← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 36997

شرح رياض الصالحين - حطيبة

أحمد حطيبة

Полный текст (1 057 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

حسن الخلق من كمال الإيمان عن أبي هريرة ﵁ أيضاً قال: قال رسول الله ﷺ : (أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، وخياركم خياركم لنسائهم). فقوله: (أكمل المؤمنين إيماناً) أي: أن المؤمن يتقي الله سبحانه، ويعمل الأعمال الصالحة، فهو يبتغي الكمال في الإيمان، فهو يحلي إيمانه وعمله بحسن الخلق، فيصير إيمانه كاملاً، بل أكمل المؤمنين إيماناً هذا الذي هو على حسن الخلق، وأكمل الخلق إيماناً هو نبينا صلوات الله وسلامه عليه الذي مدحه ربه فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤]. وقال ﷺ : (وخياركم خياركم لنسائهم) وهذا فيه حث للرجال على أن يحسنوا إلى زوجاتهم، فقد يتخلق الإنسان بحسن الخلق مع الإنسان الغريب، ولكن مع أهله يكون فظيعاً، يكون ذا لسان يقع في المرأة ويشتمها، ويشتم أباها. فالإنسان يكون على حسن الخلق في كل أحواله، كذلك مع أهل بيته، وهم أحق أن يتحلى الإنسان بحسن الخلق معهم، ومع غيرهم، فالذي يكون حسن الخلق له سجية وطبيعة يتعامل مع زوجته، ومع أولاده، ومع جاره، ومع الغريب ومع كل الناس بحسن الخلق، فأحسن الناس خلقاً من اتقى الله ، وحسن خلقه مع الناس، ومع أهله خاصة، قال رسول الله ﷺ : (خياركم خياركم لنسائكم). وكذلك المرأة تكون مع زوجها حسنة الأخلاق، لا ترفع صوتها على زوجها، ولا تخونه، ولا تخبئ عنه مالها، ولا تغدر به، وتفعل في غيابه خلاف ما تقوله أمامه. فلابد أن تكون المرأة مع زوجها أمينة، فهي مؤتمنة على مال زوجها، مؤتمنة على عيالها، لا تأخذ من ورائه مالاً وتنكر أنها أخذت مالاً. فالرجل يتعامل مع امرأته بحسن الخلق، وتكون المرأة مع زوجها كذلك؛ لأنهما يتعاملان مع الله . والتعامل مع الله سبحانه أن يخاف من العقوبة يوم القيامة، وأنه سيسأله لماذا فعلت هذا الشيء، فيخاف أن يقع فيما يحرمه الله سبحانه.

стр. 562

إدراك المؤمن درجة الصائم القائم بحسن خلقه عن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم). أي: أن هناك أبواباً في الجنة: باباً للصائمين، وباباً للمصلين، وهكذا، فيأتي الإنسان يوم القيامة، فإن كان من أهل الصيام دخل من باب الصيام واسمه: باب الريان، وإن كان من أهل الصلاة دخل من باب الصلاة، وإن كان من أهل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دخل من بابها. فالإنسان المؤمن الحسن خلقه قد لا يكون مكثراً من صيام النافلة، ولا من صلاة النافلة، ولكنه حسن الخلق، فهذا قد يدرك أن يدخل الجنة مع هؤلاء الذي أكثروا من صيام النافلة، ومن صلاة النافلة، ولم يكونوا على هذه الدرجة من حسن الخلق.

стр. 563

ضمان النبي ﷺ ببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه ومن الأحاديث الواردة في حسن الخلق: حديث رواه أبو داود عن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاً، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحاً، وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه). والزعيم: الضمين، أو الضامن، أو الكفيل، أو الكافل، أي: وضامن لكم، وهو الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه، يضمن لكم ذلك، لكن افعلوا ما شرطه عليكم. وقوله ﷺ (ببيت في ربض الجنة) الربض: الحوش الذي خارج البيت، والجنة لا يوجد أحد يكون خارجها، بل كلهم داخل الجنة، وكأنه يقصد هنا أسفل الجنة، والجنة درجات بعضها فوق بعض، والنار دركات بعضها تحت بعض. فربض الجنة هنا أدنى منزلة في الجنة، ويعلوها أوسط الجنة، وأعلاها أعلى الجنة، فالنبي ﷺ وعد أنه زعيم، وأنه ضمين وكفيل ببيت في أدنى الجنة. قال: (لمن ترك المراء) أي: الجدل، فالإنسان الذي يجادل بحق أو بباطل، ينهاه النبي ﷺ عن ذلك؛ لأن المراء لا يأتي بخير، والإنسان حين يجادل في مسألة علمية إما أن يجادل أهل العلم، أو يجادل الناس ليظهر أنه أفضل منهم، فمن كان يجادل الناس، ويماري السفهاء بالعلم، مصيره النار والعياذ بالله، والإنسان الذي يماري العلماء ليظهر قدر نفسه، وليرى الناس أنه أعلى منهم، وأفضل منهم، مصيره النار والعياذ بالله. وأما الذي يجادل ليحق الحق، ويجادل أهل الباطل ليعلمهم الحق، ويرد عليهم ما يقولون، فهذا يستحق الثواب. فالأصل أن الإنسان لا يجادل المؤمن؛ لأنه لا يتعلم العلم بالجدل، وإنما يتعلم العلم بالتحصيل، ويتعلم العلم بالحفظ، وبالإتقان والممارسة؛ لأن الجدل يضيع الوقت، فيظل الإنسان يجادل حتى يضيع عليه وقت طويل، ولعله لا يعرف غير هذا الذي جادل فيه ولعله لا يتقنه، فالنبي ﷺ يأمره أن يوفر على نفسه وقته، وأن يترك الجدل، فهو زعيم له ببيت في أسفل الجنة إن ترك الجدل. والنبي ﷺ قال: (لمن ترك المراء وإن كان محقاً)، فكيف إن كان على باطل؟! (وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب) أي: لا يكذب ولو مازحاً، فهذا الذي يمزح فيقول كلاماً كذبا، يقول له النبي ﷺ : أنا كفيل لك إن تركت الكذب جاداً أو مازحاً ببيت في وسط الجنة لا تكذب إلا فيما يجوز: في إصلاح بين الناس، وفي كلام الرجل مع امرأته، وفي كذب إنسان في الحرب، فالحرب خدعة، لكن غير ذلك لا يجوز الكذب فيه، فيترك الكذب مازحاً أو جاداً. قال: (وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه). فبحسن الخلق ينال أعلى الدرجات. فالإنسان الذي حسن خلقه حين يمر على الصراط فإن حسن خلقه يدفعه سريعاً حتى يتجاوزه، ويدخل الجنة، ويأتي على أبواب الجنة، ويسابق أهل الصيام، وأهل الصلاة وأهل الطاعات بحسن خلقه. هذا الإنسان الذي حسن خلقه، إذا دخل الجنة، صعد إلى أعلى الجنة بحسن خلقه، وإذا كان في أعلى الجنة كان قريباً من النبي ﷺ بحسن خلقه، وأقرب الناس من النبي ﷺ أحاسنهم أخلاقاً، فانظر إلى حسن الخلق كيف جمع الخير كله في الدنيا والآخرة، نسأل الله أن يحسن أخلاقنا.

стр. 564

حسن الخلق يقرب من النبي ﷺ ومن محبته يوم القيامة ومن الأحاديث الواردة في حسن الخلق: حديث رواه الترمذي عن جابر بن عبد الله ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: (إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا، وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني يوم القيامة: الثرثارون والمتشدقون، والمتفيهقون، قالوا: يا رسول الله! قد علمنا الثرثارون والمتشدقون فما المتفيهقون؟ قال: المتكبرون). الحديث فيه أن النبي ﷺ يخبر عمن هو أحب الناس إليه يوم القيامة، وأقربهم منه صلوات الله وسلامه عليه في المجلس. إذاً: هناك درجة عالية جداً في الجنة، وقريبة من النبي صلوات الله وسلامه عليه: (إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا).

стр. 565

سوء الخلق يباعد عن النبي ﷺ وعن محبته يوم القيامة والعكس تماماً: أن أبغض الناس للنبي ﷺ حتى وإن دخلوا الجنة بعد ذلك، لكن أبغضهم إليه في الدنيا، فالجنة ليس فيها بغضاء، ولكن في الدنيا، يبغضه النبي ﷺ ، فإذا كانوا في الجنة نقاهم الله من ذنوبهم، وكانوا بعيدين عن النبي ﷺ . قال: إن أبغضكم إلي، وأبعدكم مني يوم القيامة: الثرثارون: وهو الذي يتكلم كثيراً، رجلاً كان أو امرأة. (والمتشدقون) المتشدق: الإنسان الذي يتطاول على الناس بكلامه، يزعم أنه فصيح وأنه بليغ، وأنه يعرف ما لا يعرفه غيره، ويتكلم بما لا يتكلم به غيره، فهو يريد أن يتفاصح على الناس، ويريهم أنه أحسن منهم، هذا المتفاصح هو المتشدق، أي: الذي يملأ شدقيه بالكلام. (والمتفيهقون): أصله من الفهق، وهو الامتلاء وكأن هذا الإنسان يملأ فمه بالكلام وليس في عقله شيء من الفهم، ليس لديه إلا كلام يقوله فقط. وفرق بين متفيهق ومتفقه، فالمتفقه: هو العالم الذي صار الفقه له سجية، فالإنسان المتفقه يطلب العلم الشرعي، فهو متفقه، في دينه، والمتفيقه: صغير في طلب العلم، وقد يكبر يوماً من الأيام ويصل إلى درجة فقيه. والمتفيهق: الذي يقول الكلمة دون أن يفهم معناها وقلبه فارغ، وعقله فارغ، وليس فيه إلا لسان يتكلم به، فيفتي في دين الله وهو لا يفهم فيه شيئا، وما أكثر من يتعاطى الفتوى في كتاب الله، وفي سنة رسول الله ﷺ ، وهو لا يفهم شيئاً من ذلك. فقال: إن هؤلاء أبعد الناس مجلساً عن النبي ﷺ يوم القيامة، وهم: الثرثارون، والمتشدقون، والمتفيهقون. (قالوا: فما المتفيهقون؟ قال: المتكبرون) أي: يستكبر بشيء ليس عنده، وهو ليس من أهل العلم، فيجعل نفسه من أهل العلم، فهو المتفيهق، الذي يملأ فمه بالكلام، قال الله، وقال الرسول ﵊، وهو لا يفهم ما يقول، ولا يصح الذي يقوله. فالمتفيهق المستكبر في العلم بما لم يحصله، هذا من أبعد الناس عن النبي ﷺ يوم القيامة. انظروا إلى حسن الخلق كيف كسب به الإنسان في الدنيا رضا الله سبحانه، ورضا الناس عنه، فلما كان يوم القيامة أدخله الله جنته، وجعله من أقرب الناس من النبي ﷺ . نسأل الله أن يجعلنا كذلك، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 566

شرح رياض الصالحين - الحلم والأناة والرفق [١] أمرت الشريعة بالرفق والحلم والأناة ورغبت فيها، وحثت على التخلق بها، وقد حث الله ورسوله ﷺ على التخلق بهذه الأخلاق العظيمة، وبين ﷺ محبة الله للمتصفين بها.

стр. 567

فضل الحلم والأناة والرفق الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. أما بعد: قال الإمام النووي ﵀: [باب: الحلم والأناة والرفق. قال الله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٤]. وقال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:١٩٩]. وقال تعالى: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت:٣٤ - ٣٥]. وقال تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [الشورى:٤٣]. وروى مسلم عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ لـ أشج عبد القيس: (إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة). وفي الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله). هذا باب من كتاب رياض الصالحين، يذكر فيه الإمام النووي ﵀: الحلم والأناة والرفق.

стр. 568

معنى قوله: (والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس) والحلم خلق من الأخلاق التي يجعلها الله في قلب من يشاء من خلقه، وهو خلق عظيم من الأخلاق الكريمة التي يحبها الله سبحانه، وهو صفة من صفات رب العالمين، فهو الحليم سبحانه، وقد اجتمع له الكمال والجلال والجمال فيه. وقد أمر عباده أن يتصفوا بهذه الصفة ويتخلقوا بها، فجاء في القرآن قول الله مادحاً المؤمنين الذين هم على هذه الصفات بأنه يحبهم، قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣ - ١٣٤]. أي: سارعوا إلى الجنة، التي يدخلها من اتصف بهذه الصفات العظيمة، فهذه الجنات أعدت للمتقين، وهم الذين ينفقون. فأهل التقوى يتقون غضب الله، ويتقون عذابه بالإنفاق، فهم مخلصون مؤمنون، فيتصدقون وينفقون، وقد قال النبي ﷺ : (إن صدقة السر تطفئ غضب الرب). فمن صفات هؤلاء المتقين: أنهم يدرءون عن أنفسهم ويتقون غضب الله بأخلاقهم الحسنة، وبإنفاقهم في سبيل الله سبحانه. وقد بدأ سبحانه بصفة البذل، فقال: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ﴾ [آل عمران:١٣٤]، وليس في وقت الرخاء فقط، ولكن في السراء والضراء، فيجازيهم ربنا سبحانه ويعطيهم، فيسرهم بذلك، فيفرحون. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٣٤]، وكظم الغيظ هي: صفة الحلم، فهم أهل حلم، والحلم يأتي من علم الإنسان بربه سبحانه، ومن علمه بنفسه وبمن يحلم عنه. فهم كاظمون للغيظ، وكظم غيظه: كتم غيظه على غيظ، أي: وهو مغتاظ، فهو إنسان عنده إحساس وشعور، فيحدث في قلبه غيظ وشيء من الاندفاع، ولكنه سرعان ما يطفئه ويكظمه، ويداري ذلك بحلمه وأدبه. فهم كاظمون لغيظهم، وهم عافون عن الناس. قال تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٤]. وأما معنى الحلم فقالوا: حد الحلم: ضبط النفس عن هيجان الغضب. فالإنسان بداخله شهوة الغضب وشهوة الانتقام، وكل إنسان بداخله ذلك، والذي لا يغضب ليس إنساناً، فلا يوجد إنسان لا يغضب. وقد جاء في حديث النبي ﷺ أنه قال: (لا تغضب). وكيف لا يغضب الإنسان؟ وقد كان هو نفسه ﷺ يغضب؟ فمعنى الحديث: لا تتعاط أسباب الغضب، ولا تضع لنفسك في المواطن التي بسببها تغضب لنفسك، وتتهور على خصمك، وليكن غضبك لله . وقد كان النبي ﷺ يغضب لله سبحانه، وكان ينتقم ويقيم الحد غضباً لله سبحانه وليس لنفسه. وأما في نفسه فكان يعفو ويصفح، صلوات الله وسلامه عليه. قال سبحانه: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٣٤]. وقد يكظم الإنسان غيظه في داخله، ولكنه ينتظر أن ينتقم من خصمه، وقد لا ينتقم ويسكت، ولكنه ينتظر الشماتة فيه، فربنا أعقب ذلك بصفة أخرى، وهي العفو، فإذا كظمت غيظك فأكمل ذلك بالعفو عمن ظلمك. قال تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٣٤]. فإذا فعلت ذلك فأنت من المحسنين، فقد أحسنت إلى غيرك، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٤]. إذاً: فهم المتقون، وهم المحسنون، وهم المحبوبون لرب العالمين سبحانه. فليتذكر الإنسان ذلك، وكل إنسان يحب أن يكون محبوباً لرب العالمين سبحانه، والله يحب المحسنين، فلنحسن، ولننفق في السراء والضراء، ولنكتم غيظنا وغضبنا، ولنعف عن الناس، فالله عفو يحب العفو.

стр. 569

معنى قوله: (خذ العفو وأمر بالعرف) قال : ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:١٩٩]. وقد أدب الله النبي ﷺ بهذه الآية العظيمة، وأمره أن يأخذ بالعفو، فكأنه يقول له: ليكن خلقك العفو عن الناس، وليكن هذا دأبك وخلقك، بأن تعفو عمن ظلمك. فقال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ [الأعراف:١٩٩]، يعني: خذ بأسباب العفو، وليكن ذلك خلقاً لك مع الناس. وإذا أمرت فأمر بالمعروف، وبشرع الله سبحانه، ولا تأمر بالهوى، وحاشا له ﷺ أن يفعل ذلك، ولكن هذا من باب: إياك أعني واسمعي يا جارة. فقد كان قلبه ممتلئاً حلماً وإيماناً، ولكنه هنا يأمره بما يتخلق المؤمنون بمثله، فقال له ذلك، والمقصود: اسمعوا أيها المؤمنون فقد قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾ [الأحزاب:٢١]. قال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ [الأعراف:١٩٩]، أي: بالمعروف وبشرع الله سبحانه. قال تعالى: ﴿َأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:١٩٩]. والناس أصناف، والله يأمر النبي ﷺ بالتعامل مع كل صنف بما يصلح له، فقال له: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ [الأعراف:١٩٩]، أي: فليكن من خلقك العفو، وكم سيبدر من الناس معك من أخلاق تضايقك، حتى تكتمل الرسالة، وتؤدي للناس ما أمرك الله بتبليغه، ولذلك فأمر الناس بالعرف، وإذا عفوت عن الناس فليس المقصود مجرد كظم الغيظ فقط، ولكن اعف عنهم. قال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ أي: وأمر الناس كلهم بشرع الله . أما أهل الجهل والسخط والبعد عن شرع الله سبحانه فلا تقابلهم بصنيعهم، وإذا تعرض لك إنسان من هؤلاء الجهلة الذين يتعرضون لك فأعرض عنه، قال تعالى: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:١٩٩]. فلا يستحق الجاهل أن تضيع وقتك معه، وأن تنفق جهدك من أجله، ولكن لعله يتعلم من أخلاقك إن صفحت وأعرضت عنه.

стр. 570

معنى قوله: (ادفع بالتي هي أحسن) قال الله : ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت:٣٤]. أي: لا تستوي الفعلة الحسنة مع الفعلة السيئة. ولا يستوي الإحسان مع الإساءة. ولا يستوي أن يعطيك الله حسنات مع أن يكتب عليك سيئات. فإذا كنت تريد أن تكون من أهل الجنة فاعمل بالحسنى، وخذ الحسنات؛ لأنه لا تستوي الحسنة مع السيئة. قال تعالى: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت:٣٤] ولم يقل: ادفع بالحسنة، وإنما قال: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت:٣٤]؛ لأن الأفعال منها حسن، ومنها ما هو أحسن من الحسن، فإذا أساء إليك إنسان فأحسن إليه، وليس أي إحسان، وإنما أحسن بأفضل الإحسان إليه؛ لعل الله أن يبدل أعماله من سيئات إلى حسنات. وكم يستحيي الإنسان من غيره في مثل هذا الصنيع إذا أحسن إليه، ولذلك قال ربنا بعد ذلك: ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت:٣٤]، فإذا كان إنساناً طيباً وفيه عقل فإنه يؤثر عليه أو يأسره بحسن خلقه الذي يتعامل معه به. وكل إنسان قد يبدر منه شيء، والتهور ليس دليلاً على أن هذا الإنسان سيئ، فقد يكون الإنسان جيداً، ولكن يبدر منه شيء من الإساءة ومن التهور، ولو أن كل إنسان قابلت تهوره بتهور مثله فأين الفضل الذي لك عليه؟ وأنت قد تعرف هذا الإنسان، ولعله يرجع، فربنا ﵎ يقول لك: تعامل مع هذا الإنسان بالحسنى، وأحسن إليه تأسره بإحسانك له. فعلمنا كيف نتعامل مع الإنس ومع الجن: أما مع الجن فقال تعالى: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل:٩٨]، لأنك ليس لك حيلة مع الشيطان إلا أن تتعوذ بالله منه، والله هو الذي يحميك ويعصمك منه فقل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. أو: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه. وأما شياطين الإنسان فقال تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت:٣٤] وذلك مرة بعد الأخرى، فلعل هذا الإنسان يستحيي ويصبح مؤدباً يوماً من الأيام. قال تعالى: ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت:٣٤]، وهذا فضل الإحسان. أحسن إلى الناس تستجلب مودتهم فطالما استعبد الإحسان إنساناً فإنك تستعبد الإنسان بإحسانك إليه. وبإحسانك إليه مرة بعد مرة يصبح في النهاية كأنه ولي، أي: موال ومناصر لك بعدما كان معادياً لك، كما قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت:٣٤]. قال سبحانه: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ [فصلت:٣٥]، أي: وما يلقى الدرجة العالية، وهي درجة الإحسان، أو ما يلقى هذا الخلق العظيم من الله ويصبر عليه إلا أهل الصبر على الأذى، أو إنسان على خلق عظيم، قال تعالى: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت:٣٥]. وقال سبحانه: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [الشورى:٤٣]، أي: من عزائم الأمور وشدائدها الدالة على حسن خلق صاحبها، وقوة إيمانه، فيصبر ويعفو ويتجاوز، ويفوت الشيء بعد الشيء، حتى يستحيي خصمه، ويصير إنساناً محسناً كالذي أحسن إليه.

стр. 571

فضل الأناة عن ابن عباس ﵄ كما في صحيح مسلم قال: قال رسول الله ﷺ لـ أشج عبد القيس: (إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة). وقد جاء وفد عبد القيس من ضمن الوفود الذين قدموا على النبي ﷺ يتعلمون الإسلام، فقدموا عليه وكان أحدهم أشج، يعني: كان به جرح مفتوح في يوم من الأيام ثم التأم بعد ذلك، وكان قد شج في مشاجرة مع قريب له، فضربه بشيء شج رأسه، فكان مشهوراً بهذا الوصف، أشج عبد القيس، يعني: المشجوج من بني عبد القيس. فلما قدموا ابتدروا إلى النبي ﷺ ، وكل يريد أن يسلم عليه، صلوات الله وسلامه عليه؛ لينال من بركة النبي ﷺ ، فتأخر هذا الرجل قليلاً؛ فقد كانوا أتوا من سفر، وقد اتسخت ثيابهم، فأراد أن يتنظف، فنظف نفسه ولبس ثوبين طيبين، ودخل إلى النبي ﷺ في هيئة جميلة، ففرح به النبي ﷺ أكثر من فرحه بالآخرين، وقال لهذا الرجل معظماً فعله: (إن فيك لخصلتين يحبهما الله الحلم)، أنك حليم، أي: تحلم وتعفو عمن يسيء إليك. (والأناة)، أي: أن غير متعجل. والإنسان الذي جاء من سفر قد يكون ممتلئاً عرقاً، وممتلئاً بغبار السفر، فإذا جاء ليقابل أحداً ويسلم عليه فربما يغضب، فقد يلوث له ثيابه، فهذا الرجل انتظر حتى تنظف ولبس ثوبين وتطيب، ثم ذهب إلى النبي ﷺ طيباً، ففرح به النبي ﷺ وقال: (إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة)، فسأله الرجل: هاتان الخصلتان اكتسبتهما أنا أم هما هبة من الله فطرني الله عليهما؟ فقال ﷺ : (من الله)، يعني: الله هو الذي فطرك عليهما. فحمد الرجل ربه سبحانه أن فطره على ذلك. فالإنسان الحليم محبوب من الله ، ومحبوب من الخلق، فهو إنسان متأن غير مستعجل، فلا يريد أن يعمل كل شيء بسرعة، ولكنه يفكر قبل أن يعمل الشيء.

стр. 572

حب الله لصفة الرفق وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله). فالله عظيم ، ومن صفات كماله وجلاله سبحانه الحلم والرفق والرحمة، فهو حليم ورفيق يرفق بعباده، قال تعالى: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ [يونس:١١]. أي: لو أن الإنسان عند استعجاله للشر وسؤاله له مثل قوله: يا رب خذني، لو أجابه الله لعجل له الشر وأخذه، ولعله يأخذه وهو على معصية، فلا يتوب إلى الله . وكذلك عندما يغضب الإنسان من ابنه ويدعو ربه أن يأخذه فلو أن الله عجل إليه لأخذه حالاً، فيعود الإنسان يلوم نفسه ويسألها: ما الذي جعلني أدعو عليه؟ وهكذا الإنسان يتغيظ ويدعو على نفسه، أو يدعو على زوجه، أو يدعو على أهله أو ولده، والله يؤدبنا ويقول لنا: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ [يونس:١١]، ولكن الله حليم رفيق بعباده ولطيف بهم، فيحب من عباده أن يتخلقوا بهذه الصفة، صفة الرفق. ولله صفات يأبى أن يشاركه فيها أحد من خلقه، وله صفات أمر عباده أن يتخلقوا بنحوها. فمن صفاته سبحانه التي أبى لعباده أن يتخلقوا بمثلها: صفة الكبر، ومن نازع الله في ذلك أدخله النار سبحانه ﵎. ومن صفاته الكريمة سبحانه: صفة الكرم، وقد أمر عباده أن يكونوا كرماء. والله صفاته عظيمة، فله الكمال في كل وصف من الأوصاف، والعباد لهم من ذلك على قدر ما يفعلون، وصفات العباد فيها نقص، وأما الله فله الكمال سبحانه، وذلك مثل: أنه جعل في عباده الحياة، وهو حي ، وحياة الله دائمة أبدية سرمدية، فهو الأول وهو الآخر، فلا بداية له ولا نهاية؛ لأن البداية والنهاية زمن مخلوق، والله هو الحي حياة أبدية لا نهاية لها. فالمخلوق حي حياة على قدره، والله له الكمال في ذلك سبحانه. والله هو السميع البصير، فهو يسمع ويبصر، فهو يسمع كل شيء، ويرى كل شيء، وقد جعل في عبده سمعاً وبصراً، قال تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنسان:٢]، ولكن هذا المخلوق سمعه وبصره يليقان بنقصه وضعفه، وسمع الله وبصره يليقان بكماله سبحانه. فأمر عباده أن يتصفوا بصفات من صفات رحمته سبحانه. وأن يكونوا رحماء وحلماء وكرماء، وأن يكونوا طيبين ورفقاء بغيرهم، فالله طيب يحب الطيبين، وهو جميل يحب الجمال، ورفيق يحب الرفق، وهو الرحيم وقد جعل المؤمنين فيما بينهم رحماء. إذاً: فمن صفاته الكاملة سبحانه: صفة الرفق، وصفة الحلم، وقد أمر عباده بأن يحلموا. فالعبد عندما يقول: إن فلاناً أغاظني، نقول له: هذا العبد كم أغضب ربه سبحانه؟ وكم حلم عليه ؟ فعندها يرفق العبد، ويعامل الناس بالشيء الذي يحب أن يعاملوه به؛ ابتغاء وجه الله سبحانه. قال ﷺ : (إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله)، ففي الحديث أن الرفق ليس مرة أو مرتين، وإنما في كل أمرك كن رفيقاً، ومع كل شيء. وأيضاً في صحيح مسلم قال ﷺ : (إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف)، يعني: لو كان هناك منكر موجود مثلاً فقام إنسان ينكر هذا المنكر فتكلم برفق فانتهى صاحب المنكر عن منكره، وقام آخر وتشدد وعنف هذا الإنسان وضربه ومنعه من المنكر، فكل منهما نهى عن منكر، لكن الأول أكثرهما ثواباً، قال ﷺ : (إن الله يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف). فالذي تعامل بالرفق يأخذ أجراً أعظم ممن تعامل بالعنف، مع أن النتيجة واحدة، ولكن الرفق وراءه الرفق؛ فلما رفقت بهذا الإنسان استحيا منك واستحيا من الله، وراجع نفسه وتفكر فيما عمل، وعزم على عدم فعله مرة ثانية. ولو عاملته بعنف لسألك: لماذا تعاملني بالعنف هكذا؟ وهل أنت أحسن مني أو أقوى مني؟ ولعله يقول: سأعملها مرة أخرى، فأنت قد نهيته عن المنكر، ولكن لعله يعود معانداً إليه مرة ثانية، فانظر الرفق: (ما كان الرفق في شيء إلا زانه)، فيحبك على ذلك، وكلما تذكر رفقك به وأدبك معه يقول: لقد تركت ذلك العمل من ذلك الوقت، ولم أعمله مرة أخرى. وإذا تذكر الآخر قال: لقد أغاظني، ألم يكن عنده طريقة غير تلك الطريقة؟ وهذا فرق كبير بينهما، وأنت تسمع هذا كثيراً، فتسمع إنساناً يذكر من علمه الإحسان بطريقة حسنة، ويذكره دائماً ويدعو له. ويقول عن غيره: فلان لا أحب التعامل معه وإن كان يصلي، لكنه عنيف ومتهور وكذا. قال ﷺ : (ما كان الرفق في شيء إلا زانه، ويعطي الله على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على سواه). فالرفق إذا كان في الشيء كان زينة له، قال النبي ﷺ : (إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه). فما كان الرفق في قلب إنسان إلا كان زينة لهذا الإنسان. وما كان في عمل من الأعمال إلا وكان هذا العمل جميلاً، وما نزع هذا الرفق من شيء إلا كان شيناً على صاحبه، وعلى العمل الذي عمل فيه، فكن رفيقاً، فالرفق نتيجة حلم الإنسان، والإنسان الحليم محبوب إلى الخالق سبحانه، ومحبوب إلى الناس.

стр. 573

رفق النبي بالأعرابي الذي بال في المسجد وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: (بال أعرابي في المسجد). وكلنا يحفظ هذا الحديث. فالأعرابي الذي دخل المسجد كان فيه شيء من الجهل، دخل مسجد النبي ﷺ ثم أراد أن يقضي حاجته، ولم يكن يوجد دورة مياه كما هو موجود الآن في مساجدنا، ولا مكان للوضوء في المسجد، ورأى أن المسجد لا يوجد فيه حصير ولا بساط، وإنما هو حصى وتراب، فذهب إلى أحد أركان المسجد وجلس يبول فيه، فقام إليه الصحابة ينتهرونه: ماذا تعمل؟ فقال النبي ﷺ : (ذروه، لا تزرموه بوله). يعني: اتركوه يكمل، ولو قطعتم عليه بوله فقد يحصل له احتقان أو نحوه له حاجة ما، فاتركوه. ثم قال النبي ﷺ لأصحابه: (أريقوا على بوله سجلاً من ماء، أو: ذنوباً من ماء، فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين). وهذا الكلام الجميل من النبي ﷺ في هذا الإنسان الذي تبول في المسجد ليس معناه: أنك لم تفعل شيئاً قبيحاً، وإنما معناه: لقد فعلت شيئاً قبيحاً، ولو رأيتك قبل ذلك لنهيتك. وقد كان النبي ﷺ نهى عن ذلك، ولكنه طالما قد بدأ قال: (دعوه، ولا تزرموه بولته، إنما بعثتم ميسرين) فالأعرابي لما نظر إلى الصحابة وهم يقولون له: ماذا تعمل؟ ونظر إلى النبي ﷺ يكلمه برفق قام يصلي، ودعا قائلاً: (اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً). فنظر إليه النبي ﷺ متعجباً من جهله وحماقته، فقال النبي ﷺ : (لقد حجرت واسعاً). يعني: أنك تحجر رحمة ربنا فإذا رحمك أنت ومحمداً فقط فبقية الناس أين يذهبون. فلما مشى الرجل تعجب النبي ﷺ وقال لأصحابه: (أهو أضل أم بعير أهله؟!) فهو ليس فيه فهم، لأنه بال في المسجد، ودعا بالرحمة لنفسه وللنبي ﷺ فقط، وأما غيرهما من الناس فلا. فهو ﷺ يحذر من مثل هذا الخلق، وأن يخص الإنسان نفسه بالدعاء ولا يدعو لغيره، فإن الدعاء العظيم أن تدعو للمؤمنين، وأبخل الناس من بخل بالدعاء، ولو علم ما في الدعاء من خير لدعا لأخيه المسلم؛ حتى تؤمن الملائكة وتقول: ولك بمثله، فعندما تدعو للمسلم فإن الملائكة تقول: ولك بمثل، أي: مثلما دعوت له. بل جاء في حديث النبي ﷺ أن من قال: (اللهم اغفر لي وللمؤمنين أعطي بكل واحد منهم حسنة). أي: أحياء وأمواتاً؟ فإذا دعوت بهذا الدعاء فلك بكل واحد منهم حسنة، فلا تبخل بالدعاء، وتدعو لنفسك فقط، بل ادع لغيرك، ففيه الفضل الواسع. فهذا الإنسان لما قال: (اللهم ارحمني ومحمداً، ولا ترحم معنا أحداً) دل ذلك على جهله بالله سبحانه، وعلى جهله بآداب بيت الله بما صنع، وما منع ذلك النبي ﷺ أن يعلمه: (لقد حجرت واسعاً) وأن يقول لأصحابه: (دعوه)، ثم أمر بصب الماء على هذا البول، فعلمهم كيف يطهر أثر هذا الشيء، وعلم الرجل ألا يفعل مثل ذلك. والله أعلم. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 574

شرح رياض الصالحين - الحلم والأناة والرفق [٢] إن الحلم والرفق بالناس لهما أجر عظيم، وفضلهما عند الله كبير، فهما سببان لمحبة الله ومغفرته ، إذ إن فيهما التيسير على الخلق والرحمة والشفقة بهم. وهما يعبران عن بساطة الإنسان وسماحته، وحسن خلقه بين الناس، ودليلان على صفاء قلب صاحبهما ونقائه.

стр. 575

فضل الرفق والأناة

стр. 576

الله تعالى يحب الرفق الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. أما بعد: قال الإمام النووي ﵀: [باب الحلم والأناة والرفق. عن أبي يعلى شداد بن أوس ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته) رواه مسلم. وعن عائشة ﵂ قالت: (ما خير رسول الله ﷺ بين أمرين قط إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثماً، فإن كان إثماً كان أبعد الناس منه, وما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه في شيء قط إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله تعالى) متفق عليه. وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ألا أخبركم بمن يحرم على النار أو بمن تحرم عليه النار؟ تحرم على كل قريب هين لين سهل) رواه الترمذي، وقال: حديث حسن]. هذا الباب في الحلم والأناة والرفق. والحلم صفة من الصفات التي ينبغي أن يتخلق بها الإنسان المؤمن، فيكون حليماً في معاملته للخلق، ولا يكون عذولاً، وإنما يكون متأنياً حليماً رفيقاً بالخلق. قال الله : ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:١٩٩]. وجاء في حديثه ﷺ الذي رواه البخاري ومسلم عن عائشة: (إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله). والإنسان الرفيق حري بأن يعامله الله هذه المعاملة، فالله كريم وحليم ﵎، فإذا كان الإنسان كريماً فإن الله يعامله بكرمه، وإذا كان رحيماً وحليماً فإن الله يعامله برحمته وحلمه سبحانه، ولذلك قال ﷺ : (إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف) فإذا كان الأمر يأتي بالرفق ويأتي بالعنف والنتيجة واحدة فما كان بالرفق فهو أصوب وأفضل عند الله فتعامل مع الناس برفق، وأمر بالمعروف وانه عن المنكر برفق، حتى يكون لك في الحالين الأجر عند الله سبحانه، فإن أمرك بالمعروف معروف، ونهيك عن المنكر أيضاً معروف. وقد قال ﷺ : (من يحرم الرفق يحرم الخير كله) فمن يحرم الرفق يحرمه الله الخير كله، ومن أعظم الخصال التي تكون في قلب المؤمن أن يكون رفيقاً وحليماً، فيأخذ بالرفق، فإذا حرمه الله ذلك كان متهوراً ومندفعاً ومؤذياً، فيؤذي نفسه ويؤذي غيره، فيحرم الخير كله.

стр. 577

شرح حديث: (لا تغضب) عن أبي هريرة كما عند البخاري: (قال رجل للنبي ﷺ : أوصني. قال: لا تغضب. فردد مراراً أوصني. قال: لا تغضب). ولا أحد يستطيع أن يمنع نفسه من الغضب، وكل فرد منا قد يغضب في اليوم مرات كثيرة فكأن معنى الحديث: لا تنفعل في غضبك انفعالاً بحيث تؤذي غيرك وتؤذي نفسك وتندم بعد ذلك عليه، ولا تستدع أسباب الغضب بأن تضع نفسك في المكان الذي تعرف أنك ستغضب فيه وتتهور، فلا تتعاط أسباب الغضب، فإن الغضب من أسباب الشر للإنسان. فابتعد عن أسباب الشر إلا إذا كان الغضب لله ﵎ ولشرعه، ولذلك كان الجهاد في سبيل الله غضبة من المؤمنين لشرع رب العالمين سبحانه، فيغضبون من الكفار ويجاهدون في سبيل الله، وأما الغضب من أمر الدنيا فلا تستدع أسبابه، ولا تغضب. والإنسان الذي يغضب يصير طبعاً فيه، فإذا غضب اليوم من شيء فغداً يغضب من شيئين، وبعده من ثلاثة أشياء، وفي كل فترة يبتلى بأحد يغضبه، فيغضب ويتهور، فيقع في سب الخلق، ثم يقع في مد اليد على الغير، فيأتي يوم القيامة وقد شتم هذا، وقذف هذا، وسفك دم هذا، فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، حتى إذا فنيت حسناته أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه فطرح في النار. فلذلك لا تعود نفسك على التهور والاندفاع والغضب.

стр. 578

شرح حديث: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء) عن أبي يعلى ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء) أي: إن الله يحب المحسنين، فأحسن في كل شيء، فأحسن إلى نفسك، وأحسن إلى غيرك، وأحسن حتى في قتالك لأعدائك. قال ﷺ : (إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة) ولذلك نهى النبي ﷺ عن قتل الصبر، وذلك بأن يكتف الإنسان ثم يقتل. فإذا قتلت فأحسن القتلة، حتى مع الأعداء، فلا تشوه ولا تعذب، ودع أمرهم إلى الله ، فإذا قتلت فاقتل قتلاً يريح المقتول، ولا داعي للتشويه ولا للتعذيب، وقد نهى النبي ﷺ عن التعذيب بالنار، وأخبر أنه لا يعذب بها إلا الله . قال ﷺ : (إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة)، يعني: في الجهاد في سبيل الله أو في غير ذلك، فإذا أردت أن تقتل شيئاً عادياً يعدو عليك فأحسن قتلته، وقد أمرنا النبي ﷺ بقتل خمس في الحل والحرم، فإذا قتلت ثعباناً أو كلباً عقوراً أو حدأة أو غراباً أو أي شيء من الأشياء المؤذية فاقتله وأرحه وأرح نفسك بقتله ولا تعذبه. قال ﷺ : (وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة) وقد أباح الله لنا بهيمة الأنعام لنأكلها، فإذا ذبحت فسم الله ثم أحسن في ذبحك لها. فمعنى: (أحسنوا القتلة)، أي: أحسنوا هيئة القتل، وهيئة الذبح وطريقته، فالذبحة والقتلة اسم هيئة. قال ﷺ : (وليحد أحدكم شفرته) والشفرة سن السكين فلا تحدها أمام الحيوان، وقد جاء في حديث النبي ﷺ : أنه مر على رجل واضع رجله على جانب بهيمة يريد أن يذبحها وهو يحد شفرته، فغضب النبي ﷺ وقال: (أتريد أن تميتها موتتين؟) يعني: تعذبها بأن تحد السكين أمامها، ثم بعد ذلك تذبحها، فحد السكين بعيداً عنها، ثم اذبحها سريعاً بحيث لا تؤذيها ولا تعذبها. قال: (وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته).

стр. 579

شرح حديث: (ما خير رسول الله بين أمرين إلا اختار أيسرهما) وفي الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: (ما خير رسول الله ﷺ بين أمرين قط إلا بأخذ أيسرهما ما لم يكن إثماً) ﵊ فكان إذا خير بين أمرين أحدهما فيه عنف والثاني فيه رفق اختار ما فيه رفق ﵊، فكان دائماً سهلاً ويحب السهل، صلوات الله وسلامه عليه، قالت: (فإن كان إثماً) أي: إن كان هذا الأيسر فيه إثم فلا يختاره؛ لأنه كان أبعد الناس عنه، صلوات الله وسلامه عليه. قالت: (وما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه في شيء قط). وقد قال رجل للنبي ﷺ : (يا محمد! اعدل. فقال له النبي ﷺ : ومن لم يعدل إن لم أعدل، خبت وشقيت إن لم أكن أعدل) أي: إذا كنت لا أعدل فأنت خائب وشقي، ولن تنتفع بهذا الأمر الذي أنت فيه إن كنت تتبع رجلاً ظالماً، ومع ذلك ما انتقم منه ﷺ ، وقال له رجل من الصحابة: (ألا أقتله يا رسول الله؟ قال لا. لعله أن يكون يصلي) ولم يأمر بقتله، ولم ينتقم منه ﵊. وكذلك الرجل الأعرابي الأحمق الغبي الذي جاء إلى النبي ﷺ وأمسك بثوبه وخنقه النبي ﷺ حتى أثرت حاشية الثوب في رقبته صلوات الله وسلامه عليه ثم قال له: (يا محمد! أعطني من مال الله لا من مال أبيك، فضحك النبي ﷺ وقال: أعطوه) فحلم النبي ﷺ عليه؛ ليعلم الناس الحلم ﵊. وفي إحدى المرات أتاه وفد من الأشعريين، وقد كان يحب الأشعريين رضي الله ﵎ عنهم، ويقول: (هم مني وأنا منهم). فجاءه الأشعريون في وقت كان مشغولاً فيه فقالوا له: احملنا. ولم يكن عند النبي ﷺ ما يحملهم عليه فقال: (والله لا أحملكم على شيء) فحلف على ألا يحملهم على شيء، فذهب الأشعريون وعندما كانوا في الطريق كلم بعضهم بعضاً: لقد أغضبنا رسول الله ﷺ ، فماذا نعمل؟ فلم يلبثوا إلا قليلاً حتى جاء النبي ﷺ صدقات من الإبل، فأرسل إلى الأشعريين فأعطاهم من هذه الإبل، فجاءوا إلى النبي ﷺ وقد قالوا: لعلنا أحلفنا النبي ﷺ ، فقالوا: (قد حلفت يا رسول الله ألا تحملنا) وهذا من أدب الأشعريين رضي الله ﵎ عنهم، وقد قال ﷺ : (الإيمان يمان والحكمة يمانية) وهم أهل اليمن رضي الله ﵎ عنهم، فهم أرق الناس قلوباً وأفئدة. فقال النبي ﷺ : (ما أنا حملتكم) يعني: لست أنا الذي حملتكم، ولم أحملكم من مالي، فكأنه لما حلف قصد ألا يحملهم من ماله؛ لأنه ليس له مال يحملهم عليه، وهذا مال الله، وصدقة من الصدقات التي جاءت فحملتكم على مال الله وليس على مالي، فلم يمنعه غضبه من أن يعطيهم هذا الشيء الذي طلبوه، طالما أنه ينفعهم ولا يضره ﷺ ذلك شيئاً. تقول السيدة عائشة ﵂: (وما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه في شيء قط إلا أن تنتهك حرمة الله). فإذا انتهكت حرمات الله، كأن يقع إنسان في الزنا، أو في الكفر، أو يفعل شيئاً نهى الله عنه، فينتقم منه النبي ﷺ لله ويأمر بإقامة الحد عليه، فهو ليس انتقاماً بالمعنى الذي نفهمه، وليس فيه تشف، وإنما هذا الانتقام إقامة لحد الله على هذا الإنسان الذي وقع في الخطيئة، قالت: (فينتقم لله) وليس لنفسه ﵊.

стр. 580

شرح حديث: (ألا أخبركم بمن تحرم عليه النار) روى الترمذي وقال: حديث حسن. وفي إسناده رجل لم يوثقه سوى ابن حبان، فإسناده فيه ضعف. عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : (ألا خبركم بمن يحرم على النار، أو بمن تحرم عليه النار؟ تحرم على كل قريب هين لين سهل). فالنار تحرم على هؤلاء من المؤمنين، فالمؤمن إلف مألوف، كما قال النبي ﷺ : (ولا خير في من لا يألف ولا يؤلف) والإنسان المؤمن هين لين سهل، والله ذكر عباد الرحمن فقال: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان:٦٣] وهوناً أي: بلين وبتواضع وبخشوع وبأدب. قال تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان:٦٣] والجاهلون: أهل الجهل والسخط والباطل، فإذا خاطبوهم ردوا عليهم بكلام لين، وقد لا يردون عليهم ولا يجاوبونهم، وإذا ردوا عليهم فلا تخرج منهم لفظة قبيحة أبداً وإنما يقولون لهم: سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين. فليس لنا دخل بكم، ولن نرد عليكم فيما تقولونه، ولا يقولون إلا الكلام الطيب، فقلوبهم أوعية للشيء الطيب، وكل إناء ينضح بما فيه، فقلوبهم ممتلئة بالخير، فإذا تكلمت ألسنتهم تكلمت بهذا الخير الذي أشربته قلوبهم، فالنار تحرم على هؤلاء، وعلى كل قريب من الناس. والمؤمن ليس بعيداً عن الناس، وإنما هو قريب منهم، وشر الناس من اتقاه الناس مخافة شره، أي: أن شر الخلق هو الإنسان الذي يتركه الناس لأن لسانه طويل، ولأنه مؤذ، فهذا من شر الناس. وعكسه المؤمن فهو خير الناس، وهو إلف يؤلف بسهولة، فإذا تكلمت معه أحسست أنك تعرفه منذ زمان، وأن بينك وبينه مودة، فالمؤمن إلف مألوف، ولا خير في من لا يألف ولا يؤلف.

стр. 581

فضل العفو والإعراض عن الجاهلين

стр. 582

معنى قوله تعالى: (خذ العفو وأمر بالعرف) يقول الإمام النووي ﵀: [باب العفو والإعراض عن الجاهلين]. ويجوز أن تقول في أي باب من الأبواب إما على الإضافة أو على الابتداء والخبر، فتقول: باب العفو والإعراض عن الجاهلين، ويجوز أن تقول: باب العفو والإعراض عن الجاهلين. قال الله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:١٩٩] هذا أدب عظيم، ومثل هذه الآداب كان يسمعها المشركون فيعرفون أن هذا الدين عظيم، وعندما كان يسأل أحدهم النبي ﷺ : ما هو هذا الدين الذي أنت عليه؟ وماذا أنزل عليك من القرآن؟ كان يقرأ عليه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل:٩٠] فيشعر أن هذا الدين دين عظيم، فيدفعه ذلك إلى أن يدخل في هذا الدين، أو على الأقل أن يسمع من النبي ﷺ ما الذي يقول. قال سبحانه: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ [الأعراف:١٩٩]، يعني: ليكن خلقك الأخذ بالعفو دائماً، فمثلاً إذا خيرت بين شيئين إما أن تعفو أو تنتقم فخذ العفو واختر الأسهل، وكن على هذا الخلق العلي، قال تعالى: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ [الأعراف:١٩٩]، يعني: بما جاء في شريعة رب العالمين. قال تعالى: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:١٩٩]، أي: عن أهل الجهل والصخب والجدل والباطل، فهم لا يستحقون أن تجيبهم مجادلاً لهم، ولا ينفعهم ذلك. وعندما كانت وفود العرب تقدم على النبي ﷺ كان فيهم شعراء وخطباء، وكانوا يأتون للمفاخرة، ويقولون: أتينا نفاخرك، فمن يتكلم أولاً نحن أو أنت، ويريدون أن يخطب هو، ويريدون أن يقولوا شعراً ويقول مثله. فلم يكن يجيبهم إلى ذلك ﷺ أبداً، وإنما كان ينتدب رجالاً من أصحابه ليردوا عليهم، فكان حسان يجيبهم في الشعر، ويرد عليهم به رضي الله ﵎ عنه، ثم يقوم خطيب النبي ﷺ ثابت بن قيس يخطب أمامهم، أما هو فكان منزه عن ذلك ﷺ ، فأمره الله بالإعراض عمن فيه جهل من الناس، وعمن لا يعرف قدره ﷺ .

стр. 583

معنى قوله تعالى: (فاصفح الصفح الجميل) قال تعالى: ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ [الحجر:٨٥]. فأمره بالصفح الجميل، وأمره أيضاً بالصبر الجميل فأما الصبر الجميل فهو الصبر الذي لا شكوى فيه إلا إلى الله ، وليس فيه شكوى للخلق، وأما الصفح الجميل فهو صفح لا إنتقام فيه ولا معاتبة. أي: إذا صفحت فلا تعاتب. فعلمه ربه أكمل الخلق وأعلاه، قال تعالى: ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ [الحجر:٨٥] فلا تعاقب ولا تعاتب، فلا معاقبة ولا معاتبة. وقال الله تعالى: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور:٢٢] والإنسان المؤمن يتفكر في هذه الآية من سورة النور، وفيمن نزلت؟ قال تعالى: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا﴾ [النور:٢٢]. وقد كان هذا الخطاب لسيدنا أبي بكر رضي الله ﵎ عنه، فقد أوذي أذىً شديداً جداً، وقد كان في نبي الله ﷺ ، وفي ابنته عائشة ﵂، وكانت صدمته في ابن خالته الذي تكلم على ابنته، مع أنه أحسن إلى ابن خالته هذا مسطح، ومع ذلك فإن مسطحاً هو الذي رمى ابنة أبي بكر السيدة عائشة أم المؤمنين بحديث الإفك، وردد ما قاله المنافقون، فأقسم أبو بكر الصديق ألا ينفق عليه، فكأنه قال له: إنني طول عمرك أصرف عليك ثم أنت الآن تتكلم على ابنتي، فلن أصرف عليك مرة ثانية، وأقسم على ذلك. فنرلت هذه الآية تعاتب أهل الفضل، وتعاتب أبا بكر فإن أبا بكر منزلتة عظيمة جداً عند الله ، والله لا يريد لـ أبي بكر أن ينزل عن هذه المنزلة، فإن إيمانه لو وزن بإيمان الأمة وليس فيها النبي ﷺ لرجح عليها ولوزنها، فقال له ربه: أنت الذي تفعل هذا ألا تريد الله يغفر لك؟ فقال أبو بكر: بلى، أريد أن يغفر لي ربي، ورجع مرة ثانية ينفق على مسطح من دون عتاب ولا غيره، وقال: لا أقطع عنه النفقة أبداً. فقالت الآية لـ أبي بكر: ﴿وَلا يَأْتَلِ﴾ [النور:٢٢] أي: لا تحلف مرة أخرى على قطع الخير، أي: لا يتألى ولا يقسم ولا يحلف. قال تعالى: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ﴾ [النور:٢٢] فعاتبه ومدحه، فقال له: أنت يا أبا بكر من أصحاب الفضل، فما الذي جعلك تحلف على هذا الشيء؟ فبدأ بالمعاتبة فقال له: لا تفعل هذا الشيء، ثم مدحه بأنه من أهل الفضل. قال تعالى: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النور:٢٢] فلا بد أن ينفقوا مرة أخرى، ويرجعوا إلى النفقة عليهم. قال تعالى: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور:٢٢] وليجعل المسلم هذه الآية أمامه، وكلما غضب يتذكرها ويتفكر فيها، وإذا أراد الانتقام تذكرها. قال تعالى: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور:٢٢] أي: فلا تنظر لهذا الذي فعل فيك هذا الشيء، ولكن انظر إلى نفسك مع الله ، فإذا أردت أن يغفر الله لك فاغفر وسامح، واترك الناس على ما أساءوا إليك، وأحسن أنت إليهم حتى تأخذ الأجر من الله، ويعاملك الله بالإحسان يوم القيامة. قال سبحانه: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٤]. وقال تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [الشورى:٤٣]. والصبر يكون على مضض وعلى غيظ، ولكن على الإنسان أن يصبر ويتجاوز ويسامح، حتى يصل إلى هذه المرتبة العظيمة، وهذا من عزم الأمور، ولا يقوى عليها إلا أصحاب العزيمة، فإذا كان عندك عزيمة وصبر وقوة إيمان فأنت داخل في هذه الآية: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [الشورى:٤٣].

стр. 584

أذى الناس لرسول الله وصفحه عنهم

стр. 585

إيذاء المشركين لرسول الله يوم أحد وفي الصحيحين عن عائشة ﵂ أنها قالت للنبي صلوات الله وسلامه عليه: (هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟). فقد كانت موجودة مع النبي ﷺ في المدينة في يوم أحد، وقد تزوجها النبي ﷺ ولها سبع سنوات، ودخل بها في المدينة ولها تسع سنوات، فسألت النبي ﷺ عن الأيام والسنوات الماضية التي مكثها في مكة فقد مكث ﷺ في مكة ثلاث عشرة سنة، ففي الخمس السنوات الأولى من بعثة النبي ﷺ لم تكن قد ولدت السيدة عائشة، ثم ولدت بعد ذلك، فهي هنا تسأله عن تلك الأيام وتقول: هل جاء عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ ويوم أحد كان يوماً عظيماً فظيعاً وقد كان المسلمون أشاروا على النبي ﷺ بالخروج، ولم يكن يريد أن يخرج ﵊، وكان يقول: (المدينة حصن حصين) أي: اتركونا ندافع عن أنفسنا في المدينة، فأبى المسلمون إلا الخروج، فقد كانوا يريدون الشهادة مثل أهل بدر، حتى تكون لهم فضيلة عند ربهم. فخرجوا مع النبي ﷺ ، وفي الطريق رجع عبد الله بن أبي بن سلول زعيم المنافقين بثلث الجيش، وكان رأيه عدم الخروج مثل رأي النبي ﷺ ، فلما خرج النبي ﷺ قال: أطاعهم وعصاني؟ فرجع بثلث الجيش. وكانت صدمة للنبي ﷺ أن هذا يرجع ثلث الجيش الذين معه، ومع ذلك صبر لأمر الله سبحانه، وعندما وصل إلى أحد قام النبي ﷺ يحدد للمؤمنين المكان، واختار سبعين من الرماة وأمرهم أن يكونوا فوق الجبل ولا ينزلوا، وقال لهم: (لا تنزلوا ولو رأيتمونا تخطفنا الطير) أي: لو رأيتمونا جثثاً على الأرض والطير تأكلنا فلا ينزل أحد ويترك المكان الذي هو فيه. وتبتدئ الحرب ويأتي نصر الله وينتصر المؤمنون. فطمع الرماة في الغنيمة أن يأخذها المقاتلون وحدهم، فنادى بعضهم بعضاً: ألم يأمركم النبي ﷺ ألا تنزلوا؟ فلم يسمعوا وتركوا أماكنهم ونزلوا ليأخذوا الغنيمة، فالتف المشركون من ورائهم، وقتلوا المؤمنين، فانقلب النصر إلى هزيمة؛ لأسباب هي كما قال تعالى: ﴿وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ [آل عمران:١٥٢]. فالمؤمنون الصادقون ما كانوا يظنون أبداً أن منهم من يريد هذه الدنيا، وكلهم يجاهدون في سبيل الله، ولم يتركوا النبي ﷺ ؟ وقالوا: ما كنا نظن أن يكون فينا أحد همه الدنيا حتى أنزل الله هذه الآية. فهزم المسلمون وانفرد النبي ﷺ في تسعة من المؤمنين، وكان قد جرح ﷺ ، وقد كان هو المطلوب أصلاً، وكان أبو عامر الفاسق قد حفر حفراً للمسلمين فوقع النبي ﷺ في حفرة منها وجرح وانكسرت رباعيته، وهشمت البيضة فوق رأسه ﵊، ودخلت حلقتا المغفر الذي يقي وجه النبي ﷺ في خده. ففر المسلمون وانفرد النبي ﷺ في سبعة أو تسعة من المؤمنين، وأتى الكفار على هؤلاء، فقال ﷺ : (من للقوم؟ فيقول طلحة بن عبيد الله ﵁: أنا يا رسول الله. فيقول: مكانك) يعني: دعك إلى الآخر. فقام إليهم رجل من الأنصار فقاتلهم حتى قتل ﵁ أمام النبي ﷺ ، وهو جريح ﵊ على هذه الحال، فقال: (من للقوم؟) فقام آخر حتى قتل السبعة كلهم أمام النبي ﷺ مدافعين عنه، ولم يبق إلا طلحة رضي الله ﵎ عنه، فقال النبي ﷺ : (من للقوم؟ لم يبق إلا أنت، فقام فقاتل قتال السبعة وحده) ﵁، فضرب فقطعت أصابعه، فقال: حس، وهو صوت يقوله الشخص عندما يصاب بشيء. قال النبي ﷺ : (لو قلت باسم الله لرفعتك الملائكة).

стр. 586

شدة أذى المشركين للنبي ﷺ يوم خرج إلى الطائف فيوم أحد كان يوماً شديداً على المؤمنين وعلى النبي ﷺ ، فالسيدة عائشة تذكر هذا اليوم وتقول للنبي ﷺ : (هل أتى عليك يوم كان أشد من هذا اليوم؟ فقال ﷺ : لقد لقيت من قومكِ، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة)، يعني: كان هناك يوم آخر أكثر من ذلك بكثير. فقال: (كان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إني عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال) فقد ذهب النبي ﷺ إلى هؤلاء القوم وهذا سيدهم، قال النبي ﷺ : (فلم يجبني إلى ما أردت). يعني: أنه ضاقت على النبي ﷺ مكة فخرج إلى الطائف لعله يجد أحداً يستجيب له، فخرج يدعوهم، وعرض نفسه على هذا الرجل، فأبى ولم يجب النبي ﷺ . قال: (فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب) فقد سلطوا عليه غلمانهم وصبيانهم يقذفونه بالحجارة، فأدموا قدميه صلوات الله وسلامه عليه، قال: (فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب)، فقد مشى إلى مكان بعيد، ولم يشعر بشيء ﷺ من شدة الهم والغم الذي هو فيه، إلا وهو في قرن الثعالب. قال: (فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني) ولم يكن يشعر من الهم أن هناك سحابة فوقه ﷺ تظله من الشمس. قال: (فنظرت فإذا فيها جبريل ﵇ فناداني فقال: إن الله تعالى قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال فسلم علي، ثم قال: يا محمد! إن الله قد سمع قول قومك، وأنا ملك الجبال وقد بعثني ربي إليك لتأمرني بأمرك فإن شئت أطبقت عليهم الأخشبين) والأخشبان: جبلان حول مكة، فقال النبي ﷺ كلاماً جميلاً فيه الرحمة بهم، فقال: (بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئاً) ومن يقول مثل هذه المقالة غيره ﷺ ؟! فهو الذي رباه ربه فأحسن تربيته قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] فلم يقل له: انتقم، واعمل فيهم ما تريد، وأطبق عليهم الأخشبين فهم يستحقون العذاب، وسأذهب إلى بلاد أخرى أدعو إلى الله ، ولكنه صبر لأمر الله، ورجا أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئاً. فكان الأمر على ما تمناه النبي ﷺ ، ونال في النهاية ما تمنى، بعد أن فتحت مكة فقد مكث في مكة ثلاث عشرة سنة، ثم هاجر إلى المدينة، وبعد ثمان سنوات من هجرته إلى المدينة، فتحت مكة، ولكنه لم يهنأ بالدنيا أو الفتوح ﷺ ، فبعدها بسنتين مات صلوات الله وسلامه عليه قال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر:١] وقرت عينك بذلك. ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ [النصر:٢ - ٣] أي: عندما يدخل الناس في دين فلا تستمع بالدنيا، وإنما سبح واستغفر، فإن أجلك قد حان، فاستعد للآخرة، فالمكافأة ليست في الدنيا فاستعد لها.

стр. 587

النبي ﷺ لم يضرب أحداً وروى مسلم عن عائشة ﵂ قالت: (ما ضرب رسول الله ﷺ شيئاً قط بيده، ولا امرأة، ولا خادماً، إلا أن يجاهد في سبيل الله). المعنى: أنه لم يضربها كنوع من التعذيب أو التأديب، وإلا فقد جاء عنه ﷺ أنه لكز عائشة مرة حين خرج يستغفر لأهل البقيع بأمر الله في نصف الليل، فلما خرج النبي ﷺ غارت وظنته سيذهب إلى بيت بعض نسائه، فخرجت وراءه، فلما وصل إلى البقيع استغفر لأهل البقيع ثم رجع، فرجعت، وكان يراها أمامه مثل الخيال، فلما دخل بيته كانت قد سبقته، فدخل فوجدها تنهد ويرتفع صدرها، فقال: (مالكِ؟) فاعترفت بالأمر. قال: (فأنتِ الخيال الذي رأيت؟ فوكزها في صدرها) فهذا ليس ضرباً ولكنه معاتبة منه صلوات الله وسلامه عليه، وهي التي تقول: (ما ضرب رسول الله ﷺ شيئاً قط)، فهذه الوكزة ليست من الضرب في شيء، وإنما هي معاتبة منه ﷺ . قالت: (ولا امرأة) أي: من نسائه (ولا خادماً) يخدمه ﷺ ، (إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه). يعني: أن الذي كان يعمل فيه شيئاً لم يكن ينتقم منه لنفسه أبداً. (إلا أن ينتهك شيء من محارم الله تعالى فينتقم لله تعالى).

стр. 588

عفو النبي عن الأعرابي الذي جبذه بردائه حتى أثر في عاتقه وفي حديث الأعرابي عن أنس ﵁ قال: (كنت أمشي مع رسول الله ﷺ وعليه برد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه الأعرابي فجبذه بردائه جبذة شديدة) وهذا من حماقته وغباء قلبه. قال أنس: (فنظرت إلى صفحة عاتق النبي ﷺ وقد أثرت بها حاشية الرداء من شدة جبذته، ثم قال: يا محمد! مر لي من مال الله الذي عندك) وهذه الرواية في الصحيحين. وفي رواية أخرى: (لا من مال أبيك. قال: فالتفت إليه، فضحك ﷺ ، ثم أمر له بعطاء). ومن رحمته ﷺ أنه ضحك ولم يكن الموقف موقف ضحك، ولكنه لو غضب وتغيظ فقد يقوم أحد من المسلمين ويضرب هذا الإنسان أو يقتله، فلذلك ضحك ليهدأ المسلمون الموجودون كلهم فيسكتون، ويظنون أن النبي ﷺ يعرفه، وأنه كان بينه وبينه شيء، فسكتوا لهذا الشيء.

стр. 589

عفوه ﷺ عن قومه واستغفاره لهم وعن ابن مسعود ﵁ قال: (كأني أنظر إلى رسول الله ﷺ يحكي نبياً من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم) وقد كان يحكي عن نفسه هو، ويقول: إن نبياً من الأنبياء فعلوا به وفعلوا، وهو يقصد نفسه ﷺ قال: (ضربه قومه فأدموه) أي: أسالوا دماءه. قال: (وهو يمسح الدم عن وجهه وهو يقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون) فهذه هي مسامحته ومعاملته فقد ضربوه وآذوه وأخرجوه وهو يقول: (اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون) أي: أنهم لا يعرفون. وهذا الحديث متفق عليه.

стр. 590

ليس الشديد بالصرعة وعن أبي هريرة كما في الصحيحين أيضاً أن رسول الله ﷺ قال: (ليس الشديد بالصرعة). الصرعة فعلة وتطلق على فاعل الشيء. فالصرعة: أي المصارع الذي يصرع الناس، ومثله أن يقال: فلان ضحكة، أي: إنسان يستهزأ به، فهو ضحكة يسخر به بين الناس. ومثله قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ [الهمزة:١] فالهمزة الإنسان الذي يهمن في الغير ويطعن فيه، ليضحك عليه الناس. واللمزة: الإنسان الذي يتكلم على غيره. فالهمزة يتكلم أمامه، واللمزة يتكلم من ورائه ويلمز فيه، فاللمزة كأنه فاعل اللمز، والهمزة كأنه فاعل الهمز، والضحكة كأنه فاعل الضحك، والصرعة كأنه فاعل المصارعة وكل هؤلاء يطلق عليهم هذه الصيغة (فعلة). فهنا قال: (ليس الشديد بالصرعة) يعني: ليس الشديد الذي يصرع الأبطال، (إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب) فالذي يصرع غيره شديد وقوي، ولكنه ليس هو الذي له الشدة وله الأجر عند الله ، وليس هو الموصوف عنده أنه شديد في دينه، وإنما الشديد في دينه هو الذي يملك نفسه عند الغضب. نسأل الله أن يرزقنا العلم والحلم وحسن الخلق، وأن يرزقنا الفردوس الأعلى من الجنة. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 591

شرح رياض الصالحين - احتمال الأذى والغضب والانتصار لدين الله لقد حض الشرع على الحلم والعفو والإعراض عن الجاهلين، واحتمال أذاهم، وقد كان قدوتنا في ذلك نبينا محمد ﷺ ، فقد كان ﵊ لا يغضب لنفسه، وإنما كان يغضب إذا انتهكت حرمات الله ، فينبغي للمسلم ألا يغضب لنفسه، وأن يكون غضبه لله تعالى، اقتداء بالرسول ﷺ .

стр. 592

ما جاء في احتمال الأذى أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الإمام النووي ﵀: [باب احتمال الأذى. قال الله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٤]، وقال تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [الشورى:٤٣]. وعن أبي هريرة ﵁ أن رجلاً قال: (يا رسول الله! إن لي قرابة أصلهم ويقطعونني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي، وأحلم عنهم ويجهلون علي، فقال: لئن كنت كما قلت فكأنما تسفهم المل، ولا يزال معك من الله تعالى ظهير عليهم ما دمت على ذلك)، رواه مسلم]. هذا الباب يذكره الإمام النووي ﵀ في كتابه (رياض الصالحين) وهو عن احتمال الأذى وهو من جنس الأبواب السابقة التي فيها العفو والإعراض عن الجاهلين والتي فيها الحلم أيضاً. وقد ذكر قوله سبحانه: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٤]، وقد قدمنا شرحها قبل ذلك. وذكر حديثاً واحداً في هذا الباب وهو حديث أبي هريرة ﵁ أن رجلاً قال: (يا رسول الله! إن لي قرابة أصلهم ويقطعونني)، فالرجل يسأل النبي ﷺ عن المعاملة مع القرابة الذين يصلهم ويزورهم وهم يقطعونه. قوله: (وأحسن إليهم ويسيئون إلي)، أي: أن هذا الرجل يتعامل بالإحسان مع أقربائه وهم يعاملونه بالإساءة. قوله: (وأحلم عنهم ويجهلون علي)، أي: أنا أكتم غيظي عنهم وأصبر على أفعالهم القبيحة معي، ومع ذلك هم أهل جهل وأهل سخط معي، وكأنه ينتظر من النبي ﷺ أن يقول له: عاملهم بالمثل، ولكن جواب النبي ﷺ لم يكن كذلك بل قال: (لئن كنت كما قلت فكأنما تسفهم المل)، أي: كأنك تجعلهم يسفون الرماد الحار، فكأنهم يأكلون ناراً بهذا الذي يصنعون، وكأنك تضع في فمهم من النار أو من الرماد الحار. إذاً: أمرنا بالإحسان إلى القرابة، فلا يدفعك كون هذا يجهل عليك إلى أن تجهل عليه أيضاً، ولكن أحسن إليه، وربنا سبحانه ﵎ يقول: ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن:٦٠]، فإذا أساءوا إليك فأحسن إليهم لعلهم يهتدون يوماً من الأيام. وكثير من الناس أصبحوا في هذا الزمان يقولون: مثلما يعمل معي سأعمل معه؛ فهو ليس أحسن مني، إذا شتمني فإني سأشتمه، وينسى أمر الصبر، وينسى أمر العفو، وينسى أن الصلة بالمعروف تنافي هذا الشيء، وكذلك في أمر الزيارات يقول: كم مرة ستزورني سأزورك، نقول: ليست هذه هي الصلة المطلوبة وإن كانت نوعاً من الصلة، إنما الصلة الحقيقية أنك تصل أخاك ابتغاء مرضاة الله سبحانه، سواء أتى إليك في البيت أو لم يأت إليك، وتلتمس له الأعذار إذا لم يأت إليك.

стр. 593

فضل صلة الرحم لقد جعل الله صلة الرحم زيادة لك في رزقك، وزيادة لك في عمرك، كما جاء عن النبي ﷺ : (أن صلة الرحم تنسئ في الأجل، وتزيد في الرزق). فعندما تصل رحمك تنال الأجر في الدنيا وفي الآخرة، في الدنيا زيادة في الرزق، ويبارك لك في عمرك، وإن كان العمر عند الله معلوم مقسوم، ولكن الزيادة هنا هي البركة في العمر، أن تعمل أعمالاً صالحة ينميها الله لك، بأن يجعل ما تعمله في عمرك كالذي يعمله آخرون في أعمارهم مجتمعين، فهنا المراد بالزيادة البركة في عمر الإنسان. قوله: (ولا يزال معك من الله تعالى ظهير عليهم)، أي: لا يزال معك عون من الله سبحانه، ومنه قولهم: مظاهرة بين الدروع، وظاهر النبي ﷺ بين درعين، بمعنى: أنه لبس درعين ﷺ يتقي بهما في القتال. فقوله: (ولا يزال معك من الله ظهير) أي: يعينك الله سبحانه ويكون معك ولا يجعلك وحدك. إذاً: مكسب عظيم أن يكون الله معك، فالذي ينبغي ألا تجعل أقل مشكلة مدعاة إلى أن تقطع الرحم ولا تزور أقرباءك، وإذا كان الأقرباء لا يأتون إليك فاذهب أنت إليهم، ولا تعاملهم بالمثل، ولذلك جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال: (ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل من إذا قطعت رحمه وصلها)، أي: أن الواصل حقيقة هو الذي إذا قطعت رحمه ذهب ليصلها؛ فيكون له الأجر العظيم من الله سبحانه.

стр. 594

ما جاء في الغضب إذا نتهكت حرمات الشرع يقول الإمام النووي: [باب الغضب إذا انتهكت حرمات الشرع والانتصار لدين الله تعالى]. يعني: الذي ينبغي للمؤمن ألا يغضب، إلا إذا كان الأمر يتعلق بدينه فيغضب انتصاراً لدينه، يغضب لله سبحانه ﵎، أما إذا كان الغضب للنفس فإنه يعفو ويحلم ويصفح، وكان من عادة النبي ﷺ الصفح والحلم والتجاوز صلوات الله وسلامه عليه، أما إذا كان الأمر يتعلق بشرع الله وبحدود الله فإنه كان يغضب صلوات الله عليه وسلامه، وغضبه لله سبحانه. يقول الله : ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج:٣٠]، وخير هنا أفعل تفضيل، أي: أخير له، وأفضل الخير أن تعظم حرمات الله وحدود الله، وشرائع الله . وقال تعالى: ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧]، أي: أن المؤمن يدافع عن دين الله فينتظر من الله أن يدافع عنه، ومن يكون مع الله فإن الله يكون معه.

стр. 595

غضب الرسول من إطالة الصلاة بالناس وعن أبي مسعود عقبة بن عمرو البدري ﵁ قال: (جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني لأتأخر عن صلاة الصبح من أجل فلان مما يطيل بنا)، هذا الحديث فيه أن النبي ﷺ غضب، وجاء في حديث أن معاذاً أطال بالناس في صلاة العشاء، لكن هذا الحديث كان في صلاة الصبح، وهو أن الإمام كان يصلي بهم ويطيل جداً في صلاة الصبح؛ لأن الرجل قال: (إني لأتأخر عن صلاة الصبح) أي: أتعمد أن أتأخر حتى تذهب ركعة، ومن ثم ألحق الركعة الثانية؛ لأنه يطول بنا جداً، فأتعب في الوقوف في الصلاة، قال أبو مسعود: (فما رأيت النبي ﷺ غضب في موعظة قط أشد مما غضب يومئذ، فقال: يا أيها الناس! إن منكم منفرين، فأيكم أم الناس فليوجز؛ فإن من ورائه الكبير والصغير وذا الحاجة). هذه النصيحة العظيمة من النبي صلوات الله وسلامه عليه؛ لأن صلاة الجماعة المقصد منها أن يجتمع أهل الحي في مسجد، ويحدث التعارف فيما بينهم، وتحدث المحبة فيما بينهم، ويواظبون على جميع الصلوات الخمس مع بعض، ويحضرون الجنائز، ويعود بعضهم بعضاً إذا مرض. إذاً: في صلاة الجماعة ألفة تجمع الناس، فإذا كان الإمام يطول بالناس فإنه ينفرهم فلا أحد يصلي معه فبدل أن يكون المسجد فيه عدد كبير يصبح فيه قلة من المصلين، فتزول الحكمة من صلاة الجماعة، وهي أن يجتمع الجميع يدعون الله ، وكلما زاد العدد كانت الصلاة أزكى عند الله ، وأكثر ثواباً. وفي حديث معاذ ﵁: (أنه صلى بالناس صلاة العشاء بسورة البقرة، فتركه الرجل وصلى منفرداً، فقال النبي ﷺ لـ معاذ: أفتان أنت يا معاذ! هلا قرأت بـ (سبح اسم ربك الأعلى)، (والشمس وضحاها)، و (هل أتاك حديث الغاشية))، أو كما قال صلوات الله وسلامه عليه، فذكر سوراً من قصار المفصل يقرأ بها حتى لا يمل الناس. إذاً: إذا صليت بالناس فصل صلاةً وسطاً مائلاً إلى القصر وليس إلى الطول؛ لقول النبي ﷺ : (يا أيها الناس! إن منكم منفرين، فأيكم أم الناس فليوجز)، وما سمعنا أحداً اشتكى من صلاة النبي ﷺ ، وكان يصلي بهم ﷺ في صلاة الفجر فيقرأ بقدر سورة (ق)، وهي من طوال المفصل، وكان يقرأ بقدر سورة الرحمن، وسورة الواقعة، وكان يقرأ بقدر خمسين آية في صلاة الفجر أو بنحو هذا، وكان إذا صلى بهم في سفر صلى بقصار السور، بسورة الزلزلة، أو (قل أعوذ برب الفلق)، أو (قل أعوذ برب الناس). فالإمام يراعي أحوال الناس الذين وراءه؛ لأن النبي ﷺ قال: (فإن من ورائه الكبير والصغير وذا الحاجة)، أي: فيهم الطاعن في السن الكبير، وفيهم الصغير الذي لا يتحمل الصلاة الطويلة، لكن إذا صلى الإنسان لنفسه فليطول ما شاء، أما إذا كان يصلي بالناس فليراع المأمومين الذين خلفه، ولتكن صلاته كما كان يصلي النبي ﷺ في الصلوات، ومنها صلاة الظهر فقد كان يقرأ فيها بنحو: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١]، مثلاً أو بأكثر منها، ويطيل في الركعة الأولى حتى يدرك الناس، لكن الإطالة الزائدة لم يفعلها إلا على الندرة ﷺ ؛ لبيان الجواز، فمرة صلى بهم المغرب بسورة الأعراف.

стр. 596

غضب الرسول مما يذهب الخشوع عن عائشة ﵂ قالت: (قدم رسول الله ﷺ من سفر وقد سترت سهوة لي بقرام فيه تماثيل)، السهوة: كأنها شباك في الحائط، أو شيء بداخل الجدار تضع داخلها حاجاتها، فهي وضعت على هذه السهوة قراماً، أي: ستاراً، وهذا الستار عليه تصاوير ورسوم. قالت: (فلما رآه النبي ﷺ هتكه وتلون وجهه ﷺ ، وقال: يا عائشة! أشد الناس عذاباً عند الله يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله)، أي: الذي يرسم بيده صوراً فيها الروح، وفاعل هذا من أشد الناس عذاباً يوم القيامة، فغضب لما رأى الستارة مرسوماً فيها تماثيل، أو صور حيوان. وفي حديث آخر: (أن عائشة ﵂ مزقتها، وقطعتها وجعلت منها وسادتين يتكئ عليهما النبي ﷺ ، فإذا جعلت هذه الصور في فراش على سرير، أو في فراش على الأرض يوطأ بالقدم فلا مانع، أما إذا كانت معلقة على وجه فيه شيء من الاحترام لها فهذا ممنوع؛ لأن النبي ﷺ غضب من ذلك. قوله: (إن أشد الناس عذاباً عند الله يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله)، أي: يقلدون ما خلقه الله ، فيصورونه ويرسمونه على هيئة تماثيل.

стр. 597

غضب الرسول من الشفاعة في حدود الله وفي الصحيحين عن عائشة ﵂: (أن قريشاً أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت، فقالوا: من يكلم فيها رسول الله ﷺ ؟)، هذه امرأة مخزومية من بني مخزوم، وبنو مخزوم قبيلة عظيمة كبيرة من أهل الشرف من العرب من قريش، وكان العرب فيهم أهل شرف وفيهم أهل ضعة، فمثلاً: قبيلة طيء كانت مشهورة باللصوص، لكن قبيلة بني مخزوم كانوا من أعالي الناس، فهذه المرأة التي سرقت هي من بني مخزوم، فلما سرقت عرفوا أن الحد سيقام عليها وتقطع يدها وهي من هذه القبيلة الشريفة، فقالوا: نوسط أحداً يقوم بالشفاعة عند النبي ﷺ ، ثم قالوا: (من يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول الله ﷺ ، وكان زيد بن حارثة والد أسامة حب رسول الله ﷺ أيضاً، ورسول الله ﷺ هو الذي ربى الاثنين، فـ زيد كان عبداً وأخذه النبي ﷺ وأعتقه وتبناه، فكان ينسب إليه ويقال: زيد بن محمد حتى نهى الله عن ذلك فرجع اسمه زيد بن حارثة رضي الله ﵎ عنه، وزوج النبي ﷺ زيداً بـ أم أيمن وأنجبت له أسامة بن زيد بن حارثة ﵃. فلما سرقت المخزومية رأوا أن أسامة له مع النبي ﷺ علاقة قوية، والنبي ﷺ يحبه، فإذا جاءه وشفع فإنه سيقبل منه الشفاعة، فذهبوا إلى أسامة، وفعلاً ذهب أسامة إلى النبي ﷺ وشفع للمرأة، فغضب النبي ﷺ وقال: (أتشفع في حد من حدود الله تعالى؟! ثم قام فاختطب صلوات الله وسلامه عليه، ثم قال: إنما أهلك من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد). أي: إنما أهلك الله السابقين بظلمهم، والظلم ظلمات في الدنيا وفي الآخرة، فيستحق الإنسان العقوبة على ظلمه، وهؤلاء ظلموا وغيروا وبدلوا شرع الله سبحانه، فمن كان فيهم شريفاً وسرق تركوه، ومن كان فيهم ضعيفاً وسرق أقاموا عليه حد الله ، فأهلكهم الله سبحانه بذلك. ثم قال ﷺ : (وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها). فيقسم النبي ﷺ بقوله: (وايم الله)، وأصلها: وايمن الله، ايمن جمع يمين وهي أيمان الله، يعني: أن النبي ﷺ أقسم ورخم فقال: (وايم الله)، بحذف النون في نهايتها فتبقى الميم وهي مضمومة فتظل على ذلك؛ لأن الألف تتبعها والهمزة منقولة. قوله: (لو أن فاطمة بنت محمد سرقت)، وحاشاها ﵂. والمخزومية التي سرقت كان اسمها فاطمة، وهذه فاطمة بنت النبي صلوات الله وسلامه عليه ورضي الله عنها، فيقول: لو أن فاطمة ابنتي أنا -وحاشاها- فعلت ذلك لقطعت يدها، فالنبي ﷺ لا يجامل ولا يحابي أحداً، وإنما الشرع يقام على الجميع على الشريف وعلى الضعيف، على الإنسان الكبير في قومه، وعلى الحقير في قومه، فهنا غضب رسول الله لما شفع أسامة في حد من حدود الله سبحانه ﵎.

стр. 598

غضب الرسول لحرمات المساجد وعن أنس ﵁: (أن النبي ﷺ رأى نخامة في القبلة، فشق ذلك عليه حتى رئي في وجهه) أي: أنه دخل المسجد، فوجد نخامة في قبلة المسجد أمام الناس، فشق ذلك عليه حتى رئي الغضب والغيظ في وجهه. قال: (فقام فحكه بيده ﷺ ، وفي رواية أخرى: (أنه أخذ عوداً وحك به النخامة صلوات الله وسلامه عليه، ثم قال: إن أحدكم إذا قام في صلاته فإنه يناجي ربه، وإن ربه بينه وبين القبلة) فأنت قائم تناجي ربك سبحانه ﵎، وربنا يقول: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:١٦]، فالله أقرب إليك من حبل وريدك سبحانه ﵎، فهو معك سبحانه ﵎، ويعلم الكلمة قبل أن تنطق بها، فقد لا يسمعها الذي أمامك، لكن الله يسمعها ويعلمها سبحانه ﵎. قوله: اعلم أن الله فوق سماواته سبحانه، كما جاء في القرآن: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦]، فهو في السماء، وترفع يديك إليه تدعوه، وينزل الملائكة من السماء، وينزل الكتب من السماء وقد سأل النبي ﷺ الجارية: (أين الله؟ قالت: في السماء قال: أعتقها فإنها مؤمنة). فالله بينك وبين قبلتك أي: أقرب إليك من أقرب شيء إليك، فهو بسمعه وبعلمه وببصره أقرب إليك من كل شيء. قال ﷺ : (فلا يبزقن أحدكم قبل القبلة، ولكن عن يساره أو تحت قدمه)، أي: لا يتفل أحدكم جهة القبلة، لكن الآن لا نتخيل أن أحداً يعمل هذا؛ أما في عهد النبي ﷺ فقد كان المسجد نفسه مفروشاً بالتراب وبالحصى، ولم يكن في المسجد سجاد ولا حصير؛ ولذلك كان النبي ﷺ إذا احتاج شيئاً يقول لـ عائشة: (ناوليني الخمرة)، وهي حصيرة على قدر ما يصلي فيفرشها ويصلي عليها. أما المسجد في ذلك الزمان فلم يكن مفروشاً، ولعل أحدهم يعجله البصاق، فهذا الذي جعل أحدهم أعجله البصاق فبصق، ولم يكن معهم مناديل مثلنا، فالواحد منهم إما أن يخرج خارج المسجد، فتراه في كل وقت يخرج ويدخل، أو أن يبصق في أرض المسجد ويدفنها، فإذا احتاج فعل ذلك، لكن الأصل أنه لا يفعل؛ ولذلك جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال: (البصاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها)، فهذا الحديث فيه إشارة إلى أنه إذا احتاج إلى هذا الشيء فله ذلك؛ لأن النبي ﷺ بين أن من بصق على أرض المسجد فعليه أن يدفنها ويغطيها بالتراب، ولا يتركها هكذا، وكأن هذا الرجل احتاج فتفل في القبلة ولم يعلم بحديث النبي ﷺ ، أو كان هذا قبل النهي عن ذلك. قال ﷺ : (ولكن عن يساره أو تحت قدمه، ثم أخذ طرف ردائه فبصق فيه ثم رد بعضه على بعض فقال: أو يفعل هكذا)، الرداء هو الذي يوضع فوق الكتف، فأخذ طرفه وتفل فيه، والآن لك أن تخرج منديلك وتتفل فيه، وترجعه إلى جيبك. يقول الإمام النووي ﵀: والأمر بالبصاق عن يساره أو تحت قدمه هو فيما إذا كان في غير المسجد، أما في المسجد فلا يبصق إلا في ثوبه. وهذا في زمن النووي؛ لأن المساجد كانت في زمن النووي مفروشة بحصير وسجاد، فلذلك لا يجوز أن يبصق إنسان في أرض المسجد، ولا يجوز أن يقذر أرض المسجد لا بنعله ولا بخفه ولا ببصاقه ولا بثوبه ولا بشيء من شحم أو غيره. إذاً: فأرض المسجد طالما أنها ليست تراباً بل فيها حصير أو غيره، فالواجب عليك أن تحافظ على نظافتها لا أن تقذرها.

стр. 599

مراعاة آداب المساجد في هذه الأحاديث أن النبي ﷺ لم يكن غضبه لنفسه ﵊، وإنما كان غضبه لدين رب العالمين، أو غضبه لبيت رب العالمين، ولذلك نقول لإخواننا: إنه يجب عليهم أن يراعوا بيت الله سبحانه، فبيت الله ليس سوقاً، فلا ترفعوا أصواتكم فيه، أيضاً الباعة الذين يقفون خارج المسجد ويرفعون أصواتهم ويجعلون المسجد مثل السوق عليهم أن يتقوا الله سبحانه ﵎. كذلك الإخوة الباعة الذين يشغلون التسجيلات ويزعجون الناس، عليهم أن يتقوا الله، كذلك الذين يتعاركون خارج المسجد عليهم أن يتقوا الله سبحانه ﵎، فإن الناس جاءوا لدراسة العلم الشرعي في المسجد، ولم يأتوا من أجل أن يسمعوا تسجيلات يعلو فيها الصوت، والعاقل يعجب لهذه التسجيلات! تلقى أحدهم يشغل قرآناً بصوت قارئ، ثم يشغل بصوت قارئ آخر، فهو لم يمش على سورة واحدة، كأن الغرض بيان أن عندي هذا وعندي هذا، تعالوا لشراء هذا وهذا، نقول لمن يعمل هذا: اتق الله، يكفي أن تعرض بطاقة البيع، فالذي يريد أن يشتري سوف يشتري والذي لا يريد أن يشتري فلن يشتري، فلا تجعلوا المساجد مثل السوق، واتقوا الله سبحانه ﵎ في أنفسكم.

стр. 600

الأسئلة
следующие страницы →