← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 36997

شرح رياض الصالحين - حطيبة

أحمد حطيبة

Полный текст (1 057 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

انقضاء الدنيا بالموت من الأحاديث التي جاءت عن النبي ﷺ : حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: (مر علينا رسول الله ﷺ ونحن نعالج خصاً لنا فقال: ما هذا؟ فقلنا: قد وهى فنحن نصلحه، قال: ما أرى الأمر إلا أعجل من ذلك). هنا يعلمهم النبي ﷺ عن طريق الواقع الذي هم موجودون فيه، مازالوا يصلحون خصاً ساكنين فيه، فيمر عليهم النبي ﷺ لما رآهم يصلحونه فيقول: (ما أرى الأمر إلا أعجل من ذلك). المعنى: أنه لعله يأتيكم الموت بعد قليل، ومثلما تستعدون بالإصلاح لأجل أن تناموا في هذا الخص وتعيشوا فيه فاستعدوا للمعيشة في الدار الآخرة، وليس المعنى أنه ينهاهم عن إصلاح شيء فسد، فقد كان النبي ﷺ يصلح شسع نعله بنفسه، فلا ينهى عن الإصلاح، والإصلاح مندوب إليه، ولكن أنت تتذكر هذا الخص وهذه العشة التي ستعيش فيها وأنك تصلحها لأنك ستقعد فيها، يا ترى هل أصلحت الدار الآخرة؟ أصلح آخرتك بإصلاح دنياك وعملك، فهو يذكره، وكما قال: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل)، هل المعنى أنني أجلس في الدنيا لا آكل ولا أشرب، وإنما آكل (سندوتشات) خفيفة مثل المسافر؟ ليس المعنى هذا، وإنما يقول لك: اتخذ هذه الدنيا معبراً للآخرة، وهل الذي يعبر طريقاً إلى مكان يريد أن يصل إليه يؤجل السير في الطريق الذي هو ماش فيه أم أنه يعجل لأجل أن يسرع ويستعد للأهم الذي وراءه؟! فكأن الأمر: استعد للدار الآخرة، لا تجعل كل نفقاتك للدنيا، ولا كل تعليمك للدنيا، ولكن ليكن للدار الآخرة، فستأتي دار هي أعظم من هذه الدار التي أنت فيها فاستعد لها.

стр. 352

حب الدنيا مزهد عن الآخرة عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تتخذوا الضيعة فترغبوا في الدنيا). الضيعة: الأراضي، وهنا كأن صحابة النبي ﷺ كان أمرهم الجهاد في سبيل الله ، فقد كانوا مجاهدين مع النبي ﷺ وفجأة قالوا: نريد أن نصلح أرضنا ونجلس فيها ويكفي ما قد قدمنا! فربنا حذرهم من ذلك، فكأنه يقول: أنتم المجاهدون! أنتم الذين اخترناكم لصحبة النبي صلوات الله وسلامه عليه! لستم أنتم الذين ترغبون في الضيعة وتتركون الدار الآخرة، بل أنتم الذين ستجاهدون لكي تبلغوا هذا الدين؛ ليقتدي بكم من بعدكم، فربنا قال لهم: ﴿وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:١٩٥]. فكان التحذير من الإلقاء باليد في التهلكة أن يتركوا الجهاد فيقولون: نحن جاهدنا ما فيه الكفاية، وربنا قد فتح لنا مكة فنجلس للزراعة فحذرهم النبي ﷺ أن كما حذرهم من قبل ربنا سبحانه، فتحذير النبي ﷺ قال لهم في هذا الحديث: (لا تتخذوا الضيعة) والسبب: سترغبون في الدنيا، إذاً: كل واحد سينظر إلى الحقل والبستان الذي فيه الزروع والثمار ويركن إلى هذه الدنيا. فهنا كأنه حث لهم على الدار الآخرة، وتنفير لهم عن الدنيا، ولكن هل يحرم على الإنسان أن يتخذ ضيعة؟ هل يحرم عليه أن يتخذ أرضاً يزرعها؟ لا يحرم ذلك، ولكنه إرشاد من النبي ﷺ : أن جاهدوا واستعدوا للجهاد والبذل حتى تبلغوا هذا الدين العظيم. فالإنسان المؤمن وإن جاز له أن يشتري البيت ويقتني المزرعة طالما يؤدي حق الله سبحانه، ولكن يحذر أن تشغله هذه الأشياء عن دينه وآخرته، وعن تبليغ دين الله والجهاد في سبيله سبحانه.

стр. 353

التحذير من الافتتان بالمال كذلك من الأحاديث ما جاء من حديث أبي بن كعب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن لكل أمة فتنة، وفتنة أمتي المال). خاف النبي ﷺ على هذه الأمة من المال، وخاف عليها أيضاً من النساء، فقال لهم الحديث الذي ذكرناه قبل ذلك: (ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تفتح عليكم الدنيا كما فتحت على الذين من قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم). فخشي عليهم من فتنة الدنيا والمال، وكذلك من فتنة النساء وقال: (إن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء). وعن عثمان ﵁ قال: إن النبي ﷺ قال: (ليس لابن آدم حق في سوى هذه الخصال، بيت يسكنه، وثوب يواري عورته، وجلف الخبز والماء). رواه الترمذي وقال: صحيح، ولكن في إسناده ضعف. الغرض: أن الإنسان إذا عاش في هذه الدنيا ما الذي سيعيشه من هذه الدنيا؟ فقال لنا هنا: (بيت يسكنه، وثوب يواري عورته، وجلف الخبز والماء) فإذا أخذ ذلك من الدنيا فهو إنسان غني. وجاء في حديث آخر له صلوات الله وسلامه عليه يخبرنا فيه عن هذه الدنيا حيث قال: (بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه). إذاً: مهما انهمك في الدنيا فسيكفيه من الدنيا الشيء القليل، فلا يكن في الدنيا نهماً ولا شرهاً في طلبها، وليحذر أن تفتنه ويضله الله فيها، وانظروا الحديث الذي يليه. عن عبد الله بن الشخير -وهذا الحديث في صحيح مسلم - قال (أتيت النبي ﷺ وهو يقرأ: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر:١] يقول: يقول ابن آدم: مالي مالي! وهل لك يابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت!). انظروا التعليم منه ﷺ ، أنت تقول: (مالي مالي) يعني: أترى أن كل الذي تجمعه من الدنيا ستنتفع به كله؟ إن ما ينتفع به العبد حقيقة هو ما ذكره النبي ﷺ في هذا الحديث، حيث قال: (وهل لك يابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت)، إذاً: الانتفاع الحقيقي لمالك طعام أكلته وأفنيته، (أو لبست فأبليت) قد يكون عندك مائة ثوب كلها موضوعة في الدولاب، لكن عندما تلبس ثوباً واحداً منها هو الذي انتفعت به من بين هذه الثياب، وقد تكون الثلاجة مليئة بالطعام، ولكن إذا أخذت الوجبة التي تكفيك فهي التي انتفعت بها، والباقي كله ليس لك. (أو تصدقت فأمضيت)، إذا دفعت الصدقة للفقراء قدمتها لك في الدار الآخرة، فانظر إلى المال الذي أكلته فني ولم يبق منه شيء، والذي لبست بلي وما استفدت منه شيئاً بعد ذلك، لكن عندما تصدقت هذا هو الذي قدمته للدار الآخرة وظل باقياً.

стр. 354

الحرص على الدنيا مفسد للدين عن كعب بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه). وهنا شبه جملة بجملة، وليس مفرداً بمفرد، والناتج من هذه الجملة ما هو؟ قوله: (ذئبان جائعان) أي: يتضوران جوعاً، فإذا دخل هذان الذئبان الجائعان على قطيع من الغنم فماذا تكون النتيجة؟ لا شك أنه فساد عظيم جداً، فهو ذئب جائع وليس شبعان، وليس ذئباً واحداً، بل هما اثنان، ولو كان ذئباً واحداً فقد تهرب الغنم شمالاً ويميناً، أما الذئبان فإن الغنم ستحتار بين الاثنين، والغنم لا طاقة لها بالذئبين، فتكون النتيجة فساداً شديداً في الغنم. فالإنسان عندما يحرص على المال، وعلى المنصب والرئاسة فإن النتيجة من وراء ذلك الفساد الشديد، يريد المرء أن يكون عنده مال كثير، ويريد أن يكون أشرف الناس وأعلى الناس، ليظفر بهذا الحرص على المال والشرف، وسيعمل أي شيء على أنه يرضي الناس لأجل المنصب الذي يريده، فيصل إلى المنصب بالخيانة والغش والغدر والخداع، وحتى يصل إلى المال ويتعامل مع الناس بالحرام، وأكل السحت والرشوة، وفي النهاية يقع في الربا صراحة، فهو في فساد من ناحية طلب المال، وفي فساد من ناحية طلب الشرف. فالفساد الذي في المال وفي حرص الإنسان على تحصيله، وحرصه على تحصيل الشرف، أعظم بكثير من إفساد الذئبين في الغنم، فكأنه يريك نتيجة هذا الفساد العظيم، ولكن الفساد في هذه الثانية أعظم بكثير من الأولى: (ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لهما من حرص المرء على المال والشرف لدينه) يعني: أفسد لدينه من إفساد الذئبين الجائعين لهذه الغنم.

стр. 355

الدنيا ظل زائل وعن ابن مسعود ﵁ قال: (نام رسول الله ﷺ على حصير، فقام وقد أثر في جنبه، فقلنا: يا رسول الله! لو اتخذنا لك وطاءً؟ فقال: ما لي وللدنيا؟ ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها). لا بد أن نقتدي بالنبي ﷺ في أقواله وأفعاله صلوات الله وسلامه عليه حيث يقول: (ما لي وللدنيا؟ إنما أنا كراكب استظل تحت شجرة) إنسان مسافر طوال اليوم تعب فنزل تحت شجرة واستظل، فهل يستظل طوال عمره تحت الشجرة؟ لا، وإنما يستريح قليلاً ثم يركب ويكمل طريقه، كذلك النبي ﷺ هنا لما نام على حصير أثر في جنبه، فلما نظروا شيئاً ليناً بدلاً عن الحصير يفرش تحته ﷺ قال: (ما لي وللدنيا؟ ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها).

стр. 356

ما للفقراء من نعيم في الآخرة كذلك من الأحاديث ما رواه الترمذي وقال صحيح عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام). ذكر هنا فضل الفقير الذي يصبر على الفقر، وليس الغني الذي يحمد ربه على الغنى ويؤدي الحق له، فهذا له منزلة عظيمة عند الله ، وإنما الفقير الذي يصبر على الفقر ولا يتسخط على ربه سبحانه، بل هو راض كل الرضا عن ربه سبحانه، وأن الله ما اختار له إلا الخير، فهذا الفقير يدخل الجنة قبل الغني بنصف يوم، ونصف اليوم من أيام الآخرة بخمسمائة عام، فالإنسان إذا نظر إلى نصف اليوم يظنه قليلاً لكن لو نظر بالقياس الحقيقي إلى نصف يوم من أيام الآخرة فإنه سيكون مثل أعمار خمسة رجال عمروا في الدنيا كل منهم مائة سنة فهذه المرة تسبق فيها هذا الغني في دخولك الجنة حيث قال ﷺ : (الفقراء يدخلون الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام).

стр. 357

الفقراء أكثر أهل الجنة وعن ابن عباس وعمران بن حصين ﵄ عن النبي ﷺ قال: (اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء، واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء). فالمرأة تقع في كفران العشير، وتقع في التفريط في حق الله وفي حق زوجها، فكن أكثر أهل النار. أما الجنة فأكثر أهلها الفقراء، أعطاهم الله وعوضهم تعويضاً عظيماً جداً؛ لأن الدنيا لا قيمة لها، فيوم القيامة وهم في جنة الله يعطيهم حتى إن أبأس إنسان منهم في الدنيا ليغمس غمسة في الجنة ويسأل: هل رأيت بؤساً قط؟ فيقول: ما رأيت بؤساً قط وهذه غمسة فقط، كيف وهو ينعم فيها إلى أبد الآبدين!

стр. 358

دخول الفقراء الجنة قبل الأغنياء وعن أسامة بن زيد ﵁ عن النبي ﷺ قال: (قمت على باب الجنة، فكان عامة من دخلها المساكين، وأصحاب الجد محبوسون، غير أن أصحاب النار قد أمر بهم إلى النار) متفق عليه. قام ﷺ على باب الجنة ينظر فيها الذين دخلوها فكان عامة من دخلها المساكين والفقراء، يأتي ربنا ﵎ لفصل القضاء بين الناس فيسأل الفقراء: كيف خرجتم من الدنيا؟ فيقولون: دخلنا الدنيا ولا شيء لنا، وخرجنا منها ولا شيء لنا، فيدخلهم الجنة. أما أهل النار فيساقون إلى النار والعياذ بالله، ويبقى الأغنياء من هذه الأمة محبوسون عن الجنة حتى يسألوا عن القليل والكثير، وعن الصغير والكبير، وعن النقير والقطمير، وعن كل شيء فانظروا هنا في الحديث: (غير أن أصحاب النار قد أمر بهم إلى النار، قال: وأصحاب الجد محبوسون) والجد: الغناء. وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد قال: ألا كل شيء ما خلا الله باطل). وهذا لبيد بن ربيعة وقال ذلك في كفره فقال: ألا كل شيء ما خلا الله باطل، فرجل من أصحاب النبي ﷺ قال: صدقت، قال: وكل نعيم لا محالة زائل، فقال: كذبت! نعيم الجنة لا يزول، والرجل ما قصد ذلك، لكن الغرض هنا: كل شيء سوى الله باطل. فالدنيا ما فيها باطل وما فيها لهو ولعب، فليحرص المؤمن على تحصيل ما يعينه في دخول جنة الخلد، وعلى رضا الله سبحانه. نسأل الله أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

стр. 359

شرح رياض الصالحين - فضل الجوع وخشونة العيش والاقتصار على القليل [١] لقد امتدح الله ورسوله المقلين من هذه الدنيا، والراغبين عنها، والعالمين بحقيقتها، وقد ضرب لنا رسول الله ﷺ وأصحابه أروع الأمثلة في الصبر على ضيق العيش، والرضا بالقليل من هذه الدنيا، فهم يدخرون صالح متاعهم للدار الآخرة، ويجعلون الدنيا دار تزود من الطاعات للعبور عن طريقها إلى الآخرة.

стр. 360

ما جاء في فضل الجوع والتقلل من الدنيا في القرآن

стр. 361

فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الإمام النووي ﵀: [باب فضل الجوع وخشونة العيش، والاقتصار على القليل من المأكول والمشروب والملبوس وغيرها من حظوظ النفس، وترك الشهوات. قال الله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [مريم:٥٩ - ٦٠]. وقال تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [القصص:٧٩ - ٨٠]. وقال تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر:٨]، وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء:١٨]. وعن عائشة ﵂ قالت: (ما شبع آل محمد ﷺ من خبز شعير يومين متتابعين حتى قبض ﷺ متفق عليه. باب آخر من كتاب (رياض الصالحين) للإمام النووي ﵀ يذكر فيه فضل الجوع وخشونة العيش. فالإنسان الذي يأكل إما أن يشبع وإما أن يكتفي بالقليل، فالذي يجوع في الدنيا يحاسبه الله يوم القيامة حساباً يسيراً، والذي يشبعه ويتخمه ويعطيه الكثير يطول حسابه، حتى وإن كان من المتقين، فإنها لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن علمه ماذا عمل به. إذاً: فالمقلون في الدنيا حسابهم يسير يوم القيامة إذا كانوا من الأتقياء. وليست الرفاهية في العيش محرمة، لكن على الإنسان أن يعود نفسه على التقلل من الدنيا؛ لأن نفس الإنسان طماعة، فكلما أخذ شيئاً تمنى غيره وما هو أكثر، فإذا عود نفسه على العطش وعلى الصيام، خاصة إذا كان يصوم شهر رمضان ويصوم أياماً من أيام العام تطوعاً لله ، فسيستعين بذلك على مشقة الحساب يوم القيامة. وقد ذكر المؤلف آيات في هذا الباب منها قول الله : ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم:٥٩]. وكلمة (خلف)، إذا كانت ساكنة اللام فهي: خلف سوء، يعني: أقواماً ليسوا بطيبين، وإذا كانت محركة اللام فهم خير، أو فيهم خير. قال: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ [مريم:٥٩]، حالهم ﴿أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم:٥٩]. والدين جاء ليأمر العباد بعبادة الله ، وبتوحيده وحده لا شريك له؛ لأنهم يستعينون بهذه الدنيا على الآخرة، فالله خلق لكم ما في الأرض جميعاً، وأباح لكم ما شاء، وحرم عليكم ما شاء، فالإنسان في الدنيا يعيش بشرع الله مستريحاً، استراح قلبه واستراح بدنه، واستراح في حاله ومآله بطاعته لله رب العالمين سبحانه، وإذا راجع الإنسان نفسه وحاسبها وراقب الله فسيمشي على الصراط المستقيم؛ لأنه يخاف من الله . فهؤلاء الخلف خلف السوء: ﴿أَضَاعُوا الصَّلاةَ﴾ [مريم:٥٩]، فلم يخافوا من الله ، ولم يستحضروا وعيده، ولم يستحضروا يوم القيامة والجزاء فضيعوا الصلاة، كعادة الكثيرين من الناس، يصلي أحياناً ويترك كثيراً، ويجمع الصلوات بعضها على بعض، قال: ﴿أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ [مريم:٥٩]، وكأن تضييعهم للصلاة بسبب اتباعهم شهواتهم، شهوة المال، وشهوة الجنس، وشهوة البنين، فهو يجري وراء شهوته على حساب الصلاة. قال تعالى مبيناً جزاء هؤلاء: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم:٥٩]، والغي: شر الجزاء، وقيل: واد في قعر جهنم والعياذ بالله. ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم:٥٩]، جزاء غيهم، وجزاء ضلالهم يوم القيامة. ثم قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [مريم:٦٠]، ففضل الله واسع عظيم، فقد هدد هؤلاء ثم بسط يد التوبة فقال: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ [مريم:٦٠]، فإذا فرضنا أن الإنسان وقع في شهواته، وابتعد عن ربه وطاعته ثم راجع نفسه فالله كريم وحليم يحلم عنه، ويتوب عليه. قال: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [مريم:٦٠]، لأنهم تابوا لله فلا يظلمهم؛ ولأنه يقبل التوبة عن عباده، فلما تابوا إليه قبل منهم التوبة وأدخلهم جنته.

стр. 362

جزاء قارون وقال الله عن قارون: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ [القصص:٧٩]. فالمال يطغي الإنسان ويغره، فهذا قارون لم يكن من آل فرعون، ولم يكن من كبار وزراء فرعون، ولكنه كان من أغنياء بني إسرائيل، فمن المفترض أن يكون من أتباع موسى النبي عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ويتأدب بأدبه، ولكنه اغتر وطغى وبغى وتكبر على قومه فاحتقر قومه، وأراد أن يلحق نفسه بالكبار، فحذره الناصحون من الدنيا وأمروه أن يطيع الله ، وأن يبتغي فيما آتاه الله الدار الآخرة، قال تعالى عنهم: ﴿وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص:٧٧]. وقارون لم يكن من قوم فرعون، قال تعالى: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾ [القصص:٧٦]، ومن المفترض أيضاً أن قوم موسى كانوا في ذل هنا في هذا البلد؛ لأن فرعون أذلهم، واستحيا نساءهم، وقتل أبناءهم، وهذا رجل منهم، فمن المفترض أن يستشعر ما بقومه من ذل، ومن احتقار فرعون وجنوده لهم، فيكون معهم لا عليهم، ولكنه طغى واستكبر، فحذروه من معصية الله فأبى، قالوا له: خذ من هذه الدنيا نصيبك ولا تضيع حظك من الآخرة، وأحسن للخلق كما أحسن الله إليك. فكان الجواب أن قال: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص:٧٨]، يعني: أن الله أعطاني هذا المال لأني أستحقه، ولم يعطكم أنتم لأنكم لا تستحقونه، قال تعالى: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص:٧٨]، ولم يعتبر بما حصل للقرون السابقة، والأمم الماضية ممن ادعوا هذه الدعوى، ولكنه خرج متكبراً متجبراً على قومه: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ [القصص:٧٩]، وقد كان لديه من الكنوز والخزائن ما إن مفاتيح هذه الخزائن، ﴿لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ [القصص:٧٦]، كما قال ، وكان معه جماعة من الرجال الأشداء الأقوياء الذين يحملون مفاتيح هذه الخزائن، ومع ذلك لا يقدرون على حمل هذه المفاتيح. قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ [القصص:٧٦]، فلما نصحه قومه خرج يتبختر في ثيابه ويريهم أمواله، وأنه يستحق ذلك، قال تعالى: ((فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ)) [القصص:٧٩]. الناس بطبعهم منهم من يحب الدنيا، ومنهم من يحب الآخرة، فالذين يريدون الدنيا سرعان ما يشتهون مثل هذا الذي معه، فهؤلاء نظروا إليه وهو في زينته، راكب على دوابه في حشمه وخدمه، فقالوا: ﴿يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [القصص:٧٩]. فهؤلاء الجهلاء قالوا كما قال هو، فإذا كان الله قد أعطاه هذا الشيء فلأنه يستحق ذلك، قال تعالى عنهم: ﴿يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ﴾ [القصص:٧٩]. وكما أنه يوجد الحمقى في كل زمان ومكان، فكذلك يوجد أهل العلم وأهل الطاعة وأهل الخوف من الله سبحانه، فقد قال الذين يخافون من الله ويريدون الدار الآخرة لهؤلاء: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ [القصص:٨٠]، فاصبروا على هذه الدنيا حتى يسكنكم ربكم سبحانه جنته! وهم لن يعتبروا حتى يروا نهاية هذا الإنسان، وخاتمته، قال تعالى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ﴾ [القصص:٨١]، ثم إذا بالذين كانوا يتمنون مكانه بالأمس يقولون: ﴿وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [القصص:٨٢]، أخيراً عرف هؤلاء أن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر، أي: ويضيق على من يشاء، ﴿وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [القصص:٨٢]. ثم ختم سبحانه هذه الآيات بقوله: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص:٨٣]. فبعد أن ذكر الله لنا قصة قارون ساق لنا الحكمة في آية جميلة عظيمة يقول فيها: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ﴾ [القصص:٨٣]، فإننا نجعل الآخرة للذين يتقون الله سبحانه، وللذين لا يريدون العلو والاستكبار في الدنيا، قال: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا﴾ [القصص:٨٣].

стр. 363

سؤال الإنسان يوم القيامة عن النعيم في الدنيا ومن الآيات التي يسوقها لنا النووي هنا قول الله : ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر:٨]. يعني: أنه سبحانه سيسألكم عما نعمكم به في الدنيا، من مال، أو طعام أو شراب ونحو ذلك. وقال سبحانه: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء:١٨]، هذه الآية من سورة الإسراء آية عظيمة وعجيبة فاسمع لهذه الآية: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ﴾ [الإسراء:١٨]، أي: الدنيا: ﴿عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ [الإسراء:١٨]، أي: الذي نريده؛ لنفتن الخلق بذلك، فالإنسان الذي يطلب الدنيا لن ينال ما يطلب، ولكن ينال منها ما قسمه الله له لحكمة عنده، ومع ذلك تجد الإنسان ينكب على الدنيا. ومن أبأس خلق الله الذي يطلب الدنيا، فهو يجري فيها بكل طاقته ثم يشاء الله تعالى أن يظل فقيراً تعيساً في حياته ثم يموت بهذه التعاسة، فلا هو نال الغنى في الدنيا، ولا نال رضا الله في الآخرة، وهذا من أشد الناس بؤساً وضرراً على نفسه في الدنيا وفي الآخرة. قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ [الإسراء:١٨]، ثم جعلنا لهذا الإنسان الذي يريد العاجلة، سواء أعطيناه العاجلة أم لم نعطه؛ لأنه ابتعد عن الله ، قال: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء:١٨]، فضاعت منه الدنيا كذلك، وحتى إن حصل على الدنيا فإنه لا بد تاركها، ثم له نار جهنم والعياذ بالله. قال: ﴿يَصْلاهَا﴾ [الإسراء:١٨]، أي: يدخلها ويقاسي حرها ولهيبها واشتعالها، ﴿مَذْمُومًا﴾ [الإسراء:١٨]، على ما صنع، ﴿مَدْحُورًا﴾ [الإسراء:١٨] ذليلاً مطروداً من رحمة رب العالمين سبحانه. لذلك فإن الإنسان المؤمن العاقل يحمد ربه سبحانه على أن وفقه لطاعته، وعلى أنه أتى به إلى بيت الله ليصلي، وعلى أن جعله يصوم، فكم من إنسان بعيد عن رب العالمين يتمنى لو فعل ذلك مجرد أمان، فهو لا يريد أن يصلي أو يصوم؛ لأن الكسل يمنعه عن أداء هذه الواجبات، وكذلك نسيانه ربه سبحانه، قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر:٦٧]، فلو كانوا يقدرون الله حق قدره، ويعلمون قوة الله وقدرته، ويستحضرون رحمة رب العالمين، وكيف أنعم عليهم بنعم عظيمة ليل نهار لعبدوا الله حق عبادته.

стр. 364

خشونة العيش والاقتصار على القليل في حياة النبي ﷺ

стр. 365

ما شبع آل محمد من خبز الشعير يومين متتابعين ومن الأحاديث التي ذكرها المؤلف في الباب حديث للسيدة عائشة ﵂ في الصحيحين قالت: (ما شبع آل محمد ﷺ من خبز شعير يومين متتابعين حتى قبض صلوات الله وسلامه عليه). قولها: (خبز الشعير)، يعني: أنه ليس خبز قمح أو ذرة، بل خبز الشعير الذي لا يأكله اليوم أحد، ومع ذلك فما شبع منه النبي ﷺ ولا آله يومين متتابعين، ونحن لا يأتي علينا يوم واحد إلا ونحن نأكل أطيب الخبز، ومع ذلك قد تأكل لقمة وترمي الباقي في الأرض دون أن يأكلها أحد، بينما لم يشبع النبي ﷺ ولا آله من خبز الشعير يومين متتاليين صلوات الله وسلامه عليه. حديث آخر للسيدة عائشة ﵂ في الصحيحين أيضاً تقول: لـ عروة بن الزبير ابن أختها أسماء ﵂: (والله يابن أختي! إن كنا لننظر إلى الهلال، ثم الهلال ثلاثة أهلة في شهرين وما أوقد في أبيات رسول الله ﷺ نار، أي: لا يوجد طبخ مطلقاً، قال عروة: قلت يا خالة! فما كان يعيشكم؟ قالت: الأسودان، التمر والماء)، ومن الذي يرضى أن يأكل التمر والماء مدة أسبوع أو شهر أو شهرين؟ ومع هذا فهم متعودون على ذلك، أنت في رمضان تأكل ثلاث تمرات اتباعاً للسنة، ولولا ذلك لما أكلتها أصلاً، ولو أكثر الإنسان من التمر لأحرقته معدته، ومع ذلك كان النبي ﷺ يستمر على هذا الحال مدة طويلة. تقول: (إلا أنه قد كان لرسول الله ﷺ جيران من الأنصار وكانت لهم منائح، وكانوا يرسلون إلى رسول الله ﷺ من ألبانها فيسقينا) والمنائخ: هي المعزة تكون للإنسان، ويكون فيها لبن، فيهدي لجاره من لبنها، أو بقرة يهدي لجاره من لبنها، فكانوا يهدون للنبي ﷺ من ذلك اللبن.

стр. 366

ما أكل رسول الله شاة مصلية وعن أبي هريرة ﵁ أنه مر بقوم بين أيديهم شاة مصلية. أبو هريرة كان من فقراء الناس في عهد النبي ﷺ ، لكنه كان من حفاظ حديث النبي ﷺ ، وقد من الله عليه ببركة ملازمته للنبي ﷺ فصار أحفظ أصحاب النبي ﷺ رضي الله ﵎ عنه. فـ أبو هريرة هنا مر بقوم بين أيديهم شاة مصلية أي: مشوية، وهنا يذكر: أنهم دعوه فأبى أن يأكل، وكأنه استحضر حال النبي ﷺ ، قال ﵁: (خرج رسول الله ﷺ من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير)، رواه البخاري في صحيحه. وعن أنس ﵁ بهذا المعنى في البخاري أيضاً قال: (لم يأكل النبي ﷺ على خوان حتى مات). والخوان: المائدة التي عليها أصناف الطعام، وكان ﷺ يأكل على الأرض؛ يقول: (إنما أنا عبد، أجلس كما يجلس العبد، وآكل كما يأكل). قال: (وما أكل خبزاً مرققاً حتى مات). رواه البخاري. والخبز المرقق: هو الملين المنخول، وفي رواية: (ولا رأى شاة سميطاً بعينه قط). وقد جاء عنه ﷺ أنه أكل من شاة مشوية، لكن هذا النوع من الشواية غير مسموط، والشاة المسموطة بمعنى: التي توضع في الماء المغلي بحيث يزول فروها ويبقى الجلد فقط ثم تشوى، فهذا فعل أهل الرفاهية، وكان هذا الفعل بعد النبي ﷺ . يقول النعمان بن بشير ﵁: (لقد رأيت نبيكم ﷺ وما يجد من الدقل ما يملأ به بطنه)، والدقل: رديء التمر، فالله منع عن نبيه هذه الدنيا لحقارتها، فلو كانت ذات قيمة لأعطاها لنبيه ﷺ ، فهو هو أحب الخلق إليه، وهو سيد الخلق صلوات الله وسلامه عليه. يقول سهل بن سعد فيما رواه البخاري: (ما رأى رسول الله ﷺ النقي من حين ابتعثه الله تعالى حتى قبضه). والنقي من الخبز: هو الخبز الذي نخل طحينه؛ بأن يطحن الشعير أو القمح ثم ينخل. يقول سهل بن سعد ﵁: (ما رأى رسول الله ﷺ النقي من حين ابتعثه الله تعالى حتى قبضه، فقيل: هل كان لكم في عهد رسول الله ﷺ مناخل؟ قال: ما رأى رسول الله ﷺ منخلاً من حين ابتعثه الله تعالى حتى قبضه الله تعالى، فقيل له: كيف كنتم تأكلون الشعير غير منخول؟ - وهذا دليل على أن المنخول ما وجد إلا بعده ﷺ قال: كنا نطحنه وننفخه فيطير ما طار، وما بقي ثريناه فأكلناه) وثريناه: أي بللناه وعجناه.

стр. 367

خروج رسول الله وأبي بكر وعمر من بيوتهم جياعاً ومن الأحاديث حديث أبي هريرة ﵁ رواه مسلم، قال: (خرج رسول الله ﷺ ذات يوم أو ليلة فإذا هو بـ أبي بكر وعمر ﵄، فقال: ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة؟ قالا: الجوع يا رسول الله! ﷺ ، فهما يتمشيان من أجل أن يتناسيا الجوع، قال ﷺ : وأنا والذي نفسي بيده، لأخرجني الذي أخرجكما، قوما فقاما معه، فأتى رجلاً من الأنصار، فإذا هو ليس في بيته، فلما رأته المرأة قالت: مرحباً وأهلاً، فقال لها رسول الله ﷺ : أين فلان؟ قالت: ذهب يستعذب لنا من الماء، إذ جاء الأنصاري، فنظر إلى رسول الله ﷺ وصاحبيه، ثم قال: الحمد لله، ما أحد اليوم أكرم أضيافاً مني- أي: من مثلي، وعندي مثل هؤلاء الأضياف؟ يقصد النبي ﷺ وأبا بكر وعمر رضي الله ﵎ عنهما- فانطلق فجاءهم بعذق فيه بسر وتمر ورطب، فقال: كلوا)، فهنا أحس الرجل بأن النبي ﷺ وصاحبيه جياع فأعطاهم العذق وفيه البسر والتمر والرطب، وهذا من أدب الضيافة، فهو يقدم لهم شيئاً يزيل به جوعهم في البداية، ثم يذهب لإعداد الطعام، وهذا الأدب غائب عن حياة الناس اليوم، فقد يضيف أخاه ثم ينصرف عنه جائعاً ولا يعطيه شيئاً يسد به جوعه ابتداءً. قال: (وأخذ المدية -السكين- فقال له رسول الله ﷺ : إياك والحلوب)؛ لأنه قد ينتفع بلبنها هو وأهله، فيستحب ألا تذبح الشاة الحلوب في الضيافة. قال: (فذبح لهم، فأكلوا من الشاة، ومن ذلك العذق، وشربوا، فلما أن شبعوا ورووا قال رسول الله ﷺ لـ أبي بكر وعمر ﵄: والذي نفسي بيده لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة، أخرجكم من بيوتكم الجوع، ثم لم ترجعوا حتى أصابكم هذا النعيم). إذاً ففضل الله عظيم يستحق منا أن نشكر ربنا سبحانه، ونحمده على فضله وعلى كرمه وعلى جوده إذا ما حصل لنا مثل هذا الشيء، ونرجو من ربنا الخير في الدنيا وفي الآخرة. ولنتذكر دائماً أن الإنسان الجائع والصابر على الجوع له أجر، هؤلاء وجدوا فأكلوا رضوان الله ﵎ عليهم، فلما أكلوا ذكرهم نبي الله ﷺ أن الله سيسألهم عن هذه الأكلة التي أكلوها، فهل نشكر النعم لربنا التي أعطاها لنا؟ فنحن نملك العقول والألسن والشفاه والأيدي والأرجل، ونملك الصوت، فيجب أن نتذكر سؤال ربنا لنا عن هذه النعم العظيمة التي أعطانا إياها.

стр. 368

بيان شدة ما لاقى الصحابة من الجوع والعري في سبيل نصرة هذا الدين من الأحاديث: حديث خالد بن عمر العدوي (قال: خطبنا عتبة بن غزوان) وكان أميراً على البصرة- وعتبة بن غزوان هذا صحابي فاضل من أكابر أصحاب النبي ﷺ ، وقد كان سابع سبعة في الإسلام، فإسلامه كان قديماً ﵁، وقد هاجر الهجرتين: هاجر إلى الحبشة، ثم جاء إلى النبي ﷺ في المدينة. قال: فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: (أما بعد: فإن الدنيا قد آذنت بصرم وولت حذاء) -يعني: أن الدنيا أعلمت بقطيعة وفناء، وولت سريعة. قال: (ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء يتصابها صاحبها)، أي: أن ما بقي من أعمارنا في هذه الدنيا شيء يسير، ثم يأتي الحساب بعد ذلك، وقوله: (يتصابها صاحبها)، أي يجمعها. قال: (وإنكم منتقلون منها إلى دار لا زوال لها- فإما الجنة وإما النار- فانتقلوا بخير ما بحضرتكم، فانتقلوا بخير ما بحضرتكم)، يعني: استفيدوا من الدنيا وأنتم حاضرون فيها. قال: (فإنه قد ذكر لنا أن الحجر يلقى من شفير جهنم فيهوي فيها سبعين عاماً لا يدرك لها قعراً، والله لتملأن، أفعجبتم؟! يعني: أنها ستمتلىء يوماً ما بالكفرة وعصاة الموحدين، قال: ولقد ذكر لنا أن ما بين مصراعين من مصاريع الجنة مسيرة أربعين عاماً، قال: وليأتين عليه يوم وهو كظيظ من الزحام، ولقد رأيتني سابع سبعة مع رسول الله ﷺ ما لنا طعام إلا ورق الشجر حتى قرحت أشداقنا، فالتقطت بردة فشققتها بيني وبين سعد بن مالك فاتزرت بنصفها، واتزر سعد بنصفها، فما أصبح اليوم منا أحد إلا أصبح أميراً على مصر من الأمصار). وهذا من تواضعه ﵀، فهو يذكر الدنيا ويذكر حاله مع النبي ﷺ ، فهو يقول: إن حالنا مع النبي ﷺ أفضل من حالنا الآن، على الأقل كان بيننا من يستغفر لنا، ويدعو لنا، ويرحمنا، فوجودنا معه مع قلة الطعام أحب إلينا من الدنيا بأسرها. ثم قال: (وإني أعوذ بالله أن أكون في نفسي عظيماً وعند الله صغيراً). بل هو عظيم عند الله . جمع سيدنا عمر ﵁ الناس ذات مرة فقام يخطبهم فقال لهم: لقد كنت أرعى الغنم لآل الخطاب على قراريط بمكة. ثم نزل ﵁. فقيل له: ما زدت على أن حقرت نفسك، فقال: وهذا الذي أريد. وكأن نفسه أعجبت بمكانها فأحب أن يذلها أمام الناس؛ لأنه يعرف نفسه حق المعرفة، فقد خلقه الله من نطفة، خلقه من تراب أصله من الأرض، فلماذا يستكبر على الخلق؟ فيجب على الإنسان أن يذكر نفسه دائماً بأصلها إذا رأى منها العجب أو الفخر، كما ذكر عمر ذلك رضي الله تعالى عنه وأرضاه. للحديث بقية إن شاء الله، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 369

شرح رياض الصالحين - فضل الجوع وخشونة العيش والاقتصار على القليل [٢] عاش النبي ﷺ وأصحابه في خشونة عيش، وتقلل من الدنيا وهو خير الخلق ﷺ ، فالإنسان المؤمن حين يذكر سيرة النبي ﷺ وسيرة أصحابه يذكر نعمة الله عليه وفضله، وكيف أن الله وسع عليه، فيشكره على نعمه قولاً وعملاً.

стр. 370

ذكر ما جاء من خشونة عيش النبي ﷺ وأصحابه

стр. 371

الحث على العمل الصالح والنفقة وترك المفاخرة والتكاثر الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الإمام النووي ﵀: [باب فضل الجوع وخشونة العيش والاقتصار على القليل من المأكول والمشروب والملبوس وغيرها من حظوظ النفس وترك الشهوات. عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: (أخرجت لنا عائشة ﵂ كساء وإزاراً غليظاً قالت: قبض رسول الله ﷺ في هذين) متفق عليه. وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: (إني لأول العرب رمى بسهم في سبيل الله، ولقد كنا نغزو مع رسول الله ﷺ ما لنا طعام إلا ورق الحبلة، وهذا السمر، حتى إن كان أحدنا ليضع كما تضع الشاة ماله خلط) متفق عليه. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (اللهم اجعل رزق آل محمد قوتاً) متفق عليه]. وأحاديث أخرى من كتاب (رياض الصالحين) للإمام النووي ﵀ تُذكر في باب فضل الجوع وخشونة العيش والاقتصار على القليل من المأكول والمشروب والملبوس وغيرها. في هذا الباب ذكر قول الله : ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ [مريم:٥٩]، أي: الإنسان الذي يضيع الصلاة يضيع أعظم أركان الإسلام، ويضيع صلته بربه سبحانه، فينشغل عنها بشيء آخر من ملاذ الدنيا، وينشغل عنها بشهواته وبشبهاته، وينشغل عنها بماله وبنيه، وينشغل عن إرضاء الله بما يرضي الشيطان. فهنا هؤلاء الذين خلفهم الله من بعد المؤمنين، ومن بعد الرسل عليهم الصلاة والسلام أقوام أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فالعقوبة أنهم يلقون غياً، قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الفرقان:٧٠]. وقال سبحانه: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر:٨]، وقال: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر:١]. فالإنسان تلهيه الدنيا وتلهيه المكاثرة والمفاخرة فيها، فإذا به ينشغل وينسى الله ، ولذلك كلما راعى الإنسان أمر الله ، وراقب نفسه، وعلم أنه مسئول عن كل ما يأتيه وكل ما يتركه، بدأ يتقلل من هذه الدنيا، وحتى ولو كان الله قد وسع عليه منها، فهو لا ينشغل بها انشغال الحارس عليها، يحرس الدنيا ويخاف ألا تضيع من يده، ولكنه ينشغل بطاعة الله فيما أولاه، فقد أعطاه مالاً وبنين، وكل ذلك من فضله ورحمته ، فهو ينظر في هذه الأشياء ويؤدي الحقوق، عنده أولاد فلا يتكاثر ويقول: أنا عندي مال وعندي أولاد أكثر مما عندك، ولكن يفرغ نفسه لتربية هؤلاء الأولاد تربية ترضي ربه عنه وعنهم، وتجعل هذا الإنسان يوم القيامة في الجنة وأولاده أيضاً معه، قال الله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور:٢١]. فالله يمن على الإنسان أن أعطاه الأولاد، وأن جعلهم مؤمنين فينشغل في تربيتهم على دين الله سبحانه، حتى يرضى الله عنه وعنهم، وحتى يتبعهم به يوم القيامة، فيدخله الجنة ويدخل أولاده معه يوم القيامة. وفرق بين إنسان أعطاه الله نعمة المال ونعمة الولد ونعمة الزوجة، والنعم العظيمة التي ينعم الله بها على الإنسان في الدنيا، فينشغل في الاستعانة بهذه النعم على الطاعة؛ لأنه يريد أن يدخل الجنة، وبين أن ينشغل بالاستعانة بهذه النعم على المعاصي وعلى المفاخرة، وعلى الزهو والغرور، وفرق بين إنسان مؤمن وبين إنسان لا يعرف حق الله في ذلك. كذلك الإنسان ينفق من المال على نفسه، وينفقه على عياله، وعلى أقاربه، وينفق على المسكين واليتيم والأرملة، فيعطي حق الله وهو واثق أن المال لا ينقص أبداً، وهناك فرق بين هذا وبين من يكنز المال وكلما آتاه الله شيئاً يدخر ويكنز ويخبئ وينكر نعمة الله، وينسى ربه ، وينشغل بهذا المال كيف يخبئه حتى لا يراه أحد من الناس، فلا يعطي حق الله في ذلك، ولا ينفق منه النفقة الواجبة ولا النفقة المستحبة. وفرق بين من عرف الله ومن لم يعرف الله، من قدر الله حق قدره، ومن لم يقدر الله حق قدره، فالله يعلمنا أن نعطي الحقوق التي فرضها سبحانه كما أمر، وأن نعطيها بنية صالحة محتسبين الأجر عند الله، فلا ينقص المال من مثل هذه الصدقة.

стр. 372

وفاة النبي ﷺ في كساءٍ وإزار غليظين هذا أبو موسى الأشعري يذكر أن السيدة عائشة ﵂ أخرجت لهم كساءً وإزاراً غليظاً، أي: كساء كان النبي ﷺ يلبسه، وإزاراً غليظاً ليس من القماش الناعم الرقيق اللين، لبسه النبي ﷺ ومات فيه. فالله سبحانه أنعم على نبيه ﷺ وفتح عليه الفتوح، ومع ذلك آثر الآخرة على الدنيا، فمات ﷺ وهو في ثياب أهل الفقر وليس في ثياب أهل الغنى، وتوفي ﷺ في إزار غليظ وكساء غليظ صلوات الله وسلامه عليه. قالت عائشة ﵂: (قبض رسول الله ﷺ في هذين) والحديث في الصحيحين.

стр. 373

أكل الصحابة ﵃ من أوراق الشجر وفي الصحيحين أيضاً عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: (إني لأول العرب رمى بسهم في سبيل الله) هذا سعد بن أبي وقاص هو سعد بن مالك ﵁ من أصحاب النبي ﷺ ، ومن أوائل من دخل في هذا الدين رضي الله ﵎ عنه. يقول: (إني لأول العرب رمى بسهم في سبيل الله، وكنا نغزو مع النبي ﷺ فأول سرية أرسلها النبي ﷺ بعد هجرته كانت السرية التي فيها سعد ﵁، وكان القائد عليها عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب ﵁ في ستين راكباً، أرسلهم النبي ﷺ في مهمة. يقول في رواية (بعث ناساً من المسلمين إلى رابغ ليلقوا عيراً لقريش فتراموا بالسهام) هذا قبل غزوة بدر، فتراموا بالسهام، فأول سهم رمي كان من سعد رضي الله ﵎ عنه، ولم يكن بينهم مسايفة، كان بينهم تراشق بالرماح من بعيد، ولم يكن بينهم اقتتال ومسايفة، فـ سعد ﵁ ذكر أنه أول من رمى بسهم في سبيل الله وقال شعراً في يومها، قال: ألا هل أتى رسول الله أني حميت صحابتي بصدور نبلي فكان أول من رمى بالنبل في سبيل الله رضي الله ﵎ عنه. يقول سعد (وكنا نغزو مع النبي ﷺ ما لنا طعام إلا ورق الشجر، حتى إن أحدنا ليضع كما يضع البعير أو الشاة ماله خلط) هذا لفظ رواية البخاري، يعني: طعامهم في هذه الغزوات ورق الشجر، ومن يطيق أن يأكل أوراق الشجر؟ فهؤلاء ﵃ أكلوا ذلك، واستمروا على ذلك فترة، حتى إن أحدهم ليضع كما يضع البعير أو الشاة ماله خلط. وانظر إلى بعر البعير وزبل الشاة، فهؤلاء من أكلهم ورق الشجر لم يكن لهم غائط كغائط غيرهم من الناس المنعمين المرفهين، بل ينزل منهم مثل بعر الغنم، ما له خلط، أي: ليس فيه ماء، بل شيء جاف ينزل منهم.

стр. 374

فضيلة سعد بن أبي وقاص وكرامته على الله ولفظ الإمام البخاري يقول: ثم أصبحت بنو أسد تعزرني على الإسلام، لقد خبتُ إذاً وضل عملي، وكان بنو أسد قد وشوا به إلى عمر رضي الله ﵎ عنه. ذكرنا في الحديث السابق أن صحابياً فاضلاً وهو عتبة بن غزوان ﵁ كان أميراً على البصرة، ويذكر كيف كانوا في فقر، يقول: (رأيتني سابع سبعة مع رسول الله ﷺ ، وكان زميله سعد بن أبي وقاص ﵁ يقول: والآن ما أحد منا إلا وهو أمير، فهذا كان أميراً على البصرة، وسعد بن أبي وقاص كان أميراً على الكوفة، ما الذي جعله يقول هذا الحديث أو هذه الحكاية الذي يحكيها ﵁؟ كانت بنو أسد قد شكته إلى عمر بن الخطاب ﵁، إذْ كان عمر قد عينه أميراً على الكوفة، فكان يسير فيهم بالمعروف، ولا يألو جهده أن يفعل كما فعل النبي ﷺ مع الناس، فتضايق منه بنو أسد وتكلموا في شأنه وشكوه إلى عمر رضي الله ﵎ عنه يريدون أن يعزله، ولم يكن يصلح معهم أحد، فكلما تولى عليهم أميرٌ إذا بهم يشكونه لـ عمر ﵁. وسعد كان قد دعا له النبي ﷺ بدعوة مباركة أن يسدد الله رميته وأن يستجيب دعوته، فالله استجاب للنبي ﷺ في دعوته، فكان يرمي ولا يخطئ في الرمي رضي الله ﵎ عنه، وكانت دعوته مستجابة، فكان الناس يخافون من دعوة سعد رضي الله ﵎ عنه. لكنَّ بني أسد شكوا سعداً لـ عمر ﵁ حتى يعزله، وكانت عادة عمر رضي الله ﵎ عنه أنه يراقب الأمراء، ويسمع شكاوى الرعية، فإذا شكوا أحداً عزله، سواء أنه تحقق من الشكوى ومن صحتها أو لم يتحقق، فقد كان همه أن يريح الرعية ويولي عليهم من يرضون عنه، فكان ﵁ له منطق ووجهة في ذلك، لعله كان يرى أنه طالما اشتكت الرعية الراعي، فإنه لو تركه عليهم لعله ينتقم منهم بعد ذلك فيؤذيهم. هذه وجهة نظر عمر رضي الله ﵎ عنه، فلما أتى بـ سعد وسأله عن ذلك قال سعد: (إني لأول العرب رمى بسهم في سبيل الله، وكنا نغزو مع النبي ﷺ ومالنا طعام إلا ورق الشجر حتى إن أحدنا ليضع كما يضع البعير أو الشاة ماله خلط، ثم أصبحت بنو أسد تعزرني على الإسلام). معنى (تعزرني): توقفني، عندما تقول عن إنسان: أنا أعزره على كذا، يعني: أوقفه على الأحكام الشرعية في كذا، وكأنه يقول: هذه بنو أسد تأتي تعلمني الإسلام، وقد عرفت هذا الدين من قبلهم. قال: خبت إذاً وخسرت، أو قال: لقد خبت إذاً وضل عملي، يعني: لو كان بنو أسد هم الذين سيعلمونني الإسلام لخبت وخسرت، وصدق رضي الله ﵎ عنه، فقد كان بنو أسد من أوائل المرتدين بعد النبي ﷺ ، يعني: ليس لهم فضل أنهم يشكونَ سعداً ﵁ ويقبحون فعاله، وهو من أصحاب الفعال الجميلة، يتكلمون عنه ويقولون: إنه لا يعرف أن يصلي، والإنسان إذا أحب إنساناً رفعه في السماء، وإذا أبغض إنساناً أنزله على الأرض، مثلما قالوا: وعين الرضا عن كل عيب كليلة كما أن عين السخط تبدي المساويا فالإنسان حين يكون ساخطاً على إنسان لا يرى منه إلا العيوب، فيقولون عن سعد ﵁: إنه لا يحسن أن يصلي، فعزله عمر رضي الله ﵎ عنه، وبعث يسأل هؤلاء عن سيرة سعد فيهم، وكان قد ولى عليهم عَمَّاراً بعد سعد رضي الله ﵎ عنهما. فلما بعث عمر من يسألهم عن سيرة سعد قالوا: إنه لا يحسن أن يصلي، فسأل عمر سعداً وقال: يا أبا إسحاق: إن هؤلاء يزعمون أنك لا تحسن أن تصلي، فقال له: (أما أنا والله فقد كنت أصلي بهم صلاة رسول الله ﷺ ما أخرم عنها، فأرقد في الأوليين وأخف في الأخريين). فأرقد: من الرقود، يعني الدوام أو الإطالة، أي: إذا صليت بهم الصلاة الرباعية أطيل في الركعتين الأوليين وأقصر في الركعتين الأخريين كسنة النبي ﷺ في ذلك! فقال: ذاك الظن بك يا أبا إسحاق! فأرسل معه سيدنا عمر رجالاً إلى الكوفة، فسألوا أهل الكوفة عن سيرة سعد، فلم يدعوا مسجداً إلا سألوا فيه عنه وهم يثنون عليه معروفاً، حتى دخل مسجداً لبني عبس هناك، فقام رجل منهم يقال له: أسامة بن قتادة وكنيته أبو سعدة، فهذا الرجل قال لرسول عمر إليهم: أما إذ نشدتنا، يعني: أنت تحلفنا أن نقول الحق فأنا سأقول الحق، فقال هذا الكذاب: فإن سعداً كان لا يسير بالسرية، ولا يقسم بالسوية، ولا يعدل في القضية. فانظروا ماذا يقول عن سعد الذي كان من المجاهدين في عهد النبي ﷺ ، ولم يزل كذلك حتى مات رضي الله ﵎ عنه، قال: كان لا يسير بالسرية، ولا يقسم بالسوية - أي: يقسم المغانم بيننا ولا يعدل فيها فافترى الكذب على سعد رضي الله ﵎ عنه. والغرض: أن سعداً عاقب هذا الرجل عقوبة شديدة بأن دعا عليه رضي الله ﵎ عنه دعوة عجيبة جداً، فقال: أما والله لأدعون بثلاث والصحابة كانوا يخافون من دعوة سعد ﵁، وقد حصل مرة شيء بين عمر وبين سعد فقال: لأدعون عليك، فقال: ادع ولا تدعُ إلا بخير، فالصحابة رضوان الله ﵎ عنهم كانوا يعرفون منزلة سعد أنه دعا له النبي ﷺ أن يكون مستجاب الدعوة، فالرجل هذا الذي كذب على سعد استحق أن يدعو عليه سعد ﵁ فقال: لأدعون بثلاث: اللهم إن كان عبدك هذا كاذباً قام رياء وسمعة فأطل عمره، وأطل فقره، وعرضه للفتنة. وفعلاً استجاب الله دعوة سعد، فقد عاش الرجل وشاخ وكبر سنه، وكان بعد إذا سئل يقول: شيخ كبير مفتون أصابتني دعوة سعد، وكان يسقط حاجباه على عينيه من شدة الكبر، ومع ذلك يمشي هذا الشيخ العجوز ويضايق البنات في الطرقات ويغازلهن، ويقول: شيخ كبير مفتون أصابتني دعوة سعد. قال راوي الحديث: فأنا رأيته بعد قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر، وإنه ليتعرض للجواري في الطرق يغمزهن. وهذه العقوبة غير عقوبته يوم القيامة عند الله ، وهذا جزاء كذب الإنسان حين يفتري على غيره، فاستحق أن يستجيب الله الدعوة عليه في الدنيا قبل الآخرة. الغرض من هذا الحديث: بيان أن النبي ﷺ وأصحابه مكثوا فترة طويلة على هذا الحال من الفقر حتى في مغازيهم رضوان الله ﵎ عليهم. قال هنا في رواية: (ومالنا طعام إلا ورق الحبلة) والحبلة: ثمار شجر السمر، وحولها الأوراق، كانوا يأكلون هذه الأوراق.

стр. 375

دعاء النبي ﷺ ربه أن يجعل رزق آل بيته قوتاً حديث آخر في الصحيحين أيضاً: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (اللهم اجعل رزق آل محمد قوتاً). الإنسان يأكل القوت ويتفكه بالفاكهة، يأكل القوت الضروري الذي يعيش عليه من قمح وشعير وأي طعام أساسي له، وبعد ذلك يتفكه بشيء زائد عن ذلك، فهنا النبي ﷺ دعا ربه سبحانه أن يرزقه القوت، أي: حاجته الضرورية التي يحتاج لها ﷺ على قدره، قال: (اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا) هذا طلبه من ربه صلوات الله وسلامه عليه، وقالوا: القوت هو ما يسد الرمق.

стр. 376

قصة خروج أبي هريرة جائعاً وإطعام النبي له ولأهل الصفة حديث آخر في صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: (والله الذي لا إله إلا هو إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع. وإن كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع)، أبو هريرة ﵁ أسلم سنة سبع للهجرة، فقد وقعت غزوة خيبر في سنة سبع وبعدها أسلم أبو هريرة، ومكث مع النبي ﷺ باقي سنة سبع وسنة ثمان وتسع وعشر، ومات النبي ﷺ في أول سنة إحدى عشرة، إذاً: مكث مع النبي ﷺ أربع سنوات، وخلال أربع سنوات حفظ ما لم يحفظه أحد من أصحاب النبي رضوان الله ﵎ عليهم. ولا شك في حفظه الكثير للأحاديث التي حدث بها رضي الله ﵎ عنه، حتى إن كان ليجلس على باب حجرة عائشة ويتحدث بالأحاديث الكثيرة ويرويها سرداً حديثاً بعد حديث من شدة حفظه رضي الله ﵎ عنه، ويقول للسيدة عائشة: اسمعي يا ربة هذه الحجرة! يعني: لو كنت أنا كاذباً فكذبيني فيما أقول، فلا ترد شيئاً رضي الله ﵎ عنها، غير أنها كانت تذكر أنه ما كان النبي ﷺ يحدث هكذا. والغرض: أن أبا هريرة كان يعلم الناس ويحفظهم، فمجلس أبي هريرة كان يقول فيه ما حفظه من النبي ﷺ ، والسيدة عائشة تشهد أنه لا يكذب على النبي ﷺ . وسبب حفظ أبي هريرة أنه لازم النبي ﷺ فلم يكن أبو هريرة مشغولاً بشيء، وليس له أولاد، وإنما كان همه أن يحفظ حديث النبي ﷺ ، فكان يكفيه أن يأكل حتى يشبع وباقي يومه يحفظ من النبي ﷺ ما يقول، حتى إنَّ النبي ﷺ قال يوماً: (من أحب أن يحفظ حديثي فليبسط رداءه) فبسط أبو هريرة رداءه، فدعا له النبي ﷺ ثم أمره أن يجمعه، فكانت البركة العظمى أن حفظ كل ما سمعه من النبي صلوات الله وسلامه عليه. قال أبو هريرة: إن كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع. يعني: في سبيل طلب العلم والحفظ من النبي ﷺ ، وكان غير مهم أن يأكل، فقد كان يربط حجراً على بطنه، ويجلس ليسمع من النبي ﷺ ما يقول من حديث حتى يحفظ. قال: (ولقد قعدت يوماً على طريقهم الذي يخرجون منه) يعني: يحكي ذكريات الجوع، ففي يوم من الأيام كان جائعاً جداً، وخاف أن تضيع منه أحاديث للنبي ﷺ ، فأحب لو أن أحداً فطن إليه وأعطاه غذاءً بحيث يتفرغ ليحفظ عن النبي ﷺ . قال: (فمر بي النبي ﷺ فتبسم حين، وعرف ما في وجهي وما في نفسي، ثم قال: أبا هر) يعني: أبا هريرة يرخم اسمه تدليلاً له. قال: (أبا هر! قلت: لبيك يا رسول الله! قال: الحق، ومضى فاتبعته، قال: فدخل، فاستأذنت فأذن لي، فدخلت فوجد لبناً في قدح فقال: من أين هذا اللبن؟ قالوا: أهداه لك فلان أو فلانة) يعني: النبي ﷺ دخل بيته ووجد كوزاً فيه لبن، فسأل: من أين هذا اللبن؟ قالوا: أهداه إليك فلان أو فلانة، وأبو هريرة جائع، والنبي ﷺ أتى به لكي يطعمه. فقال ﷺ : (أبا هر! قال: قلت لبيك يا رسول الله، قال: الحق إلى أهل الصفة فادعهم لي) أهل الصفة من فقراء المهاجرين يصل عددهم إلى سبعين رجلاً من أصحاب النبي ﷺ ، وكانوا في مسجد النبي ﷺ ، والذي يشغلهم أنهم يتعلمون من النبي ﷺ ويقومون في أمره من جهاد ونحوه، وهم في المسجد ماكثون، ومن فقراء المسلمين. قال هنا: (الحق إلى أهل الصفة فادعهم لي) يدعوهم على قدح فيه لبن، قال: (وأهل الصفة أضياف الإسلام لا يأوون إلى أهل ولا مال ولا إلى أحد) يعني: ليس منهم أحد متزوجاً، ولا عنده أولاد، فمأواهم في مسجد النبي ﷺ . قال: (وكان النبي ﷺ إذا أتته صدقة بعث بها إليهم ولم يتناول منها شيئاً) لأنه ﷺ تحرم عليه الصدقة، قال: (وإذا أتته هدية أرسل إليهم وأصاب منها وأشركهم فيها) يأكل من الهدية ويهدي لهؤلاء منها ﵊، فلما قال لـ أبي هريرة: اذهب وادع لي أهل الصفة، قال: (فساءني ذلك فقلت: وما هذا اللبن في أهل الصفة؟!) أي: هذا لا يكفي، قال: (كنت أحق أن أصيب في هذا اللبن شربة أتقوى بها، فإذا جاءوا وأمرني فكنت أنا أعطيهم، وما عسى أن يبلغني من هذا اللبن، ولم يكن من طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ بُدٌّ) ليس هناك بد، أي: لازم عليَّ أن أطيع الله وأطيع الرسول ﷺ . قال: (فأتيتهم فدعوتهم فأقبلوا واستأذنوا، فأذن لهم ﷺ وأخذوا مجالسهم من البيت، قال: يا أبا هر! قلت: لبيك يا رسول الله، قال: خذ فأعطهم، قال: فأخذت القدح فجعلت أعطيه الرجل فيشرب حتى يروى، ثم يردُّ علي القدح)، الرجل يأخذ القدح ويشرب حتى يشبع من الشرب منه، ولعل أبا هريرة كان خائفاً أن ينتهي القدح، قال: (فأعطيه الرجل فيشرب حتى يروى، ثم يرد علي القدح، حتى انتهيت إلى النبي ﷺ وقد روي القوم كلهم)، أي: شرب أهل الصفة رضوان الله ﵎ عليهم، قال: (أخذ القدح فوضعه على يده فنظر إلي فتبسم)، صلوات الله وسلامه عليه إذْ كان يعرف ما هو الذي في نفس أبي هريرة، هل القدح نقص أو لم ينقص؟ قال: (فقال: أبا هر! قلت: لبيك يا رسول الله، قال: بقيت أنا وأنت، قلت: صدقت يا رسول الله، قال: اقعد فاشرب، فقعدت فشربت، فقال: اشرب - مرة أخرى - فشربت، فما زال يقول: اشرب حتى قلت: لا والذي بعثك بالحق ما أجد له مسلكاً، قال: فأرني! فأعطيته القدح، فحمد الله تعالى وسمى وشرب الفضلة) صلوات الله وسلامه عليه، هذه بركة من بركات النبي صلوات الله وسلامه عليه، إذ شرب هؤلاء الفقراء وبقي اللبن فشرب منه أبو هريرة الذي كان يظن أن اللبن يكفيه وحده فقط، فكفى هؤلاء جميعهم، وهذا مستحيل عقلاً أن يكون قدح من لبن يكفي سبعين رجلاً حتى يشبعوا منه، ولكن هذه بركة الله سبحانه، وآية من آياته ومعجزة لرسوله صلوات الله وسلامه عليه في ذلك. والغرض: بيان الجوع الذي كانوا عليه، حتى إن أحدهم يستمر على هذا اللبن اليوم كله، وكذلك أبو هريرة، وكذلك النبي ﷺ .

стр. 377

شدة معاناة أبي هريرة من الجوع وعن أبي هريرة ﵁ قال: لقد رأيتني وإني لأخر فيما بين منبر رسول الله ﷺ إلى حجرة عائشة ﵂ مغشياً علي، فيجيء الجائي فيضع رجله على عنقي ويرى أني مجنون وما بي جنون وما بي إلا الجوع، رضي الله ﵎ عنه. هذه مفخرة لـ أبي هريرة رضي الله ﵎ عنه أنه لم يشغل نفسه بشيء إلا أن يسمع من النبي ﷺ ، وليبلغ عن النبي ﷺ هذه الأحكام التي جاء بها من عند ربه صلوات الله وسلامه عليه. هنا كان يقول: (لقد رأيتني وإني لأخر) يعني: من شدة جوعه رضي الله ﵎ عنه، فبين منبر النبي ﷺ وحجرة عائشة يمشي فيقع على الأرض من شدة الجوع، فلا يقدر على الوقوف، وأحياناً الإنسان من شدة جوعه وعطشه يكون كالمجنون، فترى لسانه يخرج إلى الخارج وينزل زبد من شدقيه، فيصبح من شدة جوعه على هيئة مجنون، والذين من حوله يظنون أنه جن، ويظنون أن به صرعة. فيأتي الرجل فيجده مرمياً على الأرض، ويضع رجله على رقبته، ظناً منه أن به صرعاً فيفعل به ذلك. يقول: فيجيء الجائي، أي: الإنسان الذي يأتي يظنني مصروعاً وليس بي ذلك، قال: فيضع رجله على عنقي ويرى أني مجنون وما بي جنون وما بي إلا الجوع. هذا من الأحاديث التي فيها بيان كيف كان أبو هريرة يعاني من الجوع والفقر، ولو شاء لخرج يتاجر في المدينة مثل غيره، أو يعمل عند أحد من أهل المدينة فيطعمه ويسقيه ويعطيه، ولكن كان هم أبي هريرة ﵁ أن يحفظ من النبي ﷺ ويتعلم منه، ويدعو له النبي ﷺ ويدعو لأمه أيضاً، فـ أبو هريرة شهد له النبي ﷺ بالإيمان، وأخبره أنه لا يحبه إلا مؤمن، ولذلك فإن أبا هريرة لا يسمع به إنسان مؤمن إلا أحبه، والإنسان الذي يكره أبا هريرة ﵁ إنسان لا حظ له في شيء من طاعة الرسول ﷺ ، ولا من قول النبي ﷺ : (لا يحبك إلا مؤمن). ولقد ظهر أناسٌ يزعمون أنهم قرآنيون، يقولون: نأخذ بالقرآن فقط ولا نأخذ بالحديث؛ لأن أبا هريرة كان مشغولاً بالطعام والشراب، وكان يريد أن يشبع بطنه، قالوا: هذا الإنسان الذي يريد أن يشبع بطنه ماله ومال حديث النبي ﷺ ؟ وما فهموا في أي شيء كان أبو هريرة ﵁، فهم في واد وهو في واد آخر! أبو هريرة أجاع نفسه وأتعب بدنه في سبيل حفظ حديث النبي ﷺ ، ولو أن واحداً من طلبة العلم حكى في سيرته أنه كان يجوع وكان يعطش وكان يشقى ويكد ويكدح في طلب العلم لمدحه الناس على ذلك، ولكن يقولون ذلك عن أبي هريرة؛ لأنه راوية الإسلام، فقد روى آلاف الأحاديث عن النبي ﷺ ، وانفرد بأحاديث كثيرة عن النبي ﷺ ، فإذا هدموا أبا هريرة هدموا ركناً عظيماً من أركان هذا الدين؛ لذلك فـ أبو هريرة لا يحبه إلا مؤمن، ولا يبغضه إلا منافق، مهما زعم أنه قرآني أو غير ذلك.

стр. 378

وفاة النبي ﷺ ودرعه مرهونة عند يهودي في دين من الأحاديث: حديث في الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: (توفي رسول الله ﷺ ودرعه مرهونة عند يهودي في ثلاثين صاعاً من شعير). هذا النبي ﷺ أفضل الخلق وسيد ولد آدم وحبيب رب العالمين صلوات الله وسلامه عليه يموت مديوناً، ولكنه جعل وفاء هذا الدين رهناً، أي أنه إذا لم يدفع أخذ الرهن الذي وضعه النبي ﷺ ، ورهنه كان درعاً، فالنبي ﷺ مات ودرعه مرهونة عند رجل يهودي. قالت: (مات النبي ﷺ ودرعه مرهونة على ثلاثين صاعاً من شعير) والصاع: كيلوان ونصف من الشعير تقريباً، يعني: مات النبي ﷺ وهذه الدرع مرهونة في ثلاثين صاعاً، أي: حوالي خمسة وسبعين كيلو من الشعير. فهذا القدر من الشعير كان يأتي به النبي ﷺ لأهله ويرهن درعه ﷺ مقابل هذا القدر من الشعير، ليس من الفواكه مثلاً، وليس من الأشياء الغالية من الثياب ونحوها، وإنما في قوت، يا ترى هل كان النبي ﷺ هيناً على الله حتى يموت وهو آخذٌ طعاماً يأكله هو وأهله بالدين ﵊؟ لا، ولكن أراد الله أن يرينا حقارة هذه الدنيا، وأنه لا قيمة لها، فلو كان لها قيمة لأعطاها لنبيه ﷺ ، ولكن لا قيمة لهذه الدنيا عند رب العالمين.

стр. 379

أكل النبي ﷺ الشعير والإهالة السنخة عن أنس ﵁ قال: (رهن النبي ﷺ درعه بشعير قال: ومشيت إلى النبي ﷺ بخبز شعير وإهالة سنخة، ولقد سمعته يقول ﷺ : ما أصبح لآل محمد صاع ولا أمسى وإنهم لتسعة أبيات). الحديث في صحيح البخاري، وأنس بن مالك كان خادماً للنبي ﷺ فيقول: إن النبي ﷺ رهن درعه بشعير قال: ومشيت إلى النبي ﷺ أحمل له خبزاً من شعير يغمسه في إهالة سنخة. والإهالة: الدهن أو الزيت أو نحوه. وسنخة يعني: متغيرة لمكثها فترة، فهنا أتى النبي ﷺ بها، فيا ترى من منا يأكل ذلك؟ فنحن نفضل أن نأكل العيش يابساً متكسراً ولا نأكل هذه الإهالة السنخة، ولكن أكلها النبي ﷺ ، وغمس الخبز من الشعير في الإهالة السنخة. وقال ﷺ : (ما أصبح لآل محمد صاع ولا أمسى) أي: أزواج النبي ﷺ تسعة أبيات، وما أصبح اليوم عندهم ولا أمسى صاع من شعير، فاحتاج النبي ﷺ أن يرهن درعه ليطعم أهله صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 380

رثاثة لباس أهل الصفة في عهد النبي ﷺ وعن أبي هريرة ﵁ قال: (لقد رأيت سبعين من أهل الصفة ما منهم رجل عليه رداء إما إزار وإما كساء). يعني: كل واحد عليه ثوب واحد فقط، إما أنه ثوب قصير يكاد يجعله إزاراً ويستر من سرته إلى أسفل ركبتيه، أو أنه طويل قليلاً لا يصلح أن يكون قميصاً، فيبقى كساء يكتسي به من رقبته إلى ركبته. فيقول هنا: (إما إزار وإما كساء قد ربطوا في أعناقهم، منها ما يبلغ نصف الساقين، ومنها ما يبلغ الكعبين، فيجمعه بيده كراهية أن ترى عورته). يعني: أن الذي يلبس مثل هذا الثوب كان يلبسه مثل الأطفال حين يلبسون (المرايل)، فإنهم يجمعونها على صدورهم ويربطونها في أعناقهم، فإذا أراد الركوع يخاف أن يرتفع ثوبه إلى الأعلى، فيمسك بثوبه حوله، حتى لا ينكشف فخذه أو ينكشف شيء من عورته، قال: فيجمعه بيده كراهية أن ترى عورته.

стр. 381

صفة فراش النبي ﷺ وتقشفه هو وأصحابه وعن عائشة ﵂ في صحيح البخاري قالت: (كان فراش رسول الله ﷺ من أُدَمٍ حشوه ليف). أي: كان فراشه من جلد بعير، والحشو الذي بداخله ليس قطناً، بل هو ليف. وفي صحيح مسلم عن ابن عمر ﵄ قال: (كنا جلوساً مع رسول الله ﷺ إذ جاء رجل من الأنصار فسلم عليه ثم أدبر الأنصاري، فقال رسول الله ﷺ : يا أخا الأنصار كيف أخي سعد بن عبادة؟ فقال: صالح، فقال النبي ﷺ : من يعوده منكم) لأن سعد بن عبادة كان مريضاً وهو سيد الخزرج ﵁. قال: (فقام النبي ﷺ وقمنا معه، ونحن بضع عشرة ما علينا نعال ولا خفاف ولا قلانس ولا قمص، نمشي في تلك السباخ حتى جئناه). فقوله: (ولا قلانس) أي: لا يلبسون غطاء الرأس، ولا قمصاً ولا نعالاً يعني: كان الذي معهم إزار وكساء، قال: (نمشي في تلك السباخ) والسباخ: الأرض التي لا تنبت زرعا، وأرض سبخة أي: طينة مالحة لا تنبت شيئاً فهي رملية، يمشون على أرجلهم فيها. قال: (حتى جئنا، فاستأخر قومه مِنْ حَولِه، حتى دنا رسول الله ﷺ وأصحابه الذين معه).

стр. 382

ذم التنعم والانغماس في اللذات

стр. 383

ذم السمن وعن عمران بن حصين ﵄ عن النبي ﷺ قال: (خيركم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم). فخير القرون قرن النبي ﷺ ، والقرن: الجيل الذي تعاشر في زمن واحد، فكل من رأى النبي ﷺ أو سمع منه قرنه. والقرن الذين يلونهم: الذين لم يروا النبي ﷺ وقد رأوا أصحابه، وهو قرن التابعين. والذين يلونهم: قوم لم يروا الصحابة أو رأوا الأفراد القليلين من الصحابة ورأوا التابعين. فخير القرون من رأى النبي ﷺ ، يليهم من رأوا أصحابه، يليهم الذين من بعد هؤلاء. قال عمران: (فما أدري قال النبي ﷺ مرتين أو ثلاثاً، ثم يكون بعدهم قوم يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السمن) متفق عليه. يكون من بعد قرون الخيرية الثلاثة الأول قوم يشهدون ولا يستشهدون، يعني: يشهد أحدهم من غير أن يطلبه أحد للشهادة؛ لأنه ليس أهلاً لها، فهو معروف عند الناس أنه كذاب وخائن، فيذهب ويشهد من غير أن تطلب منه شهادة؛ لأنه ليس من أهل هذه الشهادة وإنما هو شاهد زور. قال: (ويخونون ولا يؤتمنون) فمن صفاتهم أنهم قوم يخونون ولا أحد يأتمنهم على أمانة؛ لأنهم إذا أخذوا الأمانة أو أخذوا الوديعة أو أخذوا العارية جحدوها وأكلوها ولم يعطوها أصحابها. ويقول: (وينذرون ولا يوفون) يعني: ينذر لله يقول: علي أن أعمل كذا ولا يعمل، ويقول: لله علي إذا شفاني الله أن أعمل كذا ولا ينفذ. قال: (ويظهر فيهم السمن)، والمعنى: أن شهواتهم في بطونهم، فهم مشغولون بالطعام والشراب، لا يأبهون لعبادة ولا طاعة ولا جهاد، وليس على بالهم شيء من أعمال الإسلام إلا الأكل والشرب وأن يتنعم في رغد العيش.

стр. 384

ذم إمساك المال وعدم بذله جاء عند الترمذي من حديث أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : (يا ابن آدم! إنك أن تبذل الفضل خير لك، وأن تمسكه شر لك، ولا تلام على كفاف، وابدأ بمن تعول). في هذا الحديث: (يا ابن آدم إنك أن تبذل) أن: مصدرية، معناه: بَذْلُكَ الفضل، أي: ما زاد، وهذا الذي أمر به الله حيث قال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة:٢١٩] يعني: ما فضل وزاد، لا يطلب منك الضروري ولا الشيء الذي تحتاجه، بل يطلب منك الزائد عن حاجتك أن تنفق منه. فهنا إنك أن تبذل الفضل خير لك، وأن تمسكه شر لك، فعندما يكون عندك فضل من مال أو طعام وأنت تمسكه وحولك المحتاجون، فإنه شر لك، إذْ تسأل عن ذلك يوم القيامة. قال: (ولا تلام على كفاف)، أي: لا لوم عليك إن كنت فقيراً وليس لديك ما تنفق منه. قال: (وابدأ بمن تعول) فهنا تبدأ بنفسك وتبدأ بزوجك وأولادك، فهم أولى من غيرهم، فإن فاض شيء فأعطِ للآخرين، فإن لم يفض شيء فابدأ بمن تعول، كما أمرك النبي صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 385

القليل من الدنيا يكفي الإنسان وعن عبيد الله بن محصن الأنصاري الخطمي رضي الله ﵎ عنه قال: قال رسول الله ﷺ : (من أصبح منكم آمناً في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها). فيا ترى من منا يصبح على هذه الصفة؟ قال: (من أصبح منكم آمناً في سربه)، أي: الأمان في النفس وفي القوم وفي البيت، فلا أحد يخيفه، ولا أحد يهدده. قال: (معافى في جسده) أي: أصبح سليم الجسد معافى، يحرك يديه وأطرافه ويأكل ويشرب. قال: (عنده قوت يومه) ليس قوت شهره ولا قوت سنته، وإنما قوت يومه الذي هو فيه؛ لأنه لا يدري هل سيعيش بعد ذلك أو لا يعيش؟ فإذاً هنا ثلاثة أشياء: الأمان في يومه الذي أصبح فيه فهو آمن في سربه. والمعافاة في الجسد، أي: صحته سليمة. وعنده قوت يومه. (فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها) يعني: كأنما جمعت وأعطيت له الدنيا بحذافيرها، وذلك أنه لو كانت الدنيا بحذافيرها فهو في النهاية سيملأ بطنه من طعام ويملأ بطنه من شراب، وينام على سريره الذي هو فيه ولن يشغل أكثر من سرير في النومة الواحدة، فعلى ذلك فإن الإنسان الذي يصبح وهو آمن معافى وعنده قوت يومه، كأنه أخذ الدنيا بما فيها، فصار ملكاً من الملوك، فاحمدوا ربكم على ما أعطاكم من نعم، وعلى ما أنعم عليكم بفضله وبكرمه، وسلوا الله من فضله ومن رحمته، فإنه لا يملكها إلا هو. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 386

شرح رياض الصالحين - فضل الجوع وخشونة العيش والاقتصار على القليل [٣] إن الاقتصار على القليل من الدنيا، والقناعة بالمقسوم يجعل المؤمن مستريح البال، سعيداً في عيشه، خصوصاً إذا علم أن أكرم مخلوق لله عاش في الدنيا على اليسير منها، وكذلك عاش أصحابه الكرام.

стр. 387

فضل الهداية والقناعة أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الإمام النووي ﵀: [باب فضل الجوع وخشونة العيش والاقتصار على القليل من المأكول والمشروب والملبوس وغيرها من حظوظ النفس وترك الشهوات. وعن أبي محمد فضالة بن عبيد الأنصاري ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (طوبى لمن هدي للإسلام وكان عيشه كفافاً، وقنع) رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح وعن ابن عباس ﵄ قال: (كان رسول الله ﷺ يبيت الليالي المتتابعة طاوياً وأهله لا يجدون عشاء، وكان أكثر خبزهم خبز الشعير)، رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح. وعن فضالة بن عبيد ﵁: (أن رسول الله ﷺ كان إذا صلى بالناس يخر رجال من قامتهم في الصلاة من الخصاصة -وهم أصحاب الصفة- حتى يقول الأعراب: هؤلاء مجانين، فإذا صلى رسول الله ﷺ انصرف إليهم، فقال: لو تعلمون ما لكم عند الله تعالى لأحببتم أن تزدادوا فاقة وحاجة) رواه الترمذي وقال: حديث صحيح وعن أبي كريمة المقداد بن معد يكرب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما ملأ آدمي وعاءً شراً من بطنه، بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه) رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح]. هذه الأحاديث ذكرها الإمام النووي ﵀ في كتابه (رياض الصالحين) في باب: فضل الجوع وخشونة العيش، وقد قدمنا أحاديث في هذا الباب قبل ذلك. وذكر هنا حديث فضالة بن عبيد الأنصاري ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (طوبى لمن هدي إلى الإسلام)، وطوبى هي: شجرة في الجنة يخرج منها حلل أهل الجنة، وثيابهم. فقوله ﷺ : (طوبى لمن هدي إلى الإسلام)، أي: من هداه الله لهذا الدين العظيم. (وكان عيشه كفافاً)،أي: بقدر ما يكفيه، لا زيادة في رزقه ولا نقصان، يعني: بقدر حاجته. قوله: (وقنع)، وهذا الحديث هو مثل الحديث الذي جاء في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، أن النبي ﷺ قال: (قد أفلح من أسلم وكان رزقه كفافاً، وقنعه الله بما آتاه)، يعني: أن الفضل من الله ، وهذا الإنسان أفلح بفضل الله سبحانه؛ لأن الله هو الذي هداه للإسلام، وهو الذي رزقه سبحانه، وهو الذي سخر له هذا الرزق، بحيث جعله على قدر حاجته، لا زيادة فيه ولا نقصان؛ حتى لا يُفتن هذا الإنسان، والله هو الذي من عليه بأن رزقه القناعة، والله هو الذي من عليه بالفلاح . إن الإنسان المؤمن إذا أعطاه الله سبحانه شكر الله على ما أعطاه، وإذا منعه الله سبحانه صبر على ما منعه، فهو في كل أحواله راض عن الله سبحانه، قانع بما آتاه الله . وليس معنى ذلك أن يقعد الإنسان في بيته ولا يطلب الرزق، ويقول: إنني راض بهذا الشيء، بل يمشي في الأرض، كما قال تعالى: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك:١٥]، فأنت تتعب نفسك حتى تحصَّل قوتك وقوت أهلك خوفاً من الإثم، كما قال رسول الله ﷺ : (كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت). فالإنسان المؤمن يبحث عن رزقه ويقنع بما أعطاه الله سبحانه، فإذا لم يقنع يستقل هذه النعم، ويظل يراقب غيره الذي أنعم الله عليه وأعطاه أكثر مما أعطاه، أما المؤمن فيرضى بما آتاه الله، ويعلم أن الله يدخر له في الجنة خيراً من ذلك بكثير، فهو راضٍ برزق الله حتى وإن كان كفافاً؛ لأنه يرجو رحمة ربه، فيكون قد أفلح، وهنا جاء في الحديث: (طوبى لمن هدي إلى الإسلام وكان عيشه كفافاً وقنع). وقد يهدي الله الإنسان إلى الإسلام ويكون عيشه كفافاً ولكنه لا يقنع، بل يتسخط، فلا يزال يشكو ربه ليل نهار، ويقول: ربنا يعطي الناس ولا يعطيني، فيسخط الله عليه. وقد يهدي الله الإنسان إلى الإسلام، ويعطيه رزقاً واسعاً، ويشكر هذه النعم العظيمة ويؤدي الحقوق فيها فهذا أيضاً له الجنة. إن الفقير الصابر له أجر عظيم، والغني الشاكر أيضاً له أجر عظيم، ولكن أيهما أفضل؟ ذكر النبي ﷺ أن الفقراء يدخلون الجنة قبل الأغنياء، فلو كان الغنى وإعطاء الكثير من الدنيا شيئاً أحسن للإنسان وأفضل له، فإن الله كان سيعطيه للنبي ﷺ ، ولم يجعله يجوع ﷺ ويبيت طاوياً، وليس المعنى أن لا يتمنى الإنسان الشر والفقر، بل يسأل الله من رزقه ومن فضله، فما آتاه الله حمده وشكره عليه سواء أعطاه كفافاً أو أعطاه زائداً عن حاجته، بل مهما أعطاه شكر ربه على نعمه وعلى عطيته.

стр. 388

فضل الفقير الصابر والغني الشاكر والفرق بينهما إن الفقير الصابر له أجر عظيم، والغني الشاكر أيضاً له أجر عظيم، ولكن أيهما أفضل، ذكر النبي ﷺ : أن الفقراء يدخلون الجنة قبل الأغنياء، فلو كان الغنى وإعطاء الكثير من الدنيا شيئاً أحسن للإنسان وأفضل له، فإن الله كان سيعطيه للنبي ﷺ ، ولم يجعله يجوع ﷺ ويبيت طاوياً، ولي المعنى أن لا يتمنى الإنسان الشر والفقر، يسأل الله من رزقه ومن فضله، فما آتاه الله حمده، وشكره على ما أعطاه، سواء أعطاه كفافاً أو أعطاه زائداً عن حاجته، بل مهما أعطاه شكر ربه على نعمه وعلى عطيته.

стр. 389

فضل الجوع وذم الشبع

стр. 390

النبي يبيت الليالي المتتابعة طاوياً عن ابن عباس ﵄ قال: (كان رسول الله ﷺ يبيت الليالي المتتابعة طاوياً)، يبيت طاوياً، أي: يطوي ليلةً وراء ليلة وبطنه خاوية صلوات الله وسلامه عليه. قوله: (وأهله لا يجدون عشاءً)، يعني: أنه ليس وحده في ذلك، بل كذلك أهله ﵊ لا يجدون عشاءً. قوله: (وكان أكثر خبزهم خبز الشعير)، يعني: أنه قد يُهْدى إليهم ذلك الشعير، وقد يخبز في بيتهم، وقد لا يجدون شيئاً فيبيتون طاوين بطونهم، ولعلهم يربطون على بطونهم بالحبال، أو يربطون على بطونهم الحجر حتى يشعروا بأنهم ليسوا جائعين، وكان رسول الله يربط الحجر على بطنه ليتقوى على الجوع.
следующие страницы →