Полный текст (1 057 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
فضل التواضع وقبح الكبر والفخر
стр. 527
شرح حديث: (إن الله أوحى إلي أن تواضعوا)
من الأحاديث التي جاءت في الباب حديث رواه مسلم عن عياض بن حمار ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله أوحى إلي أن تواضعوا؛ حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد) أي: أنزل نفسك وحط من قدرها يرفعك الله ؛ لأن الإنسان الذي يتواضع يرفعه الله ويعزه ويعطيه من فضله سبحانه في الدنيا وفي الآخرة، أما الإنسان المستكبر فمهما استكبر فقد أبى الله أن يرتفع شيء إلا وضعه، فهذا يترفع ويرفع نفسه على الخلق فيضعه الله .
قوله: (إن الله أوحى إلي) أي: هذا من الوحي إليه ﷺ ، فقد أوحى إليه بـ (أن تواضعوا) حتى لا يفخر أحد على أحد، يعني: تخلق بدرجة التواضع حتى لا تفخر على أحد، وحتى لا تقول: أنا كذا وأنت كذا، وحتى لا ترى لنفسك فضلاً على أحد من الناس، ولكن انظر للجميع على أنهم إخوة لك في دين الله ، والله سبحانه جعل بعضكم لبعض سخرياً.
فمن كرمه سبحانه جعل بعضكم قوياً وبعضكم ضعيفاً، فيحتاج الضعيف إلى القوي، فجعل بعضكم عاملاً وبعضكم موظفاً وبعضكم طبيباً، فيحتاج بعضكم إلى بعض، فلو جعل الجميع شيئاً واحداً ولم يحتج أحد إلى أحد لتعطلت كثير من مصالحهم ومنافعهم شيئاً، ولكن الله بكرمه أحوج الناس بعضهم إلى بعض؛ لتكون الألفة، وليكون التعارف، ولتكون المحبة بينهم، والاحتياج يولد ذلك، فأنا إذا احتجت لفلان من الناس، فإني أتلطف معه لكي يعمل الشيء الذي لا أستطيع أن أعمله، والعكس كذلك.
فهنا جعل الله الناس أصنافاً شتى حتى يتخذ بعضهم بعضاً سخرياً، يعني: أنا أستخدمك وأنت تستخدمني، فيحتاج بعضنا إلى بعض، فيرفق بعضنا ببعض، فنتعارف ونتحاب فيما بيننا.
قوله: (ولا يبغي أحد على أحد) أي: أن الذي يبغي تكون نهايته النار، وهذا الإنسان ظالم، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الشورى:٤٢] فهؤلاء هم الذين عليهم حرج وعليهم السبيل، وأذن الله للمؤمنين أن يأخذوا حقهم من هؤلاء المعتدين.
وهذا المعنى جاء في حديث آخر عن النبي ﷺ رواه الترمذي، ورواه أبو داود أيضاً بالمعنى، ورواه أحمد، ولفظ الترمذي: قال النبي ﷺ : (لينتهين أقوام يفتخرون بآبائهم الذين ماتوا إنما هم فحم جهنم، أو ليكونن أهون على الله من الجعل الذي يدهده الخرأ بأنفه) هذا تحذير شديد من النبي ﷺ ، فإياك أن تفتخر؛ فالنبي ﷺ قال: (لينتهين أقوام) والفعل المضارع إذا دخلت عليه اللام التي للتوكيد وانتهى بالنون المثقلة التي هي أيضاً للتوكيد دل على جملة القسم، فكأنه هنا يوجد قسم محذوف تقديره: والله لينتهين أقوام عن ذلك أو ليفعلن الله بهم كذا وكذا.
فهؤلاء الذين يفتخرون بهم إنما هم فحم جهنم، فهم يفتخرون بآبائهم الذين ماتوا في الجاهلية وكانوا كفاراً، أو يفتخرون بعد ذلك بآبائهم الفجار والفسقة الذين كانوا أصحاب مناصب في يوم من الأيام، كأن يقول: كأن أبي كذا، مع أن أباه كان فاسقاً، ولم يكن يدخل المسجد، إلا عندما مات أدخلوه المسجد وصلوا عليه، وبعد ذلك يقول: كان أبي وكان أبي.
فالنبي ﷺ يحذر من الافتخار بالآباء الذين ماتوا على هذا الشيء، فهؤلاء قال عنهم أيضاً: (أو ليكونن أهون على الله من الجعل الذي يدهده الخرأ بأنفه)، والجعل كالخنفساء، وهو الذي يحرك بأنفه القذر والنجس، وهذا لو أبصرته أمامك لدسته برجلك ليموت؛ لحقارته عندك.
فهؤلاء إما أن ينتهوا عن افتخارهم بالآباء، أو ليجعلنهم الله كهذا الشيء الحقير، ثم يأخذهم ويلقي بهم في نار جهنم ولا يأبه لهم.
ثم قال ﷺ : (إن الله أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء) العبية: الكبر والافتخار.
ثم قال (إنما هو مؤمن تقي، أو فاجر شقي) يعني: الناس إما مؤمنون أتقياء أو فجرة أشقياء، والناس كلهم لآدم وآدم من تراب، فكل إنسان عندما يقول: أبي كذا وأبوك كذا، فليعلم أن الأب واحد وهو آدم، والجميع ينتهون إلى آدم، وآدم أتى من تراب، فلا داعي أن يفتخر الإنسان بخلقته، والكل سواء في أن أباهم آدم وآدم من تراب.
стр. 528
شرح حديث: (وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً)
يذكر الإمام النووي حديثاً رواه مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله).
جاء في حديث آخر قال ﷺ : (ثلاثة أقسم عليهن) يعني: أنه يقسم على ذلك.
ولا نحتاج لقسمه ﷺ فهو الصادق المصدوق، ولكن يريد التأكيد الشديد: أن ثق في هذا الذي أقوله لك، ثق في أنك إذا أنفقت من مالك فلن ينقص هذا المال، طالما أن النية نية حسنة والعمل لله ، فقال: (ما نقصت صدقة من مال) يعني: المال لا تنقصه الصدقة.
ثم قال: (وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً) يعني: إن ظلمك إنسان عفوت عنه، حتى وإن قال الناس: إنما عفا لأنه خائف منه، ولأنه لا يقدر على أن يأخذ الحق منه، حتى وإن استشعرت من كلامهم الإذلال والتحقير، ولكن نقول: إن ربنا يأمرك بالعفو، فقال: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور:٢٢]، والنبي ﷺ يأمرك بالعفو أيضاً كما في هذا الحديث وغيره، فلا تنظر للناس الذين ينظرون إليك أنك ذليل لأنك عفوت عن هذا الإنسان، لكن الله وعدك بالعز، فالله يعزك ويذل من يحقر شأنك وشأن العفو عن الناس.
قوله: (وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله) أي: إذا كنت تريد أن يرفعك الله في الدنيا والآخرة فتواضع؛ لأنك كلما تواضعت للخلق رفعك الخلق فوق رءوسهم، وأحبوك لتواضعك، وبتواضعك تجمع حولك قلوب الناس، وتنتفع بهم في الدنيا وفي قبرك ويوم القيامة.
والإنسان المتواضع خلقه عظيم، وهذا الخلق يقربه من النبي ﷺ إذا دخل الجنة؛ لأن أقرب الناس من النبي ﷺ ما جاء لنا في الحديث: (أحسنكم خلقاً أو أحاسنكم أخلاقاً)، فهذا الإنسان المتواضع عندما يأخذ الناس جنازته يزدحمون عليه، وعندما ينزل في قبره يقفون عند قبره ويدعون له: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، فهذا انتفع بالناس وهو في قبره، وفي الدنيا أحبوه وكانوا حوله، فهو يصلي معهم ويكون معهم في العبادة، ويأمرهم بالمعروف فيستمعون، وينهاهم عن المنكر فينتهون، فإذا به في كل أحواله على خير.
стр. 529
شرح حديث أنس: (أنه مر على صبيان فسلم عليهم وقال: كان النبي يفعله)
وعن أنس ﵁ أنه مر على صبيان فسلم عليهم وقال: (كان النبي ﷺ يفعله).
أي: كان ﷺ يسلم على الكبار، وعلى الصغار، وكان إذا مر بأحد سلم عليه، وكان يأمرنا بذلك ويقول: (ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم، أفشوا السلام بينكم).
стр. 530
شرح حديث: (إن كانت الأمة من إماء المدينة لتأخذ بيد النبي فتنطلق به حيث شاءت)
وعن أنس قال: (إن كانت الأمة من إماء المدينة لتأخذ بيد النبي ﷺ ، فتنطلق به حيث شاءت).
صدق الله العظيم حيث يقول: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤].
وتقول السيدة عائشة ﵂: (كان خلقه القرآن) أي: كان ﵊ قرآناً يمشي على الأرض، وقد بلغ درجة عظيمة في حسن الخلق صلوات الله وسلامه عليه؛ رباه ربه فعلمه مكارم الأخلاق، ففي سورة المدثر يقول له: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ [المدثر:١ - ٧].
يعلمه هنا آداباً منها: ((وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ)) أي: عندما تعطي أحداً شيئاً فلا تستكثر أنك أعطيته، فأنت لا تعطي من جيبك، وإنما تنفق من مال الله ، وقد كان يقول لـ بلال ﵁: (أنفق بلال، ولا تخف من ذي العرش إقلالاً) أي: أنفق ولا تخف؛ لأن ربنا سيخلف ويعطينا .
وهنا يذكر في الحديث أن الأمة من إماء المدينة -أي: الجارية وليست المرأة الحرة- فكانت تذهب للنبي ﷺ وتطلب حاجتها منه؛ لأنه أرفق وأحن وأرحم صلوات الله وسلامه عليه، فكانت تذهب إليه وتأخذ بيده ﷺ ، وتقول: اعمل لي كذا، فيذهب متواضعاً معها ويقضي لها حاجتها، فكان يذهب هو بنفسه صلوات الله وسلامه عليه.
انظروا إلى خلقه وتواضعه ﷺ ، فهو ﷺ كان يفعل ذلك ليقتدي به الناس.
стр. 531
شرح حديث: (كان النبي يكون في مهنة أهله)
أيضاً من تواضعه ﷺ ما ورد في الحديث الآخر يقول الأسود بن يزيد رحمه الله تعالى: (سئلت عائشة ﵂: ما كان النبي ﷺ يصنع في بيته؟ قالت: كان يكون في مهنة أهله).
أي: كان في بيته ﷺ في خدمة أهله، فقد كان يساعد أهله في البيت ﷺ .
ثم قالت: (فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة) رواه البخاري.
إذاً: وهو في بيته ﷺ كان يشغله ما يشغل غيره من مهنة البيت، فقد كان يعين زوجته في أعمال البيت، وكان يخصف نعله بنفسه ﷺ ، أي: يصلح نعله بيده الكريمة صلوات الله وسلامه عليه.
فتواضعه ﷺ عظيم جداً، يدخل المسجد مرة فيجد بصاقاً أو نخامة في قبلة المسجد فيتأذى النبي ﷺ بذلك، ويقول: (من صنع هذا؟ الذي صنع هذا يأتي يوم القيامة وبصاقه بين عينيه) يعني: مثلما استهان بقبلة المسجد وتفل في قبلة المسجد يأتي يوم القيامة وبصاقه بين عينيه، فيأتي النبي ﷺ بنفسه ويأخذ عوداً ويحك هذا البصاق بيده الكريمة، وهذا من تواضعه العظيم ﵊.
стр. 532
شرح حديث تميم بن أسيد الذي فيه: (أنه جاء إلى النبي وهو يخطب فسأله أن يعلمه فنزل من منبره فعلمه ثم أتم خطبته)
روى مسلم عن تميم بن أسيد ﵁ قال: (انتهيت إلى رسول الله ﷺ وهو يخطب، فقلت: يا رسول الله رجل غريب جاء يسأل عن دينه لا يدري ما دينه؟ قال: فأقبل علي رسول الله ﷺ وترك خطبته حتى انتهى إلي، فأتي بكرسي فقعد عليه، وجعل يعلمني مما علمه الله، ثم أتى خطبته فأتم آخرها)، فالرسول صلوات الله وسلامه عليه، لما قال الرجل: أريد أن أتعلم أمور الدين -لأنه حديث عهد بإسلام- لم يقل له النبي ﷺ : انتظر حتى أنتهي من الخطبة والصلاة، بل علمه ﷺ أمور دينه، وقد وجب عليه الآن صلاة الجمعة، فعلمه ﷺ كيف يتوضأ وكيف يصلي، وغير ذلك من أمور دينه.
стр. 533
شرح حديث: (أن رسول الله كان إذا أكل طعاماً لعق أصابعه الثلاث)
عن أنس ﵁ قال: (إن رسول ﷺ كان إذا أكل طعاماً لعق أصابعه الثلاث، قال: وقال: إذا سقطت لقمة أحدكم فليمط عنها الأذى، وليأكلها ولا يدعها للشيطان، وأمر أن تسلت القصعة، قال: فإنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة)، هذا من التأديب والتربية للمؤمنين، فمن السهل أن يتكلم الإنسان عن التواضع؛ لكن التنفيذ والتطبيق صعب، فكان يعلمهم النبي ﷺ بفعله ليفعلوا كما كان يفعل ﷺ .
واللقمة قد تسقط من الذي يأكل فيتركها، لكن لو تعلم هذا الشخص التواضع لأخذ اللقمة التي وقعت منه ما لم يصبها أذى فأكلها، فينبغي أن يتعلم المرء ألا يستكبر؛ فالله الذي أعطى النعمة قادر على أن يمنعها ويسلبها من صاحبها، فإذا حمد العبد ربه سبحانه فإنه يستحق المزيد، قال ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم:٧].
إذاً: فمن التواضع أن الإنسان إذا وقع منه شيء على الأرض مما يؤكل أن يزيل ما علق به من أذى ويأكله، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر:٦] فلا يحضر الشيطان معك طعامك، وإنما إذا وقعت منك اللقمة فخذها ولا تدعها للشيطان، كذلك ينبغي أن تتواضع في أكلك، فلا تأت برغيف وتأكل منه جزءاً ثم تأكل جزءاً من الرغيف الثاني وترمي البقية؛ لأن الذي أعطاك النعمة قادر على أن يسلبها منك ولا يعيدها إليك ثانية، فاحذر من أن تستكبر وتفتخر وتبطر بنعم الله سبحانه فتستحق أن تسلبها.
ثم قال: (وأمر أن تسلت القصعة) يعني: إذا أكلت وبقي قليل من الطعام في القصعة فلا تتركه وترميه في القمامة، وإنما تلعقه بأصابعك وتسلته، ولا تترك شيئاً للشيطان، وإذا تركت شيئاً فحافظ عليه، فإما أن تتصدق به وإما أن تحفظه لتأكله مرة ثانية إن كان مثله يبقى معك ولا يفسد، ولكن لا تتعود أنك تطبخ أكثر من اللازم، والباقي ترميه في القمامة؛ لأن هذا مؤذن بأن يمنعك ويحرمك الله .
ثم قال: (فإنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة) أي: الذي يأكل لا يعرف موضع البركة من الطعام، ولعل هذا الموضع بعينه الذي تركته أنت وألقيته في القمامة كان فيه البركة وأنت ضيعتها، ولا تدري بذلك إلا يوم القيامة، فيغبن الإنسان نفسه، ﴿ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ [التغابن:٩].
فهذا الإنسان يكون قد قصر في حق نفسه بتفريطه في الطاعات.
стр. 534
شرح حديث: (ما بعث الله نبياً إلا رعى الغنم)
هذا حديث لـ أبي هريرة ﵁ رواه البخاري قال النبي ﷺ : (ما بعث الله نبياً إلا رعى الغنم، قال أصحابه: وأنت؟ قال: نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة).
هذا النبي صلوات الله وسلامه عليه رعى الغنم يوماً من الأيام، ليعلمه الله التواضع، فما من نبي إلا وقد رعى الغنم، فالله علم أنبياءه السياسة مع الخلق والحب للخلق والتواضع والرأفة والرحمة بهم؛ لأنهم يرعون الغنم.
يقول الحافظ ابن حجر: لأن في مخالطتها التمرن، ويحصل للأنبياء العون من الله على ما يكلفونه من القيام بأمر أمتهم؛ ولأن في مخالطتها ما يحصل لهم به الحلم والشفقة؛ كذلك لأنهم إذا صبروا على رعيها وجمعها بعد تفرقها في المرعى، ونقلها من مسرح إلى مسرح، ودفع عدوها من سبع وغيره كالسارق ونحوه، وعلموا اختلاف طبعها وشدة تفرقها مع ضعفها واحتياجها إلى المعاهدة، كل ذلك من الفوائد.
يعني: الغنم محتاجة إلى من يرعاها، فالذئب ينتظرها إذا تركها صاحبها واللص منتظر لها إذا تركها يسرقها، فالغنم محتاجة إلى من يرعاها، وإلى من يطعمها ويسقيها، فيصبر على هذا الشيء، ويتمرن على الصبر على الخلق، فيقول الحافظ: الأنبياء يألفون من ذلك الصبر على الأمة، ويعرفون اختلاف طباعها، وتفاوت عقولها، فجبروا كسرها، ورفقوا بضعيفها، وأحسنوا التعامل لها، فيكون تحملهم لمشقة ذلك أسهل مما لو كلفوا القيام بذلك من أول الأمر.
إذاً: من رحمة رب العالمين سبحانه ببني آدم أن علم الأنبياء الصبر والرفق والحلم في الغنم، ولم تكن التجربة في بني آدم، فلما تمرنوا على ذلك، واعتادوا عليه أتوا إلى الخلق ليدعوهم إلى الله .
وخصت الغنم بذلك لكونها أضعف من غيرها، ولأن أصحابها فيهم الرأفة وفيهم الرحمة، بخلاف أصحاب الإبل الذين قال النبي ﷺ فيهم: (الفخر والخيلاء في الفدادين -يعني: أصحاب الإبل- أهل الوبر، والسكينة في أهل الغنم).
стр. 535
شرح حديث: (لو دعيت إلى كراع لأجبت أو ذراع لقبلت)
من الأحاديث الواردة في هذا الباب حديث آخر لـ أبي هريرة ﵁ وفيه قال النبي ﷺ : (لو دعيت إلى كراع لأجبت، أو ذراع لأجبت، ولو أهدي إلي ذراع أو كراع لقبلت).
انظروا إلى تواضعه ﷺ يجيب الدعوة إلى كراع، والكراع هو أسفل الساق ما بين الركبة إلى آخر الساق، وهذا الكراع الذي ما بين الركبة إلى نهاية الساق ليس فيه لحم، ولكن لتواضعه ﵊ يقول: لو أهدى إلي شخص ذلك سأقبله.
стр. 536
شرح حديث: (كانت ناقة رسول الله العضباء لا تسبق)
جاء في حديث أنس بن مالك في صحيح البخاري أنه قال: (كانت ناقة رسول الله ﷺ العضباء لا تسبق، أو لا تكاد تسبق، فجاء أعرابي على قعود له - أي: على جمل- فسبقها، فشق ذلك على المسلمين حتى عرفه النبي ﷺ ، فقال: حق على الله ألا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعه)، أي: لا تغضبوا فما من شيء في الدنيا يرتفع إلا ولابد أن يضعه الله ، فإذا كانت الناقة تسبق غيرها، فلابد أن تُسْبَقَ في يوم من الأيام.
إذاً: هذا في الناقة وفي البشر كذلك، فإذا رأيت شخصاً عالياً دائماً، فاعلم أنه في النهاية لابد وأن يضعه الله ، وهذا الإنسان الذي يرتفع لن يظل على هذا أبداً، فالإنسان يرتفع في شبابه وكمال قوته، ثم بعد ذلك ينزل ينزل حتى يصل إلى أرذل العمر.
والمستكبر ينسى ولا ينظر إلا تحت قدميه، ويتعزز ويفتخر بنفسه، قال الله : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ﴾ [البقرة:٢٠٤ - ٢٠٦] هذا يوم القيامة، أما في الدنيا فأبى الله أن يرفع شيئاً إلا وضعه.
إذاً: احذر من المستقبل واحذر من الغد، فأنت اليوم في علو فقد أبى الله أن يرفع شيئاً إلا وضعه، فتواضع لله وأنت في علوك، حتى تظل على هذا الشيء إلى أن تلقى الله.
نسأل الله أن يجعلنا من المتواضعين، ومن أهل ذكره وشكره وحسن عبادته.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل وصلي اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 537
شرح رياض الصالحين - تحريم الكبر والإعجاب
اختص الله نفسه بخصائص من نازعه فيها عذبه، منها أنه الكبير المتعال ذو العزة والجبروت، فحرم على عباده أن يتصفوا بشيء منها، فمن تعالى على الخلق واستكبر في الأرض فقد أنزل بنفسه عقاب الله في الدنيا والآخرة.
стр. 538
رفعة الآخرة بتواضع الدنيا
стр. 539
الدار الآخرة للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الإمام النووي ﵀: [باب تحريم الكبر والإعجاب.
قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص:٨٣].
وقال تعالى: ﴿وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا﴾ [الإسراء:٣٧].
وقال تعالى: ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان:١٨].
وعن عبد الله بن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ قال: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسنة.
قال: إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق، وغمط الناس) رواه مسلم.
وعن سلمة بن الأكوع ﵁: (أن رجلاً أكل عند رسول الله ﷺ بشماله فقال: كل بيمينك، قال: لا أستطيع.
قال: لا استطعت، ما منعه إلا الكبر، قال: فما رفعها إلى فِيه) رواه مسلم].
هذا باب آخر من كتاب رياض الصالحين يذكر فيه الإمام النووي ﵀ تحريم الكبر والإعجاب.
فالكِبْر أو الاستكبار: أن الإنسان يرى نفسه كبيرة، والكُبْر يكون في السن، وأيضاً في الحجم، فإذا كان في بدنه، فالاستكبار هو أن يرى نفسه كبيراً فوق غيره، ويتعالى على غيره، ويظن نفسه أفضل من الخلق.
الكبر صفة من الصفات التي لا تكون إلا لله وحده لا شريك له، فهو المتكبر ، وهو الكبير سبحانه المتعالي، ويأبى أن تكون هذه الصفة لأحد من خلقه؛ لأنها صفة لا تليق إلا بعظمته سبحانه، فهي له صفة كمال وجلال، ولذلك يقول: (الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني فيهما أدخلته النار).
من نازع الله في عظمته وكبريائه سبحانه فقد أتى ما لا يجوز له، إذ لا ليس لأحد أن ينازعه في ذلك، فإذا أبى الإنسان إلا أن يستكبر وأن يعطي لنفسه صفةً لا تكون إلا للخالق سبحانه، فيأبى الله أن يترك هذا على ما هو فيه حتى يذله ويذيقه الذل في الدنيا والآخرة، وأبى الله أن يرفع شيئاً إلا وضعه كما ذكرنا قبل ذلك.
فاحذر من الكبر، ويكفيك أن تعلم أنه صفة لا تليق إلا بالله، فلا يجوز لك أن تنتحل هذه الصفة، فتستكبر على خلق الله وأنت مثلهم.
جاء في القرآن تحريم الاستكبار، وتحريم إعجاب الإنسان بنفسه والفخر على غيره، قال تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص:٨٣] العاقبة الحسنة في الدار الآخرة للأتقياء الأنقياء الذين قلوبهم نقية تقية، يخافون من الله ويحقرون أنفسهم، وينظرون إلى غيرهم على أنهم أفضل منهم، فهذا الإنسان التقي يستحق أن تكون له العاقبة العظيمة المحمودة وهي الجنة العالية.
﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ﴾ [القصص:٨٣] (تلك) أشار باسم الإشارة الذي يشير إلى البعيد لتعظيم الجنة، وتعظيم الآخرة، يعني: هذه الآخرة العظيمة.
وفرق بين أن يقول: هذه الدار الآخرة، فهو إشارة للقريب وللشيء اليسير، ولكن إذا أشار للشيء المعروف بإشارة البعيد فهو يحمل معنى التعظيم له.
﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ﴾ [القصص:٨٣] هذه الدار العظيمة الآخرة الباقية ﴿نَجْعَلُهَا﴾ [القصص:٨٣] النون نون العظمة، يخبر عن نفسه سبحانه: أننا نجعلها للذين لا يستكبرون ﴿لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأَرْضِ وَلا فَسَاداً﴾ [القصص:٨٣] فهم تواضعوا فاستحقوا أن يرفعهم الله ، قنعوا باليسير وبالقليل من الدنيا ولم يطلبوا شهرة ولا شيئاً يعلون به على غيرهم، فإذا بالله يعطيهم أعلى الأشياء.
﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا﴾ [القصص:٨٣] للمؤمنين المتقين الذين يبتغون في هذه الدنيا أن يحسنوا عبادة ربهم سبحانه، ويتخلقوا بالأخلاق الحسنة فيها، لا يطلبون علواً ولا يبغون في الأرض بغير الحق، لا يفسدون في الأرض، لا يريدون علواً ولا فساداً في الأرض، قال الله سبحانه: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص:٨٣].
стр. 540
ذم مشية الخيلاء والمرح
قال الله: ﴿وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا﴾ [الإسراء:٣٧].
نهى عباده أن يمشوا على الأرض بالمرح، وهو أشد البطر، ﴿وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ [الإسراء:٣٧].
الإنسان الذي يمشي على الأرض يتمطط عليها فرحان بنفسه، يرى أنه لا أحد على الأرض غيره، فهو يمشي وربنا يقول له: لا تمش على الأرض مشية الخيلاء والاستكبار، لأنه يتكبر على الناس وكأنه أعلى وأعظم من غيره، متقدم بصدره أمام الناس، مصعر خده للناس.
﴿وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا﴾ [الإسراء:٣٧]، مهما بلغت من قوة، لو ضربت الأرض بقدمك انكسرت قدمك أنت ولم تكسر الأرض، لو تعاليت وانتفخت في نفسك فأنت قصير لن تبلغ الجبل في طولك.
تتعالى على ماذا؟ الأرض تحتك أعظم منك، فهذه التي تمشي عليها أنت مخلوق منها، علام تضرب الأرض برجلك وهي أقوى منك؟! لو نطحت الجبل برأسك انكسر رأسك أنت، فلماذا تتطاول؟ لا تتعالَ على الخلق: ﴿وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ [الإسراء:٣٧] قال تعالى: ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ [لقمان:١٨]، هذا لقمان يوصي ابنه وينصحه، والصعر: داء يأخذ الجمل في رقبته فتشد العضلة فلا يستطيع أن يلتفت.
وهكذا المتكبر ينظر للناس بتعالى، معوج على الناس وهو كغيره من الناس، ويوم القيامة سيجعل الله هؤلاء المتكبرين من أذل الخلق، ومن أحقر الخلق بين الناس، ومهما تعالى على الناس زماناً بل أزمنة لا بد وأن يقصمه الله سبحانه، ويري الناس فيه آيات وعبراً.
﴿وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان:١٨]، لا يحب المختالين الفخورين، والاختيال يوصف به كل من فيه صفة الفخر، فهذا لا يحبه الله .
стр. 541
عاقبة قارون وأمثاله من المستكبرين
يذكر لنا الله قصة قارون في سورة القصص فيقول: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾ [القصص:٧٦].
كان قارون إسرائيلياً من قوم موسى، فتعالى على قومه، وذهب إلى فرعون ومن معه، وقد كان من أغنى خلق الله ، ولكنه قلد إبليس وافتخر على قومه، فقال عنه ربنا سبحانه: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى﴾ [القصص:٧٦].
البغي هو الظلم والتعالي والإفساد ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ﴾ [القصص:٧٦] آتيناه نحن، ليس بقوته أو بجده واجتهاده، ولكن من فضل الله .
﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ [القصص:٧٦] كنوز عظيمة جداً، ولك أن تتخيل عظمها عندما تعلم أن مفاتيحها يحملها من الرجال عشرة.
﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [القصص:٧٦]، كل إنسان يفرح، ولكن هذا فرح مخصوص، فالفرح الذي هو سرور في قلب الإنسان ليس ممنوعاً منه، كمن يفرح لشيء آتاه الله إياه، أو لنعمة أحدثها الله له، لكن لا تتجاوز بهذا الفرح حده إلى أن يكون فرح المستكبرين، يعني: كأن يمشي متعالياً على الناس يقول: أنا أحسن منكم، أنا عندي وعندي، قالوا له: لا تفرح هذا الفرح الذي يدل على بطرك واستكبارك وعلوك وبغيك: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [القصص:٧٦].
﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [القصص:٧٨] هذا أعطيته لأني أستحقه، وقد آتاني الله على علم أني أستحق ذلك.
﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا﴾ [القصص:٧٨] ولكن أبى إلا أن يستكبر على قومه، فجمع كنوزه وأشياعه وخرج على الناس في زينته يريهم أن عنده ما ليس عند أحد، دفعه إلى ذلك الاستكبار.
والعادة أن كثيراً من الناس يشتهون مثل ذلك، فنظروا إليه وقالوا: ﴿يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [القصص:٧٩] صدقوا هذا الكذب، وهذه المظاهر البراقة، صدقوا أنه أوتي هذا على علم، وأنه يستحق هذا الشيء.
لكن أهل العلم والتقوى لما نظروا إلى ذلك لم تأخذهم هذه المناظر ولم يبهتهم الإعجاب، وعلموا أن هذا كله سوف يزول، ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ [القصص:٨٠]، اصبروا ولكم الجنة بعد ذلك، وهي أعظم من هذا الذي فيه هذا الإنسان.
فإذا بهذا الإنسان في تعاليه: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ﴾ [القصص:٨١] يأتي الخسف من عند رب العالمين، يا أرض خذيه وخذي هذا الذي هو فيه.
﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا﴾ [القصص:٨٢]، كنا نتمنى مثله، ولو أن الله حاسبنا عليه واستجاب وأعطانا مثلما أعطى قارون لكان حالنا الآن مثله.
﴿وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [القصص:٨٢] لا يفلح الإنسان الذي يكفر نعمة ربه سبحانه ويجحدها، أو ينسبها إلى نفسه أو إلى غير ربه سبحانه، فالذي يرى لنفسه حظاً وعظمة فيقيس الآخرة على الدنيا مثل هذا الإنسان، فإذا بالله يجعله آية.
فيذكر النبي ﷺ فيه وفي غيره: (بينما رجل يمشي على الأرض قد أعجبه ثوباه فهو يتبختر على الأرض، فإذا به تخسف به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة).
قال الله : ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ﴾ [القصص:٨١] من ينصره من دون الله؟ معه مال يجند به من يشاء من جنود، ولكن ﴿فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ﴾ [القصص:٨١].
стр. 542
المتكبر لا يدخل الجنة
من الأحاديث في هذا الباب: ما رواه مسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر).
الذرة: النملة، يعني: من كان في قلبه قدر النملة من الاستكبار، فهذا لا يستحق أن يدخل الجنة؛ لأنه متطاول على الناس، يرى أنه أعظم منهم، لا يكلمهم إلا بترفع وتطاول، فحال من في قلبه مثقال ذرة أنه لا يدخل الجنة، فكيف بمن كان في قلبه الكبر كله؟! سأل رجل النبي ﷺ : (إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً، ونعله حسنة)، يحب أن حذاءه يكون حلواً وأن ثوبه يكون حسناً، فهل هذا كبر؟! فقال النبي ﷺ : (إن الله جميل يحب الجمال) أي: لا مانع من أن تلبس الثوب الحسن والنعل الحسن، بل الله إذا أنعم على عبد نعمة يحب أن يرى أثر هذه النعمة عليه.
إذا أنعم عليك بمال فلا تلبس لبس امرأة، بل البس لبسة الرجل، لكن أن تلبس حذاءً حسناً من أجل أن تمشي فتضرب برجلك على الأرض فهذا هو الكبر؛ لأنك تريد أن تتعالى ويظهر فضلك على الناس، وهذا ما لا يحبه الله .
ثم قال ﷺ : (الكبر بطر الحق، وغمط الناس) غمطهم وغمصهم بمعنى واحد، أي: أن الإنسان يرى أن الناس تحته مغموصين، كل الناس ليس لهم قيمة عنده ولا وزن.
بطر الحق، يعني: عدم قبول الحق، إذا عرف أن الحق في هذا الشيء لا يفعله، يقول: قال الله كذا قال الرسول ﵊ كذا ولا يقبل أن يصنع، مستكبر، إذا دعوا إلى الله وإلى رسوله إذا هم معرضون عن ذلك، وغمط الناس: احتقار الناس، فيراهم أسفل منه.
روى مسلم عن سلمة بن الأكوع ﵁: (أن رجلاً أكل عند رسول الله ﷺ بشماله)، هذا نوع من أنواع الكبر، ويقد يكون الفاعل جاهلاً (فقال له: كل بيمينك) كعادته في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنصح لكل مسلم، فنصحه النبي ﷺ ، فأنف هذا الرجل واستكبر على النبي ﷺ ، وقال: (لا أستطيع) كثير من الناس تقول له: اعمل كذا وهو يعرفه ويجيده، ولكن يستكبر، قال: (ما منعه إلا الكبر) علم النبي ﷺ أنه يده سليمة، لكنه يأكل بشماله استكباراً، فدعا عليه النبي ﷺ ، فما كان إلا أن شلت يد الرجل فما رفعها إلى فيه.
ومثله ذلك الرجل الذي زاره النبي ﷺ وكان مريضاً وعنده حمى فقال له: (لا بأس طهور إن شاء الله) كلامه جميل ودعوته مباركة صلوات الله وسلامه عليه، ولكن الرجل بسبب الجهالة والحماقة يقول: (بل حمى تفور على شيخ كبير تزيره القبور)، انظر إلى الرد السخيف على كلام النبي ﷺ !
стр. 543
المتكبرون أهل النار والضعفاء أهل الجنة
عن حارثة بن وهب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ألا أخبركم بأهل النار؟ كل عتل جواظ مستكبر) هذا من أهل النار، أما أهل الجنة فهم الضعفاء والمساكين.
هذا الإنسان العتل الجواظ المستكبر ألفاظه تناسب شكله، من أجل صعوبة ما هو فيه من جحود، ونكران للنعمة، واستكبار على الخلق، فهو إنسان غليظ بطبيعته، صعب أن تتعامل معه أو تكلمه كلمة.
المؤمن إلف مألوف، المؤمن طيب، المؤمن تأخذ منه لساناً حلواً، تعتاد عليه، ويعتاد عليك، المؤمن يحفظ نفسه ويحفظ لسانه، ولكنه قريب من الناس، سهل أن يتكلم مع الناس وتكلمه، ليس عنده تعالٍ على أحد، يعلم أن أصله من طين فهو متواضع.
أما هذا فهو عتل غليظ جافٍ جواظ جموع منوع، له عشيرة وله أهل، وعنده رجال، عنده من يدفع عنه.
وأيضاً (جموع منوع) يطلق على الإنسان المنتفخ البطن من كثرة الأكل وكثرة حرصه على الدنيا، فهذا الإنسان أيضاً من صفاته أنه جواظ يختال في مشيته، كأن غناه ظاهر على جسمه وحجمه، فهو منوع عنده عتاد ورجال، ويختال بذلك على الناس، فهذا الجواظ المستكبر قال عنه: (ألا أخبركم بأهل النار؟ كل عتل جواظ مستكبر).
عن أبي سعيد ﵁، عن النبي ﷺ قال: (احتجت الجنة والنار، فقالت النار: في الجبارون والمتكبرون، وقالت الجنة: في ضعفاء الناس ومساكينهم، فقضى الله بينهما، قال للجنة: إنك رحمتي أرحم بك من أشاء) من صفات رب العالمين: الرحمة العظيمة فهو الرحيم الحنان سبحانه، فهذه الجنة دار كرامته، يكرم بها من يشاء.
كما أن من صفات الله أنه القوي العزيز: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج:١٢] فهذه النار انتقام الله وعذاب الله ، وهنا صفة أخرى من صفات رب العالمين .
(وقال للنار: إنك عذابي أعذب بك من أشاء ولكليكما عليَّ ملؤها).
وعد من الله أن يملأ هذه وهذه، والنار كلما ألقي فيها فوج تقول: هل من مزيد؟ ثم يلقى فيها فوج يعذبون فتقول: هل من مزيد؟ ولا تكتفي، فالله يضع فيها قدمه فتقول: قط، قط.
ووعد الجنة أن يملأها ، فدخل فيها الخلق المؤمنون ولم يملئوها، ولا تمتلئ الجنة حتى يخلق الله لها خلقاً جديداً، لأنها كبيرة واسعة جداً، مهما أعطى للناس في هذه الجنة فهي واسعة تسع أكثر وأكثر من ذلك، حتى إن آخر أهل الجنة دخولاً الجنة رجل يعطيه الله مثل ملك من ملوك الدنيا، وعشرة أضعاف ملكه، هذا أقل أهل الجنة منزلة فكيف بأعلاها منزلة؟ ومع ذلك لا تمتلئ الجنة حتى يخلق الله لها خلقاً آخر يسكنون هذه الجنة.
نسأل الله أن يجعلنا من أهلها.
стр. 544
لا ينظر الله إلى من جر إزاره بطراً
وعن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: (لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر إزاره بطراً) متفق عليه.
هناك فرق بين أني أنظر إلى إنسان ولا آراه، ولكن الله لا ينظر إليهم ، ولكنه يرى كل شيء، ويبصر كل شيء، فكأنه يعامل هؤلاء معاملة المنسيين، فلا ينظر إليهم نظر رحمة وهم في نار جهنم، ولكنه يعلم كل شيء عنهم ويراهم ، فهم لا يستحقون أن يرحمهم سبحانه.
فالنظر هنا نظر مخصوص، فيستشعرون بهذا النظر أنه يكرمهم.
وكذلك لا يجيبهم مع أنه يرد عليهم، ويقول: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨]، فهو لا يجيبهم جواباً ينتفعون به، ويستشعرون أنه يعطيهم شيئاً من رحمته، فلا ينظر إلى مستكبر جَرَّ إزاره على الأرض، أي: غني عنده أموال يضيعها في الأرض، ويمشي ليجرجر ثيابه على الأرض، فنهى النبي ﷺ عن ذلك، فلا تلبس الثياب مجرجرة على الأرض، ولكن اقطعها بحيث تكون عند الكعبين، هذا للرجال، أما المرأة فلها أن تستر قدمها.
стр. 545
الفقير المستكبر من أهل النار
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولا ينظر إليهم، ولهم عذاب أليم).
قوله: (لا يكلمهم الله)، أي: يسألون فلا يكلمهم في أي حال من الأحوال، فإذا أجابهم لا يأخذون جواباً يفرحون به، بل جواب يحزنهم الدهر كله: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨].
(ولا يزكيهم) لا يطهرهم إلا بنار جهنم والعياذ بالله.
(ولا ينظر إليهم) وهو يراهم ، وهو هنا نظر مخصوص، فلا ينظر إليهم نظر رحمة، أو لا ينظر إليهم على وجه من الوجوه الذي يستشعرون به أنه يعطيهم شيئاً من رحمته.
وهم: (شيخ زان، وملك كذاب، وعائل مستكبر)، أناس قد منع الله عنهم أسباب الاستكبار، وأسباب المعاصي، أولهم: الشيخ الزاني: شيخ كبر سنه، وذهبت نهمته ولذته، فالمفترض أن الذي وصل إلى سن أربعين سنة قد وصل إلى سن كمال، كما ذكر الله في القرآن: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأحقاف:١٥].
فهذا الذي بلغ إلى الأربعين سنة ينبغي أن يقول ذلك، فكيف بالذي وصل إلى الستين والسبعين ثم يزني، هذا لا يستحق إلا نار جهنم -والعياذ بالله- هذا الشيخ الذي منع الله عنه هذه الشهوة، قد وصل إلى اكتمال عقله بالابتعاد عن هذا الشيء الفاحش ومع ذلك يقع فيه، هذا لا يستحق إلا النار.
(وملك كذاب) ملك يملك الناس، ويحكم الناس، فيكذب عليهم لماذا؟ وصل إلى درجة عالية، والناس قد ملكوه وجعلوه فوقهم، ومع ذلك يكذب عليهم، فهو يكذب على الناس ويضر الناس بكذبه.
(وعائل مستكبر) العائلُ: الإنسان الفقير الذي عنده عيال ومحتاج لمال، ومع ذلك يستكبر على الخلق، ويكلم الناس من أطراف أنفه، لماذا يفعل هذا الشيء وقد منع الله عنه ذلك بأن جعله فقيراً، كأن الله يريد بك خيراً لذا جعلك فقيراً من أجل أن تدخل الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام، وجعلك فقيراً حتى لا يكون حسابك طويلاً يوم القيامة، وتأبى إلا أن يطول حسابك، فما وجدت المال فلجأت إلى شيء آخر تستكبر به على الناس من أجل تدخل به النار، لذا كان الفقير المستكبر على الناس من المستحقين للنار.
وهل معنى ذلك أن الغني له أن يستكبر؟ لا، ولو كان أغنى الناس، ولكن المعنى: أن الغني إن استكبر فهو معذب، وقد كان معه أسباب الاستكبار في الدنيا، فهل هذا الفقير الذي ﵀ ومنع عنه أسباب النار يجلبها لنفسه؟ إذاً: ادخل النار بهذا الشيء الذي جلبته لنفسك.
стр. 546
الكبر رداء الله والعظمة إزاره فمن نازعه فيهما عذبه
وعن أبي هريرة أيضاً: قال: قال رسول الله ﷺ : (قال الله : العز إزاري، والكبرياء ردائي، فمن ينازعني عذبته).
الله عزيز قاهر ، غالب لا يغالب ولا يمانع، ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢].
فالله يقول: (العز إزاري) يعني: هذه أشياء خاصة بي، كما يقول الإنسان: أنا لابس إزاراً ورداءً، ولله المثل الأعلى فيضرب لنا المثل: إذا كان ما تختص به من أشياء تأبى أن تعطيه لغيرك، فهل ربنا سبحانه الذي اختص هذا الشيء لنفسه، يحق لأحد أن ينازعه فيه؟ عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ : (بينما رجل يمشي في حلة تعجبه نفسه مرجل رأسه يختال في مشيته؛ إذ خسف الله به، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة).
الإنسان المؤمن عندما يلبس ثوباً جديداً يحمد الله عليه فيقول: (الحمد لله الذي كساني هذا من غير حول مني ولا قوة، اللهم إني أسألك خيره، وخير ما لبس له، وأعوذ بك من شره، وشر ما لبس له).
أما الإنسان المستكبر فيلبس الثوب من أجل أن ينظر الناس إليه، وأن معه ثوباً حسناً سواء كان امرأة أو رجلاً، يفعل ذلك مستكبراً، فهذا رجل فعل ذلك في حلة تعجبه نفسه مرجل رأسه، يختال في مشيته يميناً وشمالاً، يستكبر على الخلق، إذ خسف الله به الأرض، فهو يتجلجل في الأرض ويغوص إلى ما يشاء الله إلى يوم القيامة.
стр. 547
ذم التشبه بالجبارين
وعن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يزال الرجل يذهب بنفسه حتى يكتب في الجبارين فيصيبه ما أصابهم) رواه الترمذي وقال: حسن.
ولكن إسناده فيه ضعيف، والمعنى صحيح: (من تشبه بقوم فهو منهم)، فهو يرى نفسه مثل هذا الجبار، فمن يقلد فرعون فنهايته نهاية فرعون، أو يقلد قارون فنهايته نهاية قارون، فهذا الإنسان الذي يستكبر فوق الخلق ويرى نفسه أعظم الناس، أبى الله أن يرفع شيئاً إلا وضعه.
ولذلك يتفكر الإنسان من أين أتى؟ وإلى أين هو ذاهب؟ هو أتى من الأرض، وذاهب إليها مرة ثانية، فمهما علا فوق الناس فسوف ينزل في التراب مرة ثانية كما جاء منه، فليتواضع من البداية.
جاء عن رجل من الصالحين: أنه رأى أميراً من الأمراء يتعالى على الناس فقال له بيتين من الشعر: وهب أن قد ملكت الأرض ودان لك العباد فكان ماذا أليس غداً مصيرك جوف قبر ويحثو الترب فوقك هذا ثم هذا لماذا ترى نفسك أعظم من الناس؟ لو فرضنا يا سيدي أنك ملكت الدنيا كلها، ودان لك العباد فماذا سيحصل؟ لو فرضنا أن الناس يدينون ويخضعون لك، أليس مصيرك غداً جوف قبر، ويحثو الترب فوقك هؤلاء الناس الذين تتعالى عليهم! إذاً: لا تستكبر فوق الخلق، فإنك سوف ترجع إلى هذه الأرض، ثم إلى الله ليحاسبك.
نسأل الله أن يجعلنا من عباده المتواضعين.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 548
شرح رياض الصالحين - حسن الخلق
حث الإسلام على حسن الخلق، ولنا في النبي ﷺ أسوة حسنة في ذلك، فقد أدبه ربه وأحسن تأديبه، فكان أعلى الناس خلقاً.
وحسن الخلق يجمع خصال الخير، وهو أثقل شيء في ميزان العبد يوم القيامة.
стр. 549
حسن الخلق من خصال النبيين وأتباعهم
стр. 550
الله تعالى يحب حسن الخلق
الحمد الله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الإمام النووي ﵀: [باب: حسن الخلق] قال الله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤].
وقال تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٤].
عن أنس ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ أحسن الناس خلقا) متفق عليه.
وعنه قال: (ما مسست ديباجاً ولا حريراً ألين من كف رسول الله ﷺ ، ولا شممت رائحة قط أطيب من رائحة رسول الله ﷺ ، ولقد خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين، فما قال لي قط: أف، ولا قال لشيء فعلته: لم فعلته؟ ولا لشيء لم أفعله: ألا فعلت كذا؟) متفق عليه].
هذا الباب من كتاب رياض الصالحين يذكر فيه الإمام النووي حسن الخلق.
إن أعظم ما يتخلق به الإنسان، وأعظم ما يرتجي عليه الأجر من الله سبحانه حسن الخلق.
وإن حسن الخلق يستطيع به الإنسان أن يسع الناس، لا أن يسع الناس بماله، لا أن يسع الناس بخدماته، ولكن يسعهم بحسن خلقه، فحسن الخلق عظيم، وهو منة من الله ، إذا وهبها لأحد فهي بشارة لهذا الذي وهبه أنه محبوب عند الله .
стр. 551
حسن خلق النبي ﷺ وتأديب ربه له
إن حسن الخلق كنز لصاحبه، وهو أعظم كنز يحصله الإنسان، فقد جاء في القرآن قول الله لنبيه ﷺ : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] وقد كان خلقه ﷺ القرآن كما تقول السيدة عائشة ﵂، فكل ما في القرآن من محاسن أخلاق، وما فيه من الآداب كان في النبي صلوات الله وسلامه عليه.
أدبه ربه ورباه ، ورزقه حسن الخلق، وقال مادحاً له: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤].
وقال مبيناً أن هذا الخلق فضل من الله سبحانه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩] فبرحمة من الله سبحانه أعطاك حسن الخلق موهبة منه .
فقوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران:١٥٩] أي: فبحسن خلق الإنسان يلين للخلق، وبسوء خلقه يتعالى ويستكبر على الخلق.
﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ﴾ [آل عمران:١٥٩] أي: لو كان فيك جفاء، وكنت غليظاً قاسي القلب، لانفض الناس وابتعدوا من حولك، ولكن الله جمعهم حول النبي ﷺ حباً له لما فيه من حسن الخلق، ولين الجانب، وحسن الطباع والأخلاق، صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 552
كظم الغيظ والعفو عن الناس من حسن الخلق
وقال سبحانه: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٣٤].
هؤلاء من أحسن الناس أخلاقا، فالكاظم الغيظ: هو الإنسان يكظم غيظه، فيؤجر عليه أجراً عظيماً من الله ، وإن أعظم شيء يكظمه الإنسان، وأعظم جرعة يتجرعها، هو غيظ يكظمه ابتغاء وجه الله ، ولذلك هؤلاء الذين يكظمون غيظهم، ينادي عليهم ربهم يوم القيامة، ويخيرون من أي الحور العين شاءوا؛ لأنهم كظموا غيظهم في الدنيا، وعفوا عن الناس، فلذلك يخيرون يوم القيامة أمام الخلق جميعاً بياناً لفضيلتهم.
قال تعالى: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٣٤] فالعفو عن الناس خلق عظيم، وكثير من الناس ينظر إلى العفو أنه خصلة الإنسان الضعيف الذي لا يقدر أن يأخذ حقه، ويأخذ بثأره، فيعفو ويكظم غيظه، لكن لو كان قادراً لفعل، فالله يبين لنا أن الإنسان الذي يكظم غيظه أهل لمحبة الله، وأهل لأن يكون من المحسنين، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٤] فهذا محسن وليس مسيئاً، وهو ممن يحبه الله سبحانه؛ لأنه كظم غيظه وعفا عن الناس.
стр. 553
ذكر بعض محاسن أخلاقه ﷺ
стр. 554
حسن خلقه ﷺ مع خادمه
ومن الأحاديث الواردة في حسن الخلق: حديث أنس ﵁، قال: (كان رسول الله ﷺ أحسن الناس خلقاً) وحق له صلوات الله وسلامه عليه، فهو رسول الله الذي رباه ربه ﵎، فلا أبوه حي يربيه، ولا أمه تربيه، إنما الذي رباه هو ربه ، ووهبه الخلق الحسن، فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] فقد كان أحسن الناس خلقاً صلوات الله وسلامه عليه.
وقد كان أهل الجاهلية بعد الإسلام وقبل الإسلام يلقبونه بالصادق الأمين، الذي لا يخون، ولا يغدر، بل يفي بالعهود والمواثيق، فإذا اختلفوا حكموه بينهم وهو شاب صغير ﵊.
فلما نزل عليه الوحي زاده من فضل الله أخلاقاً عظيمة، علمه ربه، ورباه، وأدبه ، فمن عليه بذلك، وعرفنا أن الفضل بيد الله يعطيه من يشاء، فكان أحسن الناس خلقا.
فهذا أنس الذي خدم النبي ﷺ وهو صبي له عشر سنوات، حتى توفي النبي ﷺ ، وعمره عشرون سنة، قال: (ما مسست ديباجاً ولا حريرا ألين من كف رسول الله ﷺ يذكر أنه يمس يده ﷺ عندما يسلم وليست يده قاسية ولا غليظة، فليس هو الشديد الذي يقسو ويجمد على من يسلم عليه، ولكن يده كريمة ﵊ وناعمة، وإن كان هو أقوى الناس ﵊.
يقول الصحابة: كنا إذا احمر البأس اتقينا برسول الله ﷺ ، وكنا نتحدث أنه أعطي قوة أربعين رجلاً ﵊، هذا أمية بن خلف أقسم أن يقتل النبي ﷺ ، فجهَّز فرسه، وجهز رمحه، وركب الفرس وانطلق، فقام الصحابة يريدون أن يدافعوا عن النبي ﷺ ، فقال: (دعوه، فأنا قاتله إن شاء الله).
والنبي ﷺ ليس راكباً وليس لديه سلاح، فأخذ رمحاً ﵊ لا نصل له، وهذا الرجل قد تجهز على فرسه، وجاء برمحه، يريد قتل النبي ﷺ ، فما أن جاء الرجل وهو يعدو على فرسه، حتى استقبله النبي ﷺ برمح لا نصل فيه، فوجأه في عنقه، فأسقطه عن دابته، فرجع إلى قومه وهو يصرخ، فقالوا له: لا بأس عليك، إذا ضربك برمح ليس فيه نصل، لن يحصل لك شيء، فقال: إنه أخبر أنه قاتلي، وهو لا يكذب! فقتل الرجل بذلك.
هذا النبي الصادق الأمين عندما يسلم على أصحابه، يربت على صدورهم، ويسلم عليهم بيد ليِّنة، يقول أنس وكان صغيراً رضي الله تعالى عنه: (ما مسست ديباجاً ولا حريراً) والديباج من الحرير، أي: حريراً غليظاً ولا حريراً ناعماً ليناً (ألين من كف رسول الله ﷺ ، ولا شممت رائحة قط أطيب من رائحة رسول الله ﷺ فرائحته ﷺ أطيب من الطيب، وكانوا إذا أرادوا تطييب طيبهم ينتظرون نوم النبي ﷺ فيعرق، وكانوا قد فرشوا له جلداً ﵊، وكان غزير العرق ﵊، فيأخذون من عرقه يطيبون به طيبهم صلوات الله وسلامه عليه.
قال: (ولقد خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين، فما قال لي قط: أف) عشر سنوات وهو يخدم النبي ﷺ ، وهو صبي صغير لابد أن يخطئ، ولابد أن يفعل أشياء تضايق النبي ﷺ ، فقد كان أحياناً يرسله ليأتيه بشيء، فيذهب ويلعب وينسى الشيء الذي أمره النبي ﷺ ، ويأتي إليه النبي ﷺ ويقول: يا غلام! فيستحيي أنس من النبي ﷺ ، فيقول له النبي ﷺ : اذهب لما أمرتك، ولا يقول له أكثر من ذلك صلوات الله وسلامه عليه.
يقول أنس ﵁: (ولقد خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين، فما قال لي قط: أف، ولا قال لشيء فعلته لمَ فعلته) أي: لم يقل له: ما الذي جعلك تفعل كذا، (ولا لشيء لم أفعله) أي: تلكأ فيه، ولم يفعله، (ألا فعلت كذا!) فكان ﷺ لا يزجره وإن أخطأ رضي الله تعالى عنه، هذا فعله مع خادم عنده ﷺ ، فكيف بفعله مع باقي الناس!
стр. 555
حسن خلقه مع من أهدى له صيداً وهو محرم
عن الصعب بن جثامة ﵁، قال: (أهديت رسول الله ﷺ حماراً وحشياً فرده علي، فلما رأى ما في وجهي، قال: إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم) متفق عليه.
فقد أهدى الصعب بن جثامة النبي ﷺ وهو محرم بالحج هدية، وذلك أن الصعب اصطاد حماراً وحشياً ولم يكن الصعب محرما، فلذلك يجوز له أن يصطاد ما ليس في الحرم، فاصطاد وأهدى ما اصطاده للنبي ﷺ ، فرده النبي ﷺ ، فكأن الرجل كره أنه أهدى هدية للنبي ﷺ فردها عليه، وشرف للصعب أن يهدي للنبي ﷺ هدية ويقبلها.
فلما لم يقبلها اعتذر النبي ﷺ عن عدم قبولها، فقال ﷺ : (إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم).
فإذا سأل سائل: هل يحرم عليه أن يقبل مثل هذه الهدية ﷺ ؟ ف
الجواب
جاء حديث آخر عنه ﷺ أن ما يصطاده الحلال إذا لم يكن صاده من أجل المحرم، فيجوز أن يأكله، إذاً: صيد البر حلال، إذا لم يصده المحرم، ولم يصد له.
فهذا الرجل صاد صيدا وخشي النبي ﷺ أن يكون صاده من أجله، فقد صاد هذا الحمار الوحشي من أجل أن يهديه النبي ﷺ ، فلا يجوز له أن يأكله ﷺ ، فبين العذر في عدم القبول، وقال: امتنعنا من ذلك لأنا حرم.
وهذا القول فيه التلطف في الاعتذار، وعدم إيقاع الغير في الاعتذار بالكذب، لعله يقول له ﷺ : أنا خائف أنك تكون اصطدته من أجلي، فيقول: لا، لم أصطده من أجلك، ويكون قد صاده فعلاً من أجله، ولكن الحياء منعه أن يقول ذلك، لذلك قال الكلمة اللطيفة منه ﷺ : (إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم).
ففيه أن الإنسان إذا أهدي له هدية، ولم يكن عليه شيء في قبولها، فليقبل الهدية، فإذا تأذى منها أو ظن من ورائها شيئاً، تلطف في الاعتذار.
стр. 556
جماع البر حسن الخلق
عن النواس بن سمعان ﵁، قال: (سألت رسول الله ﷺ عن البر والإثم فقال ﷺ : البر حسن الخلق).
فهذا الرجل يسأل النبي ﷺ ، لأنه يريد أن يعمل براً، والبر: كلمة تجمع مجامع الخير كله، من صلاة وصيام وزكاة إلخ.
فلم يقل له النبي ﷺ ذلك؛ لأنه صعب، ولكن قال له النبي ﷺ شيئاً آخر، فقد علم النبي ﷺ أن هذا يعلم أشياء من الدين، ولكن مجامع الدين في حسن الخلق، فإذا كان خلقه حسناً، فإنه سيكون مع حسن الخلق، قبول النصيحة، والتعلم، وسيعرف دين الله ؛ لأنه اشتمل على حسن الخلق، ويبتغي وجه الله سبحانه، فيصل إلى مجامع البر والإحسان، بحسن الخلق، الذي يجعله لا يستكبر وهو متعلم، ولا يستكبر وهو عالم، فيعلم من يحتاج إلى ذلك.
فالإنسان إذا حسن خلقه كان على خير، وكان جديراً بأن يعلمه الله، وأن يرزقه العمل بما يعلمه، ويرزقه حب الخلق له.
قال: (والإثم ما حاك في نفسك، وكرهت أن يطلع عليه الناس).
فكل إنسان في قلبه ما يدله على الشيء إن احتار فيه، فالحلال بين والحرام بين، وبعض الأشياء تكون فيها شبهات، هذه الأمور تشتبه على الإنسان، فيقال لك: استفت قلبك وإن أفتاك الناس وأفتوك، ومن الممكن أن تسأل إنساناً، ويجيبك بما تريده أنت، بناء على فهمه لسؤالك، ومن الممكن أن يسأل الإنسان نفسه سؤالاً وهو جالس، ويضع له قيوداً بحيث يأخذ الجواب على مزاجه في هذا السؤال.
فلما قال النبي ﷺ : (الإثم ما حاك في نفسك) فمعناه أنك ستعمل شيئاً ثم أنت شاك فيه.
فإذا كنت تستحي أن تصنع هذا الشيء أمام الناس، فاعلم أنه من الإثم، فالإثم ما حاك في نفسك، وتخاف أن تفعل ذلك أمام الناس، ولهذا قال ﷺ : (وكرهت أن يطلع عليه الناس).
وهذا الحديث في صحيح مسلم.
стр. 557
تنزهه ﷺ عن الفحش والتفحش
عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: (لم يكن رسول الله ﷺ فاحشاً ولا متفحشاً، وكان يقول: إن من خياركم أحسنكم أخلاقا) متفق عليه.
يقال: فلان فاحش، أي: بطبعه، فطبعه فيه الفحش.
(ولا متفحشاً) أي: متكلفاً لذلك، فمن الممكن أن يكون الإنسان مهذباً، ولكن وجد نفسه في وسط مجموعة من أصدقاء السوء، فأخذ يقلدهم، ويفعل مثلهم، ويتكلم بلسانهم، فإن رسول الله ﷺ أبر الخلق، لا هو فاحش بطبيعته، ولا يتكلف ذلك ﵊، فهو أنقى الناس لساناً وقلباً.
وفي الحديث بقية وهو قوله ﷺ : (إن من خياركم أحسنكم أخلاقا) أي: إن من خيار الناس في الناس أحاسنهم أخلاقاً.
стр. 558
فضائل حسن الخلق
стр. 559
أثقل شيء في ميزان العبد حسن الخلق
وقد روى الترمذي عن أبي الدرداء ﵁، أن النبي ﷺ قال: (ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق، والله يبغض الفاحش البذيء).
والميزان غيبي نؤمن به، إذْ يحضر الإنسان ميزانه يوم القيامة، فإما أن يخف وإما أن يثقل، فإذا خف هوى في النار والعياذ بالله، وإذا ثقل بأعمال صاحبه، يكون من أهل الرجحان، ومن أهل الجنة، نسأل الله أن يجعلنا من أهلها.
فأثقل الأشياء التي تثقل الميزان يوم القيامة، كلمة: لا إله إلا الله، فالأفعال التي يفعلها العباد من طاعات، ومن بر ومن إحسان تثقل الميزان، فأثقل ما يثقل الميزان يوم القيامة للإنسان المؤمن، هو تحصيل كلمة: لا إله إلا الله، ولكن من أعظم ما يثقل ميزانهم: حسن الخلق.
قال رسول الله ﷺ : (ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق، والله يبغض الفاحش البذيء).
فالإنسان إذا كان لسانه بذيئاً فاحشاً يبغضه الله ، وإن أحبه البعض ممن هم على شاكلته، فإن الطيور على أشكالها تقع، فالإنسان البذيء محبوب إلى أهل البذاءة والسفاهة، ولكنه بغيض إلى أهل الإيمان.
لذلك فإن الإنسان المؤمن، عفيف اللسان، إذا تكلم فصوته منخفض، لا يتكلم بالفحش من القول، ولا يشتم أحدا، ولا يسب أحدا، ولا يلعن شيئا، فالمؤمن حسن الخلق، والإنسان قد يكون يتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالاً -كما قال النبي ﷺ تهوي به في النار سبعين خريفاً، أي: سبعين سنة، كأن يشتم إنساناً، أو يلعن إنسانا، أو يشتم أبا إنسان، أو أم إنسان، ويتكلم بغيبة ونميمة، أو بكلام بذيء يقوله، ولم يكن على باله أنها تودي به في مصيبة، فتهوي به في النار سبعين خريفاً.
هذا الإنسان حين يكون على الصراط، وهو يحاول أن ينجو من النار، فهو يمشي تارة ويكبو تارة، وتارة تلفحه النار، فتأتي هذه الكلمة الخبيثة التي قالها، فتجعله يسقط في نار جهنم سبعين خريفاً.
стр. 560
تقوى الله وحسن الخلق من أسباب دخول الجنة
وروى الترمذي أيضاً عن أبي هريرة ﵁، (أن النبي ﷺ سئل عن أكثر ما يدخل الناس الجنة؟ فقال: تقوى الله وحسن الخلق).
تقوى الله، أي: يتقي العبد ربه ، ولا يقع في المعاصي، ولا يتكلم إلا بما يرضي الله ، فإن تقوى الله تدخل الإنسان الجنة.
وكذلك حسن الخلق من أكثر ما يدخل العبد الجنة.
و (سئل النبي ﷺ عن أكثر ما يدخل الناس النار، فقال: الفم والفرج).
لأن فم الإنسان يأكل حراما، وينطق بحرام وفحش، فيدخله النار والعياذ بالله، وأكثر أهل النار دخولاً النار بذلك، والفرج يقع في الزنا، ويقع في الحرام والعياذ بالله، وهذا أكثر ما يدخل الناس النار.
стр. 561
حسن الخلق من كمال الإيمان
عن أبي هريرة ﵁ أيضاً قال: قال رسول الله ﷺ : (أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، وخياركم خياركم لنسائهم).
فقوله: (أكمل المؤمنين إيماناً) أي: أن المؤمن يتقي الله سبحانه، ويعمل الأعمال الصالحة، فهو يبتغي الكمال في الإيمان، فهو يحلي إيمانه وعمله بحسن الخلق، فيصير إيمانه كاملاً، بل أكمل المؤمنين إيماناً هذا الذي هو على حسن الخلق، وأكمل الخلق إيماناً هو نبينا صلوات الله وسلامه عليه الذي مدحه ربه فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤].
وقال ﷺ : (وخياركم خياركم لنسائهم) وهذا فيه حث للرجال على أن يحسنوا إلى زوجاتهم، فقد يتخلق الإنسان بحسن الخلق مع الإنسان الغريب، ولكن مع أهله يكون فظيعاً، يكون ذا لسان يقع في المرأة ويشتمها، ويشتم أباها.
فالإنسان يكون على حسن الخلق في كل أحواله، كذلك مع أهل بيته، وهم أحق أن يتحلى الإنسان بحسن الخلق معهم، ومع غيرهم، فالذي يكون حسن الخلق له سجية وطبيعة يتعامل مع زوجته، ومع أولاده، ومع جاره، ومع الغريب ومع كل الناس بحسن الخلق، فأحسن الناس خلقاً من اتقى الله ، وحسن خلقه مع الناس، ومع أهله خاصة، قال رسول الله ﷺ : (خياركم خياركم لنسائكم).
وكذلك المرأة تكون مع زوجها حسنة الأخلاق، لا ترفع صوتها على زوجها، ولا تخونه، ولا تخبئ عنه مالها، ولا تغدر به، وتفعل في غيابه خلاف ما تقوله أمامه.
فلابد أن تكون المرأة مع زوجها أمينة، فهي مؤتمنة على مال زوجها، مؤتمنة على عيالها، لا تأخذ من ورائه مالاً وتنكر أنها أخذت مالاً.
فالرجل يتعامل مع امرأته بحسن الخلق، وتكون المرأة مع زوجها كذلك؛ لأنهما يتعاملان مع الله .
والتعامل مع الله سبحانه أن يخاف من العقوبة يوم القيامة، وأنه سيسأله لماذا فعلت هذا الشيء، فيخاف أن يقع فيما يحرمه الله سبحانه.
стр. 562
إدراك المؤمن درجة الصائم القائم بحسن خلقه
عن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم).
أي: أن هناك أبواباً في الجنة: باباً للصائمين، وباباً للمصلين، وهكذا، فيأتي الإنسان يوم القيامة، فإن كان من أهل الصيام دخل من باب الصيام واسمه: باب الريان، وإن كان من أهل الصلاة دخل من باب الصلاة، وإن كان من أهل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دخل من بابها.
فالإنسان المؤمن الحسن خلقه قد لا يكون مكثراً من صيام النافلة، ولا من صلاة النافلة، ولكنه حسن الخلق، فهذا قد يدرك أن يدخل الجنة مع هؤلاء الذي أكثروا من صيام النافلة، ومن صلاة النافلة، ولم يكونوا على هذه الدرجة من حسن الخلق.
стр. 563
ضمان النبي ﷺ ببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه
ومن الأحاديث الواردة في حسن الخلق: حديث رواه أبو داود عن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاً، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحاً، وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه).
والزعيم: الضمين، أو الضامن، أو الكفيل، أو الكافل، أي: وضامن لكم، وهو الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه، يضمن لكم ذلك، لكن افعلوا ما شرطه عليكم.
وقوله ﷺ (ببيت في ربض الجنة) الربض: الحوش الذي خارج البيت، والجنة لا يوجد أحد يكون خارجها، بل كلهم داخل الجنة، وكأنه يقصد هنا أسفل الجنة، والجنة درجات بعضها فوق بعض، والنار دركات بعضها تحت بعض.
فربض الجنة هنا أدنى منزلة في الجنة، ويعلوها أوسط الجنة، وأعلاها أعلى الجنة، فالنبي ﷺ وعد أنه زعيم، وأنه ضمين وكفيل ببيت في أدنى الجنة.
قال: (لمن ترك المراء) أي: الجدل، فالإنسان الذي يجادل بحق أو بباطل، ينهاه النبي ﷺ عن ذلك؛ لأن المراء لا يأتي بخير، والإنسان حين يجادل في مسألة علمية إما أن يجادل أهل العلم، أو يجادل الناس ليظهر أنه أفضل منهم، فمن كان يجادل الناس، ويماري السفهاء بالعلم، مصيره النار والعياذ بالله، والإنسان الذي يماري العلماء ليظهر قدر نفسه، وليرى الناس أنه أعلى منهم، وأفضل منهم، مصيره النار والعياذ بالله.
وأما الذي يجادل ليحق الحق، ويجادل أهل الباطل ليعلمهم الحق، ويرد عليهم ما يقولون، فهذا يستحق الثواب.
فالأصل أن الإنسان لا يجادل المؤمن؛ لأنه لا يتعلم العلم بالجدل، وإنما يتعلم العلم بالتحصيل، ويتعلم العلم بالحفظ، وبالإتقان والممارسة؛ لأن الجدل يضيع الوقت، فيظل الإنسان يجادل حتى يضيع عليه وقت طويل، ولعله لا يعرف غير هذا الذي جادل فيه ولعله لا يتقنه، فالنبي ﷺ يأمره أن يوفر على نفسه وقته، وأن يترك الجدل، فهو زعيم له ببيت في أسفل الجنة إن ترك الجدل.
والنبي ﷺ قال: (لمن ترك المراء وإن كان محقاً)، فكيف إن كان على باطل؟! (وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب) أي: لا يكذب ولو مازحاً، فهذا الذي يمزح فيقول كلاماً كذبا، يقول له النبي ﷺ : أنا كفيل لك إن تركت الكذب جاداً أو مازحاً ببيت في وسط الجنة لا تكذب إلا فيما يجوز: في إصلاح بين الناس، وفي كلام الرجل مع امرأته، وفي كذب إنسان في الحرب، فالحرب خدعة، لكن غير ذلك لا يجوز الكذب فيه، فيترك الكذب مازحاً أو جاداً.
قال: (وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه).
فبحسن الخلق ينال أعلى الدرجات.
فالإنسان الذي حسن خلقه حين يمر على الصراط فإن حسن خلقه يدفعه سريعاً حتى يتجاوزه، ويدخل الجنة، ويأتي على أبواب الجنة، ويسابق أهل الصيام، وأهل الصلاة وأهل الطاعات بحسن خلقه.
هذا الإنسان الذي حسن خلقه، إذا دخل الجنة، صعد إلى أعلى الجنة بحسن خلقه، وإذا كان في أعلى الجنة كان قريباً من النبي ﷺ بحسن خلقه، وأقرب الناس من النبي ﷺ أحاسنهم أخلاقاً، فانظر إلى حسن الخلق كيف جمع الخير كله في الدنيا والآخرة، نسأل الله أن يحسن أخلاقنا.
стр. 564
حسن الخلق يقرب من النبي ﷺ ومن محبته يوم القيامة
ومن الأحاديث الواردة في حسن الخلق: حديث رواه الترمذي عن جابر بن عبد الله ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: (إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا، وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني يوم القيامة: الثرثارون والمتشدقون، والمتفيهقون، قالوا: يا رسول الله! قد علمنا الثرثارون والمتشدقون فما المتفيهقون؟ قال: المتكبرون).
الحديث فيه أن النبي ﷺ يخبر عمن هو أحب الناس إليه يوم القيامة، وأقربهم منه صلوات الله وسلامه عليه في المجلس.
إذاً: هناك درجة عالية جداً في الجنة، وقريبة من النبي صلوات الله وسلامه عليه: (إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا).
стр. 565
سوء الخلق يباعد عن النبي ﷺ وعن محبته يوم القيامة
والعكس تماماً: أن أبغض الناس للنبي ﷺ حتى وإن دخلوا الجنة بعد ذلك، لكن أبغضهم إليه في الدنيا، فالجنة ليس فيها بغضاء، ولكن في الدنيا، يبغضه النبي ﷺ ، فإذا كانوا في الجنة نقاهم الله من ذنوبهم، وكانوا بعيدين عن النبي ﷺ .
قال: إن أبغضكم إلي، وأبعدكم مني يوم القيامة: الثرثارون: وهو الذي يتكلم كثيراً، رجلاً كان أو امرأة.
(والمتشدقون) المتشدق: الإنسان الذي يتطاول على الناس بكلامه، يزعم أنه فصيح وأنه بليغ، وأنه يعرف ما لا يعرفه غيره، ويتكلم بما لا يتكلم به غيره، فهو يريد أن يتفاصح على الناس، ويريهم أنه أحسن منهم، هذا المتفاصح هو المتشدق، أي: الذي يملأ شدقيه بالكلام.
(والمتفيهقون): أصله من الفهق، وهو الامتلاء وكأن هذا الإنسان يملأ فمه بالكلام وليس في عقله شيء من الفهم، ليس لديه إلا كلام يقوله فقط.
وفرق بين متفيهق ومتفقه، فالمتفقه: هو العالم الذي صار الفقه له سجية، فالإنسان المتفقه يطلب العلم الشرعي، فهو متفقه، في دينه، والمتفيقه: صغير في طلب العلم، وقد يكبر يوماً من الأيام ويصل إلى درجة فقيه.
والمتفيهق: الذي يقول الكلمة دون أن يفهم معناها وقلبه فارغ، وعقله فارغ، وليس فيه إلا لسان يتكلم به، فيفتي في دين الله وهو لا يفهم فيه شيئا، وما أكثر من يتعاطى الفتوى في كتاب الله، وفي سنة رسول الله ﷺ ، وهو لا يفهم شيئاً من ذلك.
فقال: إن هؤلاء أبعد الناس مجلساً عن النبي ﷺ يوم القيامة، وهم: الثرثارون، والمتشدقون، والمتفيهقون.
(قالوا: فما المتفيهقون؟ قال: المتكبرون) أي: يستكبر بشيء ليس عنده، وهو ليس من أهل العلم، فيجعل نفسه من أهل العلم، فهو المتفيهق، الذي يملأ فمه بالكلام، قال الله، وقال الرسول ﵊، وهو لا يفهم ما يقول، ولا يصح الذي يقوله.
فالمتفيهق المستكبر في العلم بما لم يحصله، هذا من أبعد الناس عن النبي ﷺ يوم القيامة.
انظروا إلى حسن الخلق كيف كسب به الإنسان في الدنيا رضا الله سبحانه، ورضا الناس عنه، فلما كان يوم القيامة أدخله الله جنته، وجعله من أقرب الناس من النبي ﷺ .
نسأل الله أن يجعلنا كذلك، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
следующие страницы →