Полный текст (1 057 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
الحب في الله فضله وجزاء أهله
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الإمام النووي ﵀: [باب فضل الحب في الله، والحث عليه، وإعلام الرجل لمن يحبه أنه يحبه، وماذا يقول له إذا أعلمه.
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله تعالى يقول يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي) رواه مسلم.
وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : (والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم) رواه مسلم.
وعنه عن النبي ﷺ (أن رجلاً زار أخاً له في قرية أخرى فأرسل الله له على مدرجته ملكاً، وذكر الحديث إلى قوله: إن الله قد أحبك كما أحببته فيه) رواه مسلم].
стр. 212
نموذج من محبة المهاجرين والأنصار في الله
ذكرنا فيما سبق فضل الحب في الله سبحانه ﵎، والحب في الله جاء فيه في القرآن قول الله سبحانه: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩].
فالمؤمنون يحب بعضهم بعضاً، ويرحم بعضهم بعضاً، ويحترم بعضهم بعضاً طاعة لله ﵎ وحباً في الله، وحباً في رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، فذكر سبحانه المؤمنين الذين تبوءوا الدار والإيمان من أهل المدينة، أهل التقوى وطاعة الله سبحانه، فقد نزلوا بالمدينة، ونزلوا من الإيمان بموضع عظيم.
﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾ [الحشر:٩]، هؤلاء الأنصار رضوان الله تبارك عليهم، نزل عليهم المهاجرون ضيوفاً من مكة وغيرها ليس لهم مال ولا مهنة يمتهنونها في المدينة، فإذا بأهل المدينة يؤثرونهم على أنفسهم، ويحبونهم في الله سبحانه ﵎ حباً دائماً ليس ليوم أو لليلة، فإذا بأحدهم يقاسم أخاه المهاجر بيته، وماله، وطعامه، وما عنده، يبتغي بذلك الفضل والأجر من الله سبحانه ﵎.
فمدحهم الله وأخبر عن حالهم فقال: ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر:٩] أفلحوا وقد صدقوا الله وصدقوا رسوله صلوات الله وسلامه عليه، فكانوا أحب الناس إلى النبي صلوات الله وسلامه عليه، وقال لهم: (لولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار).
تمنى أن يكون أنصارياً لحبه لهؤلاء الأنصار، وما صنعوا بالنبي ﷺ وبأصحابه المهاجرين رضوان الله ﵎ عليهم جميعاً.
فالحب في الله ألف بين القلوب، والحب في الله جعلهم يدافعون عن دين الله سبحانه، وكل منهم يفضل أخاه على نفسه، ويؤثره على نفسه، فيخرج للجهاد في سبيل الله سبحانه ويتمنى لو أنه هو الذي يستشهد دون أخيه حباً في الدار الآخرة وحباً في الله وفي الجهاد في سبيل الله، وإيثاراً لأخيه على نفسه، فيفضله في الدنيا، ويفضل أن يموت هو على أن يموت أخوه قبله.
стр. 213
إظلال الله للمتحابين فيه يوم القيامة
في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (سبعة يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله ومن هؤلاء: رجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه).
اجتماعهما كان سببه سبحانه ﵎، لم يجتمعا على الدنيا، لم يجتمعا على المال، وإنما جمعهما الحب في الله سبحانه ﵎، فاجتمعا على الطاعة، على أمر بمعروف ونهي عن منكر، على قراءة القرآن، على ذكر الله سبحانه، فلما افترقا افترقا عن ذلك، فكانت جلستهما كلها محبة في الله ، وفي دين الله سبحانه ﵎.
وفي صحيح مسلم عند أبي هريرة ﵁: (إن الله ينادي على هؤلاء يوم القيامة وهو أعلم بمكانهم، يقول: أين المتحابون بجلالي؟).
المتحابون في جلال الله سبحانه، محبة في الله سبحانه ﵎، فهم إنما اجتمعوا على الطاعة، فيوم القيامة يقول: أين هم؟ وهو أعلم بمكانهم، ولكنه يظهر أمام الخلق هؤلاء الذين يستحقون هذه المنزلة العظيمة، فيرفعهم سبحانه ﵎ بطاعتهم لله، وبحبهم بعضهم بعضاً في الله، فيقول سبحانه: (أين المتحابون بجلالي؟).
فإذا ظهر هؤلاء يقول: (اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي) فيفضلهم على جميع من في الموقف يوم القيامة، فبحبهم بعضهم بعضاً في الله يظلهم في ظله سبحانه ﵎ يوم لا ظل إلا ظله.
стр. 214
أثر السلام في التحاب في الله
وعن أبي هريرة أيضاً، عن النبي ﷺ : (والذي نفسي بيده! لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا).
إذا كنت تريد الجنة فلا بد من الإيمان، هذا الإيمان هو الذي يجعل عملك وطاعتك متقبلة، إذ الإيمان ركن قبول الطاعة، ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء:٤٨]، المشرك لا يقبل الله له عملاً، الكافر، وقال عن الكفار: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣].
أما المؤمنون فيقول لهم النبي ﷺ : لن تؤمنوا الإيمان الحقيقي الكامل حتى تحابوا، (لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا).
إذاً: الإيمان في قلب المؤمن لا يكتمل إلا بمحبة المؤمنين، والحب من شروط كلمة التوحيد، أي: أن تحب هذه الكلمة، وأهل هذه الكلمة، أن تحب المسلمين، والمسلمون فيهم المطيعون وفيهم العصاة، لكنك تحب جميع المسلمين لكونهم مسلمين، وتحب منهم أهل الطاعة لكونهم أهل طاعة، وتبغض منهم المعاصي التي يفعلونها.
فهنا يوم القيامة المؤمنون المتحابون في الله يدخلهم الله جنته، يقول النبي ﷺ : (أو لا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟) وقد دلنا على شيء سهل جداً قال: (أفشوا السلام بينكم).
المسلم يمر على المسلم فيسلم عليه، يفرق بينهما طريق ثم يلتقيان فيسلم عليه، تفرق بينهما شجرة فيلتقيان بعدها يسلم عليه، وأعداء دين الله قلبوا هذا الحديث، وقالوا كثرة السلام تقلل المعرفة، يقولون ذلك كذباً وزوراً وقلباً لحقائق الإسلام، بل كثرة السلام تزيد المحبة في القلوب.
وكان الصحابة يسلم بعضهم على بعض، فيسأل بعضهم بعضاً عن حاله، فيقول: الحمد لله، قال: لهذا أسألك، يعني: أسألك لتقول هذه الكلمة فتؤجر وأوجر أنا أيضاً على ذلك.
الشيء الذي يزيد المحبة بين القلوب أن تسلم على أخيك، وأنت تفهم معنى هذه الكلمة العظيمة، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ألست تقابل أخاك فتقول له: السلام عليك، يعني: أدعو لك بالحياة السالمة من المعاصي والآثام، أدعو لك بالسلامة في صحتك وحالك ودينك وأقول: السلام عليك ورحمة الله وبركاته، يعني: أن يرحمك الله في الدنيا والآخرة، وأن يبارك لك في صحتك ومالك وإيمانك، وأن يزيدك من الخير في الدنيا والآخرة.
ثلاث كلمات فيهن فضيلة عظيمة، أنت تقول لأخيك عندما يأتيك: لا تنسنا يا أخي من دعائك، وهذه الكلمة فيها هذا الدعاء، وأنت تسلم عليه حين تلقاه تدعو له بذلك، وحين تفارقه تدعو له بذلك، فهو دعاء فضلاً عن عشر حسنات في كل كلمة، وتمد يدك فتسلم على المسلم فتتساقط الذنوب من أيديكما.
قال النبي ﷺ : (ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم).
لو عرفت أن أخاك يدعو لك كثيراً فافرح بهذا الشيء، فإذا سلم عليك وبدأك بهذه التحية العظيمة فهو يدعو لك، لذا النبي ﷺ أمرنا بها وقال: (أفشوا السلام بينكم).
بل وحذر من عدم إلقاء السلام، وقال: (من بدأكم بالكلام قبل السلام فلا تجيبوه) أي: من أتى إنساناً وطلب منه أموراً بدون سلام فهذا يعلمه النبي ﷺ الأدب، أنك لا تستحق أن يرد عليك؛ لأنك ما دخلت البيت من بابه، (من بدأكم بالكلام قبل السلام فلا تجيبوه) حتى يتعلم من مر بالمسلمين أن يسلم عليهم، وإذا طلب طلباً قدم بين يديه التسليم.
стр. 215
سبب تفرق الأحبة في الدنيا
من الأحاديث: (أن رجلاً زار أخاً له في قرية أخرى، فأرسل الله على مدرجته ملكاً في صورة رجل وسأله: أين تذهب؟ قال: إلى فلان أخ لي، قال: لحاجة لك عنده؟ قال: لا، قال: لنعمة له عليك تردها؟ قال: لا، قال: فلم؟ قال: إني أحبه في الله، قال: فإني رسول الله إليك أخبرك أن الله يحبك).
فهذا الرجل أحب أخاه في الله، فأعلمه الله في الدنيا أنه يحبه سبحانه ﵎، لو كنت تحب أخاك فيجمعكما الله على الطاعة، وقد تحب أخاك وإذا به يفرق بينك وبينه، ولا تدري لم فرق بينكما؟ لكن النبي ﷺ يقول: (ما تحاب رجلان في الله ففرق بينهما إلا بذنب يحدثه أحدهما)، تحب أخاك في الله، ثم حصل شيء فرق بينكما، فراجع نفسك ستجد السبب معصية من وراء ذلك، والمؤمن دائماً يراجع نفسه، إذا وجد جفوة بينه وبين من يحبهم في الله فليعلم أن السبب في قلبه، ولا بد أنه عصى الله في شيء، فليراجع نفسه وليتب إلى الله ، فالله يرقق القلوب، ويجمع ما تنافر واختلف بسبب المعاصي.
стр. 216
حب الأنصار إيمان
وعن البراء بن عازب ﵄، عن النبي ﷺ قال في الأنصار: (لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق، من أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله).
ومعنى ذلك أن الإنسان الذي يحب الأنصار يحبه الله ، والذي يكره الأنصار يكرهه الله، فالأنصار أهل الدار والإيمان الذين آووا النبي ﷺ والمؤمنين، فلا يعقل أن إنساناً في قلبه إيمان يكره هؤلاء الأنصار الذين قدموا وعملوا ذلك للنبي صلوات الله وسلامه عليه؟ إذاً: لا يحب الأنصار إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق محروم.
стр. 217
شرح حديث: (وجبت محبتي للمتحابين في)
وعن معاذ بن جبل ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (قال الله : المتحابون في جلالي لهم منابر من نور يغبطهم النبيون والشهداء).
سبحان الله! هذه درجة الإنسان الذي يحب أخاه في الله سبحانه، المتحابون في جلال الله سبحانه يتحابون بخوفهم من الله، لحبهم لله ﵎، لعملهم أنه يحاسبهم ويجازيهم يوم القيامة، ففي جلال الله سبحانه يحب بعضهم بعضاً.
هؤلاء يجعل لهم منابر من نور، ولم يقل: من خشب أو من ذهب، بل ما هو أعظم من ذلك بكثير، منابر من نور يوم القيامة.
(يغبطهم النبيون والشهداء)، يعني: هؤلاء ليسوا بنبيين، وليسوا بشهداء، ولكن كانوا متحابين في الله سبحانه ﵎، فجعل لهم منابر من نور، فإذا بالأنبياء والشهداء يتمنون ما هم فيه، والغبطة هي تمني ما هم فيه من فضل الله سبحانه ﵎.
معاذ بن جبل راوي هذا الحديث كان من علماء أصحاب النبي ﷺ ، بل أعلمهم بالحلال والحرام ﵁ كما ذكر النبي ﷺ ذلك، وكان شاباً صغيراً.
معاذ بن جبل راوي هذا الحديث يقول عنه أبو إدريس الخولاني ﵁: دخلت مسجد دمشق فإذا بفتى براق الثنايا وإذا الناس معه، يعني: أن أسنانه بيضاء لامعة، وأنه كثير التبسم رضي الله ﵎ عنه.
قال أبو إدريس الخولاني وهو من الزهاد والعباد ﵁: وإذا الناس مع هذا الفتى، فإذا اختلفوا في شيء أسندوه إليه وصدروا عن رأيه، قال: فسألت عنه، فقيل: هذا معاذ بن جبل رضي الله ﵎ عنه.
قال: فلما كان من الغد هجرت فوجدته قد سبقني بالتهجير، أي: بكرت لأكون جنبه وأكلمه، قال: ووجدته يصلي، فانتظرته حتى قضى صلاته، ثم جئته من قبل وجهه فسلمت عليه، ثم قلت له: والله إني لأحبك في الله، فقال معاذ: آلله؟ يعني: أتحلف على ذلك؟ قال: فقلت: آلله، فأخذ بحبوة ردائي فجبذني إليه فقال: أبشر! فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (قال الله تعالى: وجبت محبتي للمتحابين فيّ، وجبت محبتي للمتحابين فيّ، والمتجالسين فيّ، والمتزاورين فيّ، والمتباذلين فيّ)، حديث صحيح رواه الامام مالك في الموطأ.
وجبت محبة الله سبحانه، أي: لزمت محبة الله سبحانه، أوجب على نفسه ذلك سبحانه ﵎، إذا كان هذا الإنسان يحب إخوانه في الله .
(والمتجالسين في) يعني: مجموعة جلسوا يقرءون القرآن، أو جلسوا يتناصحون في الله ، أو يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، أو يتدارسون سنة النبي ﷺ ، هؤلاء الذين جلسوا ولو لحظات قليلة، لذلك وجبت لهم محبة الله سبحانه ﵎.
كذلك المتزاورون في الله ، كمن ذهب يزور أخاه في الله سبحانه لا يبتغي شيئاً إلا أن يزوره في الله.
(والمتباذلين) من البذل والعطاء، يعطي ابتغاء وجه الله سبحانه ﵎، ويؤثر على نفسه، هذا وجبت له محبة الله سبحانه ﵎.
стр. 218
ما جاء في الإعلام بالمحبة في الله
стр. 219
شرح حديث: (إذا أحب الرجل أخاه فليخبره أنه يحبه)
عن المقدام بن معدي كرب ﵁، عن النبي ﷺ يقول: (إذا أحب الرجل أخاه فليخبره أنه يحبه).
الإخبار بالمحبة أن تقول: إني أحبك في الله، وجاء في حديث أن النبي ﷺ قال ذلك لـ معاذ بن جبل ﵁: (يا معاذ والله إني لأحبك، فلا تدعن في دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك).
لو كنت أحبك فلا بد من نصيحة، وهي أن تكثر من ذلك، وهو أعلم الناس بالحلال والحرام، إذاً: اطلب من ربك زيادة الفضل، وأن يعينك على كثرة الذكر والشكر وحسن العبادة.
وهذه إذا كانت لـ معاذ فنحن أولى بها، وأن كل مؤمن يقول ذلك، ويدعو ربه دبر كل صلاة: اللهم أعني على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك.
стр. 220
ما يقول الرجل لمن يحبه وكيف يجيبه على ذلك
عن أنس بن مالك ﵁ فيما رواه عنه أبو داود: إن رجلاً كان عند النبي ﷺ ، فمر رجل به فقال: يا رسول الله! إني أحب هذا، فقال النبي ﷺ : (أأعلمته؟ فقال: لا، قال: أعلمه، فلحقه فقال: إني أحبك في الله، فقال الرجل: أحبك الله الذي أحببتني له).
إذاً السنة أن النبي ﷺ قال: أعلمه بذلك، وذلك بأن يقول: إني أحبك في الله، فدعا له أخوه، وقال: أحبك الله الذي أحببتني له.
وحب الله غاية يريد كل مؤمن أن يصل إليها، وهي غاية تدرك وليست بمستحيلة، بل هي سهلة على من يسرها الله له.
الإنسان المؤمن يحب الله فيطيع الله، ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١]، وعلامة المحبة طاعة الله سبحانه ﵎ وعلامة محبة الله للعبد أن يوفقه للعمل الصالح فكلما فتح باب عمل صالح وجده ميسراً، هذا دليل محبة الله للمؤمن، ومنها أن يجعل الأتقياء يحبونه، وإذا كان من حوله أهل التقوى لاشك أنه مثلهم في ذلك.
ومن محبة الله للعبد أن يلهمه الصواب في أقواله، وأن يبعده عن اللغو والرفث والفحش، وأهل المعاصي، محبة الله للعبد تجعله يثبته بالقول الثابت في الحياة الدنيا، وعند وفاته، ويجعل معه من يؤنسه في قبره من رضا الله سبحانه ﵎، ومن تثبت في قبره ثبته الله يوم القيامة.
محبة الله شيء عظيم جداً، تحب المرء لله ، ولا تنتظر منه شيئاً، بل تكفي المحبة القلبية التي تظهر في فلتات لسان الإنسان ونظراته ومعاونته لك، ولذلك ستكون النتيجة كما قال النبي ﷺ في الحديث: (ما تحاب اثنان في الله إلا كان أحبهما إلى الله أشدهما حباً لصاحبه)، الأحب إلى الله الأكثر محبة لصاحبه، يا ترى أنا أقرب لله أم هو أقرب لله؟ الأشد حباً لصاحبه أقرب لله عز جل.
عندها الإنسان دائماً يتذكر ذلك، وأنه إذا أحب أحب لله ، إذا أحب آثر على نفسه، إذا أحب انتظر الأجر من الله ، إذا وجد ما يفرق بينه وبين من يحبهم في الله فليراجع نفسه، فالسبب معصية تكون في قلب العبد فعلها أو وقع فيها.
نسأل الله أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، وأن يجعلنا من المتحابين فيه، المتزاورين فيه، المتجالسين فيه، المتباذلين فيه، وأن يجعلنا مع النبي صلوات الله وسلامه عليه وأصحابه الطيبين الطاهرين.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 221
شرح رياض الصالحين - علامات حب الله تعالى للعبد
محبة الله غاية يسعى إليها المتقون، وفيها سعادة الدنيا والآخرة، فمن أحبه الله غفر له جميع ذنوبه، ووفقه في أعمال جوارحه، وأجاب له دعواته، ولن يصل العبد إلى هذه الغاية إلا إذا كان يحب الله أشد من محبته لنفسه وماله وأهله، وأدى الفرائض واتقى المحارم، وأكثر بعد ذلك من التقرب إلى الله بالنوافل.
стр. 222
علامات محبة الله للعبد
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الإمام النووي ﵀: [باب: علامات حب الله تعالى للعبد والحث على التخلق بها، والسعي في تحصيلها.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران:٣١].
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [المائدة:٥٤].
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله تعالى قال: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه) رواه البخاري].
هذا باب من كتاب رياض الصالحين يذكر فيه الإمام النووي ﵀ علامات حب الله العبد والحث على التخلق بها.
وقد ذكرنا في الباب السابق الحب في الله سبحانه ﵎، وكيف أن المؤمن يحب إخوانه المؤمنين في الله ، لا يبتغي من هذه المحبة إلا وجه الله سبحانه ﵎.
ويحرص المؤمن عليها لأنه علم من حديث النبي ﷺ : (ما تحاب اثنان في الله إلا كان أحبهما إلى الله أشدهما حباً لصاحبه) فهو يريد أن يكون الأحب والأقرب إلى الله سبحانه، فيحب في الله سبحانه، وعلم أن أوثق عرى الإيمان الحب في الله، والبغض في الله، فهو يحب المؤمنين في الله، ويبغض الكفار في الله سبحانه ﵎.
هنا ذكر علامات حب الله تعالى للعبد، فالعبد الذي يحب الله يحبه الله، فما هي العلامات التي تفيد أن هذا الإنسان يحب الله سبحانه ﵎؟ قال الله ﵎: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران:٣١]، فمن العلامات اتباع النبي صلوات الله وسلامه عليه.
المؤمن يحب كتاب الله وسنة نبيه صلوات الله وسلامه عليه، ويحرص على الاقتداء بالنبي صلوات الله وسلامه عليه في كل شيء، هذه المحبة هي التي نفعت أصحاب النبي ﷺ ، فحرصوا على الاقتداء بالنبي صلوات الله وسلامه عليه، حتى إن ابن عمر كان يركب البعير فإذا بلغ موطناً رأى فيه بعير النبي ﷺ قد التفت فيه إلى مكان فإذا به يأخذ بلجامه حتى يلتفت في المكان نفسه حباً للنبي ﷺ ، وإن كان ليس مأموراً بذلك، ولكن أحب أن يفعل فعل النبي ﷺ ، وإذا علم أن النبي ﷺ كان ينزل في المكان الفلاني نزل وقضى حاجته، فكان يحب أن يصنع كما صنع النبي ﷺ ، وإذا علم أنه نزل في مكان فصلى فيه أحب أن يصلي فيه كما فعل النبي صلوات الله وسلامه عليه.
اتباع النبي ﷺ دليل على أن الله يحب لهذا العبد الخير، فإذا أحب له الخير فقد أحبه الله تعالى سبحانه ﵎.
وفي الحديث: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين) فعلامات أن هذا الإنسان يحبه الله ويريد به الخير أن يتفقه في دين الله ، وأنه يتبع ولا يبتدع في دين الله سبحانه، قال الله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران:٣١] فإذا تبعوا النبي ﷺ ماذا سيحصل؟ قال: ﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران:٣١]، فالنتيجة محبة الله للعبد، إذا أحب الله العبد يستحيل أن يعذبه وهو يحبه سبحانه ﵎.
كذلك قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤] ما هي علاماتهم قال لنا في هذه الآية: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ [المائدة:٥٤] أربع صفات ذكرها الله لهؤلاء الذين يحبهم الله ويحبون الله سبحانه ﵎.
فذكر أنهم أذلة على المؤمنين، يعني: متواضعين رحماء مع إخوانهم المؤمنين، لا يستعرض قوته على أخيه المؤمن، ولا يضايق المؤمنين ويفرح بقوته، وأنه يقدر عليهم حتى وإن كان قوياً فإنه يظهر كأنه ضعيف، متواضع مع المؤمنين، يحب لهم الخير، ولا يظهر لهم قوته ولا يظهر لهم أنه أفضل منهم، قال الله: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة:٥٤].
وهنا العزة على الكافرين تعني الشدة، فيظهر المسلم قوته على الكافرين في الجهاد في سبيل الله سبحانه ﵎، وفي تأديب هؤلاء إذا كانوا ينالون من أحد من المؤمنين، أو من دين الله سبحانه ﵎.
إذاً: هؤلاء أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم، فجهادهم ليس لمصلحة دنيوية، وإنما يبتغون به وجه الله سبحانه، يبتغون بذلك إحدى الحسنيين إما النصر، وإما الشهادة.
وهم في ذلك لا يخافون لومة لائم، يأمرون بالمعروف ولا يخافون أحداً من الخلق؛ لأنهم يأمرون بأمر الله سبحانه، وينهون عن المنكر، ولا يخافون في ذلك أن يلومهم أحد، تراهم قوامين على أنفسهم، وقوامين لدين الله سبحانه ﵎، شهداء بالحق ولو على الأنفس، أو على الوالدين، أو على الأقربين، فهم مقيمون لشرع الله سبحانه على أنفسهم، وعلى غيرهم، ولا يخافون لومة لائم، ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [المائدة:٥٤] ذلك الذي هدى الله عباده هؤلاء إليه من فضله العظيم سبحانه ﵎.
ولذلك أهل الجنة عندما يدخلون الجنة يقولون: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف:٤٣] الهدى من الله سبحانه ﵎، ليس لأحد، فضل على أحد وإنما المنة والفضل لله سبحانه ﵎ على جميع الخلق.
стр. 223
شرح حديث: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب)
стр. 224
أفضل القربات الفرائض
روى البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله تعالى قال: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب).
ولي الله عبد لله سبحانه ﵎، يحب الله ويحبه الله، فينصره الله سبحانه لأنه ينصر دين الله، وهو يتولى الله ولا يتولى أحداً إلا الله، وليس لأحد ولاية على هذا الإنسان إلا الله سبحانه ﵎.
قال الله في كتابه: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس:٦٢] ما هي صفة هؤلاء الأولياء؟ قال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٣] الإيمان والتقوى صفة ولي لله، يؤمن بالله ، ويتقي غضب الله، يأمر الناس بما أمر الله به، وهو يفعله، وينهى الناس عما نهى الله عنه، وهو ينتهي عنه.
فكل من آمن بالله واتقى الله سبحانه، ونفذ ما أمر الله به، وابتعد عما نهى الله عنه؛ فهو ولي لله سبحانه ﵎، وهذه ليست صفات مستحيلة، ولكنها صفات سهلة على من يسرها الله عليه.
قال الله تعالى: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب) أي: أعلمته بالحرب، فالله تعالى يحارب هذا الذي يعادي ولياً من أولياء الله سبحانه! قال: (وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه).
أفضل شيء تتقرب به إلى الله الفرائض، مثل الصلوات المكتوبات، وصوم رمضان، والزكاة التي فرضها الله سبحانه ﵎، وتوحيد الله سبحانه في كل أمورك وعباداتك وتقربك، فلا يشوب ذلك الشرك بالله سبحانه ﵎، والمتابعة للنبي صلوات الله وسلامه عليه.
فما فرضه الله عليك في كتابه أو في سنة النبي ﷺ ففعله أحب ما تتقرب به إلى الله سبحانه.
فإذا التزم العبد بالفرائض وفقه الله للنوافل، قال هنا: (وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه).
إذا جاء بالفرائض التي يحبها الله تعالى، ولم يزل يزداد من النوافل فإنه يصل إلى أن يحبه الله سبحانه ﵎.
والفرائض تكملها النوافل، وهي إما راتبة أو مطلقة، فالمؤمن يصلي لله فيحافظ على الفرائض، فيصلي صلاة الفجر، وقبلها يصلي ركعتين وهما سنة الفجر القبلية، ويصلي الظهر ويصلي قبلها ركعتين وبعدها ركعتين، أو قبلها أربعاً وبعدها أربعاً، ويصلي العصر ويصلي قبلها ركعتين أو أربعاً، ويصلي المغرب ويصلي بعدها ركعتين، ويصلي العشاء ويصلي بعدها ركعتين، ويصلي إحدى عشرة ركعة يوتر بها أو ثلاث عشرة ركعة يوتر بها.
فيتقرب إلى الله بالرواتب ثم يتقرب إلى الله بنفل مطلق، فيصلي من الليل ما شاء الله له أن يصلي، ويصلي في النهار صلاة الضحى وغيرها، وكلما ازداد من النوافل كان أقرب إلى رب العزة سبحانه ﵎، وأكرمه الله بذلك.
стр. 225
الولي يسمع ويبصر ويتحرك بالله تعالى
قال: (فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها).
هذا الإنسان الموفق لا يكتسب شيئاً إلا الشيء الذي يحبه الله ، فهو بالله يسمع، يعني: بتقدير الله صمت أذناه عن المنكر فلم يسمعه ولم ينتبه له، واستمع الخير ففتح الله سمعه ووعيه وقلبه، حتى: يستفيد من ذلك، ففتح له سمعه ليستمع إلى الخير، وينتفع بالخير الذي سمعه، وكم من إنسان يسمع الخير، ولا يقدر أن يعمل بما سمع، ولكن هذا الولي الذي يحبه الله فتح الله سمعه فجعله يسمع، فبالله يسمع، وبالله يبصر، وبالله يبطش، وبالله يمشي، فإذا نظر رأى الخير، وإذا رأى المنكر غض طرفه وبصره عن ذلك، فبالله نظر، وبقدرة الله أبصر، وبهدى الله غض بصره عما حرم الله ﵎، قال في الحديث: (فبي يسمع وبي يبصر) قال: (ويده التي يبطش بها).
البطش هو الإمساك باليد، فيقدره الله على ذلك، فيمسك بسيفه ويضرب به أعداء الله، قال سبحانه: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧].
فهل يعقل أن الإنسان يأخذ حفنة من التراب بيديه ثم يلقيها على الكفار، فتعمى أعين هؤلاء؟ لا يقدر أي إنسان أن يفعل ذلك، ولكن إذا أراد الله شيئاً قال له كن فيكون؛ فإذا بالنبي ﷺ يأخذ قبضة من التراب أو من الحصى ويلقيها على الكفار في خروجه من بيته مهاجراً، فإذا بالله يعمي هؤلاء بهذا التراب الذي وضع على رءوسهم، ولم يقدر أحد منهم أن يزيله عن رأسه.
وفي يوم حنين يأخذ النبي ﵊ حفنة من التراب ويلقيها عليهم ويقول: (شاهت الوجوه)، ويقتحم ﷺ عن بغلته، وينزل إلى هؤلاء ويقول: (أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب) صلوات الله وسلامه عليه، وكان هذا في موطن يفر فيه الشجعان، فإن جيش النبي ﷺ انهزموا وهم اثنا عشر ألف رجل، ولم يبق معه إلا سبعون رجلاً من آل بيته ومن كبار أصحابه صلوات الله وسلامه عليه، يواجهون عشرة آلاف من الكفار الذين امتلئوا بالحقد على النبي ﷺ وأصحابه، وأقبلوا بالسيوف وبالرماح، وهو يتقدم ويقول: (أنا النبي لا كذب) صلوات الله وسلامه عليه، ويلقي عليهم كفاً من حصى فيعميهم الله، ويفرون من النبي ﷺ ، فهل الحصى تجعل هؤلاء يفرون أو هو قضاء الله وقدرته وفضله سبحانه ﵎؟ قال الله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧].
صحابي صغير في جسمه من أصحاب النبي ﷺ وهو أبو اليسر رضي الله ﵎ عنه يأسر العباس عم النبي ﷺ في يوم بدر، والعباس رجل طويل جسيم قوي شجاع رضي الله ﵎ عنه، وكان مع المشركين، وقد قال للنبي ﷺ : كنت مسلماً، فقال له النبي ﷺ : (كان ظاهرك علينا، قد كنت في صف المشركين)، فيأسره هذا الصحابي، ويأتي به إلى النبي ﷺ .
فيعجب العباس ويقول للنبي ﷺ : ليس هذا أسرني، فيقول النبي ﷺ لـ أبي اليسر: (قد أعانك الله عليه بملك كريم) فما رميت إذ رميت ولكن الله رمى، فيقدر الله من يشاء من خلقه على من يشاء .
وقد نصر الله المؤمنين الذين كانوا ضعفاء أذلة في يوم بدر فقال: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [آل عمران:١٢٣].
قال: (وكنت يده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها) فلا يمشي إلا إلى معروف، يمشي في طاعة، يمشي ليعمل الخير، يمشي لعيادة مريض، يمشي لتشييع جنازة، يمشي لصلاة فريضة أو صلاة نافلة، يمشي لأمر بمعروف أو نهي عن منكر، فهو يمشي بتوفيق الله ، ويقدره الله أن يمشي إلى الخير، ويبتعد عن الشر، فالله هو الذي يقدره على أن يمشي إلى الخير، وأن يمتنع عن الشر.
стр. 226
إجابة الله تعالى دعاء أوليائه
قال: (ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذ بي لأعيذنه).
إذا سأل الولي الله وقال: يا رب أعطني كذا، فالله يعطيه.
وإذا آذاه مخلوق فاستعاذ بالله، أعاذه الله سبحانه؛ لأنه ولي لله ﵎.
الإنسان المؤمن الذي يسمع هذا الحديث يحب أن يكون من أولياء الله الذين لا خوف عليهم يوم القيامة، ولا هم يحزنون، وكذلك هم في الدنيا لا يحزنون على شيء يفوتهم من الدنيا، فهم واثقون بالله سبحانه، وهم مطمئنون لرحمة الله سبحانه ﵎، فيسألون الله فإذا أعطاهم فرحوا، وإذا منعهم فرحوا.
علموا أن في عطائه فضلاً من الله سبحانه، وفي منعه حكمة من الله، ففي كل الأحوال يسألون الله، وهم يعلمون أنه إن لم يعطهم في الدنيا ادخر لهم ثواب الدعاء يوم القيامة، وهم واثقون في الله سبحانه ولا يستعجلون، وهؤلاء لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
стр. 227
محبة أهل السماء والأرض لمن يحبه الله
في الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ : (إذا أحب الله تعالى العبد نادى جبريل: إن الله تعالى يحب فلاناً فأحبه، فيحبه جبريل فينادي في أهل السماء: إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض).
هذه من علامات حب الله للعبد المؤمن الصالح: أنه يحبه وأنه يأمر جبريل أن يحبه، فيوضع له القبول في الأرض، فيحبه أهل الأرض الصالحون، فإذا رأوه يحبونه لكونه مؤمناً، يحبونه لصلاحه، يحبونه لأنهم لا يرون فيه رياءً ولا حباً للسمعة، ولا حباً للشهرة، ولا يرون فيه تكلفاً.
والمرائي له بغض في قلوب الناس، فإذا أبغض الله العبد جعل البغضاء له في قلوب الناس، ولذلك جاء في صحيح مسلم: (إذا أبغض الله عبده دعا جبريل فيقول: إني أبغض فلاناً فأبغضه، فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يبغض فلاناً فأبغضوه، فيبغضه أهل السماء ثم توضع له البغضاء في الأرض) أينما ذهب فالناس لا يحبونه، ولا يبالون بالكلام الذي يقوله.
إذاً: من علامات بغض الله للعبد أنه لا أحد يستريح إليه حتى ولو كلمهم بخير، ففي قلوبهم منه وحشة، وأسلوبه صعب، وهو فظ في كلامه، وفيه خشونة، وفيه استكبار وتعال على الخلق، فلا يحبه الخلق.
فمن علامات بغض الله للعبد: أن يبغضه المؤمنون ويتقيه الناس، وفي الحديث يقول النبي ﷺ : (شر الناس من اتقاه الناس مخافة شره)، فإذا وصل الإنسان إلى هذه الدرجة فهو من شر خلق الله .
لكن قد يوجد إنسان من الصالحين، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فعندما يذهب إلى أصحاب المنكر وينصحهم فهم لا يريدون أن يكلمهم؛ لأنه يقول: صلوا وصوموا، فهذا غير مذموم، المذموم من يتقيه الناس من شره، فيجاملونه مخافة شره، فهذا الإنسان من شر خلق الله .
стр. 228
شرح حديث: (أخبروه أن الله يحبه)
من أحاديث الباب حديث عائشة ﵂ (أن رسول الله ﷺ بعث رجلاً على سرية فكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم فيختم بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١]، فلما رجعوا ذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فقال: سلوه لأي شيء يصنع ذلك؟).
يعني: كان أميراً عليهم، فكان يصلي بهم فيقرأ بآيات ثم يختم بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١]، فأنكروا عليه وقالوا: إما أن تقرأ بها وحدها وإما أن تقرأ بغيرها، لماذا تعمل هذا الشيء؟! فشكوه إلى النبي ﷺ ، والنبي ﷺ لم يكن يفعل ذلك، ولكن الرجل من شدة حبه لهذه السورة كان يفعل ذلك! فلما سأله النبي ﷺ قال: (لأنها صفة الرحمن فأنا أحب أن أقرأ بها، فقال رسول الله ﷺ : أخبروه أن الله تعالى يحبه).
فهذا الصحابي طغى حبه لهذه السورة على غيرها، وغيره يحب القرآن كله، وينتفع بكل ما في القرآن، ولكن هذا أحب صفة الله المذكورة في هذه السورة؛ فالله أحبه لحبه لسورة واحدة، فكيف بمن أحب القرآن كله؟ لا شك أنه أعظم وأعظم من هذا.
هذا تأمل في سورة واحدة منها صفات للرحمن سبحانه ﵎، وربنا أمرنا بتدبر القرآن فقال: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢]، ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤].
فإذا كان الإنسان الآن يعمل مثل هذا الصحابي فنقول: اعمل مثل النبي ﷺ واتبعه فهو أولى من اتباعك لهذا الصحابي، فهذا تدبر سورة واحدة فيها صفات الله سبحانه ﵎، ولكن الله أمرنا بتدبر القرآن كله، فتدبر القرآن كله، تدبر الفاتحة التي تقرؤها، وكيف أنك تخاطب الله سبحانه ﵎ وأنت تقرؤها كما في الحديث: (إذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] قال الرب سبحانه: حمدني عبدي، فإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٣] قال الله سبحانه: أثنى علي عبدي، فإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤] قال الله سبحانه: مجدني عبدي، وإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل).
إذاً: الفاتحة فيها صفات لله سبحانه ﵎: الله الرحمن الرحيم مالك يوم الدين، والذي يتأمل سيجد في كل القرآن مثل ذلك، فالمؤمن عليه أن يتبع النبي ﷺ ويحب كتاب الله، ويحب سنة النبي ﷺ ، ويرجو حب الله.
وحب الله غاية عظيمة يدركها الإنسان بفضل الله سبحانه، ولا يوجد إنسان يقول: يا رب إني أحبك وربنا يحرمه من ذلك، ربنا سبحانه ﵎ أكرم، قال لعباده العاصين: توبوا لأتوب عليكم، فإن كنت تريد حب الله سبحانه ﵎ فاعمل لذلك، والفضل من الله يمن به على عباده.
فلذلك يتقرب المؤمن إلى الله ويرجو حب الله ويرجو أن يكون الله سبحانه ﵎ معه في قيامه في قعوده في نومه في سجوده، في كل وقت يرجو أن يكون الله معه، فلذلك يعمل لذلك، ومستحيل أن يتقرب العبد إلى الله ويرجو وجه الله فيبعده الله سبحانه ﵎، الله الكريم يعطي على إحسان العبد إحساناً وزيادة على الحسنى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦]، فاعمل لله سبحانه وارج فضل الله سبحانه الذي لا يبخل به على أحد أبداً، وفضل الله عظيم.
نسأل الله من فضله ورحمته، ونسأله حبه ومحبته.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 229
شرح رياض الصالحين - التحذير من إيذاء الصالحين والضعفة والمساكين
الإيذاء سلوك مشين ينبذه الشرع، ويمقته الطبع السليم، ولذا فقد حرمه الشرع عموماً، وشنع على من يؤذي الصالحين والضعفاء والمساكين خصوصاً، ولأن نكاية الأذى فيهم أشد كانت العقوبة أشد، كما أن الضعفاء قد يكونون محل ولاية الله، فمن عاداهم فقد استوجب العداء من الله واستوجب غضبه.
стр. 230
بيان حرمة إيذاء المسلمين عموماً والصالحين خصوصاً
стр. 231
بيان فضل الصالحين والضعفاء والمساكين
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم.
بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، أما بعد: فقال المؤلف ﵀: [باب التحذير من إيذاء الصالحين والضعفة والمساكين.
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب:٥٨].
وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ [الضحى:٩ - ١٠].
وأما الأحاديث فكثيرة منها: حديث أبي هريرة ﵁ في الباب قبل هذا: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب).
ومنها حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ السابق في باب ملاطفة اليتيم، وقوله ﷺ : (يا أبا بكر! لئن كنت أغضبتهم فقد أغضبت ربك).
وعن جندب بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من صلى صلاة الصبح فهو في ذمة الله، فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء، فإنه من يطلبه من ذمته بشيء يدركه، ثم يكبه على وجهه في نار جهنم)، رواه مسلم].
إن هؤلاء الصالحين والضعفاء والمساكين لهم فضيلة عند الله ، فالصالحون أولياء الله سبحانه، والله يذكر أولياءه فيقول: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٢ - ٦٣].
فالمؤمن التقي ولي لله سبحانه، ولذلك ينبغي أن يحذر الإنسان أن يؤذي ولياً لله، وقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله يقول: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب).
والفضل لا يختص بالصالحين فحسب، بل المسكين له عند الله منزلة، يجليها قول النبي ﷺ في الحديث: (اللهم أحيني مسكيناً، وأمتني مسكيناً، واحشرني في زمرة المساكين)، كما أنهم من أوائل الناس دخولاً الجنة إذا كانوا من أهل التقوى، وذلك لما في أخلاق المساكين من التواضع، والخشوع لرب العالمين سبحانه، ولذلك أحب النبي ﷺ أن يكون على مثل خلق هؤلاء، وأن يحشر معهم يوم القيامة صلوات الله وسلامه عليه.
كما أن للضعفة منزلة عند الله، فكم من إنسان نراه ضعيفاً، فقيراً، ذا حاجة، إلا أن له عند الله منزلة، بل قد يكون ممن لو أقسم على الله لأبره، كما جاء في حديث النبي ﷺ .
стр. 232
التحذير من إيذاء المساكين والضعفة من المؤمنين
فلذلك ينبغي على الإنسان الذي يؤذي أحداً من هؤلاء أن يخاف على نفسه، فقد ينتصر الله لهم، وينتقم منه يوماً من الأيام، وقد يظن الإنسان أن هذا ضعيف لا ناصر له، فيتجبر عليه، ويتقوى عليه، فإذا بالله يبتليه بشيء لا يقدر على مقاومته، أو النجاة منه، ولذلك قال الله : ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب:٥٨].
و (الأذى): اسم جنس يعم جميع أنواع الأذى، كأن يستضعف إنساناً فيتطاول عليه باللسان، فيسبه ويشتمه، أو يتطاول عليه باليد، كأن يأخذ ما معه وهو غير قادر على أن يدافع عن نفسه.
ففي الآية يحذرنا ربنا سبحانه ممن يؤذي المؤمنين فيقول: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب:٥٨]، والمنافقون ديدنهم أن يؤذوا المؤمنين، فتجدهم يرمونهم بالتهم العظام، بل قد تجرأ كبيرهم على أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها، ورماها بالفاحشة إفكاً وزوراً وكذباً، وإذا بالبعض من المسلمين يقلدون هذا المنافق، ويرددون ما افتراه، فحذرهم الله أشد التحذير، كما حذر هؤلاء المنافقين، فيحذرهم الله بأن لهم الإثم العظيم عند الله، وأنهم بصنيعهم قد احتملوا البهت، والبهت: أشد الكذب والافتراء، وما احتملوه من الإثم والبهتان بين وواضح وسيحاسبهم الله عليه.
لذلك ينبغي على الإنسان المؤمن أن يكون عفيف اللسان، وإذا سمع أناساً يخوضون في أعراض أناس كفهم وزجرهم وأمرهم بالمعروف ونهاهم عن المنكر، وإن لم يقدر على الإنكار عليهم فليعتزل هؤلاء ولا يجلس معهم؛ لأنه إن جلس معهم فقد يدخل في قول الله : ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء:١٤٠]، فليس له إذا جلس في مجلس وسمع كلاماً منكراً، إلا أن ينهى عن هذا المنكر، أو أن يترك هذا المكان ولا يجلس فيه.
стр. 233
غضب الله على من يغضب الضعفاء من المؤمنين
ومن الأحاديث التي جاءت في هذا الباب حديث سعد بن أبي وقاص ﵁، الذي ذكره النووي في باب ملاطفة اليتيم، أن النبي ﷺ قال لـ أبي بكر: (يا أبا بكر! لئن كنت قد أغضبتهم لقد أغضبت ربك).
أما الحديث الذي ذكره قبل ذلك فهو حديث عائذ بن عمرو وهو في صحيح مسلم وفي مسند الإمام أحمد، وفيه: أن سلمان وصهيباً وبلالاً كانوا قعوداً في أناس، وكانوا من فقراء المسلمين المجاهدين في سبيل الله ، وممن يحبهم الله، فمر بهم أبو سفيان، وكأنهم لما رأوه تذكروا ما عمل فيهم أبو سفيان أيام مكة، فقالوا له: ما أخذت سيوف الله من عدو الله مأخذها بعد! وكان هذا في هدنة صلح الحديبية بين السنة السادسة والثامنة من الهجرة، فلما قالوا ذلك سمعهم أبو بكر ﵁، فقال: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدها! وكأن أبا بكر الصديق يتألف أبا سفيان لعله يسلم يوماً من الأيام.
فأخبر الناس النبي ﷺ بذلك، فقال النبي ﷺ لـ أبي بكر الصديق: (يا أبا بكر! لعلك أغضبتهم؟ لئن كنت أغضبت هؤلاء لقد أغضبت ربك.
فأسرع أبو بكر إليهم فقال: أي إخوتاه! لعلكم غضبتم، فقالوا: لا، يا أبا بكر! يغفر الله لك).
وتسامحوا مع أبي بكر رضي الله تعالى عنه، وقالوا: (يغفر الله لك).
والظاهر أن أبا بكر ما قصد أن يؤذيهم، وإنما قصد أن يتألف أبا سفيان لعله يسلم، وقد أسلم بعد ذلك في عام الفتح.
стр. 234
التحذير من إيذاء من كان في ذمة الله
من الأحاديث التي في الباب: حديث جندب بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من صلى صلاة الصبح فهو في ذمة الله).
أعظم صلاة في اليوم نصليها هي صلاة الصبح، وأعظم الصلوات هي التي تقام والدنيا مظلمة، وفي شدة البرد، إذ يترك الإنسان فراشه ويخرج إلى بيت الله مصلياً، ولذلك كان الذي يصلي صلاة الصبح في ذمة الله ، والمعنى: أن الله يضمنه، ولذا عندما يأتي إنسان يستلف من آخر فقد يسأله الدائن ضمنياً على أن يدفع، وإذا لم يدفع المدين دفع الضامن عنه، ولله المثل الأعلى، إذ الله يضمن من يصلي الصبح فيصبح مضموناً لله ، فهو يكفله ويدافع عنه.
قال النبي ﷺ : (فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء)، ومعلوم أن الإنسان لا يستطيع أخذ شيء من ذمة الله ، وإنما المعنى في الحديث هو: التحذير من إيذاء من صلى صلاة الصبح في جماعة مع المسلمين، ولذا قال النبي ﷺ : (فإنه من يطلبه من ذمته بشيء يدركه)، أي: أنه لا يستطيع أن يفلت من الله ، بل سيدركه، وإذا أدركه كان جزاءه أن: (يكبه على وجهه في نار جهنم)، والعياذ بالله.
وفي الحديث: بيان أن الإنسان الذي يواظب على صلاة الجماعة وخاصة صلاة الفجر فهو صالح؛ لأنه من داوم عليها يوشك ألا يغفل عن غيرها، وكأن صلاة الفجر تعد المقياس على أن هذا إنسان صالح أو ليس صالحاً، ودهي ليل على أنه لا يرائي، إذ إن المرائي قد يصلي مرة أو مرتين في المواسم ثم يترك، أما الإنسان الصالح فهو مداوم عليها في الشتاء، أو الصيف، في الحال الحسن، أو السيئ، فيرى دائماً مداوماً على الصلاة لله حريصاً على أدائها في بيت الله، فاستحق أن يكون في ذمة الله، فليحذر الذي يؤذي هذا الإنسان، فإن الله لن يتركه.
стр. 235
التعامل مع الناس بالظاهر والباطن إلى الله
стр. 236
من أسلم ظاهراً عصم ماله ودمه إلا بحق الإسلام
يقول الإمام النووي: [باب في إجراء أحكام الناس على الظاهر وسرائرهم إلى الله تعالى]: الأصل فيمن قال: لا إله إلا الله أنه مسلم، وينبغي أن يتعامل معه على أنه مسلم، إذ إن الأحكام تجري على ما يظهر من الإنسان، فمن عرف عنه أداء الصلاة والصوم في نهار رمضان فهو مسلم، أما السرائر فتوكل إلى الله ، فلم يؤمر العبد أن ينقب عن سريرة أي إنسان.
قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة:٥]، أي: أن هؤلاء الكفار الذين يحاربون الإسلام إذا تابوا فشهدوا أن لا إله إلا الله، وعرف أنهم يصلون ويدفعون الزكاة إذا طلبت منهم، وجب أن يخلى سبيلهم ويعدوا إخواناً للمسلمين في الدين قال تعالى: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة:١١].
وعن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماؤهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله تعالى)، الحديث متفق عليه.
وفيه: أن النبي ﷺ مأمور بجهاد الكفار إلى أن يسلموا ويدخلوا في دين الله ، أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، لقوله : ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة:٢٩].
فإذا التقى المسلمون مع المشركين كان لهم أن يدعوهم إلى إحدى ثلاث خصال: إما أن يسلموا فيكف عنهم ويقبل منهم، وإما أن يدفعوا الجزية وهم على دينهم، فيقبل منهم ويكف عنهم، وإما أن يصروا على القتال فيقاتلوا ويحاربوا؛ لأنهم إن أسلموا وشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأقاموا الصلاة وأدوا الزكاة فقد عصموا دماهم وأموالهم، وعند ذلك لا يجوز أن يؤخذ مال مسلم بغير طيب نفس منه.
قوله ﷺ : (إلا بحق الإسلام) أي: إلا أن يأتي شيئاً فيه القصاص، كمن أسلم ثم قتل عمداً وعدواناً، فإنه يستحق القصاص، أو قطع يد إنسان عمداً وعدواناً، فيستحق أن تقطع يده، وهكذا.
قوله: (وحسابهم على الله تعالى) أي: أنهم إذا أتوا بالأشياء الظاهرة فليس لنا عليهم شيء، وأمرهم إلى الله، وإن كان من فعل تلك الأشياء الظاهرة يبطن النفاق والكفر، فلا شأن لنا به طالما أظهر لنا الإسلام، فنعامله على ما يظهر منه، أما ما أبطنه فالله يتولى أمره فيه.
стр. 237
من أدى الشهادتين حرم ماله ودمه وحسابه على الله
وروى مسلم من حديث طارق بن أشيم ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله تعالى).
والمعنى: أن الإنسان إذا أتى بكلمة التوحيد، وكفر بما يعبد من دون الله فذلك هو مقتضى كلمة التوحيد، إذ إن معنى كلمة التوحيد: لا إله يستحق العبادة إلا الله الإله الواحد الرب .
وقوله: (أشهد أن محمداً رسول الله) أي: أنه يتوجه إلى ربه بالعبادة، وهذه العبادة التي جاءت على لسان النبي ﷺ ، فهو متبع للنبي ﷺ ليس مبتدعاً، وليس مخترعاً من قبل نفسه.
فالإنسان المؤمن يعرف هذه الكلمة حق المعرفة، فيعلم أن الله هو الإله، الذي يستحق العبادة، وأن عبادة الله ليست باختراع ولا ابتداع، وإنما عن طريق هدي محمد الرسول صلوات الله وسلامه عليه، فما جاء به من كتاب وسنة عبد الله عن طريقه.
قوله: (وكفر بما يعبد من دون الله) وهذا معنى: (لا إله)، إذ إن (لا إله) تعني: لا إله من الآلهة الباطلة يستحق العبادة، بل يكفر بكل الآلهة الباطلة؛ لقول الله : ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انفِصَامَ لَهَا﴾ [البقرة:٢٥٦]، فمن كفر بكل ما يعبد من دون الله ولم يوجه العبادة إلا إلى الله وحده لا شريك له، فقد حرم ماله ودمه، ويظل ذلك التحريم مقيداً بالقيد الأول: (إلا بحق الإسلام).
وعلى ذلك فالإنسان المسلم معصوم الدم لكونه مسلماً، إلا إذا أتى بشيء يستحق عليه أن يقتص منه في النفس، أو في الأعضاء، وكذلك هو معصوم المال، إلا إذا أتى بشيء يستحق عليه أن يدفع ثمن الجناية التي جناها، أو ثمن الإتلاف والإفساد الذي أفسده، فلو أنه أفسد مال غيره وجب عليه أن يدفع ثمن هذا الذي أفسده، وأن يصلح ما أفسده.
стр. 238
من قال لا إله إلا الله حقن دمه وإن قالها تعوذاً
جاء في حديث للمقداد بن الأسود ﵁ أنه قال: قلت لرسول الله ﷺ : (أرأيت إن لقيت رجلاً من الكفار فاقتتلنا، فضرب إحدى يدي بالسيف فقطعها، ثم لاذ مني بشجرة، فقال: أسلمت لله، أأقلته يا رسول الله بعد أن قالها؟ قال: لا تقتله).
فكلمة التوحيد تعصم الإنسان وتجعل المسلم يتحرج من أن يقاتل مسلماً إلا بحق من حقوق الله ، والمقداد بن الأسود حين يفترض هذا الفرض يريد أن يأخذ رداً على ذلك من النبي ﷺ ، وتصويره هذا يوحي أنه يرغب أن يقول له النبي: لا حرج.
والصورة التي يرسمها للنبي ﷺ تشعر أنه ما قال: لا إله إلا الله إلا تعوذاً من القتل، لا أنه مسلم، فكان الجواب من النبي ﷺ : (لا تقتله)، لا تقتله، وإن قطع يدك، وإن قال هذه الكلمة لما رأى السيف نازلاً على رقبته.
فقال المقداد: (قلت يا رسول الله! قطع إحدى يدي، ثم قال ذلك بعدما قطعها! فقال: لا تقتله، فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال).
ومعنى قوله: (أنت بمنزلته وهو بمنزلتك) أن الرجل كان كافراً قبل أن يقول كلمة التوحيد، فمنزلته أن دمه هدر، فلما قال: لا إله إلا الله صار بمنزلتك أنت، أي: صار مسلماً معصوم الدم، فأنت مسلم معصوم الدم، وسفك دمك حرام على هذا الإنسان وإن قاتلك وهو كافر، إلا أنه بعد أن أسلم صار مثلك، والإسلام يجب ما قبله، فلا يجوز لك أن تقتله وقد قال هذه الكلمة، فإن قتلته صرت بمنزلته قبل أن يقولها.
وليست منزلته أن تكون كافراً ولكن المنزلة أن دمه مهدر؛ لأنه كان كافراً غير معصوم الدم، وأنت الآن قتلت نفساً مؤمنة متعمداً، فصار دمك هدراً، وتقتل به؛ لأنك تعمدت قتله بعدما قال: لا إله إلا الله.
ففهم من الحديث أن هذه الكلمة العظيمة: (لا إله إلا الله) تعصم دم الإنسان، وأن الإنسان لا يجوز له أن يستهين بـ (لا إله إلا الله)، ولا بالإنسان الذي يقولها، كأن يضربه بالسيف فيقتله، والله ﵎ يقول: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٩٣].
стр. 239
من أظهر الإسلام فقد حرم قتله
وعن أسامة بن زيد ﵄ قال: (بعثنا رسول الله ﷺ إلى الحرقة من جهينة- والحرقة اسم مكان في قبيلة جهينة- فصبحنا القوم على مياههم، ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلاً منهم، فلما غشيناه، قال: لا إله إلا الله، فكف عنه الأنصاري وطعنته برمحي حتى قتلته) أي: أن أسامة قتل هذا الرجل.
وتوضح هذه رواية أخرى في صحيح مسلم من حديث جندب بن عبد الله: أن أسامة قال للنبي ﷺ : (كان رجل من المشركين إذا شاء أن يقصد إلى رجل من المسلمين قصد له فقتله)، أي: أنه كان رجلاً جباراً، ما كان يجد واحداً من المسلمين إلا قتله، فترصد أسامة ورجل من الأنصار لهذا الرجل، فقصدا غفلة الرجل، فلما وصلا إليه أخذ يقول: لا إله إلا الله، على أنه ما قال ذلك إلا بعدما قتل مجموعة من المسلمين، فقتله أسامة وخاف الأنصاري، ولما جاء البشير إلى النبي ﷺ بالنصر أخبره بما صنع أسامة، فقال له النبي ﷺ : (لم قتلته؟ فقال: يا رسول الله! أوجع في المسلمين، وقتل فلاناً وفلاناً وسمى له نفراً، وإني حملت عليه، فلما رأى السيف قال: لا إله إلا الله، فقال رسول الله ﷺ : أقتلته بعدما قال: لا إله إلا الله! فكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟).
وفي رواية أسامة قال: (أقتلته بعدما قال: لا إله إلا الله؟ فما زال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم).
والمعنى: أنه تمنى أن إسلامه كان بعد هذه القصة؛ لأن الإسلام يجب ما قبله، وعدم استغفار النبي ﷺ له نوع من التأنيب له، وتخويف لغيره من المسلمين، وإن كان أسامة هو حبيب رسول الله ﷺ ، إلا أنه ﷺ أبى أن يستغفر له، وظل يردد: كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟ قال: (فقلت: يا رسول الله! استغفر لي، فجعل لا يزيد على ذلك، يقول: كيف تصنع بلا إله إلا الله، إذا جاءت يوم القيامة؟).
وجملة هذه الأحاديث وغيرها من الأحاديث تدل على أن الإنسان المؤمن يجب أن يحذر من أن يسفك دم إنسان مسلم يقول: لا إله إلا الله، فتأتي هذه الكلمة يوم القيامة وصاحبها يقول لله : سل هذا فيم قتلني، فقد كنت مسلماً أقول: لا إله إلا الله فقتلني هذا؟ وقد يخرج الإنسان بعذر في الدنيا ويقبل منه؛ لكنه عند الله لا يساوي شيئاً، فإن كان ما ارتكبته بسبب الغضب فإن الجبار يغضب عليك يوم القيامة ويدخلك نار جهنم والعياذ بالله، وإنما يحق الله الحق يوم القيامة، ويأخذ للمظلوم من ظالمه.
стр. 240
التعامل مع الناس بما ظهر منهم
عن عبد الله بن عتبة بن مسعود قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: (إن ناساً كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله ﷺ ، وإن الوحي قد انقطع).
والمعنى: أن ناساً من المنافقين كانوا معروفين بالنفاق، فكان الله ينزل على النبي ﷺ وحياً فيخبره بأن فلاناً منافق، فكان النبي ﷺ ينطق بوحي من الله ، أما الآن بعد موت النبي ﷺ فقد سن لنا عمر ﵁ قاعدة عظيمة، يقول لنا سيدنا عمر ﵁: (إنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم): أي: أن العمل دليل على أن هذا الإنسان صالح، أو أن هذا الإنسان مفسد.
ثم يقول: (فمن أظهر لنا خيراً أمناه وقربناه، وليس لنا من سريرته شيء): أي: أننا لا نحاسب إنساناً على نيته وسريرته، فالذي يحاسب على النية هو الله ، وإنما يحاسب المسلمون الناس على ما يبدونه وما يظهرونه.
ثم قال عمر ﵁: (وليس لنا من سريرته شيء، فالله يحاسبه في سريرته، ومن أظهر لنا سوءاً لم نأمنه ولم نصدقه، وإن قال إن سريرته حسنة): فالإنسان يعامل بما أظهر، فإن أظهر قبيحاً سيئاً حوسب على ذلك وإن ادعى إن سريرته حسنة، كأن يكون ظاهر هذا الإنسان أنه تارك للصلاة، تارك للصوم، تارك لأمر الله ، مجالس لأهل النفاق والمعصية، فيحاسب على ظاهره، ويعامل على ظاهره.
وكذلك إذا كان إنساناً صالحاً فإنه يعامل على ظاهره، وليس لنا من باطنه شيء، فباطنه وسريرته إلى الله .
стр. 241
شرح رياض الصالحين - الخوف من الله
المؤمن يعيش في الدنيا بين الخوف من الله ورجاء رحمته، فيخاف من الله خوفاً يدفعه إلى العمل، ولا يدفعه إلى اليأس والقنوط، فهذا الخوف يجعل الإنسان يستقيم على الصراط المستقيم، وقد وردت آيات وأحاديث تثمر في القلب الخوف من الله والخشية والرهبة منه سبحانه.
стр. 242
أهمية الخوف من الله
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الإمام النووي ﵀: [باب الخوف: قال الله تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة:٤٠].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج:١٢].
وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ * وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ * يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ * فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ [هود:١٠٢ - ١٠٦].
وقال تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران:٢٨].
وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:٣٤ - ٣٧].
هذا باب من كتاب رياض الصالحين للإمام النووي رحمة الله عليه، يذكر فيه الخوف من الله .
والإنسان يعيش في هذه الدنيا ويعلم أنه ميت، والمؤمن مستيقن بأمر الموت وأمر الرجوع إلى الله سبحانه، وأمر الحساب، والكفار يقولون: ﴿مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية:٢٤]، يتخرصون ويكذبون، فعندهم ظنون وأوهام يظنونها حقائق، فإذا جاء الموت تبين لهؤلاء صدق ما قاله النبي صلوات الله وسلامه عليه، وانزاحت عنهم الأحلام، ورأوا أمامهم هذا العذاب الذي ذكر الله سبحانه، نسأل الله العفو والعافية.
المؤمن يعيش في الدنيا بين الخوف والرجاء، يخاف من الله خوفاً يدفعه إلى العمل لا يدفعه إلى اليأس، ولكن يدفع إلى العمل فيمنعه من الوقوع في الحرام، ويمنعه من مجاوزة حده، ويمنعه من أن يظلم نفسه أو يظلم غيره، يمنع الإنسان من الوقوع فيما حرم الله من الخطايا من الشهوات من الشبهات والشكوك وغير ذلك.
فهذا خوف يجعل الإنسان يستقيم على الصراط المستقيم، والرجاء يجعل العبد يطمع في رحمة رب العالمين، يرجو ربه فلا ييئس من رحمته، فالخوف والرجاء يسير المؤمن بينهما، فيخاف خوفاً لا يدفع إلى اليأس ولكن يمنع من الخطايا ومن الذنوب، ويرجو رجاء لا يدفع إلى أن يعمل المعاصي ويقول: ربنا سيغفر لي، ولكنه يرجو رحمة ربه مع خوفه من الله .
فكم من إنسان يعيش على طمع الرجاء والأمل في ذلك فإذا به يترك العمل بالكلية، ويقع في كبائر الذنوب، وقد يموت على الكفر والعياذ بالله، فالمؤمن لا يظل في الرجاء ويقع في المعاصي دائماً ويقول: أنا أرجو، ولا يكون في الخوف الذي ييئسه من رحمة رب العالمين، ولكن يكون بين الاثنين.
стр. 243
ما جاء من التخويف في القرآن
стр. 244
أمر الله تعالى عباده بأن يخافوه
في هذا الباب يذكر الإمام النووي ﵀ بعض ما جاء في القرآن من تخويف الله سبحانه ﵎ عباده من الذنوب ومن المعاصي، وذكر قدرة الله على العباد، فذكر فيه قوله سبحانه: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة:٤٠] يعني: خافوني خوف رهبة من الله.
والمؤمنون وصفهم الله بقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال:٢]، هؤلاء المؤمنون إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وتقشعر جلودهم وتلين قلوبهم لذكر الله سبحانه.
فيخاف المؤمن من الله ، والعبد عبد للملك سبحانه فلا ينبغي للعبد أن يأمن بطش الله ولا يأمن مكر الله سبحانه، وربنا لم يؤمنك، فقد قال في القرآن: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم:٧١]، فلذلك المؤمن يخاف ويرجو رحمة الله ﵎، قال الله : ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة:٤٠].
وقال: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج:١٢]، البطش: الإمساك والمعاقبة لهذا الإنسان، فإذا أمسك الله بهذا العبد وعجز عن الحركة وأدخله نار جهنم وحبسه فيها، فقد بطش به ربنا سبحانه وانتقم منه، فهل يملك لنفسه شيئاً؟ هل يقدر أن يفر من الله سبحانه ومن عقوبته سبحانه وعذابه؟ قال: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ * إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ * وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ [البروج:١٢ - ١٤]، لم ييئسه من مغفرته ومن رحمته ، فهو الغفور الودود، بطشه شديد وهو الغفور الودود سبحانه.
стр. 245
ذكر قصة نوح لتخويف العباد
قال الله: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ [هود:١٠٢]، كهذا الذي ذكره لنا في القرآن في سورة هود يذكر لنا ربنا سبحانه كيف أنه أرسل نوحاً إلى قومه ودعاهم إلى الله ، فلما كذبوه أغرقهم، فأمر الله السماء أن تفتح أبوابها، وأمر الأرض أن تخرج ماءها، فالتقى ماء السماء بماء الأرض وأغرق الله من عليها، ونجى نوحاً ومن معه، وقد دعا نوح قومه إلى عبادة الله فأبوا واستكبروا، وصبر عليهم ربهم وهو القادر عليهم سبحانه، وهو القاهر فوق عباده! ودعاهم نبيهم نوح إلى ربه ﵊، وليس هيناً على ربه، وليس مبعوثاً للناس استقلالاً بأمره، ولكن الله كرمه وشرفه وفضله وجعله يصبر على هؤلاء حتى يئس من إيمانهم ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا﴾ [نوح:٥ - ٧].
فشهد عليهم نبيهم صلوات الله وسلامه عليه أنهم لا إيمان في قلوبهم ولم تنفع معهم هذه الدعوة إلى الله، وهي ألف سنة إلا خمسين عاماً، فكانوا يصرون على الكفر وعلى التكذيب وعلى البعد عن رب العالمين سبحانه، قال الله : ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف:١٨٣].
دعاهم نوح وهم لا يستجيبون، وتركهم الله هذه المدة الطويلة حتى أخذهم الله أخذ عزيز مقتدر، فأملى لهم وتركهم حتى مات الأجداد والآباء والأحفاد، وكل يوصي من بعده بالبعد عن نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام؛ فلذلك لما جاء العذاب من عند رب العالمين كان عذاباً شديداً، فأغرق هؤلاء جميعاً ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود:٤٠]، ونجا نوح والمؤمنون معه ثم انتهى أمر إهلاك هؤلاء الظالمين.
وقد قال نوح ﵊ لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ * قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾ [هود:٤٢ - ٤٣]، وكان لا يوجد وقت للمناقشة، فجاء عذاب رب العالمين وحال بينهما الموج فكان من المغرقين، جاءت الموجة فرمته بعيداً عن أبيه من أجل ألا يترحم عليه ولا يصعب عليه أن يرى ابنه بعيداً قد أهلكه الله : ﴿وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ [هود:٤٣].
لما تذكر نوح ابنه سأل ربه وقال: ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾ [هود:٤٥]، أنت وعدتني أن تنجيني وأهلي، قال: إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح، احذر -يا نوح- فلا تسألني ما ليس لك به علم، ويرجع نوح عما قال: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [هود:٤٧]، ونجا نوح وحاق العذاب بالقوم الكافرين.
стр. 246
تخويف الله لعباده بما وقع لعاد قوم هود
وكذلك عاد قوم هود على نبينا وعليه الصلاة والسلام، كان يدعوهم إلى ربهم سبحانه وقال: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ * وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ [الشعراء:١٢٨ - ١٣٠]، فالله يرينا جرم هؤلاء، وكيف أنهم قساة القلوب، وكانوا يبطشون بالناس، وقد قال الله: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج:١٢]، فالإنسان عندما يبطش يتكبر، فاحذر من غضب الله إذا بطش بهذا الإنسان، فيتركه الله وهو أعلم من الظالم ومن المظلوم، يترك الظالم حتى يظهر ظلمه جلياً أمام الخلق جميعهم، وحتى يضج الناس من ظلم هؤلاء السفهاء.
قال: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ [الشعراء:١٢٨]، أي: تجعلون في كل أرض وفي كل بلد علامة من العلامات وبناء عالياً لا تحتاجون إليه، بل للعبث واللهو والتفاخر فيما بينكم! ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ [الشعراء:١٢٩]، أي: تتخذون قصوراً أو مشارب للماء تتوهمون أنكم تخلدون في هذه الأشياء.
﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ [الشعراء:١٣٠ - ١٣١]، فأبوا وقالوا لهذا النبي الكريم ﴿قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ * إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء:١٣٦ - ١٣٧]، وجاء عذاب الله بهؤلاء فأهلكهم سبحانه ﵎ فجعلهم ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر:٢٠].
﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج:١٢]، هذا بطش الله سبحانه ﵎، استهواهم الشيطان فجعلهم عباداً له من دون الله سبحانه، فجاءهم من عند ربهم العذاب والإهلاك، كان الواحد منهم تأتي الريح فتقلعه من الأرض وترفعه إلى السماء ثم تسقطه على رأسه فيقع وينشدخ رأسه ويبين من جسده فصاروا كأعجاز النخل الخاوية، فكيف كان عذاب الله ونذر الله ؟ ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ [القمر:١٦].
هذا انتقام رب العالمين سبحانه أرانا ذلك، وفي آخر الآيات قال : ﴿وَكَذَلِكَ﴾ [هود:١٠٢]، كهذا الأخذ العظيم الذي رأيتم نأخذ كل من طغى وبغى، وكل من استكبر عن عبادة الله وعصى ربه.
﴿أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ [هود:١٠٢]، أي: في حال ظلمها ﴿إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود:١٠٢]، أخذ مؤلم موجع شديد الألم.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ﴾ [هود:١٠٣]، إذا رأيتم هذا العذاب في الدنيا فكيف يكون عذاب الآخرة؟ ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود:١٠٣]، ولماذا يؤخره ربنا سبحانه ﵎؟ قال: ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ [هود:١٠٤]، فلا تستعجلوا، فيوم يأتي هذا الأجل ﴿لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [هود:١٠٥].
لا ينطق إنسان إلا بإذن رب العالمين سبحانه، فمن الناس شقي وسعيد، ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود:١٠٦ - ١٠٧].
وأما أهل السعادة ففي جنة الله ، نسأل الله أن يجعلنا من أهل السعادة، فذكر الله الأشقياء وذكر السعداء، والغرض بيان كيف أخذ الله المجرمين حين أخذهم، وكيف يحشرون ويكون أمرهم يوم القيامة.
قال سبحانه: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران:٢٨].
احذروا من غضب الله سبحانه، فإن الله يحذركم، وقد أعذر من أنذر، قد أنذر الله وخوف من عذابه وعقوبته، فالإنسان الذي يجرم في الدنيا فيوم القيامة لا يلوم إلا نفسه.
وقال سبحانه عن يوم القيامة: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:٣٤ - ٣٧]، والآيات كثيرة في هذا الوعد.
стр. 247
قد يعمل المرء بعمل أهل الجنة ثم يختم له بسوء
من الأحاديث التي جاءت في هذا المعنى حديث في الصحيحين عن ابن مسعود قال: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق.
أي: الصادق الذي لا يكذب، والمصدوق الذي يصدقه ربه ، ويصدقه سبحانه فيما ينزل عليه من آيات ومن وحي لسنته صلوات الله وسلامه عليه، فهو مصدوق من ربه لا يكذبه، ولا يخلف وعداً قاله للنبي ﷺ ، وهو صادق فيما يقول صلوات الله وسلامه عليه.
إذاً هو صادق في نفسه ﷺ لا يكذب، مصدوق من الله ، ومصدق من المؤمنين الذين يصدقون النبي صلوات الله وسلامه عليه.
قال: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات).
ذكر هنا مراحل تكوين الجنين في بطن الأم حتى تنفخ فيه الروح، قال ﷺ : (يرسل الله الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات)، وهو في بطن أمه يؤمر الملك بكتابة أربعة أشياء، قال: (بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد) يعني: هل هو شقي أو سعيد؟ فيكتب الرزق، ويكتب الأجل، ويكتب العمل، ويكتب هل هو شقي أو سعيد، فقد قضى وعلم الله سبحانه ﵎ بذلك.
قال ﷺ : (فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها)، المعنى: لا تغتروا.
(إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة)، فلا يغتر الإنسان بنفسه، ويجد نفسه أفضل من الناس، ويحتقر غيره، وينظر لغيره بعين التعالي، فأنت لا تعرف بم يختم لك؟ فقد يعمل فيما يبدو للناس بعمل أهل الجنة، ولكن الله يعلم أن هذا لا يستحق إلا النار، قال ﷺ : (حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها)، الأمر أمر القضاء والقدر الذي أمرنا الله أن نؤمن به ولا نتفكر في أمره، ولا نسأل لماذا هذا في الجنة وهذا في النار؟ الله له الحكمة وله الحجة البالغة، ولم يطلعنا على ذلك، إلا أنه أخبر أن منهم شقياً ومنهم سعيداً، لحكمة يعلمها الله ، فخلق الله العبد من ساعة ما خلقه وهو مكتوب عند الله ومعلوم عنده أنه من أهل الجنة، والآخر مكتوب ومعلوم عند الله أنه من أهل النار.
إذاً الإنسان يمشي في الدنيا، ولا يضيع الوقت في التفكير هل أنا من أهل الجنة أو من أهل النار؟ ليس مطلوباً منك التفكر في هذا الشيء، المطلوب منك العمل.
ولذلك الصحابة لما سألوا النبي ﷺ عن ذلك قال: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له) يعني: لا تضيعوا الوقت في الكلام، والتفكير في ذلك، فليس مطلوباً منك أن تعرف الغيب أو تطلع على أنك في الجنة أو في النار، ولكن مطلوب منك العمل، اعمل فهل هناك أحد منعك من العمل؟! عندما تحب أن تقوم بعمل فيه خير لا أحد يمنعك منه، فاعمل الخير، وعندما تعمل الشر لا أحد يمنعك منه، وكسبك أنت مسئول عنه يوم القيامة، فأنت تكسب باختيارك وبإرادتك، وإن كنت لن تخرج عن قضاء الله سبحانه، ويوم القيامة سيقول الله : ادخلوا النار جزاء بما كنتم تعملون، ولا يقول: ادخلوا النار بقضائي وقدري، فلابد من الحساب، أنت عملت كذا يوم كذا، وتحاسب عليه بكذا، وعملت كذا يوم كذا وتحاسب عليه بكذا.
إذاً: الإنسان سيحاسب على عمله يوم القيامة، والمطلوب من العبد أن يؤمن بالقدر، وألا يدخل بعقله في أمور الغيب، ففي الحديث: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له).
قال ﷺ : (وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها): يعلمنا ذلك النبي ﷺ حتى لا نحتقر أحداً من خلق الله ، فادع صاحب المعصية فلعله يكون من أهل السعادة، فيكون لك الفضل أن دعوته، فيكون ذلك يوم القيامة خيراً لك من حمر النعم، وخيراً لك مما طلعت عليه الشمس؛ أن هداه على يديك وليس على يد غيرك.
فالمؤمن إذا نظر بهذه النظرة الواسعة إلى هذا الإنسان المؤمن أحبه؛ لأنه صالح، وهذا الإنسان العاصي دعاه لعله يكون من السعداء، ولعله ينجو يوم القيامة ويكون هو السبب في ذلك، ولأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك مما طلعت عليه الشمس.
والمؤمن إذا هدى الله على يده إنساناً يكون له أجر عمل هذا الإنسان من غير أن ينقص من عمله شيء، فعلى المؤمن أن يكون ذكياً كيساً فطناً، فعندما يجد إنساناً عاصياً يدعوه إلى الله بالحكمة، ولا ينفره فيجعله يزداد عتواً وعناداً، فندعوه لعل الله يتوب عليه.
وكم من إنسان هداه الله على يد إنسان بكلمة طيبة، فإذا بهذا الذي هداه الله على يديه عمله قليل، وهذا الذي هدي عمله كثير، يحفظ القرآن ويتعلم السنة ويصير عالماً من العلماء، ويكون الفضل للإنسان الذي دعاه إلى ربه سبحانه بكلمة أو بموعظة حسنة، ففي الحديث: (من سن في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أجورهم شيء).
стр. 248
التخويف بنار جهنم وعذابها
عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : (يؤتى بجهنم يوم القيامة لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها): فالملائكة كثيرون جداً، سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك، وملائكة رب العالمين قوتهم عظيمة، قال الله : ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾ [النجم:٥٣].
وقد علمنا أن ملكاً من ملائكة الله أخذ قرى قوم لوط ورفعها إلى السماء وقلبها وأتبعهم بحجارة من نار جهنم، فهذا ملك واحد يفعل ذلك، فهؤلاء سبعون ألف ملك على كل زمام، وفيها سبعون ألف زمام، فيكون عدد الملائكة الذين يجرون جهنم أربعة مليون وتسعمائة ألف، فهم ملايين من ملائكة الله يجرون نار جهنم فقط، وداخلها ملائكة وكلوا بأهل النار، فكم عدد أهل النار ولا حول ولا قوة إلا بالله؟! فالله ربنا يخوفنا بذلك، وهذا الخوف يدفع الإنسان لطلب رحمة رب العالمين، ويطلب من الله ألا يجعله مع أهل النار.
في الصحيحين من حديث النعمان بن بشير ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن أهون أهل النار عذاباً يوم القيامة لرجل يوضع في أخمص قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه، ما يرى أن أحداً أشد منه عذاباً، وإنه لأهونهم عذاباً).
هذا عذاب أهون أهل النار، فيا ترى هل في الدنيا أحد يقدر أن يأتي بجمرة يضعها تحت رجله ويدوس عليها بأخمص القدم؟ والأخمص هو وسط القدم، فالعقب آخر القدم، وأطراف الأصابع في البداية، وبين الاثنين البقعة المجوفة المقعرة تسمى أخمص القدم.
стр. 249
شرح رياض الصالحين - الخوف والرجاء
الخوف من الله من صفات المؤمنين الصادقين، وهو يدفع المؤمن إلى عمل الطاعات والابتعاد عن المعاصي والسيئات، وقد دلت الآيات الكثيرة والأحاديث النبوية على أهمية الخوف من الله وفضلة.
أما الرجاء فهو مقابل الخوف، والمؤمن لا ييئس من رحمة الله تعالى، ومهما ارتكب المعاصي والسيئات ثم تاب إلى الله تعالى فإن الله يغفر له ما تقدم من ذنبه، وقد دلت الآيات والأحاديث على ذلك.
стр. 250
أدلة الخوف من الكتاب والسنة
следующие страницы →