← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 36997

شرح رياض الصالحين - حطيبة

أحمد حطيبة

Полный текст (1 057 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

تناصح الصحابة وتحابهم في الله

стр. 37

نصيحة معاذ وأبي عبيدة لعمر بن الخطاب كان الصحابة يحب بعضهم بعضاً في دين الله ، يتناصحون ويقبل بعضهم من البعض النصيحة، بل يقول لأخيه: انصحني! هذا عمر بن الخطاب كان ينتصح ويقبل النصيحة من أصحاب النبي صلوات الله وسلامه عليه وهو أمير المؤمنين، فقد جاءه خطاب من أبي عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل، وهما من العشرة المبشرين بالجنة وعمر كذلك رضي الله عن الجميع. فـ أبو عبيدة شهد له النبي ﷺ بأنه أمين هذه الأمة، وشهد لـ معاذ بن جبل أنه أعلم أمته بالحلال والحرام، وقال له: (يا معاذ! إني أحبك)، أسلم معاذ وعمره ثماني عشرة سنة، وشهد بيعة العقبة، ومات بعد ذلك في طاعون عمواس سنة سبعة عشر أو ثمانية عشر وعمره ثلاثون سنة رضي الله تعالى عنه. هذا الشاب الصغير ﵁ أحبه النبي ﷺ وقال: (يا معاذ! إني أحبك)، ثم نصحه النبي ﷺ فقال: (لا تدعن عقب كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك، وشكرك وحسن عبادتك)، وشهد له النبي ﷺ بالجنة، وأخبر أنه يسبق العلماء يوم القيامة برتوة. الغرض: أنهما كتبا لـ عمر: سلام عليكم، أما بعد: فإنا عهدناك وأمر نفسك لك مهم، يعني: نحن كنا أصحاباً لك، ونعلم أنك تهتم بنفسك خائف عليها من النار ومن عقوبة الله سبحانه. وقد وليت أمر هذه الأمة أحمرها وأسودها، يجلس بين يديك الشريف والوضيع والعدو والصديق، ولكل حصته من العدل، فانظر كيف أنت عند ذلك يا عمر! إنا نحذرك يوماً تعنو فيه الوجوه، وتجف فيه القلوب، وتنقطع فيه الحجج لحجة ملك قهرهم بجبروته يوم القيامة، والخلق داخرون صاغرون أذلة يرجون رحمته ويخافون عقابه، وإنا كنا نحدث أن أمر هذه الأمة سيرجع في آخر زمانها إلى أن يكونوا إخوان العلانية أعداء السريرة -أي: كل واحد مصاحب للآخر في الظاهر، لكن في قلبه يتمنى له الشر- قالا له: وإنا نعوذ بالله أن ينزل كتابنا إليك سوى المنزل الذي نزل من قلوبنا. أي: نعوذ ونستجير بالله أن تظن بنا ظن السوء، أو أن الكتاب تأخذه ثم ترميه ولا تعتبر بما فيه، فإنا كتبنا نصيحة لك والسلام عليك. هذه النصيحة من معاذ وأبي عبيدة لـ عمر رضي الله عن الجميع، ثم كان الرد من عمر أن كتب إليهما ﵁، فقال: من عمر بن الخطاب إلى أبي عبيدة ومعاذ بن جبل: سلام عليكما، أما بعد: فإنكما كتبتما إلي تذكران أنكما تحباني، وأمر نفسي ليهم، وإني قد أصبحت قد وليت أمر هذه الأمة أحمرها وأسودها، يجلس بين يدي الشريف والوضيع والعدو والصديق، ولكل حصة من ذلك، وكتبتما: فانظر كيف أنت عند ذلك يا عمر! فهو يبين لهم أنه قرأ كتابهما، واهتم بما فيه، واحتفظ به، وكان فيه: وأنه لا حول ولا قوة عند ذلك لـ عمر إلا بالله. يعني: لا حيلة لي إلا أن يعينني الله على ذلك. وكتبتما تحذراني مما حذرت به الأمم قبلنا، وقديماً كان اختلاف الليل والنهار بآجال الناس يقربان كل بعيد، ويبليان كل جديد، ويأتيان بكل موعود، حتى يصير الناس إلى منازلهم من الجنة والنار. كتبتما تذكراني أنكما كنتما تحدثان أن أمر هذه الأمة سيرجع في آخر زمانها أن يكون إخوان العلانية أعداء السريرة، ولستم بأولئك، يعني: أن كلامكم طيب وجميل، ولن نكون نحن أصدقاء في العلانية وأعداء في السريرة. قال: وليس هذا بزمان ذلك، بل زمان تظهر فيه الرغبة والرهبة، وما زال الناس بخير يرغبون فيما عند الله سبحانه، ويخافون من بطش الله سبحانه. كتبتم هذه نصيحة تعظاني بالله أن أنزل كتباكما سوى المنزل الذي نزل من قلوبكم، وأنا أنزلها في المنزل الذي أنتم أردتم، وقد صدقتما الأمر، قال: فلا تدعا الكتاب إلي فإنه لا غنى بي عنكما. يعني: هذه نصيحة جميلة، وأنا حفظتها، بدليل أني كتبتها إليكم مرة أخرى. هذا عمر رضي الله تعالى عنه، الذي كان يهتم لأمر نفسه، ويخاف من الله . يقول حذيفة: دخلت مرة على عمر وهو جالس يحدث نفسه، ويؤنب نفسه، ويعاتب نفسه، فجلس بجواره حذيفة رضي الله تعالى عنه وقال له: ما الذي أهمك يا أمير المؤمنين؟! فقال عمر: بيده وأشار لنفسه، يعني: نفسه هي السبب الذي جعله يصنع هكذا. فقال: والله لو رأينا منك أمراً ننكره لقومناك. فنظر إليه عمر وقال: آلله الذي لا إله إلا هو، يعني: تحلف بالله الذي لا إله إلا هو على ما قلت، وأنكم لو رأيتم مني أمراً تنكرونه لقومتموه؟ فقال حذيفة: فقلت: آلله الذي لا إله إلا هو، يعني: نحلف بالله إنك لو أخطأت لقومناك. قال: ففرح بذلك فرحاً شديداً. كأنه كان يكلم نفسه محتاراً ومهموماً أن يكون هناك من هو خائف منه فلا ينصحه، فـ عمر فرح بذلك، وعلم أنه على صواب رضي الله تعالى عنه، وقال: الحمد لله الذي جعل فيكم أصحاب محمد ﷺ من إذا رأى مني أمراً ينكره قومني. الإنسان يقبل النصيحة ممن ينصحونه فيقبل منهم، لا يقول: أنت تحسدني؛ لأني أمير وأنت أقل مني، لم يقل هذا ﵁، لذلك لما فتح الله له الدنيا ما كان يأخذها ويحوزها ويقول: هي لي أتصرف فيها كما أريد، بل ينظر إليها ويبكي، فيسأله عبد الرحمن بن عوف عن سبب بكائه، ولماذا لا تفرح بنعمة الله؟ لكن عمر ﵁ يقول: ما فتح هذا على قوم إلا سفكوا دماءهم، وقطعوا أرحامهم. ثم يقول لأحد من الجالسين: أرحني منها. أي: وزع هذه الأموال على المسلمين، ويقسم المال بين المسلمين بحسب منازلهم ومراتبهم، ويعطي لابنه كما يعطي لآحاد المسلمين.

стр. 38

موقف عمر من المسلمين في قسمة المال كان عمر ﵁ يمشي مرة فرأى طفلة صغيرة في الشارع، وكانت تمشي قليلاً وتقع، وكانت ماشية مع عبد الله بن عمر، فغضب ونظر إلى عبد الله بن عمر فقال: ابنة من هذه؟ إنه قد ضيعها أهلها! قال: إنها ابنتك. قال: أي بناتي؟ قال: بنت عبد الله بن عمر، يعني: بنتي، أنت لا تعطينا كما تعطي الناس، فهي لا تجد ما تأكل، وعمر شهد بذلك، وقال: البنت هذه أهلها ضيعوها. فجعل عمر ينظر نظرة ليست نظرة الأب ولا نظرة الجد، ولا نظرة الشفقة والرحمة، ولكن نظرة الحاكم العادل، فقال له: وما يمنعك أن تكسب لها، والله لا أعطيك إلا كما أعطي آحاد المسلمين. يعني: فاذهب واشتغل، لكن نصيبك في بيت المال مثل نصيب آحاد المسلمين، فرضي الله تعالى عن عمر. هنا تظهر شدة عمر التي جعلت الناس يجبونه، كان شديداً في الحق فأحبه الناس رضي الله ﵎ عنه، لذلك لما قتل عمر ما من مسلم من المسلمين إلا بكى كأنه مات له أخوه أو ابنه أو قريبه، كل بيوت المسلمين؛ لأن شدته عليهم كانت لمصلحتهم، لخوفه عليهم رضي الله تعالى عنه، عرف حقوق المسلمين، وعرف الواجب عليه، فأعطى الحقوق وقام بالواجبات رضي الله تعالى عنه.

стр. 39

المسلم أخو المسلم يعينه ولا يخذله (المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يحقره، ولا يخذله). فالمسلم لا يظلم المسلم، ولكن تجد أن بعض الناس يبحث عن أي وسيلة يكسب بها من أخيه، أو يخدعه ليأخذ ما معه من المال، فالطمع الذي في القلوب كثيرين من الناس جعل الواحد ينظر إلى الثاني ويحاول أن يأخذ ما معه من مال، فتجده يقول لأخيه: أعطني مالك أشغله لك، وليس همه أن يكثر هذا المال الذي مع أخيه، وإنما همه أن يكسب لنفسه، وفي النهاية تجده يقول: المال خسر، وليس لي حيلة ونحو ذلك. هذه هي أحوال المسلمين الآن، فلذلك المسلم يجب أن يعرف أن عليه واجبات يفعلها، وأن له حقوقاً يأخذها، أما أن تعرف حقوقك لكي تأخذها، ثم لا تؤدي الواجبات التي عليك فتكون بذلك قد تركت شيئاً من دين الله سبحانه، بل شيئاً عظيماً منه. فالمسلم لا يظلم المسلم، ولا يحقر المسلم، لا تدري هذا الذي تحقره ما رتبته عند الله، فلا تنظر إلى الإنسان أنه كبير في المقام، وأنه كبير في الشغل، وأنه رئيس مجلس إدارة، فلا تجعل التعظيم بالرتبة والمقام، بل لابد أن تكون نظرتك للإنسان على أنه مسلم، والمسلم حقه أن توقره، وأنك تكون معه، وأن تحترمه غنياً كان أو فقيراً، ولعل الفقير أولى بأن تحترمه من الغني؛ لأنه مقدم على الغني يوم القيامة؛ لأنه أحب إلى الله من الغني، فهو يسبق الغني بنصف يوم، ولذلك الصحابة كانوا يحبون الفقراء، وعبد الله بن عمر كان لا يأكل إلا بعد أن يبحث عن فقير يأكل معه. ولن تكون مثل عبد الله بن عمر، ولكن على الأقل احترم الإنسان لكونه إنساناً، لكونه مسلماً، تحترم فيه إسلامه، تحترم فيه رأيه، فبين المسلمين التواضع وبينهم المشورة، ألا يظلمه، ولا يحقره، ولا يخذله، يعني: لا يقول له: أنا معك، ثم يخذله، ولا يقول: أنا سآتي أشهد معك، ويوم المحكمة يتركه ويمشي ويقول: لا أعرفك. فهنا المسلم يكون مع المسلم في وقت شدته أكثر من وقت رخائه، أنا أنفعك الآن فننتفع سوياً في قبورنا ويوم القيامة، يقول لنا النبي ﷺ : (بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم)، لا تحتقر أحداً من المسلمين، فلا تدري فلعل إعجابك بنفسك وتحقيرك لغيرك يحرمك من نعم أنت تحبها، فلا تنظر لإنسان وتزدريه لأن ثيابه مقطعة ومرقعة، فإنك لا تعرف ماذا يعمل فيك ربنا يوماً من الأيام، فتواضع لله ، وانظر إلى المسلمين على أن الكل إخوة لك، الكل تحبهم في الله ، حافظ على نفسك، وحافظ على غيرك، واعلم أنه من لم يكن يرحم الناس في الدنيا لا يرحمه الله يوم القيامة. نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 40

شرح رياض الصالحين - ستر عورات المسلمين لقد جاء في الكتاب والسنة الأمر بستر عورات المسلمين، والتحذير من إشاعة الفاحشة بين المؤمنين، وما ذاك إلا لأن ستر العورات به يسلم المجتمع من شيوع الفواحش وانتشارها بين الناس، وإشاعة الفاحشة تأتي بالشر والفساد وخراب المجتمعات.

стр. 41

ستر عورات المسلمين والنهي عن إشاعتها

стр. 42

النهي عن إشاعة الفاحشة بين المؤمنين الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الإمام النووي ﵀: [باب ستر عورات المسلمين والنهي عن إشاعتها لغير ضرورة. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [النور:١٩]. وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يستر عبد عبداً في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة)، رواه مسلم. وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملاً ثم يصبح وقد ستره الله عليه فيقول: يا فلان! عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه ويصبح يكشف ستر الله عليه). وعنه عن النبي ﷺ قال: (إذا زنت الأمة فتبين زناها فليجلدها الحد ولا يثرب عليها، ثم إن زنت الثانية فليجلدها الحد ولا يثرب عليها، ثم إن زنت الثالثة فليبعها ولو بحبل من شعر)، متفق عليه]. مما دعا إليه الكتاب وسنة النبي ﷺ أمر الإنسان بالستر على نفسه، وعلى غيره، ولا يجاهر بالمعاصي فيفضح نفسه، فإن الذي يفضح نفسه في الدنيا يفضحه الله يوم القيامة، والذي يستره الله في الدنيا يستره يوم القيامة بفضله وإحسانه . يقول الله في سورة النور: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [النور:١٩]. (تشيع الفاحشة) عكسها: تستر الفاحشة ولا تتفشى بين الناس، ولا تعرف ولا يطلع عليها أحد، فالله ينهى عن إشاعة الفاحشة بين المؤمنين. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [النور:١٩]، الذين يحبون هذا الشيء هم الفسقة والكفرة والمجرمون، فهم يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، وإذا فعل الذين آمنوا هذه الفاحشة فلن يوجد أحد ينهى عنها، مثلما فعل بنو إسرائيل وارتكبوا الفواحش، ووقع فيها كبارهم وشرفاؤهم، فضيعت حدود الله ، وما بقي أحد ينكر على أحد. فهنا الذي يحب أن تشيع الفاحشة هو صاحب فاحشة، يريد أن يفعلها فلا تُنكَر عليه، وحتى لا تنكر عليه يأتي هو وغيره ويشيع الفاحشة بين المؤمنين حتى يفعلوها، وحتى يتحدثوا بها، وحتى يسهل أمرها عليهم، فهم يحبون أن تشيع الفاحشة. (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ) أي: يتمنى أن تشيع الفاحشة بين الناس حتى يفعلها ولا ينكر أحد عليه ذلك، فكيف بمن يشيعها ويمارسها؟ الأول لعله لم يفعل، ولكن أحب أن تنتهك حدود الله ، وأحب أن تشيع الفاحشة من زنا وغيرها بين الناس، فهذا الذي أحب ذلك له عذاب أليم في الدنيا والآخرة، والذي أشاعها قولاً وفعلاً بين الناس هذا أولى بهذه العقوبة والعياذ بالله! إشاعة الفاحشة تكون بالقول، كإنسان يستسهل الكلام عن القبائح، وعن الفضائح والرذائل، وعن أمر الزنا، وعن أمر اللواط، ونحو ذلك، يتكلم ويحكي هذه الأشياء لغاية ما، ومن ثم يبقى سماعها عند الناس أمراً سهلاً فلا ينكر أحد منكراً من المنكرات، فهؤلاء ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النور:١٩]، الله يعلم ما الذي يصلح خلقه، ولذلك أمرنا بالستر ونهانا عن إشاعة الفاحشة بين المؤمنين. ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ يعلم أخلاق الكفار، من حبهم لإشاعة الفاحشة، وأخلاق الفسقة وما في قلوبهم، ولذلك حذركم من الفريقين، وأخبركم أنه لن يرضى عنكم هؤلاء الكفار حتى تكونوا مثلهم: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠]. ونهانا عن تولي الكفار والمشركين وقال: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة:٥١]. فهؤلاء الفسقة الذين يحبون المعاصي والفواحش ويفعلونها، ويريدون أن يسكت المسلمون عليها، يحذرنا ربنا أن نكون مثلهم، ويحذرهم بأن لهم العذاب الأليم في الدنيا وفي الآخرة، فقد تأتي عقوبة الله لهؤلاء في الدنيا، فقد يذيقهم المرض في الدنيا, ويذلهم أمام الناس، انظر للممثلين والممثلات والراقصات وغيرهم الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، الذين يتشدقون بالفسق ويسمونه فناً، وبعد ذلك تكون آخرتهم آخرة سوداء يعلمها الله تعالى، فتجد الرقاصة ومعها مال كثير وبعد فترة قليلة إذا بها تفلس، ولم تعد تجد ثمن الدواء الذي تتعالج به.

стр. 43

الستر على المسلم الواقع في المعصية أما المؤمنون فقد أمر الله بأن يستر المسلم على أخيه ما دام الذي وقع في المعصية يستر على نفسه. أما الذي يجاهر بالمعاصي، يبيت الليل يفعل معصية، ثم يصبح يتحدث عنها ويفتخر بها، فهذا يستحق أن يقام عليه حد الله ، إنما الذي يستر هو الذي يستر على نفسه، وكل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون، فإذا وقع إنسان في زلة من الزلات، وأناب إلى الله واستغفر وتاب، فهذا يستر عليه ولا يبكت بهذا الذنب الذي فعله، ولا يفضح بين الناس طالما أنه سيتوب إلى ربه. وقد جاء في الحديث: (لا يستر عبد عبداً في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة). (لا يستر عبد عبداً في الدنيا) هذا تذكير بمقام العبودية، وأنك أنت عبد لله سبحانه، وهو عبد لله . أحياناً: يرى رجل رجلاً على معصية، فيحدث نفسه أني لابد أن آمره وأنهاه، وبعد قليل يحدث نفسه ويحس بالغرور: أنا أحسن منه وأعلى منه؛ لأنه صاحب معصية وأنا كذا وكذا!! ومن ثم يريد أن يذل هذا الإنسان، ويشدد عليه ويتسلط عليه، فالرسول يقول لك: أنت عبد لله سبحانه، أنت تنفذ أمر الله سبحانه، لا تفرح لأن ربنا سلطك عليه، فقد يسلط عليك غيرك. هو الآن فعل معصية، وأنت تفرح أنك تأمر وتنهى، وأنك تريد إذلال هذا الإنسان، فلعل الله يسلط عليك من يصنع بك ذلك، فليس أحد معصوماً من المعاصي، لذلك يجب أن تضع نفسك مكان هذا الإنسان، وعامله كما تريد أن تعامل به.

стр. 44

أحوال لا يستر فيها على صاحب المعصية أستر على الإنسان الذي ستر على نفسه، قد أؤنبه بيني وبينه، قد أزجره أشد الزجر بيني وبينه، لكن لا أفضحه، فلا يفضح الإنسان إلا إذا كان مجاهراً بالمعاصي، أو إذا كانت معصيته ستؤثر في الناس، ويحصل فيهم بسببها بلاء، وضررها يتعدى إلى الغير، ففي هذه الحالة لابد من التحذير، كما إذا عرفنا أن فلاناً يدخل بيت فلان وكل يوم يسرق منه شيئاً، فأولاً أحذره وأقول له: لا تسرق، رد المال الذي أخذته من فلان، فإذا رفض ففي هذه الحالة أقول للمسروق منه: فلان سرق منك المال الفلاني، ولم يرض أن يرده إليك. إذاً: هنا المفترض أني رجل أمين أؤدي النصيحة، فأنصح لصاحب المال الذي سرق منه، وأنصح للإنسان الظالم الذي أخذ المال أن يرده لصاحبه، وقد جاء في الحديث: (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً)، فنصره مظلوماً بأن آخذ له حقه، وهذا الذي أخذ منه الحق مظلوم، ونصره ظالماً: بأن آخذ على يده، وهذا إنسان أخذ مال غيره.

стр. 45

لا يجوز الستر على من سرق مال الآخرين ذكر أحد الإخوة أنه يعمل مراجع حسابات في مكان ما، والمحاسب الموجود يسرق المال كل يوم، فيقول: لو أخبرت أصحاب الشركة فسيخرجونه، وعنده عيال وأسرة. فنقول: هذا المراجع أمين على المال، وصاحب الشركة أتى بك من أجل أن يطمئن على حساباته، فأنت أمين لصاحب المكان. إذاً: في هذه الحالة تأمر هذا المحاسب الذي يمد يده على المال أن يرد المال كله، فإذا رده كله فعليك أن تراقبه بعد ذلك هل ما زال يمد يده ويأخذ المال أم لا، وإذا استمر كما كان فلا فائدة فيه، وفي هذه الحالة قل لصاحب العمل: فلان هذا حرامي أخرجه من هذا المكان؛ لأنك أمين لصاحب العمل، ولولا أنه لا يقدر على إدارة عمله لما أتى بك، فأنت أمين له. أما أن تستر على هذا الإنسان الذي يمد يده كل يوم ويسرق من هذا المال فلا يجوز، والدليل على ذلك حديث أبي هريرة رضي الله ﵎ عنه لما كان خازناً على زكاة الفطر، فجاء إنسان يسرق من زكاة الفطر، فأمسك به أبو هريرة، وقال: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ ، فلم ينكر عليه النبي ﷺ قوله له: لأرفعك إلى النبي ﷺ ، ولا قال له: استر عليه، أو لماذا لم تستر عليه؟ لأنه أمين قائم مقام النبي ﷺ في حراسة هذا المال، وقائم مقام المسلمين في حراسته. فلما شكا إليه حاجة وعيالاً قام أبو هريرة واجتهد أن هذا المال زكاة الفطر، وسيوزع على الناس المستحقين، ويمكن أن هذا من ضمن المستحقين، فتركه. إذاً: أبو هريرة اجتهد في هذه الحالة، وليس هذا تضييعاً لأمانة المسلمين، بل أبو هريرة حافظ لهذه الأمانة، ولكنه رأى أن زكاة الفطر تجمع من أجل أن توزع على الفقراء، وهذا فقير صاحب حاجة وعنده عيال ويبكي من شدة الفقر، فهو مستحق لهذا المال. وفي اليوم التالي قال له النبي ﷺ : (ما فعل أسيرك البارحة)، أي: الذي أمسكته البارحة ما الذي حصل منه؟ فقال: (يا رسول الله! شكا إلي حاجة وعيالاً، فقال: كذبك وسيأتيك)، أي: سيأتي إليك مرة ثانية. فهنا كأن أبا هريرة قال للنبي ﷺ حصل كذا وكذا وشكا كذا فرحمته، والمال زكاة الفطر فلذلك أعطيته منه، أو أنه سرق ومشى، ثم أتى مرة ثانية وثالثة، وفي النهاية لما أصر أن يرفعه للنبي ﷺ قال: دعني أعلمك شيئاً ينفعك الله به، فقال أبو هريرة: علمني، فقال: اقرأ قبل أن تنام آية الكرسي، فتركه أبو هريرة، وفي الصباح سأله النبي ﷺ : (ما فعل أسيرك البارحة) فالوحي كان يأتي النبي ﷺ ويخبره أنه حصل كذا وكذا، فقال: إنه قال: أعلمك شيئاً ينفعك الله به، وعلمني آية الكرسي أقرؤها قبل أن أنام، فقال: (صدقك وإنه لكذوب)، فهو كذاب ولكن في هذه فقط صدقك. ثم قال: (أتدري من تقاتل منذ ثلاث؟ قال: قلت: لا، قال: إنه شيطان) فهو شيطان كان يأتي ويسرق كل يوم، فلما أمسكته علمك شيئاً ينفعك الله به، فصدقك فيه وكذبك في الباقي حينما كان يقول: إنه محتاج وإنه ذو عيال. والشاهد من هذا: أن أبا هريرة كان أميناً على هذا المال، وقال: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ ، ولم ينكر عليه النبي ﷺ ذلك، فيؤخذ منه أنك إذا كنت أميناً على مال، ورأيت من يسرق هذا المال، فلك أن ترفعه لصاحب المال، ولك أن تأخذ منه هذا المال وتطرده وانتهى الأمر، هذا إذا كان من خارج. أما إذا كان من ضمن العمال الذين يشتغلون في المحل، وأنت مراجع فوقه، وهو كل يوم يسرق من المال، فلو سكت عليه فأنت مضيع للأمانة، قد تقول: عنده عيال وزوجة ونحو ذلك، فهنا تلزمه برد المال الذي أخذه، ثم بعد ذلك تبعده عن هذا المال، ولا تتركه يشتغل في هذا المال، وعليك أن تنبه صاحب العمل، فإذا عرفت منه أنه تاب من هذا الشيء وأنه لن يرجع ولك عليه سلطان المراقبة، فأقل شيء أن تلزمه بإرجاع المال كله، وتراقب بعد ذلك، فإن رأيت أنه رجع مرة ثانية لمد اليد، فهنا تنصح صاحب العمل أن فلاناً هذا ليس أميناً، وتأمره أن يشغله في مكان آخر بعيد عن المال، أو يخرجه من العمل. إذاً: لا ينبغي أن أرى السارق يسرق من المال وأنا ساكت عليه، وأقول: أستر عليه، وحديث (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً) ينافي ذلك، فأنت لم تأخذ على يد السارق، ولم تمنعه من السرقة، ولم تنبه صاحب العمل أن ماله يسرق، بل تركت الحالتين فخنت الاثنين، لا نصحت هذا ولا نصحت ذاك. إذاً: الستر على الإنسان يكون فيما إذا كان الحق بينه وبين الله ؛ لأن الحقوق إما حق لله ، وإما حق للبشر، والله تعالى أكرم الأكرمين، ويسامح سبحانه ويعفو ويتكرم، فإذا وجدنا إنساناً على زنا -والعياذ بالله- إذاً فهنا نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر ونمنع من المعصية، ولكن في النهاية إذا قدرنا على الستر كان أفضل. أما أن أستره وأتركه يفعل ما يريد فلا، فلابد أن أزجر الاثنين، ولكن لا أفضحه بين الناس. أما من يفضح نفسه في الدنيا ويتكلم عن نفسه أنه يفعل كذا، وأنه يخلو بواحدة ويفعل معها كذا، وأنا أعرف أنه يدخل بيت فلان، فلابد أن أحذر هؤلاء منه، وأقول لهم: خذوا حذركم، فلان هذا لا تدخلوه بيتكم؛ لأنه يفتخر بين الناس أنه يفعل الفاحشة. إذاً: المجاهر بالمعاصي أحذر الناس من مثله، حتى يحذر منه الذين لا يعرفونه، ويتأكد من حاله الذين يعرفونه فيقاطعونه ويمنعونه من هذا الشيء إذا وقع فيه، ولا أسكت على صاحب هذه المعصية.

стр. 46

شرح حديث: (كل أمتي معافى إلا المجاهرين) عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (كل أمتي معافى إلا المجاهرين). (كل أمتي معافى) أي: يعافيهم ويسترهم ، إلا الإنسان المجاهر، فقد أصبح إنساناً مفضوحاً فضح نفسه وفرح بهذه الفضيحة. قال النبي ﷺ : (وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملاً ثم يصبح وقد ستره الله عليه، فيقول: يا فلان! عملت البارحة كذا وكذا). فلم يسكت ويستر على نفسه فيما عمل بالليل، بل أصبح يفضح نفسه ويقول: عملت كذا وعملت كذا، إذاً: هذا لا يستحق أن يستره الله ، بنص حديث النبي ﷺ . فكل الأمة يعافيهم الله إلا من يجاهر بالمعصية، يعمل معصية بالليل وقد ستره الله فأصبح يفضح نفسه بها، قال لنا ﷺ : (وقد بات يستره ربه فيكشف ستر الله عنه).

стр. 47

شرح حديث: (إذا زنت الأمة فتبين زناها فليجلدها الحد ولا يثرب من الأحاديث التي جاءت في أمر الستر هنا حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (إذا زنت الأمة فتبين زناها فليجلدها الحد ولا يثرب عليها). إنسان عنده أمة، والآن لا يوجد إماء، ولكن هذا حكم من الأحكام التي ينبغي فيها الستر الجميل، فالأمة إذا وقعت في الزنا فلسيدها أن يقيم عليها الحد، والحد هنا ليس رجماً، ولكن الحد هو الجلد، فيجلدها خمسين جلدة، وبعدما يقيم عليها الحد قال: (ولا يثرب)، أي: لا يعيرها ويقول لها: يا زانية! يا من أتيت الفاحشة! لماذا؟ لأن الإنسان لو اعتاد هذه الكلمة على لسانه فإنه سوف يفضحها بذلك، وحينئذ سوف تفضل أن تقع في الفاحشة طالما أنها قد افتضحت، ومعلوم أن الإنسان الذي يقع في الفاحشة أو المعصية يستر على نفسه؛ لأنه يخاف أن يعرف الناس ذلك، فإذا عرف الناس هذا الشيء فحينئذ سوف يكشف برقع الحياء، ولن يستحي من الناس بعد ذلك، بل وسوف يعملها ويجاهر بها، لذلك قال النبي ﷺ لسيد الأمة: (فليجلدها الحد ولا يثرب)، فأقم عليها الحد، واجلدها خمسين جلدة، ولكن لا تفضحها، ولا تشهر بها، ولا تعيرها بهذا الشيء، وإلا كشفت عنها ثوب الحياء، وسوف تقوم هي بعد ذلك فتقع مرة وراء المرة، ولا يهمها شيء. قال ﷺ : (فإن زنت الثانية فليجلدها الحد ولا يثرب عليها، ثم إن زنت الثالثة فليبعها ولو بحبل من شعر)، ففي المرة الثالثة أمره أن يبيعها، لأنه لا يستطيع أن يعفها، وسيد الأمة إما أن يأتيها هو، وإما أن يزوجها حتى تستعف، ولكن هذا لا يأتيها ولا زوجها، إنما تركها تزني، فعليه إذاً أن يبيعها طالما أنه لم يقدر على أن يكفيها عن الحرام.

стр. 48

شرح حديث: (أتي النبي برجل قد شرب خمراً) من الأحاديث التي جاءت حديث عن أبي هريرة ﵁ قال: (أتي النبي ﷺ برجل قد شرب خمراً فقال: اضربوه، قال أبو هريرة: فمنا الضارب بيده والضارب بنعله والضارب بثوبه). يعني: قاموا يضربون هذا الذي شرب الخمر، فمنهم الذي يضرب بيده، والذي يضرب بنعله، والذي يضرب بثوبه. (فلما انصرف قال بعض القوم: أخزاك الله) يدعو عليه، كأنه يقول: أخزاك الله، فضحك الله، فقال النبي ﷺ : (لا تقولوا هكذا، لا تعينوا عليه الشيطان)، يعني: طالما أنك تدعو على إنسان بالفضيحة، ستبقى أنت أول واحد يفضحه، فكأنك تعين الشيطان عليه. إذاً بدلاً من أن تدعو عليه بأن يفضحه الله، ادع له أن يستره الله، وأن يتوب إلى الله فلا يقع في هذه المعصية مرة أخرى، وإذا فعل معصية فيها حد فأقم عليه الحد، ولكن لا تعن الشيطان عليه، أحب للمسلم ما تحب لنفسك، فأنت تحب لنفسك التوبة، فأحب له أيضاً أن يتوب الله عليه. إذاً: لا تدع على مسلم بأن يفضحه الله، ولا أن يخزيه الله . من الأحاديث التي وردت في هذا المعنى حديث رواه الإمام ابن ماجة من حديث ابن عباس وإسناده حسن أو صحيح وفيه: قال النبي ﷺ : (من ستر عورة أخيه المسلم ستر الله عورته يوم القيامة). فإذا سترت إنساناً سترك الله يوم القيامة. والعكس بالعكس قال: (ومن كشف عورة أخيه المسلم). وانظر إلى قوله (أخيه المسلم) يعني: هذا بينك وبينه أخوة، وبينك وبينه دين الإسلام، فهو مسلم مثلك وأخ لك في هذا الدين، وفي هذا ترقيق قلبك عليه فلا تفضحه، فالذي يتناسى ذلك ويفضحه قال: (كشف الله عورته حتى يفضحه بها في بيته). فإذا فرحت بأنك فضحت إنساناً وجعل الله فضيحته على لسانك، فخف على نفسك أن يحدث لك مثل هذا الشيء والعياذ بالله.

стр. 49

التحذير من إيذاء المسلمين وتتبع عوراتهم حديث آخر وإسناده صحيح أيضاً رواه الترمذي من حديث ابن عمر قال: (صعد رسول الله ﷺ المنبر فنادى بصوت رفيع فقال: يا معشر من أسلم بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه! لا تؤذوا المسلمين، ولا تعيروهم ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله). (يا معشر من أسلم بلسانه) أي: الذين تقولون: لا إله إلا الله بألسنتكم ولكن خصال الإيمان لم تدخل قلوبكم، فاتقوا الله وارجعوا عن هذا الذي أنتم واقعون فيه، وهو أنهم كانوا يؤذون المسلمين ويعيرونهم ويتتبعون عوراتهم. قال: (لا تؤذوا المسلمين) ويؤخذ منه أن صفة الإنسان الذي فيه نفاق أنه يسلم بلسانه وأما قلبه فلم يسلم؛ لأن كل إنسان يقول: أنا مسلم وأنا مؤمن، فهؤلاء إنما يعرفون بأفعالهم، يلقى إنساناً وقع في معصية فيفرح ويأتي يقول: فلان عمل كذا وعمل كذا وعمل كذا، والعياذ بالله! فلماذا تشمت بإنسان ولعل الله أن يبتليك بمثل تلك المعصية؟! فقوله: (لا تؤذوا المسلمين ولا تعيروهم) أي: فالمسلمون الذين وقعوا في شيء من المعاصي فسترها الله عليهم، فلا تؤذوهم ولا تعيروهم، ولا تفضحوهم ولا تبكتوهم بما صنعوا. (ولا تتبعوا عوراتهم)، كأن يقول إنسان يرى نفسه رجلاً صالحاً: أنا سأراقبه حتى أعلم ماذا يفعل، فيتتبعه يريد منه سقطة من أجل أن يفضحه بها، فإذا تتبعت أخاك فإن الله يتتبعك، ولعلك لا تقدر أن تصل لهذا الإنسان على شيء، ولكن الله يقدر عليك. قال: (فإنه من تتبع عورة أخيه)، أي: يتتبع سقطاته لأجل أن يفضحه بها (تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله) يعني: لو اختبأ داخل الغرفة التي عنده في البيت وفعل المعصية، فإن الله يقدر عليه من يفتح ويراه على هذه الصورة، فالله يفضحه ولو في جوف رحله. وقد نظر ابن عمر -وهو راوي الحديث- يوماً إلى الكعبة، فقال: ما أعظمك وأعظم حرمتك! والمؤمن أعظم حرمة عند الله منك. فالكعبة لها شرف وقدر عظيم، ولكن المؤمن أعظم حرمة من الكعبة التي هي قبلة المسلمين، فعلى الإنسان المسلم أن يخاف على أخيه المسلم من الوقوع في الذنب، فإذا وقع في الذنب ستر عليه، ونصحه فيما بينه وبينه.

стр. 50

شرح حديث (إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم) من الأحاديث التي جاءت في هذا المعنى حديث معاوية ﵁ الذي رواه الإمام أبو داود وهو أيضاً حديث صحيح، وفيه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت تفسدهم). معاوية حينما صارت إليه الخلافة وصار أميراً للمؤمنين رضي الله تعالى عنه، كان يعامل الناس بالحلم وهو الذي قال: لو كان بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت. هذا معاوية كان يضرب به المثل في الحلم رضي الله ﵎ عنه، فيقول هنا: إنه سمع حديثاً من النبي ﷺ فحدث الناس به، قال أبو الدرداء: لقد انتفع بما سمع من رسول الله ﷺ ، لم يكن يسمع كلام الجواسيس -وهو الأمير ﵁ الذين كانوا يتجسسون على الناس، بل كان يمنع أي تجسس على الناس، ويقول: إن الذي سيظهر لنا منه شيء سنحاربه على الذي ظهر منه، أما الذي يكتم فما لنا وله، أتى بهذا من حديث النبي ﷺ : (إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم)، فالذي يتتبع عورة هذا وعورة هذا ويفضحه، فإنه سوف يفتضح الإنسان، وحينها سيقوم ويجاهر بالمعصية؛ لأنه لن يوجد شيء يمنعه من حياء ولا من غيره. فلذلك كان معاوية يستر على الناس، وإذا سمع عن أحد شيئاً ستر عليه. من الأحاديث التي فيها هذا المعنى نفسه قوله ﷺ : (إن الأمير إذا ابتغى الريبة في الناس أفسدهم). إذا ابتغى الريبة فإنه يبقى متشككاً في الناس، وإذا تشكك في كل إنسان فسيفسد الناس، وسيجعل الناس لا يظهرون شيئاً، يقعون في المعاصي ويخفونها، وشيء وراء شيء حتى تعم المعاصي بين الناس.

стр. 51

قصة ماعز وما فيها من الترغيب في الستر على المسلم من الأحاديث التي جاءت عنه ﷺ قصة ماعز ﵁ لما وقع في الزنا، وكان قد زنى بأمة كانت لرجل اسمه هزال وقد كان ماعز يتيماً عند هزال. وبعدما كبر وبلغ في يوم من الأيام خرج المسلمون مع النبي ﷺ في نفير، فوجد هذه الأمة في مكان فزنى بها، فـ هزال الذي هو مربيه وسيد هذه الأمة كأنه حصل له شيء من الغيرة والغضب، فقال له: اذهب فأخبر النبي ﷺ ، وسبق هزال إلى النبي ﷺ فقال له: إن ماعزاً فعل كذا. وهنا لو ستره لكان خيراً له، ولكنه أصر على أن يشكوه إلى النبي ﷺ ، فقال له النبي ﷺ كلمته الجميلة: (يا هزال! هلا سترته بثوبك)، أي: لو سترته وانتهى الأمر لكان خيراً لك. وماعز كان متزوجاً، ولذلك كان حده الرجم، والرجل الذي شهد عليه واحد إذاً: سيقام عليه حد القذف. فلما رأى الأمر هكذا وأنه يمكن أن يقام عليه حد القذف قال: أذهب وأقنع ماعزاً أن يذهب للنبي ﷺ ويقول له: لقد زنيت، وفعلاً ظل يلح عليه حتى ذهب إلى النبي ﷺ وقال: لقد زنيت، فما كان من النبي ﷺ إلا أن أعرض عنه، مرة ومرتين وثلاثاً وأربعاً، وفي الأخيرة قال له: (أبك جنون؟ أتدري ما الزنا؟)، وذلك حتى يمشي الرجل ويقول: لا أعرف ما هو الزنا، أنا أمزح بالكلام. فهنا نجد أن النبي ﷺ أراد أن يستر على نفسه ويمشي، فأعرض عنه أربع مرات وفي النهاية قال لأصحابه: (استنكهوه استنكلوه)، وقال للرجل: (لعلك قبلت، لعلك لامست، لعلك فاخذت)، يعطي له أعذاراً يقولها وينصرف. ولكن لما أصر، وكأن هزالاً قال له: قل بالحقيقة ولن يفعل بك شيئاً، فلما أقاموا عليه الحد وبدءوا يرجمونه أذلقته الحجارة، فقال لهم: يا قوم! إن هزالاً غرني من نفسي وقال: إنكم لستم قاتلي، أعيدوني للنبي ﷺ ، أرجعوني للنبي ﷺ ، فلم يسمعوا كلامه، وقالوا: إن النبي ﷺ أمرنا برجمك، فما زالوا يرجمونه حتى قتلوه، ولما رجعوا للنبي ﷺ وذكروا له ذلك حزن النبي ﷺ وتأسف لذلك، وقال: (هلا تركتموه لعله يتوب فيتوب الله عليه). ورئي النبي ﷺ كئيباً من ذلك، حتى جاء له الوحي من عند ربه وأخبره أن ماعزاً في الجنة، وإن الله أكرمه وتاب عليه، فسر النبي صلوات الله وسلامه عليه بذلك، وأخبر أنه تاب توبة عظيمة لو قسمت على أهل المدينة لوسعتهم. المقصود أن النبي ﷺ أراد أن يستر على الرجل، وأمر هزال بالستر عليه، فلما أصر الرجل بالاعتراف على نفسه، وليس هو مجنوناً ولا شارب خمر، ولا يريد أن يعرض في الكلام، أمر النبي ﷺ بإقامة الحد، فلما أقاموا عليه الحد ورجعوا إلى النبي ﷺ وأخبروه بما فعل قال: (هلا تركتموه لعله يتوب إلى الله .

стр. 52

التحذير من تذكير صاحب المعصية بمعصيته والغرض بيان أن الإنسان إذا ستر على نفسه ستر الله عليه، وإذا فضح الإنسان نفسه فإنه يستحق ما يحدث له، ويلزم على المسلم أن يستر على المسلمين، وأن يحذر من غضب الله أن يفضح إنساناً فيفضحه الله سبحانه، ويحذر المسلم من أن يظل يعير صاحب المعصية: ألست الذي كنت سارقاً في يوم من الأيام، ألست الذي كنت تسرق كذا، فإنه كلما قلت له هكذا يرجع في قلبه ما كان عليه في الماضي، وقد يرجع إليه مرة أخرى، إذاً فلا تذكر صاحب معصية بمعصيته أبداً، وإلا فكأنك تدفعه مرة ثانية أن يرجع لهذه المعصية. أذكر أنه في يوم من الأيام كان هناك رجل صاحب قمار وكان قد تاب إلى الله، فكلمه بعض الإخوة فتاب وجاء يصلي معنا في المسجد وظل فترة يصلي معنا في المسجد، وبعد فترة فوجئت بأن بعض الإخوة قالوا له: أخبرنا كيف كنت تعمل في القمار؟ ومرة بعد مرة حتى ترك الصلاة وترك بيت الله ، والله أعلم على ماذا مات هذا الإنسان. فلماذا تعير إنساناً؟ ولماذا تدفعه للشقاوة مرة ثانية؟ ولماذا تذكره بالماضي؟ فإنه سيرجع إليه مرة ثانية، وصاحب المعصية قد يحن إلى معصيته إذا وجد من يشجعه عليها. فاتق الله في الناس، وإذا تاب إنسان فلا تذكره بمعصيته أبداً، واجعل نفسك مكانه، والذي تحب أن تعامل به إذا كنت مثله فعامل الناس بمثله. نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 53

شرح رياض الصالحين - الشفاعة التعاون على الخير والنفع سلوك حسن، وعبادة جليلة ممدوح فاعلها من الله ومن الناس، ومن ضروب التعاون الشفاعة، ولنفعها العظيم، وترسيخها لمبدأ التعاون فقد رتب عليها الأجر الجزيل على أن تكون في خير وصدق، لا في إثم وكذب، أو في حد من الحدود، أو لمقابل رخيص كهدية أو غيرها.

стр. 54

الشفاعة أنواعها وفضلها

стр. 55

تعريف الشفاعة بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد الله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الإمام النووي ﵀: [باب الشفاعة. قال الله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾ [النساء:٨٥]. عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا أتاه طالب حاجة أقبل على جلسائه، فقال: (اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه ما أحب)، متفق عليه. وعن ابن عباس ﵄: (في قصة بريرة وزوجها، قال لها النبي ﷺ : لو راجعته قالت: يا رسول الله؛ تأمرني؟ قال: إنما أشفع، قالت: لا حاجة لي فيه)، رواه البخاري]. هذا باب من أبواب كتاب رياض الصالحين، للإمام النووي ﵀، وفيه قول الله : ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾ [النساء:٨٥]. الشفاعة: مأخوذة من الشفع، والشفع ضد الوتر. والمعنى: أنه يكون واحد منفرداً فيأتي الآخر معه فيشفع، ويعينه على قضاء الحاجة التي يريدها، وإنجاز المصلحة التي هو فيها، وبهذا المعنى جاءت أقوال المفسرين عند قوله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾ [النساء:٨٥]، فقالوا: من يزيد عملاً إلى عمل فيحسن، فالله يعطيه إحساناً. ومنها أن يعين أخاه بكلمة عند غيره في قضاء حاجته، كأن يذهب به إلى القاضي، أو يذهب به إلى من بيده المصلحة لهذا الإنسان، فيعينه على قضاء الحاجة التي هو فيها. ومن معاني الشفيع: المعين في الجهاد في سبيل الله ، وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولذلك يذكر الإمام الطبري من معاني الآية: من يكن يا محمد شفيعاً لوتر أصحابك في الجهاد للعدو يكن له نصيب في الآخرة من الأجر، ومن يشفع وتراً من الكفار في جهاده، يكن له كفل في الآخرة من الإثم.

стр. 56

فضل الشفاعة الحسنة وعقوبة الشفاعة السيئة الشفاعة الحسنة: هي الإعانة على الخير. أما الشفاعة السيئة: فهي الإعانة على الشر. فإذا أعان الإنسان إنساناً آخر على خير فقد شفع شفاعة حسنة؛ لأنه كان فرداً فشفعه فكان معه زوجاً، وإذا أعان الإنسان آخر على الشر، فقد شفع شفاعة سيئة. وتعلمنا الآية أن الإنسان ينبغي أن يكون متعاوناً مع غيره من الناس على الخير، بالدلالة عليه، ومن دل على خير فله مثل أجر فاعله، والعكس بالعكس، فمن دل على شر فعليه مثل وزر فاعل هذا الشر، قال تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ [النساء:٨٥]. فالذي يجد إنساناً وحده، يريد أن يعمل عملاً من الخير، ومصلحة من المصالح، فيفسد بينه وبين صاحب المصلحة، حتى يترك صاحب المصلحة عملها، فقد ارتكب الشفاعة السيئة التي عليه الوزر منها. وفي المتفق عليه من حديث أبي موسى الأشعري: (كان النبي ﷺ إذا أتاه طالب حاجة أقبل على جلسائه، فقال: اشفعوا تؤجروا). ورواية مسلم: (اشفعوا فلتؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه ما أحب) وفي رواية: (ما شاء). والمعنى: أن الإنسان قد يأتي والنبي ﷺ لا يعرفه النبي ﷺ ، ولا يعرف هل هو محتاج أو ليس محتاجاً، وقد يعرف الجلوس أن هذا الإنسان يحتاج إلى شيء من الأشياء، وأن له حاجة من النبي ﷺ فيستحيي أن يتكلم معه فيها، فيقول لهم النبي ﷺ : (اشفعوا فلتؤجروا) أي: من يعرف عن هذا الإنسان فليتكلم عنه بخير، فلعل هذا يجعل النبي ﷺ يعينه على ما يريد.

стр. 57

ما تكون فيه الشفاعة يجدر التنبيه هنا أن الشفاعة التي أمر بها النبي ﷺ لا تكون إلا في حق، فيتكلم الإنسان في حق أخيه بالخير الذي يعرفه، أما أن يدلس ويكذب فيجد إنساناً كذاباً، منافقاً، عاصياً، جاء يكيد بإنسان ليأخذ منه ماله، أو ليعينه على باطل، فيدلس الشفيع ويقول: لا بأس به، أعطوه، أو يؤكد أنه يعرفه، وأنه يستحق كذا، فهذه من الشفاعة السيئة؛ لأنه يغرك ويمكر بك من أجل أن تعطي مالك، أو تعطي معونتك لإنسان يعصي الله بها. ولذلك ذكر الله نوعي الشفاعة: الحسنة والسيئة، ولذا عندما يشفع الإنسان لآخر ينبغي أن ينصح بما يعرفه عنه فإن كان إنساناً محتاجاً نصح أن يعطوه، وإن كان عاصياً لله ولا يستحق العطاء، أو مبذراً أو سفيهاً فينصح بما يعرف عنه بصدق.

стр. 58

الشفاعة والصلح بين الأزواج ومن الأحاديث التي جاءت في هذا المعنى: ما ذكره الإمام النووي عن ابن عباس في قصة بريرة وزوجها، وكانت بريرة أمة وزوجها عبداً، ثم حرر بريرة سادتها وأعتقوها. والحكم الشرعي: أن الأمة إذا كانت متزوجة بعبد، ثم حررت صار من حقها أن تطلب الفسخ، أو تبقى زوجة له. وقد طلبت بريرة حقها في عدم البقاء مع زوجها، وكان الرجل يحبها حباً جماً، وذهب يستشفع إليها بكل من يرجو شفاعته، حتى وصل إلى النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ لـ بريرة: (لو راجعته). يعني: لو ترجعين إلى زوجك؛ لأن زوجها كان يحبها حباً شديداً، وكان يعجب النبي ﷺ من شدة حب هذا الإنسان لامرأته، وأما هي فكانت تبغضه، فقال لها النبي ﷺ : (لو راجعته)، وهذا نوع من الشفاعة منه ﷺ ، يريد لو تفعلين ذلك، وكأنه يحثها عليه. وتساءلت المرأة: يا ترى أهذا أمر من النبي ﷺ ليس لي إلا أن أنفذ، أو أن هذا تخيير؟ فسألت النبي ﷺ وقالت: (يا رسول الله تأمرني؟)، أي: هذا أمر واجب علي، أو هذا شيء آخر؟ فقال: (إنما أشفع)، يعني: أني لا آمرك أمراً واجباً بحيث تعصين لو لم تطيعي، بل أنا أشفع، فمع أن مقامه عظيم إلا أن به من الرأفة والرحمة ما أخبر الله عنه فقال: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨]، إذ كان يمكنه أن يقول لها: نعم. ارجعي له، فهو زوجك، وقد مكثت معه سنين فارعي العشرة، والألفة، والمودة، والرحمة. وفي العادة أننا لا نقول مثل هذا الشيء من دون أن ننظر إلى الطرف الثاني، ومن غير أن ننظر إلى أن المرأة تُبغض زوجها، ولا تريد أن تعيش معه ولا تطيقه، فإنها لما قالت للنبي ﷺ : (تأمرني؟) لو كان الأمر كما نفعل من تغليب العاطفة، لقلنا: ارجعي، وعللنا بما سبق، ولكان أخبرها ﷺ بذلك، ولكن قال: (إنما أشفع)، أي: أنا مجرد شافع أشفع فقط، فإن أردت الرجوع فارجعي، وإن كنت لا تريدين فالأمر عائد إليك. فقالت: (لا حاجة لي فيه)، فقد كانت تبغضه بغضاً شديداً، وهذا من العجب أنه يحبها وهي تبغضه.

стр. 59

ما ينهى عنه من الشفاعات

стр. 60

الشفاعة في الحدود وقد تكون الشفاعة غير جائزة، كأن يشفع الإنسان في حاجة لا يجوز له أن يشفع في مثلها، كالشفاعة في إثم، أو ذنب، أو معصية، أو في غير نصيحة، أو يكون كاذباً في شفاعته فيدعي شيئاً غير موجود، أو يشفع في إلغاء حدود الله ﵎ وقد وصل الحد للإمام أو القاضي. وقد جاء في الصحيحين: من حديث السيدة عائشة ﵂: (أن قريشاً أهمهم أمر المرأة المخزومية التي سرقت)، وكانت امرأة مخزومية تسرق فتأخذ المتاع وتجحده، وتستعير من النساء الحلي والذهب وتضعه في بيتها، ثم تنكر أنها أخذته. قالت عائشة: (فلما كثر منها ذلك) وكأنهم أشهدوا النبي ﷺ بما صنعت هذه المرأة، فحذرها النبي ﷺ ، وأمرها أن ترجع المتاع إلى أصحابه، فأبت المرأة وظلت على كتمان الحاجة التي أخذتها، فلما تكرر تحذير النبي ﷺ لها والمرأة لا تستجيب قالت عائشة: (أمر النبي ﷺ بقطع يدها). لأنه ثبت عند النبي ﷺ أنها جحدت المتاع، أو ثبت عنده أنها في مرة من المرات مدت يدها وسرقت، فأمر النبي ﷺ بقطع يدها، وكان الأمر عند قومها بني عبد الأسد شديداً، إذ هم من أشراف الناس، وقطع يد المرأة من بني مخزوم بسبب السرقة سيحط من قدرهم، فذهبوا إلى النبي ﷺ ليشفعوا عنده، فلما لم يجدوا إجابة، قالوا: من الذي يمكن أن يشفع؟ فقيل لهم: أسامة بن زيد، فهو حب رسول الله ﷺ . فذهبوا لـ أسامة بن زيد ﵁، وكأنه تعاطف معهم، فذهب إلى النبي ﷺ يكلمه في الأمر، فما كان من النبي ﷺ إلا أن قال له مستنكراً صنيعه: (أتشفع في حد من حدود الله؟!) يريد أن يقول له: لا يحل لك أن تصنع ذلك، فأنكر عليه إنكاراً شديداً. (ثم قام النبي ﷺ فخطب في الناس، فقال: أيها الناس! إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها). بين أن هذا الأمر ليس فيه شفاعة، فإنه أمر قد وصل إلى النبي ﷺ فكان لابد من إقامة الحد، ولا يجوز لأحد أنه يشفع فيه، بل الإنسان المسروق منه لا يجوز له التراجع، طالما صدر الحكم من القاضي. وقد تقدمت قصة صفوان بن أمية ﵁، لما ذهب إلى النبي ﷺ ، ثم انتظره في المسجد فنام ووضع بردة تحت رأسه، فجاءه إنسان وسرق البردة، فأمسكه ورفعه للنبي ﷺ ، كأنه يريد أن يريه أن هذا سرق مني فعاقبه. فلما رفع الأمر إلى النبي ﷺ أمر بقطع يده، مثلما أمر بقطع يد المخزومية، وما كان يظن صفوان بن أمية أن الأمر سيصل إلى قطع يد السارق، وكان حديث إسلام لم يعرف الأحكام التي في مثل هذه القضية، فقال: يا رسول الله! إني أعطيه له هبة فاعف عنه، فقال النبي ﷺ : (هلا كان قبل أن تأتيني به). والمعنى: كان يمكنك أن تشفع وأنت معه كما تريد، أما بعد أن رفع الأمر للنبي ﷺ فلا. وكذلك إذا وصل الأمر للحاكم، فلا تجوز الشفاعة، بل جاء في الأثر: لعن الله الشافع والمشفع في هذه الحالة، وذلك أن الأمر إذا رفع للقاضي وشفع الناس هذه المرة بالكلام، ورق له القاضي وسامحه، ستكون الشفاعة في المرة القادمة بالهدية، فيعطي للحاكم هدية، وللقاضي هدية، ثم تأتي بعدها الرشوة وبذلك تعم الناس الرشوة، ويفسد أمر الحكم وتلغى أحكام الله . وقد جاء عنه ﷺ أنه قال: (تعافوا الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حد فقد وجب)، أي إذا وصل الحد للنبي ﷺ وثبت فيه سرقة الإنسان أو زناه، كان لابد أن يقام الحد على الإنسان المستوجب للحد.

стр. 61

الكذب في الشفاعة وأخذ الرشوة عليها ومن الشفاعة الغير جائزة الشفاعة بالكذب: وهي أن يكذب الإنسان لإنسان من أجل أن يوليه، أو من أجل أن يأخذ له مالاً، أو من أجل أن يعمل عملاً هو غير مؤهل له، وغير ذلك. ومما ينبه عليه في الشفاعة ما يقع من أن إنساناً يشفع لآخر عند إنسان، ثم يأخذ عليها هدية، وهذا غير جائز، ولو فعل أحد ذلك لدخل في الحديث الذي رواه الإمام أبو داود عن النبي ﷺ أنه قال: (من شفع لأخيه شفاعة، فأهدى له هدية فقبلها، فقد أتى باباً عظيماً من أبواب الربا)، أي: ليس لك أن تطلب من أحد تشفعت له مالاً على هذه الشفاعة. ولذا لو أن الإنسان عرف أن الكلمة التي سيقولها ستنفع فلاناً، غير مؤمل هدية أو أجراً؛ لأنه لا يجوز له أخذ هدية أو مقابل عليها، وأكد لمن سيستشفع له قائلاً: لن آخذ منك شيئاً بمقابل شفاعتي، كان له أن يقولها ولا شك أنه مأجور بقولها. كما ينبغي للشافع أن لا يشفع إلا وهو على معرفة تامة بمن سيشفع له، ولا يثني عليه إلا بما هو فيه؛ لأنه إذا كان لا يعرفه كان ثناؤه عليه كذباً لا شفاعة. وذكر أن ابن مسعود رضي ﵎ عنه، سئل عن السحت فقال: هو أن تشفع لأخيك شفاعة، فيهدي لك هدية فتقبلها. قال له السائل: أرأيت إن كانت هدية في باطل؟ أي شفعت له ومكرت بمن شفعنا عنده حتى أعطانا حاجتنا، ثم أعطاني من شفعت له هدية عليها. فقال ابن مسعود: ذاك كفر ذاك كفر! وكأنه يقصد هنا الزجر الشديد، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤]، فكأن مقصد ابن مسعود التحذير من أكل الرشوة؛ لأنها قد تصل إلى أن الإنسان يرتشي في الحكم، فإذا ارتشى في الحكم بدل دين الله، فوقع في الكفر بالله، والعياذ بالله.

стр. 62

الشفاعة للعصاة ومن لا يستحق ولابد أن يعلم أن الشفاعة ليست مجاملة؛ لأنه مطلوب من المسلم النصيحة، يقول النبي ﷺ : (الدين النصيحة)، فعلى الشافع أن يكون ناصحاً للطرفين، فيكون ناصحاً للأول الذي يطلب أن يشفع له عند فلان من أجل أن يجعله يعمل في كذا، ويكون ناصحاً للثاني، فلا يشفع عنده للأول وهو يعلم أن الأول فيه ما فيه من العيوب. وقد يقع أحياناً أن بعض الناس يشفع لفلان من الناس بحجة أنه فقير مسكين، وقد يكون هذا الفقير المسكين سكيراً، أو يأخذ ما أعطي من المال ويشتري به سجائر، فيقال للشافع: أعطه من جيبك أنت، مادمت متألماً لحاله، ولا تحضره إلى المسجد من أجل أن يعطيه الناس، واعلم أن الأموال التي يؤتى بها إلى المسجد أموال الناس، وأن الإنسان الذي وضعت عنده الأموال مؤتمن عليها، فلا يحل له أن يضعها إلا في محلها، أما أن يأخذها لفلان من أجل أن يذهب ليشرب بها خمراً أو سجائر فهذا غير جائز له، وهو آثم لأنه وضعها في غير محلها. والشافع لمثل هؤلاء عادة ما يتبرم من فعله قائلاً: ليس لي دخل، لا يجوز لكم أن تعطوه، مع أنه كان أولاً راحماً له، وكان يشفع بشيء من الشدة، وأنه لا بأس، ويجب الرحمة، ثم ينسى كل هذا الكلام عندما يكتشف حقيقة هذا الذي يشفع له، والأصل أن لا يشفع الإنسان إلا للإنسان الذي يعرف أنه فقير محتاج لما يأكل ويؤكل أولاده، وأنه لا يدخن ولا يشرب خمراً، وأنه ليس طويل اللسان على الناس، ولا سيئاً معهم، ولا عديم حياء ذا فجور. كما يقال لمن يأتي ليشفع لمثل هؤلاء: لو كان هذا مالك هل ستعطيه لهذا الشخص الذي يأخذ المال ويشرب به الدخان طوال النهار، أو يرتكب فيه المحرمات، وهل هذا الإنسان يستحق أن يأخذ المال من أجل أن يصنع به الحرام؟ إن زكاة المال قد جعلها الله للفقراء والمساكين، وبقية الأصناف التي ذكرها الله ، لا لمثل هؤلاء. فلنتق الله في أنفسنا، ولنتق الله في نصحنا، وفي أموالنا، فإخواننا في فلسطين يقتلون ولا يجدون ما يأكلون، ولا يجدون ما يشربون، والبعض يصرف ماله في المحرمات من دخان أو خمور، أو يضيعها بين الناس. ونرى هذه الأيام أناساً يأتي أحدهم إلى المسجد ويصيح: أنا محتاج لمال، وإذا تفقدت حاله وجدته يظل طوال النهار في الشارع يشرب الدخان، أو يأخذ المال ويشرب به الخمر، وتدرك قطعاً أنه لا يستحق ما أخذ من المال. إنما يستحق هذا المال المسكين، والأرملة التي لا تجد ما تطعم به أولادها، واليتيم الذي لا يجد من يعوله، والعاجز الذي لا يجد طعاماً ولا يجد مأوى يؤويه. أما الإنسان السفيه الذي يضيع مال الله ، ولا يستحيي أن يمد يده للناس فنقول له: استح من نفسك! استح من الله ، واعلم أن هناك حساباً عسيراً يوم القيامة.

стр. 63

استحباب الثناء على الكريم وذم من لا يشكر وجاء عن النبي ﷺ فيما روى عنه عمر ﵁ أنه قال: (يا رسول الله! لقد سمعت فلاناً وفلاناً يحسنان الثناء يذكران أنك أعطيتهما). وكانا محتاجين قد قدما على النبي ﷺ فسألاه فأعطاهما النبي ﷺ ، فلما ذهبا، أخذا يمدحان النبي ﷺ ، فرآهما عمر ﵁ فأخبر النبي ﷺ بما رأى. فقال له النبي ﷺ : (لكن فلاناً ليس كذلك، لقد أعطيته من عشرة إلى مائة فما يقول ذلك؟)، يريد أن رجلاً آخر غيرهما قد سأله فأعطاه، ولكنه يأخذ الشيء ويأتي يريد المزيد، أو يسب ويبخل، ولا يشكر لمن أعطاه أو يثني عليه، فقال النبي ﷺ : (أما والله إن أحدكم ليخرج مسألته من عندي يتأبطها ناراً)، يريد أن من يذهب إلى النبي ﷺ يطلب منه حاجة وهو كاذب في دعواه، ويأخذها وهو لا يستحق ذلك، أو ينفقها فيما لا يحل، فكأنها حين يأخذها تحت إبطه ويمشي بها فرحاً نار عليه يوم القيامة. ولذلك فعلى الإنسان المؤمن أن يتقي الله في مطعمه، وسائر نفقاته، فإذا أعطي مالاً فلا يبذر أو ينفقه فيما لا يحل، كأن يكون بيته محتاجاً للمال وهو يشرب الدخان أو الخمر، أو ينفق على من لا يستحق، ويضيع أهله وعياله. وستجد أن الله لا يترك أحداً بلا رزق، وعلى كل إنسان يقع في شيء من المعاصي، أن يعلم أن الله يبسط يد الرحمة، ويدعو العبد إلى التوبة، فإذا تاب الإنسان تاب الله عليه، وحبب فيه خلقه، وأنه إن لم يتب فسيكون بغيضاً إلى الخلق، سيئ الخلق، وإذا سأل سأل بسوء أدب، وقد يتعارك مع أي شخص من أجل أن يعطيه.

стр. 64

شرح رياض الصالحين - باب الإصلاح بين الناس حث الإسلام على إصلاح ذات البين، لأنه من أفضل الأعمال الصالحة، ولفضل هذا العمل جعله النبي ﷺ أفضل من نوافل العبادات؛ لما فيه من تقوية المحبة ونشر الألفة بين الناس، وسنة النبي ﷺ توضح ذلك.

стр. 65

ما جاء في الإصلاح بين الناس الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الإمام النووي ﵀: [باب الإصلاح بين الناس: قال الله تعالى: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء:١١٤]. وقال تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء:١٢٨]. وقال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال:١]. وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات:١٠]. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (كل سلامى من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس: تعدل بين اثنين صدقة، وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة) متفق عليه].

стр. 66

ما جاء في فضل الإصلاح بين الناس في القرآن باب آخر من كتاب رياض الصالحين، وهو الباب الحادي والثلاثون من هذا الكتاب القيم العظيم، وفيه ذكر الإمام النووي ﵀ الإصلاح بين الناس. والإنسان المؤمن مطلوب منه أن يصلح بين الناس قدر استطاعته، وربنا سبحانه ذكر الصلح والإصلاح في الكتاب، فذكر لنا الإمام النووي الآيات التي تفيد هذا المعنى وذكر لنا أحاديث تتعلق به أيضاً. منها: قوله : ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء:١١٤]. والنجوى: حديث السر. إنسان يتناجى مع صاحبه، يعني: يكلمه سراً. فأكثر كلام السر بين الناس فيه الشر والبعد عن الخير، وفيه الغيبة، وفيه النميمة، وفيه الكذب، ولكن بعض هذا الكلام يكون فيه الخير؛ ولذلك استثناه ربنا ﵎، قال تعالى: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ﴾ [النساء:١١٤] أي: نجوى الناس فيما بينهم لا خير فيها إلا في حالات: ﴿مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء:١١٤] بشرط: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:١١٤]. والإنسان حين يناجي صاحبه يهمس في أذنه ويكلمه في السر، وأحاديث السر غالباً ما يكون من ورائها الأذى، خاصة إذا كان اثنان يتكلمان والثالث معهما فإذا بالثالث يحزن، ونهى النبي ﷺ عن ذلك قال: (لا يتناج اثنان دون الثالث فإن ذلك يحزنه)، فإذا كانوا ثلاثة فلا يحل لأحدهم أن يقول للآخر: تعال أكلمك، حتى لا يظن الثالث أنهما يتكلمان عليه. علمنا النبي ﷺ أن الحكمة من وراء منع تناجي الاثنين في حضرة الثالث أن ذلك يحزن هذا الإنسان، وقد يدفعه لأن يسيء الظن فيك وفي صاحبك، فلذلك لا تفعل ولا تحاول أن تتكلم في السر إلا في حالات محددة، كما قال الله : ﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء:١١٤]: الحالة الأولى: (أمر بصدقة) يعني: إنسان وجد إنساناً فقيراً محتاجاً ونزلت به كارثة فأراد أن يساعده، فيقول لصاحبه سراً: تعال نساعد فلاناً بكذا، فهذا خير التناجي. الحالة الثانية: (أو أمر بمعروف) يعني: يسر له أنه أخطأ في الشرع مثلاً فينصحه من غير فضيحة ومن غير كلام كثير ومن غير إزعاج له أو لغيره، ولكن يكلمه بصورة النصيحة الطيبة التي تدفعه لأن يعمل خيراً ويتجنب الشر، فيكون هنا قد أمر بمعروف في التناجي على وجه السر حتى لا يؤذيه ولا يفضحه. الحالة الثالثة: (أو إصلاح بين الناس) اثنان بينهما شر وكلٌ منهما يعرض عن صاحبه، فيجوز لك أن تقول لأحدهما: إن أخاك يحبك في الله، اتق الله وسلم على أخيك، ويكلم الآخر في السر يقول: إن أخاك يحبك، سلم عليه، خيركم الذي يبدأ بالسلام، فهذا يصلح بين الناس بهذا الكلام الطيب، ويجعل الاثنين يقبل بعضهم على بعض. أما غير ذلك فلا خير في النجوى، والتناجي -أي: كلام السر- مزعج ومؤذ، والذي يتعود على هذا الشيء يعتاد على إيذاء الغير. قال تعالى: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء:١١٤] والقيد قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ﴾ [النساء:١١٤] أي: يأمر بالمعروف، ويأمر بالصدقة، ويصلح بين الناس ابتغاء وجه الله سبحانه، فهذا له الفوز العظيم والأجر الكبير من الله ، قال تعالى: ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:١١٤]. أيضاً قال الله : ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال:١] يعني: الشيء الموجود فيما بينكم، تقول: خذ ذا إنائك، يعني: ما هو داخل إنائك وهو الشراب. وذات البين، يعني: الشيء الذي هو داخل بينك وبين صاحبك، والمعنى: الخصومة التي بينكم، والشيء المنكر الذي بينكم، أصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله ﷺ . وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠]. وأخوة الإيمان أعظم بكثير من أخوة النسب، فإن اجتمعا كان هذا خيراً عظيماً، فالأخ يحب أخاه ويحب له الخير، وينفعه حياً وميتاً، ينفعه في الحياة بالمعونة وبالنصيحة، وينفعه بعد الموت بالدعاء، ويوم القيامة بالشفاعة إذا كان هذا في الجنة وذاك في النار، فيشفع له فيخرجه ويأخذ بيده من النار ويدخله الجنة. فهنا نفع عظيم جداً في الأخوة بين المؤمنين إذا تآخوا ابتغاء وجه الله ، فلذلك يذكرنا ربنا بذلك: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠] أي: ليسوا أعداء، ليسوا متباعدين.

стр. 67

شرح حديث: (كل سلامى من الناس عليه صدقة) أما الأحاديث التي جاءت عن النبي ﷺ فكثيرة، منها: الحديث الذي يذكره الإمام النووي يقول: قال رسول الله ﷺ : (كل سلامى) أي: مفصل، أو العظام التي بين المفصلين، وكأنه عظم في آخره مفصل. وجاء في حديث النبي ﷺ أن الإنسان فيه ثلاثمائة وستون مفصلاً، فأنت تتصدق بصدقة عن كل مفصل، يعني: كل يوم ثلاثمائة وستون صدقة تخرجها لله شاكراً له، حامداً على ما أخذت من النعم، وتعرف النعم حين ترى المريض، أو ترى رجلاً يده مشلولة، لا يعرف كيف يحركها، أو لا يستطيع أن يرفع اللقمة إلى فيه، وبذلك تعرف نعمة الله عليك، وأن كل عضو من الأعضاء وكل عظمة من العظام وكل مفصل من المفاصل فيه خير لك وفيه من الله فضل ونعمة عليك، فيفترض عليك أن تشكر الله على كل مفصل. لكن يصعب على الإنسان أن يتصدق عن كل مفصل على حدة، ولذلك علمنا النبي ﷺ ما هو أسهل من ذلك، وهو أنك تعرف هذه النعمة ثم تؤدي الحق مجملاً، قال ﷺ : (تعدل بين اثنين صدقة) يعني: حين تصلح بين الاثنين بالعدل فهذا من الصدقة، وهذا هو الشاهد من هذا الحديث أنك تصلح بين إخوانك. وعلمنا أشياء كثيرة في ذلك، قال: (تعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة) حين تعين الإنسان في حمل متاعه على دابته، لك في ذلك أجر ولك في ذلك صدقة. (والكلمة الطيبة صدقة)، وتبسمك في وجه أخيك صدقة، وأمرك بالمعروف صدقة، ونهيك عن منكر صدقة، وتدل الرجل على طريقه وتهديه صدقة، وتعين الأعمى وتدله على الطريق صدقة، وتعين الأخرق الذي لا يقدر على صنع الشيء الذي في يده صدقة، وكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وعندما تقول: سبحان الله، الحمد لله، أو تصلي على النبي صلوات الله وسلامه عليه صدقة. وإذا كان يصعب هذا كله فإن ركعتين من الضحى تجزئ عن ذلك كله، فكن دائماً موصولاً بربك سبحانه، بذكرك، وبأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر. الشاهد من الحديث: أن النبي ﷺ أخبرنا عن العدل بين الاثنين، أي: تصلح بين اثنين على وجه العدل صدقة.

стр. 68

شرح حديث: (ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس) أما الأحاديث التي جاءت عن النبي ﷺ فكثيرة، منها: الحديث الذي يذكره الإمام النووي يقول: قال رسول الله ﷺ : (كل سلامى) أي: مفصل، أو العظام التي بين المفصلين، وكأنه عظم في آخره مفصل. وجاء في حديث النبي ﷺ أن الإنسان فيه ثلاثمائة وستون مفصلاً، فأنت تتصدق بصدقة عن كل مفصل، يعني: كل يوم ثلاثمائة وستون صدقة تخرجها لله شاكراً له، حامداً على ما أخذت من النعم، وتعرف النعم حين ترى المريض، أو ترى رجلاً يده مشلولة، لا يعرف كيف يحركها، أو لا يستطيع أن يرفع اللقمة إلى فيه، وبذلك تعرف نعمة الله عليك، وأن كل عضو من الأعضاء وكل عظمة من العظام وكل مفصل من المفاصل فيه خير لك وفيه من الله فضل ونعمة عليك، فيفترض عليك أن تشكر الله على كل مفصل. لكن يصعب على الإنسان أن يتصدق عن كل مفصل على حدة، ولذلك علمنا النبي ﷺ ما هو أسهل من ذلك، وهو أنك تعرف هذه النعمة ثم تؤدي الحق مجملاً، قال ﷺ : (تعدل بين اثنين صدقة) يعني: حين تصلح بين الاثنين بالعدل فهذا من الصدقة، وهذا هو الشاهد من هذا الحديث أنك تصلح بين إخوانك. وعلمنا أشياء كثيرة في ذلك، قال: (تعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة) حين تعين الإنسان في حمل متاعه على دابته، لك في ذلك أجر ولك في ذلك صدقة. (والكلمة الطيبة صدقة)، وتبسمك في وجه أخيك صدقة، وأمرك بالمعروف صدقة، ونهيك عن منكر صدقة، وتدل الرجل على طريقه وتهديه صدقة، وتعين الأعمى وتدله على الطريق صدقة، وتعين الأخرق الذي لا يقدر على صنع الشيء الذي في يده صدقة، وكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وعندما تقول: سبحان الله، الحمد لله، أو تصلي على النبي صلوات الله وسلامه عليه صدقة. وإذا كان يصعب هذا كله فإن ركعتين من الضحى تجزئ عن ذلك كله، فكن دائماً موصولاً بربك سبحانه، بذكرك، وبأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر. الشاهد من الحديث: أن النبي ﷺ أخبرنا عن العدل بين الاثنين، أي: تصلح بين اثنين على وجه العدل صدقة.

стр. 69

جواز الكذب لدفع الشر ومن الأحاديث التي جاءت حديث أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيراً أو يقول خيراً). هذا الحديث من النبي ﷺ حديث عظيم، يعلمنا أنك قد تسمع كلمة شر من إنسان في إنسان آخر فيأتي من ينقل إليه ذلك فإذا به يأتي ويسألك، فهنا يمكنك أن تجيبه بالتعريض في الكلام، فإن استطعت ذلك كان خيراً، وإن لم تستطع أن تعرض فقل: لم أسمعه أو لم أكن موجوداً، فعندها لا يكون هذا كذباً؛ لأنك إنما تصلح بين الناس، ولأنك تخبئ الشر وتظهر الخير، فتقول: هذا إنسان فيه خير، هذا فلان يحبك يا أخي، هذا يتكلم عنك كلاماً طيباً. فعلمك النبي ﷺ أن تقول الخير، وتنمي الخير، إذا سمعت كلمة فيها خير تبلغها، أو سمعت كلمة فيها شر تسترها، وبينك وبين الإنسان مُرْ بالمعروف وانه عن المنكر بقدر استطاعتك. وذكر لنا ثلاث أحوال يجوز فيها للإنسان أن يعرض في الكلام، فإذا ضاق بك الأمر، أو أردت أن تصلح بين الناس، فلك في هذه الحالة أن تعرض في الكلام. سأل مسيلمة رجلاً: تؤمن بالنبي ﷺ ؟ قال: نعم. قال: تشهد أني رسول الله؟ قال: لا. فقتله. وجاء بالثاني ثم قال له: تشهد أن محمداً رسول الله؟ قال: نعم. قال: تشهد أني رسول الله؟ قال: لا أسمع. فهو حاول أنه يعرض قدر المستطاع وقال هذه الكلمة: لا أسمع، وكأنه يقصد: لا أسمع مثل هذا الكلام، يعني: لا يدخل عقلي مثل هذا الكلام، ولا يدخل قلبي مثل هذا الكلام، ولكن قال هذه الكلمة. وروي عن سويد بن حنظلة قال: (خرجنا نريد رسول الله ﷺ ومعنا وائل بن حجر، فأخذه عدو له، فتحرج قوم أن يحلفوا، وحلفت أنه أخي، فخلي عنه). فهو صحابي أقسم بالله أنه أخوه، ولم يكن أخاه من النسب، ولكن هذا عدو أخذه فأراد قتله، فلذلك قال هذا الصحابي: هو أخي، وأقسم بالله على ذلك. فلما أتوا النبي ﷺ أخبره وقال: إني حلفت بالله إنه أخي، فطمأنه النبي ﷺ وقال: (أنت أبرهم وأصدقهم؛ المسلم أخو المسلم) أي: إنما المؤمنون إخوة، ففعلاً هو أخوك، وأنت حلفت على صدق، وليس على كذب ولا غيره، أنت صادق في كلامك، والمؤمنون إخوة. فالصحابي هذا يا ترى وهو يحلف كان يريد التعريض أم لا؟ لو كان يريد أن يعرض لما سأل النبي ﷺ عن ذلك، ولا تحرج أصلاً، ولكن كان قد حضر في هذا الشيء فأقسم بالله إنه أخوه؛ من أجل أن ينجيه من العدو الذي سيقتله، فالنبي ﷺ اعتبره أبرهم.

стр. 70

الحالات التي يجوز فيها الكذب وقد أخبر النبي ﷺ في الحديث أنه في ثلاثة أحوال يجوز للإنسان أن يعرض أو يكذب في الكلام وأخبر أن هذا ليس من الكذب: الصورة الأولى: في الحرب: فلو أن الكفار جاءوا يسألون عن مسلمين موجودين في هذا المكان من أجل قتلهم، فأنت تقول لهم: لا، بل تقسم أنه لا يوجد أحد من المسلمين، فهذا الكذب خير من أن يخبر الكفار عن مكان المسلمين فيقتلوهم، فأخبر النبي ﷺ أنه في حال القتال والحرب يرخص له مثل هذا التعريض أو الكذب. والصورة الثانية: في الإصلاح بين الناس: والصورة الثالثة: في كلام الرجل مع امرأته: يعني: المرأة تحب من زوجها أن يمدحها ويلاطفها، فإذا قال لها: أنت أجمل النساء، وهي ليست كذلك، فهذا جائز له. فهي لا تقول له: لا، أنت تكذب علي، وليس من اللائق أن يقول هو: أنا أكذب عليك فأنت لست أجمل النساء، فالكلمة الطيبة مع الزوجة مطلوبة. لكن حين يسأل الرجل زوجته عما فعلت في الماضي، ويسألها أسئلة سخيفة عما ارتكبته من آثام في الماضي، فإنه لا يجوز لها شرعاً أن تصدق معه، ولا يلزمها ذلك أصلاً، تقول له: والله مشيت مع فلان، أو عملت كذا، عملت كذا؛ لأنه من تاب تاب الله عليه، ولا يحل أن تصنع مثل هذا مع زوجتك. فهنا الغرض: المرأة في كلامها مع زوجها، والزوج في كلامه مع زوجته، لا ينبغي أن يكون فيه شيء من الكلام عن الماضي؛ لأن الماضي انتهى، وأنت الآن متزوج فلا دخل لك في ما كان قبل ذلك، والحياة بين الرجل والمرأة فيها الألفة والعشرة بالمعروف وإن كان الأمر فيه شيء من التعريض، حتى تمشي الحياة الزوجية من غير أن يكون فيها مشاكل أو يكون بينهما نوع من الخصومات.

стр. 71

شرح حديث: (ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة) ومن الأحاديث العظيمة الجميلة التي جاءت في هذا المعنى حديث رواه الإمام أبو داود من حديث أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : (ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ فقالوا: بلى يا رسول الله. فقال النبي ﷺ : إصلاح ذات البين) يعني: تصلحون ما بينكم من خصومات. وفي رواية قال: (وفساد ذات البين الحالقة). وفي رواية الترمذي لهذا الحديث قال: (فإن فساد ذات البين هي الحالقة). فإصلاح ذات البين درجة أعظم من درجة الصلاة ودرجة الصيام ودرجة الصدقة، كأنه يقصد النافلة، فأفضل من أن تصلي نافلة تصلح بين الناس، وأفضل من أن تصوم نافلة تصلح بين الناس، فهو لا يقصد الفريضة، فالصلاة عظيمة جداً، ولكن صلاة النافلة عبادة قاصرة، فإذا خيرت بين أن تصلي النافلة أو تصلح بين الناس، فإن الحديث يخبرك أنك إذا أصلحت بين فلان وفلان فهو أعظم من صلاة النافلة التي تصليها. إن إصلاح ذات البين ترفع درجاتك، فأنت عندما تصلح بين اثنين كأنك وجهت الاثنين إلى أن يصليا بخشوع، ويصوما بإخلاص، وأخذت منهم شواغل الشيطان. هنا الحديث أطلق وقال: (الصلاة)، وما قال نافلة ولا فريضة؟ نقول: قد يكون إصلاح ذات البين أفضل من صلاة الفريضة، لو فرضنا أن إنساناً أراد أن يصلي الظهر، ورأى اثنين خارج المسجد، كل منهما يحمل سكيناً على صاحبه ليقتله، فهنا لا يصلي بل يخلصهما مع قدرته على ذلك بدلاً من أن يسقط واحد منهما قتيلاً، حتى لو خرج وقت الصلاة وأنت تمنع جريمة قتل تقع بين هؤلاء فتصلح يكون خيراً لك، والصلاة تدرك، أما الموت فلا يدرك، فلذلك قد يكون في حالة من الأحوال أفضل من صلاة الفريضة، وصلاة الفريضة قد تجمع مع غيرها في السفر، وقد تجمع مع غيرها في علة المطر، وقد تجمع مع غيرها في علة من العلل.

стр. 72

الصلح في المسامحة ببعض الدين من الأحاديث التي ذكرها لنا الإمام النووي: عن عائشة ﵂ قالت: (سمع رسول الله ﷺ صوت خصوم بالباب عالية أصواتهما وإذا أحدهما يستوضع الآخر ويسترفقه في شيء). الحديث ذكره ابن حبان وفيه: أن امرأة وابنها يستوضعان الرجل ويسترفقانه، يعني: ارفق بنا، حط عنا من الثمن قليلاً، فحلف الرجل أنه لن يفعل. وجاء في رواية للحديث نفسه: أن المرأة وابنها كانا يستوضعان الرجل، يعني: يطلبان منه أن يضع شيئاً من هذا المال، وقالت المرأة: إن هذا الطعام الذي أخذناه ما نقص إلا قدر ما أكلناه فقط، فحط عنا، كأنها تريد أن ترجع له أشياء اشترتها قد أكلا بعضاً منها، والرجل يقول: أكلتم منها، لن أرجعها، فلا هو الذي رضي أن يرجع السلعة، ولا هو الذي حط عنهما الثمن، وحلف لهم: والله لن أفعل. وسمع النبي ﷺ فخرج يسأل، فالمرأة -في رواية ابن حبان - قالت: إني ابتعت أنا وابني من فلان تمراً، أي: اشترينا تمراً من هذا فأحصيناه، لا والذي أكرمك بالحق ما أحصينا منه إلا ما نأكله في بطوننا أو نطعمه مسكيناً. يعني: التمر الذي أخذناه أكلنا منه وأطعمنا منه المساكين وجئنا نستوضعه. يعني: اشتريا منه بدين، فطلبا منه أن يحط عنهما قليلاً أو ينظرهما إلى وقت آخر، فرفض أن يضع عنهما أو ينظرهما، فلما تكرر منه هذا الشيء فإذا بالنبي ﷺ يقول: (أين هذا المتألي على الله ألا يفعل الخير)، والرواية هنا: (أين المتألي على الله لا يفعل المعروف) أي: من هذا الذي يحلف على الله إنه لن يفعل المعروف؟ فالكلمة شديدة، إذ إن الرجل موجود لعله يخجل، وفعلاً خجل من نفسه، فلم يقل له النبي ﷺ : احك لي حكايتك، لأنه هنا ليس حكماً، وإنما هو إصلاح، فلذلك لم يرد أن يسمع من الرجل، ولكن قال كلمة أوجعت الرجل: (أين المتألي) أي: هذا الذي يحلف أنه لن يفعل الخير؟ والإيلاء: حلف اليمين، قال: (آلى ألا يصنع خيراً، آلى ألا يصنع خيرا، ثلاث مرات، فقال الرجل صاحب التمر للنبي ﷺ : إن شئت وضعت ما نقصوا، وإن شئت من رأس المال) أي: أفعل ما تريد. ففي الحديث هنا: أن الرجل سمع النصيحة من النبي ﷺ : (أين المتألي على الله لا يفعل الخير؟ قال: أنا يا رسول الله، فله أي ذلك أحب) والغرض هنا: نوع من الإصلاح، أصلح النبي ﷺ بين الرجل وبين الآخرين. ويمكن أن نذكر قصة كعب بن مالك مع ابن أبي حدرد: تقاضى كعب بن مالك ابن أبي حدرد مالاً في المسجد فقال له: ما معي. وارتفعت الأصوات في المسجد، فالنبي صلوات الله وسلامه عليه خرج على الاثنين، وقد ارتفعت أصواتهما، فعرف أن كعباً يطلب من الآخر ماله، لكن لا ينبغي أن يكون هذا في المسجد، وعلى كلٍ لصاحب الحق مقال. فالنبي ﷺ قال لـ كعب: (يا كعب، ضع الشطر) وقوله ﷺ هنا ليس على سبيل الوجوب ولكنه يشفع بكلمة طيبة، أي: لا تأخذ الدين كاملاً وخذ نصفه فقط، فقال: (أفعل يا رسول الله، وقال للآخر: قم فاقضه. قال: نعم يا رسول الله). ففعله ﷺ هنا ليس حكماً؛ لأنه عند الحكم لا بد أن يسمع من هذا ويسمع من هذا ثم يقضي بينهما، ثم يكون ملزماً أن يدفعه كاملاً، أو نظرة إلى ميسرة، ولكن كان هذا إصلاحاً منه ﷺ ، فنتعلم من ذلك كيف نصلح بين الناس، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات:١٠]. نسأل الله أن يعيننا على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعلى النصح وعلى الانتفاع به، وأن ينصر الإسلام والمسلمين. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 73

شرح رياض الصالحين - فضل ضعفة المسلمين [١] فضل الله عظيم وجنته واسعة، وقد كتب عنده أن رحمته سبقت غضبه، فهو يغفر للمؤمن ويضاعف له الحسنات ويمحو عنه السيئات بفضله وكرمه، وكلما استضعف المرء أمام ربه ازداد عنده رفعة.

стр. 74

أمر الله لنبيه بالصبر مع ضعفة المسلمين الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الإمام النووي ﵀: [باب فضل ضعفة المسلمين والفقراء والخاملين: قال الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ [الكهف:٢٨]. وعن حارثة بن وهب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ألا أخبركم بأهل الجنة؟ كل ضعيف متضعف، لو أقسم على الله لأبره. ألا أخبركم بأهل النار؟ كل عتل جواظ مستكبر) متفق عليه. وعن أبي العباس سهل بن سعد الساعدي ﵁ قال: (مر رجل على النبي ﷺ فقال لرجل عنده جالس: ما رأيك في هذا؟ فقال: رجل من أشراف الناس، هذا والله حري إن خطب أن ينكح، وإن شفع أن يشفع. فسكت رسول الله ﷺ ، ثم مر رجل آخر، فقال له رسول الله ﷺ : ما رأيك في هذا؟ فقال: يا رسول الله! هذا رجل من فقراء المسلمين، هذا حري إن خطب أن لا ينكح، وإن شفع أن لا يشفع، وإن قال ألا يسمع لقوله. فقال رسول الله ﷺ : هذا خير من ملء الأرض مثل هذا) متفق عليه. باب آخر من كتاب رياض الصالحين يذكر فيه الإمام النووي ﵀ فضل ضعفة المسلمين والفقراء والخاملين. خلق الله الإنسان على هيئة معينة وجعل له عقلاً، وقدر له رزقه وأجله، وعمله، ويا ترى في النهاية شقي أو سعيد؟ الله أعلم بذلك. الناس في الدنيا يحب أن يرى أحدهم نفسه قوياً غنياً صاحب منصب، فإذا كان على هذه الهيئة لعله ينسى غيره من الضعفاء والفقراء والخاملين، لكن ربنا أعلم بما في نفوس الخلق، وقد يكون هذا الإنسان الضعيف الذي يحتقره إنسان آخر أفضل عند الله منه، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣]، وقال: ﴿لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ [الحجرات:١١]. إذاً: الإنسان لا ينظر لغيره بعين الاحتقار، فلعل هذا الذي تحتقره أفضل منك عند الله . يقول: (فضل ضعفة المسلمين): المسلم الضعيف له فضل عظيم، يكفي أنه صابر على ضعفه ومرضه، وما هو فيه من أمر قدره الله عليه، أنت أعطاك الله القوة وهو أعطاه الضعف، وقد ينعكس الحال، فقدر نفسك مكانه، ويا ترى هل تحب أن تعاملك الناس بمثل معاملتك له؟ كل إنسان مسلم له حقه، فلا تحتقر أحداً من الناس، فإنك لا تدري ما في قلب هذا الإنسان. الضعفاء والفقراء من المسلمين لهم فضيلة عند الله ، وغير مطلوب من الإنسان أن يعيش فقيراً ويترك المال الذي عنده، فالغنى والفقر أقدار من الله يقدرها على من يشاء. كان عبد الرحمن بن عوف ﵁ من أغنياء الصحابة، وما كان يتمنى منزلة الفقراء، وكان ينفق ماله لله ، فيعوض الله أكثر منه، فعلى ذلك من جعله الله غنياً يحمد ربه ويشكره على ما هو فيه من نعمة وفضل، وله أجر. والفقير إذا خلقه الله فقيراً فليصبر على ما هو فيه، وله أجر. والغرض ألا نحتقر أحداً لفقره، أو لضعفه، أو لخموله. ومعنى الخمول: عدم الشهرة، إذ ليس معنى شهرة الإنسان أنه الأفضل، فالله يعلم ما في النفوس، ولعل هذا في قلبه من الإيمان ما يجعله أعلى في الدرجات عند الله ، والإنسان المشهور لعل في قلبه من الرياء ما يجعله من أهل النار، لذلك على المسلم ألا يحتقر أحداً من المسلمين، ولا يفتخر على أحد أبداً.

стр. 75

عتاب الله لنبيه عندما أعرض عن ابن أم مكتوم يذكر المصنف قول الله لنبيه صلوات الله وسلامه عليه: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف:٢٨]. هنا الخطاب للنبي صلوات الله وسلامه عليه، يربيه ربه بالقرآن، فيؤدبه ويهذبه صلوات الله وسلامه عليه، فينفذ ما يقول له ربه ﵊، ولعله يكاد يفعل شيئاً ثم ينزل القرآن لينبهه فيرجع عنه، ولعله يفعل ويرى أن المصلحة في هذا الشيء ثم ينزل القرآن ويلومه ويعاتبه صلوات الله وسلامه عليه، لماذا فعلت هذا الشيء؟ لعلنا نذكر قصة الأعمى عبد الله بن أم مكتوم الذي جاء يتعلم من النبي ﷺ في وقت كان النبي ﷺ فيه مشغولاً بدعوة أناس من كبار الكفار ليدخلوا في دين الله ، فألح على النبي ﷺ في شيء ليعلمه إياه، فكأنه غضب ﷺ منه، وأن هذا ليس وقته، فهؤلاء لو دخلوا في الإسلام سيكون في الإسلام عزة، فعبس النبي ﷺ في وجهه، فنزل القرآن يلومه ﷺ ، لماذا تعبس؟ لماذا تقطب جبينك لهذا الإنسان؟ لاحظ أنه عبس لإنسان أعمى لا مبصر، فالمبصر سيراه أنه عبس، ولكن هذا كان أعمى ومع ذلك فإن القرآن يلومه على ذلك، ويقول له: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى﴾ [عبس:١ - ٤]. فهنا يعاتب النبي ﷺ في شيء لو عمله غيره لما عوتب عليه، ولكن ربنا قال له: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤]، وصاحب الخلق العظيم لابد أن يتربى ويتأدب على أعلى وأعظم ما يكون، فالذي لغيره مباح هو في حقه ﷺ ممنوع؛ لأنه رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، فربه يؤدبه بأعلى ما يكون من مكارم الأخلاق صلوات الله وسلامه عليه.
следующие страницы →