← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 36997

شرح رياض الصالحين - حطيبة

أحمد حطيبة

Полный текст (1 057 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

شرح حديث: (ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويعرف شرف كبيرنا) عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: (ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويعرف شرف كبيرنا). قوله: (ليس منا) فيه زجر للإنسان الذي لا يحترم الكبير ولا يرحم الصغير، والمسلم عليه أن يهذب الصغير ويؤدبه، وذلك بأن تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر؛ لكي ينشأ الصغير رجلاً من صغره، ينشأ وهو يعرف الحلال والحرام، ويعرف الخطأ والصواب، ويسمع ويطيع طالما أنه يؤمر بالحق. قوله: (ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويعرف شرف كبيرنا) أي: أن على المرء أن يعطف على الصغير ويعلمه ويؤدبه ويعطيه ويطعمه ويسقيه رحمة به، وأنه ينبغي عليه أن يعرف شرف الكبير، الكبير في العلم، والكبير في السن، والكبير في القدر والمقام، فيعرف شرفه فيقدره فهذه الأمة مترابطة يحترم الصغير فيها الكبير، ويعطف الكبير فيها على الصغير؛ لقوله ﷺ : (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً). أمة ليس فيها هذا الشيء أمة متفككة لا يعرف بعضهم بعضاً، مثل دول الكفر، فإن حقيقتها التفكك، يقول الله : ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ [الحشر:١٤] أي: قلوبهم متفرقة، تلقى الصغير منهم لا يحترم أباه، ولو أن أباه علمه أو أدبه أو ضربه لذهب هذا الصغير إلى الشرطة يشتكي أباه، ويحاكم الأب في المحكمة، ولعلهم يضربون الأب أمام الابن؛ لكي لا يجرؤ على ضرب ابنه مرة ثانية. والطفل في المدرسة يعطونه (تلفون) الشرطة و (تلفون) المحكمة؛ حتى إذا ضربه المعلم اتصل بهم، والمسلمون يذهبون إلى تلك البلاد ليتعلم أولادهم هذه الأخلاق من هؤلاء، ويرجعون إلى بلادهم بلا أدب ولا أخلاق ولا تربية ولا دين، بل لعلهم ينظرون إلى دينهم على أنه تخلف، وعلى أن ما تعلموه من بلاد الكفر هو الأدب والحرية، وأن هذه الأخلاق هي إلى لوصول إلى الرقي والحضارة.

стр. 177

شرح أثر (قدم عيينة بن حصن فنزل على ابن أخيه الحر بن قيس) عن ابن عباس ﵄ قال: قدم عيينة بن حصن فنزل على ابن أخيه الحر بن قيس. وعيينة بن حصن هو رجل كبير في قومه، وكان ممن يتألفه النبي ﷺ في حياته؛ لأنه كبير في قومه مثل: العباس بن مرداس، والأقرع بن حابس، كان هؤلاء الثلاثة كانوا كبراء في قومهم، وكان النبي ﷺ يتألفهم ليثبتوا على هذا الدين، فقدم عيينة على عمر رضي الله تعالى عنه، وابن أخيه الحر كان صغيراً في السن، ولكنه كان من النفر الذين يدنيهم عمر رضي الله تعالى عنه لعلمه. وكذلك كان ابن عباس صغيراً في السن وكان عمر ﵁ يدنيه؛ ليس لمكانته من النبي ﷺ ، وإنما لعلمه رضي الله تعالى عنه، وأهل شورى عمر هم أهل العلم، يقول ابن عباس: كان القراء حفاظ القرآن أصحابَ مجلس عمر ومشاورته كهولاً كانوا أو شباناً، والكهل هو الذي جاوز الثلاثين سنة، أما الشاب فهو دون ذلك. فالشاهد هنا: أن أهل مجلس شورى عمر ﵁ هم حفاظ القرآن في ذلك الزمان، وليس كهذا الزمان يحفظ الواحد القرآن ولا يفهم منه شيئاً، بل كان الواحد من الصحابة والتابعين يحفظ عشر آيات، ويعرف مضمون هذه الآيات ومعانيها وأحكامها وينفذها ويعمل بها، وهكذا حتى يحفظ القرآن كله على هذه الطريقة، فهؤلاء كان يدنيهم عمر ﵁؛ لأنهم أحق أن يشاورهم في أمور المسلمين. فجاء عيينة وطلب من ابن أخيه الذي هو الحر بن قيس أن يستأذن له على عمر، فاستأذن له على عمر رضي الله تعالى عنه، وأكرم عمر هذا الشاب الحافظ للقرآن، وجعل عمه يدخل عليه. فلما دخل على عمر ﵁، قال لـ عمر: هيه يا ابن الخطاب!، فوالله ما تعطينا الجزل، ولا تحكم فينا بالعدل. هذا من الكذب على عمر رضي الله تعالى عنه، عمر ذلك الذي عدله الكفار وعرفوا فضله وعدله، وهذا يأتي ويقول عن عمر: أنت لا تحكم بالعدل، ولا تعطينا الجزل!! فلما قال ذلك، غضب عمر غضباً شديداً، وهم أن يوقع به؛ لأنه كذاب يكذب على عمر رضي الله تعالى عنه، فلما أراد معاقبته إذا بـ الحر بن قيس يقول لـ عمر ﵁: يا أمير المؤمنين! إن الله تعالى قال لنبيه ﷺ : ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:١٩٩]، وإن هذا من الجاهلين. فلما سمع الآية التي خوطب بها النبي ﷺ كأنه صُبَّ عليه ماء بارد، فسكت وسكن غضبه، وكان وقافاً عند كتاب الله . قال ابن عباس: والله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقافاً عند كتاب الله، فهدأ وسكت ﵁ وأعرض عنه لكونه جاهلاً. فإذاً: الغرض من هذا الأثر بيان الذين كان يدنيهم عمر ﵁، وعمر هو أحد العشرة المبشرين بالجنة، وزير النبي ﷺ بعد أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهم، ولو وزن إيمان عمر بإيمان الأمة ليس فيها النبي ﷺ ولا أبو بكر لوزنهم عمر وثقل إيمانه على إيمان الأمة.

стр. 178

شرح حديث سمرة (فما يمنعني من القول إلا أن هاهنا رجالاً هم أسن مني) عن سمرة بن جندب ﵁ قال: (لقد كنت على عهد رسول الله ﷺ غلاماً فكنت أحفظ عنه، فما يمنعني من القول إلا أن هاهنا رجالاً هم أسن مني). كان سمرة ﵁ صغير السن في عهد النبي صلوات الله وسلامه عليه، فهو يذكر أنه كان غلاماً، أي: أنه ابن أربع عشرة سنة أو ثلاث عشرة سنة، والظاهر أن هذا كان في غزوة الخندق أو غزوة أحد، لأنه جاء في أيامها أنه كان في مثل هذا السن. فقوله: (كنت أحفظ عن النبي ﷺ ، فما يمنعني من القول إلا أن هاهنا رجالاً هم أسن مني) يعني: كان ﵁ إذا جلس في مجلس فيه من هو أكبر منه سناً من الصحابة فإنهم يقولون: قال النبي ﷺ كذا، وكان يسكت احتراماً لهؤلاء مع أنه حافظ لما يحفظونه وربما كان يحفظ أكثر منهم، ولكن كان يمنعه أن يقول أن هناك من هو أكبر منه سناً في المجلس، فيسكت ليتكلم الكبير ولا يتكلم رضي الله تعالى عنه. هل يوجد مثله في زماننا هذا؟ أم أن الإنسان بمجرد أن يحفظ آية أو آيتين يكون فرحاً بهما، ويريد أن يقول في كل مجلس ويقاطع الناس في كلامهم وفي حديثهم؟! ينبغي على الإنسان المؤمن أن يتعلم العلم ابتغاء وجه الله سبحانه، فإذا احتاجوا إليه في علمه قال ما عنده، وإذا لم يحتج إليه سكت حتى يحتاج إليه، وإذا وجد غيره ممن هو أقدر منه على الإبلاغ ترك المجال له، واحتسب عند الله ؛ لأن العلم ليس للظهور ولا للرياء، وإنما العلم ليقول قال الله قال رسول الله ﷺ ، وليقيم شرع الله سبحانه على الإخلاص لا على الرياء والسمعة.

стр. 179

شرح حديث (ما أكرم شاب شيخاً لسنه إلا قيض الله له من يكرمه عند كبر سنه) عن أنس ﵁: (ما أكرم شاب شيخاً لسنه إلا قيض الله له من يكرمه عند كبر سنه) رواه الترمذي وقال: حديث غريب. هذا الحديث وإن كان ضعيفاً، لكن تجده مشاهداً بين الناس، وأن الإنسان الذي تربى من صغره على إكرام الكبار فهو عندما يكبر في السن يجد الصغار يكرمونه، والضريبة التي يدفعها الإنسان فإنه يستردها يوماً من الأيام، والجزاء من جنس العمل، وربنا لن يضيع جزاء من أحسن عملاً. قدم الخير في شبابك ما استطعت إلى ذلك سبيلاً، ولن يضيع عند الله، فإذا كبرت سخر الله من أولادك ومن أولاد المسلمين من يخدمك ويرفع قدرك، ويعطيك الجزاء بما صنعت قبل ذلك. فهنا الحديث وإن كان ضعيف الإسناد ولكن معناه مشاهد بين الناس، فكم من إنسان يحترم من هو أكبر منه، فيجعل له ربنا هيبة في النفوس، وكم من إنسان تجده يستهزئ بالناس فيسلط عليه ربه سبحانه من يستهين به ويستهزئ، فلذلك الإنسان المؤمن يعمل العمل ابتغاء وجه الله سبحانه، وخوفاً من عقوبة الله سبحانه، ويعلم أن ما بذله الآن سيرد إليه في يوم من الأيام، إن خيراً فخير وإن شراً فشر، نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

стр. 180

شرح رياض الصالحين - زيارة أهل الخير ومجالستهم إن زيارة أهل الخير ومجالستهم ومحبتهم فيها خير عظيم؛ لأن الأخلاق تعدي، والمرء على دين صاحبه وخليله، وإن الحذر من أهل الشر ومن مصاحبتهم أمر مطلوب؛ لأن أخلاقهم تعدي، وليس وراءهم إلا الوقوع في المعاصي والذنوب.

стр. 181

زيارة أهل الخير وصحبتهم ومحبتهم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. أما بعد: قال الإمام النووي ﵀: [باب زيارة أهل الخير ومجالستهم وصحبتهم ومحبتهم وطلب زيارتهم والدعاء منهم وزيارة المواضع الفاضلة. قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ [الكهف:٦٠]، إلى قوله تعالى: ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف:٦٦]. وقال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف:٢٨]. وعن أنس ﵁، قال: قال أبو بكر لـ عمر ﵄ بعد وفاة الرسول ﷺ : انطلق بنا إلى أم أيمن ﵂ نزورها كما كان رسول الله ﷺ يزورها، فلما انتهيا إليها بكت، فقالا لها: ما يبكيك، أما تعلمين أن ما عند الله خير لرسول الله ﷺ ؟ فقالت: إني لا أبكي أني لا أعلم أن ما عند الله خير لرسول الله ﷺ ، ولكن أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء، فهيجتهما على البكاء فجعلا يبكيان معها، رواه مسلم. وعن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ : (أن رجلاً زار أخاً له في قرية أخرى، فأرسل الله تعالى على مدرجته ملكاً، فلما أتى عليه، قال: أين تريد، قال: أريد أخاً لي في هذه القرية، قال: هل لك عليه من نعمة تربها عليه، قال: لا، غير أني أحببته في الله تعالى، قال: فإني رسول الله إليك، بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه)، رواه مسلم. والأفضل للإنسان المؤمن أن يتزاور مع إخوانه في الله ، زيارة بزيارة، محبة في الله ، ليس لطلب دنيا، أو جاه، وليس للإملال، ولا للمضايقة، ولا للمناقشة وإنما زيارة لله ، تكون دليلاً على المحبة.

стр. 182

التعلم من أهل الخير ولو كانوا مفضولين قال الله : ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ [الكهف:٦٠]. ذكرنا في تفسير سورة الكهف هذه القصة، وفيها أن موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام قام خطيباً في بني إسرائيل فخطبهم ووعظهم موعظة عظيمة جليلة، فإذا بهم يبكون من هذه الموعظة، فسأله أحدهم، قال: أي الناس أعلم؟ فقال موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام: أنا أعلم، فأجابه عن العلم بالشريعة، وهو كذلك. ولكن عتب الله عليه، أنه قال: أنا أعلم، ولم يرد العلم إلى الله سبحانه ﵎، فقال: بلى، عبدنا خضر هو أعلم منك. يعني في أشياء أخر أنت لا تعرفها. فموسى قال: كيف السبيل إلى لقياه؟ فإنه حين علم أن هناك من هو أعلم منه أراد أن يكون تلميذاً وتابعاً لهذا المعلم الذي هو أعلم منه، فدله الله في القصة التي في سورة الكهف. والغرض أن الإنسان يتعرف على من هم أفضل منه وأعلم، وقد صنع ذلك موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، ولا شك أن موسى أفضل من الخضر على نبينا وعليهما الصلاة والسلام، فإن موسى رسول، والخضر غاية ما قيل فيه إنه نبي. وموسى على علم من الشريعة اعترف الخضر أنه لا يعرفها، وموسى أحد أولي العزم من الرسل، والخضر ليس من هؤلاء على نبينا وعليهم الصلاة والسلام، ولكن مع ذلك ذهب الأفضل وهو موسى إلى المفضول وهو الخضر ليتعلم منه. فلما أتاه، وهنا ظهر من المعلم أدب التعليم، قال: ﴿قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف:٦٧] وإذا بموسى يظهر ذل المتعلم، ويقول: ﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ [الكهف:٦٩] أي: سأتبعك وأسمع كلامك ولن أعصي لك أمراً. الأفضل هو موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، لكن طالما أن الله قال له: هذا أعلم منك، إذاً: أتعلم منه ما هو أعلم به مني. وجاءت القصة على النحو الذي ذكره الله ، وفي النهاية لم يصبر موسى على متابعة الخضر، وكان في أول مرة قد نسي فقال: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾ [الكهف:٧١]، وفي المرة الثانية تعمد وقال: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ [الكهف:٧٤] وفي المرة الثالثة مل؛ لأنه لم يفهم ما الذي يفعله الخضر وهو يتابعه؛ لأن الله أخبر بذلك، وفي النهاية تعمد أن يفارقه قال: ﴿لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الكهف:٧٧]، ﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف:٧٨]، وأخبر الله بذلك. قال الله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف:٢٨]، هؤلاء الذين يطلبون الله ، أولى أن تلازمهم وأن تصبر معهم لأنهم لم يطلبوا دنيا، ولم يطلبوا جاهاً، وإنما طلبوا وجه الله ، فاستحقوا أن يكون النبي ﷺ مرافقاً لهم في هذه الدنيا، وأن يلازمهم، وهم الذين يدعون ويوحدون الله، ويطلبون من الله .

стр. 183

زيارة أبي بكر وعمر لأم أيمن عن أنس بن مالك ﵁، قال: قال أبو بكر لـ عمر ﵄ بعد وفاة رسول الله ﷺ : انطلق بنا إلى أم أيمن. وأم أيمن هي حاضنة النبي ﷺ وخادمة النبي ﷺ في طفولته، ولما كبر النبي ﷺ أعتق أم أيمن رضي الله ﵎ عنها، وزوجها من حبه، زيد بن حارثه، فأنجبت له أسمامة بن زيد رضي الله ﵎ عنه. وكان النبي ﷺ يبرها ويقول: أم أيمن أمي، فقد ربت النبي ﷺ ، وبعد أن مات النبي ﷺ قال أبو بكر لـ عمر: انطلق بنا نزورها، يعني نبرها، فإنها كانت للنبي ﷺ بمنزلة أمه، فقد كانت خادمته، وحاضنته، وكان يقول عنها أمي. فذهبا إليها، فلما انتهيا إليها بكت رضي الله ﵎ عنها، وتذكرت أيام النبي ﷺ وزيارة النبي ﷺ لها، وكيف كان يفضلها ويعطيها، وأحياناً كانت تتعنت في أشياء فيعطيها النبي ﷺ إلى أن يرضيها صلوات الله وسلامه عليه. فلما سألاها: ما يبكيك، أما تعلمين أن ما عند الله خير لرسول الله ﷺ ؟ وهذا حق، فما عند الله خير للمؤمنين، فكيف بالنبي صلوات الله وسلامه عليه، لا شك أنه خلص من هذه الدنيا ومن بلائها ومن مصائبها ومما فيها من شرور، ونجا صلوات الله وسلامه عليه، وذهب للقاء ربه ، فيصبرنها بأن ما عند الله خير من هذه الدنيا. فقالت: أنا لا أشك في هذا، أنا أعرف أن ما عند الله خير لرسول الله ﷺ ، ولكن أبكي على شيء آخر، أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء، يعني كان ينزل الوحي بالحق عند رب العالمين. وطالما أن الوحي ينزل ففيه رحمة تنزل من السماء، ولما مات النبي ﷺ انقطع هذا الوحي والرحمة التي كانت تنزل من السماء، فأبكي على ذلك، فهيجتهما على البكاء، فبكيا رضي الله ﵎ عنهم جميعاً. والغرض منه بيان زيارة أبي بكر الصديق وعمر رضي الله ﵎ عنهما لهذه المرأة الصالحة الفاضلة التي كانت مربية النبي ﷺ يوماً من الأيام.

стр. 184

شرح حديث: (زيارة رجل لأخيه في قرية أخرى) وعن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ : (أن رجلاً زار أخاً له في قرية أخرى). وهنا الزيارة لم تكن لمصلحة، فلم يذهب إليه من أجل أن ينتفع بجاه أو بمال أو من أجل أن يطلب منه شيئاً أو يرد إليه جميلاً فعله، وإنما كانت زيارة في الله سبحانه. لذلك الذي يزور أخاً له في الله، عليه أن يبتغي الأجر قبل أن يبتغي أنه سيجد هذا الإنسان وهل سيسمح له أو لا؟ وهل سيقابله أو لا؟ وهل سيضيفه أو لا؟ فلا ينظر لهذا كله، ولكن ينظر لأنه يحبه في الله سواء قابله أم لم يقابله، ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا﴾ [النور:٢٨]، فيرجع وهو سليم الصدر من ذلك، ولكنه وفى بأن زاره في الله . (فذهب هذا الرجل فأرسل الله ﵎ على مدرجته)، والمدرجة: الطريق، أرسل الله ملكاً في الطريق رصداً لهذا في صورة إنسان، وقال لهذا الرجل الذي ذهب يزور أخاً له إلى قرية أخرى، (أين تريد؟ قال: أريد أخاً لي في هذه القرية). قال: (هل لك عليه من نعمة تربها عليه)، يعني هل جئت من أجل أنه صنع لك جميلاً جئت ترب هذه النعمة وتقوم بها وترد له الجميل؟ (فقال له: لا، غير أني أحببته في الله)، يعني زيارة خالصة لا أريد منه شيئاً إلا إني أحبه في الله. فقال له هذا الملك: (فإني رسول الله إليك، بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه). والحب في الله شيء عظيم يجعل الإنسان يؤثر أخاه على نفسه، ويحافظ عليه كمحافظته على نفسه وأكثر، وينصحه في الله ، كما ينصح لنفسه ولولده ولأهله، لأنه يحبه في الله. وإذا مات هذا الإنسان فإن أخاه في الله يذكره، وينظر في أمره وفي دينه ويستغفر له، ويذكر قديم عمله، فيسأل الله له رحمته. والأخ في الله ينفع أخاه في كل وقت إلى أن يدخل معه الجنة، بل ينفعه بعد دخوله الجنة أيضاً، فلعل هذا يكون منزله في الجنة عالياً، وأخاه في منزلة دونها بكثير، فيشفع له عند الله، فيرفعه درجات في الجنة، وهذا إذا كانت المحبة لله ، وليس لطلب شيء.

стр. 185

شرح حديث: (من عاد مريضاً أو زار أخاً له في الله) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : (من عاد مريضاً أو زار أخاً له في الله، ناداه مناد: بأن طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الجنة منزلاً). في الحديث أن الذي يزور أخاً في الله، أو يعوده إن كان مريضاً، من أجل أن يخفف عنه ما هو فيه، لا ليثقل عليه ولا ليضايقه، ولا ليمكث عنده، وإنما ذهب يزور المريض ويخفف عنه ويظهر له محبته وينصرف، يناديه مناد: طبت وطاب ممشاك، وتبوأت من الجنة منزلاً. والحديث وإن كان إسناده فيه شيء، ولكن جاء حديث في مسلم وفيه: (من عاد مريضاً لم يزل في خرفة الجنة أو مخرفة الجنة حتى يرجع)، الذي يعود مريضاً يكون في بستان من بساتين الجنة، وهو يزور هذا المريض. وجاء في الحديث الآخر: (أنه يستغفر له سبعون ألف ملك) وهذا للذي يعود مريضاً يبتغي بذلك وجه الله .

стр. 186

شرح حديث (مثل الجليس) عن أبي موسى الأشعري أن النبي ﷺ قال: (إنما مثل الجليس الصالح وجليس السوء، كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحاً طيبة، ونافخ الكير، إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحاً منتنة). والمسلم العاقل يتفكر فيمن يصاحبه ويحبه ويصادقه، والصديق الصدوق الناصح هو الذي يحب لله وليس لدنيا ولا لهدف غير ابتغاء وجه الله . فيحب المسلم لكونه مسلماً ولكونه محسناً، ولكونه مطيعاً لله ، إذاً كن في مجالس أصدقاء الخير وأصحاب الخير، وفي مجالس العلم، فلا تزال البركة والرحمة تنزل من السماء، والملائكة تتغشى هؤلاء وتكون حولهم، ويستغفرون لهم، فإذا رجعوا إلى الله عزل وجل ذكروهم بخير، وذكروا أنهم أتوهم وهم يصلون، وتركوهم وهم يصلون. وجليس السوء جلسته ليست صالحة، جلسته فيها الفساد، وفيها السوء وفيها الغيبة والنميمة، وفيها العقوبة من الله ، ولذلك (ما اجتمع قوم في مجلس لم يذكروا الله فيه، ولم يصلوا على النبي ﷺ ؛ إلا قاموا حين يقومون عن جيفة حمار). والحمار لا يحل ذبحه ولا أكله، فكأنهم جلسوا ليس إلى حمار مذبوح، بل إلى حمار منتن. هذا في الدنيا، ويوم القيامة يخبر النبي ﷺ أن عليهم ترةً يوم القيامة، أي: حسرة وندامة يوم القيامة. فالجليس الصالح وجليس السوء، مثلهما كما قال النبي ﷺ : (كحامل المسك ونافخ الكير)، ومن يتفكر في هذا المثال الذي ضربه النبي صلوات الله وسلامه عليه، يجد أمراً عجيباً: فحامل المسك هو إنسان يبيع المسك وعنده الرائحة الطيبة الجميلة، وحامل المسك لك معه أشياء: إما أن يحذيك، يعني: يعطيك من الطيب، فتنتفع بالرائحة الطيبة. وإما أن تبتاع منه، أي: تشتري منه هذه الريح الطيبة فتنتفع بها. وإما أنه لا يعطيك ولا تشتري منه، لكن الرائحة الطيبة تخرج وتنتشر فتستمتع بهذه الرائحة الطيبة. فإذا الجليس الصالح كله خير، إما أن يعظك موعظة تنتفع بها، وإما أن تطلب منه موعظة فيعظك بها، وإن لم يكن هذا ولا هذا، ستسمع منه لغيرك كلاماً طيباً تستفيد أنت منه وهذا هو الجليس الصالح. ومثل جليس السوء كنافخ الكير، حداد يحرق بالنار أشياء، والرائحة الكريهة تخرج من عنده، فإما أن تتأذى بهذه الرائحة المنتنة، وإما أن يصيبك من شرر النار ما يحرق عليك ثيابك، فلا تنتفع بشيء من ذلك. وجليس السوء تنصحه فلا يقبل منك النصيحة، ومن ثم يبدأ يوجه إليك أنت من سيئاته، فإما أن يؤذيك بكلامه، بأن يوقعك في غيبة وفي نميمة وفي بتهان وفي كلام قبيح تستحق عليه العقوبة عند الله يوم القيامة، وإما أن يؤذي غيرك فتسمع منه ألفاظاً نابية وكلاماً قبيحاً، وشيئاً لا تقدر أن ترد عليه فيه، فكله شر!

стр. 187

شرح حديث: (تنكح المرأة لأربع) وفي المتفق عليه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك). كأنه يقول لنا ﷺ : المرأة يخطبها الخطاب ويتزوجها الرجال لواحدة من هذه، أو لجميعها، فإن كان للجميع فحسن وخير، ولكن إذا كنت تخير بين هذه الأشياء فابحث أول ما تبحث عن الدين، لأنه قد يضيع المال وتبقى المرأة على ما هي عليه من خلق وضيع غير طيب، وقد تكون شحيحة وممسكة لهذا المال، ولا تقدر أبداً أن تنتفع أنت من مالها بشيء. ولحسبها: بأن يكون أهلها لهم شرف، فتضايق الإنسان وتذله بأهلها، ولا يقدر أن يقيمها ولا يقومها. ولجمالها: ولعلها تذله بجمالها. ولدينها: (فاظفر بذات الدين تربت يداك)، يعني إما أن تختار ذلك وإما أن تستحق أن يدعو عليك بأن تترب يداك، أي تلتصق بالتراب، بدل أن يكون في يدك مال دعا عليك بالفقر، وهذا الذي يبحث عن المال ويبحث عن الجمال وينسى دين الله . والغرض منه بيان أن الإنسان مع زوجته وهي صاحبته، في حياته إلى أن يموت أحدهما أو يتفارقا، فإذا كانت امرأة طيبة، سترجو من ورائها الخير في بيتك ومعك ومع أولادك، وستنال منها كل الخير، والإنسان يعتاد على المرأة التي معه، فإن كانت جميلة فسيعتاد على رؤيتها ويصبح عنده أمراً عادياً، وإن كان لها مال فلعلها تعينه بمالها ولعلها لا تعينه، إنما الخلق هو الذي يبقى؛ لأن خلقها يتجدد في كل يوم، إما موعظة جميلة، أو نصيحة حسنة، أو دعوة لهذا الإنسان، أو معاونة على أمر من الأمور، فكلها خير فيظهر منها الخلق الحسن والدين الحسن مع زوجها، فإذا غاب عن البيت اطمأن لبيته، فحياته في استقرار، وفي طمأنينة لكون امرأته حسنة الخلق صالحة ترضي ربها سبحانه، وتحسن إلى زوجها، وهذا لا يتوفر إلا في المرأة ذات الدين، فاظفر بها كما قال النبي صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 188

طلب الزيارة من الصالحين روى البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: قال النبي ﷺ لجبريل: (ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا؟)، فأنزل الله : ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ [مريم:٦٤]، فلا ينزل بحسب ما يريد، ولكن بأمر الله ، ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [مريم:٦٤]، فالله يملك كل شيء. ويطلب النبي ﷺ الرفقة الطيبة الصالحة جبريل ﵇ فهو لا يعصي الله أبداً، وكل بني آدم خطاء، فأحب النبي ﷺ مصاحبة جبريل، وقال له زرنا أكثر مما تزورنا، فأنزل الله أن الأمر ليس لك ولا لجبريل، ولكن الأمر أمر الله وقتما يشاء الله ينزل جبريل، والغرض هو طلب مصاحبة الطيبين ليستفيد من حسن صحبتهم.

стр. 189

الحث على مصاحبة أهل الخير والتحذير من أهل الشر والسوء عن أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ قال: (لا تصاحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلا تقي) وهذا حديث عظيم جميل رواه أبو داود والترمذي، وإذا لم يوجد مؤمن فلا تصاحب أحداً، والإنسان مع صاحبه كل منهما يقلد الآخر، وكل منهما يأخذ من خلق الآخر، والخلق الطيب يعدي، والخلق الرديء يعدي، واللهجة والكلام والألفاظ تعدي، والإنسان السيء النابي الألفاظ تجد الذي يصاحبه يقلده شيئاً بعد شيء حتى يصبح كلامه مثل كلامه بسبب المصاحبة، والمرافقة، وكثرة الأخذ والرد، ولذلك يأمرك النبي ﷺ ، أن تصاحب الإنسان المؤمن الذي يصلي ويصوم، ويعرف الله ، الذي لا ينطق بالقبيح ولا يفعل القبيح. (ولا يأكل طعامك إلا تقي): أنت قد تتعب في كسب المال وجمعه، فإذا حصلت على مال واشتريت به طعاماً ثم أعطيته لإنسان شقي فاسد يأكله فإنه لن يشكرك، فهو عند الله ليس له منزلة ولا له قدر، فلن يشكرك هذا الإنسان. لكن التقي إذا أعطيته القليل شكرك، وحمد الله وعرف لك قدرك وفضلك، ولعل الإنسان الصالح يأكل ويدعو لك، فتؤجر بدعاء هذا الإنسان وتؤجر بإطعامك له. والإنسان الفاجر إذا أعطيته الكثير يحسدك، ويقول: أكل هذا عندك؟ إذاً أنت حرامي، وإذا أعطيته القليل، فضحك، وكلا الحالتين لن تنفع مع هذا الإنسان، تجد البعض يصلي وإذا عزمه إنسان ووجد العزومة كبيرة بدأ يحسده، ويقول: من أين أتى بالمال، هذه عزومة ملوك، وبدل أن يشكر هذا الإنسان ويدعو له بالبركة، يقول، من أين يأتي بالمال؟ ويحسده على نعم الله عليه! أما التقي فإنه يتقي الله سبحانه، ولن يتلفظ بلفظة نؤذيك؛ لأن لسانه منضبط بشرع الله ، وأنت مستفيد من الصاحب التقي فإن في دخوله بيتك بركة وبدعائه لك، وبأكله من طعامك فكله خير.

стр. 190

الرجل على دين خليله وعن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: (الرجل على دين خليلة، فلينظر أحدكم من يخالل)، رواه أبو داود والترمذي بإسناد صحيح، ومعنى الحديث أن الرجل مقلد لصاحبه. والإنسان السوي يمشي مع السوي، والسيئ يمشي مع السيئ، ولذلك لا يصطحب اثنان إلا لصفة جامعة بينهما، وحين تجد الإنسان يميل إلى إنسان آخر فاعرف أن هناك صفة مشتركة بين الاثنين تعجبهما، إما أن هذا مصل وهذا مصل، وإما أن هذا كثير صيام وهذا كثير صيام، وإما أن هذا يمزح والثاني مثله يحب المزح، وإما أن هذا فاسد والثاني مثله يحب الفساد، فلا بد أن تكون هناك صفة جامعة بين الاثنين، ولذلك قالوا: أنهم رأوا حمامة تطير مع غراب ومن غير الممكن أن تطير حمامة مع غراب فجعلوا يراقبون الحمامة والغرب فوجدوا أن الاثنين أقدامهم مكسورة فجمعتهم علة واحدة، وهي الكسر. فكذلك الأشقياء يجتمعون مع بعضهم فيستأنس كل منهما بعيب الآخر، ولذلك تجد الإنسان الفاسد حين يجد الإنسان الصالح ينفر منه، ويتضايق منه، ولا يحبه ولا يحب أن يمشي معه، لأنه إذا مشى معه سيقال له: فلان أحسن منك، فيريد الذي يكون مثله في الفساد، لذلك قال النبي ﷺ في الحديث: (الرجل على دين خليله) وإذا كان صاحبه الذي يحبه في دينه رقة، ستجد أن هذا الشيء موجود فيه، وإذا كان يصاحب الإنسان التقي قوي الإيمان ستجد أن في قلبه من الخير ما يدفعه لصحبة هذا الإنسان الخير، فلينظر أحدكم من يخالل، أي: من يصادق ومن يصاحب ومن يكون خليلاً له، حبيباً له وقريباً من قلبه. وفي الحديث الآخر المتفق عليه: (المرء مع من أحب)، فإذا كان يحب الصالح، فإن يكون معه يوم القيامة، وإذا كان يحب الإنسان المفسد الفاسد، فإنه يكون معه يوم القيامة. وتكملة هذا الحديث أن أعرابياً جاء إلى النبي ﷺ وسأله: (متى الساعة، فقال رسول الله ﷺ : ما أعددت لها؟)، فالرجل كأنه تأثر وقال: (ما أعددت لها من كثير صوم ولا صلاة)، أي: لم أجهز لها كثير صوم ولا صلاة ولكن هناك شيء أعددته للساعة قال: (ولكني أحب الله ورسوله)، يعني في قلبي المحبة لله وللرسول ﷺ ، فقال النبي ﷺ : (أنت مع من أحببت). فبعدما صدمه بالسؤال الذي أوقف الرجل وجعله يراجع نفسه، أعطاه الجواب الجميل منه ﷺ الذي طمأنه: أنت تحب الله فأنت في جنته، وتحب الرسول، فأنت معه صلوات الله وسلامه عليه (المرء مع من أحب)، وفي الرواية الأخرى، قال: (ما أعددت لها؟ قال الرجل: ما أعددت لها من كثير صوم ولا صلاة ولا صدقة، ولكني أحب الله ورسوله، فقال ﷺ : أنت مع من أحببت). هذا من حديث أنس، وجاء من حديث ابن مسعود وفيه: (جاء رجل إلى رسول الله ﷺ يقول: يا رسول الله! كيف تقول في رجل أحب قوماً ولم يلحق بهم)، يعني هو يحب أناساً صالحين لكن لا يستطيع أن يدركهم، فلا يستطيع أن يصلي مثلهم، ولا يستطيع أن يحفظ مثلهم ولا يستطيع أن يصوم مثلهم، لكنه يحبهم، فقال النبي ﷺ : (المرء مع من أحب)، فكانت كلمة أعجبت الصحابة وطيبت نفوسهم؛ لأن كلاً منهم يحب النبي ﷺ ، ولكن من مثل النبي ﷺ ومن سيعمل عمله، وكانوا يخافون أن لا يروه يوم القيامة، لأن درجته في الجنة عالية فطمأنهم النبي ﷺ أن المرء مع من أحب.

стр. 191

خيار أهل الجاهلية هم خيار أهل الإسلام إذا فقهوا في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا). الذهب ذهب مهما مرت عليه السنون، ومهما تغير بالطين والتراب فإنك إذا أخرجته وغسلته ونقيته عاد ذهباً مرة أخرى، والفضة مثل ذلك وباقي المعادن تصدأ، لكن الذهب والفضة لها ميزة عن غيرها من المعادن، والناس كذلك معادن، منها ما فيها شوائب، ومنها ما هو ذهب وفضة، فخيارهم في الجاهلية، أي: الذي كان في الجاهلية فيه رجولة، وفيه شهامة وفيه حسن خلق، فإنه حين يسلم يزيده الإسلام من ذلك، فخياركم في الجاهلية هم خياركم في الإسلام إذا تعلموا هذا الدين وإذا تفقهوا. لذلك الإنسان يشرف بهذا الدين العظيم ويزداد خيراً بأن يتعلم الفقه في الدين وأن يعمل بما يتعلم. وقال ﷺ : (والأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف). الأرواح جنود، مثلما الأبدان جنود، تجد الإنسان يحب إنساناً آخر بمجرد أن ينظر إليه، ويشعر أنه يعرفه من قبل، والأرواح من جنود الله ، يعارفها على بعضها بما شاء ، فما عرفه الله على غيره في وقت يعلمه الله تجده يحبه ويميل إليه. وهذا الحديث جاء من حديث عائشة ﵂ في مسند أبي يعلى، وفيه قصة، وهي أن امرأة كانت بمكة تحب المزح، فلما هاجرت إلى المدينة نزلت على امرأة مثلها، تحب الضحك، فبلغ عائشة ﵂ أن فلانة التي تحب المزح نزلت على فلانة التي مثلها، فقالت: صدق حبي رسول الله ﷺ : (الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف)، فكأن الإنسان ينزل على الشبيه له، والتآلف والمحبة التي تكون بين القلوب تكون في الأرواح قبل ذلك، فالمرء مرآة قرينه، والمرء ينزل على شكيله ومن كان مثله. لذلك حاول أن تتعرف على الصالحين وتحبهم ولا تنظر إلى الغنى والفقر، ولا تنظر إلى المراكز وإلى العلو، ولا تنظر إلى القوة والضعف، ولكن انظر إلى الصلاح تنتفع وتنفع صاحبك. نسأل الله أن يجعلنا من عباده الصالحين، وأن يمن علينا برفقة الصالحين. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 192

شرح رياض الصالحين - زيارة أهل الخير والأماكن الفاضلة والحب في الله لقد ندب الله إلى مجالسة أهل الخير، والجلوس معهم، وجاءت الأحاديث عن النبي ﷺ مرغبة في ذلك، ومبينة فضلها وعظيم أجرها، وخاصة الحب في الله سبحانه الذي هو أوثق عرى الإيمان.

стр. 193

ما جاء في زيارة الصالحين ومواضع الفضل أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين. وبعد: قال الإمام النووي ﵀: [باب زيارة أهل الخير ومجالستهم، وصحبتهم، ومحبتهم، وطلب زيارتهم، والدعاء منهم، وزيارة المواضع الفاضلة]. روى الإمام مسلم عن أسير بن جابر ﵁، (أن أهل الكوفة وفدوا على عمر ﵁، فقال عمر: هل هاهنا أحد من القرنيين؟ فجاء ذلك الرجل وكان يسخر من أويس فقال عمر: إن رسول الله ﷺ قال: إن رجلاً يأتيكم من اليمن يقال له: أويس لا يدع باليمن غير أم له، قد كان به بياض فدعا الله فأذهبه عنه إلا موضع الدينار أو الدرهم، فمن لقيه منكم فليستغفر لكم). وفي رواية: (إن خير التابعين رجل يقال له: أويس، وله والدة، وكان به بياض، فمروه فليستغفر لكم). وعن عمر بن الخطاب ﵁، قال: (استأذنت النبي ﷺ في العمرة، فأذن لي، وقال: لا تنسنا يا أخي من دعائك، فقال كلمة ما يسرني أن لي بها الدنيا). وفي رواية: (قال: أشركنا يا أخي في دعائك) رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح. وعن ابن عمر ﵄ قال: (كان النبي ﷺ يزور قباء راكباً وماشيا، فيصلي فيه ركعتين) متفق عليه. وفي رواية: (كان النبي ﷺ يأتي مسجد قباء كل سبت راكباً وماشيا، وكان ابن عمر يفعله). والمعنى: أن المؤمن يصاحب من يحبه في الله ، ويزوره في الله، ليس لهدف من الدنيا، ولا لتسامر ولا لتضييع وقت، وإنما زيارة محبة في الله ﵎. فيحب أهل الخير وأهل الفضل، ويصحبهم، ويجالسهم، ويزورهم، ويدعو لهم، ويطلب منهم أن يدعو له، إلى غير ذلك مما يكون فيه الفضل. وقال النبي ﷺ : (إنما مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحاً طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد ريحا منتنة). متفق عليه. وفيه مثال لنوعين من الأصدقاء والأصحاب: النوع الأول: وهم الذين يتآخون في الله ، فيجتمعون عليه، ويتفرقون عليه، فلهم أجر عظيم عند الله سبحانه. وهذا الإنسان تستفيد منه كلما لقيته، ولو بالتسليم عليه، ولو بأن يدعو لك، فهو مثل حامل المسك، إما أن تنتفع منه بريح طيبة، وإما أن تشتري منه، وإما أن يهبك ويعطيك من المسك الذي معه. والنوع الآخر: صديق السوء، وهو الذي إذا جالسته لم يزل يتكلم عن فلان، ويغتاب فلان، وهكذا. فيؤذيك بذلك. فإما أن تنكر عليه وتنجو، وإما أن تسكت فيهلكك وتهلك معه. فهو مثل نافخ الكير، أي: الحداد الذي ينفخ الكير، فإذا جلست معه شممت منه رائحة خبيثة، أو أنه قد يحرق ثيابك، أو يلوثها بما معه من نار وما معه من أذى. ولذلك فالإنسان المؤمن يصاحب المؤمنين، ويرجو الخير من وراء ذلك، ويحذر الإنسان المؤمن من السخرية من أحد من المسلمين، فلعله يسخر من إنسان وهو أفضل منه، وكان الأولى بدلاً من أن يسخر منه، أن يطلب منه أن يدعو له.

стр. 194

قصة عمر ﵁ مع أويس القرني وهنا قصة اختصرناها، وذكرنا لفظها المختصر الذي في صحيح مسلم. وفي لفظ آخر طويل عن أسير بن عمرو قال: كان عمر بن الخطاب إذا أتى عليه أمداد أهل اليمن سألهم: أفيكم أويس بن عامر؟ حتى أتى على أويس رضي الله ﵎ عنه. فقد كان عمر مهتماً لهذا الشيء، فكلما يأتيه أناس من اليمن يسألهم فيكم أويس؟ إلى أن وفد عليه في سنة من السنين قوم وفيهم أويس، فقال له عمر ﵁: أنت أويس بن عامر؟ قال: نعم. قال: من مراد ثم من قرن؟ يعني: من هذه القبائل، من قبيلة مراد التي هي من قرن. قال: نعم. قال: فكان فيك برص فبرأت منه إلا موضع درهم. وهذه أوصاف جاء بها عمر، من النبي ﷺ ، الذي أخبره بهذا الشيء، ولذلك فإن عمر بن الخطاب كان حريصاً على أن يقابل أويساً هذا، رضي الله ﵎ عنه. قال له أويس: نعم. قال: هل لك والدة؟ قال: نعم. قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد من أهل اليمن، من مراد ثم من قرن، كان به برص فبرأ منه، إلا موضع درهم). والبرص: البهاق، فإذا كثر في الجسد فهو البرص، فذهب منه البرص، وهو قل أن يذهب من الإنسان، ولكن ببركة دعاء هذا الرجل، وببركة بره لأمه رضي الله ﵎ عنه، أذهب الله عنه ذلك، وأبقى له موضعاً مثل الدينار يذكره بنعمة الله عليه. قال له عمر: إن النبي ﷺ قال: (يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد من أهل اليمن، من مراد ثم من قرن، كان به برص فبرأ منه إلا موضع درهم، له والدة هو بها بر، لو أقسم على الله لأبره)، يعني: أنه رجل بلغ من الصلاح درجة أنه لو أقسم على الله، فإن الله يستجيب له؛ لأنه يحبه سبحانه فقد أنزله منزلة عظيمة، حتى إنه ليدنو ويقسم على الله فيبره الله . قال النبي ﷺ : (فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل). وهذا يقوله لـ عمر، ومن معه، إذا استطعت أن يستغفر لك أويس وهو من التابعين، وليس من الصحابة، والصحابة أفضل من غيرهم على العموم. ولكن أويساً قد يكون فيه فضيلة على بعض أصحاب النبي ﷺ ، بحيث إنه يقسم على الله فيبره الله، ولذلك قال النبي ﷺ لـ عمر: إن استطعت أن تجعله يستغفر لك فافعل. فقال له عمر: فاستغفر لي. فاستغفر له أويس. فقال له: عمر: أين تريد؟ فقال: الكوفة. قال له: عمر: ألا أكتب لك إلى عاملها؟ يعني: يكتب له إلى العامل الذي في الكوفة حتى يستوصى به. فقال لـ عمر: أكون في غبراء الناس أحب إلي. أي: لا أريد أن أكون معروفاً بين الناس، بل أكون مع فقراء الناس وصعاليكهم ومن لا يعرف، فهذا أفضل لي وأحب إلي. فلما كان من العام المقبل، أي: السنة الثانية، حج رجل من أشرافهم، فوافى عمر ﵁، فسأله عن أويس، وكان الرجل يعرفه، وكأنه يعرف لكن لا يعرف فضله ولا شرفه فقال: تركته رث البيت، قليل المتاع. ولكنه لم يقسم على الله ليملأ له بيته متاعاً؛ لأنهم نظروا إلى الدنيا فاحتقروها، ولم يجعلوا لها قيمة، ونظروا إلى الآخرة فجمعوا لها، وادخروا من أجلها، فنئوا عن الدنيا، وأقبلوا على الآخرة، فلم يضرهم أن لم يكن معهم متاع، ولو أن عمراً كتب له إلى أمير الكوفة، لكان أنزله منزلة الأمراء مثلاً. ولكنه ﵁ لم يطلب دنيا، فكان رث البيت، قليل المتاع. فقال عمر لهذا الرجل: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد من أهل اليمن، من مراد ثم من قرن، كان به برص فبرأ منه، إلا موضع درهم، له والدة هو بها بر، لو أقسم على الله لأبره، فإن استطعت أن يستغفر لك، فافعل). فعندما عاد الرجل إلى الكوفة، ذهب مباشرة إلى أويس، وقال له: استغفر لي فرد عليه أويس: أنت أحدث عهداً بسفر صالح. يعني: أنت كنت مسافراً، وقدمت من حج أو من عمرة، فأنت الذي تستغفر لي، ولست أنا من يستغفر لك، قال: فاستغفر لي. ثم سأله: لقيت عمر؟ قال: نعم. قال: فاستغفر لـ عمر واستغفر للرجل. ففطن له الناس، فانطلق على وجهه، وغادر من المكان الذي هو فيه، حتى لا يسمع أحد به. فخاف على نفسه من الرياء، وخاف على نفسه من فتنة الناس، فإن الذي يقبل على الناس يغره الناس، والعادة أن الإنسان لو ترك نفسه للناس فإنهم يغرونه، يقولون له: أنت سيدنا، وأنت كبيرنا، وأنت أشرفنا، وأنت، وأنت حتى يغتر الإنسان في نفسه. ولذلك فإن المؤمن يقبل على الناس بالوجه الذي لا يفتن فيه، فإذا وجد من الناس المديح فهو أعلم بنفسه من الناس، فكل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون، ولو أن الإنسان أعطى أذنه للناس ليمدحوه فإنه يوشك أن يغتر فيهلك ويضيع، ولذلك فإن المؤمن حريص على أن لا يسمع مدحاً من أحد، ولا يسمع من الناس إلا النصح. ولذلك فإن أويساً رضي الله لم يصبر ولم يطق أن يسمع من الناس مديحاً وإن كان هذا المديح حقا، وهو قد مدحه النبي ﷺ ، وهو الصادق المصدوق، المعصوم صلوات الله وسلامه عليه، الذي لا ينطق عن الهوى. فلولا أن هذا الرجل له فضل عند الله ، لما ذكره النبي ﷺ بهذا الذكر العظيم. وفي رواية لهذا الحديث في صحيح مسلم: أن أهل الكوفة وفدوا على عمر ﵁، وفيهم رجل ممن كان يسخر بـ أويس. يعني: أن أويساً كان من الفقراء، ومن صعاليك المسلمين، ومن عادة الناس أنهم عندما يجدون شخصاً فقيراً، خلق الثياب، رث المتاع والبيت، فإنهم يسخرون منه، ولا يعطونه قدراً ولا منزلة. فكان أويس هكذا فيهم، وكان لا يأبه بذلك، وكان من ضمن هذا الوفد شخص يسخر منه، ولو دعا عليه أويس فلعل الله أن يستجيب له، ويصنع به الأشياء الذي يبتليه بها، ولكن أويساً كان حليماً وصبوراً فسكت عنه، ولم يقل شيئاً رضي الله ﵎ عنه. فهذا الرجل وفد على عمر ﵁، فقال عمر: هل ها هنا أحد من القرنيين، فجاء ذلك الرجل، فقد كان من نفس قبيلته، وليس بعيداً عنه. فجاء إلى عمر، فقال عمر ﵁: إن رسول الله ﷺ قال: (إن رجلاً يأتيكم من اليمن يقال له: أويس لا يدع باليمن غير أم له، قد كان به بياض فدعا الله تعالى فأذهبه، إلا موضع الدينار أو الدرهم، فمن لقيه منكم فليستغفر له). وفي رواية: قال النبي ﷺ : (إن خير التابعين رجل يقال له: أويس)، فهو خير التابعين رضي الله ﵎ عنه. ولم يقل خير الناس، فـ عمر ﵁ كان خيراً منه، وأبو بكر خير منهما رضي الله ﵎ عنه، والنبي ﷺ خير من الجميع، ولكن الغرض أن هذا خير تابعي في هؤلاء القوم الذين لم يروا النبي صلوات الله وسلامه عليه. وقد يكون فيه فضيلة في إجابة الدعاء بالقسم على الله، أكثر من بعض الصحابة، فهو قد فضل بشيء وليس بكل شيء على أصحاب النبي صلوات الله وسلامه عليه. فالغرض: أن هذا الرجل الذي كان يسخر من أويس تبين له أن أويساً هذا مستجاب الدعوة، فعرف قدر نفسه وقدر هذا الذي يسخر منه. ولذلك فإن الإنسان المؤمن لا يسخر من أحد أبدا، فلا ينظر إلى ثياب الإنسان الذي يكلمه، ولكن ينظر إلى ما يقوله من حكمة وموعظة وكلام جيد. وقد وفد بعض الصالحين على أمير من الأمراء، وكان قد لبس جبة رثة خلقة، فجعل الأمير ينظر إلى جبته وهو يتكلم، يعني: مستنكراً لجبته. فكان من كلام الرجل الحكيم للأمير أن قال: لا تنظر إلى الجبة وانظر إلى لابسها. يعني: لا تنظر إلى الجبة المقطعة المرقعة، وانظر إلى الذي يكلمك حتى تفهم ما يقوله لك. فهذه منزلة أويس عند الله سبحانه ﵎، والذي كان ذلك الرجل يسخر منه.

стр. 195

طلب الدعاء من الصالحين من الأحاديث الواردة في طلب الدعاء من الصالحين: ما رواه الإمام الترمذي وأبو داود بإسناد فيه ضعف، وإن كان الترمذي قال: حسن صحيح، وفيه: (أن عمر ﵁ خرج لعمرة، فقال له النبي ﷺ : لا تنسنا يا أخي من صالح دعائك، أو لا تنسني يا أخي من دعائك). والحديث إسناده ضعيف، ولكن أن يطلب الإنسان من أخيه المسلم الذي يظن فيه فضيلة أن يدعو له هذا شيء حسن، ولكن على وجه لا يغتر فيه هذا الذي تطلب منه الدعاء؛ لأن الإنسان أحياناً عندما يجد إنساناً يحبه في الله يبدأ يمجده ويعظمه إلى أن يرفعه عن قدره، فيغره في نفسه. فلا تغر أخاك، فقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (احثوا في وجوه المداحين التراب). فالمؤمن يخاف على نفسه من الغرور، ويخاف على نفسه من مدح الناس، والنبي ﷺ قد حذرنا من مثل ذلك، فعندما سمع رجلاً يمدح أخاه في وجهه قال: (قصمت ظهر أخيك)، ولذلك لا تعود نفسك على كثرة المدح لإنسان، ولا تغر أحداً، ولا تفتنه في دينه، والله قال لنا: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم:٣٢].

стр. 196

زيارة المواضع الفاضلة الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة في ما سواه من المساجد. ومسجد النبي ﷺ الصلاة فيه بألف صلاة في غيره من المساجد. المسجد الأقصى جاءت أحاديث بأن الصلاة فيه بخمسمائة وإن كان فيها ضعف، وأحاديث على النصف من ذلك بمائتين وخمسين صلاة، ولكن له فضيلة عظيمة، ويكفي في ذلك قول النبي ﷺ : (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى). نسأل الله أن يحرره من دنس اليهود وكفرهم وشركهم، لعنة الله عليهم، وعلى من والاهم من أهل الكتاب، ومن الكفرة الملاعين. نسأل الله أن يحرره، وينصر الإسلام والمسلمين. وهذه فضيلة هذه المساجد الثلاثة. ولمسجد قباء فضيلة أيضاً، فإنك عندما تذهب إليه وتصلي ركعتين فإن لك أجر عمرة؛ ولذلك كان النبي ﷺ يأتيه كل يوم سبت ماشياً، ويصلي فيه ركعتين كما جاء في الحديث المتفق عليه: عن ابن عمر (كان النبي ﷺ يزور قباء راكباً وماشيا، فيصلي فيه ركعتين). والغرض أن تذهب إلى الأماكن الفاضلة التي فيها الأجر العظيم، المسجد الحرام والمسجد النبوي وبيت المقدس وتذهب إلى مسجد قباء، كما فعل النبي صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 197

فضل الحب في الله

стр. 198

الحب في الله عند الأنصار قال الإمام النووي ﵀: [باب: الحب في الله والحث عليه، وإعلام الرجل من يحبه أنه يحبه، وماذا يقول له إذا أعلمه]. قال الله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩]، فالنبي ﷺ والذين معه من المؤمنين فيهم هذه الصفات العظيمة، وهي: الشدة على الكفار، فيجاهدون في سبيل الله ، ولا يخافون لومة لائم، ولا يفرون إذا لقوا العدو، وهم فيما بينهم رحماء، فيرحم المؤمن أخاه المؤمن؛ لأن المؤمن فيه ذل لأخيه المؤمن. ولذلك فالله يخبرنا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ [المائدة:٥٤]، فصفة المؤمن مع أخيه المؤمن أنه يخفض له جناح الذل من الرحمة، ويعرف قدر أخيه، ويواسيه في مصيبته، ويحبه لطاعته، وينصحه إذا وجد منه شيئاً يخالف أمر الله ﵎، ويستر عليه إذا وجد منه شيئاً من المعاصي أو الذنوب؛ لأن: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا). وقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر:٩]، فهذا وصف الله لأهل المدينة والأنصار. الذين تبوءوا الدار أي: المدينة. والإيمان أي: فكأنهم نزلوا في وسط الإيمان، وفي قلب الإيمان. فقد امتلئوا إيماناً رضوان الله ﵎ عليهم، وفاض منهم هذا الإيمان، حتى كأنهم نزلوا بداخله رضوان الله ﵎ عليهم. وهم يحبون من هاجر إليهم، ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا، ويؤثرون على أنفسهم. فالمهاجرون هاجروا وليس معهم مال ولا شيء إلى الله وإلى رسول الله ﷺ ، فمدحهم الله بقوله: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر:٨]، فصدقوا الله فصدقهم الله ، فنزلوا على المدينة فاستقبلهم الأنصار، وأحبوهم وآخوهم في الله ، وأنفقوا عليهم، وأعطوهم من أموالهم ومن ديارهم، وآثروهم على أنفسهم، فهم يؤثرون على أنفسهم حتى ولو كان بهم جوع. فهذه صفات المؤمن أنه يحب أخاه، ويؤثره، ويفضله على نفسه، كما ذكر الله هؤلاء. وليس كل الناس كالمهاجرين والأنصار، ولكن على الأقل على المؤمن إذا لم يحب أخاه فوق حبه لنفسه، أن يحبه مثل حبه لنفسه أو أقل، فيحبه مثل ما يحب ولده، ويحب أهله، ويحب أصدقاءه المقربين، فيحب المؤمن لكونه مؤمنا، ومطيعاً لله ، فينفعه هذا يوم القيامة، وينفعه في قبره.

стр. 199

متى يجد المرء حلاوة الإيمان وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه، كما يكره أن يقذف في النار) متفق عليه. وهذا فيه هذا الفضل من الله ﵎ لهؤلاء المؤمنين، الذين أرشدهم وأحبهم، فجعل في قلوبهم الإيمان، وجعل هذه صفاتهم. قال النبي ﷺ : (ثلاث من كن فيه)، أي: إذا وجدت هذه الصفات فقد وجدت حلاوة الإيمان، فالإيمان له حلاوة في القلب، وحلاوة في التكلم بألفاظ الإيمان، وبشرع الله ﵎، يجدها الإنسان المؤمن الذي فيه هذه الصفات: (أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما)، وكل إنسان لو سئل: هل تحب الله ورسوله ﷺ ؟ يقول: نعم. لا يوجد أحد يقول: لا. ولكن أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، فهنا يتفاوت الناس في ذلك، ويظهر هذا حين يخير الإنسان بين الطاعة والمعصية، فإنسان تدفعه شهوته لاختيار المعصية، فإذا به قد فضلها على حبه لله، ولرسوله صلوات الله وسلامه عليه. و (كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون)، ولكن الإنسان المؤمن إذا عرضت له معصية فإنه يفكر أن هذه المعصية تبعده عن الله ، وبسبب أن حب الله في قلبه أقوى يقول: لا أريد أن أقع في هذه المعصية. فهذا الله ورسوله أحب إليه مما سواهما. وقد يجد شيئاً من الأشياء يميل قلبه إليه، كأن يكون أخ من إخوانه يظن أنه مستحق لشيء، فيريد أن يكذب من أجله مثلاً، فيتذكر قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ [النساء:١٣٥]، فيتذكر أنه سيشهد مع هذا الإنسان وهو لم ير شيئا؛ لأنه يصعب عليه تركه، ولكن الله أرحم به مني، وهو الذي أمرني أني أعدل في شهادتي، وكونه أمرني أن أشهد بالحق فيلزمني ذلك، ولو على نفسي، ولو على الوالدين والأقربين، إن يكن فقيراً أو غنياً فالله أولى به. قال: (وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله): وقد يحب الإنسان إنساناً للدنيا، أو يحبه لعقله أو لنفعه وجاهه، ولكن الحب الذي يريده الله منا هو: الحب في الله ﵎، بأن تحب المرء لا تحبه إلا في الله، فإذا أقبل عليك فلا تفرح، وإذا أعرض عنك فلا تحزن، فلا فرق بين الحالتين؛ لأنك تحبه في الله . أما أن تحب فلاناً ثم تقول: إنه لا يعطيني ولا يزورني فلن أحبه، فهذا لا يصح لأنك أصبحت كأنك لا تحبه إلا من أجل أن يقبل عليك، ويجلس معك، ويكون معك. والمطلوب أن تحب الإنسان المؤمن لطاعته، فإذا وجدت عالماً قد لا تنتفع أنت بعلمه ولكن غيرك ينتفع بعلمه فأحبه، لكونه يبذل علمه للخلق، وتحب من حفظ القرآن، لكونه يحفظ كتاب الله ، وتحب من يعمل بالطاعة لكونه يعمل بالطاعة، وسواء نفعك أنت أو لم ينفعك، وسواء زارك أو لم يزرك، فأحبه لله ، فلعل الله أن يجمعك معه يوم القيامة. أما أن تحب إنساناً من أجل أنه يجلس معك، ويأتيك ويزورك؛ فإذا لم يفعل فلا تحبه، فراجع هذه المحبة؛ لأن المحبة في الله هي التي ذكر النبي ﷺ أنه ليس من ورائها أي هدف آخر من الأهداف. (وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه)، فتحب الإنسان لله ، وتحب الإيمان وأهل الإيمان، وتبغض الكفر والمعاصي، وتكره أن تعود إلى الكفر بعد إذ أنقذك الله منه، كما تكره أن تقذف في النار. فهذه هي علامات الإيمان التي تظهر في قلب الإنسان المؤمن، فيجد حلاوته في قلبه. نسأل الله أن يذيقنا حلاوة الإيمان، وأن يجعلنا إخوة فيه متحابين، وأن يجمعنا في مستقر رحمته. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 200

شرح رياض الصالحين - فضل الحب في الله والحث عليه وإعلام الرجل من يحبه أنه يحبه [١] إن الإيمان إذا وقر في قلب المؤمن وصدقه العمل ظهرت حلاوته وذاقها صاحبها، وإن مما يجد به العبد حلاوة الإيمان هو كونه يحب المرء لا يحبه إلا من أجل الله سبحانه، ولقد كان النبي ﷺ أكثر الخلق حباً لله وكذلك الأنبياء.

стр. 201

حب النبي ﷺ لربه الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين: أما بعد: قال الإمام النووي ﵀: [باب فضل الحب في الله والحث عليه وإعلام الرجل الذي يحبه أنه يحبه، وماذا يقول له إذا أعلمه. عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه، كما يكره أن يقذف في النار)، متفق عليه. وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه)، متفق عليه]. لقد ذكرنا حديث أنس فيما سبق، وفيه أن النبي ﷺ ذكر ثلاث خصال من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان، وكل إنسان مؤمن يحب أن يتذوق طعم الإيمان وحلاوة الإيمان، فأمر الإيمان ليس تمنياً وليس أمراً خيالياً. ولكن الإيمان يقر في قلب الإنسان ويصدقه عمل الإنسان، فإذا وقر الإيمان في قلبك وصدقه عملك، وشعرت بحب الطاعة وبحب الله ، ورسوله صلوات الله وسلامه عليه وأصحابه ومن يحب الله سبحانه ويحب رسوله صلوات الله وسلامه عليه، إذا شعرت بذلك وجدت حلاوة الإيمان. فلأجل أن يجد المرء حلاوة الإيمان فلابد من أمور: الأمر الأول: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما: يحب الله سبحانه ويحب رسوله ﷺ ، ويفضلهما على ما سواهما في الحب، فالأصل حب الله وحب الرسول صلوات الله وسلامه عليه. وإذا كان الإنسان يفضل غير ذلك فإن حبه سيمنعه من الطاعة طبعاً، وكل إنسان لو سئل: هل تحب الله أكثر أم تحب أهلك وعيالك؟ يقول: أحب الله أكثر ولا شك في ذلك، ولكن المحك في ذلك وقت التطبيق، فإذا ابتلاه الله بشيء هل يسخط على الله ؟ فإذا كان يسخط على الله إذا ابتلاه فيما يحبه دل على أنه يفضله على حبه لله . والنبي ﷺ لما توفى الله ابنه إبراهيم ﵇، إذا به تدمع عيناه ﷺ ، والحزن جبلة في الإنسان على وفاة حبيبه. فحزن النبي ﷺ على وفاة ابنه، ودمعت عيناه، ولكن لم يتكلم إلا بما يرضي الله ، فإذا به يقول: (إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون). والنبي ﷺ قد امتلأ حناناً ورأفة ورحمة، فكيف يموت ولده ثم يظل يضحك، فهذا لا يمكن أبداً لأنه كان رفيقاً رقيقاً. فهو يحزن ﷺ لأنه بشر يحب ابنه صلوات الله وسلامه عليه، فحزن ودمعت عيناه ولكنه لم يتضجر من هذا الأمر لأن ما عند الله خير له مما في الدنيا، فرضي بقضاء الله وقدره . يقول: (وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون)، ومع ذلك لا نقول إلا ما يرضي ربنا، لا ما يسخط الله، فضرب المثل ﷺ والقدوة الحسنة في ذلك كما ضربها في غير ذلك: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾ [الأحزاب:٢١]. ولما مات إبراهيم ابن النبي ﷺ انكسفت الشمس، فإذا بالصحابة يقولون: انكسفت لموت إبراهيم، والإنسان إذا كان في مثل هذه المصيبة لن يخطر على باله ما يقوله الناس لأنه غير منتبه لهذا الأمر بسبب مصيبته. إلا النبي ﷺ فإنه وقف للناس ليردهم عن قولهم وقال: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا تنكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا كان ذلك فافزعوا إلى الصلاة)، فأمرهم أن يصلوا صلوات الله وسلامه عليه. فقد كان النبي ﷺ رحمة للعالمين، فعلى ذلك لابد أن يصحح لهم مفهوماً خاطئاً يتكلمون به ويفهمونه، حتى ولو كان حزيناً على وفاة ابنه. وهناك واقعة أخرى حدثت له ﷺ : ففي يوم بدر، نصر الله المؤمنين، وماتت ابنة النبي ﷺ ، ففي فرحة الناس في هذا اليوم بنصر الله وابنته تموت صلوات الله وسلامه عليه، ومع ذلك أخفى حزنه عن الناس. فلم يظهر حزنه للناس لأنهم كانوا فرحين بنصر الله لهم في هذا اليوم الذي كان فيه أول وقعة حقيقية بين عسكر الكفر وعسكر الإيمان، بل تجاوز أحزانه ﷺ ، وأظهر فرحه بنصر الله للمؤمنين. فحب الله وحب دين الله هو الذي جعل نبيه ﷺ ينطق بالحق في كل موطن، ولذلك لما سألوه: (نكتب عنك يا رسول في حال غضبك فقال: اكتبوا، فوالذي نفسي بيده لا يخرج منه إلا الحق) فهو لا ينطق بالهوى ولكن ينطق بالحق. فكلما أراد الإنسان الأسوة الحسنة والقدوة العظيمة، فإن أسوته وقدوته في النبي صلوات الله وسلامه عليه، إذا أصابه هم أو حزن أو مصيبة، ما كان لينسى دين الله . والإنسان مخلوق في الدنيا ليبتلى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت:٢] مخلوق في الدنيا ليمتحن: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة:١٥٥ - ١٥٧] فضلان من الله : ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٥٧] وهداية من الله لهؤلاء، فالإنسان المؤمن يبتليه ربه لينظر أيكم أحسن عملاً، فالمؤمن ينظر إلى الدنيا أنها دار بلاء ودار محن ودار اختبار والنتيجة عند الله يوم القيامة فإذا ابتلاه الله فليأتس بالنبي صلوات الله وسلامه عليه وليقتد به فقد ابتلي وصبر صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 202

صبر إبراهيم على البلاء محبة لله سبحانه إن إبراهيم أبو الأنبياء على نبينا وعليه الصلاة والسلام ابتلاه الله فصبر. ابتلاه في أبيه وابتلاه في ابنه وابتلاه في زوجته، فإذا به يصبر الصبر العظيم: ابتلاه في أبيه فكان أبوه كافراً وكان صانعاً للأصنام يصنعها لقومه، وإذا بإبراهيم يجادل أباه حتى يمنعه من ذلك فلم يقدر على ذلك ﵊، حتى قال له أبوه: ﴿لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم:٤٦] أي: ابتعد عني وإلا رجمتك: ﴿قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا * وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ [مريم:٤٧ - ٤٨]. ويذهب مع امرأته سارة إلى مصر فإذا به يجد جباراً من الجبابرة، وإذا بالجبار يسأل: من هذه؟ ويخاف إبراهيم أن يقول: هي زوجتي. خشية أن يقتله هذا الجبار ليأخذها منه، فكانت الحيلة أن قال: هي أختي، فعرض بالكلام. وهذه بلية ومصيبة نزلت بإبراهيم وانتظر الفرج من الله ، فإذا بالجبار يأخذها ويريدها لنفسه، وإذا بها تدعو ربها سبحانه ويدعو إبراهيم ربه ، فيكشف الكرب العظيم الذي كان فيه إبراهيم وسارة عليهما الصلاة والسلام. وصرع الله هذا الجبار حتى وقع ولم يستطع أن يقربها بسوء، مرة ومرتين وثلاثاً حتى قال: إنما أتيتموني بشيطانة، وأرجعها إلى إبراهيم وأخدمها هاجر، فكانت هاجر أمة لـ سارة أهدتها لإبراهيم، فكانت أمة لإبراهيم وأم ولد له بعد ذلك. وابتلاه الله في ولده ووحيده إسماعيل عليه وعلى أبيه وعلى نبينا الصلاة والسلام، الذي جاءه بعد الكبر وبعد سنين طويلة كان يتمنى فيها الولد فإذا بالله يأمره في المنام أن يذبح ولده. حتى يعلم سبحانه علم مشاهدة هل يحب إبراهيم ولده أكثر من حبه لله أم يحب الله أكثر من حبه لولده. ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات:١٠٢] هل قال: أضغاث أحلام؟ هل قال: هذا أمر من منام ولن أنفذه؟ لا، فقد علم أن أباه لا يرى إلا ما يأمر الله به، فقال: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات:١٠٢]. فكان بلاءً عظيماً أن يذبح ابنه كما يذبح الشاة. وتله للجبين، واستسلم لأمر رب العالمين، فإذا بالله يقول: ﴿أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات:١٠٤ - ١٠٥] أي: قد فعلت ما أمرت به وأظهرت حبك لنا فوق حبك لأي شيء. لقد هجر بلده ووطنه وهاجر منهم حين عبدوا غير الله تفضيلاً لحب الله سبحانه فوق حبه للبلد وللوالد وللأهل، لقد كان حبه لله فوق كل شيء، عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. والإنسان المؤمن يحب الله جل في علاه ويظهر هذه المحبة، وخاصة في وقت البلاء، ويستشعر أن الله امتحنه ليرفع درجته وليكفر خطيئته وسيئته، فيرضى بقضاء الله ، ولا مانع من أن يحزن ولكن لا يتضجر على الله ولا يتسخط على قضاء الله وقدره سبحانه قال: (وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله). يحب أخاه المؤمن لأنه مطيع لله لأنه عابد لله لأنه يحب الله ، (وأن يكره أن يعود في الكفر)، أي: إذا كان كافراً فأسلم، وإذا لم يكن كذلك بأن شب ونشأ على الإسلام وولد فيه يبغض الكفر وأهله كبغضه أن يلقى في النار فإذا كان كذلك فإنه يستشعر ويتذوق حلاوة الإيمان.

стр. 203

شرح حديث: (سبعة يظلهم)

стр. 204

شدة هول يوم القيامة وحره عن أبي هريرة ﵁ في المتفق عليه قال: قال النبي ﷺ : (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله). يظلهم الله في يوم عظيم طويل وهو يوم القيامة، يوم يجتمع الخلائق الأولون والآخرون إنسهم وجنهم، وتتنزل الملائكة تحيط بهم فلا مهرب ولا ملجأ من الله إلا إليه، وإذا بالشمس تدنو من رءوس العباد، فإذا بالعرق يسيل، فمنهم من يبلغ عرقه إلى رجليه وإلى قدميه وإلى كعبيه وإلى ركبتيه وإلى حقويه، ومنهم من يغطي منكبيه، ومنهم من يلجم فاه. وذلك بحسب ما كان يبذل العرق لله في الدنيا، هل كان يتعب نفسه لله؟ هل كان يصلي فيتعب لله سبحانه؟ هل كان يأمر بمعروف وينهى عن منكر ويقضي حوائج الناس فيتعب نفسه طاعةً لله؟ فمن بذل العرق في الدنيا نجا يوم القيامة! وحين تدنو الشمس من الرءوس إذا بالله يظل من يشاء بظله يوم لا ظل إلا ما جعله الله لهؤلاء من ظل. وقوله: (سبعة يظلهم الله) المقصود: سبعة أصناف وليس سبعة رجال، فيكون تحت كل صنف رجال كثيرون ونساء كثيرات.

стр. 205

معنى قوله: (إمام عادل وشاب نشأ في عباد الله) قال: (إمام عادل)، والإمام هنا بمعنى الحاكم الذي يحكم بشرع الله ويعدل بين الرعية. قد يحكم الحاكم بشرع الله ولا يعدل بين الناس، يحكم في الظاهر ويظلم الناس في الباطن، فهنا يقول لنا: (إمام عادل) أي: يعدل بين الخلق. قال: (وشاب نشأ في عبادة الله): سواء كان ذكراً أو أنثى، فاحرص على أن تكون عابداً لله . وإن كان الله عصمك من الوقوع في الكبائر وحبب إليك الصلاح فداوم على ذلك حتى تكون من هؤلاء، ولا تأمن مكر الله ولا تغتر بنفسك، فكم من إنسان غرته عبادته فإذا بالله يقلبه عن عادته ويكون على غير ما كان عليه. فالله يهدي من يشاء ويضل من يشاء: (وإن العبد ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن العبد ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها). إذا كنت شاباً نشأت في طاعة الله وحفظت كتاب الله فاحذر من الغرور، فإن الغرور يردي صاحبه، وإذا كان عندك أولاد فعلمهم الطاعة وعلمهم حب الله ، وعلمهم أن يكون حب الله ورسوله ﷺ أحب إليهم مما سواهما.

стр. 206

معنى قوله: (ورجل قلبه معلق بالمساجد) قال: (ورجل قلبه معلق بالمساجد). والمساجد بيوت الله ، والذي تعلق قلبه بالمساجد أحب الصلاة وأحب الله . والمسجد ليس كالنادي يذهب إليه الإنسان من أجل أن يقابل الإخوة ويتكلم معهم، بل يحب المسجد لأنه بيت الله، ويحافظ عليه ويحترمه ويوقره ولا يؤذي أحداً فيه، ويقرأ فيه كتاب الله ويستمع فيه لدرس العلم، ويصلي الصلاة المفروضة، ويخرج من بيت الله إلى بيته وفي قلبه حنين متى يرجع إلى بيت الله . فالرجل الذي قلبه معلق بالمساجد من حبه لبيوت الله قلبه معلق بها إذا خرج منها حتى يعود، وفي رواية: (إذا خرج من بيت الله حتى يرجع إليه)، فيصلى صلاة الظهر ويرجع إلى بيته وإلى عمله وقلبه مشتاق متى يأتي وقت العصر من أجل أن أذهب وأصلي في بيت الله . علم الأجر والفضل فهو مستحضر لذلك، ولذلك جاء في حديث النبي ﷺ في الكفارات، قال: (وانتظار الصلاة بعد الصلاة، وإسباغ الوضوء في السبرات، ونقل الأقدام إلى الجماعات). فهذه كفارات يكفر الله بها خطايا الإنسان: منها: أن تسبغ الوضوء في وقت ما تكره ذلك، كأن يكون الماء شديد البرودة في الشتاء، ومع ذلك تتوضأ فتحسن الوضوء؛ فإن الله يكفر عنك خطاياك. وانتظار الصلاة بعد الصلاة في بيت الله سبحانه، ما لم تضيع عملاً واجباً عليك أن تؤديه لتطعم عيالك وتنفق على قرابتك مثلاً. وكذلك: نقل الأقدام إلى الجماعات، وأنت ذاهب إلى بيت الله لصلاة الجماعة، فكل خطوة ترفعك درجة والأخرى تحط عنك سيئة فتحتسب هذا كله عند الله . وقد أخبرنا النبي ﷺ أن الخطايا تتناثر وتتساقط أثناء الوضوء؛ إذاً: الصلاة إلى الصلاة كفارة لما بينهما، والوضوء يزيل عنك الخطايا، تغسل يديك فتنزل الخطايا مع آخر قطر الماء، وتغسل وجهك فتنزل الخطايا إن وجدت مع آخر قطر الماء، وتغسل رجليك فتتساقط الخطايا. فإذا ذهبت إلى الصلاة فكل خطوة تخطوها تمحو عنك خطيئة والأخرى ترفعك درجة، فإذا جئت بيت الله ووقفت تصلي مع الناس في جماعة يجعل الله سبحانه كل الذنوب الباقية عليك فوق رأسك وفوق منكبيك. فإذا كبرت تساقطت، وإذا ركعت تساقطت، وإذا سجدت تساقطت، وإذا انتهيت من الصلاة وقرأت آية الكرسي كنت مستحقاً للجنة لقراءتك هذه الآية. فمن الذي يسمع مثل هذا الثواب العظيم ثم لا يبقى قلبه معلقاً ببيت الله تعالى؟ وهذا الأجر تناله في الدنيا، فإذا كان يوم القيامة يظلك الله في ظله يوم لا ظله إلا ظله. ويوم القيامة بعض الخلق يدعون ربهم ويقولون: يا رب اصرفنا ولو إلى النار، لأنهم وجدوا أن هذا اليوم شديد حتى ظنوا أن النار أهون من الموقف بين يدي الله . قوله: ورجل قلبه معلق بالمساجد أي: يحب بيت الله، والفريضة في المساجد على الرجال، والمرأة صلاتها في بيتها خير لها من صلاتها في بيت الله .

стр. 207

معنى قوله: (ورجلان تحابا في الله) قال: (ورجلان تحابا في الله): وكذلك المرأة لو أحبت المرأة في الله. وهذا هو المقصود في هذا الباب: (رجلان تحابا في الله)، أي: الذي جمعهما هو الحب في الله فإذا اجتمعا فعلى القرآن والحديث والنصيحة لكل منهما. وكان الصحابة إذا تقابلوا يقول أحدهم للآخر: كيف حالك، فيقوله: الحمد لله، فيقول: عن هذا أسأل! أي: أنا أسألك من أجل أن تقول: الحمد لله. فقط فلا يريد منه أن يحدثه عن المال والعيال وإنما من أجل أن يذكره بالله . فكانوا يتذاكرون ويتناصحون ولم يكن أحدهم يحب الآخر من أجل أن يضيع عليه وقته، أو يشغله عن الله أو يجده في المسجد يقرأ القرآن فيأتي إليه يلهيه ويكلمه عن قصة حصلت له أو غيرها فيمنعه من العبادة، ولكن يعينه على طاعة الله سبحانه، كما قال: (اجتمعا عليه وتفرقا عليه). فاجتماعهما على طاعة، وإذا افترقا افترقا على تسليم ومحبة ومودة وطاعة لله ، والمحبة في الله عظيمة جداً فأنت ترجو بها الدار الآخرة ولا تنتظر بها حظاً في الدنيا، وإذا كان أخوك مشغولاً فلا تزده شغلاً بزيارتك أو بكثرة كلامك أو بإلهائه عن عمله وعن عبادته وعن طاعته، فالحب في الله أنك تعين صاحبك على الطاعة ولا تمنعه منها.

стр. 208

معنى قوله: (ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال) قال: (ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله). لها جمال ولها مال ولها منصب وتدعوه. إذاًَ: عندها كل المغريات والأسباب فإذا به يحب الله ويخاف من الذنوب ويقول: إني أخاف الله، فامتنع من المعصية. ونحن في زمن فيه بلاء عظيم وفيه مصائب وفتن، فكل إنسان يمتلئ قلبه بحب الله عليه أن يبتعد عن هذه الابتلاءات وعن هذه الفتن، ويخاف على نفسه. فلا أحد معصوم ولا تثق بنفسك، وتقول: أنا لا يهمني ولا يوجد ما يفتنني، فإن النظرة بريد الزنا، وقد يفتن الإنسان ويستثار فإذا به ينقلب من عبد يحب الله إلى عبد عابد لشهواته وهواه مضيع لنفسه. فالبلاء شديد والفتن شديدة، ولذلك على كل إنسان أن يستحضر في قلبه: (ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله)، إذا مر الإنسان في الطريق ووجد الفتن أمامه فعليه أن يبتعد عن ذلك، ويغض بصره ويخاف الله لعله يكون من هؤلاء.

стр. 209

معنى قوله: (ورجل تصدق بصدقة فأخفاها) قال: (ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه): وصدقة السر تطفئ غضب الرب، فلا تمنن ولا تستكثر ما أعطيت ولا تؤذ الإنسان الذي أعطيته الصدقة، بل تصدق في السر وحاول أن تخفيها حتى عن نفسك. وقوله: (حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه) فيه مبالغة في الإخفاء حتى لا يعلم أحد من هذا الذي أنفق. فهذا يستحق أن يظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. وآخرهم: (ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه): وكذلك المرأة. قد يكون بين الناس فيسمع الذكر ويتأثر ويبكي ويكون له أجر، ولكن المحك والاعتبار هنا أن يكون في بيته وحيداً أو في مكان لا يراه فيه أحد، فيذكر الله ويذكر الجزاء والحساب وقلة عمله فإذا به يخاف ويبكي من خشية الله سبحانه، فيكون أحد هؤلاء الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله؛ نسأل الله أن يجعلنا منهم. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 210

شرح رياض الصالحين - فضل الحب في الله والحث عليه وإعلام الرجل من يحبه أنه يحبه [٢] يجمع الحب في الله شتات كل متفرق من القلوب في الدنيا، ويجمعها الله في ظل عرشه يوم القيامة، والحب في الله هو الركن الركين الذي بني عليه مجتمع المدينة بين المهاجرين والأنصار، وبه تجب محبة الله للمتحابين فيه، ويستحب لمن أحب رجلاً في الله أن يعلمه بذلك.

стр. 211

الحب في الله فضله وجزاء أهله الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الإمام النووي ﵀: [باب فضل الحب في الله، والحث عليه، وإعلام الرجل لمن يحبه أنه يحبه، وماذا يقول له إذا أعلمه. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله تعالى يقول يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي) رواه مسلم. وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : (والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم) رواه مسلم. وعنه عن النبي ﷺ (أن رجلاً زار أخاً له في قرية أخرى فأرسل الله له على مدرجته ملكاً، وذكر الحديث إلى قوله: إن الله قد أحبك كما أحببته فيه) رواه مسلم].

стр. 212

نموذج من محبة المهاجرين والأنصار في الله ذكرنا فيما سبق فضل الحب في الله سبحانه ﵎، والحب في الله جاء فيه في القرآن قول الله سبحانه: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩]. فالمؤمنون يحب بعضهم بعضاً، ويرحم بعضهم بعضاً، ويحترم بعضهم بعضاً طاعة لله ﵎ وحباً في الله، وحباً في رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، فذكر سبحانه المؤمنين الذين تبوءوا الدار والإيمان من أهل المدينة، أهل التقوى وطاعة الله سبحانه، فقد نزلوا بالمدينة، ونزلوا من الإيمان بموضع عظيم. ﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾ [الحشر:٩]، هؤلاء الأنصار رضوان الله تبارك عليهم، نزل عليهم المهاجرون ضيوفاً من مكة وغيرها ليس لهم مال ولا مهنة يمتهنونها في المدينة، فإذا بأهل المدينة يؤثرونهم على أنفسهم، ويحبونهم في الله سبحانه ﵎ حباً دائماً ليس ليوم أو لليلة، فإذا بأحدهم يقاسم أخاه المهاجر بيته، وماله، وطعامه، وما عنده، يبتغي بذلك الفضل والأجر من الله سبحانه ﵎. فمدحهم الله وأخبر عن حالهم فقال: ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر:٩] أفلحوا وقد صدقوا الله وصدقوا رسوله صلوات الله وسلامه عليه، فكانوا أحب الناس إلى النبي صلوات الله وسلامه عليه، وقال لهم: (لولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار). تمنى أن يكون أنصارياً لحبه لهؤلاء الأنصار، وما صنعوا بالنبي ﷺ وبأصحابه المهاجرين رضوان الله ﵎ عليهم جميعاً. فالحب في الله ألف بين القلوب، والحب في الله جعلهم يدافعون عن دين الله سبحانه، وكل منهم يفضل أخاه على نفسه، ويؤثره على نفسه، فيخرج للجهاد في سبيل الله سبحانه ويتمنى لو أنه هو الذي يستشهد دون أخيه حباً في الدار الآخرة وحباً في الله وفي الجهاد في سبيل الله، وإيثاراً لأخيه على نفسه، فيفضله في الدنيا، ويفضل أن يموت هو على أن يموت أخوه قبله.

стр. 213

إظلال الله للمتحابين فيه يوم القيامة في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (سبعة يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله ومن هؤلاء: رجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه). اجتماعهما كان سببه سبحانه ﵎، لم يجتمعا على الدنيا، لم يجتمعا على المال، وإنما جمعهما الحب في الله سبحانه ﵎، فاجتمعا على الطاعة، على أمر بمعروف ونهي عن منكر، على قراءة القرآن، على ذكر الله سبحانه، فلما افترقا افترقا عن ذلك، فكانت جلستهما كلها محبة في الله ، وفي دين الله سبحانه ﵎. وفي صحيح مسلم عند أبي هريرة ﵁: (إن الله ينادي على هؤلاء يوم القيامة وهو أعلم بمكانهم، يقول: أين المتحابون بجلالي؟). المتحابون في جلال الله سبحانه، محبة في الله سبحانه ﵎، فهم إنما اجتمعوا على الطاعة، فيوم القيامة يقول: أين هم؟ وهو أعلم بمكانهم، ولكنه يظهر أمام الخلق هؤلاء الذين يستحقون هذه المنزلة العظيمة، فيرفعهم سبحانه ﵎ بطاعتهم لله، وبحبهم بعضهم بعضاً في الله، فيقول سبحانه: (أين المتحابون بجلالي؟). فإذا ظهر هؤلاء يقول: (اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي) فيفضلهم على جميع من في الموقف يوم القيامة، فبحبهم بعضهم بعضاً في الله يظلهم في ظله سبحانه ﵎ يوم لا ظل إلا ظله.

стр. 214

أثر السلام في التحاب في الله وعن أبي هريرة أيضاً، عن النبي ﷺ : (والذي نفسي بيده! لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا). إذا كنت تريد الجنة فلا بد من الإيمان، هذا الإيمان هو الذي يجعل عملك وطاعتك متقبلة، إذ الإيمان ركن قبول الطاعة، ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء:٤٨]، المشرك لا يقبل الله له عملاً، الكافر، وقال عن الكفار: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣]. أما المؤمنون فيقول لهم النبي ﷺ : لن تؤمنوا الإيمان الحقيقي الكامل حتى تحابوا، (لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا). إذاً: الإيمان في قلب المؤمن لا يكتمل إلا بمحبة المؤمنين، والحب من شروط كلمة التوحيد، أي: أن تحب هذه الكلمة، وأهل هذه الكلمة، أن تحب المسلمين، والمسلمون فيهم المطيعون وفيهم العصاة، لكنك تحب جميع المسلمين لكونهم مسلمين، وتحب منهم أهل الطاعة لكونهم أهل طاعة، وتبغض منهم المعاصي التي يفعلونها. فهنا يوم القيامة المؤمنون المتحابون في الله يدخلهم الله جنته، يقول النبي ﷺ : (أو لا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟) وقد دلنا على شيء سهل جداً قال: (أفشوا السلام بينكم). المسلم يمر على المسلم فيسلم عليه، يفرق بينهما طريق ثم يلتقيان فيسلم عليه، تفرق بينهما شجرة فيلتقيان بعدها يسلم عليه، وأعداء دين الله قلبوا هذا الحديث، وقالوا كثرة السلام تقلل المعرفة، يقولون ذلك كذباً وزوراً وقلباً لحقائق الإسلام، بل كثرة السلام تزيد المحبة في القلوب. وكان الصحابة يسلم بعضهم على بعض، فيسأل بعضهم بعضاً عن حاله، فيقول: الحمد لله، قال: لهذا أسألك، يعني: أسألك لتقول هذه الكلمة فتؤجر وأوجر أنا أيضاً على ذلك. الشيء الذي يزيد المحبة بين القلوب أن تسلم على أخيك، وأنت تفهم معنى هذه الكلمة العظيمة، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ألست تقابل أخاك فتقول له: السلام عليك، يعني: أدعو لك بالحياة السالمة من المعاصي والآثام، أدعو لك بالسلامة في صحتك وحالك ودينك وأقول: السلام عليك ورحمة الله وبركاته، يعني: أن يرحمك الله في الدنيا والآخرة، وأن يبارك لك في صحتك ومالك وإيمانك، وأن يزيدك من الخير في الدنيا والآخرة. ثلاث كلمات فيهن فضيلة عظيمة، أنت تقول لأخيك عندما يأتيك: لا تنسنا يا أخي من دعائك، وهذه الكلمة فيها هذا الدعاء، وأنت تسلم عليه حين تلقاه تدعو له بذلك، وحين تفارقه تدعو له بذلك، فهو دعاء فضلاً عن عشر حسنات في كل كلمة، وتمد يدك فتسلم على المسلم فتتساقط الذنوب من أيديكما. قال النبي ﷺ : (ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم). لو عرفت أن أخاك يدعو لك كثيراً فافرح بهذا الشيء، فإذا سلم عليك وبدأك بهذه التحية العظيمة فهو يدعو لك، لذا النبي ﷺ أمرنا بها وقال: (أفشوا السلام بينكم). بل وحذر من عدم إلقاء السلام، وقال: (من بدأكم بالكلام قبل السلام فلا تجيبوه) أي: من أتى إنساناً وطلب منه أموراً بدون سلام فهذا يعلمه النبي ﷺ الأدب، أنك لا تستحق أن يرد عليك؛ لأنك ما دخلت البيت من بابه، (من بدأكم بالكلام قبل السلام فلا تجيبوه) حتى يتعلم من مر بالمسلمين أن يسلم عليهم، وإذا طلب طلباً قدم بين يديه التسليم.

стр. 215

سبب تفرق الأحبة في الدنيا من الأحاديث: (أن رجلاً زار أخاً له في قرية أخرى، فأرسل الله على مدرجته ملكاً في صورة رجل وسأله: أين تذهب؟ قال: إلى فلان أخ لي، قال: لحاجة لك عنده؟ قال: لا، قال: لنعمة له عليك تردها؟ قال: لا، قال: فلم؟ قال: إني أحبه في الله، قال: فإني رسول الله إليك أخبرك أن الله يحبك). فهذا الرجل أحب أخاه في الله، فأعلمه الله في الدنيا أنه يحبه سبحانه ﵎، لو كنت تحب أخاك فيجمعكما الله على الطاعة، وقد تحب أخاك وإذا به يفرق بينك وبينه، ولا تدري لم فرق بينكما؟ لكن النبي ﷺ يقول: (ما تحاب رجلان في الله ففرق بينهما إلا بذنب يحدثه أحدهما)، تحب أخاك في الله، ثم حصل شيء فرق بينكما، فراجع نفسك ستجد السبب معصية من وراء ذلك، والمؤمن دائماً يراجع نفسه، إذا وجد جفوة بينه وبين من يحبهم في الله فليعلم أن السبب في قلبه، ولا بد أنه عصى الله في شيء، فليراجع نفسه وليتب إلى الله ، فالله يرقق القلوب، ويجمع ما تنافر واختلف بسبب المعاصي.
следующие страницы →