← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 36997

شرح رياض الصالحين - حطيبة

أحمد حطيبة

Полный текст (1 057 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

شرح رياض الصالحين - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من شعائر المسلمين، ومن أسباب خيرية وتفضيل هذه الأمة على سائر الأمم، فبه تحفظ معالم الدين الحنيف، وتظل هيبة الإسلام قائمة في النفوس، وقائمة على الأرض.

стр. 2

ما جاء في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

стр. 3

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيه خير الدنيا والآخرة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الإمام النووي ﵀: [باب في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: قال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:١٠٤]. وقال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠]. وقال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:١٩٩]، وقال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [التوبة:٧١]. وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان)]. هذا الباب من هذا الكتاب العظيم رياض الصالحين يذكر فيه الإمام النووي ﵀ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من خصائص هذا الدين العظيم، فقد جاء في القرآن آيات كثيرة في أن ربنا أمرنا أن تكون منا أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وهذا فيه خير الدنيا وفيه خير الآخرة، والذي ينظر إلى هذا الدين العظيم ويتأمل في قواعده الكلية وأصوله العظيمة، وفروعه ومسائله، يعرف أن هذا دين الله ، وأنه الدين الذي فيه صلاح معاش الناس، وأن بغيره تضيع الدنيا الآخرة، فالدين فيه قوام حياة كل إنسان والإنسان يشعر بإنسانيته حين يتبع هذا الدين العظيم، ويشعر المؤمن بعزة يستمدها من هذا الدين، وعزة من الله يعز به المؤمنين، ويستشعر كيف أن البعيد عن هذا الدين في ذل عظيم ما دام في بعده عن دين الله وعن طاعته، فربنا خلق العباد ليبتليهم أيهم أحسن عملاً، وليبتلي بعضهم ببعض، ويبتلي المؤمن بالكافر والمطيع بالعاصي، والبر بالفاجر، والمستقيم بالمنحرف. ولو كان الناس كلهم على الاستقامة، والأمر كله عبارة عن أكل وشرب ولعب ولهو وراحة لأصبحت آخرة لا دنيا، فربنا خلق الدنيا لتكون حياة قصيرة وسماها دنيا، والدنيا اسم مأخوذ من الدنو والدنو هو القرب، والبعيد هو الأجمل وهي الدار الحيوان، أي الحياة الدائمة المقيمة فالمؤمن من يبيع الدنيا ليشتري الآخرة، فالدنيا فيها بساتين، والإنسان ينظر ويتنعم ويأكل ويفرح ويشتهي أشياء وينالها، لكن كل هذا جعله ربنا لنا مثالاً صغيراً لتعرف أن وراء ذلك ما هو أعظم بكثير، فإن أكلت في الدنيا وجدت من الأكل شهوتك وأخذت منه حاجتك وبعد ذلك أخرجته فألقيته في القمامة وهذه نهاية أكل الدنيا. وأكل الآخرة بعكس أكل الدنيا تماماً، فلا بول ولا غائط في الجنة ولكن عرق كريح مسك، ولا تخمة ولا مرض فالدار الآخرة دار استمتاع تستمتع بها فحين يدلنا ربنا على ذلك يتفكر الإنسان في سبب وجودنا في هذه الدنيا، والسبب هو الامتحان والبلاء لكي نحصل على الجزاء يوم القيامة، وليتعب الإنسان في الدنيا ليرتاح في الآخرة. ومن تعب الإنسان أن يتعب في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

стр. 4

حسن الخلق في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قوله: (الأمر بالمعروف) وكأن اللام هنا لام الجنس، وهو كل ما عرفته الشريعة لك بأنه أمر حسن، ولن تستطيع الأمر بالمعروف إلا إذا تعلمت القرآن والسنة عن طريق سؤال أهل العلم، يقول تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣]، فإذا تعلمت القرآن تعلمت السنة، وتعلمت الخلق الحسن من الكتاب ومن السنة. فإذا أمرت بالمعروف لا يكون الأمر بالمعروف هو عين المنكر، وإذا نهيت عن منكر لا يكون نهيك عن المنكر منكراً، فتنهى بصورة منكرة وبفعلك تنفر الخلق عن دين الله، فهذا لا ينبغي. فالأمر بالمعروف لا بد أن يكون بحكمة وموعظة حسنة، وكذلك النهي عن المنكر، فتحصل على الخير العظيم في الدنيا وفي الآخرة، يقول ﵊: (ما كان الرفق في شيء إلا زانه وما نزع من شيء إلا شانه)، فيجب أن يكون الإنسان رفيقاً يحبه الناس، ولا ينبغي أن يكون غليظاً شديداً يبغضه الناس، والمحبوب من الناس يجد استجابة له منهم. قال ربنا هنا: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ﴾ [آل عمران:١٠٤] واللام لام الأمر، أي لتوجد منكم وكأن الأمر هنا بالإيجاد أي: أوجدوا ذلك، وكونوا على ذلك، وإعراب كلمة (أمة): فاعل مرفوع، وفعل الأمر في بداية الجملة تام وليس ناقصاً. وصفاتهم: ﴿يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران:١٠٤]، يدعون إلى الخير، أي الخير الموجود في هذا الدين، والدين كله خير، والذي يتأثر بالدين يستشعر حلاوته في لسانه وفي قلبه، وتستشعر حلاوة الدين عندما تقرأ القرآن وكذلك تتذوق حلاوة كلام رب العالمين، وكلام النبي ﷺ في قلبك، وتستشعر زيادة الإيمان، وعليك أن تدعو وليست عليك النتيجة، فالنتيجة لم يكلف بها أحد لا نبي ولا رسول ولا ولي ولا آحاد الناس، والذي عليك فقط أن تدعو الله بالحكمة والموعظة الحسنة. ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [آل عمران:١٠٤] أي: بكل ما أمر الله به وأمر النبي ﷺ به. (وينهون عن المنكر) اللام لام الجنس أي: جنس المنكر فأي منكر ولا بد وأن ينهى عنه ولكن بحسب طريقة النهي، فلا بد أن يكون الناهي حكيماً حليماً، يكون مخلصاً يرجو في أمره ونهيه أن يستجيب الناس وبهذا تحققت استجابة الناس، ولعل الإنسان إذا أمر استجاب الإنسان. ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:١٠٤] والفلاح هو النجاح، والنجاح قد يكون مؤقتاً، وقد يكون دائماً، والمقصود في الآية هو النجاح الأبدي الذي لا خسارة بعده.

стр. 5

الأمر بالمعروف والإعراض عن الجاهلين ويمدح الله المؤمنين بالخيرية في الآية السابقة، ولكن سبب الخيرية عائد على الله فهو أهل المنة والفضل، قال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠] بسبب أنكم ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠]. والله ﵎ قال للنبي ﷺ والمؤمنين بالتبع: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ [الأعراف:١٩٩] أي: ليكن من خلقك العفو عمن يسيء إليك. ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ [الأعراف:١٩٩] أي بالمعروف من هذه الشريعة. ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:١٩٩]، فبدأها بالعفو وأنهاها بالعفو أيضًا، فدل ذلك على منزلة العفو العظيمة عند الله سبحانه، وكأنه يقول: إنه طالما أنت متوجه لدعوة الخلق لابد وأن تؤذى، وليس شرطاً أنه كلما أوذيت انتصر لك ربنا، ولكن اصبر وخذ بالعفو، فيعفى عنك يوم القيامة. ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:١٩٩] لا تنشغل بالجاهل، وليس المقصود بالجاهل هنا الذي ليس متعلماً، ولكن المقصود: جاهل الأخلاق وصاحب الأخلاق السيئة وقد ذكر الله هذا الصنف من الناس في آية أخرى قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ﴾ [الفرقان:٦٣]، الجاهلون سيئو الخلق، والناس الذين في أنفسهم شر وسوء أدب، فإذا خاطبوا عباد الرحمن قالوا سلاماً، أي: قالوا قولاً كريماً، وأكرموا أنفسهم عن الوقوع في اللغو مع هؤلاء، وأكرموا أنفسهم أن يهينوها بالوقوع في المخاصمة مع هؤلاء. والإنسان قد يتعرض للمعاملة مع شياطين الإنس وشياطين الجن، فأما شياطين الجن فأنت مأمور بالتعوذ بالله ، وربنا يعلمنا أن نتعوذ بالله من همزات الشياطين، قال : ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون:٩٧ - ٩٨]، فتقول: أعوذ بالله السميع من الشيطان الرجيم إلى ما ذكر عن النبي ﷺ . أما شيطان الإنس فعليك أن تعرض عنه وتأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر وتحاول عدم الدخول معه في المصادمة، لعل الله في يوم من الأيام يهدي هذا الإنسان. يقول لنا ربنا ﵎: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة:٧١] والتولي هو المناصرة وكأنه يقول: كن مع أخيك المؤمن في عسره ويسره، والنبي ﷺ يوضح لنا: (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً)، إن كان ظالماً فانصره على نفسه وخذ منه الحق لصاحب المظلمة، وإذا كان مظلوماً فأعنه أن يأخذ حقه، وكن مع أخيك المؤمن توله بالخير يتولك الله بالنصر والتأييد، ومن سياق الآية: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة:٧١] يتبين أنه لا ولاية بين المؤمن والكفار، وبهذا تنتفي كل معاني مناصرة ومحبة المؤمن للكافر. ثم يبين الله سب موالاة المؤمنين لبعضهم وهو أنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، والمؤمن يحب من أخيه تقواه ويحب منه أنه يعلم الناس الخير، ويحب منه أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.

стр. 6

لعن بني إسرائيل لتركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قال الله ﵎: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [المائدة:٧٨] وسبب لعنهم على لسان داود وعيسى بن مريم على نبينا وعليهم الصلاة والسلام: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [المائدة:٧٨]، فقد كانوا أشد الناس عصياناً لله ﵎، وخروجاً عن أمره وتحايلاً على معصيته سبحانه، فلعنهم الله على لسان داود وعيسى بن مريم. ﴿كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ [المائدة:٧٩]، فاستحقوا اللعنة بسبب تركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ﴿كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ﴾ [المائدة:٧٩] أي: لا ينهى بعضهم بعضاً، فكان اليهودي ينظر إلى الآخر ويعمل المنكر فلا يأمره بالمعروف، فتساهلوا إتيان المنكرات. وقد أمرهم الله باتخاذ الجمعة لهم عيداً، فقالوا: نريد السبت؛ لأن الله انتهى من الخلق يوم الجمعة واستراح من عناء الخلق يوم السبت، فافتروا على الله الكذب بقولهم، وقالوا راحتنا تكون يوم السبت، فأمرهم بالامتناع عن العمل يوم السبت، وكانت الأسماك تكثر في البحر يوم السبت غير بقية الأيام، وهذا فيه تمحيص لصدق إيمانهم، فكانوا يتحايلون على الله بحيل سخيفة ومنها: أن الواحد منهم كان يضع شباك الصيد يوم الجمعة فتعلق الأسماك بها يوم السبت فلا يرفعون الشباك إلا في اليوم الآخر وهم يظنون أنهم بذلك قد أفلحوا في التحايل على الله، فكانت تفوح رائحة الأسماك من بيوت الذين كانوا يعملون هذه الحيل، فأمهلهم الله ولم يعاقبهم، فقام اليهود بعمل هذه الحيلة. فأنزل الله ﵎ ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف:١٦٥]، ومنهم الذين اعتدوا في السبت فقد لعنهم الله ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [المائدة:٧٨] فاعتدوا في يوم السبت أي: تعدوا حرمات الله سبحانه وبعد ذلك أكلوا هذه الأسماك وفرحوا مؤقتاً حتى أتاهم العذاب فكانوا عبرة لغيرهم. قال سبحانه: ﴿كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة:٧٩] أي: لا ينهى بعضهم بعضاً، فقال: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة:٧٩] إذا عمل الواحد منهم المعصية لا يجد واحداً ينهاه، فيسكت الساكت عن رضا بما يعمله الآخر من معصية فسمى الله عدم نهيه عن المنكر فعلاً وقال: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة:٧٩]. وقال الله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف:٢٩] أي: قد جاء الحق من عند الله ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف:٢٩] فالله هو الغني، والخلق كلهم فقراء إلى الله ، وإذا عمل الإنسان عملاً صالحاً انتفع هو ولم يزد الله شيئاً، وإذا عمل الإنسان عملاً غير صالح أضر نفسه وأهلكها، ولم يضر الله ، فلا يضر العاصي إلا نفسه. قال تعالى للنبي ﷺ : ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ [الحجر:٩٤] فأمره أن يبلغ للناس هذا الدين، والصدع هو رفع الصوت، والمقصود به: أن يجهر بالحق ﷺ . قال تعالى: ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ [الأعراف:١٦٥] أي: عذاب شديد، وهو من أشد وأفظع ما يكون، ويكفي أن أصبحوا وقد مسخ الذين كانوا يصطادون يوم السبت قردة وخنازير، وظلوا على هذه الحالة ثلاثة أيام ثم أهلكهم الله .

стр. 7

شرح حديث: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده) من الأحاديث التي جاءت في هذا الموضوع العظيم حديث لـ أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان)، ويكون هذا على حسب القدرة والاستطاعة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتغيير المنكر الذي أمامه. (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده) وكأن المعنى المنكر الذي لا يتغير إلا بيد، لا يصح فيه إلا ذلك، كأن يخطف شخص امرأة ويريد أن يزني بها، ففي هذه الحالة لا بد من استعمال اليد، لأنها من الحالات التي لا بد أن يستعمل الإنسان فيها يده، فإنها لا تنفع النصيحة باللسان في مثل هذه الحالات، ولكن إذا لم تستطع أن تغيره بيدك كأن يكون مع الخاطف مثلاً سلاح، فأمر باللسان وحاول أن تنصحهم بلسانك، أما إذا أراد كل من يريد أن يتكلم فأقل حاله فيها أن يكره الإنسان هذا الشيء القبيح وهذا الفعل السيئ، وأن ينكر هذا الشيء بقلبه. جاء رجل إلى النبي ﷺ يستأذنه أن يزني، فقال له النبي ﷺ : (ادن! أترضاه لأمك؟! قال: لا، قال: وكذلك الناس لا يرضونه لأمهاتهم، أترضاه لأختك؟! قال: لا. جعلني الله فداك، قال: كذلك الناس لا يرضونه لأخواتهم، أترضاه لابنتك؟! قال: لا. جعلني الله فداك، قال: كذلك الناس لا يرضونه لبناتهم، ثم دعا له النبي ﷺ ، قال: فما كان شيء أبغض إليه من الزنا)، فلو ضربه في هذا الوقت لما أفاده، ولكنه خاطب عقله وقلبه ودعا له فرقّ قلب الإنسان، وإذا به يستشعر قبح ما كاد أن يقع فيه. فلذلك ليس شرطاً أن تغيره بيدك أول ما تراه، فالأمر في الحديث ليس هذا مقصوده، وإنما القصد أن تستخدم يدك في الضرورة، وقد يكون تغيير المنكر لا يحتاج حتى إلى كلام، فهناك أشخاص مجرد النظر إليهم وهم في معصية يجعلهم يتركونها حياءً، وقد يكتفي بالإشارة، فادفع بالأسهل إلا إذا اقتضى الأمر، فقد جاء رجل يسأل الرسول ﵊: (أرأيت إن جاء رجل يأخذ مالي؟ قال: لا تعطه قال: فإن أبى فقاتلني؟ قال: فقاتله، قال: فإن قتلني؟ قال: أنت في الجنة وأنت شهيد، قال: فإن قتلته؟ قال: هو في النار)، ففي البداية ابدأ بوعظ هذا الإنسان. والغرض أن الإنسان إذا أمر بالمعروف عليه أن يتقي الله سبحانه ويرجو أن ينقذ أخاه العاصي من النار، لعل الله ييسر بكلمة صالحة أن ينتهي هذا عن باطله ويرجع إلى رشده. نسأل الله أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 8

شرح رياض الصالحين - تحريم الظلم والأمر برد المظالم [١] حرم الله الظلم على نفسه، ثم حرمه على عباده، وذلك لما له من تأثير سيء على حياة الناس؛ فبه تسود شريعة الغاب، وينعدم الأمن والعدل، ويأكل القوي الضعيف، ولذلك حذر منه الإسلام، وتوعد الظلمة وعيداً تقشعر منه الأبدان، وترجف له القلوب.

стр. 9

جريمة الظلم وتحريمه في الكتاب والسنة

стр. 10

ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. وبعد: المراد بتحريم الظلم: هو الأمر برد المظالم، قال الله تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر:١٨]، وقال تعالى: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [الحج:٧١]. وعن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم). رواه مسلم. وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء) رواه مسلم. والآيات في منع الظلم كثيرة، والأحاديث أيضاً كثيرة. ولكن هذا للتذكرة وهذه مهنة هذا الكتاب العظيم حيث إن الأحاديث التي فيه لا يجهلها أحد، فأكثر الأحاديث يحفظها كثير منا أو قد سمعها قبل ذلك، ولكن النووي جمع بين الأحاديث في باب واحد، ليذكرنا بهذه الأحاديث. فهو يجمع بين الأحاديث في باب واحد ويذكرنا بهذه الطريقة الجميلة، فيسرد الآيات في المسألة ويسرد الأحاديث حتى تتفكر أنت في الآيات وفي الأحاديث، وتنظر: هل الإنسان واقع في هذا الذنب الذي هو مذكور في هذا الباب؟ وقد عرفنا من القرآن أن ربنا حرم علينا الظلم، وعرفنا من السنة كذلك، فمن الآيات قوله سبحانه: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر:١٨]. وأعظم الظلم الظلم الأكبر: وهو الشرك بالله، أو الكفر بالله ، يلي ذلك ظلم الإنسان لغيره، وظلمه لنفسه، والظلم ظلمات يوم القيامة. فالظالم ليس له حميم، والحميم: القريب الذي يحبه ويشفق عليه، فلن يجد له أحداً يحبه، ولا يشفق عليه يوم القيامة، يوم تجد كل إنسان يقول: نفسي نفسي! حتى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يقولون: (نفسي نفسي! إن الله قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله). يقولها كل الأنبياء بلا استثناء ما عدا نبينا صلوات الله وسلامه عليه، فهو الذي يقول: يا رب! أمتي أمتي، صلوات الله وسلامه عليه، بل إذا كان الإنسان يوم القيامة يفر من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه، فكيف بالظالم؟ قال تعالى: ﴿يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ﴾ [المعارج:١١]. يتمنى أن يفتدي المجرم بابنه ويسلم هو من العذاب يقول: خذوا ابني إلى العذاب وأنا أفلت، فهنا الظالم يوم القيامة لا شيء ينفعه، كما قال سبحانه: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر:١٨]. يعني: ليس لهم شفعاء، ولو فرض أن هناك شفيعاً يشفع لهذا الظالم فلن يطاع في ذلك، ولن يستجاب لهذا الشفيع في هذا الظالم، فمن يرضى لنفسه أن يكون حاله يوم القيامة أنه لا أحد يشفع له، لو شفع له أحد لقال له ربنا : لا تنفعه شفاعة الشافعين. فعلى الإنسان أن ينظر ما الذي صنع هؤلاء الظلمة ويتجنبه في الدنيا قبل حساب يوم القيامة؛ لأنه: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [الحج:٧١]، وكذلك يقول لنا ربنا سبحانه: (إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً). وقال تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ [الزخرف:٧٦]. وقال تعالى: ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة:٥٧].

стр. 11

الظلم ظلمات يوم القيامة والأحاديث كثيرة جداً عن النبي ﷺ ، من ذلك ما جاء عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (اتقوا الظلم). فلابد أن نتقي الظلم، ولابد أن نعرف هذا الظلم؛ لأن الإنسان قد يقع في الظلم وهو لا يدري، فقد يظلم نفسه فيشرك بالله ، أو يرائي بعمله، وقد يظلم غيره بأن يأخذ ماله أو يغتابه في عرضه، أو يسفك دمه. فقوله ﷺ : (اتقوا الظلم)، يعني: اجعلوا وقاية بينكم وبين الظلم، وحاجزاً بينكم وبين الظلم؛ (فإن الظلم ظلمات يوم القيامة) فيوم القيامة لا يزداد إلا ظلمات. فهو يوم فظيع شديد، وكل شيء قائم بين يدي الله ، فهو يوم الحاقة الذي يحق الله به الحق، وهو يوم الصاخة، أي: الفزع الأكبر، وهو يوم العرض على الله ﵎، وهو يوم الصيحة الهائلة التي تصم الآذان في يوم فظيع ورهيب. وهو يوم يحاسب فيه الإنسان على كل ما عمل في الدنيا، يعرف طريقه أمامه، ويقال للناس: اعبروا الصراط، وهو مكان مظلم، ويكون العبور بحسب النور الذي يعطاه الإنسان، ومن أجل أن يعبر هذا الصراط لابد من أن يمر في ظلمات يوم القيامة، وهنا يأتي ظلم الإنسان فيطفئ له كل أنواره، فلا يرى شيئاً، ولا أحد ينتفع بنور صاحبه. إن الإنسان المؤمن الذي يكون نوره أمامه عظيماً جليلاً فإنه وحده الذي ينتفع بنوره، وليس غيره من أهل الظلم. ويقول ﷺ في نهاية الحديث: (واتقوا الشح)، لأن الشح وسيلة لأن يقع المرء في الظلم، وصحيح أن الله قال: ﴿وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء:١٢٨]، فنفس كل مخلوق فيها شح بحسبها، ولكن ربنا أمرنا أن نقاوم هذا الشح. والشح: أشد البخل؛ لأن بخل الإنسان وشحه دفع الناس إلى أن سفكوا الدماء، واستحلوا المحارم، وذلك لأن كل أحد يريد الحاجة لنفسه ولا يريد غيره أن يستمتع بها، فمع شحهم سفكوا دماءهم؛ لأن كل واحد يقول: حقي، من غير نظر هل هو حقه فعلاً أو ليس حقه؟ فسفكوا الدماء، واستحلوا الحرمات.

стр. 12

الأمر بأداء الحقوق يأمرنا النبي ﷺ بأداء الحقوق، ويتوعد على ذلك، فيقول ﷺ : (لتؤدن الحقوق إلى أهلها)، فالفعل المضارع المسبوق بلام التوكيد وفي آخره نون التوكيد الثقيلة يكون معناه القسم، فيكون المعنى هنا: والله لتؤدن الحقوق. فهنا يقول ﷺ : (لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء). فإذا لم نؤد الحقوق في الدنيا فإننا سنؤديها يوم القيامة من حسناتنا، أو بأن نأخذ من سيئات أصحابها حيث توضع علينا، بل إنه سيقاد للشاة الجلحاء -أي: التي من غير قرن- من الشاة القرناء. فإذا كان الله يقتص للبهيمة من أختها، فكيف بالإنسان العاقل الذي يتكلم، والذي أنزل الله عليه الكتب وأرسل إليه الرسل؟! فإذا كانت الشاة الجلحاء ستأخذ حقها من الشاة القرناء، فإن الإنسان سيأخذ حقه من الآخر من باب أولى.

стр. 13

حرمة مال المسلم ودمه يقول ابن عمر ﵁: (كنا نتحدث عن حجة الوداع والنبي ﷺ بين أظهرنا، ولا ندري ما حجة الوداع). يعني: أن الصحابة كانوا يتكلمون أن حجة النبي ﷺ هذه هي حجة الوداع، ولكن لا يعرفون لماذا سميت حجة الوداع؟ وقد عرف البعض؛ لأن النبي ﷺ كان يكلمهم ويقول: (لعلي لا أحج بعد عامي هذا). ويقول: (خذوا عني مناسككم لعلي لا أحج بعد عامي هذا)، وقام يودع الناس ﷺ ويقول: (ألا هل بلغت! ألا هل بلغت! اللهم فاشهد) صلوات الله وسلامه عليه. ففهم كبار الصحابة أن هذه هي آخر حجة للنبي ﷺ ، وأما الباقون فبقوا يقولون: حجة الوداع، حجة الوداع، ولا يدرون لماذا سميت حجة الوداع؟ ومنهم ابن عمر رضي الله ﵎ عنه. قال: (حتى حمد الله رسول الله ﷺ وأثنى عليه، ثم ذكر المسيح الدجال فأطنب في ذكره، إلى أن قال: ألا إن الله حرم عليكم دماءكم وأموالكم كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا، ألا هل بلغت؟ ألا هل بلغت؟)، يعني: بلغتكم أن هذه الأشياء محرمة. فالأصل في مال المسلم أنه محرم عليك حتى يسمح لك، أو حتى يعطيك، أما أن تخدعه فليس لك ذلك، كأن تبيع له بأزيد من الثمن لتأخذ ماله، فليس لك ذلك، ولا يحل لك من مال أخيك إلا ما أباحه لك بطيبة من نفسه. (إن الله حرم عليكم دماءكم وأموالكم كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا، ألا هل بلغت؟! قالوا: نعم، قال: اللهم اشهد. ثلاثاً. ويلكم، أو قال: ويحكم!) كلمة للتحذير أو للترحم (لا ترجعوا بعدي كفاراً). فكأنه يحذرهم، ويقول: إني ميت فلا ترجعوا بعدي كفاراً. فلما قالوا: لن نرجع كفاراً، وكيف نكفر بالله بعدما عرفنا دين الله سبحانه؟! فهنا بين لهم أنه نوع آخر من الكفر، أي: متشبهين بالكفار، فقال: (يضرب بعضكم رقاب بعض)، أي: سفك الدماء، فكأن أفعال أهل الجاهلية أفعال الكفار، سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم. وكذلك يفعل المؤمنون في الهرج، فيتناسون دينهم، ويقتل بعضهم بعضاً، قال ذلك الرسول ﷺ .

стр. 14

حرمة الاعتداء على أرض الغير عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: (من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه يوم القيامة من سبع أرضين). وقد كانت من عادة العرب أن الواحد منهم إذا كان عنده أرض وعند الثاني أرض فإنه يجور صاحب الأرض الأول على أرض صاحبه فيأخذ أرضه، وإذا لم يقدر على ذلك فإنه يأتي إلى منار الأرض -أي: العلامة التي تحدد الحد الفاصل بين الأرض والأرض- فيزحزحه من أجل أن تزيد أرضه. ولذلك حذر النبي ﷺ الذي يصنع ذلك، ويظلم شبراً من الأرض، بأنه يجعل له طوقاً في عنقه يوم القيامة والله على كل شيء قدير، والإنسان الآن في الدنيا له حجم معين من طول وعرض، ولا يزال يتناقص، فقد كان طول آدم ﵇ ستين ذراعاً في السماء، ثم تناقصت الأطوال، فإذا جاء الناس يوم القيامة فإن الله يزيد الأحجام، ويزيد حجم الكافر زيادة كبيرة جداً من أجل أن يكفيه العذاب يوم القيامة، حتى إن ضرس الكافر ليكون مثل جبل أحد. فالذي يظلم قيد شبر من الأرض فإنه يؤخذ له هذا الشبر من الأرض السفلى، فيحمله طوقاً في رقبته، ويقف به يوم القيامة. فمعنى قوله ﷺ : (من ظلم قيد)، أي: قدر. (شبر من الأرض طوقه)، أي: حمله وجعل قلادة وطوقاً في عنقه ليس شبراً في المساحة فقط، بل في الحجم من سبع أرضين. ويقول ﷺ : (لا ألفين أحدكم يأتي يوم القيامة على رقبته بعير له ثغاء أو شاة تيعر). فالذي أخذ جملاً فإنه يحمله على رأسه. ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [السجدة:٥]. والكل قائمون بين يدي الجبار . يقول ﷺ : (إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته). وهذا شيء يجعل الإنسان يتفكر هل ظلم أحداً من الخلق؟! ولا ندري متى يأتي غضب الله وعقوبته للإنسان، فقد يأخذ الظالم فجأة من غير مرض، يقول النبي ﷺ في الحديث: (موت الفجأة أخذة أسف). الأسف بمعنى: الغضب، أي: أخذة غضب من الله ، وهذا أيضاً فيه الشهادة، فالإنسان المؤمن قد يقبضه الله فجأة وهو على عمل صالح فله أجر. وإنسان آخر من المؤمنين له درجة عالية؛ لأنه يزيد له في المرض ويزيد له في البلاء فيرتفع بذلك درجات عند الله ﵎. أما الإنسان الفاجر والكافر فيغضب عليه فيأخذه مرة واحدة، حيث يموت فجأة فلا يمهله حتى يتوب؛ لأن المرض يجعل الإنسان يتوب، ويرفع يديه إلى ربه تائباً، وهو سبحانه حيي كريم يستحي من عبده أن يرفع يديه ويقول: يا رب! ثم يرده من غير حاجة. لذلك فإن فرعون أظلم الظلمة وأفجر الفجرة الذي قال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨]، والذي قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]، عندما هلك غريقاً في البحر جعل يقول: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس:٩٠]. ولو دخل الإيمان قلبه لقال: لا إله إلا أنت، ولكنه قال: أنا أقول مثل هؤلاء، فيكون تقليداً منه وليس إيماناً من القلب، وخاف جبريل أن يقولها بجد فيرحمه ربه، فقال للنبي ﷺ : لو رأيتني وأنا أدس في فيه من طينة البحر من أجل أن يموت قبل أن تدركه الرحمة. فهنا أخذة الجبار أخذة أسف فعندما يأخذ إنساناً ظالماً لا يترك له فرصةً ليتوب إليه . وقد أخبرنا النبي ﷺ أن التوبة لا تقبل إلا إذا عاين الإنسان الموت في وقت الغرغرة، ففي هذه الحالة لا تنفعه التوبة، أو إذا طلعت الشمس من مغربها فأيضاً لا تنفع الإنسان التوبة في هذه الحالة. وقال النبي ﷺ : (إن الله ليملي -أي: يمهل- للظالم، فإذا أخذه لم يفلته، وقرأ قول الله سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود:١٠٢]). فهذه الآية من سورة هود التي قال عنها النبي ﷺ : (شيبتني هود وأخواتها)، فقد شيبت النبي ﷺ هذه السورة، التي فيها ذكر القرون وكيف أهلكهم الله سبحانه، وفيها ذكر نوح، وكيف أنه قال: ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ * قَالَ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود:٤٦]. فقد قال في هذه السورة: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ * وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ [هود:١٠٢ - ١٠٤]. ﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ * فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ [هود:١٠٥ - ١٠٦]. فالظلمة في نار جهنم ينهقون كالحمير، كما قال تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ [هود:١٠٦]، وهو: صوت خروج النفس ودخوله بالآهات كصوت الحمير عندما تنهق: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ [هود:١٠٦]. ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ * وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ﴾ [هود:١٠٧ - ١٠٨]. ونحن لا ندري من في الجنة ومن في النار، ولكن الله أعطانا أوصافاً لهم، فشاب النبي ﷺ من هذه السورة وما شابهها، لذلك يجب على المسلم أن يتدبر في آيات الله ﵎. فإنه كلما تدبر ازداد تعقلاً وتفهماً لآيات الله، فازداد علماً وعملاً، نسأل الله أن يوفقنا للعلم والعمل وأن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 15

شرح رياض الصالحين - تحريم الظلم والأمر برد المظالم [٢] أمر الله سبحانه دعوة الناس بالحكمة والموعظة الحسنة، فلا بد للداعي أن يمتثل ذلك، وأن يكون مهيئاً بمعرفة ما لابد منه للداعية، كالتدرج في تعليم الناس. وينبغي للداعية الحذر من الظلم ورد المظالم، فدعوة المظلوم مستجابة، لا ترد وإن كان المظلوم كافراً.

стр. 16

شرح حديث إرسال معاذ إلى أهل اليمن ليدعوهم إلى الإسلام

стр. 17

ضرورة الاستعداد وتهيئة النفس عند دعوة قوم من الأقوام الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الإمام النووي ﵀: [باب تحريم الظلم والأمر برد المظالم، قال الله تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر:١٨]. وعن معاذ بن جبل ﵁ قال: (بعثني رسول الله ﷺ فقال: إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب، فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب)، متفق عليه. هذا الحديث من ضمن مجموعة من الأحاديث التي ذكرها الإمام النووي في هذا الباب، وهو من رياض الصالحين باب تحريم الظلم والأمر برد المظالم. وذكرنا أن الله ﵎ قال في الحديث: (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا). وهنا في حديث معاذ بن جبل الشاهد منه قول النبي ﷺ : (واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب). الحديث فيه أن النبي ﷺ أرسل معاذاً إلى أهل اليمن يدعوهم إلى الله . وأهل اليمن كانوا من أهل الكتاب، إذ كان أكثرهم يهوداً، فأرسله إليهم يدعوهم إلى الله وبين له أنه في البداية لا يدعو هؤلاء إلا إلى شهادة أن لا إله إلا الله، ومعاذ بن جبل رجل أنصاري ومن أعلم الناس بالحلال والحرام رضي الله ﵎ عنه، بشهادة النبي ﷺ . وكان صغير السن يصل إلى سن العشرين وفوقها، ولما أرسله النبي ﷺ إلى أهل اليمن يدعوهم، قال له: (إنك تأتي قوماً أهل كتاب)، أي: استعد إنك ستدعو أناساً ليسوا من أهل المدينة. فالمشركون هم أهل جهل وضلال لا يعرفون شيئاً، ولكن أهل الكتاب عندهم آثار من علم وبقية من كتاب، فمن الممكن أن يجادلوك فلابد أن نستعد لذلك، ففي هذا الحديث أن الإنسان حين يدعو إنساناً ينظر من الذي يدعوه ويهيئ نفسه ويستعد لذلك وأنه لا نأخذ الأمر ببساطة وسهولة فليس الناس مثل بعضهم بعضاً. وإذا كان إنسان يناظر إنساناً فليعرف خصمه أولاً وما مدى قوة علمه، وإلا فلا يعرض نفسه لما لا يعرفه، ولذلك في الحديث يقول النبي ﷺ له: (إنك تأتي)، أي: احذر فأنت ذاهب إلى قوم هم أهل كتاب، واعرف ماذا تقول لهم، واعرف كيف تدعو هؤلاء إلى دين الله .

стр. 18

دعوة الناس إلى التوحيد أولاً فعلمه ﷺ كيف يدعوهم قال: (فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله)، وفي رواية: (فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله). فالدعوة تكون أولاً إلى التوحيد فهو أهم شيء قبل أن تقول لهم: صلوا، وقبل أن تقول لهم: صوموا، وقبل أن تدعوهم إلى مكارم الأخلاق، فأول شيء توحيد الله، فحق الله على العباد أن يقولوا: لا إله إلا الله، أي: لا معبود بحق إلا الله، وكان من اليهود أناس يعبدون الله سبحانه ويشركون به، قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾ [التوبة:٣٠]. وليس كل اليهود يقولون ذلك، وإنما بعض اليهود يقولون ذلك، ولذلك فإن اليهود يؤلبون النصارى على أن يقولوا: المسيح ابن الله، وليس كل النصارى يقولون ذلك، فمنهم من يقول: المسيح ابن الله ومنهم من يقول: المسيح هو الله، إذاً: فلابد للداعي أن يعرف ماذا يقول لأهل الكتاب، فلو قلت لهم: يا يهود أنتم تقولون: عزير ابن الله وأنتم كذابون، فيقولون لك: نحن لا نقول ذلك، وأكثر اليهود الآن لا يقولون: عزير ابن الله، بل يقولون: عزير عبد من العباد وليس ابن الله. إذاً: قبل أن تذهب للمناظرة لابد أن تدرس الموضوع جيداً قبل أن تتكلم مع هؤلاء، واعرف بماذا سيردون عليك؛ حتى تكون محضراً نفسك، فلا تعرض نفسك للذي لا تعرفه. انظروا إلى ذلك الرجل الذي جاء إلى النبي ﷺ واسمه: عدي بن حاتم وهو نصراني وعرفتم الحديث الذي صارحهم فيه بنفسه أنه نصراني ومعلق للصليب الكبير، ويكلم النبي ﷺ ويقول: أنا على دين النصرانية. فقام النبي ﷺ ، فقال له: أنا أعلم منك بدينك وبذلك هزه النبي ﷺ وفضحه، فهنا وقف من هو أعلم منه ويقول له: ألست من الراكوسية؟ أي: أنت من فريق اسمه الراكوسية، هذا هو أصلك وفرعك، والنصرانية الراكوسية عندكم تحرم أن تعشر الناس وتأخذ عليهم ضرائب. وأنت لا تأخذ العشر، بل من الممكن أن تأخذ الربع من الناس، ألست تأكل الحرام وهذا لا يحل لك في دينك، فصار عدي حنيفاً مسلماً وأسلم مع النبي ﷺ بعد ذلك، فالذي يكون لديه مناظرة مع إنسان ويريد أن يدعو إلى الله لابد أن ينظر إلى هذا الذي يدعوه وما حدود علمه؟ فإن كان من الذين يتكلمون كثيراً ويجادلون فلتستعد له بطريقة معينة، وإن كان هذا الإنسان خالياً لا يحمل فكرة قط فلتستعد له بطريقة أخرى، ولا تغتر بنفسك ولا بعلمك ولا بمعلوماتك، فكونك ملتزماً ليس معناه أنك تعرف كل شيء في الدين. فلا أعرض نفسي إذا سألني أحد سؤالاً فأجيب وكأنني شيخ الإسلام، فانظروا إلى تعليم النبي ﷺ لـ معاذ أن يأخذ استعداده وفي حديث أن النبي ﷺ يخبرنا فيقول: (أقرؤكم أبي، وأرحم أمتي بأمتي أبو بكر الصديق، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح، وأفرضكم زيد بن ثابت). فـ معاذ أعلمهم بالحلال والحرام فهو أولى الناس أن يذهب لمناظرة هؤلاء.

стр. 19

من أساليب الدعوة إلى الله التدرج في تعليم الناس وقد علمه النبي ﷺ أن يبدأ دعوتهم بالتوحيد، أي: يدعوهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ﷺ ، فإن هم أطاعوا لذلك تأتي الخطوة الثانية، قال: (فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة). أي: لابد أن تتدرج معهم، فلا تأتي بكل شيء مرة واحدة حتى يمل الذي يسمع منك، ولكن ابدأ مع هؤلاء بالتوحيد، وعلمهم أن معنى الإسلام: الاستسلام لله سبحانه، ثم تنتقل معهم إلى الشرائع فتبدأ بالصلاة التي هي ركن الإسلام العظيم وتعلمهم الصلاة، (فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم). فإذا أخذت منهم صدقة فأعلمهم أنك تردها على فقرائهم، فقد كان من عادة العرب إذا أخذوا شيئاً أن يأخذوه لأنفسهم ولا يعطوه لغيرهم. فلابد أن تعلمهم أن الإسلام دين الحق والعدل العظيم من الله سبحانه، نأخذ صدقات من الأغنياء ونردها على الفقراء فيما بينكم، نأخذها منكم ونردها إليكم، ولذلك لما كان في عهد عمر ﵁ وبعث معاذاً والياً، فرجع إليه وليس معه شيء من المال، فقال: أين المال؟ قال: أخذناه من حيث كنا نأخذه في عهد النبي ﷺ ووضعناه حيث كنا نضعه. فهناك فقراء، فأخذنا الزكاة من الأغنياء وأعطيناها للفقراء، فهذا هو دين العدل، نأخذ زكاة المال من أغنياء البلد ونردها على فقراء البلد نفسه، فإن زادت عن حاجتهم نأخذها إلى البلد الأخرى.

стр. 20

تجنب كرائم الأموال في أخذ الزكاة قال رسول الله ﷺ : (فإن هم أطاعوا لذلك فإياك وكرائم أموالهم) أي: إنهم سينفذون لك الذي تريد ويطيعونك، لكن ليس معنى ذلك أن تطمع في أموالهم فأنت لك حدود معينة؛ ولذلك ستجد أن كرائم الأموال عند العرب هو الإبل، فهو خير المال عندهم، فحين يكون الجمل ابن خمس سنين أو ست سنين أو سبع سنين أو ثمان سنين، فهذه كرائم أموال العرب. إن زكاة بهيمة الأنعام لا تكون في هذه الكرائم أبداً، فليس فيها زكاة أصلاً، بل كل زكاة بهيمة الأنعام في السن الصغيرة وليس في السن الكبيرة، كأن تكون الزكاة بنت مخاض أو بنت لبون، وبنت مخاض أي: لها سنة كاملة وقد دخلت في الثانية، وبنت لبون أكبر منها بسنة. أما كرائم الأموال وهي الإبل التي تجاوزت سبعة أعوام وثمانية وتسعة وعشرة؛ كل هذه لا تأخذ منها شيئاً، فإن النبي ﷺ يعلم معاذاً أن يحذر، ولا يطمع.

стр. 21

تحريم الإسلام للظلم والأمر برد المظالم يقول رسول الله ﷺ : (واتق دعوة المظلوم). أي: أن هؤلاء القوم قد يؤمنون وقد لا يؤمنون، وفي كلا الحالتين لا تظلم مسلماً ولا كتابياً، فالكتابي ستأخذ منه الجزية بالحق وبالعدل الذي فرضه الله سبحانه، والمسلم ستأخذ منه زكاة المال بالحق والعدل الذي فرضه الله سبحانه. (واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب)، الدعوة من المظلوم تبلغ السماء كما جاء في الحديث الآخر: (اتقوا دعوة المظلوم ولو كان فاجراً)، وفي حديث: (ولو كان كافراً)، (ليس بينها وبين الله حجاب) وفي رواية: (تصعد إلى السماء كالشرر). انظر الشرارة حين تطير، فكذلك دعوة المظلوم ليس ثمة حجاب يمنعها ويحجزها، فعلمه النبي ﷺ أن يعدل مع الخلق، وكذلك تعليم القرآن، حين قال سبحانه في سورة المائدة: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة:٨]. فكونك تكره إنساناً ليس معناه أن تظلم هذا الإنسان، فرق بين أن تكره فلاناً؛ لأن دمه ثقيل على قلبك ولا تحبه، وبين متخاصم مع فلان يقول لك: احكم بيننا، فتجعلها في الانتقام منه، فلا يحل لك هذا الشيء، اتق دعوة المظلوم. إذاً: احكم بما أنزل الله: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ [المائدة:٨] ولا يجري بك في الظلم والتمادي أنك تكره إنساناً فتحكم عليه لكونك تبغضه، فإن النبي ﷺ يقول: (اتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب). ويحرم ظلم غير المسلمين طالما أنهم تحت حكم الله وحكم الإسلام، كما ورد في سنن أبي داود عن النبي ﷺ : (ألا من ظلم معاهداً)، الذي يظلم معاهداً كالذمي يهودياً كان أو نصرانياً يعيش تحت ظل الإسلام وتحت حكم الله ويؤدي ما عليه. فلو جاء إنسان ظلمه فإن النبي ﷺ يقول: (من ظلم معاهداً أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئاً بغير طيب نفسه، فأنا حجيجه يوم القيامة). أي: أنا خصمه يوم القيامة؛ لأنه جاء بالعدل ﷺ وجاء بالحق، والله أمره أن يحكم بين الناس بالعدل فإذا حكمتم بين الناس فاحكموا بالعدل الذي أمر الله به، فلابد للإنسان أن يحذر من الظلم؛ لأن النبي ﷺ يقول: (الظلم ظلمات يوم القيامة). جاء في الحديث أن عمر بن الخطاب سمع من النبي ﷺ : (اتق دعوة المظلوم)، فكان سيدنا عمر يخاف جداً من دعوة الإنسان المظلوم.

стр. 22

موافقة عمر في التحذير من الظلم ودعوة المظلوم روى الإمام البخاري عن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر ﵁ استعمل مولىً له اسمه هني على الحمى أي: أن عمر كان في عهده حمى لفقراء المسلمين وللخيل الذي يستخدم في الجهاد في سبيل الله ، وكلمة (حمى) تعني: أن تؤخذ أرض كبيرة وتجعل هذه الأرض للكلأ أي: العشب من أجل أن يرعى فيها أغنام وأنعام وخيول جيش المسلمين. هذا الحمى يمنع الناس من الرعي فيه، وكانت نصيحة عمر لـ هني الذي هو العامل التابع له أن قال له: يا هني اضمم جناحك عن المسلمين. أي: كف يدك عن ظلم المسلمين. واتق دعوة المظلوم، أي: أنت حارس لهذا الحمى، فانتبه واحذر أن تظلم أحداً من المسلمين، فإن دعوة المظلوم مستجابة، وأدخل رب الصريمة ورب الغنيمة، وإياي ونعم ابن عوف ونعم ابن عفان، فإنهما إن تهلك ماشيتهما يرجعا إلى نخل وزرع. فهذا فيه غاية العدل والرحمة على المسلمين ومعرفة الحق لصاحبه، فالحمى: أخذ أرض من أراضي المسلمين التي لا يملكها أحد، من الأرض الواسعة وفيها عشب كثير لعلها تكون مرعى للزكاة التي هي بهيمة الأنعام، فترعى فيها الخيل التابعة للمسلمين، وأيضاً لفقراء المسلمين، فلا مانع للفقير أن يرعى فيه. فإذا قال قائل: أليست الأرض أرض الله وهذا مرعى، فلماذا تحجر هذه الأرض عن الغني؟ فهنا يبين كلامه لهذا الرجل فيقول له: أدخل رب الصريمة ورب الغنيمة أي: أن الذي عنده ماشية قليلة لا مانع أن يدخل فيرعى فيها. قال: (وإياي ونعم ابن عوف ونعم ابن عفان)، إن عبد الرحمن بن عوف أحد العشرة المبشرين بالجنة، وكذلك عثمان بن عفان أحد العشرة المبشرين بالجنة، والاثنان كانوا من مياسير الصحابة، وكانوا أغنياء جداً، ليسا محتاجين للمرعى الذي يرعى فيه المسلمون. وليس المعنى أنه بما أنهما غنيان فلا يسمح لهما بالرعي ملطقاً، وإنما المقصود لو كان من الضروري الاختيار بين رعي أغنامهما وبين رعي غنم سائر المسلمين الفقراء فيقدم الفقراء في ذلك؛ لأن عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان إن تهلك ماشيتهما من عدم الرعي فهما يملكان نقوداً كثيرة، لكن الفقير إذا ماتت الغنيمات التابعة له فسيأتي إلى عمر ويقول: يا عمر أعطني. وليس في بيت المال أموال ولا ذهب ولا فضة كي نعطي هؤلاء، إذاً: إذا ضاق المرعى فالفقراء يقدمون في المرعى، وليس فيه نظر لحسب ولا لنسب ولا أن هؤلاء من أهل الجنة ولا أن هؤلاء بينهم وبينه قرابة. فالنظرة هنا أن نقف بجانب الفقير، أما الغني فسيجد، فلذلك يحذر عمر ويقول: اتق دعوة المظلوم فإن دعوة المظلوم مستجابة. ثم يقول عمر ﵁: وأيم الله إنهم ليرون أني قد ظلمتهم وإنها لبلادهم قاتلوا عليها في الجاهلية وأسلموا عليها في الإسلام. فلابد من معرفة الحق، فعندما أكون أنا أمير المسلمين ليس معناه أنني آخذ الأرض كلها بأمري ونهيي، فإنني لا أتحكم بالأرض التابعة لهم، فهم الذين قاتلوا على هذه الأرض وهم الذين فتحوها، حيث فتح الله على أيديهم. فعلى ذلك أنا أعدل فقط، حتى أجعل الغني يعيش والفقير يعيش بجواره، فلذلك أقول لهم معترفاً: الأرض أرضكم وليست أرضي أنا؛ لأني أحمي شيئاً لأجل المصلحة، والمقصود هنا: قول عمر ﵁ بما قاله النبي ﷺ : (اتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب).

стр. 23

تحريم أخذ عامل الزكاة الهدية عند جمع الزكاة ومن الأحاديث التي وردت حديث أبي حميد الساعدي ﵁ في استعمال النبي ﷺ رجلاًً من الأزد اسمه ابن اللتبية على الصدقة، وهو رجل مسلم استعمله النبي ﷺ ليجمع الصدقات من الناس، فلما قدم الرجل وكان رجلاً صادقاً قال للنبي ﷺ : (هذا لكم وهذا أهدي إلي). وهذا الرجل أول مرة يجمع الصدقات كلها، حيث إنه لا يعرف الحكم، ومن الناس من يأخذ منه الصدقة فيقول له: خذ هذا الخروف زكاةً وخذ هذا هدية لك. فجاء إلى النبي ﷺ وذكر ذلك، فوجد النبي ﷺ أن الأمر سيتفشى إلى غيره، ومن الممكن أن هذا وغيره يطمع، إذاً: لابد من حكم عام للناس. فجمع النبي ﷺ الناس وقام يخطب فقال بعدما حمد الله وأثنى عليه: (أما بعد: فإني أستعمل الرجل منكم على العمل مما ولاني الله فيأتي فيقول: هذا لكم وهذا هدية أهديت إلي). إذاً: النبي ﷺ هو الذي استعمله، فكيف يقول: هذا لكم وهذا أهدي إلي؟ فنحن نلاحظ أن العامل على الزكاة فرض الله له حقاً في كتابه، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة:٦٠] فالعامل عليها له الأجرة من ضمن الزكاة، فطالما ستأخذ أجرة فلا تأخذ فوقها هدية. ثم قال النبي ﷺ : (أفلا جلس في بيت أبيه أو أمه حتى تأتيه هديته إن كان صادقاً). وهذه كلمة شديدة، والمعنى: أنك لو قعدت في بيت أبيك وأمك واشترطوا عليك ذلك فلا أحد من الناس سيعطيك، فنقول: نحن استعملناك في أموال المسلمين، فلولا هذا الاستعمال لما أعطاك هذا الشيء، ولكنه أعطاك؛ لأنه يريد أن لا تظلمه، فيعطيك لتكف عنه شرك. فعلى ذلك لا ينبغي للعامل على الشيء أن يأخذ مالاً ولا رشوة تحت أي صورة من الصور، فقد قال النبي ﷺ : (هدايا العمال غلول)، وقال ﷺ : (والله لا يأخذ أحد منكم شيئاً بغير حقه إلا لقي الله تعالى يحمله يوم القيامة). وفي حديثه الذي ذكرنا: أن الذي يظلم قيد شبر من الأرض يأتي حاملاً له يوم القيامة في عنقه، وهنا قال ﷺ : (فلا أعرفن أحداً منكم لقي الله يحمل بعيراً له رغاء)، يعني: يحذرهم. وهذه فضيحة كبيرة جداً أن النبي ﷺ يرى أحداً منهم كان في الدنيا عاملاً أميناً ويجده يوم القيامة خائناً، فهو يقول: (لا أعرفن)، أي: لا تفضحوا أنفسكم وتفضحوا دينكم وتفضحوا نبيكم صلوات الله وسلامه عليه يوم القيامة. لذلك كانوا ﵃ يحاولون أن يستمروا على نفس الأخلاق ونفس الأعمال، فإذا كبر أحد منهم في السن، ويحاول أن يواظب على ما كان عليه يقولون له: أن لا يشق على نفسه، فيقول: لقد كنت من النبي ﷺ على شيء أخاف أن ألقاه بغيره. وقوله ﷺ : (فلا أعرفن أحداً منكم لقي الله يحمل بعيراً له رغاء)، الرغاء: صوت البعير: (أو بقرة لها خوار)، صوت البقرة: (أو شاة تيعر)، أي: كأن الفضيحة كبيرة يوم القيامة؛ لأن الإنسان لا يحمل جملاً ساكتاً، وإنما هذا الجمل يرفع صوته وله رغاء، فيفضح صاحبه أمام الناس ويعرفون أنه كان خائناً في الدنيا. (أو بقرة لها خوار)، فالبقرة تخور وتصرخ من أجل أن تفضحه يوم القيامة، وأي فضيحة أشد من هذه الفضيحة والعياذ بالله، لذلك فالإنسان قبل أن يقول: فلان يعطيني هدية ويمد يده ليأخذها يذكر هذا الحديث، وأنها إذا كانت هدية أو رشوة سيأتي يوم القيامة وهو يحملها ويفضح بها. نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 24

شرح رياض الصالحين - تحريم الظلم والأمر برد المظالم [٣] لقد حرم الله الظلم على نفسه وجعله محرماً بين عباده، فالظلم ظلمات يوم القيامة، يؤخذ من حسنات الظالم فتعطى للمظلومين، حتى إذا فنيت حسناته أخذ من سيئاتهم وطرحت عليه فطرح في النار والعياذ بالله، ولذلك كان من صفات المسلم أن يسلم المسلمون من لسانه ويده، فعلى المسلم أن يتحلل من المظالم في الدنيا كي ينجو في الآخرة.

стр. 25

وجوب التحلل من المظالم في الدنيا الحمد لله رب العالمين، وصل اللهم وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرضه أو من شيء فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه) رواه البخاري. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النبي ﷺ قال: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه) متفق عليه. هذه أحاديث أخرى من كتاب رياض الصالحين للإمام النووي ﵀ في باب تحريم الظلم والأمر برد المظالم، وقد ذكرنا آيات من كتاب الله في تحريم الظلم، وأحاديث عن النبي ﷺ . ومن الأحاديث هذا الحديث الذي رواه الإمام البخاري من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرضه أو من شيء) عند الإنسان لأخيه مظلمة، بأن ظلم أخاه يوماً مظلمة واحدة لا بد أن يتحلل منه، قال ﷺ : (فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم). يعني: لا بد أن يتدارك نفسه فالدنيا تمر وتزول، ويوم القيامة يوم العدل والحساب، الذي لا يؤدي الحقوق في الدنيا فسيؤديها يوم القيامة، وفي الدنيا سيؤدي المال مالاً ويمكن أن يعفو غريمه ويسامح، أما يوم القيامة فسيؤدي المال من حسناته. والمفترض أن الإنسان يحتفظ بحسناته؛ لأنه لا يدري هل حسناته ستكفي بأن يدخل الجنة أو لا تكفي، وربنا أنعم على العبد بنعم لابد أن يشكر الله عليها، يا ترى هل الأعمال التي عملها العبد تساوي شكر هذه النعم؟ قال ﷺ : (لن يدخل أحدكم الجنة بعمله، إنما يدخل بفضل الله وبرحمته سبحانه). فنعم ربنا تترى على عباده، ومهما عمل الإنسان من عمل فلن يوفي شكر هذه النعم، فهو غير قادر على أن يوفي شكر هذه النعم، وأيضاً قد يظلم الغير ولا يدري أن هذا الغير قد يسامحه، أو أنه يأتي يوم القيامة ويقول: هذا ظلمني أريد حقي من فلان! قال النبي ﷺ : (من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرضه أو من شيء)، قدم العرض لأنه أكثر مظالم الناس فيه، والعرض شيء معنوي، وهو محل المدح أو القدح، فعرض الإنسان كأن يقول: فلان كذاب، ففي هذه الحال طعن في عرضه. وكذلك إذا قال: فلان مفتر فلان يأكل الرشوة فلان ظالم فهو يطعن في عرض هذا الإنسان، ومن ضمن الطعن في العرض أن يقول: فلان زان فلان يقذف المحصنات الغافلات فلان يفعل كذا. من المظلمة في العرض: الغيبة والنميمة، بأن ينقل كلاماً من شخص لشخص، ويفسد فيما بينهما، فهذا من الطعن في عرض إنسان للإفساد بينهما، فهذا من ضمن المظالم التي سيدفع ثمنها يوم القيامة. قال ﷺ : (من كانت عنده مظلمة من عرض أو من شيء) فـ (شيء) هنا نكرة في سياق الشرط فتعم، فمعناه: حتى لو كان شيئاً ليس له قيمة فسيحاسب عليه العبد يوم القيامة. أحياناً بعض الناس قد يتساهل في أمر المظالم في الأشياء التافهة، فقد يقول لك: أعطني القلم أكتب به، فيكتب ثم يضعه في جيبه، ثم يقول: أنا سأبحث عن صاحبه وأعطيه، وانتهى الأمر ولم يعطه؛ لأنه لا يوجد أحد يتابع بعده. فهذه الأشياء التافهة هي من ضمن المظالم، فأنت ما يدريك أن صاحبه موافق على أخذه، ولعلك تأخذ الشيء فيقول صاحبه بعد ذلك: لن أعطي أحداً شيئاً؛ لأنهم يأخذونها ولا يردونها، وتقول للإنسان: أعطني قلمك أكتب، فيقول لك: لا تنسه وتضيعه مثلما عمل الذي قبلك. فأنت قد تستهين بالشيء وتمنع خيره غيرك، بغض النظر عن أنك ستؤديه يوم القيامة كما سنرى في بعض الأحاديث، قال لنا ﷺ : (قبل أن لا يكون دينار ولا درهم). ورأينا في حديث النبي ﷺ كيف أنه خطب الناس وقال: (من كنت ظلمته في عرضه أو ماله فليستقد)، إذا كان النبي ﷺ يقول هذا الشيء وهو المغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فغيره أولى أن يتحلل من الناس في شيء من عرض أو مال أو في الجسد أو غير ذلك، قبل أن يؤخذ منه حسنات يوم القيامة.

стр. 26

حقيقة المفلس عند الله يقول النبي ﷺ : (أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال: إن المفلس من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، فيأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار). المفلس في الدنيا قد يكون معذوراً، والمفلس يوم القيامة ليس له عذر، والصحابة لما سألهم النبي ﷺ لم يكن سؤال استفهام، وإنما سألهم من أجل أن يشوقهم إلى معرفة الجواب ( أتدرون من المفلس؟)، فأجابوا بما يعرفون: المفلس الذي لا دينار له ولا متاع، فهذا وإن كان في الحقيقة هو المفلس في الدنيا، ولكن ليس هذا هو جواب سؤال النبي ﷺ الذي يريده، لأن الدنيا تزول والآخرة باقية. المفلس في الدنيا ربما حصلت له ظروف حتى أفلس كمرض أو مصيبة أو صارت عليه ديون، وربنا أعلم بحال هذا الإنسان أنه كان ينوي سداد الديون ولكن ليس لديه حيلة، فهو معذور عند الله ﵎، وقد يوفي الله عنه ما كان عليه في الدنيا. لكن هذا الآخر الذي جاء يوم القيامة وهو مصلٍ مزكٍ وصائم قد عمل حسنات كثيرة، لكن لسانه يستطيل في الأعراض، فإذا جاء يوم القيامة وقد اغتر بصلاته وصيامه وأعماله إذا به قد شتم هذا، وضرب هذا، وسفك دم هذا، وقذف هذا. فيأتي هؤلاء الذين ظلمهم يوم القيامة كل واحد يريد حقه من هذا الإنسان عند الملك الحق ، وحينئذٍ فلا ينفع الإنسان الاعتذار بأنه كان متهوراً أو نحو ذلك، ففي الدنيا يعرف الإنسان يقول هذا الشيء، ويعرف يغالط الذين حوله. الإنسان يقف بين يدي الحكم العدل سبحانه، أو ما قال لنا: ﴿وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ [البقرة:٢١٠]؟ فهذا هو القضاء المحكم المبرم العدل المطلق عند الله رب العالمين، ولم يبق إلا أن تدلي بحجة صحيحة، أما مسألة أنك سريع الغضب فلا يقبل هذا العذر، يأتي أهل النار يوم القيامة يقولون: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ﴾ [المؤمنون:١٠٦]. كتب علينا الشقاء يا ربنا: ﴿غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا﴾ [المؤمنون:١٠٦ - ١٠٧] كان الجواب ﴿ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨] يعني: اقعدوا مثل الكلاب في النار! (اخسأ) كلمة تقال للكلب عندما يزجر، وكأن هؤلاء لما أتوا يعتذرون: يا رب! القضاء والقدر، كان الجواب الذي يستحقونه: كونوا مثل الكلاب في نار جهنم، اخسئوا فيها ولا تكلمون! فلا تنفع عند الله إلا الحجة الصحيحة من إنسان مؤمن، يلقى ربه بقلب سليم. فهذا المفلس الذي يأتي يوم القيامة تصحبه حسرة شديدة جداً؛ لأنه جاء بحسنات مثل الجبال وإذا بها تذهب أمام عينه فيقال له: أنت شمت فلاناً! خذ من حسناته، وأنت أخذت من فلان! خذ من حسناته، حتى تنتهي حسناته، ثم يقال لخصمه: هات من سيئاتك واطرحها عليه، وهكذا، حتى إذا ضاعت جبال الحسنات وبقي فوقه من السيئات الكثير ألقي في النار والعياذ بالله! لذلك عندما يحس المؤمن أنه سيفلت بلسانه يتذكر وقوفه يوم القيامة، وأنه سيؤخذ من حسناته لمن ظلمه وسبه، فإنه يمسك لسانه حتى لا يأتي مفلساً يوم القيامة لأنه أغضبني في الدنيا أمسك لساني ولا آتي مفلساً يوم القيامة كهؤلاء المفلسين والعياذ بالله!

стр. 27

المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ثم يقول النبي ﷺ : (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده). المسلم هو الذي يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله ﷺ ، ويقيم الصلاة، ويؤدي الزكاة، ويصوم رمضان، ويحج البيت، فهذه هي أركان الإسلام، وهذه أفعال المسلم الذي يعتبر بها مسلماً، ولكن ما هي صفاته النفيسة وصفاته المعنوية والعملية؟ فأخبر النبي أن من صفاته يسلم المسلمون من لسانه ويده. فالمسلم لله مسالم للخلق، متواضع لله، ولذلك فالناس في سلامة منه وأمان، لا غدر ولا خيانة، ولا يضرب ولا يشتم، فهذا هو المسلم حقيقة، المسلم من سلم المسلمون من لسان ويده. ثم ذكر المهاجر ولم يقصد به من هاجر من مكة إلى المدينة، فقد انتهت الهجرة من مكة إلى المدينة، وإنما المهاجر من هجر ما نهى الله عنه، وكأن المهاجر حقيقة: هو الإنسان الذي لا يعصي الله ﵎، فذكر أن المهاجر هو المسافر إلى الله حتى يصل إلى رحمة الله وجنة الله سبحانه. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص -عند البخاري ﵁ قال: (كان على ثقل النبي ﷺ رجل يقال له: كركرة، فلما مات قال: هو في النار). الرجل يخدم النبي ﷺ والجزاء أنه في النار، فما الذي أودى به في النار وقد كان في خدمة النبي ﷺ ؟ فقال لنا هنا: (هو في النار)، فذهبوا يفتشون ما الذي وراء كركرة هذا؟ فوجدوا عباءة قد غلها، يعني: سرق من الغنيمة عباءة، ما هي قيمة هذه العباية؟ لا شيء! لكنه دخل النار لأنه سرق من مغانم المسلمين، وهذه من الكبائر، فضيع أخراه بأنه مد يده في شيء محرم. وفي حديث آخر ذكر أن هذا الرجل ما مات فقط بل قتل فقالوا: هنيئاً له الشهادة! فهو شهيد في نظرهم حيث جاء له سهم فقتله، فقالوا: هنيئاً له الشهادة، فقال ﷺ : (لا والذي نفسي بيده إن الشملة التي غلها لتلتهب عليه ناراً).

стр. 28

حرمة حقوق المسلمين

стр. 29

شدة العقاب على أخذ حقوق الناس خطب النبي ﷺ في حجة الوداع، وفيها قوله ﷺ : (فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا). هذا الكلام لمن يعقل الشهر الحرام والبلد والحرام، في مناسك الحج والإحرام يقول لنا: (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام)، كحرمة هذا اليوم العظيم يوم الحج الأكبر، في هذا الشهر ذي الحجة، في هذا البلد الحرام، فمن يعقل يعرف أن هذا اليوم يوم عظيم جداً، وحرمة هذا اليوم شديدة يقول لك: حرمة المسلم كحرمة هذا اليوم. وطالما أنا أعرف أن للمسلم حرمة إذاً كيف أقع في حرمة المسلم؟ كيف أغتابه؟ كيف أفسد بينه وبين غيره؟ كيف أتحمل مظلمة آتي يوم القيامة يسألني الله عنها، ويفضح الله الظالم بسببها؟ من الأحاديث حديث عدي بن عميرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: (من استعملناه منكم على عمل فكتمنا مخيطاً فما فوقه كان غلولاً). المخيط: الفتيلة التي تدخل في الإبرة، يا ترى كم قيمتها؟ الإنسان قد يعمل في مكتبة ثم يأخذ دبوساً من المكتب يدبس به الورق التابعة له، ثم ترمى، فهو مسئول على ذلك عند الله . النبي ﷺ يقول: الذي نستعمله على عمل يأخذ منه إبرة أو مخيطاً فما فوقه كان غلولاً يأتي به يوم القيامة، والغلول قد جعلها النبي ﷺ أشد من السرقة. فقام رجل أسود من الأنصار وقال: يا رسول الله! اقبل عني عملك، نحن تعودنا على المبالغة في الكلام، فكل إنسان يظن في نفسه أنه أمين، وأنه سيؤدي ما أمر الله به، لكن هذا الرجل فهم أنه إذا كانت الإبرة سنعاتب عليها فأنا ممكن أنسى شيئاً أو آخذه دون تعمد، فقال: اقبل عني عملك هذا، لا أريد أن أشتغل لك في شيء، قال له النبي ﷺ : ومالك؟ قال: سمعتك تقول: كذا وكذا. فقال له: هو ما قلت، أي فإن استطعت أن تعمل دون أن تمد يدك ولا على إبرة فاعمل، وهنا لم يستح النبي ﷺ أن يقول له ذلك. وانظر إلى حديث وفد الأشعريين، فقد كانوا أناساً طيبين جداً! وكان النبي ﷺ يمدحهم بأشياء تدل على أنهم أهل تكافل وتعاون فيما بينهم، يأتي اثنان منهم مع أبي موسى الأشعري إلى النبي ﷺ فإذا بهم يطلبون من النبي ﷺ أن يستعملهم عنده على الصدقات أو على غيرها، فيقول لهم: (إنا لا نولي هذا العمل من طلبه). يقول ﷺ : (إن أخونكم عندنا من طلب العمل)، يعني: أنه يختار شخصاً أميناً نقياً على جمع الصدقات من الناس ويوزعها، فهذا أمين لأن النبي ﷺ هو الذي اختاره، أما أن يذهب شخص إلى النبي ﷺ ويقول له: استعملني، فلا. فكان هذا الجواب الشديد: (أخونكم عندنا من طلب العمل)، يعني: أكبر خائن عندي الإنسان الذي يأتي إلي يقول: استعملني على هذه الأشياء، وقال: (إنا لا نولي هذا العمل من طلبه)، صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 30

جرم من أخذ حق الغير كاذباً وعن أم سلمة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: (إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له بنحو ما أسمع). هذا قضاء القاضي في الدنيا، يقول الفقهاء: إن حكم القاضي لا يغير من باطن الأمر شيئاً، حتى لو كان هذا القاضي النبي ﷺ . النبي ﷺ يحكم بالظاهر، لكن الذي يأتي يشتكي قد يكون كذاباً في الذي يقوله، ولذلك يقول النبي ﷺ : (لعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض)، يعني: يأتي إلي اثنان يختصمان أحدهما يعرف كيف يتكلم والثاني لا يعرف؛ فأقضي أنا حسب ما أسمع وحسب الشهود الذين أمامي، ولكن في باطن الأمر قد يكون الذي قضيت له كذاباً، يا ترى فهل تغيرت القضية؟ الجواب لا. حتى لو قال له النبي ﷺ : خذ هذا المال، فليس من حقه أن يأخذ هذا المال وليس ملكه. فيقول لنا النبي ﷺ : (فمن قضيت له بحق أخيه فإنما أقطع له قطعة من النار). يعني: الذي أعطيه مال أخيه وهو عارف أنه سيأخذ المال ظلماً، فهذا يأخذ قطعة من النار والعياذ بالله!

стр. 31

تعظيم الدم الحرام ومن الأحاديث حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً). إصابة الدم الحرام إما بالقتل وإما بالجراحات، بأن يقتل شخصاً ظلماً وعدواناً أو يعتدي على إنسان فيجرحه ظلماً وعدواناً. فهنا الإنسان لا يزال في فسحة، يعني: أمامه توبة، والله يغفر له، إذاً: حتى يقع في هذه المصيبة وهو ما زال في فسحة من دينه. توجد رواية أخرى للحديث فيها: (فإذا أصاب دماً حراماً بلح)، يعني: انقطع وأعيا، فيبحث عمن يرفعه بعد ذلك، فهو يقول: اخش على نفسك من أن تظلم أحداً من الناس في عرضه أو ماله أو بدنه.

стр. 32

استحباب ترك الانتصار للنفس ترفع بنفسك أن تقعد في مكان فيه الشيطان، قم واترك خصمك إن كنت تخشى الله ولا ترد على هذا الإنسان، جاء عن أبي هريرة في حديث حسن رواه أبو داود والإمام أحمد في مسنده: أن رجلاً شتم أبا بكر وهو قاعد مع النبي ﷺ ، فبدأ يشتم في أبي بكر ﵁ أمام النبي ﷺ ولا يستحي، وفي الحديث: (إذا لم تستحي فاصنع ما شئت)، فالنبي ﷺ له مهابة عظيمة فكون شخص يقعد أمامه ويشتم الصديق ﵁ هذا معناه أنه إنسان سفيه. ولكن حصل أن جعل النبي ﷺ يعجب ويتبسم كيف أن هذا يشتم أبا بكر وأبو بكر ساكت؟! والنبي ﷺ يعجب لهذا الإنسان الذي لا يستحي، فلما أكثر كأن أبا بكر فهم من النبي ﷺ أنه ممكن أن يرد عليه وينتصر لنفسه. فلما رد أبو بكر غضب النبي ﷺ وقام وترك الجلسة، فقام أبو بكر ولحق بالنبي ﷺ فقال: يا رسول الله كان يشتمني وأنت جالس فلما رددت عليه بعض قوله قمت؟! فقال رسول الله ﷺ : (إنه كان معك ملك يرد عنك)، يعني: أن أبا بكر قاعد ونزل الملك من السماء يرد على الذي يشتم. الصفة التي قالها هذا الشخص لـ أبي بكر لا ترجع فيه، لكن الصفة التي قالها الملك في الإنسان الآخر يأتي بها يوم القيامة؛ لأنه ظالم. فقد كانت جلسة فيها أبو بكر ﵁ وفيها الملك وفيها النبي ﷺ ، فلما بدأ أبو بكر يرد عليه هنا صعد الملك وجاء الشيطان ليحضر من أجل أن يزيد الخصومة؛ فما كان للنبي ﷺ أن يجلس في جلسة فيها الشيطان. قال: فلما رددت عليه بعض قوله وقع الشيطان، فلم أكن لأقعد مع الشيطان، ثم قال النبي ﷺ : (يا أبا بكر! ثلاث كلهن حق: ما من عبد ظلم بمظلمة فيغضي عنها لله إلا أعز الله بها نصره)، يعني: عكس ما يتوقع في العادة، فاله سبحانه سينصرك ويعزك بشرط أن تكون قد تركت ذلك لله ، وابتغاءَ مرضاة الله، فسكت عن هذا الإنسان، فقال لنا ﷺ : (ثلاث كلهن حق: ما من عبد ظلم بمظلمة فيغضي عنها لله إلا أعز الله بها نصره). يعني: نصره نصراً عزيزاً، لذلك يخبرنا المصطفى أن نصبر ابتغاء وجه الله ﵎. ثم يقول: (وما فتح رجل باب عطية يريد بها صلة إلا زاده الله بها كثرة)، فهذا حق جعله الله لهذا الإنسان، أنه يحقق له الوعد الذي في هذه الأحاديث، الأول الشخص المظلوم الذي يغضي عن الظالم ابتغاء وجه الله، فينصره الله نصراً عزيزاً يوماً من الأيام، ورجل فتح باب عطية ليعطي الفقير أو المسكين الذي له قرابة، يريد بها صلة إلا زاده الله بها كثرة. يعني: ربنا وعد أنه سيزيد مال هذا الإنسان ويبارك له فيه. الثالث: قال ﷺ : (وما فتح رجل باب مسألة يريد بها كثرة)، هو لا يطلب لأنه محتاج، ولكنه يستكثر لأنه يرى أنه يحصل على مال كثير بمد يده للناس، فهو أفضل من أن يشتغل موظفاً أو عاملاً. فهو هنا يريد أن يكثر ماله بذلك، فلا يريد الطعام والشراب، وإنما يريد الاعتماد على سؤال الناس للاستكثار، فهذا سيكون حظه: إلا زاده الله بها قلة، يفقره ويجعل فقره بين عينيه، سيظل فقيراً حتى ولو كان معه مال، وسيظل لباسه مرقعاً مثلما هو كأن الله جعل الفقر في قلبه. فالمقصود من الحديث: أن الإنسان إذا ظلم فأمسك نفسه فلينتظر النصر من الله سبحانه، والنصر يأتي لأصحاب العزيمة العظيمة القوية الذين لهم الثواب الكبير عند الله ﵎، ولذلك فالمسلم دائماً يطلب الأشياء العالية، فإذا أراد الفردوس الأعلى من الجنة فلا بد من الصبر والتحمل للخلق وطلب مرضاة الخالق ﵎، ليصل العبد إلى رحمة الله ورضوانه. نسأل الله أن يجعلنا من أهل جنته ورحمته. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 33

شرح رياض الصالحين - تعظيم حرمات المسلمين قلب المسلم لكل الناس سواء، ملؤه الحب والاحترام والتعظيم، يراهم أرفع منه وأعلى، يسير معهم في الباطن كما هو معهم في الظاهر، ينصح لهم ويقبل نصيحتهم.

стр. 34

حق المسلم على المسلم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الإمام النووي ﵀: [باب تعظيم حرمات المسلمين. وعن أبي عمارة البراء بن عازب ﵄ قال: (أمرنا رسول الله ﷺ بسبع، ونهانا عن سبع: أمرنا بعيادة المريض، واتباع الجنازة، وتشميت العاطس، وإبرار المقسم، ونصر المظلوم، وإجابة الداعي، وإفشاء السلام. ونهانا عن خواتيم -أو تختم- بالذهب، وعن شرب الفضة، وعن المياثر الحمر، وعن القسي، وعن لبس الحرير والإستبرق والديباج)، متفق عليه]. ذكرنا فيما مضى نبذة عن تعظيم حرمات المسلمين، وبيان حقوقهم، والشفقة عليهم ورحمتهم. وحرمات المسلمين مأمور كل مسلم بأن يراعيها، وفي الحديث: (كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه)، فالمسلم محرم على المسلم أن يسفك دمه، أو ينتهك عرضه، أو يأخذ ماله. ومن الأحاديث التي سبقت في الباب: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً). يكون الإنسان المسلم عوناً لأخيه، ولا يكون عوناً للشيطان عليه، فالنبي ﷺ يشبه المسلمين بالبنيان يشد بعضه بعضاً، فكل إنسان من المسلمين له وظيفة في المجتمع، وهو مع باقي المسلمين يوقنون بوجود الله ، وفيما بينهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، لذلك أخبر أن المسلم له حقوق على المسلمين كما أن عليه واجبات، فواجبات الإنسان المسلم في العبادات، في المعاملات، في الأحول الشخصية، في الجنايات يفعلها، كذلك للمسلم حقوق يذكرها هنا النبي ﷺ .

стр. 35

النجش في البيع حرام منها قوله: (لا تناجشوا)، المسلم له حق عليك، وله حرمة، فمن حقه عليك أن تنصح له، ومن حقه عليك ألا تخونه أو تخدعه، ومن ذلك النجش الذي في حديث أبي هريرة، قال النبي ﷺ : (لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض). المجتمع المسلم مجتمع نظيف، الإنسان عندما يتعامل مع أخيه المسلم يخاف من الله ، يتعامل معاملة نظيفة؛ لأنه يرجو من الله الثواب، ويخاف من الله العقاب. (لا تحاسدوا)، من حقه عليك أنك تفرح بما أعطاه الله من خير، ولا تتمنى زوال النعمة التي أعطاه الله سبحانه. وقوله: (لا تناجشوا). النجش هو المزايدة في سعر السلعة بنية عدم الشراء. الإنسان الذي يبيع سلعة بالمزاد، ثم ينصب من يخدع الناس على أنه يزيد في ثمنها وهو لن يشتريها، إنما يريد أن يضحك على الناس ليغلي عليهم سعر السلعة، هذا هو النجش الذي نهى عنه النبي ﷺ . وفي البخاري عن عبد الله بن أبي أوفى قال: (الناجش آكل رباً خائن)؛ لأنه يضحك على الناس، ويبيع مالاً بمال ويأخذ الفرق. هو يدفع مالاً، ولكنه قال: بأحد عشر، فقال الثاني: باثني عشر، فيقول: بثلاثة عشر، وصاحب السلعة يخرج له نصيباً من هذا البيع فهو لم يدفع شيئاًَ وأخذ ربحاً على خديعة الناس. فالناجش آكل رباً خائن، والربا مؤذن بحرب من الله ورسوله، وقال النبي ﷺ : (درهم يأكله الإنسان من الربا أشد من ست وثلاثين زنية). فهنا قال لنا: (لا تناجشوا، ولا تباغضوا)، فالمؤمن من حقه عليك أن تحبه، ولا تعمل أسباباً تجعل المسلم يكرهك ثم أنت أيضاً تكرهه، ويصبح المجتمع فيه نوع من نفور المسلمين بعضهم عن بعض. قال: (ولا تدابروا)، وهو أن يوليك ظهره، والمعنى: ولا تتخاصموا بسبب الحرص على الدنيا، مما يولد بغض الإنسان لأخيه، يلقاه في شارع فيمشي من شارع آخر، فالنبي ﷺ قال لك: لا تكره أخاك المسلم، لا تبغضه، وإن كان يجوز لك أن تبغضه وتهجره بسبب معاص يأتيها، لكن لا ينبغي أن يتباغض المجتمع المسلم على أمر الدنيا، لا تجعل الدنيا تدخل بينك وبين أخيك، تعامل مع أخيك بالحسنى، أعط له ما تحب أن يعطي لك. إن دين المسلمين محبة دائمة لا تنتهي إلى يوم القيامة، بل إلى أن تدخلوا الجنة، ويحب بعضكم بعضاً، ففي الدنيا ينتفع المسلم بأخيه وبمحبة أخيه، فإذا مات انتفع بصلاته عليه، فإذا كان في قبره انتفع بدعائه له، فإذا كان يوم القيامة انتفع بشفاعته له. (لا تدابروا)، لا تكن محبة ظاهرة فقط، كما هو بين بعض الناس، يظهر المحبة والتأثر بحال الآخر، هو في الحقيقة لا يهمه إلا نفسه وإنما تلك أمور وقتية فقط، ثم يوليه ظهره وكأن شيئاً لم يكن، أو أن يجمع بينهما أكل وشرب، أو مصالح ومنافع مشتركة تنتهي محبتهما بانتهائها. المسلم معاملته مع المسلم معاملة محبة؛ لأنه مجبول على المحبة، خلق الله في قلبه الرحمة والحنان والمودة، وحب أخيه المسلم، فهو ينصحه لأجل الخير، وليتحول عن الشر إلى الخير، سيدنا معاوية ﵁ قال: لو كان بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت، إذا أرخوا شددت، وإذا شدوا أرخيت. في علاقتك بينك وبين أخيك لا تنفره، فقد حذر النبي ﷺ من ذلك، وقال: (إن منكم منفرين)، وقال: (بشروا ولا تنفروا، ويسروا ولا تعسروا)، فالإنسان المسلم محب لأخيه الخير، وأن يكون رفيقه في الجنة، وأن يكونا في الدنيا على خير. لا تكن من النوع الذي يسير مع الإنسان فإذا ذهب أعطيته ظهرك، (لا تدابروا)، بعض الناس يسلم عليك إن كان يعرفك، وإلا فلا، دين الإسلام لم يهذب هؤلاء، فالإنسان يحب الآخر لكونه مسلماً وليس لأنه في الوظيفة أو أنه عال في الرتبة.

стр. 36

تناصح الصحابة وتحابهم في الله

стр. 37

نصيحة معاذ وأبي عبيدة لعمر بن الخطاب كان الصحابة يحب بعضهم بعضاً في دين الله ، يتناصحون ويقبل بعضهم من البعض النصيحة، بل يقول لأخيه: انصحني! هذا عمر بن الخطاب كان ينتصح ويقبل النصيحة من أصحاب النبي صلوات الله وسلامه عليه وهو أمير المؤمنين، فقد جاءه خطاب من أبي عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل، وهما من العشرة المبشرين بالجنة وعمر كذلك رضي الله عن الجميع. فـ أبو عبيدة شهد له النبي ﷺ بأنه أمين هذه الأمة، وشهد لـ معاذ بن جبل أنه أعلم أمته بالحلال والحرام، وقال له: (يا معاذ! إني أحبك)، أسلم معاذ وعمره ثماني عشرة سنة، وشهد بيعة العقبة، ومات بعد ذلك في طاعون عمواس سنة سبعة عشر أو ثمانية عشر وعمره ثلاثون سنة رضي الله تعالى عنه. هذا الشاب الصغير ﵁ أحبه النبي ﷺ وقال: (يا معاذ! إني أحبك)، ثم نصحه النبي ﷺ فقال: (لا تدعن عقب كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك، وشكرك وحسن عبادتك)، وشهد له النبي ﷺ بالجنة، وأخبر أنه يسبق العلماء يوم القيامة برتوة. الغرض: أنهما كتبا لـ عمر: سلام عليكم، أما بعد: فإنا عهدناك وأمر نفسك لك مهم، يعني: نحن كنا أصحاباً لك، ونعلم أنك تهتم بنفسك خائف عليها من النار ومن عقوبة الله سبحانه. وقد وليت أمر هذه الأمة أحمرها وأسودها، يجلس بين يديك الشريف والوضيع والعدو والصديق، ولكل حصته من العدل، فانظر كيف أنت عند ذلك يا عمر! إنا نحذرك يوماً تعنو فيه الوجوه، وتجف فيه القلوب، وتنقطع فيه الحجج لحجة ملك قهرهم بجبروته يوم القيامة، والخلق داخرون صاغرون أذلة يرجون رحمته ويخافون عقابه، وإنا كنا نحدث أن أمر هذه الأمة سيرجع في آخر زمانها إلى أن يكونوا إخوان العلانية أعداء السريرة -أي: كل واحد مصاحب للآخر في الظاهر، لكن في قلبه يتمنى له الشر- قالا له: وإنا نعوذ بالله أن ينزل كتابنا إليك سوى المنزل الذي نزل من قلوبنا. أي: نعوذ ونستجير بالله أن تظن بنا ظن السوء، أو أن الكتاب تأخذه ثم ترميه ولا تعتبر بما فيه، فإنا كتبنا نصيحة لك والسلام عليك. هذه النصيحة من معاذ وأبي عبيدة لـ عمر رضي الله عن الجميع، ثم كان الرد من عمر أن كتب إليهما ﵁، فقال: من عمر بن الخطاب إلى أبي عبيدة ومعاذ بن جبل: سلام عليكما، أما بعد: فإنكما كتبتما إلي تذكران أنكما تحباني، وأمر نفسي ليهم، وإني قد أصبحت قد وليت أمر هذه الأمة أحمرها وأسودها، يجلس بين يدي الشريف والوضيع والعدو والصديق، ولكل حصة من ذلك، وكتبتما: فانظر كيف أنت عند ذلك يا عمر! فهو يبين لهم أنه قرأ كتابهما، واهتم بما فيه، واحتفظ به، وكان فيه: وأنه لا حول ولا قوة عند ذلك لـ عمر إلا بالله. يعني: لا حيلة لي إلا أن يعينني الله على ذلك. وكتبتما تحذراني مما حذرت به الأمم قبلنا، وقديماً كان اختلاف الليل والنهار بآجال الناس يقربان كل بعيد، ويبليان كل جديد، ويأتيان بكل موعود، حتى يصير الناس إلى منازلهم من الجنة والنار. كتبتما تذكراني أنكما كنتما تحدثان أن أمر هذه الأمة سيرجع في آخر زمانها أن يكون إخوان العلانية أعداء السريرة، ولستم بأولئك، يعني: أن كلامكم طيب وجميل، ولن نكون نحن أصدقاء في العلانية وأعداء في السريرة. قال: وليس هذا بزمان ذلك، بل زمان تظهر فيه الرغبة والرهبة، وما زال الناس بخير يرغبون فيما عند الله سبحانه، ويخافون من بطش الله سبحانه. كتبتم هذه نصيحة تعظاني بالله أن أنزل كتباكما سوى المنزل الذي نزل من قلوبكم، وأنا أنزلها في المنزل الذي أنتم أردتم، وقد صدقتما الأمر، قال: فلا تدعا الكتاب إلي فإنه لا غنى بي عنكما. يعني: هذه نصيحة جميلة، وأنا حفظتها، بدليل أني كتبتها إليكم مرة أخرى. هذا عمر رضي الله تعالى عنه، الذي كان يهتم لأمر نفسه، ويخاف من الله . يقول حذيفة: دخلت مرة على عمر وهو جالس يحدث نفسه، ويؤنب نفسه، ويعاتب نفسه، فجلس بجواره حذيفة رضي الله تعالى عنه وقال له: ما الذي أهمك يا أمير المؤمنين؟! فقال عمر: بيده وأشار لنفسه، يعني: نفسه هي السبب الذي جعله يصنع هكذا. فقال: والله لو رأينا منك أمراً ننكره لقومناك. فنظر إليه عمر وقال: آلله الذي لا إله إلا هو، يعني: تحلف بالله الذي لا إله إلا هو على ما قلت، وأنكم لو رأيتم مني أمراً تنكرونه لقومتموه؟ فقال حذيفة: فقلت: آلله الذي لا إله إلا هو، يعني: نحلف بالله إنك لو أخطأت لقومناك. قال: ففرح بذلك فرحاً شديداً. كأنه كان يكلم نفسه محتاراً ومهموماً أن يكون هناك من هو خائف منه فلا ينصحه، فـ عمر فرح بذلك، وعلم أنه على صواب رضي الله تعالى عنه، وقال: الحمد لله الذي جعل فيكم أصحاب محمد ﷺ من إذا رأى مني أمراً ينكره قومني. الإنسان يقبل النصيحة ممن ينصحونه فيقبل منهم، لا يقول: أنت تحسدني؛ لأني أمير وأنت أقل مني، لم يقل هذا ﵁، لذلك لما فتح الله له الدنيا ما كان يأخذها ويحوزها ويقول: هي لي أتصرف فيها كما أريد، بل ينظر إليها ويبكي، فيسأله عبد الرحمن بن عوف عن سبب بكائه، ولماذا لا تفرح بنعمة الله؟ لكن عمر ﵁ يقول: ما فتح هذا على قوم إلا سفكوا دماءهم، وقطعوا أرحامهم. ثم يقول لأحد من الجالسين: أرحني منها. أي: وزع هذه الأموال على المسلمين، ويقسم المال بين المسلمين بحسب منازلهم ومراتبهم، ويعطي لابنه كما يعطي لآحاد المسلمين.

стр. 38

موقف عمر من المسلمين في قسمة المال كان عمر ﵁ يمشي مرة فرأى طفلة صغيرة في الشارع، وكانت تمشي قليلاً وتقع، وكانت ماشية مع عبد الله بن عمر، فغضب ونظر إلى عبد الله بن عمر فقال: ابنة من هذه؟ إنه قد ضيعها أهلها! قال: إنها ابنتك. قال: أي بناتي؟ قال: بنت عبد الله بن عمر، يعني: بنتي، أنت لا تعطينا كما تعطي الناس، فهي لا تجد ما تأكل، وعمر شهد بذلك، وقال: البنت هذه أهلها ضيعوها. فجعل عمر ينظر نظرة ليست نظرة الأب ولا نظرة الجد، ولا نظرة الشفقة والرحمة، ولكن نظرة الحاكم العادل، فقال له: وما يمنعك أن تكسب لها، والله لا أعطيك إلا كما أعطي آحاد المسلمين. يعني: فاذهب واشتغل، لكن نصيبك في بيت المال مثل نصيب آحاد المسلمين، فرضي الله تعالى عن عمر. هنا تظهر شدة عمر التي جعلت الناس يجبونه، كان شديداً في الحق فأحبه الناس رضي الله ﵎ عنه، لذلك لما قتل عمر ما من مسلم من المسلمين إلا بكى كأنه مات له أخوه أو ابنه أو قريبه، كل بيوت المسلمين؛ لأن شدته عليهم كانت لمصلحتهم، لخوفه عليهم رضي الله تعالى عنه، عرف حقوق المسلمين، وعرف الواجب عليه، فأعطى الحقوق وقام بالواجبات رضي الله تعالى عنه.

стр. 39

المسلم أخو المسلم يعينه ولا يخذله (المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يحقره، ولا يخذله). فالمسلم لا يظلم المسلم، ولكن تجد أن بعض الناس يبحث عن أي وسيلة يكسب بها من أخيه، أو يخدعه ليأخذ ما معه من المال، فالطمع الذي في القلوب كثيرين من الناس جعل الواحد ينظر إلى الثاني ويحاول أن يأخذ ما معه من مال، فتجده يقول لأخيه: أعطني مالك أشغله لك، وليس همه أن يكثر هذا المال الذي مع أخيه، وإنما همه أن يكسب لنفسه، وفي النهاية تجده يقول: المال خسر، وليس لي حيلة ونحو ذلك. هذه هي أحوال المسلمين الآن، فلذلك المسلم يجب أن يعرف أن عليه واجبات يفعلها، وأن له حقوقاً يأخذها، أما أن تعرف حقوقك لكي تأخذها، ثم لا تؤدي الواجبات التي عليك فتكون بذلك قد تركت شيئاً من دين الله سبحانه، بل شيئاً عظيماً منه. فالمسلم لا يظلم المسلم، ولا يحقر المسلم، لا تدري هذا الذي تحقره ما رتبته عند الله، فلا تنظر إلى الإنسان أنه كبير في المقام، وأنه كبير في الشغل، وأنه رئيس مجلس إدارة، فلا تجعل التعظيم بالرتبة والمقام، بل لابد أن تكون نظرتك للإنسان على أنه مسلم، والمسلم حقه أن توقره، وأنك تكون معه، وأن تحترمه غنياً كان أو فقيراً، ولعل الفقير أولى بأن تحترمه من الغني؛ لأنه مقدم على الغني يوم القيامة؛ لأنه أحب إلى الله من الغني، فهو يسبق الغني بنصف يوم، ولذلك الصحابة كانوا يحبون الفقراء، وعبد الله بن عمر كان لا يأكل إلا بعد أن يبحث عن فقير يأكل معه. ولن تكون مثل عبد الله بن عمر، ولكن على الأقل احترم الإنسان لكونه إنساناً، لكونه مسلماً، تحترم فيه إسلامه، تحترم فيه رأيه، فبين المسلمين التواضع وبينهم المشورة، ألا يظلمه، ولا يحقره، ولا يخذله، يعني: لا يقول له: أنا معك، ثم يخذله، ولا يقول: أنا سآتي أشهد معك، ويوم المحكمة يتركه ويمشي ويقول: لا أعرفك. فهنا المسلم يكون مع المسلم في وقت شدته أكثر من وقت رخائه، أنا أنفعك الآن فننتفع سوياً في قبورنا ويوم القيامة، يقول لنا النبي ﷺ : (بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم)، لا تحتقر أحداً من المسلمين، فلا تدري فلعل إعجابك بنفسك وتحقيرك لغيرك يحرمك من نعم أنت تحبها، فلا تنظر لإنسان وتزدريه لأن ثيابه مقطعة ومرقعة، فإنك لا تعرف ماذا يعمل فيك ربنا يوماً من الأيام، فتواضع لله ، وانظر إلى المسلمين على أن الكل إخوة لك، الكل تحبهم في الله ، حافظ على نفسك، وحافظ على غيرك، واعلم أنه من لم يكن يرحم الناس في الدنيا لا يرحمه الله يوم القيامة. نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 40

شرح رياض الصالحين - ستر عورات المسلمين لقد جاء في الكتاب والسنة الأمر بستر عورات المسلمين، والتحذير من إشاعة الفاحشة بين المؤمنين، وما ذاك إلا لأن ستر العورات به يسلم المجتمع من شيوع الفواحش وانتشارها بين الناس، وإشاعة الفاحشة تأتي بالشر والفساد وخراب المجتمعات.
следующие страницы →