Полный текст (1 057 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
شرح حديث: (من خلع يداً من طاعة لقي الله يوم القيامة ولا حجة له)
عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من خلع يداً من طاعة لقي الله يوم القيامة ولا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية).
قوله: (من خلع يداً من طاعة) هذا في ديار الإسلام، إذا كان الحكام مسلمين يحكمون المسلمين بشرع رب العالمين سبحانه، وسواء كان هؤلاء الحكام مطيعين أو عصاة وتولوا الأمر على المسلمين، فإذا حكموهم بكتاب الله وبسنة النبي ﷺ فالواجب على المسلم السمع والطاعة، فإذا خلع اليد من الطاعة، وخرج على الحاكم الذي يحكم الناس بالمعروف، ويقول: أنا أولى بالخلافة من هذا، أنا أولى بالإمارة، ويخرج ومعه جيش، ثم كل إنسان يرى أنه أفضل من غيره، وأنه يستحق أن يملك الحكم دون غيره، ويقتتل المسلمون بعضهم مع بعض، ويتحكم أعداء المسلمين في المسلمين، فكلما تنازع المسلمون وجاءت الفتن من داخلهم قوي أمر أعدائهم، وزادت شوكتهم على المسلمين؛ فلذلك يحذر النبي ﷺ المسلمين من المناوشات فيما بينهم بسبب الطمع على الدنيا حتى وإن غلفوا ذلك بثوب الدين، وقالوا: نحن أفضل من هذا، ونحن لو نشكل حكومة سنعمل كذا، ونعمل كذا، ونكون أفضل من هذا، وما يدريك أن الله يفتنك إذا كنت على هذا الأمر؟! فطالما أن الحاكم الموجود يحكمك بالمعروف بشرع الله بدين رب العالمين، فليس لك أن تخرج عليه حتى وإن ظلمك، فإذا خرج الإنسان عليه وقال: لا طاعة، وكل إنسان قال: لا أسمع ولا أطيع، ويأتي الكفار إلى بلاد المسلمين فيقول للناس: اخرجوا جاهدوا! فيقول هذا: لا أجاهد معه، والآخر يقول: لا أجاهد معه، والثالث يقول: لا أجاهد معه، فلا يكون هناك جيش للمسلمين، فيدخل الكفار ديار المسلمين، وينتهكون حرمات المسلمين، ويأخذونهم عبيداً وأسرى عندهم، وينتهكون نساء المسلمين، وتضيع ديار المسلمين، وهذا بسبب هذا التفكير القاصر، وقوله: أنا الذي أصلح للخلافة، ولن أسمع ولن أطيع لهذا، فتضيع البلاد.
فالنبي ﷺ يأمر المسلمين أن يكونوا جماعة، والإنسان الذي يخرج عن ذلك فكأنه خلع ربقة الإسلام من عنقه، خلع حبل الإسلام الذي يأمره أن يكون مع المسلمين، قال ﵊: (من مات وليس في عنقه بيعة)، أي: في دار الإسلام، ووجود من يحكم المسلمين بكتاب الله وسنة النبي ﷺ ، براً كان أو عاصياً، فبره ينفع نفسه وينفع الناس، وعصيانه على نفسه، وإذا أمر بالمعصية فلا سمع ولا طاعة في المعصية، وإذا أمر بالمعروف فله السمع والطاعة، لكن لا يفترق المسلمون، ولا يطلب كل منهم لنفسه رياسة أو حكماً، فإن من يطلب ذلك لا يعينه الله عليه، يقول: (من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية) أي: كميتة أهل الجاهلية.
стр. 632
التحذير من مفارقة الجماعة والخروج عن الطاعة
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات مات ميتة جاهلية، ومن قاتل تحت راية عميّة يغضب لعصبة أو يدعو إلى عصبة أو ينصر عصبة فقتل فقتلة جاهلية، ومن خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها، ولا يتحاشى من مؤمنها، ولا يفِي لذي عهد في عهده؛ فليس مني ولست منه).
يقول الحافظ ابن حجر في شرح هذا الحديث وما في معناه: أي كموت أهل الجاهلية، وليس معناه أنه كافر، ولكن مات كما يموت أهل الجاهلية، كل منهم يكون وحده لا إمام له، ولا له جماعة ينتمي إليها؛ لأنهم كانوا لا يعرفون ذلك فيموتون على الضلال، وليس المراد أنه يموت كافراً، بل يموت عاصياً، ويحتمل أن يكون التشبيه على ظاهره، ومعناه: أنه يموت مثل موت الجاهلي، وإن لم يكن هو جاهلياً.
وفي الحديث قال ﷺ : (من فارق الجماعة شبراً فكأنما خلع ربقة الإسلام من عنقه)، ذكر الحافظ ابن حجر عن ابن بطال قال: في الحديث حجة في ترك الخروج على السلطان، وأن طاعته خير من الخروج عليه لما في ذلك من حقن الدماء وتسكين الدهماء، وحجة جمهور العلماء هذا الخبر، بل أجمع الفقهاء على ذلك، ولم يستثنوا من ذلك إلا إذا وقع من السلطان الكفر الصريح، الكفر الذي لا تأويل له، بحيث يحكم عليه أنه كفر وخرج من الملة، فلا تجوز له الطاعة، ويخلعه أهل الحل والعقد، ويقاتلونه إن أصر على ذلك.
ففي هذا الحديث أن على المسلمين أن يجتمعوا وألا يفترقوا، وألا يكونوا شيعاً كل حزب بما لديهم فرحون، بل يجتمع الجميع، ويكون للدولة جيش يحمي هذه البلدة، ويجب على المسلمين أن يتعاونوا على البر والتقوى ما استطاعوا، ويتناهوا عن المعاصي ما استطاعوا، طالما أنهم يحكمون بشرع الله ، فإذا قال لهم حكامهم: لا نحكم بشرع الله، ولا نريد شرع الله، وسنحكم بغير ما أنزل الله، ففي هذه الحالة لا سمع ولا طاعة في مثل هذا، إنما السمع والطاعة في المعروف، فيما إذا أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، فيما إذا تمسكوا بكتاب الله ، والتمسك بكتاب الله فيه العصمة للجميع حكاماً ومحكومين، فإذا خرجوا عن ذلك فلا سمع ولا طاعة.
جاء عن ابن عباس ﵁ في تفسير قول الله سبحانه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤]، ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة:٤٥]، ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة:٤٧] قال: نزلت في اليهود، يقصد أنها فيهم، وأيضاً فيمن كانوا مثلهم، فمن ألغى حكم الله ، وقال: أنا أحكم بغير شرع الله لأنه أفضل من حكم الله سبحانه، فهو كافر، لكن لو أن إنساناً عرف حكم الله في شيء فلم يحكم به، مع إقراره أن هذا حكم الله سبحانه، ثم قال: لا أقدر أن أحكم به، وأخاف إن حكمت به أن يحدث كذا وكذا، وأنا مقر ومؤمن به، فهذا ليس كفراً أكبر مخرجاً لصاحبه من الملة، إنما الكفر المخرج لصاحبه من الملة أن يستبدل دين الإسلام بغيره، وأن يقول: شرع غير الله أفضل من شرع الله، أو يقول: يسعني أن أحكم بغير شرع الله سبحانه ﵎، أما من يقر بذلك كله ثم يعصي، فهذا عاص، لقول ابن عباس: كفر، وهي دون كفر، وهي في مثل حالة المقر بشرع الله الذي يقيمه أحياناً، ويترك أحياناً، ولكن لا يتركه بالكلية، فإن رماه وراء ظهره محتقراً له مستهيناً به، مفضلاً غير شرع الله عليه، فهذا هو الكفر الصريح.
стр. 633
شرح حديث: (وإن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها)
عن عبد الله بن عمرو قال: (كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فنزلنا منزلاً، فمنا من يصلح خباءه، ومنا من ينتضل، ومنا من هو في جشره)، يعني: كان الصحابة مع النبي ﷺ فنزلوا في مكان، فبعضهم كان ينتضل أي: يرمي بالنبل، وبعضهم في جشره، أي: يرعى دوابه، قال: (إذ نادى منادي رسول الله ﷺ : الصلاة جامعة، فقال ﷺ : إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم وينذرهم شر ما يعلمه لهم)، ففيه نصيحة الأنبياء لمن أرسلوا إليهم، فيدلونهم على خير ما يعملونه، وينذرونهم من شر ما يعلمونه.
قال: (وإن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها) أي: في عهد الصحابة رضوان الله ﵎ عليهم.
قال ﷺ : (وسيصيب آخرها بلاء وأمور تنكرونها، وتجيء فتن يرقق بعضها بعضاً) أي: يأتي على الناس فتن، (يرقق بعضها بعضاً) فيأتي بلاء على الناس فيقولون: هذه مصيبة ما حصل مثلها أبداً، ثم تذهب وتأتي بعدها مصيبة أشد منها فيقال: المصيبة الأولى يسيرة بجانب هذه، وهذه التي جاءت أشد وأشد وهكذا، فيقول ﷺ : (يرقق بعضها بعضاً، وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه مهلكتي ثم تنكشف، وتجئ الفتنة فيقول المؤمن: هذه هذه، فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه)، يدلنا صلوات الله وسلامه عليه على الخير، فالذي يحب أن يموت على الخير، ويحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة، فليأته الموت وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، ويحصل أصول الإيمان، (وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه)، فما تحبه من الناس فافعله بهم، فأنت تحب من الناس أن يكونوا مخلصين معك فكن مخلصاً معهم، وتحب منهم أن يحبوك فأحبهم، وتحب منهم ألا يغدروا بك وألا يضايقوك فابدأ أنت بذلك فلا تغدر بهم ولا تضايق أحداً ولا تؤذ أحداً، فإذا أتتك منيتك وأنت كذلك فأنت من أهل الجنة.
يقول ﷺ : (ومن بايع إماماً -أي: حاكماً من حكام المسلمين- فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع)، طالما أنه يستطيع الطاعة في المعروف فليطعه، حتى إذا كان حاكم هذه الدولة المسلمة يظلم ويفجر ويقع في المعاصي، ولكنه مسلم، يحكم المسلمين بكتاب الله سبحانه ﵎ وسنة النبي ﷺ ، فإذا جاء إنسان وقال: أنا خير منه، وأنا أفضل، وأنا أحكم بكل كتاب الله وبكل سنة النبي ﷺ ، وأنا أفعل وأفعل ونحو هذا الكلام، وكل إنسان لا يعجز عن الكلام أن يقوله، لكن إذا صار هو السلطان فلعله ينسى هذا كله، وكم من إنسان كان من العباد ومن العلماء، فلما عرضت عليه الوزارة وعرضت عليه الرياسة إذا به يطلق هذا ويتركه! ذكر الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء أن رجلاً اسمه ابن الزيات كان عالماً من العلماء، وكان يستفتيه الناس، وكان وكان، ثم عرضت عليه الوزارة في الدولة التي هو فيها، فلما جاءته الوزارة أخذ كتاب الله فطواه، وقال: هذا فراق بيني وبينك! فأي إنسان يقول: أنا أحسن، أنا أفضل، أنا أعمل، لا تصدقه حتى تراه في هذا المكان، وترى ما الذي سيصنعه، فعندما تراه في هذا المكان فبعد ذلك ثق أو لا تثق؛ لذلك لا تخرج على حاكم موجود بزعم أنك أفضل منه، يقول النبي ﷺ في هذا الحديث: (من بايع إماماً فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر)، اضربوا عنق الآخر حتى لو كان أحسن من الأول؛ لأنه لن يصل إلى الحكم إلا بقتال بين المسلمين، ولذلك كان سيدنا الحسن بن علي ﵁ غاية في الذكاء وغاية في التقوى رضي الله ﵎ عنه، فلما تولى الخلافة ومعه جيش عظيم جداً، وخرج أهل الشام مع معاوية ومعه جيش عظيم جداً، قال الحسن بن علي: إذا تقاتلنا سيسقط قتلى كثيرون، وإذا انتصرنا وقد خسرنا هؤلاء القتلى جميعهم فما الذي نكسبه من هذا النصر؟! فكان رأيه أن مال إلى الصلح، فوصفه النبي ﷺ بالسيادة وقال: (إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين طائفتين عظيمتين من المسلمين)، فتنازل عن الملك رضي الله ﵎ عنه لـ معاوية بن أبي سفيان رضي الله ﵎ عن الجميع، وفضل الدار الآخرة على هذه الدنيا، فانظر إلى حكمته ورحمته بالمسلمين تطبيقاً لما قاله النبي ﷺ .
فهنا النبي ﷺ يقول: (فاضربوا عنق الآخر)، فلأن يقتل واحد أفضل من قتل جموع من المسلمين، وكأنه يحذر من تسول له نفسه بطلب الإمارة ومنازعة الأمر أهله إلا إذا رأى كفراً يعلم كل ذي عينين أن هذا كفر لا تأويل فيه، فإذا كان كذلك فمن حق أهل الحل والعقد أن يبايعوا إنساناً آخر، ويلغوا بيعة الأول الذي هجر كتاب الله وسنة النبي ﷺ ، والله أعلم.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصلّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 634
شرح رياض الصالحين - النهي عن سؤال الإمارة
الإمارة أمانة، وهي أيضاً خزي وندامة، ولذلك فلا يتولاها إلا من كان قادراً عليها قائماً بشئونها قوياً فيها، ومن طلبها فلا يعطاها، وإن أعطيها لم يعنه الله عليها، ومن جاءته من غير طلب أعانه الله عليها، ولذلك نهى النبي ﷺ أصحابه عن سؤال الإمارة.
стр. 635
النهي عن سؤال الإمارة
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الإمام النووي ﵀: [باب النهي عن سؤال الإمارة، واختيار ترك الولايات إذا لم يتعين عليه أو تدع حاجة إليه.
قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص:٨٣]، وعن أبي سعيد عبد الرحمن بن سمرة ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : (يا عبد الرحمن بن سمرة! لا تسأل الإمارة، فإنك إن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها، وإن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها فأت الذي هو خير، وكفر عن يمينك)، متفق عليه.
وعن أبي ذر ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : (يا أبا ذر! إني أراك ضعيفاً، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تأمَّرنَّ على اثنين ولا تولَّين مال يتيم) رواه مسلم.
وعنه قال: قلت: (يا رسول الله! ألا تستعملني؟ فضرب بيده على منكبي، ثم قال: يا أبا ذر! إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها)]، رواه مسلم.
هذا باب آخر من كتاب رياض الصالحين، يذكر فيه الإمام النووي ﵀ النهي عن سؤال الإمارة، أي: أن المسلم لا يطلب أن يكون أميراً.
ويذكر لنا النبي ﷺ العلة من ذلك فيقول: لا تطلب الرياسة، ولا تطلب الإمارة، فإذا أتتك فخير تعان عليها، وإذا لم تأتك لم تكن قد طمعت في شيء لم تصبه، ولعلك تطمع فيه وتصيبه ولا تعان عليه.
стр. 636
الفائزون بالجنة هم الذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً
قال الله : ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص:٨٣].
فالجنة في الدار الآخرة يجعلها الله للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً، لا يريدون أن يعلوا، لا يريدون أن يفسدوا، بل يريدون أن يتواضعوا، ومن تواضع لله رفعه الله، وأبى الله أن يرفع شيئاً إلا وضعه، والتواضع من الضعف، فإن كان يجعل نفسه قليلاً شأنه، فيتواضع ويحقر من شأن نفسه، فقد عرف قدر نفسه، فهو عند الله له منزلة عظيمة، ويرفعه الله سبحانه.
فالإنسان الذي يرى نفسه عظيماً ويرى أنه يستحق أن يعظم، يأبى الله إلا أن يضعه، فمهما ترفع على الخلق احتقره الخلق، حتى وإن أظهروا له المحبة، وإن أظهروا أنهم يشرفونه ويرفعونه، ولكن يأبى الله إلا أن يحقره، ويجعله حقيراً عند الخلق، فأبى الله أن يرفع شيئاً إلا وضعه.
وحديث النبي ﷺ في هذا المعنى معلوم، وذلك لما كانت العضباء وهي ناقة النبي ﷺ سريعة جداً، ففي يوم من الأيام جاء أعرابي على قعود، أي: راكب على جمل فسابق العضباء فسبقها، فحزن أصحاب النبي ﷺ على ذلك، فقال النبي ﷺ لهم: (أبى الله أن يرفع شيئاً إلا وضعه).
فالنبي ﷺ يطمئنهم بذلك، ويطيب خاطرهم، ويخبرهم أن الله أن يرفع شيئاً من الأشياء إلا وضعه الله ، والإنسان في الدنيا لا يزال يرتفع ويرتفع ويرتفع إلى حد معين، فينخفض بعد ذلك في هذا الحد إلى أن يرجع إلى أصله مرة ثانية، فيأبى الله أن يرفع شيئاً ويدوم له الارتفاع، فالله وحده له الكمال سبحانه، والله هو الخافض الرافع ، يخفض ما يشاء، ويرفع ما يشاء.
فقوله ﷺ : (أبى الله أن يرفع شيئاً إلا وضعه)، يعلم المسلمين أن يتواضعوا، وأنك مهما ارتفعت فلا تفرح بارتفاعك، ولا تفرح بغرور الدنيا، فالإنسان يفرح بشبابه، ويفرح بقوته، ويفرح بماله، فيأتي عليه زمان يفقد فيه المال، ويفقد فيه شبابه، وينتقل إلى الهرم والشيخوخة، ويأتي عليه زمان يفقد فيه قوته وهكذا.
فلا تفرح بشيء تبختراً، فلابد أن تستمع إلى النصح وإلى الحق من غيرك، ولا تظن أنك في غنى عن الناس؛ فإن الله يأبى أن يرفع شيئاً إلا ويضعه.
стр. 637
ذكر ما جاء من إعجاب قارون بماله وغناه وإهلاك الله له
قال تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا﴾ [القصص:٨٣]، هذا بعدما ذكر لنا كيف صنع بقارون، وكيف تعالى قارون على قومه.
فقد كان قارون من بني إسرائيل، وكان الأحرى بهذا الإنسان أن يأتسي بموسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وهو يعرف أنه نبي الله ﵊؛ ولكن لاختلاط قارون بفرعون، ولكثرة أموال قارون أعجب بنفسه، فوافق فرعون في شغله بملكه، وهامان شغلته وزارته، وقارون شغله ماله، وكل منهم أرانا الله فيهم الآيات.
فهذا فرعون أهلكه الله وأغرقه وهو يظن أنه يدرك موسى ومن معه ويأتي به، فإذا بالله يملي له، ثم يهلكه.
وهذا موسى الذي كان مستضعفاً، وكان قومه مستضعفين، فآمنوا بالله سبحانه، فإذا بالله يمكن لهم في الأرض، ويجعلهم الوارثين ويفعل الله ما يشاء.
فقد كان قارون من قوم موسى فبغى عليهم، وآتاه الله من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة، فنصحه قومه، وقالوا له: ﴿لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [القصص:٧٦]، فأبى إلا أن يكون مثل فرعون، ففرعون له ملكه وماله، فأراد أن يقلد فرعون فيما هو فيه، ولا يستمع لموسى ولا لنصحه، ولا ينظر إلى بني جلدته من بني إسرائيل، أنهم قوم مستضعفون فآمنوا مع رسول الله ﵊، وحاول أن يعلو ظناً منه أنه أحسن منهم.
خرج قارون على قومه في زينته مفتخراً يريهم أمواله، ويريهم حلله، ويريهم قوته وشبابه وجماله، فإذا بالله يأمر الأرض فأخذته هو ومن معه، فضاع الرجل وضاع ماله، قال تعالى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ﴾ [القصص:٨١]، وعقب ذلك ربنا سبحانه بقوله: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ﴾ [القصص:٨٣]، أي: هذه الجنة العظيمة ﴿نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص:٨٣]، فالذي يتقي الله له العاقبة الحسنة، والذي يكفر بالله سبحانه له ما رأينا من آيات الله فيه في الدنيا، ثم النار في الآخرة.
стр. 638
شرح حديث: (يا عبد الرحمن بن سمرة! لا تسأل الإمارة)
عن عبد الرحمن بن سمرة ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : (يا عبد الرحمن بن سمرة! لا تسأل الإمارة، فإنك إن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها)، أي: لا تطلب أن تكون أميراً على مجموعة صغيرة، أو أميراً على بلد صغير أو كبير، لا تطلب أن تكون أميراً، فإذا أُمَّرت فإن الله سبحانه سيعينك، فلا تطلب شيئاً لعلك لا تكون أهلاً له، أو لعله يكون فتنة لك، قال: (لا تطلب الإمارة، فإنك إن أعطيتها عن غير مسألة، أعنت عليها)، يعلمنا النبي ﷺ أن طالب الشيء قد لا يعان عليه، وهنا يقول الإمام النووي يقول في أول الباب: إذا لم يتعين عليك، إذاً: هناك فرق بين إن تعين عليك، وإن لم يتعين عليك ذلك، وتعين هنا بمعنى: صار فرض عين عليه، أي: لا يصلح لها إلا هو، إذاً: في هذه الحالة هو معذور أن يقول: أنا أصلح لها، ولكن إذا وجد غيره يقوم بهذا الأمر، فلا يطلبه وليتركه لله .
قال: أو تدع حاجة إليه، أي: إذا دعت الحاجة إلى ذلك، والناس لم يجدوا إلا هذا، فهو معذور في هذا الشيء، وهنا قال ﷺ : (إنك إن أعطيتها -أي: الإمارة فكنت أميراً على الناس- عن غير مسألة أعنت عليها، وإن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها)، وطالب الإمارة العادة أنه لا يعان عليها، ولهذا قال: (وكلت إليها) أي: تركت ونفسك إليها، أي: لن يعينك عليها.
стр. 639
كفارة اليمين
قال ﷺ له: (وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها، فأت الذي هو خير وكفر عن يمينك)، هذا الجزء من الحديث فيه بيان أنك إذا حلفت على شيء، ومن ثم ووجدت الخير في عمل هذا الشيء فاعمله وكفر عن هذا يمينك.
كفارة اليمين إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون به أهليكم، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة.
إذاً: تطعم عشرة مساكين، والسائل دائماً يقول: أو أصوم ثلاثة أيام، ونحن نقول لك: ليس لك أن تصوم ثلاثة أيام، إلا إذا لم تقدر على إطعام عشرة مساكين، فأنت معذور أن تصوم ثلاثة أيام.
فإذا كنت تستطيع أن تصوم ثلاثة أيام، وتقدر أن تطعم عشرة مساكين، فكفر بالإطعام، فإذا صمت لم يجزئ عنك، فإذا كنت تستطيع إطعام عشرة مساكين فيلزمك إطعام عشرة مساكين، ولا يجزئ عنك الصوم؛ لأن الله لم يبدأ بصيام ثلاثة أيام، بل قال: ﴿فَمَنْ لَمْ يجد فصيام ثلاثة أيام﴾ [المائدة:٨٩]، أي: أن الذي لا يستطيع إطعام عشرة مساكين هو الذي يلزمه أن يصوم ثلاثة أيام.
والآية فيها
الجواب
﴿ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة:٨٩]، أي: الطعام الوسط الذي تطعمه أهلك، (من أوسط ما تطعمون أهليكم)، فمن أكلك الوسط الذي لك ولأسرتك تطعم عشرة مساكين، ولعلك قد تأكل وجبةً تكلفك عشرين جنيهاً، لكن لا يتكرر هذا الشيء، وقد تأكل وجبةً تكلفك نصف جنيه، لكن لا يتكرر ذلك، فالغالب أنك تأكل وجبةً تكلفك ثلاثة جنيهات، إذاً: تطعم المسكين من مثل هذه الوجبة.
ولا يجوز دفع المال كفارة؛ لأنك قد تدفع المال للمسكين فيأخذه فيشتري به شيئاً آخر غير الطعام الذي أمرت أن تطعمه، فقد يأخذ المال ويشرب به الدخان، فعلى ذلك أنت لم تطعم هذا المسكين.
وقد يأخذ المسكين المال منك ومن الثاني ومن الثالث ويذهب ويشتري به حذاء، أو يشتري بها ثوباً، والله أمر: كسوة عشرة مساكين، وليست بكسوة مسكين واحد، فعلى ذلك تطعم عشرة مساكين وليس واحداً.
فإذا قيل: هل من الممكن أن نطعم مسكيناً واحداً عشرة أيام؟
الجواب
إذا كان هناك ضرورة، ولم يوجد مساكين، ولكن لو فرضنا أن قيمة الوجبة خمسة جنيهات، فتكون خمسين جنيهاً للمسكين، فتعطيه خمسين جنيهاً فيشتري بها أحذية فهنا لم تأت بالكسوة المطلوبة منك، ولم تطعم الطعام الذي أمرت به.
ولذلك الشريعة أمرتك بإطعام عشرة مساكين، فإن قلت: قد أطعم عشرة مساكين فيأخذ المساكين الوجبات ويبيعونها، فهنا فعلت ما عليك، ولا تلزمك الشريعة بأكثر من ذلك.
إذاً: إذا أردت أن تطعم في كفارة اليمين عشرة مساكين فلا بد من عشرة، فإذا تعذر وجود عشرة مساكين أطعمت خمسة مساكين، كل مسكين يومين، والإطعام يكون من طعامك الوسط، وجبة لكل مسكين، فتطعم عشر وجبات، فإذا تعذر وجود العشرة جاز أن تطعم مسكيناً عشرة أيام.
стр. 640
نصيحة النبي ﷺ لأبي ذر ألا يتأمر على أحد ولا يتولى على يتيم
عن أبي ذر ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : (يا أبا ذر! إني أراك ضعيفاً، وإني أحب لك ما أحب لنفسي)، هنا أبو ذر ﵁، قال له النبي ﷺ : (إني أراك ضعيفاً) وأبو ذر كان إسلامه قديماً جداً، أسلم وذهب إلى مكة وجهر بإسلامه، وخاف منهم فاختبأ في الكعبة ﵁ تحت ستارها حتى انصرفوا عنه، وذهب للنبي ﷺ وأسلم معه، فخاف عليه ﷺ وأمره أن يرجع، وقال له: (فإذا رأيتني ظهرت فأتني).
وجاء للنبي ﷺ في المدينة، وكان يصدع بالحق رضي الله ﵎ عنه، إذ كان أبو ذر صدوعاً بالحق، وكان ذلك سبباً في أن الناس يبتعدون عنه، وفي آخر حياته أمره عثمان رضي الله ﵎ عنه أن يكون في الربذة، وقال: أنت شديد على الناس، فـ أبو ذر كان شديداً على الناس، فكان يأمرهم، وكان مذهب أبي ذر أن من كان معه فائض من المال فيجب عليه أن يخرجه، وأن يتصدق به، أي: أن الفائض من المال ليس من حقك أن يبقى معك، ولم يعلم أن هذا يجوز، فإن النبي ﷺ نزل عليه الوحي في تحريم ذلك، ثم نزل الوحي بعد ذلك بالترخيص في ذلك، فـ أبو ذر اطلع على الأمر الأول فعلم أنه لا بد من المواساة بالمال، فلما نزلت الزكاة وتقدير الأنصبة في الزكاة، فكان للناس أن يدخروا، وقال النبي ﷺ لـ سعد بن أبي وقاص: (إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير لك من أن تذرهم عالة يتكففون الناس)، فدل هذا على أنه يجوز للإنسان أن يدخر من ماله حتى يترك للورثة بعده.
لكن أبا ذر ﵁ لم يطلع على ذلك، فكان يخرج على الناس في مجالسهم وفي حلقاتهم، ويأمرهم بذلك، ويحدثهم بحديث النبي ﷺ ، فكان هذا الأمر يضايقهم، أنه كلما رآهم يأمرهم بأن يتصدقوا بجميع أموالهم، فتضايق الناس منه، فشكوه لـ عثمان ﵁، فلما رفض أن يسكت، وقال: طالما أنا بين الناس فسوف آمرهم بهذا، فلما أخبروه بأن الأمر فيه سعة، وهذا كان في وقت الضيق، أبى إلا أن يحدث بما سمع رضي الله ﵎ عنه.
فأمره عثمان ﵁ أن يعتزل الناس، طالما أنه يرفض أن يحدث إلا بذلك فليعتزل الناس.
إذاً: أبو ذر كان شديداً، وهنا قال له النبي ﷺ : (إني أراك ضعيفاً)، فالشدة شيء، والقوة على العمل شيء آخر، فالقوة على أداء الأمانة هذا هو شيء آخر تماماً، أن يكون الإنسان أميراً على الناس ويقيم فيهم شرع الله ، ويؤلف الناس حوله ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ولا ينفرهم، هذا هو الذي لا يقدر عليه أبو ذر رضي الله ﵎ عنه، ولذلك قال له النبي ﷺ : (إني أراك ضعيفاً).
فليست مهنتك الإمارة ولست أهلاً للإمارة، فإن الإمارة لها أهلها، وأنت لست أهلاً لها، وقال له ﷺ : (وإني أحب لك ما أحب لنفسي)، يحب لنفسه ﷺ الخير ويحب لـ أبي ذر ذلك، فأنت يا أبا ذر لا تطيق ما أطيقه أنا، فالنبي ﷺ كان هو القائم على أمر المسلمين ﵊، وهو الذي يأمرهم ويقيم فيهم شرع الله سبحانه، لكن أبا ذر كان ضعيفاً، لا يقدر على ذلك، فقوله: (أحب لك ما أحب لنفسي) أي: أحب لك الخير كما أحب لنفسي الخير، ولكن فرق بينه وبينه، فالنبي ﷺ قادر على أداء هذه الأمانة؛ ولذلك اختاره رب العالمين رسولاً للعالمين وللخلق كافة، إنسهم وجنهم ﵊.
وأبو ذر لا يقدر على ذلك، فقال له: (إني أحب لك ما أحب لنفسي)، أي: أحب لك من الخير ما أحب لنفسي، فأنصحك في ذلك.
قال: (لا تأمرن على اثنين)، أي: لا تكن أميراً ولو حتى على اثنين، فإذا كنتم مسافرين معاً فلابد من الإمارة وأنت لا تصلح لذلك.
قال: (ولا تولين مال يتيم)، أي: لا تتول مال يتيم خوفاً عليه من نفسه، وخوفاً عليه من مال اليتيم، ووقد رأينا أبا ذر ﵁ حتى آخر حياته يصدع بالخير، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فليس هذا خوفاً عليه أن يفتن ﵁، ولكن لا يقدر أن يقوم بحق هذا المال.
وكم ترى من إنسان يموت وهو يعول اليتيم ويقول: لا تحط المال في مكان كذا، لكيلا يكون فيه ربا فيأخذه ويشغله، ولكنه يأكله، ويضيع على اليتيم ماله.
ولذلك نقول: إذا كان هناك أيتام فالأولى أن توضع أموالهم مع الدولة، حتى لا يضيع المال على الأيتام بدعاوى كثير من المدعين، وكم سمعنا وكم رأينا من ذلك، إذ يأخذ مال اليتيم ويشغله له، فإما أن يهرب، وإما أن يخسر فيضيع مال اليتيم، فلذلك النبي ﷺ حذر أبا ذر، فأنت من باب أولى أن تبعد عن مال اليتيم، ولا تتدخل بمال اليتيم، ولا تقل: أشغله له، وإذا أردت أن تتصدق على اليتيم فأعطه صدقةً مما معك.
أما أن تأخذ مال اليتيم فاحذر من مال اليتيم، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء:١٠]، وهنا قال النبي ﷺ لـ أبي ذر: (ولا تولين مال يتيم).
стр. 641
عدم تولية النبي ﷺ أبا ذر لضعفه
وعنه أيضاً قال: قلت: (يا رسول الله! ألا تستعملني)، كأن أبا ذر سأل النبي ﷺ أن يجعله عاملاً عنده، ويعطيه ولايات على أشياء يفعلها، إما عرافة على قوم، وإما ولاية على أموال الزكاة، أو جمع الصدقات، أو توزيعها، أو ولاية على بلدة ونحو ذلك.
فالنبي ﷺ ضرب بيده على منكبه رضي الله ﵎ عنه ثم قال: (يا أبا ذر إنك ضعيف)، إذاً: ليس أي أحد يطلب الإمارة، ومن طلب الإمارة لا يعان عليها، حتى وإن كان قوياً لا يعان عليها، فكيف بالضعيف؟ قال: (إنك ضعيف وإنها أمانة - الإمارة أمانة - وإنها يوم القيامة خزي وندامة)؛ لأن الأصل فيها أن كل أمير في الدنيا يأتي بخزي وندامة يوم القيامة، ويقول: يا ليتني ما توليت شيئاً، قال: (إلا من أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها)، وكل الناس يزعم أنه لو كان الأمير أو الرئيس لفعل من الخير ما فعل، فهنا الإمارة ليست في التمني، إنما الإمارة في الحقيقة، فكم من إنسان تمنى ونال وضيع دينه وضيع أمانته وغرته الرياسة وغرته الأمانة، هل رأيتم الرئيس الذي كان مسلماً، ومن أجل أن يكون رئيساً على النصارى تنصر؟! وهو كارلوس منعم، كان مسلماً وتنصر حتى يكون رئيساً على الأرجنتين، الإنسان في الدنيا تراه في دين ربه ، ولا يدري متى تأتيه الفتن، فتراه يجاري ويجاري مع الناس إلى أن يضيع هذا الإنسان في النهاية، ويتسمى بأسماء غير المسلمين طلباً للدنيا فخسر الدنيا والآخرة.
فتكون الأماني لكل من كان هذا مثاله، يقول: اليوم سأعمل وغداً سأتوب، ولا يأتي هذا الغد، ويفرح بما هو فيه.
وهذا هرقل عرف أن النبي ﷺ رسول حق، وكاد يسلم ويدخل في دين النبي ﷺ ، وفي النهاية لما قال لقومه: اتبعوا هذا النبي ﷺ ، وجدهم هاجوا، وكان قد أقفل عليهم الأبواب، فقال لهم: إنما أنا أمزح معكم، وأختبركم هل أنتم متمسكون بالدين أم لا؟ مع كونه سأل أبا سفيان عشرة أسئلة أو أكثر، والأسئلة كلها تدل على ذكاء خارق لهذا الإنسان، وعلى أنه فعلاً فاهم وواع ويعرف تماماً أن هذا نبي صلوات الله وسلامه عليه.
ففي أسئلته لـ أبي سفيان قال: قلت لك: هل كان من آبائه ملك؟ فقلت: لا، فقلت: لو كان في آبائه ملك لقلت: هذا رجل يطلب ملك أبيه، وسألتك: هل يتبعه ضعفاء الناس أم أقوياء الناس؟ فذكرت أنهم ضعفاؤهم، وكذلك أتباع الرسل، وسألتك هل يكذب؟ فذكرت: أن لا، وقد أعلم أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس، ثم يكذب على الله، وسألتك: هل يرتد أحد منهم سخطة لدينه؟ فذكرت: أن لا، وكذلك الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب، فقد كان رجلاً واعياً حينما سأل أبا سفيان وأجابه بما أجابه، وفي النهاية كاد يسلم، وإذا به يطبع على قلبه فلا يسلم، ويظل على ما هو فيه من كفره.
فلذلك الإنسان لا يغتر بإمارته، فإن النبي ﷺ يخبرك أنك إذا كنت ضعيفاً فابتعد عن هذه الأشياء ولا تطلبها، فإذا أتتك من غير طلبك فسوف يعينك الله عليها، قال ﵊: (إنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها).
فقوله: (أخذها بحقها) أي: عمل بالحق وأدى الواجبات التي عليه، فيكون له ذلك نجاة يوم القيامة.
وقد عرفنا في حديث النبي ﷺ أن الذي يطلب القضاء لا يعان عليه، قال: فكأنما ذبح بغير سكين، هذا الذي يطلب القضاء ويناله كأنما ذبح بغير سكين.
стр. 642
شرح حديث: (إنكم ستحرصون على الإمارة)
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إنكم ستحرصون على الإمارة) فهو ينهاهم ومع ذلك يقول: ستحرصون عليها، وكان بعده مباشرة صلوات الله وسلامه عليه، ومات ﷺ فإذا بالبعض من الأنصار يريدون أن يكون فيهم الأمير، حتى بين لهم أبو بكر وعمر ﵄ أن النبي ﷺ ذكر أن الخلافة في قريش ليست في غيرهم، ثم بعد ذلك صارت الخلافة على المنهاج الشرعي حتى حدث الطمع فيها والاقتتال، ففئة تتبع النبي ﷺ فيما يقول، وفئة تخالف في ذلك، فكانت على الناس أزمة، وجرت سنون إلى أن أصبح طلب الرئاسة وطلب الإمارة للإمارة وللرياسة، وليس لإقامة شرع الله سبحانه، فصارت ملكاً عضوضاً، فحذر النبي ﷺ وقال: (إنكم ستحرصون على الإمارة، وستكون ندامة يوم القيامة).
ويتخلى عن الإنسان يوم القيامة أتباعه وأشياعه وجنوده، ويأتي وحده ليسأل عن كل ما كان تحت يديه، ولذلك فالإنسان يتفكر أنه سوف يسأل عن نفسه، وعن أولاده، والذي يتولى زمام الأمور والذي يكون رئيساً على الناس سوف يسأل عن كل الناس الذين تحته، فيا ترى متى سينهي الله حسابه؟ ولذلك على المسلم ألا يطمع نفسه في ذلك، ولا يحرص عليها، فلا خير فيها.
نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 643
شرح رياض الصالحين - الحياء وفضله والحث على التخلق به
لقد جمع خلق الحياء وصاحبه الخير كله، فالحياء خير كله ولا يأتي إلا بخير، وهو خلق ممدوح في السابقين واللاحقين، وليس من الحياء الامتناع عن إنكار المنكر وقول الحق، والحياء سمة الصالحين، ومورد المتقين، وبحر العاملين، ومن تخلق به فقد حاز الخير بحذافيره.
стр. 644
الحياء وفضله والحث على التخلق به
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صلّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الإمام النووي ﵀: [كتاب الأدب: باب الحياء، وفضله، والحث على التخلق به.
عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ مر على رجل من الأنصار وهو يعظ أخاه في الحياء، فقال النبي ﷺ : (دعه فإن الحياء من الإيمان) متفق عليه.
وعن عمران بن حصين ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (الحياء لا يأتي إلا بخير)، متفق عليه.
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة، فأفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان) متفق عليه].
يذكر الإمام النووي ﵀ في هذا الكتاب كتاب: الأدب، يعني: الأخلاق التي ينبغي للمسلم أن يتخلق بها، وتدعوه الشريعة إلى التجمل بها، فبدأ بالحياء وهو من أعظم أخلاق المسلم، فالإنسان الذي لا يستحيي يقع فيما شاء من المعاصي (إذا لم تستح فاصنع ما شئت) بمعنى: أن الإنسان عديم الحياء لا يرتدع عن شيء يصنعه.
وقد أثر عن أحد الصحابة أنه قال في الحياء: (وكان النبي ﷺ أشد حياء من العذراء في خدرها) صلوات الله وسلامه عليه، وأما فضل الحياء: فقد جاء فيه عن النبي ﷺ قوله: (إن الحياء كله خير).
ومن الأحاديث أيضاً: ما جاء في الصحيحين عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ مرّ على رجل من الأنصار وهو يعظ أخاه في الحياء، كأنه ينهاه عن الحياء ويؤنبه، فمر عليه النبي ﷺ وهو يؤنبه في ذلك، فقال رسول الله ﷺ : (دعه، فإن الحياء من الإيمان)، فالإنسان الذي عنده حياء، قد يمنعه حياؤه من أشياء يريدها، لكن لا يضيع هذا الحياء عند الله ، فالحياء كله خير، والحياء من خصال الإيمان التي يرتفع بها العبد المؤمن عند الله .
وفي حديث متفق عليه عن عمران بن حصين يقول ﵁: قال رسول الله ﷺ : (الحياء لا يأتي إلا بخير)، حتى ولو فاتك شيء من الدنيا، ولكن الثواب الذي في الحياء عظيم عند الله ، فمن أعظم أخلاق المؤمن اتصافه بالحياء، وكان حياء النبي ﷺ أحياناً يمنعه أن يقول للإنسان: أنت شرير، فكان يدخل عليه الإنسان فيقول النبي ﷺ قبل دخوله: (بئس أخو العشيرة)، فإذا دخل وجلس مع النبي ﷺ إذا به يتبسم ويتكلم صلوات الله وسلامه عليه، فيقولون: تبسمت له وقد قلت عنه كذا وكذا؟! فيقول النبي ﷺ : (متى عهدتني فحاشاً؟) أي: إنني لا أفحش في الكلام، ولا أقع في خطأ في الكلام، فالنبي ﷺ تبسط وتبسم مع الرجل ولم يزجره لكون الحياء يمنعه من أن يقول له ذلك.
وقوله: (الحياء لا يأتي إلا بخير) وفي رواية: (الحياء كله خير)، يفهم من هاتين الروايتين: أن من فقد الحياء فقد فقد من الإيمان الواجب شيئاً كبيراً، فالإيمان هو الذي يمنعه من التبجح ويدفعه إلى الحياء.
وفي حديث لـ أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ يقول: (الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة) يعني: خصال الإيمان، أو أعمال من أعمال الإسلام والإيمان، فأفضل خصال الإسلام وأفضل خصال الإيمان: كلمة التوحيد: (لا إله إلا الله)، وأما أقل خصال الإيمان التي تدل على إيمان صاحبها فهي كما قال النبي ﷺ : (إماطة الأذى عن الطريق)، وهذه من خصال الإيمان التي يدعو إليها هذا الدين العظيم، وهي إماطتك الأذى عن الطريق، فإذا وجدت أذى فأمطه وإن لم تكن أنت الذي وضعته حتى لا يتأذى به الناس، ويفهم من هذا كذلك: أن الإنسان الذي يترك الأذى في الطريق فقد قدراً لا بأس به من الإيمان الواجب، فكيف بمن يحط الأذى في الطريق بنفسه، فيقوم بصب القمامة أمام الناس، أو يضع أمام بيوت الناس القمامة وقت صلاة الفجر أو أمام المسجد؟! فهذا ليس عنده من الإيمان الواجب ما يمنعه من ذلك.
ومن خصال الإيمان المفقودة عند الناس: أذى الجار وأذى الناس بوضع الأذى في الطريق، فقد قال النبي ﷺ في هذا الحديث: (والحياء شعبة من الإيمان) يعني: أن الحياء جزء من أجزاء الإيمان، أو خصلة من خصال الإيمان.
ومن الأحاديث كذلك حديث لـ أبي سعيد الخدري ﵁، وهو متفق عليه أيضاً، يقول: (كان رسول الله ﷺ أشد حياءً من العذراء في خدرها)، الخدر: الستر، وهو المكان الذي تستر فيه العذراء، يعني: الفتاة البكر التي لم تتزوج، فكان النبي ﷺ أشد حياءً من هذه العذراء المستورة في بيت أبيها وأمها.
стр. 645
ضابط الحياء الممدوح ومتى يكون مذموماً
هناك فرق بين الحياء والخجل، فالخجل من الحياء، لكن الحياء لا يمنع من الحق، فلا يمنع الإنسان أن يأمر بالمعروف أو ينهى عن المنكر، أما الخجل فقد يفعل به الإنسان ذلك، فلا يفعل ما يلزمه دينه به من أمر بمعروف ونهي عن منكر، فيخجل الإنسان أن يراه الناس وهو يصلي، فهذا ليس بحياء، بل هو عيب موجود في ذات الإنسان لا يجب أن يمدح عليه، فالحياء هو: الحياء الذي يأمرك بالخير ويمنعك من التبجح، كأن يقول أحدهم للأعور: أنت أعور في عينك، فهذا إنسان قليل الأدب، ليس هو بإنسان حقاني كما يظن نفسه، ولكن الإنسان الحقاني هو الذي يقول الحق حيثما كان، فمالك وللأعور والأعمى؟ ولكن قل للمخطئ: أنت مخطئ، وقل للمصيب: أنت مصيب، ولا يمنعنك أن هذا غني وهذا فقير عن ترك قول الحق والعمل به، فالله قد أمرك بذلك فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ [النساء:١٣٥] ولو على نفسك، ولو على أبيك وأمك، ولو على أقربائك، وقد يكون هؤلاء فقراء فترحمهم، أو أغنياء فتخشى من سطوتهم وغناهم، قال الله: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ [النساء:١٣٥]، فهو الذي أمرك أن تتكلم بالحق أينما كنت، ولكن مع الإتيان بخصال الإيمان، فتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، ولا يكون في كلامك منكر، فالحياء: هو قول الحق ثم بعد ذلك يأتي الحياء.
стр. 646
حقيقة الحياء
يقول العلماء: إن حقيقة الحياء: خلق يبعث على ترك القبيح، فالإنسان صاحب الحياء لا يعمل القبيح، أو ما يستهجن به أمام الناس، ولا يفعل ما يجعل الناس ينظرون إليه مستقبحين وهو لا يهمه أن يمشي أمام الناس على هذه الصورة، فيقولون: هو خلق يبعث على ترك القبيح، ويمنع من التقصير في حق ذي الحق، والقلب الممتلئ بالإيمان يدفع المؤمن إلى هذا الخلق، فقلبه وإيمانه يدفعانه للحياء، أما القلب الفارغ فإنه يجعل الإنسان يفعل ما يشاء، والحياء فارق رئيسي بين المؤمن والكافر، فليس يتخلق الكافر بهذه الخصلة؛ لأن الكافر لا يهمه ذلك، فهو يقول: أريد أن أعيش في هذه الدنيا للدنيا، وأريد أن أتحرر، والتحرر عنده أن يقص شعره بطريقة تجعل الناس يضحكون عليه، ويمشي في الشارع وهو خالع ملابسه فلا يهمه، وتجد الناس في بلاد الكفر عديمي الحياء، تمشي المرأة متغطية في الطريق للبرد، فإذا ظهرت الشمس وشعرت بالحر خلعت ملابسها في الشارع أمام الناس! فليس لهم خلق أو دين يردعهم، والعجب أنك ترى في بلاد المسلمين من يقلد هؤلاء ويريد أن يصل إلى ما وصل إليه هؤلاء من السفالة والقذارة والحقارة في أمر دنياهم؛ لأنهم تركوا الحياء وراء ظهورهم، فتراهم يصرخون ويرقصون ويعاشر الرجال منهم النساء في الطرقات؛ لأن الحياء قد انعدم فيهم.
أما دين الإسلام: فهو إيمان في قلب الإنسان يظهر على جوارحه، فيستحيي من أن يعصي الله ، وكأنه يرى الله أمامه، وهذه مرتبة الإحسان وهو: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، فإذا تشبه المسلم بهؤلاء وقال: أنا أعمل الذي أريده، أو أنا أريد أن أتحرر، فإننا نقول له: إن هؤلاء كفرة يريدون أن يتحرروا من الله ومن دينه ، أما المؤمن فهو يعلم أنه مهما علا فهو عبد لله ، فهو يقول: لا إله إلا الله، أي: أنا عبد لله ، وانظروا إلى مقامات النبي ﷺ التي علا فيها، فإنه كلما علا ازداد عبودية لله، يقول ﷺ : (إنما أنا عبد أجلس كما يجلس العبد، وآكل كما يأكل العبد)، وقد شرفه ربه سبحانه بهذا الوصف العظيم فقال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء:١]، فرفعه إلى السماء صلوات الله وسلامه عليه، ومن ثم إلى سدرة المنتهى، فجاوز الملائكة، وجاوز جبريل عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، ومع ذلك يقول الله: هذا عبد لله، وقد عرف قدر جبريل وهو أعظم ملائكة الله وقدر خشوعه لما رآه كالحلس البالي يوم أن وصل إلى أعلى الدرجات فوقف عند قبره وجاوزه النبي ﷺ ، فقال: (فنظرت إليه فإذا هو كالحلس البالي)، والحلس: هي الفرشة التي يجعلها الإنسان فوق الرحل ليجلس عليها، فهذا حال جبريل بين يدي ربه سبحانه، قال: (فعرفت فضل عبادته) أي: عرف فضل عبادة جبريل ﵇ في ذلك الموقف العظيم، وكيف أنه يعبد ربه ويتواضع ويخشع بين يديه سبحانه.
ومن المواضع التي شرفه الله بلفظ العبودية دعوته إلى الله ، يقول سبحانه: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن:١٩]، فالنبي ﷺ في مقام الدعوة يعد عبداً لله سبحانه، وكذلك في مقام إنزال الكتاب عليه من السماء، قال سبحانه: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة:٢٣] صلوات الله وسلامه عليه.
فمقام العبودية هو مقام تشريف للعبد أن يكون فيه، فكلما ارتقى في مقام العبودية استيقن وعلم أنه عبد لله ، إذاً فأنت عبد الله سبحانه ولست حراً، والإنسان إذا تحرر من عبودية الله وقع في أسر الشيطان وكان عبداً له، فيلعب به الشيطان كيفما شاء، فتجده يحلق شعره مثل الشيطان، ويمشي في الشارع والناس يضحكون عليه، ومع هذا يقول لك: إنها موضة! وما درى هذا أن الناس يصفونه بالحمق! وتجد هذا الغبي يقلد الغرب في كل ما يفعلون، فإذا لبسوا الشرت لبسه، وإذا لبسوا الفانيلات لبسها، فهو يقلد أسياده الذين عبدهم من دون الله .
ليس التحرر بأن تخرج من دينك، بل الحرية أن تعبد الله سبحانه، فيكون هو وحده الذي يحكمك ، وهو وحده الذي يتحكم فيك، وهو وحده الذي يأمرك وينهاك، أما عباد غير الله سبحانه فهم يعبدون ملوك الموضة، فتراه يجري وراء المجلة في النهار بحثاً عن الموضة في الشعر والجزمة والشراب ونحو ذلك، فصاروا هم الذين يحكمونه، افعل كذا ولا تفعل كذا، وهو متبع لطريقهم، والناس يضحكون عليه! إذاً: التحرر الحقيقي هو أن تتحرر من أغلال الشيطان ومن الطواغيت، وأن تعبد الله وحده لا شريك له، وما الحياء إلا دليل على إيمان الإنسان، وأنه يعبد الله في تحرر من كيد الشيطان ومن هواه إلى عبودية الرب ، وقد سبق أن العلماء يقولون: إن حقيقة الحياء: هي خلق يبعث على ترك القبيح ويمنع من التقصير في حق ذي الحق، وبعضهم يستحي أن يؤدي الحقوق إلى أصحابها، وبعضهم يستحي من العمل مع أنه شاب قادر على العمل، ومع أن البيت خال من الطعام أو الشراب فهذا حياء مذموم، وإنما النافع للإنسان أن يعمل ليؤدي حق الله سبحانه، فإذا وجد المسكين وهو قادر على أن يعينه استحيى من الله فأعان هذا الإنسان، وإذا وجد ذا الحاجة وهو قادر على أن يوصلها إليه أعانه على ذلك، فهذا خلق الحياء.
стр. 647
تعريف الجنيد للحياء
قال: وقال الجنيد ﵀: الحياء رؤية الآلاء، أي: النعم، قال: ورؤية التقصير، فتتولد بينهما حالة تسمى الحياء.
ومعنى كلام الجنيد ﵀: أن حياء الإنسان: أن يرى نعم الله العظيمة عليه، ويرى تقصيره فيستحيي من الله أن يجده مقصراً، وعلى المؤمن أن يتقي الله حيثما كان، كما أمره النبي ﷺ بقوله: (اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن).
نسأل الله أن يرزقنا حسن الخوف منه، وحسن الحياء، وحسن الإيمان.
стр. 648
تعريف الجنيد للحياء
قال: وقال الجنيد ﵀: الحياء رؤية الآلاء، أي: النعم، قال: ورؤية التقصير، فتتولد بينهما حالة تسمى الحياء.
ومعنى كلام الجنيد ﵀: أن حياء الإنسان: أن يرى نعم الله العظيمة عليه، ويرى تقصيره فيستحيي من الله أن يجده مقصراً، وعلى المؤمن أن يتقي الله حيثما كان، كما أمره النبي ﷺ بقوله: (اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن).
نسأل الله أن يرزقنا حسن الخوف منه، وحسن الحياء، وحسن الإيمان.
стр. 649
شرح رياض الصالحين - حفظ السر
إن من الخصال الحميدة التي حث عليها الإسلام حفظ السر، فالسر أمانة، وقد أمر الله بحفظ الأمانات، وإفشاء الأسرار فيه الدلالة على سوء خلق فاعله، فإنه مدعاة إلى إفساد ذات البين وتخريب البيوت، وهذا ما لا يرضاه الله لعباده ولا رسوله ﷺ .
стр. 650
ما جاء في حفظ السر
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الإمام النووي ﵀: [باب حفظ السر.
قال الله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:٣٤].
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى المرأة وتفضي إليه ثم ينشر سرها) رواه مسلم.
وعن عبد الله بن عمر ﵄: (أن عمر ﵁ حين تأيمت بنته حفصة قال: لقيت عثمان بن عفان ﵁ فعرضت عليه حفصة، فقلت: إن شئت أنكحتك حفصة بنت عمر، قال: سأنظر في أمري، فلبثت ليالي ثم لقيني فقال: قد بدى لي ألا أتزوج يومي هذا، فلقيت أبا بكر ﵁ فقلت: إن شئت أنكحتك حفصة بنت عمر فصمت أبو بكر ﵁ فلم يرجع إلي شيئاً، فكنت عليه أوجد مني على عثمان، فلبثت ليالي ثم خطبها النبي ﷺ فأنكحتها إياه، فلقيني أبو بكر فقال: لعلك وجدت علي حين عرضت علي حفصة فلم أرجع إليك شيئاً؟ فقلت: نعم، قال: فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت علي إلا أني كنت علمت أن النبي ﷺ ذكرها فلم أكن لأفشي سر رسول الله ﷺ ، ولو تركها النبي ﷺ لقبلتها) رواه البخاري.
هذا باب من كتاب رياض الصالحين يذكر فيه الإمام النووي ﵀ حفظ السر، فالإنسان المؤمن مطالب شرعاً بأن يحافظ على الأسرار، سواء كانت أسرار بيته، أو أسرار الناس، وأنه إن اطلع على سر أو أسر إليه إنسان بسر فلا يجوز له أن يفشي هذا السر وأن يفضح صاحبه.
стр. 651
معنى قوله تعالى: (وأفوا بالعهد)
قال الله : ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:٣٤]، يدخل تحت العهد العقود والعهود وأسرار الناس التي يأتمنونك عليها، فكأنه عقد معك عقداً على أن يحدثك فتكتم عليه، فلا يجوز لك أن تفشي هذا السر، ولذلك لو أن الإنسان تكلم معك في شيء وهو يلتفت يميناً وشمالاً فهذا أيضًا من السر، ولذلك جاء في الحديث عنه ﷺ : (من حدث حديثاً ثم التفت فهو سر) فنهى النبي ﷺ أن تفشي هذا السر، فهو هنا لم يقل لك: هذا سر، ولكن حاله يدل على ذلك، فهذا أمانة من الأمانات التي يأمرك الشرع أن تحافظ عليها وألا تفشيها على صاحبها.
стр. 652
شرح حديث: (إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى المرأة)
يقول أبو سعيد فيما رواه مسلم: قال رسول الله ﷺ : (إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى المرأة وتفضي إليه ثم ينشر سرها)، فهذا إنسان منزلته من شر المنازل في النار والعياذ بالله، والسبب أنه يتكلم الكلام في السر ثم يفشيه، فهنا الرجل يفضي إلى المرأة وتفضي إليه ثم ينشر سرها، فلا يجوز للرجل أن يأتي أهله ثم يصبح يخبر الناس بذلك، وقد شبهه النبي ﷺ بالحمار، قال: (مثل ذلك كحمار لقي حمارة في الطريق فقضى حاجته منها) فالإنسان الذي يأتي امرأته ثم يصبح يحدث الناس بذلك إنسان ليس له أمان، وكذلك المرأة التي تفعل هذا الشيء، فتصبح تكلم صديقاتها بأن زوجها جامعها بالأمس، فهذا حرام، فليس لها أن تخبر صديقاتها، ولا تخبر أهلاً بهذا الشيء؛ لأن هذا من الأسرار التي بين الزوجين.
стр. 653
شرح حديث حفظ أبي بكر لسر النبي بشأن رغبته في الزواج من حفصة
من الأحاديث في هذا المعنى حديث ابن عمر أن حفصة ﵂ تأيمت، فالسيدة حفصة أم المؤمنين كانت تحت رجل ثم مات هذا الرجل عنها فتأيمت، والمرأة الأيم هي التي صارت بلا زوج، فـ عمر بن الخطاب محافظة على ابنته أراد أن ينتقي لها أفضل الأزواج، فأتى عثمان وأخبره أن حفصة تأيمت وقال له: إن شئت أنكحتك حفصة.
فهو لم يقل له: تعال تزوج حفصة، ولكن قال: إن شئت، يعني: يخيره، وكأنه يقول: الأمر إليك أنت، وابنتي موجودة ولن أجد أفضل منك، فقال له: سأنظر في أمري، فكأنه أراد أن يستشير ثم يرد عليه.
قال عمر: فلبثت ليالي ثم لقيني فقال: قد بدا لي ألا أتزوج يومي هذا، فـ عثمان لم يكن راغباً في الزواج ذلك الوقت، فلم يجد عمر في نفسه شيء على عثمان لهذا الأمر.
قال: فلقيت أبا بكر الصديق ﵁ فقلت: إن شئت أنكحتك حفصة بنت عمر، قال: فصمت أبو بكر ﵁ فلم يرجع إلي شيئاً.
فالأول عثمان ﵁ لما عرض عليه هذا الشيء أخبره أنه سيرد عليه ورد عليه بعد ذلك بأنه غير راغب في الزواج، لكن أبا بكر ﵁ لم يرد عليه لا الآن ولا بعد ذلك.
قال عمر: فكنت عليه أوجد مني على عثمان، يعني: إن كنت وجدت في نفسي شيئاً على عثمان فما وجدته على أبي بكر الصديق ﵁ أكثر منه.
قال: فلبثت ليالي ثم خطبها النبي ﷺ فأنكحتها إياه، وعمر لم يعرضها على النبي ﷺ ؛ لأنه لم يكن يطمع أن تتزوج ابنته من النبي ﷺ ، فعرضها على عثمان، ثم عرضها على أبي بكر، فلما خطبها النبي ﷺ خطبها من عمر، تكلم أبو بكر الصديق ﵁ فقال لـ عمر ﵄: لعلك وجدت علي - يعني: لعلك حزنت وغضبت مني - حين عرضت علي حفصة فلم أرجع إليك شيئاً؟ قال: فقلت: نعم، قال: فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت علي إلا أني كنت علمت أن النبي ﷺ ذكرها فلم أكن لأفشي سر رسول الله ﷺ ، ولو تركها النبي ﷺ لقبلتها.
فهذا سر من النبي ﷺ حيث تكلم أنه يريد أن يتزوج حفصة، والنبي ﷺ كان متزوجاً بـ عائشة بنت أبي بكر الصديق، ولم يغضب أبو بكر الصديق لذلك، ولكنه سكت؛ لأنه لا يستطيع أن يذكر أن النبي ﷺ يريدها؛ لأنه يمكن أن يرجع في كلامه ولا يتزوجها.
وهذا فيه تأديب للمسلمين وتوجيه ليتخلقوا بهذا الخلق الفاضل، فإذا سمعت إنساناً يتكلم عن فلانة وأنه يريد أن يخطبها، فلا تذهب لصاحب الشأن وتقول: أنا سمعت فلاناً يتكلم أنه يريد أن يخطب من عندك فجئت أبشرك؛ لأنه يمكن أن يرجع في كلامه فتكون كاذباً أمام هؤلاء الناس، ويمكن أن ذاك الرجل غير جاد في كلامه وبسبب كلامك يضطر ويذهب ليخطبها.
فعلى ذلك إذا سمعت سراً من إنسان فلا تفش هذا السر.
وقول أبي بكر الصديق لـ عمر ﵁: لعلك وجدت علي، يدل على أنه أحس أن عمر من حقه أن يجد في نفسه من هذا الشيء، وأبو بكر يعلم أن هذا أهون من أن يفشي سر النبي ﷺ ، بخلاف حال بعض الناس الذي يتساهل في أن يفشي سراً من الأسرار حتى لا يغضب فلاناً من الناس! إن السر أمانة والله سيحاسبك على هذه الأمانة ويسألك: لم فرطت فيها؟ ثم إن أبا بكر قال لـ عمر: ولو تركها لتزوجتها، يعني: لو أن النبي ﷺ ترك ابنتك ولم يتزوجها لكنت أنا تزوجتها؛ لأن ابنتك ليست المرأة التي يفرط في مثلها.
стр. 654
شرح حديث عائشة في مسارة النبي لفاطمة وكتمها لسره حتى مات
عن عائشة ﵂ قالت: (كن أزواج النبي ﷺ عنده فأقبلت فاطمة ﵂ تمشي ما تخطئ مشيتها من مشية رسول الله ﷺ شيئاً، فلما رآها رحب بها وقال: مرحباً بابنتي) يعني: كانت شديدة الشبه بالنبي ﷺ حتى في مشيتها، فالسيدة عائشة وصفتها بأنها ما تخطئ مشيتها مشية النبي ﷺ .
قالت: (فلما رآها رحب بها) فيه وصف حال النبي ﷺ في بيته مع ابنته وكيف قابلها حين جاءت تزوره ﷺ .
قالت: (ثم أجلسها عن يمينه أو عن شماله)، كان النبي ﷺ من عادته إذا جاءت ابنته أنه يقوم لها ويقبلها ﷺ ويجلسها بجواره، وإذا ذهب هو إليها قامت إليه وقبلته وأجلسته صلوات الله وسلامه عليه.
قالت: (ثم سارها فبكت بكاء شديداً) يعني: بعد أن قال لها السر بكت بكاءً شديداً، قالت: (فلما رأى جزعها سارها الثانية فضحكت - رضي الله ﵎ عنها - فقلت لها: خصك رسول الله ﷺ من بين نسائه بالسرار ثم أنت تبكين؟!) يعني: النبي ﷺ فضلك علينا كلنا وقال لك السر ثم أنت تبكين! وتعجبت من أنها ما رأت ضحكاً أسرع لبكاء من هذا اليوم، فلما قام رسول الله وسألتها عائشة عما قاله لها رسول الله ﷺ قالت ﵂: (ما كنت لأفشي على رسول الله ﷺ سراً) يعني: كون النبي ﷺ يحدثني بيني وبينه فمعناه أنه لا يريد أن تسمعوا، ولو كان يريد أن تسمعوا لكان حدثني بصوت مرتفع، ولما كان سراً.
قالت عائشة: (فلما توفي رسول الله ﷺ قلت لـ فاطمة ﵂: عزمت عليك بما لي عليك من الحق لما حدثتني ما قال لك رسول الله ﷺ ؟ فقالت فاطمة - رضي الله ﵎ عنها -: أما الآن فنعم) يعني: الآن وبعد أن مات النبي ﷺ فيمكن أن أخبرك بهذا السر، أما في حياته فلا، قالت: (أما حين سارني في المرة الأولى فأخبرني أن جبريل ﵇ كان يعارضه القرآن في كل سنة مرة وأنه عارضه الآن مرتين، وإني لا أرى الأجل إلا قد اقترب، فاتقي الله واصبري) يعني: اعتاد النبي ﷺ أن جبريل يعارضه القرآن كل سنة مرة، ومعنى المعارضة: أن يقرأ النبي ﷺ ويسمع جبريل، أو يقرأ جبريل ويسمع النبي ﷺ ، فكل سنة كان يختم معه ختمة، أما هذه السنة فإنه ختم مرتين مع النبي ﷺ ، فلذلك النبي ﷺ استشعر أنه قد دنى أجله، قالت فاطمة ﵂: (وأنه عارضه الآن مرتين، وإني لا أرى الأجل إلا قد اقترب فاتقي الله واصبري، فإنه نعم السلف أنا لك، قالت: فبكيت بكائي الذي رأيت)، ففي المرة الأولى أخبرها بأن الأجل قد اقترب منه ﷺ ، قالت: (فبكيت بكائي الذي رأيت)، ثم قالت فاطمة: (فلما رأى جزعي - صلوات الله وسلامه عليه - قال: يا فاطمة أما ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين أو سيدة نساء هذه الأمة، فضحكت ضحكي الذي رأيت).
إذاً: السر الأول: أنه ﷺ سيموت، أما السر الثاني فهو: أن السيدة فاطمة تكون سيدة نساء العالمين، وأيضًا أخبرها أنها تلحق به ﷺ ولن تعيش بعده كثيراً، ففرحت بأنها تدرك النبي ﷺ ، وأن منزلتها في الجنة أنها ستكون نساء العالمين أو سيدة نساء هذه الأمة رضي الله ﵎ عنها.
وفي هذا الحديث دلالة على أن الإنسان إذا استودعه إنسان سراً فلا يجوز له أن يفشيه.
стр. 655
شرح حديث أنس في وصية أمه له بحفظ سر النبي ﷺ
عن ثابت عن أنس ﵁ قال: (أتى عليّ رسول الله ﷺ وأنا ألعب مع الغلمان) وأنس بن مالك ﵁ هو خادم النبي ﷺ ، فقد خدم النبي ﷺ عشر سنين، حيث قدم النبي ﷺ المدينة ولـ أنس عشر سنوات، فخدمه حتى كان عمره عشرين سنة حين توفي النبي ﷺ ، فـ أنس بن مالك صحب النبي صبياً وشاباً، وفي أثناء خدمته له يقول أنس: (أتى علي رسول الله ﷺ وأنا ألعب مع الغلمان فسلم علينا فبعثني في حاجة فأبطأت على أمي، فلما جئت قالت: ما حبسك؟ - أمه هي أم سليم رضي الله ﵎ عنها - فقلت: بعثني رسول الله ﷺ لحاجة، قالت: ما حاجته؟) يعني: تريد أن تعرف هل يستحق ذاك المشوار كل هذا التأخير؟ لكن ماذا كان جواب أنس الغلام الصغير؟ قال: (قلت: إنها سر).
يعني: لن أكشف عن حاجة النبي ﷺ ، فقالت ﵂: (لا تخبرن بسر رسول الله ﷺ أحداً)، انظر إلى الأم المطيعة لله سبحانه ولرسول الله ﷺ ، الأم الطيبة القانتة المؤمنة تعلم ابنها حفظ السر حتى عنها.
فكل أم يلزمها أن تعلم ابنها كيف يحافظ على السر، فإذا جاء الأب وقال للابن: خذ هذا المبلغ واذهب به إلى فلان ولا تقل لأحد، فلا يرجع ويقول لأمه: أبي بعثني لأفعل كذا في كذا، وإذا فعل فالواجب على الأم أن تقول له: لا يجوز لك ذلك، فهذا سر من الأسرار فلا تفش سر أبيك، وعلى الأم أن تعلم الابن ألا يكون كثير الكلام، وألا يفشي أسرار البيت، فإذا تربى الطفل على ذلك كانت هذه عادته عند الكبر، ويستحيل أن يستفيد منه الأعداء أو يحصلوا منه على أسرار بلده.
فـ أنس هنا لما قال لأمه ذلك قالت أمه ﵂: (لا تخبرن بسر رسول الله ﷺ أحداً، قال أنس ﵁: والله لو حدثت به أحداً لحدثتك به يا ثابت)، وثابت هذا هو تلميذ أنس، وهو من التابعين وليس صحابياً، فهو جاء بعد النبي ﷺ بزمان، ومع ذلك يقول أنس: إن سر النبي ﷺ هذا ما أخبرت به أحداً إلى الآن، ولو كنت أحدث به أحداً لكنت حدثتك أنت، ومعنى هذا: أنه كتم السر حتى بعد وفاة النبي ﷺ مع أنه لا يلزمه ذلك، وهذا ظاهر في حديث السيدة فاطمة ﵂، ولكن مع ذلك حافظ على سر النبي ﷺ .
стр. 656
أهمية حفظ السر والتحذير من التفريط بالأمانات
الأسرار أمانة، فإذا جاء إنسان يكلمك بصوت منخفض فلا ترفع صوتك بالكلام حتى لا تفضح هذا الإنسان الذي يخفض صوته، وإذا ائتمنك على سر فلا تخبر به أحداً، وإذا حدثك وهو يلتفت حتى لا يراه أحد، فمعنى هذا أن كلامه هذا سر فلا يجوز لك أن تضيع هذا السر أو أن تفشيه لأحد من الناس، ويجب عليك أن تعلم أبناءك أهمية حفظ السر، ولا تظهر الفرح إذا رجع ابنك يوماً من المدرسة وقال لك: إن رفيقي قال لي سراً وهو كذا وكذا، ولكن علم ابنك أن يتقي الله وأن يراقبه سبحانه ولا يحدث بسر استودعه إياه أحد من الناس.
وقد كان أهل الجاهلية يعرفون أن الأسرار لا ينبغي أن تنشر لأحد، وكانوا يعيبون على من يفعل ذلك، وقد روي أن شاعراً من الشعراء لما وجد أمه كثيرة الكلام وإذا ما تحدث أحد عندها بحديث تقوم وتفضحه بين الناس، فقال لها هذا الشاعر: تنحي فاقعدي مني بعيداً أراح الله منك العالمينا أغربالاً إذا استودعت سراً وكانوناً على المتحدثينا فالإنسان المؤمن من خلقه أن يحافظ على السر، ودافعه إلى ذلك خوفه من الله، لأن الله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء:٥٨]، فهذه أمانة يجب أن تؤديها لأهلها، وذكر عن بعض الصالحين أنه ذهب إليه إنسان وقال له: أخبرك سراً فلا تحدث به أحداً، أخبرك بكذا وكذا وكذا، هل سمعت ماذا قلت لك؟ قال: لم أسمع شيئاً.
يعني: من مبالغته في حفظ السر كأنه لم يسمع شيئاً! فالمسلم إذا سمع سراً كان السر في باطنه لا يخرجه لأحد أبداً إلا أن يأذن له صاحب هذا السر.
نسأل الله أن يعيننا على أداء الأمانات.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 657
شرح رياض الصالحين - الوفاء بالعهد وإنجاز الوعد والمحافظة على ما اعتاده من الخير
الدين الإسلامي دين الأخلاق، وقد بعث الرسول ﷺ متمماً ومرسخاً لمكارم الأخلاق، ومن المبادئ العظيمة التي حث عليها الله ورسوله ﵊: الوفاء بالعهد، وقد حذر النبي تاركها من أن يقع في النفاق والعياذ بالله.
стр. 658
وجوب الوفاء بالعهد وإنجاز الوعد
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الإمام النووي ﵀: [باب الوفاء بالعهد وإنجاز الوعد.
قال الله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:٣٤]، وقال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ [النحل:٩١]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:١]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف:٢ - ٣].
وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان)، وفي رواية لـ مسلم: (وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم)].
إذا عاهد المسلم إنساناً على شيء نفذ الذي عاهد عليه.
وإنجاز الوعد أي: ينجز ويعجل ويفي بما وعد ولا يماطل، ولا يؤجل، والتنجيز عكس التأجيل، يقول: أنجز عمله سريعاً، فإذا وعد وعداً فقدر على أن ينجزه فلينفذ ما وعد به.
يقول الله سبحانه: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:٣٤]، على المسلم أن يستحضر هذه المعاني العظيمة: الوفاء بالعهد، الوفاء بالبيعة، الوفاء بالعقود، ومعنى يفي: يعطي الشيء وافياً، فإذا وعد وعاهد أو عاقد على شيء، فليوف بهذا الشيء على النحو الذي عاهد عليه؛ لأن الله سيسأله سبحانه، قال سبحانه: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:٣٤] أي: مسئولاً عن عهده الذي عاهد عليه، والسؤال يكون عند الله .
والغرور في هذه الدنيا يجعل الإنسان لا يوفي، فيغره المال الذي أخذه، ولا يعطي للناس الحقوق الواجب عليه أن يعطيهم إياها، فينسى أن هذا المال الذي في يده قد يكون شؤماً ووبالاً عليه؛ لأنه أخذه من صاحب حق، ولم يعط صاحب الحق حقه.
فأصبح الناس لا أحد يأتمن أحداً، فالإنسان يريد أن يتزوج فيأتي أهل العروسة فيكتبون له قائمة؛ لأنهم لا يأتمنونك.
وكذلك في عقود بيع الشقق، تجد الشقة بيعت لأكثر من واحد! وكل إنسان تزين له نفسه الخيانة والتفريط والتضييع ويظن مع ذلك أنه محق.
أوفوا بالعهود وأوفوا بالعقود ولا تغدروا ولا تغلوا ولا تخونوا فإنكم مبعوثون يوم القيامة والله سائلكم عن ذلك.
فإذا تعاهدت مع إنسان وقطعت يمين الله فيلزمك أن تفي بذلك، فالله سائلك عن ذلك.
قال الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:١]، وهذه أول آية في سورة المائدة، وسورة الإسراء وسورة النحل مكيتان، وسورة المائدة سورة مدنية، وكأن الله يؤكد عليك في القرآن المكي والقرآن المدني أن تحافظ على وعدك، وألا تضيع على أحد شيئاً قد أخذ عليك العهد به.
يقول الله في سورة الصف: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف:٢ - ٣]، لم تقول شيئاً لست تفعله؟ وتعطي الوعد بذلك وأنت تنوي ألا تفعل، أليس هذا من النفاق؟! ألست تستحق العقوبة في الدنيا وفي الآخرة، وأنت تخلف وعدك مع من أخذ عليك الوعد بذلك؟ ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف:٣] أي: كبر ذنباً يغضب الله سبحانه، وكبيرة يمقتها الله سبحانه، والمقت هو أشد الكراهة، فالله يمقت أن الإنسان يقول شيئاً ولا ينفذ هذا الشيء الذي أعطى العهود عليه.
ولو علم الإنسان أن كلامه من عمله وأن الله سائله عن كلامه وعن أعماله لخاف واستحيى من الله حق الحياء، فلا يخلف في العهد.
стр. 659
شرح حديث: (آية المنافق ثلاث)
في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال النبي ﷺ : (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان)، وفي صحيح مسلم: (وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم) فيحدثك بالشيء وهو كذاب فيما يقوله، وإذا وعد أخلف، فكم من الناس يعدون ويخلفون، وكثير منهم يقول: هات المال وغداً ستجد الحاجة عندك، فتأتي اليوم الثاني ولا تجد الحاجة ولا غيرها، وانتهى الأمر على ذلك.
ومنهم من يقول: أعطني مالك أشغله لك، فيأخذ المال يشغله ولا تراه بعد ذلك فذهب المال على الرجل، وبعد أن كان عزيزاً والمال في يده صار ذليلاً يجري شمالاً ويميناً يبحث عن ماله.
فعلينا أن نتقي الله ﵎ في كلامنا، وفي أموالنا، وأن نحرص على أن تكون من حلال من أجل أن تستجاب دعواتنا.
والمقصود بالنفاق في هذا الحديث نفاق العمل لا نفاق الاعتقاد، فإذا كان منافقاً نفاقاً عقدياً فهذا أشنع من ذلك، ولكن هذه الأعمال من نفاق العمل.
قوله: (وإذا اؤتمن خان) فيصرفها ويضيعها وصاحبها لا يلاقيها بعد ذلك، وكأن يؤتمن على الأسرار، فيفضح صاحب السر عند كل الناس، ويؤتمن على الفروج ويؤتمن على الأبضاع وعلى الأموال وعلى البيوت فلا أمانة عنده.
وفي رواية مسلم: (وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم)، فلو كان يستحل ذلك، وظن أنه حلال له أن يصنع ذلك فقد كفر ونافق نفاقاً أكبر يخرج صاحبه من الملة، وإذا كان يعتقد أن هذا حرام ولكنه يفعله كنوع من الشهوة والهوى، فهذا آثم واقع في مصيبة من المصائب، نسأل الله العفو والعافية، حتى وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم.
стр. 660
شرح حديث: (أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً)
عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ -كما في الصحيحين- عن النبي ﷺ قال: (أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً) أي: أربع من كن فيه امتلأ قلبه بالنفاق والعياذ بالله: (كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها) أي: كان منافقاً نفاقاً مؤقتاً إلى أن يترك هذه الخصلة.
قال: (إذا اؤتمن خان) كأن يؤتمن على الأعراض والأموال وعلى الدماء ويؤتمن على الأسرار فيخون ذلك كله.
و (إذا حدث كذب)، صارت له طبيعة فأصبح لا يحلي كلامه إلا بالكذب، وقد جاء في حديث النبي ﷺ في أمر الكذاب: (لا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً)، فلا تقع الخصومات في أي معاملة إلا وتجد الكاذب حاضراً، وكان أشد ما يعاقب عليه النبي ﷺ أهله إذا رأى منهم الكذب.
قال ﵊: (وإذا عاهد غدر)، فإذا عاهد وأعطى العهد والميثاق غدر بمن أعطاهم ميثاقه.
(وإذا خاصم فجر)، الفجور في الخصومة.
وقد جاء في الحديث (وإن الكذب يهدي إلى الفجور) فالإنسان يكذب في شيء، ومن ثم في شيء ثان، ومن ثم في شيء ثالث، ومن ثم يفجر، فيظهر الفجور عند الخصومة، فتجد الإنسان الأمين في كل أوقاته على السواء، في وقت الخصومة مع الناس يطلب الحق، لا يريد أكثر من الحق، ولا يغلف كلامه بكلام منمق معسل.
والإنسان الفاجر يبدأ بالاحتيال والمغالطة، وتجده إذا خاصم فجر ولا حول ولا قوة إلا بالله، فأهل الفجور وأهل الكذب هم أهل النفاق.
فاحذر من ذلك، وإذا وجدت نفسك تريد الفجور في الخصومة فتذكر أنك ستقف أمام الله، ولن ينطق عنك لسانك، ستنطق عليك يدك وفخذك، وأول ما ينطق على الإنسان فخذه يوم القيامة، والإنسان يقول: بعداً لكن فعنكن كنت أدافع.
إذا كان للناس عليك حقوق فأد الحقوق من غير جدل، لا تجادل؛ لأنك ستدفع الحق إن عاجلاً أو آجلاً، وإن لم يكن في الدنيا فيوم القيامة، ولا ترم الخصم بذنب من أجل أن تحسن منظرك أمام الناس وتقدح فيه وهو مظلوم فتظلمه بذلك ظلمين، ظلماً بأن شوهت سمعته، وظلماً بأن أكلت ماله، فعلينا أن نتقي الله سبحانه ﵎، ونحذر من خصال النفاق التي ذكرها النبي ﷺ .
стр. 661
شرح حديث: (لو جاء مال البحرين أعطيتك هكذا وهكذا وهكذا)
عن جابر ﵁ قال: قال لي النبي ﷺ : (لو جاء مال البحرين أعطيتك هكذا وهكذا وهكذا)، فهذا النبي ﷺ يعد جابر بن عبد الله ﵁ أنه إذا جاء مال البحرين سيعطيه هكذا وهكذا وهكذا أي: ملء الكفين، قال: (فلم يجئ مال البحرين حتى قبض النبي ﷺ ، فلما جاء مال البحرين أمر أبو بكر ﵁ المنادي ينادي: من كان له عند رسول الله ﷺ عدة أو دين فليأتني، قال جابر: فأتيته، وقلت له: إن النبي ﷺ قال لي كذا وكذا، قال: فحثى لي حثية فعددتها، فإذا هي خمسمائة، فقال لي: خذ مثليها) متفق عليه.
فنفذ أبو بكر الصديق ما أراد النبي ﷺ أن يفعله.
ففيه أن أبا بكر راعى أن النبي ﷺ لم يخلف في موعدة وعدها أحد قط صلوات الله وسلامه عليه، فلما توفي النبي ﷺ قام أبو بكر بذلك مقامه صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 662
الأمر بالمحافظة على ما اعتاده من الخير
يقول الإمام النووي: الأمر بالمحافظة على ما اعتاده من الخير، إذا كان لك عمل من أعمال الخير فحافظ على هذا الخير دائماً ولا تنقضه ولا تبطله ولا تنقطع عنه، فقد قال النبي ﷺ : (إن الله لا يمل حتى تملوا) أي: لا يقطع عنكم ثوابه حتى تنقطعوا أنتم عن العبادة، فيمل الإنسان أي: لهى وتعب من العبادة فيكون بذلك قد قطع عن نفسه الأجر والثواب من الله سبحانه، فطالما أنك تتقرب إلى الله بالعبادة فإن الله يعطيك، فكلما تقربت إليه شبراً يتقرب منك ذراعاً، وتتقرب منه ذراعاً يتقرب منك باعاً، وتأتيه تمشي يأتيك هرولة بفضله وثوابه ورحمته سبحانه.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١]، لا يغير ما في الناس من نعمة حتى يتغير الناس من شكر النعمة وتنقلب أحوالهم، فإذا بهم يكفرون بالله سبحانه، ويشركون به، ولا يحمدونه على شيء، فالله يقلب عليهم الحال، تسخطوا فاستحقوا من الله أن يسخط عليهم وأن يحرمهم، وإذا كانوا من أهل الطاعة وهم مستمرون على الطاعة؛ فالرحمة تأتيهم من عند رب العالمين سبحانه، وإذا كانوا من أهل المعصية وهم يدعون الله: يا رب يا رب وهم على معصيتهم، فإن الله لا يغير ما بهم حتى يغيروا ما بأنفسهم، فإذا تابوا إلى الله تاب الله عليهم، وأعطاهم من فضله، فتغيير الحال بحسب ما يكون عليه قلب الإنسان أنه مستمر على باطله أم أنه أعرض عن الباطل ورجع إلى الحق.
وقال سبحانه: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا﴾ [النحل:٩٢] يحذر الله المؤمنين أن يكونوا بهذه الصفة، والذي يوعد الوعد ومن ثم يخلف ولا ينفذ، أو يعقد العقد ومن ثم يتحلل منه ولا يعطيه شبهه الله بامرأة خرقاء حمقاء كانت في الجاهلية تغزل غزلها إلى أن تعمل منه ثوباً، ومن ثم تنقض هذا الثوب، ومن ثم ترجع تغزله مرة أخرى، ومن ثم تنقضه! أتكون مثلها كلما عقدت عقداً نقضته، وكلما عاهدت عهداً غدرت به؟! فيقول لنا: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا﴾ [النحل:٩٢] من بعد ما كنتم أقوياء بالإيمان فارقتم ذلك بالمعاصي ورجعتم القهقري! وأنكاثاً جمع نكث وهو الغزل المنقوض.
وقال الله: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد:١٦]، ألم يأت الوقت بعد؟ ألم تأت الساعة التي تتوبون فيها إلى الله وتعرفون حق الله سبحانه وتعتذرون إليه تائبين إليه؟ ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحديد:١٦]، فأهل الكتاب طال عليهم الأمد من قبل، رفع المسيح ﵊، وطال عليهم الزمن، فتركوا ما أتى وبدلوا وغيروا.
واليهود بعد أن قبض موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام وطال عليهم الأمد فغيروا، بل في حياته غيروا، فعندما غاب عنهم أربعين ليلة واعده الله فيها عبدوا إلهاً آخر! فقال: ﴿وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحديد:١٦] كلما بعد الإنسان عن الإيمان شيئاً فشيئاً يقسو قلبه، فإذا بالذي كان يعرفه معروفاً صار منكراً، وإذا بالذي كان يعرفه منكراً صار معروفاً، وما أكثر هذا في الناس! فتجد الشيء الخاطئ الذي كان يشمئز منه الإنسان أصبح من كثر ما اعتاد عليه سهلاً لا يعبأ به! فعلى المسلم أن يعود نفسه على الخير، وعلى الصدق وإن كان الناس كذابين، ويعود نفسه على الوفاء حتى وإن كان الناس خائنين، وإن وقع الناس في الشرك والكفر بالله سبحانه ﵎ لزم الحق، ورحم الله الفضيل بن عياض حين يقول: الزم طريق الهدى، ولا يضرك قلة السالكين، وإياك وطرق الضلالة، ولا تغتر بكثرة الهالكين.
الزم طريق الهدى، حتى وإن كان معك القليل من المؤمنين على هذا الطريق، واحذر طرق الضلالة والتي على رأس كل منها شيطان يأخذك إليها، ولا تغتر بكثرة الهالكين.
стр. 663
شرح حديث: (لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل)
عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال لي رسول الله ﷺ : (يا عبد الله! لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل) أي: نافلة كان يفعلها، ومع ذلك نبه النبي ﷺ عليها، وعبد الله كان مجتهداً شديد الاجتهاد، قائم ليله، صائم نهاره رضي الله ﵎ عنه، فصار يصوم يوماً ويفطر يوماً، ويقوم من الليل بعضه وينام بعضه، حين علّمه وأخبره أن خير الصيام صيام داود، وخير القيام قيام داود على نبينا وعليه الصلاة والسلام كان يصوم يوماً ويفطر يوماً، وكان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه، واستمر عبد الله بن عمرو بن العاص على ذلك، وخشي عليه النبي ﷺ أن يمل فقال: (لا تكن مثل فلان، كان يقوم الليل فتركه، فما ترك عبد الله بن عمرو بن العاص قيام الليل)، وقد تعب بعد النبي ﷺ ، وأرهقه القيام وأتعبه الصيام، وكانوا يقولون: أنت شيخ كبير، لماذا تفعل هذا الأشياء كلها؟! فكان يقول: فارقني رسول الله ﷺ على شيء، وأكره أن ألقاه غداً على غيره، انظروا! الحياء من رسول الله ﷺ منعه من ترك المحافظة على ما اعتاده.
نسأل الله أن يغفر لنا وأن يرحمنا وأن يجعلنا نلاقي النبي ﷺ بما يحبه منا.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 664
شرح رياض الصالحين - من (استحباب طيب الكلام وطلاقة الوجه عند اللقاء) إلى (إصغاء الجليس لحديث جليسه)
حث النبي ﷺ على طيب الكلام وطلاقة الوجه عند اللقاء، وجعل طيب الكلام سبباً من أسباب اتقاء النار، وهو دليل حسن الخلق، وقد أمر الله نبيه بخفض الجناح للمؤمنين، ومن ذلك الإصغاء لحديث الجليس.
стр. 665
أهمية حسن الخلق مع الإخوان
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الإمام النووي ﵀: باب استحباب طيب الكلام وطلاقة الوجه عند اللقاء.
قال الله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر:٨٨]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩].
وعن عدي بن حاتم ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة) متفق عليه.
وعن أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: (والكلمة الطيبة صدقة) متفق عليه.
وعن أبي ذر ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : (لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق) رواه مسلم.
ذكر الإمام النووي ﵀: كتاب الأدب، وذكر تحته أبواباً منها: ما قدمنا قبل ذلك في الحياء وفضله والحث على التخلق به، ومنها: ما جاء في حفظ السر، ومنها: ما جاء في الوفاء بالعهد وإنجاز الوعد، ومنها: الأمر بالمحافظة على ما اعتاده من الخير، وهذا باب في استحباب طيب الكلام وطلاقة الوجه، واستحباب بيان الكلام وإيضاحه للمخاطب، وفي إصغاء الجليس لحديث جليسه الذي ليس بحرام وغير ذلك.
стр. 666
التعود على حسن الخلق
إن الإنسان المؤمن يتعلم الحياء من هذا الدين العظيم، ويتعلم الأدب وحسن الخلق، ويقيم ذلك في نفسه وفي أهله وبين الناس ويطبقه، وينتظر على ذلك الأجر من الله سبحانه ﵎، فالمؤمن يتعلم الحلم وحسن الخلق ليس ليقول عنه الناس: إنه إنسان طيب وإنه كذا! وإنه كان جيداً؛ لأن الأصل في ذلك أنه طاعة لله سبحانه، وأنه يريد بذلك الجنة، ولأنه يعلم أن أفضل الأعمال التي تدخل صاحبها الجنة بعد إقامة الفرائض حسن الخلق، فعلى الإنسان أن يحسن خلقه شيئاً فشيئاً، فكما أن العلم بالتعلم فكذلك الحلم بالتحلم، فالمرء يتعاطى أسباب العلم شيئاً فشيئاً حتى يصير عالماً، كذلك يحلم شيئاً فشيئاً حتى يصير حليماً، فالنبي ﷺ يقول لنا في الحديث: (إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم، ومن يتحرَّ الخير يعطه، ومن يتوق الشر يوقه) يعني: يحسِّن الإنسان خلقه بالتعود ويعتاد على العلم بالتعلم، والحلم يكون بالتعود على الحلم، وجاء بصيغة التفعل التي تقتضي التكرار والمواظبة والمداومة على الشيء.
وكذلك تحري الخير، فمن يتحرَّ الخير لم يزل يطلبه في مظانه حتى يصل في النهاية إليه، والذي يخاف من الشر ويتوقاه يكلفه ذلك أنه كلما رأى شراً يبعد عنه شيئاً فشيئاً حتى يقيه الله الشر.
إذاً: جماع الأمر أن الإنسان يعود نفسه على العلم، وعلى الحلم، فيصبر على ذلك حتى يكون عالماً ويكون حليماً، ويكون حسن الخلق.
ومن الأخلاق الطيبة: طيب الكلام وطلاقة الوجه عند اللقاء، فلابد للإنسان أن يكون كلامه طيباً، فالإنسان الفاحش في الكلام يقول كلاماً غير مفهوم، وإذا جلس في مجلس تراه يهمز هذا ويلمز هذا ويطعن في عرض هذا ويعيب في الناس، فإن الناس تستقبح منه ذلك فلا يحبون مجالسته، حتى وإن أظهروا له أنهم يضحكون من كلامه أو يضحكون معه، لكن الحقيقة أن الله يلقي البغضاء في قلوبهم، فيبغض بعضهم بعضاً؛ لأنهم يعصون الله سبحانه ﵎.
لابد للإنسان المؤمن أن يعود نفسه على قول الخير ومجالسة أهل الخير، فيجالس الأبرار وأهل الطاعة فيتعود منهم حسن الخلق، لكنه إذا جالس سيئي الخلق يصير لسانه مثل لسانهم، فإذا قال أحدهم له نكتة رد عليه بنكتة، وإذا طعن أحدهم في عرضه رد عليه بمثلها، حتى يصير في النهاية إنساناً بذيء اللسان، والنبي ﷺ نهانا عن الفحش والتفحش، لا تكن فحاشاً في كلامك ولا تتكلف ذلك، ولكن ابق على طبيعتك الطيبة، وإذا رأيت إنساناً فيه أخلاق غير طيبة فلا تقلده من أجل أن يخاف منك؛ لأن الله هو الذي يلقي الهيبة في قلوب الناس، فأطع الله سبحانه ﵎ يعنك سبحانه ﵎، فهذا رجل من أصحاب النبي ﷺ سمع رجلاً يشتمه فقال له: يا هذا! دع للصلح موضعاً، فإنك إن عصيت الله فينا لا نفعل أكثر من أن نطيع الله فيك.
يعني: أنت تعصي الله فينا يشتمك لنا، لكن نحن نطيع الله فيك بالصبر عليك، فدع للصلح موضعاً.
والإنسان المؤمن لا يكون إمعة، فإذا جلس في مجلس يتكلم بلسان أهله، أو يعتاد أن يكون بذيئاً، أو يكون فحاشاً أو شتاماً، بل يحافظ على لهجته وعلى حلاوة منطقه ولسانه مع كل الناس.
стр. 667
التبسم وسهولة المعاملة مع الإخوان
يستحب أن يكون الإنسان متبسماً، ولا يكون عابساً دائماً مكفهراً متضايقاً، ويظهر للناس الغضب والملل من كلامهم، وليكن المسلم متواضعاً سهلاً، فقد كان النبي ﷺ يخبر عن المؤمن أنه إلف مألوف، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف، المؤمن إلف سهل مألوف يعتاد الناس عليه ويقبلون عليه من غير أن يهين نفسه، فمن الناس من يظن أن السهولة أن يكون مع الناس مثل ما هم عليه، يتكلم معهم ويمزح معهم ويضحك حتى يغلبوه على أمره فيسخروا منه، لا، ليس بهذه الطريقة؛ بل كن في نفسك وقوراً، واعرف قدر نفسك، واعرف الناس الذين معك، وعامل من هو فوقك بالاحترام والمودة، ومن هو دونك بالرفق والمحبة والمودة، ومن هو مثلك بالعطف والمودة، فالمؤمن يتعامل مع كل الناس، وإن كان بينك وبين الناس خيط فلا تقطعه، فلاتسخر من أحد فتلقاه يسخر منك يوماً من الأيام، ولا تتطاول على أحد، فقد يكون الذي تتطاول عليه أقل منك أو يخاف منك فيسكت، ولكن قد يسلط الله عليك إنساناً سفيهاً يوماً من الأيام فتقول له شيئاً، فيرد عليك أكثر مما قلت، ولذلك كان العلماء يحرصون على هذه الأخلاق التي كان عليها النبي ﷺ ، فإذا أساء إليهم إنسان يسكتون ويتركونه؛ لأنه في يوم من الأيام قد يلاقي من هو سفيه فيسفه عليه.
كان الأحنف بن قيس يضرب به المثل في الحلم، جاءه إنسان يوماً من الأيام وصفعه على وجهه فقال: لعلهم جعلوا لك جعلاً على ذلك، قال: نعم، قال الأحنف للرجل: لست بسيد القوم، ولن تكسب شيئاً، وإنما سيد القوم فلان فاذهب فاصفعه؛ حتى تحصل على الجعل، فذهب إلى فلان هذا فصفعه على وجهه، فقطع المصفوع يد الصافع، وهذا ما كان يريده الأحنف، فلا تدري إذا تطاولت على إنسان فقد يسخر الله إنساناً يتطاول عليك.
إذاً: عود نفسك على البشاشة مع الناس وعلى الحلم واللين والرفق معهم.
стр. 668
التوسط في اللين مع الناس
ليس معنى أن تكون حليماً وليناً للناس أن تجعلهم يضيعون عليك وقتك وجهدك؛ لأن الناس من تفرغ لهم تفرغوا له وأخذوا ما يريدون وأنهكوه وأتعبوه، فمن الشيء المعروف أن الناس إذا تعودوا على فراغك معهم لن تتخلص منهم، لكن احرص على عبادتك، وعلى وقتك، واترك الذين لا يهتمون بدخولك الجنة أو النار أو تحل عليك مصيبة، هم لا يهتمون بك، إنما همهم أن يأخذوا الذي يريدون، فتراهم إذا جاء إمام المسجد وقعد ليقرأ القرآن تجد هذا يسأله: يا شيخ عندي مسألة، والثاني: عندي سؤال، والثالث عنده سؤال، فلا يتركونه يقرأ القرآن أو يسبح الله ، لكن إذا حسم الأمر وحافظ على نفسه فالجميع سيخاف وسيسكت، لكنه إذا فتح للناس المجال لن يكمل الإجابة حتى يقف على باب الجامع، وقد يستمر على ذلك ساعتين لو أصغى للجميع! إذاً: ليس من اللين أن تتنازل فتضيع العبادة أو العلم الشرعي، ولكن أوسط الأمر أن تبسُط وجهك للناس، وتكون رقيقاً معهم، ولكن أيضاً اعتذر لهم حسب طاقتك، فرب العزة سبحانه يقول: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، فالإنسان لا يكلف نفسه إلا ما يطيق؛ لذلك عود نفسك على المحافظة على وقتك وعلى وقت غيرك، وكن لطيفاً رقيقاً، وسلم على من عرفت ومن لم تعرف، ولا تكن مثل من لا يحب أن يسلم عليه أحد، فإذا أراد أن يرد السلام ردَّ بطريقة ساذجة، فيقول لك: أنت لا تستحق! قال النبي ﷺ : (شر الناس من اتقاه الناس مخافة شره)، شر الناس من كان الناس يخافونه، وهو سعيد أن الناس تخافه! فيفسحون له الطريق، ولكن النبي ﷺ وصفه بأنه شر الخلق، وإذا كنت شر الناس في الدنيا، فمحلك يوم القيامة مع الأشرار في النار والعياذ بالله.
لذلك الإنسان المسلم إذا مر في الطريق سلم على إخوانه سواء سلم باليد أو سلم باللسان، ويلقي التحية عليهم ويكون بشوشاً في وجوه الناس، وإذا سلم عليك أخوك فلا توقفه نصف ساعة حتى لا تعطله وتضيعه عن عمله، أحياناً أخاف أن أسلم على الإخوة باليد مع أنني أحب أن أسلم عليهم باليد، لأنه يتساقط بسببها السيئات، ولكن إذا سلمت باليد على أحد الناس يقول: تعال يا شيخ أريدك، ويوقفني نصف ساعة، وكذلك الثاني وأما الثالث فيقول: سبحان الله! تمشي ولا تضحك لأحد ولا تسلم على أحد؟! فلابد أن تعلم أن الذي يحبك في الله سبحانه ﵎ يجب أن تكون محبته لك بأن يحافظ على وقتك وأن يعينك على طاعة الله ، فالسؤال قد يتأخر أما عبادة الله فلا تتأخر؛ لأنها مؤقتة بأوقات.
ومن الناس من يأتي الساعة الثانية عشرة في الليل ويدق الجرس فيقول: طلقت امرأتي، فابحث لي عن حل، ولا ينتظر الصباح، فنقول له: صلِّ معنا الفجر في جماعة، فيأتي على باب المسجد يريد أن يسأل سؤالاً فيقال له: الصلاة أولاً، فيقول: لا، أنا في عجلة من أمري، فلا يريد أن يصلي، ولكنه يريد أن يعرف جواب سؤاله! إذاً: نقول: إن الإنسان لابد أن يحافظ على وقته، وليس معناه أنه لا يراعي هذه الأحاديث لا، بل لابد أن يتبسم في وجوه الناس، وهذا يلزمنا شرعاً، لكن بالقدر الذي لا يضيقون به علينا عبادة ربنا .
فالإنسان المؤمن يكون إلفاً مألوفاً، لكن لا يعني ذلك التغاضي عن الواجبات العينية والمفروضة عليه، بل عليه أن يعرف القدر الذي أوجبه الله عليه، فيؤدي العبادة كما أمره الله .
стр. 669
أمر الله تعالى لنبيه ﷺ وللمؤمنين بخفض الجناح
يقول الله للنبي ﷺ : ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر:٨٨]، جناح الإنسان جانبه، والإنسان فيه جناح اللين وجناح الاعتزاز والشدة، والله يقول لنبيه: ((وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ))، أي: كن ذليلاً مع المؤمنين، كالطير يطير فيأتي على أفراخه ويظلهم بجناحه ويأخذهم بجواره، فكن مع المسلمين كذلك، لا تتعال عليهم، ولكن تواضع معهم، وهذا خطاب للنبي ﷺ الذي ليس في قلبه غل لأحد، وقد عصمه الله ﵎، ويقول له ذلك من باب (إياك أعني واسمعي يا جارة)، وهذا فيه تعليم لكل المؤمنين أن يخفضوا أجنحتهم لبعضهم البعض.
وقال لنبيه ﷺ : ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا﴾ [آل عمران:١٥٩] الفظ هو الشديد السيئ الخلق، ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ﴾ [آل عمران:١٥٩] أي: لا تلين لأحد، لو كنت كذلك، ﴿لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩]، ولكن الحال أنهم مجتمعون حوله ﷺ ، فليس فيه ذلك، فعبر بلو، ولو حرف امتناع وقوع الجواب لامتناع وجود الشرط، ومستحيل أن يكون النبي ﷺ غليظ القلب، ومستحيل أن ينفضوا من حوله صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 670
شرح حديث: (اتقوا النار ولو بشق تمرة)
عن عدي بن حاتم ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (اتقوا النار ولو بشق تمرة) أي: لابد للإنسان المؤمن أن يتقي النار وأن يستحضر دائماً ذكر النار وذكر الجنة، فيرجو أن يكون من أهل الجنة ويتعوذ بالله من النار، وليكن على لسانه دائماً: اللهم إني أسألك الجنة، اللهم أجرني من النار.
إذا سألت الله الجنة فإن الجنة تخاطب ربها: يارب، إن عبدك يسألك الجنة، يا رب أدخله الجنة، والنار تقول: يا رب أجره من النار، فقد جاء في حديث للنبي ﷺ : (أنه من سأل الله الجنة ثلاثاً وتعوذ بالله من النار أيضاً ثلاثاً، تقول الجنة لربها سبحانه: اللهم أدخله الجنة، والنار تدعو ربها أن يعيذه من النار).
وفي حديث آخر: (من قال في يومه سبع مرات ذلك) يعني: أنه يتكرر منه ذلك، كلما ذكر الجنة يقول: اللهم إني أسألك الجنة، سبع مرات، وكلما ذكر النار تعوذ بالله منها سبع مرات، فإذا كان الأمر كذلك كان الله لك على حسب ظنك فيه .
والغرض من ذلك أنك إذا أكثرت من قولك: اللهم أجرني من النار، اللهم إني أسألك الجنة، مستحضراً لذكر الجنة ولذكر النار، فذكرك للنار يجعلك تخاف أن تدخلها فتقوم بالصدقة وبالبشاشة في وجه أخيك وبإعانة الناس على الخير.
قال النبي ﷺ : (فمن لم يجد فبكلمة طيبة) أي: فمن لم يجد تمرة فبكلمة طيبة، وذلك بأن تقول لأخيك كلمة طيبة، كذلك المسكين الذي يأتي إليك أو الفقير أو المحتاج وليس معك شيء تعطيه فتقول له: أسأل الله أن يسهل لك ويعطيك، وإن أعطانا الله سنعطيك.
فبالكلمة الطيبة تصرف هذا الإنسان طالما أنه فقير أو مسكين، وليس إنساناً محتالاً أو مخادعاً أو سارقاً، فالتعامل مع هذا الفقير أو المسكين إما أن تعطيه شق تمرة فما فوقها وإما أن تعتذر إليه، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾ [الإسراء:٢٨] أي: تقول قولاً سهلاً كريماً لهذا الإنسان السائل.
следующие страницы →