلتقي بهم في الموالد الكبرى، مثل مولد البدوي والدسوقي وهذا شيء معلوم عندهم بالقطع واليقين، ومعلوم أن: أول ما رأوه رأوا شيطاناً، فقال لهم: أنا الخضر؛ لأنهم لم يروا الخضر من قبل حتى يعرفوه. ثم يقول: [وربما أخبره ببعض الأمور، وأعانه على بعض مطالبهم، كما جرى ذلك لغير واحد من المسلمين واليهود والنصارى. وكثير من الكفار بأرض المشرق والمغرب يموت لهم الميت فيأتي الشيطان بعد موته على صورته، وهم يعتقدون أنه ذلك الميت، ويقضي الديون ويرد الودائع ويفعل أشياء تتعلق بالميت، ويدخل إلى زوجته ويذهب، وربما يكونون قد أحرقوا ميتهم بالنار، كما يصنع كفار الهند، فيظنون أنه عاش بعد موته. ومن هؤلاء شيخ كان بمصر، أوصى خادمه، فقال: إذا أنا مت فلا تدع أحداً يغسلني، فأنا أجيء وأغسل نفسي، فلما مات رأى خادمه شخصاً في صورته، فاعتقد أنه هو دخل وغسل نفسه، فلما قضى ذلك الداخل غسله -أي: غسل الميت- غاب، وكان ذلك شيطاناً، وكان قد أضل الميت، وقال: إنك بعد الموت تجيء فتغسل نفسك، فلما مات جاء أيضاً في صورته ليغوي الأحياء كما أغوى الميت قبل ذلك] من أجل أن يصير هذا الميت عند الناس من الأولياء؛ ومن ثم يبنون على قبره قبة ويدعونه ويتضرعون إليه. ثم يقول: [ومنهم من يرى عرشاً في الهواء وفوقه نور، ويسمع من يخاطبه ويقول: أنا ربك، فإن كان من أهل المعرفة، علم أنه شيطان فزجره واستعاذ بالله منه فيزول ذلك. ومنهم من يرى أشخاصاً في اليقظة، يدعي أحدهم أنه نبي أو صديق أو شيخ من الصالحين، ويكون من الشياطين، وقد جرى هذا لغير واحد. ومنهم من يرى في منامه أن بعض الأكابر -إما الصديق ﵁ أو غيره- قد قص شعره أو حلقه أو ألبسه طاقيته أو ثوبه، فيصبح وعلى رأسه طاقية، وشعره محلوق أو مقصر، وإنما الجن قد حلقوا شعره أو قصروه، وهذا الأحوال الشيطانية تحصل لمن خرج عن الكتاب والسنة].

стр. 92

تعظيم القبور سبيل أهل الشرك والبدع ثم بعد ذلك يقول ابن تيمية ﵀: [ولهذا لما كانت عبادة المسلمين المشروعة في المساجد التي هي بيوت الله، كان عمار المساجد أبعد عن الأحوال الشيطانية. وكان أهل الشرك والبدع -يعظمون القبور ومشاهد الموتى فيدعون الميت أو يدعون به، أو يعتقدون أن الدعاء عنده مستجاب- أقرب إلى الأحوال الشيطانية، فإنه ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد). وثبت في صحيح مسلم عنه أنه قال قبل أن يموت بخمس ليال: (إن أمن الناس عليَّ في صحبته وفي ذات يده أبو بكر، ولو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن صاحبكم خليل الرحمن، لا يبقين في المسجد خوخة إلا سدت، إلا خوخة أبي بكر، إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك). وفي الصحيحين عنه: (أنه ذكر له في مرضه كنيسة بأرض الحبشة وذكروا من حسنها وتصاوير فيها، فقال: إن أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً وصوروا فيه تلك التصاوير، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة). وفي المسند، وصحيح أبى حاتم عن ابن عباس ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إن من شرار الخلق من تدركهم الساعة وهم أحياء والذين اتخذوا القبور مساجد). وفي الصحيح عنه ﷺ أنه قال: (لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها). وفي الموطأ عنه أنه قال: (اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد). وفي السنن عنه أنه قال ﷺ : (لا تتخذوا قبري عيداً، وصلوا علي حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني). وقال ﷺ : (ما من رجل يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد ﵇. وقال ﷺ : (إن الله وكل بقبري ملائكة يبلغونني عن أمتي السلام). وقال ﷺ : (أكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة وليلة الجمعة؛ فإن صلاتكم معروضة علي. قالوا: يا رسول الله! كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ -يعني: بليت- فقال: إن الله حرم على الأرض أن تأكل لحوم الأنبياء). وقد قال الله تعالى في كتابه عن المشركين من قوم نوح ﵇: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح:٢٣]. قال ابن عباس وغيره من السلف: هؤلاء قوم كانوا صالحين من قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم فعبدوهم، فكان هذا مبدأ عبادة الأوثان. فنهى النبي ﷺ عن اتخاذ القبور مساجد ليسد باب الشرك، كما نهى عن الصلاة وقت طلوع الشمس ووقت غروبها؛ لأن المشركين يسجدون للشمس حينئذ، والشيطان يقارنها وقت الطلوع ووقت الغروب، فتكون الصلاة حينئذ مشابهة لصلاة المشركين فسد هذا الباب.

стр. 93

صور مكر الشيطان بأهل الشرك والبدع والشيطان يضل بني آدم بحسب قدرته، فمن عبد الشمس والقمر والكواكب ودعاها، كما يفعل أهل الكواكب، فإنه ينزل عليه شيطان يخاطبه ويحدثه ببعض الأمور، ويسمون ذلك روحانية الكواكب، وهو الشيطان. والشيطان وإن أعان الإنسان على بعض مقاصده فإنه يضره أضعاف ما ينفعه، وعاقبة من أطاعه إلى شر، إلا أن يتوب الله عليه. وكذلك عباد الأصنام قد تخاطبهم الشياطين، وكذلك من استغاث بميت أو غائب، وكذلك من دعا الميت أو دعا به، أو ظن أن الدعاء عند قبره أفضل منه في البيوت والمساجد، ويروون حديثاً مكذوباً باتفاق أهل المعرفة، وهو: (إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأصحاب القبور) وإنما هذا وضعه من فتح باب الشرك. ويوجد لأهل البدع وأهل الشرك المتشبهين بهم، من عباد الأصنام والنصارى والضلال من المسلمين، أحوال يظنونها كرامات، وهي من الشياطين، مثل: أن يضعوا سراويل عند القبر فيجدونه قد انعقد، أو يضعون عند القبر مصروعاً فيرون شيطانه قد فارقه، فيفعل بهم الشيطان هذا ليضلهم. وإذا قرأت آية الكرسي هناك بصدق بطل ذلك، فإن التوحيد يطرد الشيطان، ولهذا حمل بعضهم في الهواء فقال: لا إله إلا الله، فسقط، ومثل أن يرى القبر قد انشق وخرج منه إنسان فيظنه الميت وهو شيطان!

стр. 94

الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان [٩] خوارق العادة التي تظهر من الدجالين ليست كرامة لهم، وهي تخييل بالسحر واستعانة بالجن، فيشترط في الكرامة أن تكون لمؤمن تقي صالح، أما أولئك فأحوالهم شيطانية، فيجب التفريق بين أولياء الرحمن البررة، وأولياء الشيطان الفجرة.

стр. 95

الانقطاع إلى المغارات والبوادي من البدع بعد أن ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بعض أحوال الشياطين التي يخدعون بها أولياءهم ممن يعبدون غير الله ، وكذلك من أهل البدع وأهل الشرك المتشبهين بعباد الطواغيت، قال: [ولما كان الانقطاع إلى المغارات والبوادي من البدع التي لم يشرعها الله ولا رسوله ﷺ صارت الشياطين كثيراً ما تأوي إلى المغارات والجبال، مثل: مغارة الدم التي بجبل قاسيون، وجبل لبنان الذي بساحل الشام، وجبل الفتح بأسوان بمصر، وجبال بالروم وخراسان، وجبال بالجزيرة وغير ذلك، وجبل اللكام، وجبل الأحيش، وجبل سولان قرب أردبيل، وجبل شهنك عند تبريز، وجبل ماشكو عند أتشوان، وجبل نهاوند، وغير ذلك من الجبال التي يظن بعض الناس أن بها رجالاً من الصالحين من الإنس ويسمونهم رجال الغيب، وإنما هناك رجال من الجن، فالجن رجال كما أن الإنس رجال، قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن:٦]]. فذكر أن الانقطاع في المغارات والبوادي من البدع، وهذا أمر عظيم الأهمية، فليس يشرع للإنسان أن ينقطع في مغارة أو في غار أو في صحراء، وإن كان النبي ﷺ قد أوى إلى غار حراء فلأن ذلك كان قبل نزول الوحي عليه، وأما بعد نزوله فكان لا يعتكف إلا في المساجد ﵌، فالنبي ﷺ إنما كان يعتكف في مسجده، فصار الاعتكاف في المغارات بعد بناء المساجد وتيسرها بدعة. يقول المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن هؤلاء من يظهر بصورة رجل شعراني، جلده يشبه جلد الماعز -يعني: كثير الشعر- فيظن من لا يعرفه أنه إنسي، وإنما هو جني، ويقال بكل جبل من هذه الجبال الأربعون الأبدال، وهؤلاء الذين يظن أنهم الأبدال هم جن بهذه الجبال كما يعرف ذلك بطرق متعددة]. ولفظة الأبدال ثبتت عن التابعين، وأن بعضهم كان يعد من الأبدال، وهذه الكلمة صحيحة بمعنى: أن الله جعل في أمة محمد ﵌ طائفة على الحق ظاهرة، لا يضرها من خالفها أو خذلها حتى تقوم الساعة، وبهذا لو مات بعضهم فإن الله يأتي بغيرهم بدلاً منهم، فتظل الطائفة موجودة، فمن يظن أنه من الأبدال أو يرجى له ذلك بمعنى أنه من الطائفة الظاهرة الذين هم على الحق وعلى طريق الكتاب والسنة، وعلى سبيل منهج أهل السنة والجماعة. وقد ذكر من الأبدال أربعون، وهذا العدد غير معلوم، ولا يعرف أن في الأرض أربعون من الأبدال، بل الذي يظهر أن الأبدال هم أهل هذه الطائفة المنصورة الذين يأخذون بما قام به من سبقهم من نشر الحق والقيام به في الأرض، فإذا مات بعضهم أبدل الله غيرهم مثلهم.

стр. 96

أقسام الناس في خوارق العادات يقول المؤلف رحمه الله تعالى: [وهذا باب لا يتسع هذا الموضع لبسطه، وذكر ما نعرفه من ذلك، فإنا قد رأينا وسمعنا من ذلك ما يطول وصفه في هذا المختصر الذي كتب لمن سأل أن نذكر له من الكلام على أولياء الله تعالى ما يعرف به جمل ذلك. والناس في خوارق العادات على ثلاثة أقسام: قسم يكذب بوجود ذلك لغير الأنبياء، وربما صدق به مجملاً، وكذب ما يذكر له عن كثير من الناس لكونه عنده ليس من الأولياء]. وقد وقع في زماننا هذا الصنف، فيوجد كثير ممن ينتسب إلى السنة وينكر كل كرامات الأولياء جملة؛ فيقع في نوع من البدعة بذلك، وبعض الناس ينتسبون إلى السنة وينكرون خوارق العادات التي تقع لأولياء الله فخالفوا بذلك عقيدة أهل السنة والجماعة في إثبات كرامات الأولياء. يقول المؤلف رحمه الله تعالى: [ومنهم من يظن أن كل من كان له نوع من خرق العادة كان ولياً لله، وكلا الأمرين خطأ]. فقسم يكذب بخوارق العادات، وقسم يجعل أي خارق للعادة علامة على الكرامة، فيمكن أن تجري الخارقة أو العادة وليست بالكرامة؛ لأنها من أحوال الشياطين، لكن ينظر في اتباع الإنسان للشرع، فإن جرت الخارقة للعادة على يد ملتزم بالشرع فهذا يدل على أنها كرامة، وإذا جرت خارقة العادة على يد من يخالف الشرع بشرك أو بدعة أو ضلالة علم أنه من أحوال الشياطين. يقول المؤلف رحمه الله تعالى: [ومنهم من يظن أن كل من كان له نوع من خرق العادة كان ولياً لله، وكلا الأمرين خطأ]. أي: إنكار الكرامات بالكلية والخوارق، أو إثبات أن كل خارق يعتبر كرامة. يقول المؤلف رحمه الله تعالى: [ولهذا تجد هؤلاء يذكرون أن للمشركين وأهل الكتاب نصراء يعينونهم على قتال المسلمين، وأنهم من أولياء الله، وأولئك يكذبون أن يكون معهم من له خرق عادة]. يعني: أن الأولين يقولون: هؤلاء أولياء الله وهم الذين يساعدوهم علينا، فكيف يكونون أولياء الله وهم يحاربون المسلمين؟! يقول المؤلف رحمه الله تعالى: [والصواب: القول الثالث، وهو أن معهم من ينصرهم من جنهم لا من أولياء الله ، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة:٥١]. وهؤلاء العباد والزهاد الذين ليسوا من أولياء الله المتقين المتبعين للكتاب والسنة تقترن بهم الشياطين، فيكون لأحدهم من الخوارق ما يناسب حاله، ولكن خوارق هؤلاء يعارض بعضها بعضاً، وإذا حصل من له تمكن من أولياء الله تعالى أبطلها عليهم]. أي: إذا وجد من له تمكن من أولياء الله عند هؤلاء فإنه يبطل خوارق العادة، أي: العباد والزهاد الذين هم على طرق بدائية، ويبذل جهداً في العبادة على خلاف السنة، وكذا الذي يظهر الزهد، أو هو زاهد بالفعل يعني: تارك لكثير من زخارف الدنيا، لكنه على اعتقاد شركي والعياذ بالله! كالرهبان في الصحاري فلا شك أنهم تركوا كثيراً جداً من زخارف الدنيا، لكن على شرك وضلال قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ [الغاشية:٢ - ٤]. فهي عاملة ناصبة لكن على الباطل؛ فهي تصلى ناراً حامية. يقول المؤلف رحمه الله تعالى: [ولا بد أن يكون في أحدهم من الكذب -من العباد والزهاد الذين هم ليسوا من أولياء الله، وإنما هم على ضلال واقتران بالشياطين- جهلاً أو عمداً، ومن الإثم ما يناسب حال الشياطين المقترنة بهم، ليفرق الله بذلك بين أوليائه المتقين وبين المتشبهين بهم من أولياء الشياطين، قال الله تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ [الشعراء:٢٢١ - ٢٢٢] والأفاك: الكذاب، والأثيم: الفاجر]. أي: لا بد أن يكون عندهم كذب وإثم ليتناسب مع الشيطان، أما الذي ليس عنده كذب ولا إثم فإن الشياطين لا تتنزل عليه، فلا تجري خوارق العادات إلا على من عنده كذب وإثم، قال تعالى: ﴿تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ [الشعراء:٢٢٢]، والأفاك: الكذاب، والأثيم: الفاجر.

стр. 97

مما يقوي الأحوال الشيطانية قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن أعظم ما يقوي الأحوال الشيطانية سماع الغناء والملاهي، وهو سماع المشركين، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال:٣٥] قال ابن عباس وابن عمر ﵄ وغيرهما من السلف: التصدية: التصفيق باليد، والمكاء: مثل الصفير، فكان المشركون يتخذون هذا عبادة. وأما النبي ﷺ وأصحابه فعبادتهم ما أمر الله به من الصلاة والقراءة والذكر والدعاء ونحو ذلك والاجتماعات الشرعية، ولم يجتمع النبي ﷺ على استماع غناء قط لا بكف ولا بدف، ولا تواجد ولا سقطت بردته بل كل ذلك كذب باتفاق أهل العلم بحديثه. وكان أصحاب النبي ﷺ إذا اجتمعوا أمروا واحداً منهم أن يقرأ والباقون يستمعون، وكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول لـ أبي موسى الأشعري: ذكرنا ربنا، فيقرأ وهم يستمعون. (ومر النبي ﷺ بـ أبي موسى الأشعري وهو يقرأ فقال له: مررت بك البارحة وأنت تقرأ فجعلت أستمع لقراءتك. فقال: لو علمت أنك تستمع لحبرته لك تحبيراً) أي: لحسنته لك تحسيناً، كما قال النبي ﷺ : (زينوا القرآن بأصواتكم). وقال ﷺ : (لله أشد أذناً -أي: استماعاً- إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته) -من صاحب الأغنية إلى مغنيته- وقال ﷺ لـ ابن مسعود: (اقرأ علي القرآن فقال: أأقرأ عليك وعليك أنزل؟ فقال: إني أحب أن أسمعه من غيري، قال: فقرأت عليه سورة النساء حتى انتهيت إلى هذه الآية: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء:٤١] قال: حسبك، فإذا عيناه تذرفان من البكاء). ومثل هذا السماع هو سماع النبيين وأتباعهم كما ذكره الله في القرآن فقال: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم:٥٨]. وقال في أهل المعرفة: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة:٨٣]. ومدح سبحانه أهل هذا السماع بما يحصل لهم من زيادة الإيمان واقشعرار الجلد ودمع العين، فقال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٢٣]. وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال:٢ - ٤]. وأما السماع المحدث: سماع الكف والدف والقصب فلم تكن الصحابة والتابعون لهم بإحسان وسائر الأكابر من أئمة الدين يجعلون هذا طريقاً إلى الله ﵎، ولا يعدونه من القرب والطاعات، بل يعدونه من البدع المذمومة حتى قال الشافعي: خلفت ببغداد شيئاً أحدثه الزنادقة يسمونه التغبير يصدون به الناس عن القرآن]. يعني: ولو سمعنا فسنستمع إلى الإنشاد الذي سيرقق قلوبنا، لكنهم لا يجعلونه من العبادات، ولكن أقصاها الإباحة في أحوال معينة، وليس أن هذا عبادة من العبادات أو طريقة من الطرق، وهذا رد على طرق الصوفية المتبعة التي تجعل هذه الحضرات والجلسات سبيلاً إلى التقرب إلى الله ، وكذا كثير من الجماعات المعاصرة التي تجعل هذا السماع أحد الوسائل الأساسية في التربية والتوجيه كما ذكره الأستاذ سعيد حوى في كتاب تربيتنا الروحية، وذكر فصلاً في السماع، ويقصد بذلك تربية وتوجيهاً أصلاً لفرق الإنشاد التي تقول الأشعار الطيبة ونحو ذلك على أن ذلك وسيلة لترقيق القلوب ونحو ذلك. فينبغي أن يستعمل هذا الأمر المباح عند الحاجة كأن يكون في السفر، أو عند الجهاد مثلاً، فيقول أشعاراً ليحمس الناس، أو يكون ذلك مثلاً في العرس، أو في يوم العيد، أما أن يكون هذا طريقاً إلى الله فهذا ليس أمراً محموداً، ولا بد أن يكون هذا الفعل بضوابط منها: أن تكون ألفاظ النشيد صحيحة ليس فيها شرك ولا غلو وبدون آلات لهو. فـ ابن تيمية يخبر أن السلف لم يكونوا يعدونه من القرب والطاعات، بل يعدونه من البدع المذمومة، حتى قال الشافعي: خلفت ببغداد شيئاً أحدثته الزنادقة يسمونه التغبير، يصدون به الناس عن القرآن. والتغبير: هو هذا الإنشاد أو نوع من أنواع الضرب بآلات اللهو.

стр. 98

أجناس الخوارق قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأولياء الله العارفون يعرفون ذلك ويعلمون أن للشيطان فيه نصيباً وافراً، ولهذا تاب منه خيار من حضره منهم. ومن كان أبعد عن المعرفة وعن كمال ولاية الله كان نصيب الشيطان فيه أكثر وهو بمنزلة الخمر يؤثر في النفوس أعظم من تأثير الخمر. ولهذا إذا قويت سكرة أهله نزلت عليهم الشياطين، وتكلمت على ألسنة بعضهم، وحملت بعضهم في الهواء، وقد تحصل بينهم عداوة كما تحصل بين شراب الخمر، فتكون شياطين أحدهم أقوى من شياطين الآخر فيقتلونه، ويظن الجهال أن هذا من كرامات أولياء الله المتقين، وإنما هذا مبعد لصاحبه عن الله، وهو من أحوال الشياطين، فإن قتل المسلم لا يحل إلا بما أحله الله، فكيف يكون قتل معصوم الدم مما يكرم الله به أولياءه؟ وإنما غاية الكرامة لزوم الاستقامة، فلم يكرم الله عبداً بمثل أن يعينه على ما يحبه ويرضاه، ويزيده مما يقربه إليه ويرفع به درجته. وذلك أن الخوارق منها ما هو من جنس العلم كالمكاشفات، ومنها ما هو من جنس القدرة والملك كالتصرفات الخارقة للعادات ومنها ما هو من جنس الغنى، من جنس ما يعطاه الناس في الظاهر من العلم والسلطان والمال والغنى. وجميع ما يؤتيه الله لعبده من هذه الأمور إن استعان به على ما يحبه الله ويرضاه ويقربه إليه ويرفع درجته ويأمره الله به ورسوله ﷺ ازداد بذلك رفعة وقرباً إلى الله ورسوله ﷺ ، وعلت درجته. وإن استعان به على ما نهى الله عنه ورسوله ﷺ كالشرك والظلم والفواحش استحق بذلك الذم والعقاب، فإن لم يتداركه الله تعالى بتوبة أو حسنات ماحية وإلا كان كأمثاله من المذنبين، ولهذا كثيراً ما يعاقب أصحاب الخوارق تارة بسلبها كما يعزل الملك عن ملكه، ويسلب العالم علمه، وتارة بسلب التطوعات فينقل من الولاية الخاصة إلى العامة، وتارة ينزل إلى درجة الفساق، وتارة يرتد عن الإسلام -نعوذ بالله- وهذا يكون فيمن له خوارق شيطانية، فإن كثيراً من هؤلاء يرتد عن الإسلام. وكثير منهم لا يعرف أن هذه شيطانية بل يظنها من كرامات أولياء الله، ويظن من يظن منهم أن الله إذا أعطى عبداً خرق عادة لم يحاسبه على ذلك، كمن ظن أن الله إذا أعطى عبداً ملكاً ومالاً وتصرفاً لم يحاسبه عليه]. فهو يعتبر نفسه أنه أصبح في منزلة من لا يسأل عما يفعل، فيظن أنه بملكه هذا أصبح لا يسأل عما يفعل؛ لأن الله أعطاه المال والملك لعلمه به أنه من أهل الكرامة، وإذا مات أحدهم فإنه يموت فيعتبرونه في رحاب الله وفي فسيح الجنات، وهذا لأجل أنه كان رئيساً أو ملكاً والعياذ بالله! قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومنهم من يستعين بالخوارق على أمور مباحة لا مأمور بها ولا منهي عنها، فهذا يكون من عموم الأولياء وهم الأبرار المقتصدون، وأما السابقون المقربون فأعلى من هؤلاء، كما أن العبد الرسول أعلى من النبي الملك. ولما كانت الخوارق كثيراً ما تنقص بها درجة الرجل كان كثير من الصالحين يتوب من مثل ذلك، ويستغفر الله، كما يتوب من الذنوب كالزنا والسرقة، وتعرض على بعضهم فيسأل الله زوالها، وكلهم يأمر المريد السالك ألا يقف عندها، ولا يجعلها همته، ولا يتبجح بها مع ظنهم أنها كرامات، فكيف إذا كانت بالحقيقة من الشياطين تغويهم بها؟! فإني أعرف من تخاطبه النباتات بما فيها من المنافع، وإنما يخاطبه الشيطان الذي دخل فيها، وأعرف من يخاطبهم الحجر والشجر وتقول: هنيئاً لك يا ولي الله! فيقرأ آية الكرسي فيذهب ذلك]. ولو كان هذا فعلاً من الكرامات لاستمرت معه عند قراءة آية الكرسي. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومنهم من يقصد صيد الطير فتخاطبه العصافير وغيرها وتقول: خذني حتى يأكلني الفقراء]. وكل هذا من خدعة الشياطين لأجل أن يظنوا من أنفسهم أنهم أولياء، والشيطان أصلاً هدفه أن يغتر الإنسان بنفسه فيجعل نفسه ولياً، وهذا هدف كبير جداً، فهو إما بعد ذلك يزكي نفسه، أو أن الجن هم الذين يكلموه إلى غاية أن يقول: فعلاً أنا ولي! قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويكون الشيطان قد دخل فيها كما يدخل في الإنس ويخاطبه بمثل ذلك. ومنهم من يكون في البيت وهو مغلق فيرى نفسه خارجه وهو لم يفتح، وبالعكس، وكذلك في أبواب المدينة وتكون الجن قد أدخلته وأخرجته بسرعة وتريه أنواراً وتحضر عنده من يطلبه ويكون ذلك من الشياطين يتصورون بصورة صاحبه فإذا قرأ آية الكرسي مرة بعد مرة ذهب ذلك كله]. أي: أنه يخرج من البيت فيجد نفسه داخل البيت، وتكون الجن قد أدخلته وأخرجته بسرعة، أو تمر به أنوار أو تحضر الجن من يطلبه، أي: الشخص الذي هو يريده. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأعرف من يخاطبه مخاطب، ويقول له: أنا من أمر الله ويعده بأنه المهدي الذي بشر به النبي ﷺ ، ويظهر له الخوارق مثل أن يخطر بقلبه تصرف في الطير والجراد في الهواء]. فإذا خطر بقلبه ذهاب الطير أو الجراد يميناً أو شمالاً ذهب حيث أراد. فيقع في قلبه ويقول له الطير: هذا ما خطر بقلبك وما كنت تريده، فيظن أن هذا الكلام كله كرامة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وفي المواشي فإذا خطر بقلبه ذهاب الطير أو الجراد يميناً وشمالاً ذهب حيث أراد، وإذا خطر بقلبه قيام بعض المواشي أو نومه أو ذهابه حصل له ما أراد من غير حركة منه في الظاهر، وتحمله إلى مكة وتأتي به، وتأتيه بأشخاص في صورة جميلة وتقول له: هذه الملائكة الكروبيون أرادوا زيارتك؛ فيقول في نفسه: كيف تصوروا بصورة المردان؟ فيرفع رأسه فيجدهم بلحى، ويقول له: علامة أنك المهدي أن تنبت في جسدك شامة فتنبت ويراها، وغير ذلك، وكله من مكر الشيطان. وهذا باب واسع لو ذكرت ما أعرفه منه لاحتاج إلى مجلد كبير]. والإمام ابن تيمية يقصد بهذا سيرة الصوفية وما يحصل لهم، فهو ﵀ كان يخاطب الصوفية كثيراً، وتاب على يديه جماعات منهم ابن القيم ﵀، فـ ابن القيم كان أصله من أصحاب الطرق الصوفية، ولما التقى بشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عرف الحق وتاب، ومن أمثاله ابن رجب فقد صار إلى السنة على يد شيخ الإسلام ابن تيمية ﵏، ولذلك تجد منهم من يتكلم عن الصوفية في هذه الأشياء التي قد لا يعرفها غيرهم، وكم من أناس كانت تحصل لهم هذه الأشياء والمكاشفات، ثم إذا بهم يخرجون من هذا النفق المظلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهذا باب واسع لو ذكرت ما أعرفه منه لاحتاج إلى مجلد كبير، وقد قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾ [الفجر:١٥ - ١٦]. قال الله ﵎: ﴿كَلَّا﴾ [الفجر:١٧] ولفظ (كلا) فيها زجر وتنبيه عن مثل هذا القول، وتنبيه على ما يخبر به ويؤمر به بعده، وذلك أنه ليس كل من حصل له نعم دنيوية تعد كرامة، يكون الله مكرماً له بها، ولا كل من قدر عليه ذلك -من الضيق- يكون مهيناً له بذلك، بل هو سبحانه يبتلي عبده بالسراء والضراء، فقد يعطي النعم الدنيوية لمن لا يحبه ولا هو كريم عنده؛ ليستدرجه بذلك، وقد يحمي منها من يحبه ويواليه؛ لئلا تنقص بذلك مرتبته عنده، أو يقع بسببها فيما يكرهه منه. وأيضاً كرامات أولياء الله لا بد أن يكون سببها الإيمان والتقوى. فما كان سببه الكفر والفسوق والعصيان فهو من خوارق أعداء الله لا من كرامات أولياء الله]. وهذا مثلما يجري على أيدي النصارى؛ فإنهم في كل فترة يقولون: العذراء ظهرت على الكنيسة الفلانية، ونحو ذلك، وهذه كلها سببها الكفر والفسوق والعصيان، وهذه لا بد أن تكون من خوارق العادات التي يتكلم فيها أعداء الله. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فمن كانت خوارقه لا تحصل بالصلاة والقراءة والذكر وقيام الليل والدعاء وإنما تحصل عند الشرك مثل: دعاء الميت والغائب، أو بالفسق والعصيان، وأكل المحرمات: كالحيات والزنابير -يقصد الثعابين فهو محرم أكلها- والخنافس والدم وغيرها من النجاسات، ومثل الغناء والرقص لا سيما مع النسوة الأجانب والمردان، وحالة خوارقه تنقص عند سماع القرآن، وتقوى عند سماع مزامير الشيطان، فيرقص ليلاً طويلاً]. والمراد: أنه يهتز في ليلة الحضرة، ولذلك تجد في كتاب الإحياء: أن الإنسان أحياناً يفضل استماع الرقص على سماع القرآن؛ لأنه يقول: إنه يؤثر في النفوس أكثر، وهذا من البدع المنكرة المحدثة، فهو يقول: إن أي مجلس فيه سماع شيطان بهذه الطريقة يكون أحسن في حق أي إنسان حتى ولو وجد في نفسه ما وجد، والأصل: أن يرد هذا الوجد والذوق إلى الكتاب والسنة، حتى يبقى الذوق والوجد صحيحاً، أما إذا وقع في قلبه ذلك وليس على منهاج الكتاب والسنة فلا بد أن يجتنبه. يقول المؤلف رحمه الله تعالى: [فيرقص ليلاً طويلاً، فإذا جاءت الصلاة صلى قاعداً -من كثرة الرقص- أو ينقر الصلاة نقر الديك، وهو يبغض سماع القرآن وينفر عنه، أو يتكلفه ليس له فيه محبة ولا ذوق ولا لذة عند وجده، ويحب سماع المكاء والتصدية، ويجد عنده مواجيد، فهذه أحوال شيطانية، وهو ممن يتناوله قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف:٣٦]، فالقرآن هو ذكر الرحمن، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ [طه:١٢٤ - ١٢٦]. يعني: تركت العمل بها. قال ابن عباس ﵄: تكفل الله لمن قرأ كتابه وعمل بما فيه ألا يضل في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة ثم قرأ هذه الآية]. فإن من يتك

стр. 99

الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان [١٠] ما من أمة إلا وأرسل الله إليها رسولاً منها؛ لهدايتها ودعوتها إلى التوحيد، وقد ختم الله تعالى هذه الرسالة بمحمد ﷺ ، فكان رسولاً إلى الثقلين: الإنس والجن، فلا يسمع به إنسي ولا جني ثم لا يؤمن برسالته إلا دخل النار، وقد استمعت الجن القرآن وولوا إلى قومهم منذرين، وللجن أحوال مع الإنس ذكرها العلماء.

стр. 100

عموم رسالة النبي ﷺ لجميع الثقلين قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومما يجب أن يعلم أن الله بعث محمداً ﷺ إلى جميع الإنس والجن، فلم يبق إنسي ولا جني إلا وجب عليه الإيمان بمحمد ﵌ واتباعه، فعليه أن يصدقه فيما أخبر ويطيعه فيما أمر، ومن قامت عليه الحجة برسالته فلم يؤمن به فهو كافر سواء كان إنسياً أو جنياً]. هذا أمر مجمع عليه بين المسلمين، أن من بلغه خبره ﷺ ، وبلغته شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ولم يؤمن بذلك عناداً أو جهلاً، بأن قلد ما عليه قومه وصدق ما يزعمون في حق النبي ﵌ من التكذيب والبهتان فهو كافر؛ لقوله ﵊: (والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا أدخله الله النار). قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومحمد ﷺ مبعوث إلى الثقلين باتفاق المسلمين، وقد استمعت الجن للقرآن وولوا إلى قومهم منذرين، لما كان النبي ﵌ يصلي بأصحابه ببطن نخلة لما رجع من الطائف، وأخبره الله بذلك في القرآن بقوله: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ * قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ * يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءُ أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأحقاف:٢٩ - ٣٢]]. فرسول ﷺ قد دعا الجن إلى الله، لذلك قالوا: ((أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ)). إذاً: يجب على الجن أن يؤمنوا بالرسول ﷺ . قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأنزل الله تعالى بعد ذلك: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا * وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَدًا﴾ [الجن:١ - ٣]- ((تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا)) أي: عظمة ربنا- ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا * وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا * وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن:٤ - ٦]. أي: السفيه منا في أظهر أقوال العلماء]. قوله: ((كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ)) بسفهاء منهم ومبطلين ((فَزَادُوهُمْ رَهَقًا)) إلعاباً وخوفاً. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال غير واحد من السلف: كان الرجل من الإنس إذا نزل بالوادي قال: أعوذ بعظيم هذا الوادي من شر سفهاء قومه، فلما استغاثت الإنس بالجن ازدادت الجن طغياناً وكفراً كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا * وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا * وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا﴾ [الجن:٦ - ٨] في الآية قولان: الأول: أنهم كانوا يعوذون برجال من الجن، أي: رجال جنيون كانوا يعوذون بهم من شر سفهائهم. الثاني: أنهم كانوا يعوذون برجال، مثل: الكهان وأمثالهم من شر الجن، وهنا إذا عذت به من كذا فهذا تفسير، آخر لكن سبب نزول الآية التي ذكرها السلف يقتضي أنهم كانوا يعوذون برجال جنيين من شر رجالهم السفهاء. وقال تعالى: ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا﴾ [الجن:٧] أي: أن كفار الجن ظنوا أيضاً بعدم البعث كما ظن كفار الإنس. وقال تعالى: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا﴾ [الجن:٨] والحرس الشديد من الملائكة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكانت الشياطين ترمى بالشهب قبل أن ينزل القرآن، لكن كانوا أحياناً يسترقون السمع قبل أن يصل الشهاب إلى أحدهم، فلما بعث محمد ﷺ ملئت السماء حرساً شديداً وشهباً وصارت الشهب مرصدة لهم قبل أن يسمعوا، كما قالوا: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ [الجن:٩]]-فأصبحوا بعد نزول القرآن ممنوعين من أصل الاستماع، ومن أصل الجلوس لكي يستمعوا، وكانوا ينتظرون لعلهم يسمعون شيئاً فمنعوا من أصل الجلوس-[وقال تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ * وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ * إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء:٢١٠ - ٢١٢]]. فأصبحوا معزولين بالكلية فلا يسمعون كلمة، وهذا حماية للقرآن العظيم من أن يتنزل به على كاهن، أو أن يسمع شيئاً منه كاهن فيلبس على الناس، وهل استمر الأمر بعد انقطاع الوحي كذلك؟ نعم استمر الأمر كذلك؛ لأن القرآن جاء بإبطال الكهانة، وأنه لا يعلم الغيب إلا الله، فحكم القرآن باق، فلذلك ظل الأمر كما كان منذ نزل القرآن؛ لأن حكم القرآن وشريعة القرآن باقية على الدوام. [وقالوا: ﴿وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن:١٠]] وهذا من حسن الأدب حيث نسبوا الشر إلى المجهول، ((أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ))، وأما الخير فنسبوه إلى الله: ((أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا)) وهذا كقول إبراهيم: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء:٨٠]، فالشفاء نسبه إلى الله، والمرض نسبه إلى نفسه، وهذا تأدب، وإلا فالخير والشر خلق من الله ، ولذا نقول: كل من عند الله. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قالوا: ﴿وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا * وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾ [الجن:١٠ - ١١] أي: على مذاهب شتى، كما قال العلماء: منهم المسلم والمشرك واليهودي والنصراني والسني والبدعي]. يعني: أن الجن أيضاً كانوا وما زالوا على مذاهب متعددة، منهم رافضة، ومنهم باطنية، ومنهم زنادقة ومنهم علمانيون، ومنهم مسلمون، ومنهم كفرة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعجِزَ اللَّهَ فِي الأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا﴾ [الجن:١٢] أخبروا أنهم لا يعجزونه لا إن أقاموا في الأرض ولا إن هربوا منه]-ثم أيقنوا بذلك، وهذا قول المؤمنين منهم-[﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخَافُ بَخْسًا وَلا رَهَقًا * وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ﴾ [الجن:١٣ - ١٤] أي: الظالمون، يقال: أقسط إذا عدل، وقسط: إذا جار ﴿فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا * وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا * وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا * لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ [الجن:١٤ - ١٧]-فالله يبتلي الناس بالخير والشر، ويبتليهم بالرزق ليشكروا أو يكفروا- ﴿وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾ [الجن:١٧]. ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن:١٨]-من إنس، ولا جن، ولا ولي، ولا نبي، ولا ملك، ولا أحد، فلا يدعى مع الله أحد- ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن:١٩]. ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا * قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا﴾ [الجن:٢٠ - ٢١]] وهذا بيان للتوحيد، وحقيقة عبودية الرسول ﷺ لله ، وأنه لا يملك ضراً ولا رشداً لأحد. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ [الجن:٢٢]] أي: ملجأً ومعاذاً. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [﴿إِلَّا بَلاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ﴾ [الجن:٢٣]] أي: لكن بلاغاً من الله ورسالاته، أو يمكن أن تقول: هذا استثناء متصل بمعنى: لن يجيرني من الله أحد إلا أن أبلغ رسالات ربي، فهذا هو الذي يجيرني من عذاب الله، فلن أجد من دونه ملجأً إلا أن أبلغ رسالات الله ، فهذا الذي ألجأ به وأعوذ بالله منه . قال المؤلف رحمه الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن:٢٣]] والمقصود بها: معصية الكفر والعياذ با

стр. 101

أحوال الجن مع الإنس قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والمقصود هنا: أن الجن مع الإنس على أحوال: فمن كان من الإنس يأمر الجن بما أمر الله به ورسوله ﷺ ، من عبادة الله وحده وطاعة نبيه ﷺ ويأمر الإنس بذلك، فهذا من أفضل أولياء الله تعالى، وهو في ذلك من خلفاء الرسول ونوابه. ومن كان يستعمل الجن في أمور مباحة له، فهو كمن استعمل الإنس في أمور مباحة له، وهذا كأن يأمرهم بما يجب عليهم، وينهاهم عما حرم عليهم، ويستعملهم في مباحات له]. هذا هو الموضع الذي يحتجون به على جواز الاستعانة بالجن، وابن تيمية يتكلم عن استعمال الجن وليس أن يستعين بهم فيطلب منهم قضاء الحاجات، ولا يستخبرهم عن المغيبات؛ فإن هذا فعل الكهنة، وقد سبق ما ذكره ﵀ من أحوال أولياء الشيطان أنهم قد يذهبون به إلى عرفة، ونبهنا عندها أن ذلك من أحوال إخوان الشياطين وأولياء الشياطين؛ لأن ذلك إذا كان عن طلب وعن سؤال فإن ذلك من سؤال الجن الغائبين، وهو مما لا يجوز بحال، ولكن يستعملهم فيما لو فعلوا له شيئاً من غير طلب، يعني: إذا فعلوا شيئاً من غير أن يطلب، أو أخبروه وهو قادر على أن يعرف صدقهم من كذبهم، فهذا هو المحتمل، وليس أن يطلب منهم قضاء الحاجات. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فيكون بمنزلة الملوك الذين يفعلون مثل ذلك. وهذا إذا قدر أنه من أولياء الله تعالى، فغايته أن يكون في عموم أولياء الله مثل النبي الملك مع العبد الرسول]. يعني: أن منزلة هذا بالنسبة للرسول منزلة أقل، ومنزلة هذا الملك بالنسبة إلى أولياء الله أقل، ويستعملهم هذا في مباحات له، مع أنه إذا طلب منهم واستعاذ بهم فإن ذلك محرم بل هو من الشرك؛ لأنه كما ذكرنا أن استخدام عظماء الوادي في أن ينجوه من السفهاء شرك، مع أن الإنسان إذا أقام في بلد معين فهو يريد أن يأمن من أن يؤخذ متاعه، ولا يرعب ولا يخوف أليس هذا من الأمور المباحة؟ فلو أنه طلب الحماية من عظماء هذا الوادي الذين نزلت الآيات تبين أن هذا يزيد الجن طغياناً وكفراً، فإن هذا من الشرك بالله، فالاستعانة كذلك لا تجوز، فلا يجوز أن يستعين ويطلب منهم قضاء الحاجات، فهذا من الشرك والعياذ بالله. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهذا إذا قدر أنه من أولياء الله تعالى، فغايته أن يكون في عموم أولياء الله مثل النبي الملك مع العبد الرسول، كسليمان ويوسف مع إبراهيم وعيسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. ومن كان يستعمل الجن فيما ينهى الله عنه ورسوله ﷺ ، إما في الشرك وإما في قتل معصوم الدم، أو في العدوان عليهم بغير القتل، كتمريضه وإنسائه العلم وغير ذلك من ظلمه، وإما في فاحشة، كجلب من يطلب فيه الفاحشة، فهذا قد استعان بهم على الإثم والعدوان، ثم إن استعان بهم على الكفر فهو كافر، وإن استعان بهم على المعاصي فهو عاص، إما فاسق وإما مذنب غير فاسق. وإن لم يكن تام العلم بالشريعة فاستعان بهم فيما يظن أنه من الكرامات، مثل أن يستعين بهم على الحج أو أن يطيروا به عند السماع البدعي، أو يحملوه إلى عرفات، ولا يحج الحج الشرعي الذي أمره الله به ورسوله ﷺ ، وأن يحملوه من مدينة إلى مدينة، ونحو ذلك فهذا مغرور قد مكروا به]. الكلام هذا واضح جداً من شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لأنه ذكر في المثالين الأوليين أنه يستعين بهم على الحج، ثم ذكر المسألة الثانية أنهم يطيرون به إلى عرفات ولا يحج، إذاً: لا يقصد شيخ الإسلام بهذا الاستعانة بهم في أمور مباحات، وإنما ذكر الاستعانة بهم في أمور يظنها من الكرامات، فالاستعانة غير الاستعمال، وهذا أحسن ما يفسر به كلام شيخ الإسلام وإلا فعندنا حديث النبي ﷺ حيث يقول: (إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله)، وقد وردت الآية وذكر سبب نزولها، أن هذا في رجال استعانوا بالجن فأنزل الله في ذلك ذم هؤلاء وبين أنهم استعانوا بغير الله، وشرع لنا الرسول ﷺ أن نستعين بكلمات الله التامات من شر ما خلق، فدل ذلك على أن الاستعانة بالمخلوق شرك. فنحن نحمل كلام شيخ الإسلام على معنى يحتمل حقاً، أما أن نحمله على معنى باطل فهذا لا يحق لنا، فالذين يصرون على أن يحملوا كلام شيخ الإسلام ابن تيمية على أنه يجوز الاستعانة بالجن في المباحات، كأن يطلب منهم قضاء الحاجات -والعياذ بالله- والاستفهام على المغيبات فهم يحملوه على معنى باطل باتفاق، ومخالف لصريح الكتاب والسنة، ويبقى أنهم يتهمون شيخ الإسلام، وهو يذكر كلامه في موضع ويبينه في الموضع الثاني. والاستعانة بالجن في المعصية قد تصل إلى الكفر، مثلما أخبر أنهم يأتون بالمرأة إلى الشخص ليفعل بها الفاحشة، أو يسرق أموالاً، أو يجعل المرأة تكره زوجها والعكس. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكثير من هؤلاء قد لا يعرف أن ذلك من الجن، بل قد سمع أن أولياء الله لهم كرامات وخوارق للعادات، وليس عنده من حقائق الإيمان ومعرفة القرآن ما يفرق به بين الكرامات الرحمانية، وبين التلبيسات الشيطانية، فيمكرون به بحسب اعتقاده. فإن كان مشركاً يعبد الكواكب والأوثان، أوهموه أنه ينتفع بتلك العبادة، ويكون قصده الاستشفاع والتوسل بمن صور ذلك الصنم على صورته، من ملك أو نبي أو شيخ صالح، فيظن أنه يعبد ذلك النبي أو الصالح، وتكون عبادته في الحقيقة للشيطان، قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ:٤٠ - ٤١]، ولهذا لما كان الذين يسجدون للشمس والقمر والكواكب يقصدون السجود لها، فيقارنها الشيطان عند سجودهم، ليكون سجودهم له. ولهذا يتمثل الشيطان بصورة من يستغيث به المشركون، فإن كان نصرانياً واستغاث بجرجس أو غيره جاء الشيطان في صورة جرجس أو من يستغيث به، وإن كان منتسباً إلى الإسلام، واستغاث بشيخ يحسن الظن به من شيوخ المسلمين جاء في صورة ذلك الشيخ، وإن كان من مشركي الهند جاء في صورة من يعظمه ذلك المشرك]. فإذا قرأ آية الكرسي وغيرها من الآيات بعزيمة فإنه يبطل هذا الفعل، وربما يقرأ آية الكرسي وليست عقيدته راسخة، بدليل أن الشخص هذا الذي ذكر كان شخصاً عادياً جداً، وإنما كان يصلي في المسجد، ويحب أولياء الله وأهل بيت النبي ﷺ ، ويحضر الحضرات التي تقام عند سيدنا الحسين، فهذا من الكرامات عندهم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم إن الشيخ المستغاث به إن كان ممن له خبرة بالشريعة لم يعرفه الشيطان أنه تمثل لأصحابه المستغيثين به -هذا لو كان حياً- وإن كان الشيخ ممن لا خبرة له بأقوالهم، ونقل أقوالهم له، فيظن أولئك أن الشيخ سمع أصواتهم من البعد وأجابهم، وإنما هو بتوسط الشيطان. ولقد أخبر بعض الشيوخ الذين كان قد جرى لهم مثل هذا بصورة مكاشفة ومخاطبة، فقال: يريني الجن شيئاً براقاً مثل الماء والزجاج، ويمثلون له فيه ما يطلب منه الإخبار به]. مثل هؤلاء الذين يزعمون أنهم يعلمون السرقة ومكانها، فيحضرون الأرواح الشيطانية، ويستعملون الأطفال الصغار والنساء أحياناً في مثل ذلك، فيأتون لهم بفنجان فيه ماء بهذه الطريقة، فينظر فيها الطفل وتتمثل له الجن وهي تقوم بأشياء، مثل السارق بالضبط فينظر الطفل صورة شخص على شكل الرجل الذي سرق البقرة، وهو يمشي ويدخل البيت الفلاني، فيقوم ويقول له: أنا شاهدت فلان الفلاني يأخذ البقرة ويمشي بها، فيقول له: هو فلان الذي سرق البقرة اذهب ابحث عنها في بيت فلان، فيذهب فيجد البقرة في بيت فلان، فمثل هذا هو من أحوال الجن، بأن يتمثل الجني في صورة الرجل الذي سرق، فيقوم يتمثل صورته وصورة البقرة التي سرقها في وسط الماء أو الزجاج. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال فأخبر الناس به، ويوصلون إلى كلام من استغاث بي من أصحابي فأجيبه فيوصلون جوابي إليه]. وهذا لأجل أن يقال له: إنه اطلع على شيء من علم الغيب، فيقوم يصفه بصفات الله -والعياذ بالله- فيقع في الشرك، والجني هو المتوسط في ذلك. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكان كثير من الشيوخ الذين حصل لهم كثير من هذه الخوارق إذا كذب بها من لم يعرفها، وقال: إنكم تفعلون هذا بطريق الحيلة فتدخلون النار بحجر الطلق، وقشور النارنج، ودهن الضفادع، وغير ذلك من الحيل الطبيعية، فيعجب هؤلاء المشايخ ويقولون: نحن والله لا نعرف شيئاً من هذه الحيل، فلما ذكر لهم الخبير: إنكم لصادقون في ذلك، ولكن هذه الأحوال الشيطانية أقروا بذلك، وتاب منهم من تاب الله عليه لما تبين لهم الحق، وتبين لهم من وجوه أنها من الشيطان، ورأوا أنها من الشياطين لما رأوا أنها تحصل بمثل البدع المذمومة في الشرع، وعند المعاصي لله، فلا تحصل عندما يحبه الله ورسوله ﷺ ، من العبادات الشرعية؛ فعلموا أنها حينئذ من مخارق الشيطان لأوليائه، لا من كرامات الرحمن لأوليائه. والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب، وصلى الله وسلم على محمد سيد رسله وأنبيائه، وعلى آله وصحبه وأنصاره وأشياعه وخلفائه صلاة وسلاماً نستوجب بهما شفاعته آمين.