← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 36997

شرح رياض الصالحين - حطيبة

أحمد حطيبة

Полный текст (1 057 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

شرح رياض الصالحين - فضل الجوع وخشونة العيش والاقتصار على القليل [٣] إن الاقتصار على القليل من الدنيا، والقناعة بالمقسوم يجعل المؤمن مستريح البال، سعيداً في عيشه، خصوصاً إذا علم أن أكرم مخلوق لله عاش في الدنيا على اليسير منها، وكذلك عاش أصحابه الكرام.

стр. 387

فضل الهداية والقناعة أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الإمام النووي ﵀: [باب فضل الجوع وخشونة العيش والاقتصار على القليل من المأكول والمشروب والملبوس وغيرها من حظوظ النفس وترك الشهوات. وعن أبي محمد فضالة بن عبيد الأنصاري ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (طوبى لمن هدي للإسلام وكان عيشه كفافاً، وقنع) رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح وعن ابن عباس ﵄ قال: (كان رسول الله ﷺ يبيت الليالي المتتابعة طاوياً وأهله لا يجدون عشاء، وكان أكثر خبزهم خبز الشعير)، رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح. وعن فضالة بن عبيد ﵁: (أن رسول الله ﷺ كان إذا صلى بالناس يخر رجال من قامتهم في الصلاة من الخصاصة -وهم أصحاب الصفة- حتى يقول الأعراب: هؤلاء مجانين، فإذا صلى رسول الله ﷺ انصرف إليهم، فقال: لو تعلمون ما لكم عند الله تعالى لأحببتم أن تزدادوا فاقة وحاجة) رواه الترمذي وقال: حديث صحيح وعن أبي كريمة المقداد بن معد يكرب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما ملأ آدمي وعاءً شراً من بطنه، بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه) رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح]. هذه الأحاديث ذكرها الإمام النووي ﵀ في كتابه (رياض الصالحين) في باب: فضل الجوع وخشونة العيش، وقد قدمنا أحاديث في هذا الباب قبل ذلك. وذكر هنا حديث فضالة بن عبيد الأنصاري ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (طوبى لمن هدي إلى الإسلام)، وطوبى هي: شجرة في الجنة يخرج منها حلل أهل الجنة، وثيابهم. فقوله ﷺ : (طوبى لمن هدي إلى الإسلام)، أي: من هداه الله لهذا الدين العظيم. (وكان عيشه كفافاً)،أي: بقدر ما يكفيه، لا زيادة في رزقه ولا نقصان، يعني: بقدر حاجته. قوله: (وقنع)، وهذا الحديث هو مثل الحديث الذي جاء في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، أن النبي ﷺ قال: (قد أفلح من أسلم وكان رزقه كفافاً، وقنعه الله بما آتاه)، يعني: أن الفضل من الله ، وهذا الإنسان أفلح بفضل الله سبحانه؛ لأن الله هو الذي هداه للإسلام، وهو الذي رزقه سبحانه، وهو الذي سخر له هذا الرزق، بحيث جعله على قدر حاجته، لا زيادة فيه ولا نقصان؛ حتى لا يُفتن هذا الإنسان، والله هو الذي من عليه بأن رزقه القناعة، والله هو الذي من عليه بالفلاح . إن الإنسان المؤمن إذا أعطاه الله سبحانه شكر الله على ما أعطاه، وإذا منعه الله سبحانه صبر على ما منعه، فهو في كل أحواله راض عن الله سبحانه، قانع بما آتاه الله . وليس معنى ذلك أن يقعد الإنسان في بيته ولا يطلب الرزق، ويقول: إنني راض بهذا الشيء، بل يمشي في الأرض، كما قال تعالى: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك:١٥]، فأنت تتعب نفسك حتى تحصَّل قوتك وقوت أهلك خوفاً من الإثم، كما قال رسول الله ﷺ : (كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت). فالإنسان المؤمن يبحث عن رزقه ويقنع بما أعطاه الله سبحانه، فإذا لم يقنع يستقل هذه النعم، ويظل يراقب غيره الذي أنعم الله عليه وأعطاه أكثر مما أعطاه، أما المؤمن فيرضى بما آتاه الله، ويعلم أن الله يدخر له في الجنة خيراً من ذلك بكثير، فهو راضٍ برزق الله حتى وإن كان كفافاً؛ لأنه يرجو رحمة ربه، فيكون قد أفلح، وهنا جاء في الحديث: (طوبى لمن هدي إلى الإسلام وكان عيشه كفافاً وقنع). وقد يهدي الله الإنسان إلى الإسلام ويكون عيشه كفافاً ولكنه لا يقنع، بل يتسخط، فلا يزال يشكو ربه ليل نهار، ويقول: ربنا يعطي الناس ولا يعطيني، فيسخط الله عليه. وقد يهدي الله الإنسان إلى الإسلام، ويعطيه رزقاً واسعاً، ويشكر هذه النعم العظيمة ويؤدي الحقوق فيها فهذا أيضاً له الجنة. إن الفقير الصابر له أجر عظيم، والغني الشاكر أيضاً له أجر عظيم، ولكن أيهما أفضل؟ ذكر النبي ﷺ أن الفقراء يدخلون الجنة قبل الأغنياء، فلو كان الغنى وإعطاء الكثير من الدنيا شيئاً أحسن للإنسان وأفضل له، فإن الله كان سيعطيه للنبي ﷺ ، ولم يجعله يجوع ﷺ ويبيت طاوياً، وليس المعنى أن لا يتمنى الإنسان الشر والفقر، بل يسأل الله من رزقه ومن فضله، فما آتاه الله حمده وشكره عليه سواء أعطاه كفافاً أو أعطاه زائداً عن حاجته، بل مهما أعطاه شكر ربه على نعمه وعلى عطيته.

стр. 388

فضل الفقير الصابر والغني الشاكر والفرق بينهما إن الفقير الصابر له أجر عظيم، والغني الشاكر أيضاً له أجر عظيم، ولكن أيهما أفضل، ذكر النبي ﷺ : أن الفقراء يدخلون الجنة قبل الأغنياء، فلو كان الغنى وإعطاء الكثير من الدنيا شيئاً أحسن للإنسان وأفضل له، فإن الله كان سيعطيه للنبي ﷺ ، ولم يجعله يجوع ﷺ ويبيت طاوياً، ولي المعنى أن لا يتمنى الإنسان الشر والفقر، يسأل الله من رزقه ومن فضله، فما آتاه الله حمده، وشكره على ما أعطاه، سواء أعطاه كفافاً أو أعطاه زائداً عن حاجته، بل مهما أعطاه شكر ربه على نعمه وعلى عطيته.

стр. 389

فضل الجوع وذم الشبع

стр. 390

النبي يبيت الليالي المتتابعة طاوياً عن ابن عباس ﵄ قال: (كان رسول الله ﷺ يبيت الليالي المتتابعة طاوياً)، يبيت طاوياً، أي: يطوي ليلةً وراء ليلة وبطنه خاوية صلوات الله وسلامه عليه. قوله: (وأهله لا يجدون عشاءً)، يعني: أنه ليس وحده في ذلك، بل كذلك أهله ﵊ لا يجدون عشاءً. قوله: (وكان أكثر خبزهم خبز الشعير)، يعني: أنه قد يُهْدى إليهم ذلك الشعير، وقد يخبز في بيتهم، وقد لا يجدون شيئاً فيبيتون طاوين بطونهم، ولعلهم يربطون على بطونهم بالحبال، أو يربطون على بطونهم الحجر حتى يشعروا بأنهم ليسوا جائعين، وكان رسول الله يربط الحجر على بطنه ليتقوى على الجوع.

стр. 391

الصحابة يخرون على الأرض من الجوع عن فضالة بن عبيد ﵁ (أن رسول الله ﷺ كان إذا صلى بالناس يخر رجال من قامتهم في الصلاة من الخصاصة)، والخصاصة: هي الجوع. يعني: أن فقراء المهاجرين الذين يصلون مع النبي ﷺ كانوا يقعون على الأرض وهم في الصلاة من الجوع، والأعراب لا يدرون لماذا وقع هؤلاء؟ فيقولون: إن هؤلاء مجانين، مع أنهم ليس بهم شيء من الجنون، ولكن من شدة الجوع ومن التعب يخر أحدهم ويغشى عليه، فيطمئنهم ﷺ ويقول: (لو تعلمون ما لكم عند الله تعالى)، يعني: لو تعلمون ما أعد الله لكم بسبب الفقر الذي أنتم فيه، والصبر الذي تكابدونه (لفرحتم بذلك وتمنيتم أن تزدادوا فاقة وحاجة). والرسول صلوات الله وسلامه عليه لو كان عنده شيء لأعطاهم، فهو ﵊ ما كان يبخل بشيء أبداً، وإنما كان يعطي ما عنده، ولعله يستدين ليعطي الناس، ولكن هنا لم يجد ما يعطيهم ﷺ ، فكان يطمئنهم ﷺ يخبرهم أن لهم الأجر العظيم عند الله ، ويقول لهم: (ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم الدنيا أن تفتح عليكم كما فتحت على الذين من قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم). فما كان يخشى عليهم الفقر؛ لأن الإنسان إذا كان فقيراً فسيعبد ربه سبحانه، ويصبر على هذا الشيء بتوفيق الله ، لكن لو فتحت عليه الدنيا، فإنه سينسى نفسه، وينسى فقره، ولا يعطي الحقوق لأصحابها، ولا يعطي حق الله في هذا المال، وقد تغره الدنيا فينسى الواجب عليه حتى يموت على ذلك والعياذ بالله.

стр. 392

ذم الشبع وعاقبته إن من الأحاديث التي تذم الشبع حديث المقداد بن معد يكرب، وهو عند الترمذي أيضاً، وفيه أن النبي ﷺ قال: (ما ملأ آدمي وعاءً شراً من بطنه). يعني: أن الآدمي يحب أن تكون عنده آنية وفيها طعام أو شراب، وهذا يحب أن يملأ الأواني التي عنده؛ لأنه سيحتاج الماء والطعام لنفسه أو لغيره، وهذا خير، ولكن شر الآنية التي يملؤها الإنسان هي البطن؛ لأن الإنسان إذا ملأ بطنه أتخم نفسه ومرض، بل لعله يموت متخماً بهذا الطعام، فيموت وقد أهلك نفسه وألقى بها إلى التهلكة. والنبي ﷺ رأى رجلاً ممتلئاً سميناً بطيناً، فكان يشير النبي ﷺ إلى بطنه، ويقول: (لو كان هذا في غير هذا كان خيراً له). يعني: لو أن المال الذي جمعه جعله في غير هذا كان خيراً له، كأنه يقول له: كل واشرب ولكن لا تسرف، فكأنه عندما يأكل يملأ بطنه دائماً، فكان الإنفاق على غير هذا خيراً له عند الله . يقول ﷺ في تمام الحديث: (بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه)، أي: يكفيه أن يأكل أكلات، فدل ذلك على التقليل من الأكل، ولكن ليس كل إنسان قادراً على أن يأكل أكلات ولقيمات، وإنما يأكل أكثر من ذلك، ولكن إن كان لا محالة آكلاً أكثر فينظم أكله، كما قال رسول الله ﷺ : (فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه). أي: ثلث المعدة لطعامه؛ لأن المعدة عندما تمتلئ تنتفخ وتضغط على الرئة، فلا يستطيع أن يتنفس، وتضغط على القلب، وعندما تنام وأنت متخم فستؤذي نفسك بذلك، فأرشد الرسول ﷺ المؤمن إلى أن يجعل ثلثاً لطعامه وثلثاً لشرابه وثلثاً لنفسه. إن بعض الناس أعطاه ربنا الغنى، ولكنه يأكل ويسرف، وفي النهاية يتأدب بمرضٍ يصيبه وقد كان عنده المال والصحة، فلماذا يأكل ويسرف؟ ولذلك يقول تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف:٣١]. في الآخر هو يسرف على نفسه، فتراه كل يوم يأكل اللحم فيصاب بمرض، فيذهب إلى الأطباء فيقولون له: يحرم اللحم عليك، فيقوم يأكل الحلويات ويكثر، فيصاب بالسكر، فيقول له الأطباء، لا تأكل الحلويات، وهكذا فيصل إلى حالة يشتهي فيها أن يأكل هذا وهذا، ولكنه يجد أن كل شيء ممنوع عليه، مع أن معه المال، فأية متعة في هذا المال؟! ولو أنه من البداية عمل بما قاله النبي ﷺ فلن يمرض، بل سيلاقي نفسه معافى عندما يعمل بسنة النبي ﷺ وبتعاليم القرآن.

стр. 393

فضل التقلل في اللباس وغيره قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: عن أبي أمامة الأنصاري الحارثي ﵁ قال: (ذكر أصحاب رسول الله ﷺ يوماً عنده الدنيا فقال رسول الله: ألا تسمعون؟ ألا تسمعون؟ إن البذاذة من الإيمان، إن البذاذة من الإيمان) يعني: التقحل. رواه أبو داود. إن الصحابة بشر، والإنسان أحياناً يتمنى ويتكلم أن في الدنيا كذا وكذا، وفي نفسي أن آكل كذا، فالصحابة جلسوا فذكروا الدنيا يوماً من الأيام فسمعهم النبي ﷺ فقال: (ألا تسمعون؟ ألا تسمعون؟). والمعنى، أن النبي ﷺ ناداهم بأن يستمعوا إليه، وفي هذا لفت لانتباههم ليتنبهوا لما يقوله ﷺ حيث قال: (إن البذاذة من الإيمان، إن البذاذة من الإيمان)، قالها مرتين. والبذاذة هي التقحل، والرجل المتقحل: هو الرجل الذي يبس جلده من خشونة العيش؛ لأنه لا يأكل أكل المسرفين المترفين، وإنما يأكل أحياناً، يعني: أنه ترك الترفه وترك الكثير من ملاذ الدنيا، وهذا من علامات الإيمان. إذاً: ينبغي لك أيها المسلم ألا تسرف، بل تأخذ ما تقدر عليه بحيث ولا تؤذي نفسك ولا تخالف شرع الله . وقيل: إن البذاذة: هي ترك فاخر الثياب في حالة الإمكان، وترك الفاخر من الطعام والشراب، والإنسان لو عود نفسه على التنعم دائماً بأغلى الأشياء، ثم قل به الحال، فإنه سيبدي التسخط على قدر الله سبحانه، ولو أنه ربى نفسه على البذاذة لما وقع في ذلك. لذلك كان الصيام تربية للإنسان، وهو شهر في العام يصومه الإنسان، ويستشعر فيه الجوع، وبذلك يستشعر جوع الفقراء المحرومين والمحتاجين، وهو إذا جاع في النهار فسيأكل في الليل، ولكن هؤلاء لعلهم يجوعون بالليل والنهار ولا يجدون ما يشبعهم. فربنا ﵎ يربي الإنسان المؤمن على الشعور بحال الفقراء المساكين الذين لا يجدون، فلذلك أمرنا بالصيام، لتصح أبداننا، ونتألم للفقير ونعطيه، ونعرف قدر النعم، فنحمد الله تعالى عليها، ونؤدي حق هذه النعم كما أمرنا الله به. إذاً: البذاذة ترك السرف في الأشياء من الهيئة والثياب الفاخر، والطعام الفاخر، ولا مانع من أن يلبس الإنسان الثياب الفاخرة، ولكن لا يكون هذا دأبه دائماً، لكي لا يصاب بالغرور والكبر، والنبي ﷺ كان يلبس ما وجد، وإذا لم يجد لبس الثياب التي عنده. وقد لبس رسول الله ذات مرة ثوباً مرقعاً، وخرج به، فرأته امرأة من الأنصار لابساً إزاراً مرقعاً، فذهبت وخاطت للنبي ﷺ إزاراً، وأهدته له، فأخذه ولبسه ﷺ وهو محتاج إليه لأن الإزار القديم كان مرقعاً، (فلما لبسه رآه رجل يلبسه، فقال: يا رسول الله! أعطني هذا، فقال له رسول الله ﷺ : نعم، ودخل بيته ولبس الإزار القديم وأعطاه الإزار الجديد، فقال الصحابة لهذا الرجل: تطلب النبي ﷺ هذا الشيء وهو محتاج إليه؟ فأعطى الرجل عذراً من الأعذار وقال، أنا آخذه لأتكفن به)، وكأنهم يقولون: إذا كنت تريد ذلك ستأخذ الثوب القديم لتتكفن به، وليس الثوب الجديد. على كل فقد رأى الرجل من النبي ﷺ كرم الأخلاق وكرم السجية، وأن الأمر عنده سيان، لبس الثوب القديم، أو لبس الثوب الجديد، ولا أنكر على الرجل شيئاً صلوات الله وسلامه عليه. فالإنسان المؤمن لا بد أن يعاني ما يعانيه الفقراء ولو بالمشابهة، وذلك بأن يترك الشيء العالي أحياناً في الطعام والشراب؛ ليعرف كيف يعيش الناس الفقراء، وأنهم يأكلون الدون من الطعام الحلال الذي يجدونه، فالمسلم يربي نفسه أحياناً على الدون من الطعام والشراب حتى لا يبطر نعم الله . وقد جاء في الحديث عن النبي ﷺ أن ترك العالي من الثياب ليس بخلاً، لكن المؤمن يترك العالي من الثياب ابتغاء مرضاة الله وتواضعاً لله، والله سيلبسه من حلل الإيمان كما جاء ذلك عن النبي ﷺ .

стр. 394

خروج ثلاثمائة صحابي للجهاد وزادهم جراب تمر من الأحاديث الجميلة حديث طويل يرويه جابر بن عبد الله ﵄، كما في صحيح مسلم، يقول جابر ﵁: (بعثنا رسول الله ﷺ وأمر علينا أبا عبيدة ﵁، نتلقى عيراً لقريش). أي: أرسلهم النبي ﷺ يتلقون قافلة لقريش، وهذه السرية اسمها: سرية سيف البحر، وكان عليهم أبو عبيدة أمين هذه الأمة رضي الله ﵎ عنه أميراً، وهؤلاء كانوا حوالي ثلاثمائة رجل. قال جابر ﵁: (وزودنا جراباً من تمر لم يجد لنا غيره)، فهنا جيش تعداده ثلاثمائة رجل خرجوا لقتال، والزاد المعد للجيش جراب فيه تمر، زودهم به النبي ﷺ ، والجراب: هو الزنبيل، أو القفة، فيا ترى كم يكفي هذا الجراب؟! ثم يقول (فكان أبو عبيدة يعطينا تمرة تمرة)، أي: في هذا الجيش يعطي العساكر تمرة تمرة؛ ليجاهدوا في سبيل الله بتمرة يأكلونها في اليوم، فقال الراوي عن جابر ﵁ لـ جابر: (كيف كنتم تصنعون بها؟ قال: نمصها كما يمص الصبي، ثم نشرب عليها من الماء، فتكفينا يومنا إلى الليل). سبحان الله! فهذا الجيش المجاهد في سبيل الله سبحانه، يأكل الواحد منهم تمرة في اليوم، ومع ذلك لم يتسخطوا ولم يقولوا: نحن نجاهد في سبيل الله، فلا يكفي لنا طعام كهذا، بل صبروا على ذلك، فيأخذون التمرة يمصونها مصاً ولا يأكلونها؛ لئلا تنتهي. قال: (وكنا نضرب بعصينا الخبط، ثم نبله بالماء فنأكله). يعملون هذا حتى يطيقوا المشي، فإذا رأوا شجراً في الطريق فيه ورق يضربونه بالعصي، فتنزل الأوراق ناشفةً في الصحراء، ثم يأخذها الرجل منهم، ويبلها بالماء ويأكلها. قال: (وانطلقنا على ساحل البحر، فرفع لنا على ساحل البحر كهيئة الكثيب الضخم)، فهم ما وصلوا إلى ساحل البحر إلا بعد فترة من المعاناة والتعب والجوع؛ فرأوا شيئاً مثل الجبل أمامهم. قال: (فأتيناه فإذا هي دابة تدعى العنبر، فقال: أبو عبيدة: ميتة؟!)، والعنبر: حوت من حيتان البحر، وهذا الحوت من أعظم الحيتان، كأنه بيت يتكون من عشرة طوابق، وهذا الحوت لا يوجد في البحر، بل في أعماق المحيط، وإذا أراد الناس أخذه، فلا بد من سفن مجهزة بقنابل وبمدافع فيها أجهزة، ليعرفوا مكان هذا الحوت، ثم ينتظروا حتى يفتح فمه فيرموا فيه سهاماً أو نحوها، أو يرموا داخل فمه قنبلة ليموت هذا الحوت، فصيده صعب وليس بالسهل، فلو ضرب المركب بذيله لقلب السفينة العظيمة، ولو صاده أصحاب السفينة مرة واحدة فسيكون سبباً في غنائهم عمرهم كله. فهؤلاء جاء إليهم هذا الحوت من المحيط، ما ذهبوا ليصطادوه، بل الله رفعه مكافأة لهم؛ لأنهم صبروا على تمرة تمرة في اليوم وأكلوا ورق الشجر، فالله هو الرزاق الكريم، ولا يضيع أجر من أحسن عملاً، فهم لما صبروا شكر الله صبرهم، وأعطاهم الأجر في الدنيا، غير ما ادخره لهم في الآخرة سبحانه. فـ أبو عبيدة رأى هذا الحوت، ولم يبلغه حديث النبي ﷺ عن البحر الذي فيه: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته)، فاجتهد ﵁، وقال: (ميتة؟) أي: كيف سنأكل ميتة؟ ثم قال ﵁: (لا، بل نحن رسل رسول الله ﷺ وفي سبيل الله، وقد اضطررتم فكلوا). واجتهاده رضي الله ﵎ عنه وافق الصواب، وإن كان الحوت بهذه الصورة حلالاً للمضطر ولغيره، ولكنه هو اجتهد فقال: إننا مضطرون فنأكل من هذا الحوت. قال: (فأقمنا عليه شهراً)، يعني قعد ثلاثمائة من الصحابة الكرام الأفاضل ﵁ يأكلون منه شهراً كاملاً. قال: (ونحن ثلاثمائة، حتى سمنا، ولقد رأيتنا نغترف من وقب عينه الدهن بالقلال)، الوقب: هو ثقب العين، أو محجر العين أو مكانها، فكانوا يغرفون الدهن بالقدور من عين هذا الحوت. ثم قال: (ونقطع منه الفدر كالثور أو كقدر الثور)، أي: نقطع منه كل قطعة بقدر العجل الضخم، أو كالثور. ثم قال: (ولقد أخذ منا أبو عبيدة ثلاثة عشر رجلاً فأقعدهم في وقب عينه)، أي: أنه أقعدهم في وقب نقرة عين الحوت، أو ثقب عينه، فيا ترى كم كان حجم العين؟ أما الجسم فسيكون جثة ضخمة جداً. يقول ﵁: (وأخذ ضلعاً من أضلاعه فأقامها، ثم رحل أعظم بعير معنا فمر من تحتها)، يعني: جاء بأعظم جمل عنده ليمر من تحت الضلع، فمر من تحته، وهذا شيء عظيم جداً. قال ﵁: (وتزودنا من لحمه وشائق) أي: قطعاً أخذوها زاداً للطريق وهم راجعون إلى المدينة. قال جابر: (فلما قدمنا المدينة أتينا رسول الله ﷺ فذكرنا ذلك له، فقال: هو رزق أخرجه الله لكم، فهل معكم من لحمه شيء فتطعمونا؟ فأرسلنا إلى رسول الله ﷺ منه فأكله). فهنا ﷺ قال: أعطونا منه، أي: هو حلال، فأنتم قلتم: كنا مضطرين، لكنه ﷺ لو قال: هو حلال، فربما يقولون في أنفسهم: عظم حالنا على النبي ﷺ فرخص لنا في هذا الشيء لأجل الضرورة التي كنا فيها، ولكن كونه ﷺ يأكل منه فهذا دليل على أنه حلال، سواء للإنسان المضطر أو لغيره وقد جاء في الحديث: (هو الطهور ماؤه، الحل ميتته).

стр. 395

جوع النبي وأصحابه أثناء حفر الخندق وإكرام جابر لهم

стр. 396

شدة جوع النبي وأصحابه في الخندق من الأحاديث في هذا الباب حديث جابر بن عبد الله ﵁، وأنا تركت حديثاً قبل هذا الحديث، وسنده ضعيف، وهو: (كان كم قميص رسول الله ﷺ إلى الرسغ)، فإسناده ضعيف. وأما حديثنا فهو حديث جابر ﵁ قال: (إنا كنا يوم الخندق نحفر، فعرضت كدية شديدة، فجاءوا إلى النبي ﷺ فقالوا: هذه كدية عرضت في الخندق). وهذا يوم الخندق في غزوة الأحزاب سنة خمس من الهجرة، وذلك عندما جاء الأحزاب من قريش ومن أتى معهم؛ ليحاربوا المسلمين في المدينة، والمسلمون قد تعلموا من يوم أحد أنه لا بد من الطاعة، وأنه يكفي ما حصل يوم أحد، فلا بد أن نسمع كلام النبي ﷺ ، وقد كانوا في يوم أحد أصروا على الخروج، وقالوا: نخرج كما خرجنا في بدر، فخرجوا فهزموا لما عصوا النبي ﷺ ، فكانت الهزيمة درساً في الأدب والطاعة له ﵊. فهنا في يوم الخندق استشارهم النبي ﷺ ؛ فكان من مشورة بعض الصحابة أن يحفروا خندقاً حول المدينة، فالنبي ﷺ خرج بنفسه معهم لحفر هذا الخندق، فعرض حجر ضخم صلب، أو قطعة غليظة صلبة من الأرض، والفأس لا يعمل فيها شيئاً، فما قدروا على الحفر، فسيبقى هذا المكان الذي يمكن دخول خيول المشركين وعبورها منه إلى داخل المدينة. فهنا لجئوا إلى النبي ﷺ فقالوا: (هذه كدية عرضت في الخندق، فقال: أنا نازل، ثم قام وبطنه معصوب بحجر)، قام وهو جائع ﷺ ، والمسلمون جياع، ونزل وما تعلل ولا قال: أنا جائع، بل نزل. قال جابر: (ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقاً، فأخذ النبي ﷺ المعول فضرب فعاد كثيباً أهيل أو أهيم)، يعني: ضرب الحجر ضربةً، فتكسر، وبعد أن كان صلباً صار رمالاً، أو كثيباً أهيل. قال: (فقلت: يا رسول الله! ائذن لي إلى البيت)، أي: أن راوي الحديث جابر بن عبد الله ﵄ صَعُب عليه حال النبي ﷺ ، عندما قام يحفر ويكسِّر هذه الصخرة الضخمة، وهو وعاصب بطنه من شدة الجوع، فاستأذن ليبحث في بيته عن شيء يطعم به النبي ﷺ . (قال: فقلت لامرأتي: رأيت بالنبي ﷺ شيئاً ما في ذلك صبر، فعندك شيء؟)، يعني: لا أقدر أن أصبر وأنا أرى النبي ﷺ على هذه الحالة، فعل عندك أي شيء للنبي ﷺ ؟ (قالت: عندي شعير وعناق)، عناق أي: معزة، وكانت المعزة التي يشربون لبنها ولا يوجد غيرها، وكان عندها شعير، فقال لها: اصنعي طعاماً للنبي ﷺ . قال (فذبحت العناق، وطحنت الشعير، حتى جعلنا اللحم في البرمة، ثم جئت النبي ﷺ ، والعجين قد انكسر)، أي: أن العجين قد أصبح جاهزاً لأن يدخل في الفرن، قال: (والبرمة بين الأثافي قد كادت تنضج). والبرمة: هي القدر الذي فيه اللحم. والأثافي: جمع أثفية، وهي حجارة توضع تحت القدر عندما يوقد عليه النار، وكانوا متعودين إذا أرادوا أن يطبخوا أن يأتوا بثلاث أحجار، يقال لها: أثافي كانوا يضعونها تحت القدر، فإذا لم يجدوا إلا حجرين وضعوهما إلى جنب الجبل، حتى يصير الجبل مكان الحجر الثالثة، وهذه هي التي يسمونها ثالثة الأثافي، كما هي معروفة في اللغة، وقولهم: رماه بثالثة الأثافي، أي: القطعة من الجبل كأنه يقول: رماني بداهية كالجبل. قال جابر: (قلت: طعيم لي)، يعني: أعددت أكلة يسيرة فتعال وكل، وكان يخاف أن يسمع الناس، فيظنوه طعاماً كثيراً، ولم يكونوا بخلاءً رضوان الله ﵎ عليهم، ولكن الطعام قليل في نظره، فلو جاء عدد كبير فقد لا يبقى للنبي ﷺ شيء.

стр. 397

تكثير الطعام ببركة دعاء النبي ﷺ قال جابر: (قلت: طعيم لي، فقم أنت يا رسول الله! ورجل أو رجلان قال: كم هو؟ فذكرت له). أي: أخبره أنه ذبح هذه العناق أو المعزة الصغيرة، فقال: (كثير طيب! قل لها: لا تنزع البرمة ولا الخبز من التنور حتى آتي)، يعني: لا تنزع البرمة أو الطعام الموجود الذي هو في نظرك إنما يكفي النبي ﷺ مع رجل أو رجلين، حتى آتي فتحصل البركة، وذلك بوجود النبي ﷺ . (فقال: قوموا، فقام المهاجرون والأنصار)، كل هؤلاء سيذهبون ليأكلوا مع رسول الله. قال: (فدخلت عليها فقلت: ويحك، جاء النبي ﷺ والمهاجرون والأنصار ومن معهم؛ قالت: هل سألك؟) وهذه المرأة العاقلة ﵂؛ قالت: لماذا أنت خائف، هل الرسول قد عرف قدر الطعام الذي عندنا، قال: (قلت: نعم، فقالت: أمر النبي ﷺ ، هو أعلم بهذا الشيء، قال النبي ﷺ : ادخلوا ولا تضاغطوا)، أي: أدخلوا ولا تزدحموا. (فجعل ﷺ يكسر الخبز)، وفي رواية أخرى للحديث نفسه ذكر فيها: (أن زوجته أخرجت له جراباً فيه صاع من شعير، قال: ولنا بهيمة داجن فذبحتها وطحنت من الشعير)، والصاع الشعير بقدر اثنين كيلو ونصف من الشعير، وهذا هو الذي سيكفي جيش النبي ﷺ ، وهذه الرواية الثانية فيها أنه قال (فذبحتها وطحنت الشعير)، أي: وطحنت المرأة الشعير، قال: (ففرغت إلى فراغي) أي: أنه لم يترك المرأة وحدها تقوم بالأمر كله، بل قام بذبح الشاة وجهزها، وهي جهزت العجين والخبز. قال: (ثم وليت إلى رسول الله ﷺ فقالت: لا تفضحني برسول الله ﷺ ومن معه)، يعني: لا تدعوه إلا وحده؛ فإنهم إذا جاء ومن معه فمن أين سيلاقون طعاماً يأكلونه؟ (قال: فجئته فساررته فقلت: يا رسول الله! ذبحنا بهيمة لنا، وطحنت صاعاً من شعير، فتعال أنت ونفر معك، فصاح رسول الله ﷺ : يا أهل الخندق! إن جابراً قد صنع سؤراً، فحيهلا بكم)، أي: وقد صنع لكم سؤر شراب أو شيئاً تأكلونه فحيهلا بكم. قال: (فقال النبي ﷺ : لا تنزلن برمتكم ولا تخبزن عجينتكم حتى أجيء قال: فجئت، وجاء النبي ﷺ يقدم الناس، حتى جئت امرأتي فقالت: بك وبك)، أي: ماذا حصل لك، هؤلاء من سيكفيهم؟ فلما سألتهم بما في الرواية الأولى: هل أنت أعلمت النبي ﷺ بقدر الطعام؟ فلما قال: نعم، قالت: طالما أنك أعلمت النبي ﷺ فهو أدرى بهذا الشيء. فجاء النبي ﷺ ومن معه، قال: (ادخلوا ولا تضاغطوا، فجعل يكسر الخبر ويجعل عليه اللحم ويخمر البرمة والتنور)، هنا نزلت بركات من الله للنبي صلوات الله وسلامه عليه، فإذا به يخدمهم ﷺ ، وهو بنفسه يضع الطعام. قوله: (ويخمر البرم والتنور إذا أخذ منه)، يخمر: أي يغطي البرمة إذا أخذ منها؛ بحيث تنزل البركة ولا أحد يرى، ولأنهم لو أبصروا سيتساءلون: هل بقي شيء؟ لذلك غطاها رسول الله حتى تنزل البركة من عند الله . ثم قال: (ويقرب إلى أصحابه ثم ينزع، فلم يزل يكسر ويغرف حتى شبعوا وبقي منه)، أي: أنه بقي منه بعد أن أكل النبي ﷺ وجيش أهل المدينة وكفاهم هذا الطعام، وهو صاع من شعير وعناق. فقال: (كلي هذا وأهدي)، أي: كلي ما يشبعك أنت وزوجك، ثم أهدي للناس، قال: (فإن الناس أصابتهم مجاعة). لا شك أن هذا الطعام لا يكفي هذا العدد؛ ولكن البركة من الله الذي أنزل من فضله ما أطعم به هذا الجيش وبقي لأهل البيت، وأمرهم النبي ﷺ أيضاً بالإهداء للناس.

стр. 398

تكثير الطعام ببركة بصق النبي ﷺ جاء في الرواية الثانية أن جابر قال: (فأخرجت عجيناً فبصق فيه وبارك صلوات الله وسلامه عليه). أي: جعل فيه من ريقه الطاهر الكريم ولذلك جاءت البركة. قال: (ثم عمد إلى برمتنا فبصق وبارك) أي: دعا بالبركة، وجعل فيها من ريقه الكريم، وريق النبي ﷺ هو الذي كان الصحابة يقتتلون عليه؛ وكان إذا أراد أن يبصق لا ينزل ريقه على الأرض، بل يقرب أحدهم يده؛ ليأخذه ويدلك به وجهه ويده. هذا هو مقام النبي ﷺ بين أصحابه، وهذا هو حب النبي ﷺ في قلوب أصحابه ﵊. قال جابر: (ثم قال: ادعي خابزة فلتخبز معك)، وهنا يأمرها أن تدعو من تعينها على خبز ما في هذا القدر من الشعير، فكانت البركة، وكان الطعام كثيراً كفى هذا الجيش العظيم. قال: (واقدحي من برمتكم، ولا تنزلوها، وهم ألف، فأقسم بالله لأكلوا حتى تركوه وانحرفوا وإن برمتنا لتغط كما هي)، أكل ألف رجل من هذه البرمة حتى شبعوا وانحرفوا عن الطعام، والبرمة كما هي تفور على النار ممتلئة بالطعام، قال: (وإن برمتنا لتغط كما هي، وإن عجيننا ليخبز كما هو). هذا هو النبي صلوات الله وسلامه عليه، وهذه بركة ريقه الطاهر ودعوته المباركة ﵊، والنبي ﷺ بصق مرة في بئر ماء وهم في الحديبية فإذا الماء يفور ببركة ريقه الطاهر. وحاول مسيلمة الكذاب أن يقلد النبي ﷺ ، فبصق في بئر ماء وكان ماؤها عذباً فإذا بالبئر تصير مرةً ملحةً، وهذه إهانة من الله لهذا المجرم الكافر. أما ريق النبي ﷺ فهو ريق طاهر، بارك الله به هذا الطعام وهذا الشراب وكثره، وهذا الشعير فكثره، فأكل ألف من أصحاب النبي ﷺ من هذا الطعام والطعام كما هو.

стр. 399

تفقد الصحابة للنبي ﷺ والاعتناء به مع ضيق حالهم نذكر حديثاً لـ أنس رضي الله ﵎ عنه، قال: (قال أبو طلحة لـ أم سليم: قد سمعت صوت رسول الله ﷺ ضعيفاً أعرف فيه الجوع، فهل عندك من شيء؟ قالت: نعم. فأخرجت أقراصاً من شعير، ثم أخذت خماراً لها فلفت الخبز ببعضه، ثم دسته تحت ثوبي، وردتني ببعضه)، المعنى: أن النبي ﷺ وأصحابه كانوا جائعين ولكن إذا بعثت إليه بالخبز أمام الناس، فسيعطيه للناس ولن يأكل شيئاً. فـ أنس بن مالك ﵁ هو ابن أم سليم، وأبو طلحة هو زوج أمه، رضي الله ﵎ عنهم، فـ أم سليم ﵂ جهزت هذا الخبز من الشعير، وأعطته لـ أنس ﵁ ولفت الخبز ببعضه، ثم دسته تحت ثوبه وردته ببعضه لتخفيه عن الأعين. قال أنس: (ثم أرسلتني إلى رسول الله ﷺ ، فذهبت به فوجدت رسول الله ﷺ جالساً في المسجد ومعه الناس، فقمت عليهم، فقال لي رسول الله ﷺ : أرسلك أبو طلحة؟ فقلت: نعم، فقال: ألطعام؟ فقلت: نعم، فقال رسول الله ﷺ : قوموا، فانطلقوا وانطلقت بين أيديهم حتى جئت أبا طلحة فأخبرته، فقال أبو طلحة: يا أم سليم! قد جاء رسول الله ﷺ بالناس وليس عندنا ما يطعمهم، فقالت: الله ورسوله أعلم! فانطلق أبو طلحة حتى لقي رسول الله ﷺ ، فأقبل رسول الله ﷺ معه حتى دخلاً، فقال رسول الله ﷺ : هلمي ما عندك يا أم سليم، فأتت بذلك الخبز -أقراص من شعير- فأمر به رسول الله ﷺ ففت)، ولو أبقاه أقراصاً فسيوزع ولا يكفي الجميع، ولذا أمر الرسول أن يفت الخبز بحيث يأكلون من الخبز جميعاً. قال: (وعصرت عليه أم سليم عكة فآدمته)، كان عندها قربة فيها سمن قليل أو عسل قليل فوضعته فوق الخبز الذي فُت، (ثم قال فيه رسول الله ﷺ ما شاء الله أن يقول)، فحصلت البركة من دعائه صلوات الله وسلامه عليه، (ثم قال: ائذن لعشرة، فأذن لهم، فأكلوا حتى شبعوا، ثم خرجوا، ثم قال: ائذن لعشرة، فأذن لهم، فأكلوا حتى شبعوا، ثم خرجوا، ثم قال: ائذن لعشرة، فأذن لهم، حتى أكل القوم كلهم وشبعوا، والقوم سبعون رجلاً أو ثمانون)، متفق عليه. فسبعون رجلاً أو ثمانون أكلوا من أقراص كانت للنبي ﷺ وحده. فهذه الجملة من الأحاديث فيها بركة دعاء النبي ﷺ ، وبركة ريقه الطاهر صلوات الله وسلامه عليه، وحضوره مع أصحابه، وفيها ما كانوا عليه من فقر إلى درجة أنهم ليحتاجون إلى الشيء القليل.

стр. 400

الفرق بين الفقر والمسكنة كان النبي ﷺ يتعوذ بالله من الكفر والفقر ومن عذاب القبر، ومع ذلك كان يسأل ربه سبحانه ويقول: (اللهم أحيني مسكيناً، وأمتني مسكيناً، واحشرني في زمرة المساكين)، والفقير هو من كان معدماً لا يجد شيئاً، فالرسول ﷺ تعوذ بالله من الفقر، لكن المسكين يجد أحياناً ولا يجد أحياناً أخرى، فكأن المسكين يجد فيشكر الله سبحانه، أو لا يجد فيدعو الله سبحانه، ففي أخلاقه التواضع دائماً، وهو موصول بالله في دعائه، فكأن النبي ﷺ طلب أن يكون عنده من التواضع ما عند هؤلاء المساكين الذين يسألون الله ويطلبون منه ، فالرسول ﷺ لم يطلب من الله أن يكون فقيراً ولا يجد شيئاً، بل تعوذ بالله من الفقر، فلما منعه الله الطعام أياماً صبر ﷺ ، وكان الأسوة الحسنة في صبره، وكان يربط على بطنه الحجر ويعمل مع سائر أصحابه في الخندق، وينزل بنفسه ﷺ ليكسر صخرة ضخمة لم يقدروا عليها، وعندما كان يضرب الصخرة في الضربة الأولى خرج منها نور عظيم، فرأى فيه بشرى من الله سبحانه بأنه يؤتى ملك فارس، وفي الضربة الثانية بأنه سيؤتى ملك الروم، فيفتح الله على يد النبي ﷺ من الفتح ما شاء. فالغرض من ذلك أن الإنسان يصبر كما صبر النبي ﷺ ويقتدي به كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:٢١]. نسأل الله أن يرزقنا حسن الاقتداء بالنبي صلوات الله وسلامه عليه وأصحابه الكرام وأن يحشرنا معهم. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 401

شرح رياض الصالحين - القناعة والعفاف والاقتصاد في المعيشة وذم السؤال من غير حاجة إن القناعة أصل الغنى، فمهما أوتي الإنسان من مال ولم يؤت القناعة فهو فقير. وإن العفاف زينة المسلم، وكثرة السؤال من الخصال التي يذم عليها، وقد يعاقب عليها إذا فعلها بدون حاجة مشروعة.

стр. 402

تكفل الله بقسمه الأرزاق وأن على الغني الإنفاق بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين: قال الإمام النووي ﵀: [باب القناعة والعفاف والاقتصاد في المعيشة والإنفاق وذم السؤال من غير ضرورة. قال الله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود:٦]. وقال تعالى: ﴿لِلفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة:٢٧٣]. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان:٦٧]. وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات:٥٦ - ٥٧]. وأما الأحاديث فمنها: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس)، متفق عليه. وعن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (قد أفلح من أسلم ورزق الكفاف وقنعه الله بما آتاه)، رواه مسلم].

стр. 403

موقف المؤمن من المال بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين: قال الإمام النووي ﵀: [باب القناعة والعفاف والاقتصاد في المعيشة والإنفاق وذم السؤال من غير ضرورة. قال الله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود:٦]. وقال تعالى: ﴿لِلفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة:٢٧٣]. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان:٦٧]. وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات:٥٦ - ٥٧]. وأما الأحاديث فمنها: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس)، متفق عليه. وعن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (قد أفلح من أسلم ورزق الكفاف وقنعه الله بما آتاه)، رواه مسلم].

стр. 404

ثقة المؤمن برزق الله وقناعته بما آتاه يتحدث الإمام النووي ﵀ في هذا الباب عن القناعة، والقناعة من قنع يقنع بالشيء إذا اكتفى بما آتاه الله ، ورضي في نفسه بما أعطاه الله سبحانه. فينبغي على الإنسان أن يتحلى بالقناعة والعفاف والاقتصاد في المعيشة والإنفاق وذم السؤال من غير ضرورة. من ذلك ما جاء في القرآن من قول الله سبحانه: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [هود:٦]. وهو الذي خلق الخلق فقال: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤]. فخلق وأمر ، وتفرد بخلق العباد وجعل لكل إنسان رزقاً قسمه الله له، فعلى الإنسان أن يقنع بما قسم الله له، ويسعى في طلب هذا الرزق الذي قسم له من بابه ومن وجهه، فيعمل ويتعب نفسه حتى يصل إليه رزقه وقوته؛ لينفق على نفسه وعلى من يعول. وعليه أن يثق في رزق الله سبحانه؛ لأن الله قد كتب عنده في الكتاب خلق الإنسان ورزقه، وعمله وهل هو شقي أو سعيد، وطالما أن هذا مكتوب فليسع الإنسان في تحصيل ما قد قسمه الله له. قال الله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود:٦]. وهذا من ألفاظ العموم (ما من دابة) يعني: كل دابة خلقها الله ، وهي كل ما يدب على الأرض. وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾ [النور:٤٥] كل ذلك يخلقه الله سبحانه، فالذي خلق هذه الأشياء قسم لها أرزاقها. فعلى الإنسان أن يثق في أن الله سيرزقه، ويبحث عن هذا الرزق، وليعلم أن الرزق لن يزيده حرص حريص ولن ينقص من إنسان لا يحرص عليه ولا يطلبه، ولن يمنعه منه أحد؛ لأنه ليس لإنسان على إنسان قدرة على أن يحرمه من رزقه، إنما الرزاق هو الله سبحانه، والرزق بيده وحده.

стр. 405

تعفف المؤمن الفقير وعدم إلحافه في المسألة قال سبحانه: ﴿لِلفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة:٢٧٣]. فأموال الفيء تعطى للفقراء، وهم ضمن الذين يأخذون هذه الأموال، ويلزم الإنسان أن يبحث عنهم ويعطيهم زكاة ماله أو نفقة تطوعه. فصفاتهم أنهم متعففون فقراء، ولكنهم أحصروا في سبيل الله، فأهل الصفة الذين في مسجد النبي ﷺ كانوا من فقراء المهاجرين، وكان عملهم هو الجهاد في سبيل الله، فهم محبوسون على ما يريده النبي ﷺ منهم، فيرسلهم في غزو، أو في سرية، أو في بعث من البعوث، فأحصروا للجهاد في سبيل الله ولم يكن لهم طعام، فكان النبي ﷺ يعطيهم إذا كان عنده، وكان أحدهم يخرج ويعمل عملاً ثم يرجع إلى موضعه في المسجد بطعام يسير فيكتفي بذلك ولا يسأل أحداً. فالناظر إليهم من جهله بحالهم يظن أنهم أغنياء: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ [البقرة:٢٧٣] من تعففهم، فهم لا يسألون أحداً شيئاً. (تعرفهم بسيماهم) والسيما: المنظر، فصفرة وجوههم دليل على فقرهم واحتياجهم وجوعهم، وفي ثيابهم ووجوههم آثار تدل على احتياجهم وجوعهم وتعبهم. ثم يقول سبحانه عنهم: ﴿لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة:٢٧٣] أي: لا يسألون أحداً شيئاً، وإن احتاجوا طلبوا من النبي ﷺ ولا يلحون في المسألة.

стр. 406

إنفاق المؤمن الغني مما آتاه الله قال الله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا﴾ [الفرقان:٦٧] وهذا شيء ثالث يذكره: فالأول: أن يثق الإنسان في رزق الله سبحانه فيقنع بما آتاه. والثاني: أن يتعفف إذا لم يجد، وإذا سأل واضطر إلى السؤال فلا يلحف في المسألة. وفي الثالث: أن الله إذا أعطاه مالاً وأنفق هذا المال فلا يسرف ولا يقتر. فمن صفات عباد الرحمن: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا﴾ [الفرقان:٦٧] في إنفاقهم: ﴿وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ [الفرقان:٦٧] أي: لم يبخلوا ولم يشحوا، ولكن بين ذلك، فالحال الذي هم عليه: قوام وسط بين ذلك وذلك. قال الله : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٦ - ٥٨]. فإذا رزق الله الكافر فلن يترك المؤمن بغير رزق ، وذلك لعدله وكرمه، فهو يرزق كل دابة، فالإنسان المؤمن يتفكر في صلاح حاله ويتفكر في أن الذي خلقه هو الذي تكفل برزقه، ثم ليسع في طلب هذا الرزق من وجوه الحلال، وليترك وجوه الحرام. من الأحاديث التي جاءت في هذا الباب ما في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس). والعرض هو المال، والإنسان الذي لديه مال كثير ليس ذلك دليلاً على غناه. وهذا دليل على أن كثرة المال ليس ضرورياً، فالمال ليس دليلاً على غنى نفس هذا الإنسان، فقد يكون عنده مليون ويستشعر أنه فقير، وأنه قد يضيع منه هذا المال فيصبح فقيراً لا مال له. فمهما أعطاه الله فإنه يستشعر أنه فقير وأنه محتاج، وهذا ليس الغنى، ولكن الغنى الحقيقي هو الشعور بالرضى من داخل القلب. فهو راض في نفسه عن ربه ، واثق في أن الله خزائنه ملأى لا تغيضها نفقة، وأن رزقه قد تكفل الله به، فهو موجود في خزائن الله، وسوف يأتي هذا الرزق وقتاً من الأوقات. لكن المطلوب منه أن يسعى لطلب هذا الرزق، وأن يمشي في مناكب الأرض فيأكل من رزق الله الذي ساقه وقسمه له. إذاً: الغنى الحقيقي أن يستشعر الإنسان أن الله يرزق، وأن الله ادخر له الخير في الدنيا وفي الآخرة، وأن الله لا يضيع شيئاً أبداً. فما من شيء إلا والله سبحانه يعلمه ويرزقه، وما من دابة إلا على الله رزقها، فإذا كان الإنسان يشعر بالفقر فإنه لو أوتي مثلما أوتي قارون سيستشعر أنه فقير ومحتاج وخائف من ضياع هذا المال. وإذا كان الإنسان قد أعطي الرضا والقناعة في قلبه استشعر الغنى وإن كان جيبه خاوياً لا شيء فيه، فهو واثق أن الله معه كل شيء ، فيسعى في طلب الرزق من الله وهو يعطيه سبحانه.

стр. 407

فضل القناعة

стр. 408

فلاح من رزق كفافاً وقنعه الله بما آتاه روى مسلم عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (قد أفلح من أسلم ورزق الكفاف وقنعه الله بما آتاه). فهذا إنسان مفلح بسبب أنه رضي عن الله ، وصدقت الحكمة القائلة: القناعة كنز لا يفنى. فالإنسان بقناعته يستشعر أنه غني عنده كل شيء، والله إذا أعطى الإنسان القلب المطمئن والنفس القانعة ورزقه رزقاً كفافاً على قدره بلا زيادة ولا نقصان كان مفلحاً إذا كان مسلماً مؤمناً قانعاً. وفي الصحيحين عن حكيم بن حزام ﵁ قال: (سألت رسول الله ﷺ فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم سألته فأعطاني)، وكأن حكيماً لما أسلم وذهب إلى النبي ﷺ -وهو ممن أسلم متأخراً- طلب من النبي ﷺ أن يعطيه، والنبي ﷺ كريم فأعطاه، وسأله مرة ثانية، مع أنه كان كبيراً في قومه رضي الله ﵎ عنه، ولكن مهما كان كبيراً فلا غنى له عن مال الله سبحانه وفضله، فلما أعطاه المرة الثالثة قال له -ينصحه-: (يا حكيم إن هذا المال خضر حلو)، والخضر هو نبات يخرج من الأرض كخضر البقلات تخرج من الأرض فتأكلها الدواب. فكأنه يضرب له المثل بما يكون أمام البقر والإبل، فتأكله وتستحلي طعمه إلى أن تهلك من كثرة الأكل. فالمال كذلك، فإن الإنسان يفضل أن يأخذ المال إلى أن يهلك، وذلك بأن لا يؤدي الحقوق التي عليه، ثم يستشعر أنه يريد أكثر، وفي الحديث: (منهومان لا يشبعان: طالب علم وطالب مال).

стр. 409

الذي يأخذ المال بسخاوة نفس يبارك له فيه فالذي همه طلب المال يظل على ذلك حتى يموت، همه تحصيل المال وادخاره ولا يؤدي الحقوق لأصحابها. فالنبي ﷺ يقول لـ حكيم بن حزام: (إن هذا المال خضر حلو فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه). يأخذ المال بنفس سخية، لينفق لله ، ويأخذ المال وهو محتاج إليه ومتعفف فيه، فإذا أعطاه النبي ﷺ شيئاً قبله، وإذا لم يعطه فنفسه تأبى أن تطلب المال من أحد، فالذي يأخذ بسخاوة نفس لا بشح ولا بطمع بورك له فيه. (ومن أخذه بإشراف نفس)، أي: بطمع في هذا المال لم يبارك له فيه، (وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من اليد السفلى)، فالذي يأكل ولا يشبع في النهاية يتخم ويموت. ولكن الإنسان المؤمن يأكل ويستشعر الشبع، فأقل الأشياء أن تكفيه ولا يطمع في الكثير، فالنبي ﷺ يقول لـ حكيم: (اليد العليا خير من اليد السفلى)، هنا المعطي النبي ﷺ والآخذ حكيم فاليد المعطية خير من اليد الآخذة. وكل من أعطى فيده العليا، وكل من مد يده وتكفف الناس فيده السفلى، فالذي يعطي يده أفضل من يد الإنسان الذي يأخذ. قال حكيم: (فقلت يا رسول الله! والذي بعثك بالحق لا أرزأ أحداً بعدك شيئاً حتى أفارق الدنيا)، فأقسم بالله سبحانه الذي بعث النبي ﷺ بالحق أن لا يرزأ أحداً شيئاً. والرزء هو الأخذ والإنقاص، والمعنى: لا أنقص مال إنسان بطلبي، ولن أطلب من أحد شيئاً فأنقص ماله حتى أفارق هذه الدنيا. وصدق رضي الله تعالى عنه وبر يمينه التي حلفها، فلما فتح الله الفتوح على المسلمين كان أبو بكر يقسم الغنائم بينهم، فمن ضمن هؤلاء حكيم، فيطلبه أبو بكر ليعطيه من هذه الغنائم فيرفض حكيم رضي الله تعالى عنه، ويأبى أن يقبل منه شيئاً؛ لأنه عاهد النبي ﷺ على ذلك. ثم إن عمر ﵁ دعاه ليعطيه فأبى أن يقبله، فقال عمر ﵁ -يشهد المسلمين عليه-: يا معشر المسلمين أشهدكم على حكيم إني أعرض عليه حقه الذي قسمه الله له في هذا الفيء فيأبى أن يأخذه. فلم يرزأ حكيم أحداً من الناس بعد النبي ﷺ حتى توفي رضي الله تعالى عنه. فهنا حكيم بن حزام انتفع بنصيحة النبي ﷺ ، فالواجب علينا أن ننتفع بها كما انتفع هو ﵁. فـ حكيم بن حزام مات وترك المال، ولكن فرق بين الذي أخذ المال واستكثر منه وكان كالذي يأكل ولا يشبع، وله مثل السوء حيث لم يقنع، وبين حكيم الذي رزقه الله القناعة والعفاف، فكل من طلب المال في النهاية سيتركه للوارث يأخذه. فلو تفكر الإنسان في نفسه لوجد أنه لو طمع وأوتي الدنيا جميعها وأخذ من الدنيا ما شاء، ففي النهاية سيترك الباقي ويذهب إلى ربه سبحانه ليسأله عن الجميع.

стр. 410

شقاوة من يجمع الدنيا من الحرام والحلال وأبأس إنساناً يطلب الدنيا ويحصلها من حلال وحرام، ويجمع ويدخر ثم يموت وهو كانز لهذا المال، ويأتي الورثة ليأخذوا هذا المال، وعندما يتذكرونه لعلهم لا يدعون له، ولعلهم يقولون: هذا كان يسرق المال، وكان يعمل كذا وكذا بهذا المال. الإنسان الطمع الذي يأخذ المال في الدنيا سيسأله الله عن هذا المال كله، ومن العجيب أن هذا الإنسان البائس عندما يأتي يوم القيامة وقد جمع في الدنيا أموالاً من حلال ومن حرام يحاسبه الله على كل شيء أخذه: لم أخذته؟ إن هذا حرام تستحق عليه النار. فلا هو انتفع بهذا المال في الدنيا، ولا غيره دعوا له لما أخذوا هذا المال، وإنما حوسب هو على المال كله عند الله . لذلك فإن الإنسان المؤمن يحذر من أن يأخذ الحرام، وأن يمد يده إلى الحرام؛ لأنه يعلم أنه سيلقى الله سبحانه ويسأله. فربما عمل في شركة من الشركات وأخذ رشاوى من هذه الشركة، إلى أن جمع من هذه الرشاوى مالاً كثيراً، ثم لما مات جاء الورثة بعد ذلك يسأل بعضهم بعضاً: ماذا نصنع بهذا المال؟ أنأخذه أم نتصدق به؟ فهذا الذي جمع هذا المال يا ترى هل جرى بخاطره أنه سيموت ويترك المال كله؟ ها هو الآن ذهب إلى ربه ليسأله عما جمع من مال، وما أخذ من رشوة، لقد ذهب ولم يستمتع بما جمع وأصبح يقال عنه: هذا كان يسرق المال، ويأخذ الرشوة، مع أن الحديث يقول: (اذكروا محاسن موتاكم)، وهذا الإنسان كان يأخذ الرشوة وذلك ليس من محاسنه بل من سيئاته. فإن قيل يتصدق به فلا يجوز لإنسان أنه يأخذ مثل هذا المال الحرام. فاحذر أن تجمع الدنيا وفي النهاية يحرمك الله منها، فلعل إنساناً يجمع مثل هذا المال ويبتليه الله بضعف في الكلى مثلاً، فيريد أن يزرع كلى فيحتاج إلى مائة ألف أو مائتين ألف، حتى يسأل الناس؛ لأنه محتاج إلى أن يغسل الكلى في كل يوم. إن المال الحلال يأخذه الإنسان ويكون له فيه بركة، ويأكل منه فيكون له شفاء، يقول النبي ﷺ : (إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون:٥١] وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة:١٧٢]).

стр. 411

اقتصاد الصحابة في غزوة ذات الرقاع عن أبي موسى الأشعري ﵁ -كما في الصحيحين- قال: (خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزاة -أي: في غزوة- ونحن ستة نفر بيننا بعير نعتقبه). أي: أنهم ذهبوا يجاهدون في سبيل الله سبحانه، وكل ستة معهم بعير، أو هؤلاء الستة معهم بعير. فلن يركبوا هذا البعير كلهم مرة واحدة، ولكن كل واحد سيركب قليلاً ثم ينزل ويترك غيره يركب، فهذا يعقب هذا، فمسافة السفر الذي كانوا فيها إذا كانت الغزوة تجاه الشام فلكل واحد منهم سدس المسافة يركبها على البعير، وخمس أسداس المسافة يمشيها على رجليه. قال: (فكنا نلف على أرجلنا الخرق، فسميت غزوة ذات الرقاع). كانوا يعصبون على أرجلهم الخرق، فالأحذية لم تنفع فقد تقطعت في الطريق فبقوا يربطون الخرق على أرجلهم لكي يمشوا هذه المسافة الطويلة. قال أبو بردة: فحدث أبو موسى بهذا الحديث ثم كره ذلك، وقال: ما كنت أصنع بأن أذكره، قال: كأنه كره أن يكون شيئاً من عمله أفشاه، ولكنه إنما تحدث ليتعظ الناس ويعملوا. هذا واحد من أهل الصلاح من صحابة النبي ﷺ يخاف أن يحدث عن عمله لكي لا ينقص ذلك من الثواب، فقد كانت نيتهم صافية وخالصة لرب العالمين سبحانه، ولكنهم يحدثون حتى يقتدي بهم من بعدهم. وبعد أن يحدث أحدهم يخاف من أنه أفشى عمله.

стр. 412

إعطاء النبي المال لأقوام وغيرهم أحب إليه منهم جاء في صحيح البخاري عن عمرو بن تغلب ﵁: (أن رسول الله ﷺ أتي بمال أو سبي فقسمه، فأعطى رجالاً وترك رجالاً، فبلغه أن الذين ترك عتبوا، فحمد الله ثم أثنى عليه). والمعنى: أنه جاء النبي ﷺ مال فقسمه، ولم يستوعب كل الموجودين، ولكن أعطى أناساً هم أهل حاجة وفقر، وترك آخرين، وأحياناً يعطي أناساً وغيرهم أولى منهم بهذا المال، لكن هؤلاء يمكن أن يفتنوا ويقعوا في الكفر إذا لم يعطهم مالاً. فيخاف النبي ﷺ عليهم؛ لأنه بالمؤمنين رءوف رحيم، فيعطي إنساناً من أجل ألا يقعوا في الكفر ويدخلوا النار بعد ذلك. فلما عتبوا قام النبي ﷺ فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: (أما بعد: فو الله إني لأعطي الرجل وأدع الرجل والذي أدع أحب إلي من الذي أعطي)، أي: ليس معنى أني أعطيت فلاناً أني أحبه أكثر من الآخر، فهذا الذي أعطيته أقل في المحبة من ذاك الذي لم أعطه. قال: (ولكني إنما أعطي أقواماً لما أرى في قلوبهم من الجزع والهلع)، أي: أراهم خائفين من الفقر، فلو لم أعطهم قد ينقص إيمانهم. ثم قال: (وأكل أقواماً إلى ما جعل الله في قلوبهم من الغنى والخير)، أي: أن الذين لم أعطهم قلوبهم مليئة بالخير، فإعطائي إياهم هذا المال لن يزيد فيهم شيئاً؛ فلذلك أكلهم إلى ما في قلوبهم من الغنى والخير، منهم عمرو بن تغلب راوي هذا الحديث. قال عمرو بن تغلب ﵁: (فو الله ما أحب أن لي بكلمة رسول الله ﷺ حمر النعم)، يعني: يكفيه أنه شهد له بالإيمان، فهذه الشهادة أغلى من أموال العرب، وهي بهيمة الأنعام من الجمال والنوق الحمراء. وصدق رضي الله ﵎ عنه، فإن الدنيا كلها لا تسوى عند الله جناح بعوضة.

стр. 413

من يستعفف يعفه الله جاء في حديث آخر عن حكيم بن حزام في معنى الحديث الأول إلا أن فيه زيادة- قال النبي ﷺ : (اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول). أي: إن كان عندك زيادة مال فابدأ بأهلك الذين تعولهم. ثم قال: (وخير الصدقة عن ظهر غنى)، أي: خير الصدقة ما تركت غنى، لأن الإنسان قد يتصدق وبعد أن يتصدق بالمال كله يمكن أن يبتليه الله فلا يجد مالاً يسد حوائجه فيندم ويقول: يا ليتني ما تصدقت بالمال كله، فيكون بهذا قد أضاع أجره عند الله، وأضاع ماله في الدنيا. فالأفضل للإنسان إذا تصدق أن يترك لنفسه ما يغنيه؛ لأنه عندما يعطي ولا يزال غنياً يكون ذلك مدعاة له أن يعطي ويتصدق مرة أخرى، ولا يتضجر من الصدقة، أما الذي يعطي ماله كله ثم يجد نفسه فقيراً، فقد لا يتصدق مرة أخرى، ولذلك كان خير الصدقة ما أبقت لصاحبها غنى. ثم قال ﷺ : (ومن يستعفف يعفه الله). ويستعفف من العفاف، والعفيف هو الإنسان الذي لا ينظر إلى ما في أيدي الناس، فالناظر إلى ما في أيدي الناس إما أن يتمنى ما في أيدي الناس، أو يتحسر على أنه ليس عنده مثلهم. وإذا تمنى فلعله يعطى ولعله لا يعطى، فإذا كان لا يعطى فقد أتعب نفسه بالنظر إلى ما في أيدي الناس، وإذا أعطاه الله فلعله يفتن فيه فلا يعطي الحقوق لأصحابها، إذاً: الأفضل أن لا ينظر إلى ما في أيدي الناس، وإنما ينظر إلى من هو دونه وأقل منه ولا ينظر إلى من هو أعلى منه. إذا نظر إلى من هو دونه حمد الله سبحانه على ما أعطاه من النعم، وإذا نظر إلى من هو أعلى منه ربما جعل ذلك في قلبه حسرة، ولعله يقول: إن الله لم يعطني شيئاً، فينكر نعم الله عليه فيستحق العقوبة من الله. ثم قال ﷺ : (ومن يستغن يغنه الله)، فاستغنى بالله سبحانه ﵎ وعمل وكد وأتعب نفسه ليطلب الرزق، فأعطاه الله سبحانه، أما النظر إلى الناس فليس من ورائه إلا أن يحسدهم على ما آتاهم الله من فضله، أو يتحسر على حاله الذي هو فيه، وفي كل شر. جاء في صحيح مسلم عن أبي سفيان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تلحفوا في المسألة، فوالله لا يسألني أحد منكم شيئاً فتخرج له مسألته مني شيئاً وأنا له كاره فيبارك له فيما أعطيته). فالنبي ﷺ لا يسأله أحد إلا ويعطيه، ولكن هل كل من أعطاه النبي ﷺ كان راضياً أن يعطيه؟ الجواب ( فوالله لا يسألني أحد منكم شيئاً فتخرج له مسألته مني شيئاً وأنا كاره)، لأنه يستحي ألا يعطي ﷺ ، فقد يعطي ويكون راضياً، وقد يعطي وهو كاره، فهذا الذي كره النبي ﷺ إعطاءه لما أخذ المال لا تكون بركة في هذا المال الذي أخرجه. فالنبي ﷺ هو الذي يعطي ومع ذلك لا بركة في هذا المال؛ لأنه أخذه بغير رضا النبي ﷺ ، وهكذا فكل إنسان يأخذ مالاً بغير رضا صاحبه لا بركة له فيه.

стр. 414

النهي عن سؤال الناس واستخدامهم

стр. 415

بيعة النبي بعض أصحابه على ألا يسألوا الناس شيئاً عن أبي عبد الرحمن عوف بن مالك الأشجعي قال: (كنا عند رسول الله ﷺ تسعة أو ثمانية أو سبعة، فقال: ألا تبايعون رسول الله ﷺ . وكان النبي ﷺ له تعاليم دقيقة ولطيفة مع أصحابه، وإلا فقد كانوا بايعوه من قبل على الإسلام، لكنه أراد أن يذكرهم بشيء بهذه الطريقة الجميلة. قال: (ألا تبايعون رسول الله ﷺ ؟ قالوا: قد بايعناك يا رسول الله ثم قال: ألا تبايعون رسول الله ﷺ ؟ قال: فبسطنا أيدينا وقلنا: قد بايعناك يا رسول الله، فعلام نبايعك؟ فقال ﷺ : على أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، والصلوات الخمس وتطيعوا -يعني: أولي الأمر منكم- وأسر كلمة خفيفة -أسمعهم إياها بصوت خفيف-: ولا تسألوا الناس شيئاً). بايعوني على الإسلام أي: على عبادة الله وعدم الشرك، وعلى الصلوات الخمس، وعلى الطاعة لله وللرسول ﷺ ولأولي الأمر منكم، وتبايعوني أيضاً على (أن لا تسألوا الناس شيئاً). هذه من ضمن البيعات التي أخذها النبي ﷺ على أصحابه أو على بعضهم، وهؤلاء بايعوا. فكان يسقط سوط أحدهم أو عصاه وهو راكب على الجمل فينيخ جمله وينزل فيأخذ عصاه، فهذا أحب إليه من أن يطلب من أحد أن يناوله ذلك، قال: (فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم فما يسأل أحداً يناوله إياه). أي: لا يطلب من أحد شيئاً، وهذه تربية عظيمة رباهم عليها النبي ﷺ ، فإذا كان هذا الذي تسقط عصاه لا يطلب من أحد أن يناوله إياها، فمن باب أولى ألا يسأل أحداً مالاً أو غيره، فعلمهم النبي ﷺ عزة النفس والتعفف عن أن يبسطوا ويمدوا أيديهم للناس يطلبون شيئاً، وبايعهم على ذلك صلوات الله وسلامه عليه. وحذر هؤلاء وغيرهم بأن الذي يسأل ويلح في الطلب، فإنه يأتي يوم القيامة حاله كما في الصحيحين عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: (لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله تعالى وليس في وجهه مزعة لحم). ومزعة اللحم: القطعة من اللحم، فالإنسان لعله يستحيي من إنسان كبير إذا فعل أمامه شيئاً يستحيا من فعله فيتصبب عرقه حياءً، والله له المثل الأعلى، فهؤلاء الذين يسألون الناس إلحافاً عندما يأتون ربهم يوم القيامة سيستحيون من الله ، حتى يتساقط من وجوههم اللحم بسبب أنهم لم يستحيوا في الدنيا من الله.

стр. 416

ذم المسألة إلا لحاجة عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال وهو على المنبر، وذكر الصدقة والتعفف عن المسألة: (اليد العليا خير من اليد السفلى، واليد العليا هي المنفقة، والسفلى هي السائلة). والذي يسأل الناس ويستكثر من مالهم قال عنه ﷺ : (من سأل الناس تكثراً فإنما يسأل جمراً؛ فليستقل أو ليستكثر). وقوله: (فليستقل أو ليستكثر)، يعني الذي يطلب قليلاً فهو من النار جمر، أو يطلب كثيراً فهو جمر من النار. وعند الترمذي عن سمرة ﵁ قال النبي ﷺ : (إن المسألة كد يكد بها الرجل وجهه، إلا أن يسأل الرجل سلطاناً أو في أمر لابد منه) والكد: المكدة وهي الحديدة التي يحفر بها الإنسان في خشب ونحوه، فكأنه يوم القيامة يسقط لحم وجهه من سؤاله في الدنيا، فتأتي المسألة عليه يوم القيامة كخدوش وشقوق في وجهه بسبب عدم حيائه من الله في الدنيا وسؤاله الناس إلحافاً. لكن يستثنى (أن يسأل الرجل سلطاناً) يعني يسأل الحاكم، كأن يريد الحق الذي له في بيت المال ونحو ذلك إن كان محتاجاً. (أو في أمر لابد منه)، كأن نزلت به كارثة أو مصيبة فيسأل الناس بسبب المصيبة التي نزلت به، فهذا معذور، ولكن الذي يسأل أموال الناس يستكثر منها فهو داخل في هذا الحديث. وعند أبي داود والترمذي عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : (من أصابته فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته، ومن أنزلها بالله فيوشك الله له برزق عاجل أو آجل). أي: أن الذي نزلت به مصيبة أو فاقة فأنزلها بالناس، وطلب الناس على وجه الطمع، فيأخذ من هذا ومن هذا، ولا يكتفي، ويجمع أكثر مما يأكل فالله لا يسد فاقته، لأنه اتجه إلى الناس فوكله الله إليهم. ثم قال: (ومن أنزلها بالله)، يعني: تضرع إلى الله وسأل الله وأخذ بأسباب الرزق: (يوشك الله له برزق عاجل أو آجل)، أي: أن الله يعطيه رزقاً عاجلاً. وجاء في حديث آخر: (أو موت عاجل)، فإما أن يرزقه ما يكفيه أو يأخذه فيعطيه جنته، ويكون من أهل المصائب الذي يكرمهم الله ﵎ عنده. وعن ثوبان عند أبي داود أيضاً قال النبي ﷺ : (من يتكفل لي أن لا يسأل الناس شيئاً وأتكفل له بالجنة، فقلت: أنا، فكان لا يسأل أحداً شيئاً). فالجنة مقابل عدم سؤال الناس، وفي هذا تعليم النبي ﷺ للمسلمين التعفف وألا يطلبوا الناس شيئاً، فكل ما يقدر الإنسان أن يفعله بنفسه فليفعله؛ حتى لا يتعود الخدمة من الناس.

стр. 417

من تحل لهم المسألة عن أبي بشر قبيصة بن المخارق ﵁ قال: (تحملت حمالة فأتيت رسول الله ﷺ أسأله فيها، فقال: أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها). كأن قبيصة أصلح بين ناس، وكان من ضمن الإصلاح أموال تحملها وأداها من أجل أن يصلح بين الناس، فذهب إلى أهل الفضل ليساعدوه فيما تحمل، فذهب إلى النبي ﷺ . ثم قال له النبي ﷺ : (يا قبيصة إن المسألة لا تحل لأحد إلا لثلاثة)، فعمله النبي ﷺ أن الحالة الذي هو فيها من الحالات التي تحل فيها المسألة، فمن هذه الحالات: (رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك). كأن يصلح بين الناس فصار هو الغارم بعدما كانوا هم الغارمين، فجاز له أن يسأل أهل الفضل أن يعينوه في ذلك؛ وبعد أن يأخذ منهم ما يسد غرامته لا يجوز له أن يسأل. قال: (ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش أو سداداً من عيش). وهذا هو الثاني، وهو من أصابته جائحة بعد أن كان غنياً واجتاحت ماله مصيبة، فأصبح لا شيء عنده، فاحتاج إلى من يعينه، فسأل الناس أن يعينوه فأعانوه إلى أن صلح حاله، فلا يسأل بعد ذلك. قال: (ورجل أصابته فاقة -أي: فقر- حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجا من قومه: لقد أصابت فلاناً فاقة فحلت له المسألة). وهذا الثالث، وهو من أصابته فاقة، وكأنه كان غنياً؛ لأن الفقير لا يحتاج أن يشهد له أحد، فهو معروف أنه فقير، ولكن هذا كان غنياً وبين يوم وليلة افتقر وسأل الناس، فشك الناس فيه، فأتى بثلاثة من ذوي الحجا يقولون: لقد أصابت فلاناً فاقة، فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش أو سداداً من عيش. قال: (فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحت يأكلها صاحبها سحتاً)، فسؤال الناس أموالهم تكثراً من السحت الذي يأكله الإنسان سحتاً.

стр. 418

من هو المسكين آخر حديث في هذا الباب حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ : (ليس المسكين الذي يطوف على الناس ترده اللقمة واللقمتان)، وإن كان هذا مسكيناً لكن ليس هو المسكين المطلوب؛ لأنه لا يستحي أن يمد يديه إلى الناس، فيسأل هذا وهذا. قال: (ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له فيتصدق عليه، ولا يقوم فيسأل الناس). فمن لا يقدر أن يعمل، ولا يعرف أحد أنه فقير مسكين محتاج فهو الذي يبحث عن مثله حتى يعطى من الصدقة، وهذا له فضل عند الله لتعففه، فعلى الإنسان أن يبحث عن مثله ويعطيه. نسأل الله أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 419

شرح رياض الصالحين - جواز الأخذ من غير مسألة ولا تطلع إليه والأكل من عمل يده الإسلام يدعو المسلم إلى العمل والحركة، ويزجره عن الكسل والخمول، ولذا جاءت النصوص الكثيرة في الزجر عن سؤال الناس، والحث على الكسب الحلال والتصدق منه والجود، فاليد العليا خير من اليد السفلى.

стр. 420

جواز الأخذ من غير مسألة ولا تطلع إليه

стр. 421

ما جاء في جواز الأخذ من غير مسألة والأكل من عمل اليد الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الإمام النووي ﵀: [باب جواز الأخذ من غير مسألة ولا تطلع إليه. عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه عبد الله بن عمر عن عمر ﵃ قال: (كان رسول الله ﷺ يعطيني العطاء فأقول: أعطه من هو أفقر إليه مني، فقال: خذ، إذا جاءك من هذا المال شيء وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه فتموله، فإن شئت كله وإن شئت تصدق به، وما لا فلا تتبعه نفسك. قال سالم: فكان عبد الله لا يسأل أحداً شيئاً ولا يرد شيئاً أعطيه) متفق عليه. باب الحث على الأكل من عمل يده والتعفف به عن السؤال والتعرض للإعطاء. قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:١٠]. وعن الزبير بن العوام ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لأن يأخذ أحدكم أحبله ثم يأتي الجبل فيأتي بحزمة من حطب على ظهره فيبيعها فيكف الله بها وجهه خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه) رواه البخاري]. يذكر الإمام النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين باب جواز الأخذ من غير مسألة ولا تطلع إليه، وباب الحث على الأكل من عمل يده.

стр. 422

شرح حديث: (إذا جاءك من هذا المال شيء وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه) عن عمر يرويه عنه عبد الله بن عمر ابنه، ويرويه عن عبد الله ابنه سالم بن عبد الله بن عمر رضي الله ﵎ عن الجميع. يقول عمر: (كان رسول الله ﷺ يعطيني العطاء فأقول: أعطه من هو أفقر إليه مني)، يعطيه من الأموال التي تأتي النبي ﷺ من مغانم الفيء ونحو ذلك، فكان يقسمها على ما أمر الله ﵎ به في الغنائم، قال الله سبحانه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ﴾ [الأنفال:٤١] الآية. فذكر أن الخمس يصرف في هذه المصارف، والأربعة الأخماس تكون للغانمين المجاهدين في سبيل الله ﵎، وإذا كان المال فيئاً فقال الله سبحانه: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الحشر:٧]. فكان النبي ﷺ يقسم هذا المال بحسب ما أمر الله سبحانه ﵎ به، فكان يقسم على المؤمنين بحسب ما أعطاه الله سبحانه، قد يعطي الجميع، وقد يعطي الأكثر، وقد يعطي البعض بحسب المال. قال عمر ﵁: (كان رسول الله ﷺ يعطيني العطاء)، كأنه تكرر هذا الشيء من النبي ﷺ أن يعطيه، (فأقول: أعطه من هو أفقر إليه مني) يعني يوجد من هو أفقر مني، وأحوج مني لهذا المال. فلما تكرر هذا من عمر ﵁ علمه النبي ﷺ فقال: (خذه، إذا جاءك من هذا المال شيء وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه). المشرف: أن يتطلع إليه يريده، والسائل: الطالب، فالمشرف أن يكون في نفسه يريد أن يأخذ هذا المال ولكن لا يسأل، وقد يريد الإنسان ويطلب ويسأل، وعمر لا هذا ولا هذا، لا سأل النبي ﷺ ولا استشرفت نفسه هذا المال. فقال له النبي ﷺ : (إذا جاءك من هذا المال شيء وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه فتموله)، العطاء هو الذي يعطاه الإنسان، وقد كان النبي ﷺ يعطي، ومن بعده الخلفاء الراشدون كانوا يعطون الأموال من المغانم والفيء وغير ذلك أعطيات. وكان عمر رضي الله ﵎ عنه في عهده يعطي الناس على حسب تقدمهم في الإسلام وتقدمهم في الهجرة وقربهم من النبي ﷺ وغير ذلك، فجعل كل سنة مرتباً لكل إنسان منهم حتى عم الخير بفضل الله على الجميع. فتعلم عمر من النبي ﷺ أنه إذا جاءك من هذا المال شيء فاقبله طالما أنك لم تسأله ولم تستشرف له، فخذ ما آتاك الله من بيت المال، وقد أعطى النبي ﷺ لـ عمر من مال الغنائم ومن مال الفيء ونحو ذلك. قال: (فخذه فتموله) أي: اتخذه مالاً وانتفع به. (فإن شئت كله وإن شئت تصدق به) فالنبي ﷺ أعطى عمر ولا يرد عطاء النبي ﷺ ، وكذلك ما أعطاك الخلفاء من بيت المال فخذه وتموله إن احتجت إليه، وإن لم تحتج إليه فاقبله وأعطه للفقراء، فيجري الله على يدك الخير، ولا تمتنع من هذا المال طالما أنك لم تسأله، ولكن إما أن تنتفع به إذا كنت محتاجاً أو تعطيه لغيرك. وهذا أدب عظيم علمه النبي ﷺ لـ عمر ولغيره، المال الذي من بيت المال حق المسلمين، ما أتى من أجل أن يدخر في بيت المال، ويمكث عند النبي ﷺ أو عند الخلفاء من بعده، بل يوزع هذا المال بحسب ما يريه الله ﵎. ولو أنه أعطى هذا المال لـ عمر وقال عمر: لا أريد، فغيره من الناس أيضاً سيقولون: لا نريد، وعمر ما هو مستشرف ولا متطلع ولا سائل، ولكن غيره قد يكون مستشرفاً لهذا المال. وعمر أخلص في رفضه لله سبحانه، ولعل غيره لا يخلص في رفضه لهذا الشيء، وسيفتح على الناس باب شر، فيقول أحدهم: لا أريد؛ حياءً من الناس، وهو يريده ومحتاج إليه، فيأتي من الباب الخلفي، وإذا لم يكن عنده دين يسرق من أموال الناس، فأغلق النبي ﷺ هذا الباب، فإذا رأيت أنك محتاج فأعطيتك فخذ، فإن كنت غير محتاج فأعطه لمن ترى أنت، ولكن اقبل المال بحيث أن غيرك لا يستحي أن يأخذ حقه من بيت المال. فتعلم عمر ﵁ هذا، فأخذ هذا المال، وكان يعطي من هذا المال بعد ذلك لأصحاب النبي ﷺ لما تولى الخلافة، وقسم الناس حسب مراتبهم في الإسلام ومراتبهم في الهجرة ومراتبهم من النبي ﷺ . وكان حكيم بن حزام يرفض أن يأخذ المال منه، فكان يشهد عليه الناس ويذكر ما حدث بينه وبين النبي ﷺ في هذا الأثر، ويقول: اشهدوا أن حكيماً لا يريد أن يأخذ المال الذي هو حقه من بيت مال المسلمين. وفي رواية لهذا الحديث أن النبي ﷺ قال: (فإن شئت كله وإن شئت تصدق به، وما لا فلا تتبعه نفسك)، أي: إذا لم تأخذ لحاجة فلا تطمع في شيء، فإذا آتاك الله المال فخذ ما آتاك الله سبحانه. قال سالم بن عبد الله: فكان عبد الله لا يسأل أحداً شيئاً. انتفع عبد الله بن عمر بما سمع من أبيه رضي الله عن الجميع، قال: (فكان لا يسأل أحداً شيئاً، ولا يرد شيئاً أعطيه) يعني: ما كان يطلب من الخلفاء شيئاً ولو طلب لأعطوه، فقد كان عبد الله بن عمر محبوباً رضي الله ﵎ عنه. ولكنه ما كان يطلب من أحد شيئاً، فإذا أعطاه الخلفاء أو أعطاه أحد على وجه الهدية قبل ذلك، لكن هو لا يطلب، والسبب ما سمعه من حديث النبي ﷺ ذلك، فهو يأخذ المال فينتفع به إما لنفسه وإما أن يتصدق به أو يعطي الناس على وجه الهدية ونحوها.

стр. 423

الحث على الأكل من عمل اليد

стр. 424

الأمر بالانتشار للعمل بعد الصلاة ذكر المؤلف باب الحث على الأكل من عمل يده، والتعفف به عن السؤال والتعرض للإعطاء. والمسلم يعمل ويتكسب ويعلم أن أشرف المكاسب ما تعب فيه وكد وكدح، وجاءه المكسب ولو كان قليلاً، ولكنه يفرح بهذا الشيء، فله أجره عند الله؛ لأنه يتعفف ولا يسأل أحداً من الناس، ولأنه يقوت أهله وعياله، ولو ترك ذلك لأثم، وكفى بالمرء إثماً أن يضيع من يعول، فإذا كان الإنسان يكتسب حتى لا يقع في هذا الإثم فهو مأجور عند الله . جاء في القرآن في سورة الجمعة قول الله : ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:١٠]. يوم الجمعة يوم عيد، فإذا صليت الجمعة وأديت ما عليك، فاذهب وابتغ من فضل الله بالعمل، أو بالصناعة أو بالتجارة، ما طلب منك ربنا أنك تقعد يوم الجمعة في البيت، وأن تستريح في الجمعة أو في غيرها، ولكن الله أمرك أن تكتسب، فابتغ من فضل الله سبحانه، وإذا أديت الفرض فأنت حر في أن تستريح أو تعمل، ولكن لا تمد يدك للناس وأنت قادر على أن تعمل وتتكسب.

стр. 425

شرح حديث: (لأن يأخذ أحدكم أحبله ثم يأتي الجبل فيحتطب) قال النبي ﷺ : (لأن يأخذ أحدكم أحبله ثم يأتي الجبل فيأتي بحزمة من حطب على ظهره فيبيعها؛ فيكف بها وجهه خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه). الصحابة ما كانوا حطابين، ومهنة جمع الحطب من أقل المهن، ولكن مهما كانت فهي أفضل من أن يسأل الإنسان غيره، فالصحابة منهم التجار ومنهم الزراع، وأهل المدينة كانوا متعودين على الزراعة، والمهاجرون كانوا متعودين على التجارة، ولكن لا يقعد الإنسان من غير عمل. النبي ﷺ يعلم المسلم ألا يسأل أحداً شيئاً، فيقول: خذ حبلاً على كتفك واذهب إلى الجبل فاحتطب من هناك، ثم بع هذا الحطب للناس، فتنتفع بهذا الشيء فتتكسب وتؤجر على ذلك. قال ﷺ : (فيبيعها فيكف بها وجهه)، سيبيع ويكسب ويكف الله وجهه بذلك ويكتفي ولا يسأل أحداً شيئاً، فهذا خير له وأفضل له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه. سؤال الناس فيه ذل، حتى لو أعطوك فتوجد منة من الذي أعطاك، فالأفضل أن لا يسأل أحداً. قال هنا: (خير له)، السؤال لا خير فيه إلا للمحتاج أو المضطر، أما غير ذلك فسؤال الناس لا خير فيه. فالخير للإنسان أن يكتسب بنفسه ويتعب نفسه، فعلينا أن نكسب المال الحلال من وجهه، ما ننتظر المال الحرام، وما ننتظر أن ينزل الله علينا رزقاً من السماء، ولكن نبحث عن ذلك ونمشي في الأرض وننتشر فيها ونأكل من رزق الله ونبحث عن فضل الله سبحانه. والإنسان لا يستكبر عن عمل مهما كان هذا العمل، وكثير من الشباب يبحثون عن أعمال وإذا وجد عملاً قال: هذا العمل لا يناسبني! جلوسك في البيت أذل لك من عمل لا يناسبك، ابحث عن العمل الحلال ولو كان من أقل الأعمال، طالما أنك تكف به نفسك عن سؤال الناس، فهذا خير لك وأفضل لك، حتى ولو كانت الأجرة فيه قليلة، ولو علم الله في قلبك الخير لأعطاك الكثير بعد ذلك لصبرك وتعففك عن سؤال الناس، فيجب على الإنسان المسلم أن يبحث عن الرزق الحلال من وجهه، ولا يقعد في البيت ينتظر من يصرف عليه، ولا يقعد في البيت وينتظر إنساناً يعطيه مالاً يقرضه، وليس عنده ما يسدد به هذا القرض! جاء شابان إلى النبي ﷺ يسألانه فنظر إليهما، فوجدهما شابين جلدين، فقال: (إن شئتما أعطيتكما، واعلما أنه لا حظ في هذا المال لغني ولا لذي مرة سوي). يعني: سأعطيكما من هذا المال إذا كنتما محتاجين أو مضطرين، لكن: (لا حظ في هذا المال لغني). وقد يقولان: نحن فقراء ما عندنا فقال: (ولا لذي مرة سوي)، فالشاب القوي الذي فيه جلد وفيه قوة لا حظ له في مال الصدقة ولا حظ له في مال الزكاة. فلا تأخذ مالاً لا تستحقه، واسع في طلب الرزق واعمل، وبفضل الله يرزقك سبحانه: ﴿إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ﴾ [الأنفال:٧٠]. وعن أبي هريرة ﵁ هنا قال: قال رسول الله ﷺ : (لأن يحتطب أحدكم حزمة على ظهره)، لن يأخذ معه حماراً ولا حصاناً يحمله عليه، بل سيحمله على ظهره (خير له من أن يسأل أحداً فيعطيه أو يمنعه). فالأفضل للإنسان أن يتعب في طلب الرزق، وهذا أفضل من أن تمد يدك لإنسان فيقول لك: ما عندي، فاذهب واعمل فأنت قوي تقدر على أن تعمل، ولا تمد يدك إلى أحد من الخلق، ومد يدك إلى الله الذي يرزق سبحانه.
следующие страницы →