← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 36997

شرح رياض الصالحين - حطيبة

أحمد حطيبة

Полный текст (1 057 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

التعود على حسن الخلق إن الإنسان المؤمن يتعلم الحياء من هذا الدين العظيم، ويتعلم الأدب وحسن الخلق، ويقيم ذلك في نفسه وفي أهله وبين الناس ويطبقه، وينتظر على ذلك الأجر من الله سبحانه ﵎، فالمؤمن يتعلم الحلم وحسن الخلق ليس ليقول عنه الناس: إنه إنسان طيب وإنه كذا! وإنه كان جيداً؛ لأن الأصل في ذلك أنه طاعة لله سبحانه، وأنه يريد بذلك الجنة، ولأنه يعلم أن أفضل الأعمال التي تدخل صاحبها الجنة بعد إقامة الفرائض حسن الخلق، فعلى الإنسان أن يحسن خلقه شيئاً فشيئاً، فكما أن العلم بالتعلم فكذلك الحلم بالتحلم، فالمرء يتعاطى أسباب العلم شيئاً فشيئاً حتى يصير عالماً، كذلك يحلم شيئاً فشيئاً حتى يصير حليماً، فالنبي ﷺ يقول لنا في الحديث: (إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم، ومن يتحرَّ الخير يعطه، ومن يتوق الشر يوقه) يعني: يحسِّن الإنسان خلقه بالتعود ويعتاد على العلم بالتعلم، والحلم يكون بالتعود على الحلم، وجاء بصيغة التفعل التي تقتضي التكرار والمواظبة والمداومة على الشيء. وكذلك تحري الخير، فمن يتحرَّ الخير لم يزل يطلبه في مظانه حتى يصل في النهاية إليه، والذي يخاف من الشر ويتوقاه يكلفه ذلك أنه كلما رأى شراً يبعد عنه شيئاً فشيئاً حتى يقيه الله الشر. إذاً: جماع الأمر أن الإنسان يعود نفسه على العلم، وعلى الحلم، فيصبر على ذلك حتى يكون عالماً ويكون حليماً، ويكون حسن الخلق. ومن الأخلاق الطيبة: طيب الكلام وطلاقة الوجه عند اللقاء، فلابد للإنسان أن يكون كلامه طيباً، فالإنسان الفاحش في الكلام يقول كلاماً غير مفهوم، وإذا جلس في مجلس تراه يهمز هذا ويلمز هذا ويطعن في عرض هذا ويعيب في الناس، فإن الناس تستقبح منه ذلك فلا يحبون مجالسته، حتى وإن أظهروا له أنهم يضحكون من كلامه أو يضحكون معه، لكن الحقيقة أن الله يلقي البغضاء في قلوبهم، فيبغض بعضهم بعضاً؛ لأنهم يعصون الله سبحانه ﵎. لابد للإنسان المؤمن أن يعود نفسه على قول الخير ومجالسة أهل الخير، فيجالس الأبرار وأهل الطاعة فيتعود منهم حسن الخلق، لكنه إذا جالس سيئي الخلق يصير لسانه مثل لسانهم، فإذا قال أحدهم له نكتة رد عليه بنكتة، وإذا طعن أحدهم في عرضه رد عليه بمثلها، حتى يصير في النهاية إنساناً بذيء اللسان، والنبي ﷺ نهانا عن الفحش والتفحش، لا تكن فحاشاً في كلامك ولا تتكلف ذلك، ولكن ابق على طبيعتك الطيبة، وإذا رأيت إنساناً فيه أخلاق غير طيبة فلا تقلده من أجل أن يخاف منك؛ لأن الله هو الذي يلقي الهيبة في قلوب الناس، فأطع الله سبحانه ﵎ يعنك سبحانه ﵎، فهذا رجل من أصحاب النبي ﷺ سمع رجلاً يشتمه فقال له: يا هذا! دع للصلح موضعاً، فإنك إن عصيت الله فينا لا نفعل أكثر من أن نطيع الله فيك. يعني: أنت تعصي الله فينا يشتمك لنا، لكن نحن نطيع الله فيك بالصبر عليك، فدع للصلح موضعاً. والإنسان المؤمن لا يكون إمعة، فإذا جلس في مجلس يتكلم بلسان أهله، أو يعتاد أن يكون بذيئاً، أو يكون فحاشاً أو شتاماً، بل يحافظ على لهجته وعلى حلاوة منطقه ولسانه مع كل الناس.

стр. 667

التبسم وسهولة المعاملة مع الإخوان يستحب أن يكون الإنسان متبسماً، ولا يكون عابساً دائماً مكفهراً متضايقاً، ويظهر للناس الغضب والملل من كلامهم، وليكن المسلم متواضعاً سهلاً، فقد كان النبي ﷺ يخبر عن المؤمن أنه إلف مألوف، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف، المؤمن إلف سهل مألوف يعتاد الناس عليه ويقبلون عليه من غير أن يهين نفسه، فمن الناس من يظن أن السهولة أن يكون مع الناس مثل ما هم عليه، يتكلم معهم ويمزح معهم ويضحك حتى يغلبوه على أمره فيسخروا منه، لا، ليس بهذه الطريقة؛ بل كن في نفسك وقوراً، واعرف قدر نفسك، واعرف الناس الذين معك، وعامل من هو فوقك بالاحترام والمودة، ومن هو دونك بالرفق والمحبة والمودة، ومن هو مثلك بالعطف والمودة، فالمؤمن يتعامل مع كل الناس، وإن كان بينك وبين الناس خيط فلا تقطعه، فلاتسخر من أحد فتلقاه يسخر منك يوماً من الأيام، ولا تتطاول على أحد، فقد يكون الذي تتطاول عليه أقل منك أو يخاف منك فيسكت، ولكن قد يسلط الله عليك إنساناً سفيهاً يوماً من الأيام فتقول له شيئاً، فيرد عليك أكثر مما قلت، ولذلك كان العلماء يحرصون على هذه الأخلاق التي كان عليها النبي ﷺ ، فإذا أساء إليهم إنسان يسكتون ويتركونه؛ لأنه في يوم من الأيام قد يلاقي من هو سفيه فيسفه عليه. كان الأحنف بن قيس يضرب به المثل في الحلم، جاءه إنسان يوماً من الأيام وصفعه على وجهه فقال: لعلهم جعلوا لك جعلاً على ذلك، قال: نعم، قال الأحنف للرجل: لست بسيد القوم، ولن تكسب شيئاً، وإنما سيد القوم فلان فاذهب فاصفعه؛ حتى تحصل على الجعل، فذهب إلى فلان هذا فصفعه على وجهه، فقطع المصفوع يد الصافع، وهذا ما كان يريده الأحنف، فلا تدري إذا تطاولت على إنسان فقد يسخر الله إنساناً يتطاول عليك. إذاً: عود نفسك على البشاشة مع الناس وعلى الحلم واللين والرفق معهم.

стр. 668

التوسط في اللين مع الناس ليس معنى أن تكون حليماً وليناً للناس أن تجعلهم يضيعون عليك وقتك وجهدك؛ لأن الناس من تفرغ لهم تفرغوا له وأخذوا ما يريدون وأنهكوه وأتعبوه، فمن الشيء المعروف أن الناس إذا تعودوا على فراغك معهم لن تتخلص منهم، لكن احرص على عبادتك، وعلى وقتك، واترك الذين لا يهتمون بدخولك الجنة أو النار أو تحل عليك مصيبة، هم لا يهتمون بك، إنما همهم أن يأخذوا الذي يريدون، فتراهم إذا جاء إمام المسجد وقعد ليقرأ القرآن تجد هذا يسأله: يا شيخ عندي مسألة، والثاني: عندي سؤال، والثالث عنده سؤال، فلا يتركونه يقرأ القرآن أو يسبح الله ، لكن إذا حسم الأمر وحافظ على نفسه فالجميع سيخاف وسيسكت، لكنه إذا فتح للناس المجال لن يكمل الإجابة حتى يقف على باب الجامع، وقد يستمر على ذلك ساعتين لو أصغى للجميع! إذاً: ليس من اللين أن تتنازل فتضيع العبادة أو العلم الشرعي، ولكن أوسط الأمر أن تبسُط وجهك للناس، وتكون رقيقاً معهم، ولكن أيضاً اعتذر لهم حسب طاقتك، فرب العزة سبحانه يقول: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، فالإنسان لا يكلف نفسه إلا ما يطيق؛ لذلك عود نفسك على المحافظة على وقتك وعلى وقت غيرك، وكن لطيفاً رقيقاً، وسلم على من عرفت ومن لم تعرف، ولا تكن مثل من لا يحب أن يسلم عليه أحد، فإذا أراد أن يرد السلام ردَّ بطريقة ساذجة، فيقول لك: أنت لا تستحق! قال النبي ﷺ : (شر الناس من اتقاه الناس مخافة شره)، شر الناس من كان الناس يخافونه، وهو سعيد أن الناس تخافه! فيفسحون له الطريق، ولكن النبي ﷺ وصفه بأنه شر الخلق، وإذا كنت شر الناس في الدنيا، فمحلك يوم القيامة مع الأشرار في النار والعياذ بالله. لذلك الإنسان المسلم إذا مر في الطريق سلم على إخوانه سواء سلم باليد أو سلم باللسان، ويلقي التحية عليهم ويكون بشوشاً في وجوه الناس، وإذا سلم عليك أخوك فلا توقفه نصف ساعة حتى لا تعطله وتضيعه عن عمله، أحياناً أخاف أن أسلم على الإخوة باليد مع أنني أحب أن أسلم عليهم باليد، لأنه يتساقط بسببها السيئات، ولكن إذا سلمت باليد على أحد الناس يقول: تعال يا شيخ أريدك، ويوقفني نصف ساعة، وكذلك الثاني وأما الثالث فيقول: سبحان الله! تمشي ولا تضحك لأحد ولا تسلم على أحد؟! فلابد أن تعلم أن الذي يحبك في الله سبحانه ﵎ يجب أن تكون محبته لك بأن يحافظ على وقتك وأن يعينك على طاعة الله ، فالسؤال قد يتأخر أما عبادة الله فلا تتأخر؛ لأنها مؤقتة بأوقات. ومن الناس من يأتي الساعة الثانية عشرة في الليل ويدق الجرس فيقول: طلقت امرأتي، فابحث لي عن حل، ولا ينتظر الصباح، فنقول له: صلِّ معنا الفجر في جماعة، فيأتي على باب المسجد يريد أن يسأل سؤالاً فيقال له: الصلاة أولاً، فيقول: لا، أنا في عجلة من أمري، فلا يريد أن يصلي، ولكنه يريد أن يعرف جواب سؤاله! إذاً: نقول: إن الإنسان لابد أن يحافظ على وقته، وليس معناه أنه لا يراعي هذه الأحاديث لا، بل لابد أن يتبسم في وجوه الناس، وهذا يلزمنا شرعاً، لكن بالقدر الذي لا يضيقون به علينا عبادة ربنا . فالإنسان المؤمن يكون إلفاً مألوفاً، لكن لا يعني ذلك التغاضي عن الواجبات العينية والمفروضة عليه، بل عليه أن يعرف القدر الذي أوجبه الله عليه، فيؤدي العبادة كما أمره الله .

стр. 669

أمر الله تعالى لنبيه ﷺ وللمؤمنين بخفض الجناح يقول الله للنبي ﷺ : ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر:٨٨]، جناح الإنسان جانبه، والإنسان فيه جناح اللين وجناح الاعتزاز والشدة، والله يقول لنبيه: ((وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ))، أي: كن ذليلاً مع المؤمنين، كالطير يطير فيأتي على أفراخه ويظلهم بجناحه ويأخذهم بجواره، فكن مع المسلمين كذلك، لا تتعال عليهم، ولكن تواضع معهم، وهذا خطاب للنبي ﷺ الذي ليس في قلبه غل لأحد، وقد عصمه الله ﵎، ويقول له ذلك من باب (إياك أعني واسمعي يا جارة)، وهذا فيه تعليم لكل المؤمنين أن يخفضوا أجنحتهم لبعضهم البعض. وقال لنبيه ﷺ : ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا﴾ [آل عمران:١٥٩] الفظ هو الشديد السيئ الخلق، ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ﴾ [آل عمران:١٥٩] أي: لا تلين لأحد، لو كنت كذلك، ﴿لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩]، ولكن الحال أنهم مجتمعون حوله ﷺ ، فليس فيه ذلك، فعبر بلو، ولو حرف امتناع وقوع الجواب لامتناع وجود الشرط، ومستحيل أن يكون النبي ﷺ غليظ القلب، ومستحيل أن ينفضوا من حوله صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 670

شرح حديث: (اتقوا النار ولو بشق تمرة) عن عدي بن حاتم ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (اتقوا النار ولو بشق تمرة) أي: لابد للإنسان المؤمن أن يتقي النار وأن يستحضر دائماً ذكر النار وذكر الجنة، فيرجو أن يكون من أهل الجنة ويتعوذ بالله من النار، وليكن على لسانه دائماً: اللهم إني أسألك الجنة، اللهم أجرني من النار. إذا سألت الله الجنة فإن الجنة تخاطب ربها: يارب، إن عبدك يسألك الجنة، يا رب أدخله الجنة، والنار تقول: يا رب أجره من النار، فقد جاء في حديث للنبي ﷺ : (أنه من سأل الله الجنة ثلاثاً وتعوذ بالله من النار أيضاً ثلاثاً، تقول الجنة لربها سبحانه: اللهم أدخله الجنة، والنار تدعو ربها أن يعيذه من النار). وفي حديث آخر: (من قال في يومه سبع مرات ذلك) يعني: أنه يتكرر منه ذلك، كلما ذكر الجنة يقول: اللهم إني أسألك الجنة، سبع مرات، وكلما ذكر النار تعوذ بالله منها سبع مرات، فإذا كان الأمر كذلك كان الله لك على حسب ظنك فيه . والغرض من ذلك أنك إذا أكثرت من قولك: اللهم أجرني من النار، اللهم إني أسألك الجنة، مستحضراً لذكر الجنة ولذكر النار، فذكرك للنار يجعلك تخاف أن تدخلها فتقوم بالصدقة وبالبشاشة في وجه أخيك وبإعانة الناس على الخير. قال النبي ﷺ : (فمن لم يجد فبكلمة طيبة) أي: فمن لم يجد تمرة فبكلمة طيبة، وذلك بأن تقول لأخيك كلمة طيبة، كذلك المسكين الذي يأتي إليك أو الفقير أو المحتاج وليس معك شيء تعطيه فتقول له: أسأل الله أن يسهل لك ويعطيك، وإن أعطانا الله سنعطيك. فبالكلمة الطيبة تصرف هذا الإنسان طالما أنه فقير أو مسكين، وليس إنساناً محتالاً أو مخادعاً أو سارقاً، فالتعامل مع هذا الفقير أو المسكين إما أن تعطيه شق تمرة فما فوقها وإما أن تعتذر إليه، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾ [الإسراء:٢٨] أي: تقول قولاً سهلاً كريماً لهذا الإنسان السائل.

стр. 671

شرح حديث: (الكلمة الطيبة صدقة) عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (والكلمة الطيبة صدقة). ذُكر هذا في الحديث الطويل الذي فيه: (كل سلامى من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس: يعدل بين الاثنين صدقة)، أي: أن ابن آدم فيه ثلاثمائة وستون سلامى، والسلامى هي العظمة التي بين المفصلين، فالإنسان فيه مفاصل تتحرك، فإذا قام من النوم تحرك مفصل من المفاصل، فحينها يحمد الله على ذلك، ولعل الصحيح لا يعرف قيمة هذه المفاصل، لكنه إذا وقع وتأذت ركبته ولم يستطع أن يحركها عرف فضل الله عليه، وإذا جرحت إحدى أصابعه وأراد أن يمسك القلم ولم يستطع أن يمسكه عرف فضل الله عليه. فكل نعمة من هذه النعم تحتاج إلى أن تشكرها وتتصدق عنها كل يوم، فإذا أردت أن يعطيك الله صحة كل يوم عليك بالصدقة بثلاثمائة وستين صدقة تتصدق بها على كل مفصل في جسدك. والنبي ﷺ يعلمنا فيقول: (كل تسبيحة صدقة)، كأن تسبح الله في كل يوم بعد الصلاة أو غيرها، فكل تسبيحة من هذه التسبيحات صدقة، (وكل تحميدة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة)، وقوله ﷺ : (وتعين الرجل على دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة). كذلك من الصدقة تبسمك في وجه أخيك، قال ﷺ : (والكلمة الطيبة صدقة)، إذاً: على الإنسان أن يقول كلمة طيبة لأخيه المسلم؛ لقول النبي ﷺ : (فمن لم يجد فبكلمة طيبة).

стр. 672

شرح حديث: (لا تحقرن من المعروف شيئاً) عن أبي ذر ﵁ قال: (قال لي رسول الله ﷺ : لا تحقرن من المعروف شيئاً)، لا تحقرن المعروف؛ لأن فيه أجراً وثواباً، فأي معروف تستطيع أن تعمله ولو كان هذا المعروف يسيراً أو أقل الأشياء فاعمله، فالله يضاعف هذا المعروف ولو كان مثقال ذرة أو وزن نملة أو أقل من ذلك. ثم قال ﷺ : (ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق) يعني: حتى ولو كان أقل المعروف، فلابد أن تقابل أخاك بوجه ليس متجهماً ولا مكفهراً ولا عابساً، ولكن كن متبسماً له في طريقك وفي بيتك وفي مسجدك، فالتبسم للأخ المسلم صدقة.

стр. 673

استحباب بيان الكلام وإيضاحه للمخاطب وتكريره ليفهم إذا لم يفهم إلا بذلك يقول الإمام النووي: باب استحباب بيان الكلام وإيضاحه للمخاطب وتكريره ليفهم إذا لم يفهم إلا بذلك. تكلم مع الناس بكلام يفهمونه، فلا تكن سريع الكلام؛ لأن الذي يسمعك قد لا يفهم ما تقول، وقد يقول لك: أعده ثانية، فتظهره في مظهر الغبي الذي لا يفهم، فلا تسرع في الكلام، وإذا طلبت حاجة فاطلب على مهلك واجعل الذي يسمعك يفهم منك ما تقول، هذا في كلامك مع الناس، أما إذا كنت في الدرس أو في الخطبة فمن باب أولى ألا تقول للناس كلاماً لا يفهمونه، فقد يظن الناس أنك فاهم وهم ليسوا بفاهمين، فيقولون: هذا كلام كبير نحن لا نعرفه، ولكن أفهم الناس وخاطبهم على قدر عقولهم، فالنبي ﷺ وهو الذي أوتي جوامع الكلم كان أفصح خلق الله صلوات الله وسلامه عليه، وأبينهم ﵊، يقول أنس: (كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثاً، حتى تفهم عنه صلوات الله وسلامه عليه)، هذا إذا أراد أن يفهمهم وظن أنهم لم يفهموا أو أراد أن يحفظهم ذلك، وليس معناه أنه كلما تكلم أعاد ثلاث مرات، وإلا لكان ذلك عيباً به ﷺ ، وحاشاه من ذلك. فالمقصد أنه إذا كان الكلام لا يفهم إلا بتكرار كرره، كأن يلقي ذكراً من الأذكار ليحفظ، أو أمراً من الأمور أو يريد أن يعلمهم نصيحة يحفظونها فإنه يكرر ذلك مرة ومرتين وثلاث مرات صلوات الله وسلامه عليه، وأحياناً إذا أتى على قوم فسلم عليهم سلم عليهم ثلاثاً، وهذا إذا كانوا قوماً كثيرين، فلابد أن يكرر: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته حتى لا يحرم البقية من بركة التسليم عليهم؛ لأن النبي ﷺ يدعو لهم حين يقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فكان من شفقته ﷺ ألا يحرمهم من ذلك، فكان يكرر التسليم عليهم مرة ومرتين وثلاث مرات، فيردون ﵇ صلوات الله وسلامه عليه، ورضوان الله ﵎ عليهم. تقول السيدة عائشة ﵂: (كان كلام رسول الله ﷺ كلاماً فصلاً يفهمه كل من يسمعه)، والكلام الفصل له مقطع يقف عليه المتكلم ويسمعه السامع، ليس هو كلاماً له ذيول طويلة بحيث آخره ينسي أوله، ولكن كان كلامه كلاماً فصلاً. وأنت حين تسمع أحاديث النبي ﷺ أو تقرؤها تجدها واضحة بينة، سواءً كانت أحاديث طويلة أو أحاديث قصيرة، فحديثه ﷺ كله جمل مفيدة، فـ عائشة ﵂ تذكر أن كلامه كان كلاماً فصلاً يفهمه كل من يسمعه، بل قالت في حديث آخر: (لو أراد العاد أن يعده لعده)، فالكلمات التي يخرجها ﷺ تنبثق من هدوئه، فهو عندما يتكلم ﷺ يتبين ما يقوله صلوات الله وسلامه عليه. إذاً: من الأدب في الكلام أن الإنسان يفهم جليسه ما يقول، ولا يتسرع في الكلام بحيث إن الذي يسمع لا يفهم، وقد تطلب منه أشياء وهو ليس بفاهم، فيقول لك: حسناً، ولا يستطيع أن ينفذ شيئاً من الذي تقوله.

стр. 674

الحث على إصغاء الجليس لحديث جليسه يقول الإمام النووي: باب إصغاء الجليس لحديث جليسه الذي ليس بحرام يعني: إذا تكلمت مع إنسان أفهمته ما تقول، والسامع لابد أن يسمع ويصغي إلى الذي تقول، إلا أن يكون كلاماً حراماً فلا ينبغي له أن يجلس في مجلس فيه كلام حرام، بل يأمر بمعروف وينهى عن منكر أو يترك المجلس وينصرف، ولا يجلس مع أناس يتكلمون في دين الله باستهزاء وسخرية، أو يتكلمون في عرض فلان وفلان، أو يدبرون لسفك دم فلان أو لانتهاك عرض فلان أو لأخذ مال فلان، والأشياء المحرمة يجب عليه أن يوقف أصحابها، فإذا يئس فليترك المكان ولا يجلس معهم. ولذلك يحذر ربنا سبحانه ﵎ النبي ﷺ أن يقعد مع أقوام يخوضون في آيات الله، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام:٦٨]. يعني: إذا نسيت وقعدت، ثم تذكرت، فاترك هؤلاء ولا تجلس مع القوم الظالمين، وانتق الجليس الذي تجلس معه بأن يكون إنساناً تقياً ينصحك وتنصحه، ويقبل منك النصيحة، ويدعو لك وتدعو له.

стр. 675

من أدب السماع إصغاء الجليس إلى حديث جليسه إن إصغاء الجليس إلى حديث جليسه من أدب السماع، فالإنسان له لسان واحد وله أذنان؛ حتى تسمع ضعف ما تتكلم، فلا تقعد في الجلسة لكي تتكلم كثيراً وإلا ستأخذ الجلسة كلها، ولكن الإنسان الذي يحبه الناس من يسمع أكثر مما يتكلم؛ لأن الإنسان الذي يكثر الكلام يجعل الناس يضجرون منه، فعود نفسك أن تسمع أكثر مما تتكلم إذا كنت مع الناس، فلا تتكلم حتى يشتهي الناس كلامك، فإذا أحب الناس أن يسمعوك تكلمت، فقد كانت نصيحة ابن عباس لـ عكرمة وكان عالماً بالتفسير ﵁ أن قال له: إنك تعلمت هذا العلم فلا تمل الناس، ولا ألفينك تأتي الناس في حديثهم فتقطع عليهم الحديث، ولكن انتظر حتى يشتهوا كلامك، فإن اشتهوا كلامك فتكلم. فالمسلم يعود نفسه على أن يستمع خاصة الكلام المفيد، ولا يكثر من الكلام.

стр. 676

الحث على الإنصات ليتيسر وصول المسموع يقول الإمام النووي: باب إصغاء الجليس لحديث جليسه الذي ليس بحرام، واستنصات العالم والواعظ حاضري مجلسه. يعني: إذا كان المجلس يكثر فيه اللغط والكلام فلابد من الاستنصات؛ حتى يعظ الواعظ أو يخطب أو يعطي درساً، فليس للناس أن يتكلموا وهو يتكلم، وليس من الأدب أن يتكلم الناس في الدرس، وإذا اقتضى الأمر أن يسكت الناس سكتوا. يقول جرير بن عبد الله البجلي ﵁: (قال لي رسول الله ﷺ في حجة الوداع: استنصت الناس) يعني: كان هناك ناس كثير مع النبي ﷺ في حجة الوداع، وكان عددهم مائة وثلاثين ألف رجل، فأراد النبي ﷺ أن يعظهم ويخطب فيهم فقال لـ جرير: (استنصت الناس) يعني: مرهم بالسكوت، لكي يخطب فيهم النبي ﷺ ويعظهم، ثم قال للناس موعظة عظيمة: (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)، الكفر العملي بأن يقاتل بعضكم بعضاً ويقتل بعضكم بعضاً، أما الكفر الحقيقي فهو بأن يستحل الإنسان دم المسلم فيقتله لكونه مسلماً، فهذا كفر حقيقي، نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 677

شرح رياض الصالحين - الوعظ والاقتصاد فيه إن الموعظة سلاح يستخدمه الداعون إلى الله لاصطياد قلوب الغافلين من عباد الله؛ ليرجعوهم إلى المسار الصحيح والصراط القويم، ولكن لابد لمستخدم هذا السلاح لينتفع به من مراعاة حال الناس وأن تكون موعظته مشتملة على جوامع الألفاظ من كلام الله وكلام رسوله، وألا يطيل فيها حتى لا يسأم الناس وأن يتخير من الأوقات ما يكون فيه الناس مقبلون على قبول كلامه متعطشون إلى سماع نصحه وبيانه.

стр. 678

ما جاء في الوعظ والاقتصاد فيه الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الإمام النووي ﵀: [باب الوعظ والاقتصاد فيه. قال الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل:١٢٥]. وعن أبي وائل شقيق بن سلمة قال: (كان ابن مسعود ﵁ يذكرنا في كل خميس، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن! لوددت أنك ذكرتنا كل يوم. فقال: أما إنه يمنعني من ذلك أني أكره أن أملكم، وإني أتخولكم بالموعظة كما كان رسول الله ﷺ يتخولنا بها مخافة السآمة علينا) متفق عليه. وعن عمار بن ياسر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه، فأطيلوا الصلاة وأقصروا الخطبة) رواه مسلم]. يذكر الإمام النووي ﵀ في هذا الباب الوعظ والاقتصاد فيه وهذا من الأبواب التي ذكرها الإمام النووي في كتاب الآداب. ومما ذكر قبل ذلك: الكلام عن الحياء والحث عليه والتخلق به، وحفظ السر، والوفاء بالعهد وإنجاز الوعد، والمحافظة على ما اعتاده الإنسان من الخير، وطيب الكلام وطلاقة الوجه، واستحباب بيان الكلام وإيضاح الكلام للمخاطب، وإصغاء الجليس لحديث جليسه.

стр. 679

الحث على أن تكون الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة الاقتصاد في الموعظة أمر مطلوب، والكلام إذا كان كثيراً في مادة واحدة، كأن يكثر الإنسان من الوعظ والتذكير بالجنة والنار، فإن هذا يجعل الناس يملون، فلذلك جاء عن النبي ﷺ تعليم الناس أن يقتصدوا في مثل ذلك. يقول الله : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل:١٢٥]. فقوله: ﴿بِالْحِكْمَةِ﴾ [النحل:١٢٥] أي: أن تكون حكيماً، كذلك أن تكون الدعوة بالموعظة، وهنا قال: ﴿وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل:١٢٥] أي: كأن المواعظ منها موعظة سيئة ومنها موعظة حسنة، فالله يأمرك أن تعظ موعظة حسنة، والوعظ هو: التذكير والتخويف بالله ﵎، ولكن أحياناً يأتي الإنسان لتذكير الناس وتخويفهم فيملهم، بسبب أنه يكثر من الترهيب حتى ييئس الناس، أو يكثر من ترغيب الناس حتى يجعلهم يرجئون الأعمال ويتراخون عن العمل الصالح، فعلى الإنسان أن يقتصد. ومن أجمل ما يؤتى به في الموعظة القرآن الكريم وحديث النبي ﷺ ، فالقرآن الكريم تجد في آياته التذكير بالله ﵎، وذكر أسمائه وصفاته سبحانه، ففي السورة الواحدة تجد التذكير بأمور الآخرة من جنة ونار وغيرها، وتجد التذكير بالأحكام الشرعية التي يريدها الله من عباده، والتذكير بمخلوقات الله سبحانه، والقصص عن الأمم السابقة، وتذكير الإنسان بالمواعظ والرقاق، فتجد القرآن يتحول من شيء إلى شيء، فلا يمل قارئ القرآن، كذلك حديث النبي ﷺ لا يمل منه، فقد أوتي جوامع الكلم ﷺ ، فما كان يخوف الناس حتى ييئسهم ﷺ ، ولا كان يفتح لهم أبواب الرجاء حتى يجعلهم يتركون العمل، ولكن يأمرهم بالعمل بقوله: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له، فأما أهل السعادة فبعمل أهل السعادة يعملون، وأما أهل الشقاوة فبعمل أهل الشقاوة يعملون). يقول الله : ﴿ادْعُ﴾ [النحل:١٢٥]، فيأمر النبي ﷺ بذلك وهو سيد الخلق ﵊، وهو الإمام في كل شيء، والقدوة الحسنة، فيقول له معلماً له: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ [النحل:١٢٥]، إلى طريق ربك ﵎، ﴿بِالْحِكْمَةِ﴾ [النحل:١٢٥] بالآيات التي نزلت من عند ربك سبحانه بالكتاب الحكيم بالحكمة والموعظة الحسنة.

стр. 680

شرح حديث ابن مسعود: (وإني أتخولكم بالموعظة كما كان رسول الله يتخولنا بها مخافة السآمة علينا) يوضح ابن مسعود ﵁ ما كان يصنعه النبي ﷺ في موعظته، فيقول أبو وائل واسمه شقيق بن سلمة وكان من التابعين ومن تلامذة ابن مسعود ﵁ قال: كان ابن مسعود يذكرنا في كل خميس، يعني: كل خميس يخرج عليهم ويكلمهم ويعظهم، ويذكرهم بالله سبحانه، وابن مسعود كان من كبار فقهاء أصحاب النبي صلوات الله وسلامه عليه، فكان معلماً للناس، يعلمهم الفقه. فكان ﵁ يتخولهم بالموعظة، يعني: لا يأتي كل يوم يذكرهم بالجنة والنار؛ لأن الناس يملون من تذكيرهم بالجنة والنار كل يوم، ولكن ليكن ذلك مرة كل فترة، وليس كل يوم. يقول هنا: كان يذكرنا في خميس، كل يوم خميس كان يذكرهم، فقال له رجل وقد أعجبته مواعظ ابن مسعود: يا أبا عبد الرحمن! لوددت أنك ذكرتنا كل يوم، يعني: ليتك تقول لنا كلامك الطيب وحديثك الجميل هذا كل يوم، فقال ابن مسعود ﵁: أما إنه يمنعني من ذلك أني أكره أن أملكم. إذاً: ابن مسعود خائف عليهم إن هو ذكرهم ووعظهم وخوفهم من النار ورغبهم بالجنة كل يوم أن يملوا، فإذا مل الإنسان فإن الكلام لا يؤثر فيه ولا يعينه على العمل، ولا يتشجع للعمل بسماعه، فيقول هنا: إني أكره أن أملكم، وإني أتخولكم بالموعظة، يعني: أحياناً يأتيهم بالموعظة وليس كل يوم. فيقول: (وإني أتخولكم بالموعظة كما كان رسول الله ﷺ يتخولنا بها مخافة السآمة علينا). إذاً: النبي ﷺ كان يتخول أصحابه عندما يذكرهم ويقص لهم القصص ويخوفهم من النار، ويذكرهم بالجنة، فكان يسكت مدة ثم يتكلم ﷺ ، وهذا أدعى أن يجمع الإنسان همته فيستوعب ما يقوله له من يذكره، فقال هنا: (كان يتخولنا بها مخافة السآمة علينا) يعني: يخاف أن نسأم وأن نمل من ذلك، فإن الإنسان إذا مل فلعله يستهين بالحديث الذي يلقى أمامه. فعلى الإنسان أن يتكلم أحياناً ويسكت أحياناً، وأيضاً ينوع في كلامه وأسلوبه؛ لأن الكلام إذا كان مكرراً فإن الإنسان يمل منه ويزهد فيه، فلو جئت إلى رجل تارك للصلاة ودعوته إلى الصلاة فربما يستجيب لك، وربما لا يستجيب، فيمكن أن تذكره بالجنة وتخوفه من النار، لكن لا تأتي إليه في كل وقت وتخوفه من النار؛ لأنه لو تعود على سماع ذكر النار فإنه لن يتأثر حتى إننا نجد أن بعض الجهال إذا خوفته من النار قال لك: كلنا سندخل النار، ولا أحد سيدخل الجنة! وهذا من باب الاستهانة بالنار، فمثل هذا الفعل يوقع المستهين في الكفر، فبعدما كان في معصية أو كبيرة من كبائر الذنوب، أصبح واقعاً في الكفر بسبب الاستهانة بعذاب رب العالمين سبحانه. فعلى الإنسان الذي يعظ ويذكر، وإذا أراد أن يدعو إنساناً إلى أن يحافظ على الصلاة فيبين له ما في الصلاة من فوائد للإنسان، وما في الصلاة من صلة بين العبد وبين ربه، وما في الصلاة من أجر نتيجة المشي إلى المسجد، وأن له بكل خطوة يخطوها رفع درجة ووضع سيئة، ويحرك في نفسه الغيرة من إخوانه الذين يصلون لينافسهم في هذا الخير، ويكون مثلهم، فعلى الداعية أن ينوع في الخطاب لعل الله أن يهدي به من يشاء من عباده. فالمؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير ممن لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم، فلو أن الواعظ أخذ يكرر كلامه، فإنه سيمل منه ويعرض عنه، لكن لو أنه غير من أسلوبه وغير من طريقته في الدعوة لهذا الإنسان فلعل الله ﵎ أن يفتح على يديه فيستجيب هذا الإنسان إلى الدعوة ويستجيب إلى المسجد فيصلي، وقد جاء عن النبي ﷺ أنه ذكر رجلين ممن كانوا قبلنا، كان أحدهما عابداً وكان الآخر عاصياً، فكلما مر العابد بذاك العاصي وجده على معصية، فيذكره بالله، ثم يمر عليه مرة ثانية ويجده على المعصية نفسها، فيذكره بالله، فلا ينتهي، وإذا بهذا العاصي لما مل من تكرار صاحبه لدعوته يتطاول على ربه ﵎ ويقول: دعني وربي، دعني وربي، فإذا بالعابد يقول له: والله لا يغفر الله لك! فهذا العابد مل من كثرة دعوة صاحبه وهو لا يستجيب، وفي النهاية نسي أنه عبد يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وليس له أن يحاسب العباد، وإنما هو يدعو إلى الله ، فإذا به يقسم على الله سبحانه، ومعنى كلامه: والله ما أنت بداخل الجنة، وكأنه يقرر عن الله أن فلاناً لن يدخل الجنة! فإذا بالله يقول: (من هذا الذي يتألى علي ألا أدخله الجنة؟ فقد غفرت له وأحبطت عملك) يعني: ما الذي يجعلك تحلف على الله ﵎ ألا يغفر لعبد من عباده؟! فالإنسان حين يكثر من الشيء فإنه في النهاية قد يمل هو مما يقوله للناس، فيدفعه ذلك لأن يتطاول على أمر الله ﵎؛ لذلك الإنسان يتخول الناس بالموعظة، وخاصة في أمر الترغيب والترهيب، ولا يكون الكلام كلاماً مكرراً فيمل الناس من سماعه.

стр. 681

شرح حديث: (إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه) من الأحاديث الواردة في هذا الباب حديث عمار بن ياسر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنَّة من فقهه) فالصلاة تكون طويلة، وهذا مقيد بما جاء عن النبي ﷺ حيث قال: (أفتان أنت يا معاذ؟ من صلى بالناس فليخفف، فإن من ورائه الضعيف والمريض وذا الحاجة)، فهنا يشرع له أن يخفف كما كان النبي ﷺ يفعل، فيقرأ بما كان يقرأ به النبي ﷺ ونحو ما كان يقرأ، فكان مثلاً يقرأ في فجر الجمعة بسورة السجدة وسورة الإنسان، فهذا من تخفيفه ﷺ حيث لم يقرأ بهم بالبقرة، ومع ذلك يقول الفقهاء: على الإمام أن يراعي حال من وراءه، فإذا كان فيهم الضعفاء ومن لا يطيقون ذلك لم ينفرهم. إذاً: يقرأ الإنسان بما لا يشق على الناس، ولكن يتبع سنة النبي ﷺ في ذلك، فيقرأ في صلاة الظهر بما جاء عن النبي ﷺ نحو: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١]، و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية:١]، وهذا من التخفيف، لكن لا يأتي في كل صلاة ويقرأ بالفاتحة و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١]، ويقول: أنا أخفف؛ لأن النبي ﷺ أمر بالتخفيف، فهذا -وإن صحت الصلاة- ليس من فعله ﷺ ، فلم يثبت عنه أنه كان يقرأ باستمرار الفاتحة و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١]، أو الفاتحة و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق:١]، أو الفاتحة و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس:١]، فالذي قال للأئمة: (من أم بالناس فليخفف) فعله يبين ذلك. فالإنسان عندما يصلي بالناس عليه أن يخفف عليهم، ويراعي أحوالهم فيقرأ بنحو ما قرأ به النبي ﷺ في صلواته، وذكر الفقهاء في هذا الباب أحاديث فيها بيان ما كان يقرأ به النبي ﷺ فلتراجع في مظانها. والمقصود هنا أنه قال: (فأطيلوا الصلاة، وأقصروا الخطبة)، فإطالة الصلاة هنا إطالة في تخفيف، فلا يقرأ بسورة البقرة بحيث يشق على الناس، ولا يقرأ قراءة خفيفة ويسيرة كصلاة سنة الفجر مثلاً، ولكن يتوسط ويفعل نحو ما فعل النبي صلوات الله وسلامه عليه في الصلاة. قال: (واقصروا الخطبة) يأمر الخطباء هنا ألا يطيلوا الخطبة، فلا تقعد تخطب ساعتين وثلاث ساعات متعللاً بأن الناس لا يفهمون إلا بذلك، وهذا فيه تحقير لعقول الناس، والنبي ﷺ كانت خطبه قصيرة ﷺ ، ويفهم بها الناس. إذاً: على الخطيب أن يراعي في خطبته عدم الإطالة التي تشق على الناس وتملهم. وأيضاً لا يتعمد أن تكون الخطبة كلها موزونة ومسجوعة ومليئة بشواهد الشعر؛ لأن الناس سيملون، إذ ليس كل الناس يفهمون ذلك، وليس كل الناس يريدون ذلك، ولكن لا مانع أن يكون في الخطبة من المحسنات البديعية الشيء الذي لا يدخله التكلف، بحيث لا يكون تحضير الخطبة كلها على نسق من السجع والشعر وينسى المضمون نفسه للخطبة. إذاً: الخطبة هي تذكير وموعظة، وكل يوم جمعة يجتمع الناس ليسمعوا الخطبة، فلابد أن يكون فيها من القرآن ومن أحاديث النبي ﷺ ، ومن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن تذكرة الناس بأخطاء قد يقعون فيها، ويراعي في هذا كله ألا يشق عليهم بالإطالة، فإطالة الخطبة ليس من سنة النبي ﷺ ، وليس علامة على فقه الخطيب، فالفقيه يعرف ما الذي يقال، ومتى يقال، ويتخول الناس بالمواعظ، كما كان يفعل النبي ﷺ ، والأصل في الخطبة تذكير الناس وموعظة الناس، والنبي ﷺ الذي قال: (وأطيلوا الصلاة) كان يوم الجمعة يقرأ في الركعة الاولى بـ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١]، وفي الركعة الثانية كان يقرأ: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية:١]، وقد يقرأ في الركعة الأولى بسورة الجمعة، وفي الركعة الثانية بسورة المنافقون، وهذا ضابط الإطالة التي ذكرها النبي ﷺ . إذاً: ليس معنى قوله: (أطيلوا الصلاة) أن يقرأ الإمام بسورة من طوال القرآن، ولكن بالقدر الذي كان يقرؤه النبي ﷺ . قال هنا: (إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه)، (مئنة من فقهه) بمعنى: علامة على فقه هذا الخطيب، فمن فقه الخطيب ألا يطيل في الخطبة إطالة تمل الناس، وكذلك من فقهه أن يطيل في الصلاة شيئاً بحيث يستمع الناس للتذكرة في صلاة الجمعة وفي غيرها.

стр. 682

شرح حديث معاوية بن الحكم: (بينا أنا أصلي مع رسول الله إذ عطس رجل من القوم) ومن الأحاديث الواردة في الباب حديث معاوية بن الحكم السلمي ﵁ قال: (بينا أنا أصلي مع رسول الله ﷺ إذ عطس رجل من القوم)، وكأن معاوية كان جديداً في إسلامه، وجاء إلى النبي ﷺ وأثناء ما كان يصلي عطس رجل فشمته معاوية، قال: (فقلت: يرحمك الله)، وهذا غير جائز، ولكن الرجل إسلامه جديد، وما كان يعرف الحكم الشرعي في ذلك وعذره النبي ﷺ لجهله في ذلك، قال: (فرماني القوم بأبصارهم) يعني: أصبح الناس ينظرون إلي ويشيرون لي أن أسكت، قال: (فقلت: واثكل أمياه، واثكل أمياه، ما شأنكم تنظرون إلي) الثكل: الفاجعة، والمرأة الثكلى التي فقدت ابنها، فهذه الكلمة تقال عند التوجع للنفس، فهو هنا تكلم بكلام لا ينبغي في الصلاة قال: (واثكل أمياه، ما شأنكم تنظرون إلي فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم)، فلاحظ أنه ما أحد منهم رد عليه بالكلام، فهم أولاً نظروا إليه من أجل أن يسكت فلم يسكت، فضربوا على أفخاذهم حتى يسكت، قال: (فلما رأيتهم يصمتونني لكني سكت) يعني: كأنه يقول: فلما رأيتهم يصمتونني، كنت سأرد عليهم، لكنني سكت، قال: (فلما صلى رسول الله ﷺ فبأبي هو وأمي صلوات الله وسلامه عليه، ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه، فوالله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني ﵊، فهو كان ينتظر من النبي ﷺ أن يضربه أو يشتمه، قال: (ما كهرني) يعني: لم ينهرني ولم يكلمني كلاماً غليظاً، (ولا ضربني، ولا شتمني)، وكأنه يرى في نفسه أنه يستحق ذلك، ولكن النبي ﷺ لم يفعل، فقال النبي ﷺ : (إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس)، هذه حكمة النبي ﷺ والموعظة الحسنة التي أمر بها، (قال: إنما هي التسبيح، والتكبير وقراءة القرآن). إذاً: لا ينبغي للإنسان أن يكلم من بجواره بأي كلام في الصلاة، ولا حتى بأن يقول له: يرحمك الله، فإذا خاطب أحداً بطلت صلاته بذلك، لكن معاوية هنا لم تبطل صلاته لكونه جاهلاً بالحكم، والنبي ﷺ علم جهله، فعذره ولم يأمره بإعادة الصلاة، ولو أمره بذلك لذكره الراوي، يقول: (قلت: يا رسول الله! إني حديث عهد بجاهلية)، يعني: إسلامي لا يزال جديداً، فهو هنا بعد الذي فعله في صلاته، وبعد موقف النبي ﷺ منه وكونه لم ينهره ولم يشتمه، جعله ذلك يتشجع ويكلم النبي ﷺ ويسأله، فقدم عذره أولاً وهو أنه قريب عهد بجاهلية، ثم قال: (وقد جاء الله بالإسلام وإن منا رجالاً يأتون الكهان)، فهو قريب عهد بجاهلية، ومن قومه من لا يزال كافراً ويأتي الكهان ويسألهم قال: (فلا تأتهم) أي: أنت رجل مسلم فلا يجوز لك ذلك، قال: (قلت: ومنا رجال يتطيرون)، يعني: من قومه، سواء من المسلمين أو من غيرهم، فقال النبي ﷺ : (ذاك شيء يجدونه في صدورهم)، فالإنسان حين يكون قريب عهد بجاهلية فإن نزغات الشيطان لا تزال تراوده، فيتطير ويتشاءم بسبب جهله بدين رب العالمين، وكثير من الناس يقعون في التشاؤم من باب التقليد، فبعضهم يسمع أن الغرب يتشاءمون عند رؤية قطة سوداء تمشي من أمامهم، فيتشاءم هو منها كنوع من التقليد، فصار التقليد حتى في الكفر، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ومنهم من يرى البعض يتخذون التمائم فيقلدهم في ذلك، مع أن هذا الفعل حرام وهو من الشرك بالله ، وبعض الناس يضعون في أيديهم حظاظة -وهي ما يلبس في اليد لجلب الحظ- وهذا من الشرك بالله ، فمن اعتقد أن شيئاً ينفعه أو يضره مع الله فقد وقع في الشرك بالله ، وفي الحديث قال: (ومنا رجالاً يتطيرون، قال: ذاك شيء يجدونه في صدورهم) يعني: لقرب عهدهم بجاهلية، (فلا يصدنهم). إذاً: الإنسان الذي اعتاد على هذا الشيء في جاهليته فإنه يكون من الصعوبة أن يتغير عنه بعدما يعرف الإسلام الصحيح، قال النبي ﷺ : (ذاك شيء يجدونه في صدورهم)، فإذا حصل هذا قال: (فلا يصدنهم). وأهل الجاهلية كان الواحد منهم إذا أراد أن يسافر ذهب ينظر إلى الطير، فإذا طار الطير يميناً تيامن بذلك وتبرك بذلك، وقال: اليوم بركة سنسافر فيه، وإذا طار الطير شمالاً تشاءم من ذلك، فلما دخل الناس في الإسلام بقي أثر هذا الشيء في الصدور. ومثل ذلك الحلف بغير الله سبحانه، فقد كانوا يحلفون باللات والعزى، فلما دخلوا في الإسلام كان فيهم بقية من ذلك، فلما يأتي الواحد منهم يتكلم يقول: واللات والعزى، فعلم النبي ﷺ من وقع منه مثل هذا أن يقول: لا إله إلا الله، فيتذكر أنه وقع في الشرك بهذا الشيء وإن كان هذا سهواً فيقول: لا إله إلا الله كلما صدر منه ذلك حتى يبطل عنده الحلف باللات والعزى والحلف بغير الله سبحانه. وكذلك الذي اعتاد على أن يحلف بقوله: وحياة أبي أو وحياة أمي أو والنعمة، فهذا هنا حلف بغير الله وهذا من الشرك، فإذا وقع في ذلك فليقل وراءها: لا إله إلا الله، فإذا قال ذلك فإنه سيعتاد على أن يوحد ربه سبحانه وسيخرج من رأسه الحلف بغير الله. وقول النبي ﷺ في الحديث: (فلا يصدنهم) يعني: لا يصدنك رؤية الطير عن أن تذهب إلى المكان الذي كنت تريد أن تذهب إليه.

стр. 683

شرح حديث العرباض: (وعظنا رسول الله موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون) من أحاديث الباب حديث العرباض بن سارية ﵁ قال: (وعظنا رسول الله ﷺ موعظة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون)، وذكر الحديث، وهو حديث طويل وتقدم قبل ذلك، لكن الغرض من هذا الحديث أن موعظة النبي ﷺ موعظة عظيمة، رقت لها قلوب أصحابه رضوان الله تعالى عليهم فبكوا من ذلك. قال: (وجلت منها القلوب) أي: خشعت واقشعرت قلوب الناس وجلودهم. (وذرفت منها العيون) يعني: بكى أصحاب النبي ﷺ . قال: (فقلنا كأنها موعظة مودع فأوصنا يا رسول الله! قال: أوصيكم بتقوى الله)، فبدأ النبي ﷺ بتقوى الله ﵎، قال: (والسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم حبشي كأن رأسه زبيبة، فإنكم سترون بعدي خلافاً كثيراً فعليكم بسنتي)، فأمرهم بالتمسك بسنته وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعده، ووعظهم ﷺ فأمرهم بالمحافظة على أهل بيته صلوات الله وسلامه عليه. والغرض: أن هذه الموعظة وصفها هذا الصحابي الجليل بأنها موعظة بليغة، فعلى هذا فينبغي للإنسان حين يعظ الناس أن تكون موعظته بما قاله النبي ﷺ ، فإنها أعظم المواعظ بعد كتاب الله . نسأل الله أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 684

شرح رياض الصالحين - الوقار والسكينة والندب إلى إتيان الصلاة والعلم بهما التواضع والسكينة والهدوء من الخصال التي ينبغي أن يتصف بها المؤمن، وخاصة في أماكن الصلوات وعند المشي إليها، وفي حلقات العلم، وغيرها من الأماكن التي تعظم فيها شعائر الله.

стр. 685

من صفات عباد الرحمن الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الإمام النووي ﵀: [باب الوقار والسكينة. قال الله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان:٦٣]. عن عائشة ﵂ قالت: (ما رأيت رسول الله ﷺ مستجمعاً قط ضاحكاً حتى ترى منه لهواته، إنما كان يتبسم) متفق عليه. باب الندب إلى إتيان الصلاة والعلم ونحوهما من العبادات بالسكينة والوقار. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:٣٢]. وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها وأنتم تمشون، وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا) متفق عليه]. يذكر الإمام النووي ﵀ في رياض الصالحين باب الوقار والسكينة، ضمن الآداب والأخلاق التي ينبغي على المسلم أن يتخلق بها. والوقار أصلها من القر، ويقر الشيء بمعنى: يثبت مكانه، وكأن المقصد أن المؤمن يكون حاله فيه الوقار والسكينة وعدم الرعونة والتهور والاندفاع، فيكون وقوراً في جلوسه وقيامه ومشيه، من غير تكلف أو تصنع أو رياء. قال الله : ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان:٦٣]. فذكر الله من صفات عباد الرحمن صفات جميلة وجليلة بدأها بأنهم: ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان:٦٣] أي: بوقار وسكينة، فهم هينون في مشيهم، يتصفون بالوقار والتؤدة والطمأنينة، فليسوا مندفعين، والمقصد أن التواضع من صفاتهم سواء مشوا على الأرض وهم مبطئون، أو مشوا مسرعين، فالإنسان لا يستطيع أن يمشي دائماً بطيئاً في مشيته أو سريعاً، ولكن بحسب حاجته وحاله، فقد يحتاج إلى الشيء فيسرع، وقد يجري من أجله وقد يمشي، ولكن في كل الأحوال لا يوجد فيه أي نوع من الكبر، فعباد الرحمن هينون لينون متواضعون لا يستكبرون على الخلق، ولا يتعالون عليهم، ولا يظهرون قوتهم على الغير، إذا مشى أحدهم في الشارع يمشي بتواضع، فلا يظهر للناس أنه قوي، وأنه ليس أحد مثله. وأيضاً: ليس المعنى أنه يستذل نفسه حين يمشي فالذي ينظر إليه يقول: إنه مريض لا يستطيع أن يمشي، أو ضعيف في مشيه، فلم يقصد ذلك ربنا سبحانه، إنما يمشي هوناً على الأرض بمعنى: متواضعاً، حتى ولو كان يسرع في مشيته، ولذلك جاء: (أن النبي ﷺ كان يمشي مع أصحابه صلوات الله وسلامه عليه لا يحب أن يكون أحد منهم وراءه ﵊ ويقول: دعوا ظهري للملائكة)، لا يمشي أحد وراءه ﷺ ، ولكن يمشون بين يديه أو بجواره ﵊، وكان إذا مشى يسرع في مشيه، والناظر إليه لا يرى هيئة الإسراع عليه ﷺ . الإنسان إذا أسرع يبدو من حركة يديه وأكتافه أنه مسرع، ولكن النبي ﷺ ليس كذلك، وإنما يمشي هوناً ﵊، وعليه الوقار والسكينة حتى ولو كان مسرعاً، ولعل البعض من أصحابه يجري ويسرع بجواره وهيأته صلوات الله وسلامه عليه لم تتغير في مشيه. إذاً: المقصد: أنهم في مشيتهم يمشون بالتؤدة والطمأنينة، وليس فيها ما يدل على غرور أو تكبر، أو رفع الجناح على الخلق. قال تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ﴾ [الفرقان:٦٣]، فلو أن إنسان جاهلاً أحمق فيه تهور اندفع عليهم فوبخهم بشيء ليسوا أهلاً له، ولم يجيبوه إلا بما هم أهل له. فردهم عليه: (سلاماً) أي: قولاً سليماً خالياً من العيوب، ليس فيه اندفاع وطيش وتهور، خال من المعاملة بالمثل، وإنما يقولون قولاً يسلمون فيه من هذا الإنسان، أو فيه تسليم منهم عليه، يعني: قول فيه متاركة، فكأنهم يقولون: نحن لسنا سفهاء مثلكم، فيقول: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص:٥٥].

стр. 686

شرح حديث: (ما رأيت رسول الله مستجمعاً قط ضاحكاً) روى الإمام مسلم عن عائشة ﵂ قالت: (ما رأيت رسول الله ﷺ مستجمعاً قط ضاحكاً حتى ترى منه لهواته إنما كان يتبسم). اللهوات: جمع لهاة، وهي اللحمة الواقعة آخر سقف الحنك، والنازلة من آخر الحلق المدلاة على القصبة الهوائية. فهناك أناس طبيعتهم الضحك بصوت عال وقهقهة، يفتح أحدهم فمه إلى آخره! وهذا لم يكن يفعله النبي ﷺ ، وغاية ما كان أنه لو ضحك قد يبدو نابه ﷺ ، فلم تكن عادة النبي ﷺ أن يقهقه، (ما رأيت رسول الله ﷺ مستجمعاً قط)، وكلمة مستجمعاً معناه: المبالغة، وكأن الإنسان عندما يقهقهه يجمع نفسه فيضحك ضحكة يزلزل بها الدنيا أمامه! فالقهقهة لم تكن عادته ﷺ ، إنما كان يتبسم ﵊، وكان لا يرى عبوساً أمام الناس ﵊، وإنما كان يتبسم لأصحابه وهم يضحكون، فكانوا يجلسون إلى شروق الشمس يذكرون الله فيما بين طلوعها وبين أن يصلوا الضحى، ولعل بعضهم يتكلم مع الآخر، ويتحدثون عن الجاهلية وما كانوا يفعلونه، فيحكون أنهم كانوا يصنعون التماثيل من العجوة ويعبدونها، فإذا جاع أحدهم أكلها، فيحكون أمثال ذلك ويضحكون على أنفسهم، أما هو ﷺ فكان يتبسم ولم يكن يضحك ويقهقه. فمن الأدب أن المؤمن يتبسم عندما تدعو الحاجة إلى ذلك، ولا يكثر من العبوس، وأيضاً: لا يكثر من الضحك، كما قال النبي ﷺ في الحديث: (وإياك وكثرة الضحك، فإن كثرة الضحك تميت القلب)، فكثرة الضحك تبعد خشية الله من قلب الإنسان، فيموت قلبه من كثرة الضحك. فيجب على المؤمن ألا يُفْرط ولا يُفَرِّط، والإفراط أن يمسك الإنسان نفسه عن الابتسامة، فيكون ثقيل الظل عند الناس، فالناس يحبون من يتبسم ويضحك لهم، فعلى الإنسان أن يكون قريباً من الناس، والمؤمن كما قال النبي ﷺ : (إلف مألوف، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف). ولو كان الإنسان عبوساً أمام جميع الناس لنفروا منه ولن يبقى له أصدقاء ولا أصحاب بين الناس، وأما لو كان الإنسان ضحاكاً ثرثاراً فيمكن للناس أن يحبوه من أجل أنه يضحكهم فقط، فعندما يريدون أن يضحكوا قالوا: ادعوا لنا فلاناً، فهو يذكرهم بالدنيا لا بالآخرة، فقد يحبه الناس ولكنه بغيض إلى الله ، فالمؤمن إذا سمع ما يضحك تبسم، وقد يضحك ولكن لا تكون له عادة فيتكلف الضحك ويقهقه حتى ولو سمع شيئاً لا يضحك، فيضحك مجاملة بدون وجود ما يضحك! والمجاملة لا تكون على حساب دين الله ، ولا على حساب قسوة القلب، فالمطلوب من المسلم أن يضحك إذا رأى ما يضحك، أما من غير شيء فلا. قال النبي ﷺ : (ولا تكثر الضحك)، ولم يقل النبي ﷺ : لا تضحك؛ لأن هذا شيء عسير على الإنسان الالتزام به، فالدين عظيم وجميل وفيه ما يطيقه الإنسان ويتحمله، والإكثار من التبسم لا مانع منه لكن لا ينبغي للإنسان أن يكثر من الضحك. فالإنسان حتى يقبل على الله يحتاج إلى أن يتذكر ويتفكر، والضاحك لا يتفكر في شيء إلا في النكت التي يسمعها، أما أن يتفكر في خلق السماوات وخلق الأرض، وفي خلق الإنسان، ويتفكر في نعم الله عليه فلا؛ لأن هذه الأشياء التي يتفكر فيها تمنعه أن يضحك، ولو أن الإنسان يتفكر في نعم الله في مطعمه ومشربه وملبسه، وأعظم من ذلك كله أن يتفكر في نعمة الهداية، فكثير من الناس حرموا هذه النعمة، فلو تفكر في ذلك لما وجد مكاناً ولا وقتاً يضحك ويقهقه فيه، إن ضحك الإنسان يبعده عن أن يتفكر في آلاء الله وفي نعم الله وفي خلق الله سبحانه ﵎، ولذلك قال النبي ﷺ : (لا تكثر الضحك)، لأن كثرة الضحك تميت القلب.

стр. 687

الأمر بالسكينة والوقار في الذهاب إلى الصلاة يقول الإمام النووي ﵀: باب: الندب إلى إتيان الصلاة والعلم ونحوهما من العبادات بالسكينة والوقار. فالكلام هنا عن صفة تكون فيمن يأتي الصلاة، وفيمن يذهب لطلب العلم، وإلا فالصلاة فريضة لابد وأن يصليها المسلم، لكن المندوب أن يأتيها وعليه السكينة والوقار؛ لأنه مقبل على الله سبحانه، فقد أخرجه الله من بيته وأنعم عليه بأن هداه إلى أداء الصلاة دون باقي الناس الذين يجلسون في الطرقات، فليتفكر في هذه النعمة التي أنعم الله بها عليه دون غيره، وكيف أن الله كتب له وهو ذاهب إلى المسجد بكل خطوة حسنة والأخرى تكفر سيئة، وهذه نعمة من نعم الله . أيضاً: إذا دخل في الصلاة تتساقط بعض الذنوب، فإذا ركع تساقطت بعض الذنوب، فإذا سجد تساقطت بعض الذنوب كذلك حتى يخرج من الصلاة ولا ذنب عليه. أما إذا خرج من بيته ضاحكاً لاهياً فلن يتفكر في هذه النعم، وإذا دخل في الصلاة فمشغول في الدنيا وهكذا دخل في الصلاة وخرج منها من غير ما تفكر. وفرق بين من يدخل في الصلاة وهو يخاف من الله ، وهو يؤمل أن يخرج منها نظيفاً من الذنوب طاهراً من العيوب ليس عليه دنس من بقايا الذنوب، فهذا إنسان له فضل عند الله سبحانه، فالله يتفضل عليه ويعطيه، وبين إنسان آخر يأتي وعقله مشغول فإذا دخل في الصلاة سرح عنها. فعلى المسلم أن يستعد للصلاة من البيت فيتوضأ فيحسن الوضوء؛ لأنه إذا أسبغ الوضوء تمحى عنه الذنوب، فإذا غسل وجهه ويديه ورجليه تساقطت الذنوب مع الماء الذي ينزل من أعضائه. وفي الحديث: (الصلاة إلى الصلاة كفارة لما بينهما ما اجتنبت الكبائر)، فإذا دخل الإنسان في هذه الصلاة بهذه الصورة ثم خرج منها فلينو ألا يعود إلى الذنوب، قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت:٤٥]. فهذه الصلاة بهذه الكيفية تنهاه عن التفكير في الذنوب والمعاصي، وتدفعه إلى طاعة الله، وإلى أن يحب بيت الله، فيكون من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، نسأل الله أن يجعلنا منهم. فإذا أتى الإنسان إلى الصلاة أو ذهب ليطلب العلم في المسجد فليمش وعليه السكينة والوقار، حياء من الملائكة التي تحفه بأجنحتها وتتواضع وتستغفر له، وسوف تحفه إذا جلس في حلقة العلم، قال تعالى عن الملائكة: ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ [الشورى:٥]، قائلين: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ [غافر:٧]، يا ربنا هؤلاء جاءوا إلى بيتك فاغفر لهم. فالذي يخرج لطلب العلم الشرعي ينبغي عليه أن يكون متواضعاً مقبلاً على الله ، وليتذكر حديث النبي ﷺ : (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة)، فلعله في هذا الطريق يجد فيها من يزاحمه ويتعرض له، لكنه لا يأبه لذلك؛ لأن الله سيسهل له به طريقاً إلى الجنة. فطريق الدنيا ممتلئ بالصعوبات والعقبات، والذي يطلب العلم لا بد أن يصبر ويستسهل طريقه فيه؛ لأنه دين رب العالمين، وإذا لم يتعلمه فمن سيتعلمه؟ لأستسهلن الصعب أو أدرك المنى فما انقادت الآمال إلا لصابر وسوف يكون الجزاء من جنس العمل، فالله سيقبل عليه ويذلل له العقبات التي في طريق الجنة، ففي يوم القيامة سيسهل له المرور على الصراط فيمر إلى الجنة، وكما أنه سهل له في الدنيا طريق العلم فسوف يسهل له في الآخرة طريق الجنة، والمحروم من حرمه الله سبحانه ﵎. فعلى من يخرج إلى المسجد للصلاة أو طلب العلم أن يتفكر في هذه الأمور كلها، حتى يمشي بسكينة ووقار، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:٣٢]، والشعائر جمع شعيرة، وشعائر الله: دين الله سبحانه، والمعنى: يعظم الشريعة ويعظم الكتاب والسنة، ويعظم العلم الشرعي الذي به يعرف كيف يتقرب إلى الله ، فإذا عظم هذه الشعائر كان ذلك دليلاً على تقوى قلبه، ((فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ)). جاء في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون وأتوها وأنتم تمشون وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا)، فهذا الحديث يعلمنا كيف نصلي، وكيف نأتي إلى بيت الله سبحانه، فلا تنشغل حتى تفوتك الصلاة ثم تذهب وتجري إلى المسجد، وإنما استعد قبل ذلك، ولا تأت الصلاة جرياً. قال ﷺ : (إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون)، عندما تخرج من بيتك إلى الصلاة فلتكن هيئتك هيئة الإنسان المصلي عليك الوقار والسكينة. ولا تجري إلى الصلاة إذا سمعت الإقامة، سواء كنت في الطريق أو في المسجد، ولكن امش إليها؛ لأنك في صلاة، والصلاة ينافيها الجري. وقوله ﷺ : (وعليكم بالسكينة) أي: الوقار والهدوء، والطمأنينة. وقوله: (فما أدركتم من الصلاة مع الإمام فصلوا) أي: ما تدركونه مع الإمام صلوه، وقوله: (وما فاتكم فأتموا) أي: وما فاتكم من الصلاة فافعلوها ولكم أجر نيتكم في المجيء إلى بيت الله سبحانه. وزاد مسلم في رواية: (فإن أحدكم إذا كان يعمد إلى الصلاة فهو في صلاة)، وهذا فضل عظيم من الله علينا، فمن حين يخرج الإنسان من البيت فهو في صلاة، هذا إذا اجتنب الحدث وكان على وضوء. وعن ابن عباس ﵄: (أنه دفع مع النبي ﷺ يوم عرفة) فيوم عرفة خرج النبي ﷺ عند غروب الشمس من عرفة متوجهاً إلى المزدلفة، وهذا هو الدفع، قال: (فسمع النبي ﷺ وراءه زجراً شديداً وضرباً للإبل) أي: رأى الناس يضربون ويشدون ويحثون الإبل على الجري؛ من أجل أن يذهبوا إلى المزدلفة، (فأشار إليهم بسوطه -وهي عصاه التي يوجه بها الناقة- وقال: أيها الناس! عليكم بالسكينة، فإن البر ليس بالإيضاع) يعني: اسكنوا واهدءوا؛ لأنه كانت عادت الأعراب في الجاهلية عندما يمشون يضجون ضجة كبيرة لكي تجري الإبل، فيعلق فيها أجراس، أو شيئاً له صوت عال، فالنبي ﷺ منعهم من ذلك وقال: (أيها الناس عليكم بالسكينة) يعني: الزموا السكينة، (فإن البر ليس بالإيضاع)، والبر أن تبر في عملك، والحج المبرور ليس بالإيضاع، أي: الجري فالبر ليس بالجري، كأن تجري للصلاة أو تجري متوجهاً من عرفة إلى مزدلفة، إنما البر أن تتق الله ، ولا تزاحم الناس. وعن أسامة ﵁ حجة النبي ﷺ كما في الحديث الذي رواه مسلم وغيره قال: (إن النبي ﷺ خرج من المزدلفة متوجهاً إلى منى، فسألوه كيف كان يسير؟ قال: كان يسير العنق) أي: معنقاً، يعني: على مهله ﷺ ، (فإذا وجد فجوة نص) أي: فإذا لقي مكاناً خالياً نص أي أسرع صلوات الله وسلامه عليه فيه، فكان يسير العنق مع الزحمة، وإذا لم تكن هناك زحمة أسرع صلوات الله وسلامه عليه. فالغرض أن الإنسان إذا مشى في طريقه متوجهاً إلى بيت الله، أو متوجهاً إلى طلب العلم، أو متوجهاً إلى حاجة من حوائجه يسير كما يسير عباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً، حتى لو أسرعوا في مشيهم بسبب حاجة من حوائجهم فإسراعهم فيه الهدوء والسكينة، إلا أن يكون الإسراع إلى الصلاة فلا يجوز لا خارج المسجد ولا داخله، فيكره ذلك ويمنع منه، وليلزم الهدوء والسكينة، ويتفكر في نعم الله عليه. نسأل الله أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 688

شرح رياض الصالحين - إكرام الضيف واستحباب التبشير والتهنئة بالخير إن الإنسان بطبعه ميال إلى من يدخل الأنس والسرور إلى قلبه، ويتجه بالمحبة إلى من يصنع معه ذلك، ولذا راعى الإسلام في تشريعه هذا الجانب النفسي في الآدميين فشرع لأتباعه فعل ما يحببهم إلى الآخرين وما يدخلون به البهجة والسرور إلى قلوب الناس، ومن ذلك تشريعه إكرام الضيف عند نزوله على إخوانه، واستحبابه البشارة بالخير في أمور الدنيا والآخرة.

стр. 689

إكرام الضيف

стр. 690

إكرام إبراهيم ﵇ للضيوف قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: باب: إكرام الضيف. قال الله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنكَرُونَ * فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ * فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ﴾ [الذاريات:٢٤ - ٢٧]. وقال تعالى: ﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ [هود:٧٨]. وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من كان يؤمن بالله واليوم والآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه، ومن كان يؤمن بالله واليوم فليقل خيراً أو ليصمت) متفق عليه. هذا باب آخر من كتاب رياض الصالحين يذكر فيه الإمام النووي ﵀ إكرام الضيف. يقول: باب: إكرام الضيف. وقد علمنا الله كيف يكون إكرام الضيف بما ذكر من آيات، وما جاء في سنة النبي ﷺ من أحاديث ومن أفعال. فمن الآيات قول الله : ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [الذاريات:٢٤]. و (ضيف): اسم جنس، ولذلك يطلق على المفرد وعلى الجمع، ويجوز أن تقول: ضيوف، ويجوز أن تقول: أضياف. فإذا أردت الجنس قلت: (ضيف) كما قال الله هنا. وهنا المراد الجمع؛ لأنه وصفهم بأنهم مكرمون، حيث قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ [الذاريات:-٢٤ - ٢٥]، فهم ضيوف كرام كرمهم الله ، وهم من الملائكة على الحقيقة. دخلوا على إبراهيم ﵇: ﴿فَقَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنكَرُونَ﴾ [الذاريات:٢٥] فسلموا عليه ﵊، فرد السلام وقال: (قَوْمٌ مُنكَرُونَ) يعني: أنتم قوم غرباء، منكرون لا نعرفكم، وإذا كنتم غرباء فإنكم تستحقون علينا أن نضيفكم. قال تعالى: ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [الذاريات:٢٦] أي: فأسرع إلى أهله ﵊، ﴿فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ [الذاريات:٢٦]، وفي الآية الأخرى قال: ﴿بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ [هود:٦٩]. وهنا قال تعالى: (فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ) أي: كبير وسمين، ليس هزيلاً صغيراً ضعيفاً، والعجل: ولد البقرة، يعني: لم يحضر بقرة كبيرة لحمها يتقطع ولا يؤكل، بل جاء بعجل، والعجل: الصغير في السن، وهو كبير في الحجم، ولذلك وصفه بأنه سمين، فانتقى للضيوف أطيب ما عنده ﵊. وفي الآية الأخرى: ﴿بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ [هود:٦٩] أي: ذبح العجل وشواه على النار، وجاء به لهؤلاء الأضياف، وقد كانوا ثلاثة. لقد ذبح عجلاً سميناً لثلاثة من الضيوف، وشوى لهم العجل وقربه إليهم، ولما قربه إليهم إذا بهم لا يأكلون، أي: كانوا جالسين معه، لكن لا يمدون أيديهم، ﴿فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ [الذاريات:٢٨] أي: خاف منهم، قال لهم: ﴿أَلا تَأْكُلُونَ﴾ [الذاريات:٢٧] وعندما يأتي إنسان غريب ويدخل بيتك فتقدم له طعامه ويرفض أن يأكل فإنك تتوجس منه الشر، فما دام أنه لا يريد أن يأكل الطعام فهذا معناه أنه ينوي الشر. قال تعالى: ﴿فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ [الذاريات:٢٨] فطمأنوه فقالوا: ﴿لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود:٧٠] وبذلك عرف إبراهيم ﵇ أن هؤلاء ملائكة من عند الله سبحانه، ولكن قام بما وجب عليه ﵊، ولذلك فإن كرمه العظيم في الضيافة أضفى عليه لقب أبي الضيفان، أو أبي الضيوف؛ لأنه لا ينزل عليه ضيف إلا ويذبح له ويكرمه أعظم الكرم صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 691

خبر لوط ﵇ مع ضيوفه ثم إن هؤلاء الضيفان بأعينهم خرجوا من عند إبراهيم وتوجهوا إلى قرى قوم لوط، ولما أخبر بنات لوط أباهن أنهن رأين رجالاً غاية في الجمال، ويُخشى عليهم من قومه، خرج إليهم وأخذهم وخبأهم في بيته، لأنه يخاف عليهم من قومه أهل النجاسة، وأهل الوقوع فيما حرم الله سبحانه. فلما عرف قومه من امرأته أن عنده ضيوفاً أتوا إليه وقالوا: ﴿أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ * قَالَ هَؤُلاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ [الحجر:٧٠ - ٧١] يعني: عندكم البنات، والنبي أب لبنات قومه وأب لرجالهم، كما قال النبي ﷺ لأصحابه: (إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم)، فكل نبي أب لقومه ووالد لهم، فقوله: (هَؤُلاءِ بَنَاتِي) يعني أن بنات قومه نساء كثيرات، فتزوجوا، وما الذي يجعلكم تفعلون هذه الفاحشة وهذه المصيبة العظيمة؟! قال الله : ﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي﴾ [هود:٧٨]. فالمقصود هنا من إكرام الضيف الدفاع عنه، لأن المضيف لا يسلم الضيف، ولا يؤذي الضيف، ويمنع عنه من يؤذيه، فهؤلاء لم يكونوا قادمين نازلين عليه، وما قالوا له: نحن ضيوف عندك، بل خاف عليهم لكونهم مروا بالقرية؛ لئلا يؤذيهم أهل هذه القرية، لذلك أخذهم واستضافهم في بيته، مع أنه يرى نفسه وحيداً، ويرى نفسه لا جيش معه يحميه، وسيدنا إبراهيم ﵊ كان يقدر على أن يجمع من يقوم معه ويدافع، وأما لوط ﵊ فإنه استشعر أنه ضعيف وأنه في بلده وحيد، ولم يكن له أولاد ذكور، بل كان أولاده بناتاً، فلذلك قال الكلمة التي تعجب لها النبي ﷺ ، قال تعالى عنه: ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود:٨٠] كل هذا من أجل حماية الضيوف، حتى لا يتمكن منهم هؤلاء المجرمون. فالغرض هنا بيان ذكر الله إكرام الضيف من فعل إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، ومن فعل لوط عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.

стр. 692

شرح حديث: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه) عن أبي هريرة في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه) فعلامة الإيمان أن المؤمن يكرم الضيف، والإيمان يزيد وينقص، يزيد بطاعة الله ، وينقص بمعصية الله سبحانه. فمن خصال الإيمان التي يقوى بها إيمان الإنسان: إكرام الضيف، فعندما ينزل عليه ضيوف لا يتأذى بضيوفه، ولكن يفرح بمجيء الضيوف، ويكرم الضيوف بحسب ما يسر الله لهذا الإنسان. والإنسان الكريم لا يتركه الله أبداً، وكلما كان كريماً مع الخلق فإن الله تعالى يكرمه ويعطيه، والبيت الذي يأكل فيه الضيوف ويكثر أصحابه من الصدقة إذا كان أصحابه فقراء يكرمهم الله تعالى ويشعرهم بالغنى، وإنك قد تجد الإنسان فقيراً ينزل عليه الضيف فيفرح بذلك الضيف الذي عنده، ويتكلف للضيف ويطعمه ويسقيه ويكرمه حتى يخرج من عنده، فهذا الإنسان الكريم إيمانه قوي، وهذا الإكرام للضيف دليل على قوة الإيمان؛ لقوله ﷺ : (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه). ثم قال ﷺ : (ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه) وصلة الرحم هي أن يزور الإنسان أرحامه ولا يقطعهم، فيزور أباه، ويزور أمه، ويزور أخاه، ويزور أخته، وعمه، وخالته، وأبناء أعمامه، وأبناء أخواله وهكذا. وقد جعل الله عباده شعوباً وقبائل للتعارف، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات:١٣]، فالإنسان المؤمن يحب أن يعرف المؤمنين، وأن يصاحبهم، فيرى الخير في ذلك، فإنهم ينفعونه في دينه، وينفعونه في دنياه، وينفعونه في أخراه. ولذلك جاء في حديث النبي ﷺ : (لا تصاحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلا تقي)، فيمشي الإنسان المؤمن مصاحباً إنساناً مؤمناً آخر, فينتفع به في الدين والدنيا. وقال: (لا يأكل طعامك إلا تقي)، فالضيف الذي أنزله في بيتي لا بد أن يكون إنساناً تقياً، لا إنساناً شرساً غبياً، ولا إنساناً فاجراً شقياً، فالمؤمن يصاحب التقي الذي ينتفع به. فالتقي إذا نزل عندك في بيتك فقدمت له ما وجدت، فأكل وحمد الله ، ولم يستقل ما قدمته، بل يستكثره، ويخرج من عندك وهو يمدحك ويشكرك، ويكن لك الجميل، ويقول لك: أكلنا مع بعضنا العيش والملح، ولا يقول: أكلنا كذا وكذا، وأقل شيء تقدمه له يرتاح له، ويشكرك على ذلك. وأما الإنسان السيئ الشرير الشرس في أخلاقه الفاجر فإنه يدخل بيت الإنسان فيطلع على عوراته، ويأكل فلا يعجبه طعامه، فإذا خرج من عنده ذمه وقدح فيه، ويقول: رأيت كذا ورأيت كذا، وبيته فيه كذا، وبيته ينقصه كذا. فمثل هذا لا تصحبه، ولا تدعه إلى بيتك. قال ﷺ : (ومن كان يؤمن بالله واليوم فليقل خيراً أو ليصمت)، قوله: (أو ليصمت) معناه: يسكت، فإما أن تتكلم بخير، وإما أن تسكت، فراقب كلامك دائماً، فإن كان في خير فقل الخير ولا تمل الناس، وإذا كان الكلام في شر فكف لسانك وروض نفسك على ألا تتكلم في كل ما تشتهي، واللحظات تمضي والعمر يمضي ويفوت، فمن قال: أنا لا أستطيع أن أمسك لساني، نقول له: جرب ذلك، فأمسك لسانك عندما تجد أنك تتكلم وأنك تذم وتشتم وتغتاب، وقل للسانك: اسكت قليلاً. ولتمض هذه الساعة، وبعد ذلك فكر، فإذا مرت ساعة وراء ساعة فإنك في الأخير سوف تنسى؛ لأن الزمن يمضي والإنسان نسّاء، فإذا اعتدت على ذلك تعود لسانك على أن لا يتكلم كل وقت في كل شيء، فما كان من خير فقله، وما كان من شر فاسكت عنه، واعلم أن الشر يؤذيك في الدنيا وفي الدين، ويوم القيامة ينطق عليك لسانك شاهداً عليك بما قلته وبما آذيت به غيرك، ولذلك فإن المؤمن يخطم نفسه ويكتم لسانه، ويسكت إلا في الخير، فينطق بغير أن يمل من الخير.

стр. 693

بيان جائزة الضيف ومدة إكرامه من الأحاديث حديث لـ خويلد بن عمرو الخزاعي وكنيته أبو شريح ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته) وكأن كلمة: (فليكرم) هنا ضمنت معنى: (يعطي) ولذلك نصبت مفعولين، فكأن الأصل: فليعط ضيفه جائزته، والأصل أن (يكرم) تنصب مفعولاً، فلما ضمنها هذا المعنى نصبت مفعولاً آخر، كأنه يقول لك: أعط الضيف على وجه الإكرام جائزته، وكأن كلمة (الجائزة) معناها ما يجازى به الإنسان. قال: (قالوا: وما جائزته يا رسول الله؟ قال: يومه وليلته، والضيافة ثلاثة أيام)، فكأن الجائزة للضيف أن تتكلف له يوماً واحداً وليلة، خاصة إذا كان غريباً آتياً من مكان بعيد ونزل عندك ضيفاً، وإذا كان في مكان ليس فيه فنادق، وليس فيه محلات للأطعمة، فإما أن تطعمه وإما أن يبيت في الشارع، فدليل إيمانك بالله واليوم الآخر أن تكرم هذا الضيف الذي نزل بك. والواجب الذي عليك في هذه الحالة هو إكرامه يوماً وليلة، والمستحب ثلاثة أيام ولياليهن، فما كان وراء ذلك فهو صدقة عليه، وكأن ذلك إشارة للضيف ألا تثقل، فهل تريد أن تكون مثل السائل الذي يسأل فيُتصدق عليك في هذه الأيام؟ فإذا نزلت على إنسان فإنه يكفيك يوم وليلة، وإذا زاد ذلك فثلاثة أيام ولياليهن، وما زاد على ذلك فمعناه أنك تستجدي منه، فتطلب منه أن يعطيك صدقة فوق الثلاثة الأيام، فلا تحرج الذي نزلت عنده. وجاء في رواية في صحيح مسلم: (لا يحل لمسلم أن يقيم عند أخيه حتى يؤثمه)، فهذا مسلم أتى إليه ضيف، فأطعمه وسقاه، وأحضر له الأشياء الغالية، فأعجبه ذلك فمكث في البيت، وفي اليوم الثاني لم يرحل، وفي الثالث لم يرحل، فالنبي ﷺ يقول: لا يحل لك أن تؤثمه. قيل: وكيف يؤثمه؟ قال: (يقيم عنده ولا شيء له يقريه به)، إذاً: فهو ينزل على إنسان ضيفاً، ويعلم أنه مسكين وذو عيال، وقد يكون طعامه على مقدار عياله، ثم يظل عنده قاعداً لا يرحل، فيحرج أهل البيت ولا شيء عندهم يقدمونه لهذا الضيف. وقد ذكر لنا بعض إخواننا أنه نزل عليه أناس من أقاربه قادمون من الصعيد، ولم يكن لديه شيء، وكان يقدم لهم العدس الذي يملكه ولا يعجبهم، فقالوا: كل يوم تقدمون لنا عدساً، قدموا لنا شيئاً آخر! فهؤلاء ضيوف لئام؛ إذ من لؤم الطبع أن ينزل إنسان ضيفاً ويعترض على صاحب البيت في نحو ذلك. فالإنسان يجود بالشيء الموجود عنده ولا يتكلف، وقد يتكلف في اليوم الأول، وهذا يمدح عليه، أما أكثر من ذلك فلا، وعلى الضيف أن يأكل من طعام البيت، ولا يحل للضيف أن يثوي عند إنسان حتى يؤثمه. وقد ينزل ضيف على شخص وهو يعرف أن بيته مكون من غرفتين، أو من ثلاث غرف تسعه وأولاده، فأين سيذهب بأولاده، وأين سيذهب بزوجته إذا كنت ستنزل عنده؟ وإذا كان المرء في مدينة وفيها فنادق، والضيف غني له مال، فإنه لا يجب عليك مع هذا الحال أن تضيفه، فلا يلزمك أن تقول له: تعال فبت عندي وبيتك على قدرك، وطعامك وشرابك قليل. بل أطعم الضيف بما جاد الله عليك به، ولينصرف هو فليبت في أي مكان، أما الوجوب - كما قال كثير من الفقهاء - فإنه يكون فيما إذا نزل الضيف على أهل قرية ليس فيها فنادق، وليس فيها طعام يباع، وهو فقير ليس له شيء، وإذا كان هذا حاله فإنه سيقضي الليل في الشارع فهذا الإنسان يلزمك أن تضيفه، وكان في عهد النبي ﷺ الأمر على ذلك، حيث لا فنادق، ولا مطاعم ونحوها، فالذي ينزل على الناس إما أن يضيف، وإما أنه لا يجد مكاناً ينزل فيه، والذين كانوا ينزلون على النبي ﷺ كان ينزلهم في المسجد، وأما بيته ﷺ فهو غرفة لكل امرأة من نسائه ﵊، فكان ينزل أضيافه في المسجد، أو ينظر في مَن يضيف النازلين به من أصحابه، ويعده بالأجر عند الله، فيضيفه من يشاء الله من أصحاب النبي صلوات الله وسلامه عليه. فالغرض أن الإنسان إذا نزل ضيفاً على إنسان فلينظر في حاله، فلا يحل له أن يقيم عنده حتى يؤثم صاحب المكان، وقد فسر النبي ﷺ سبب التأثيم بقوله: (يقيم عنده ولا شيء له يقريه به) والقرى هو طعام الضيف.

стр. 694

البشارة بالخير والتهنئة أورد الإمام النووي رحمه الله تعالى: باب استحباب التبشير والتهنئة بالخير، واستحباب التبشير يعني: أن يحب المسلم لأخيه الخير، فإذا وجد شيئاً يسر به أخوه المسلم يسبق إليه ويقول له: حصل كذا. فلو أن شخصاً دخل الامتحان وظهرت النتائج وعرفنا أنه نجح فإنه يستحب للواحد منا أن يسبق إليه قائلاً: أبشرك بأنك نجحت اليوم. فإنه بذلك يفرح ويستبشر بوجودك وبكلامك. فالمراد هنا البشارة بالخير، والإنسان يفرح عندما يقول له شخص: جزاك الله خيراً؛ حيث فعلت الشيء الفلاني. أو: أهنئك بكذا. فإذا جاء العيد فهنأته به، أو جاءته مناسبة من المناسبات السعيدة - كأن ولد له مولود - فإنه يفرح عندما يحس أن الناس بجواره يهنئونه على ذلك، فالدين جاء ليحثنا على ذلك، فهنئ أخاك إذا حصل له ما يسره.

стр. 695

البشارة في القرآن الكريم يقول الله لنبيه ﷺ : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب:٤٥]، فالنبي ﷺ شاهد على الأمة، ومبشر يبشر بالخير الذي عند الله سبحانه ﵎، فالبشارة: الإخبار بالخير، وقد تكون البشارة بغير ذلك، أي: قد تكون البشارة الإخبار بغير الخير، ولكن إذا جاءت البشارة مع النذارة فتكون البشارة خاصة بالخير والنذارة بغير ذلك. وقد قال تعالى هنا: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر:١٧ - ١٨]، فالمؤمن الصالح الصادق يستمع وينفذ، ويسارع إلى الخيرات، والله تعالى يبشر عباده بجزائهم عند الله ، فيقول: ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [التوبة:٢١ - ٢٢]، فالله يبشر الصالحين. وقال سبحانه: ﴿وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت:٣٠]. وقال سبحانه: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات:١٠١]. وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى﴾ [هود:٦٩]، وهؤلاء الرسل هم الرسل الثلاثة الذين أكرمهم إبراهيم، فردوا له ذلك الكرم بكرم آخر، وهو البشارة له على نبينا وعليه الصلاة والسلام. قال تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود:٧١] فهو ﵇ جاء لهم بالطعام، وامرأته كانت تخدمهم وهي قائمة، فهم أهل بيت كرماء، فبشر امرأة إبراهيم بأنه سيأتي لك إسحاق، وإسحاق سيأتيه من ولده يعقوب أيضاً، فهذه بشارة من الله ذكرها لنا في القرآن. وقال سبحانه: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾ [آل عمران:٣٩]، فسيدنا زكريا على نبينا وعليه الصلاة والسلام لما دعا ربه فقال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [آل عمران:٣٨] قال تعالى: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾ [آل عمران:٣٩] فجاءت البشارة من عند رب العالمين . وكذلك جاءت البشارة لمريم ﵍، كما في قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [آل عمران:٤٥] هذه بشارة.

стр. 696

تبشير خديجة ﵂ بصفة بيتها في الجنة عن عبد الله بن أبي أوفى ﵁: (أن رسول الله ﷺ بشر خديجة ﵂ ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب)، فقد جاء جبريل إلى النبي ﷺ يطلب منه أن يبشر خديجة لأجل ما صنعت في الإسلام رضي الله ﵎ عنها وأرضاها، فقد فعلت مع النبي ﷺ الأفعال العظيمة الجليلة الكريمة التي تليق بها رضي الله ﵎ عنها. فقد كانت له زوجاً، وكانت له صلوات الله وسلامه عليه كالأم في برها وحنانها وإنفاقها عليه وإكرامها له ﷺ ، وكان يستشيرها فتشير عليه بأفضل الآراء رضي الله ﵎ عنها. فهنا جاء جبريل يقول للنبي ﷺ : بشر خديجة ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب. وهذا البيت هو قصر في الجنة من قصب، وليس المراد القصب الذي في الدنيا، بل القصب هو اللؤلؤ، أي: قصر من لؤلؤ في الجنة، لا صخب فيه ولا نصب؛ إذ الإنسان في الدنيا يزعجه الصخب والنصب، فقد تكون جالساً في بيتك فتسمع أحداً يطرق الباب فتنزعج ولا تستطيع النوم، وقد تسمع صخباً وصراخاً وأصواتاً فلا تستطيع أن تنام ولا أن تستريح، أما الجنة فإنها راحة على الدوام، ولا تحتاج فيها إلى النوم أصلاً، فليس في الجنة نوم، بل فيها الراحة والنعيم المقيم. فبشرها جبريل ﵇ ببيت من لؤلؤ في الجنة لا صخب فيه، أي: لا أحد يصرخ ويؤذيها فيه، ولا نصب، وكأنها عانت الكثير من كفار قريش، فالسيدة خديجة لم تهاجر مع النبي ﷺ ، بل ماتت في مكة في سنوات الإيذاء، واشتد أذى الكفار على النبي ﷺ بعد موتها وموت أبي طالب؛ فالاثنان ماتا في عام واحد، ولذلك سمي ذلك العام عام الحزن. فـ خديجة ﵂ وأرضاها سمعت كثيراً مما صنعه الكفار بالنبي ﷺ من إيذاء ومن تكذيب، وسمعت صراخهم على النبي ﷺ ، وأقوالهم الكاذبة عليه، فربنا ﵎ بشرها بأنها ستستريح من هذا كله، حيث ستدخل الجنة في قصر من لؤلؤ لا صخب فيه، أي: لا أذى من أصوات الناس، ولا نصب، أي: لا تعب في الجنة.

стр. 697

تبشير النبي ﷺ أبا بكر وعمر وعثمان بالجنة من الأحاديث في البشارة حديث لـ أبي موسى الأشعري رضي الله ﵎ عنه (أنه توضأ في بيته، ثم خرج فقال: لألزمن رسول الله ﷺ ولأكونن معه يومي هذا) يريد أن يتقرب إلى الله بخدمة النبي ﷺ ، (فجاء المسجد فسأل عن النبي ﷺ فقالوا: وجه هاهنا - أي: توجه إلى ذلك المكان - قال: فخرجت على أثره أسأل عنه ﵊، حتى دخل بئر أريس - بئر في المدينة - فجلست عند الباب حتى قضى رسول الله ﷺ حاجته وتوضأ، فقمت إليه فإذا هو قد جلس على بئر أريس) وكأنه كان في يوم حار، فأراد ﷺ أن يتبرد بجلوسه على البئر، قال: (وتوسط قفها وكشف عن ساقيه ودلاهما في البئر، فسلمت عليه ثم انصرفت)، وذلك لأنه لم يأت ليجلس مع النبي ﷺ ، بل جاء ليخدمه، فاشتغل ذلك اليوم بباب المكان، حيث جلس فيه يتشرف بخدمة النبي صلوات الله وسلامه عليه، يقول: (فجلست عند الباب فقلت: لأكونن بواب النبي ﷺ اليوم)، وهذه المهنة يراها الإنسان حقيرة إذا كانت لأحد غيره ﷺ ، أما للنبي ﷺ فإنها شيء عظيم جداً، حيث يكون خادماً للنبي صلوات الله وسلامه عليه. قال: (فجاء أبو بكر ﵁ فدفع الباب، فقلت: من هذا؟ فقال: أبو بكر. فقلت: على رسلك) أي: أنا اليوم بواب، فلا تدخل حتى أستأذن لك أولاً، قال: (فقلت: يا رسول الله! هذا أبو بكر يستأذن. فقال: ائذن له وبشره بالجنة) فالله بشر النبي ﷺ بذلك، لأن أبا بكر هو الرجل العظيم ﵁، وأعماله في الإسلام مشهورة ومعلومة، وفضائله جمة كثيرة رضي الله ﵎ عنه، قال: (ائذن له وبشره بالجنة، قال: فأقبلت حتى قلت لـ أبي بكر: ادخل ورسول الله ﷺ يبشرك بالجنة. فدخل أبو بكر حتى جلس عن يمين النبي ﷺ معه في القف) يعني: أنه جلس على طرف البئر، ودلىَّ رجليه في البئر كما صنع رسول الله ﷺ . قال: (ثم رجعت وجلست، وقد تركت أخي يتوضأ ويلحقني) أي: أن أبا موسى الأشعري ترك أخاه يتوضأ وكان يتمنى أن يأتي لعل النبي ﷺ يبشره أيضاً بالجنة، قال: (فقلت: إن يرد الله بفلان - يريد أخاه - خيراً يأت به. فإذا إنسان يحرك الباب، فقلت: من هذا؟ فقال: عمر بن الخطاب، فقلت: على رسلك. ثم جئت إلى رسول الله ﷺ فسلمت عليه وقلت: هذا عمر يستأذنك. فقال: ائذن له وبشره بالجنة. قال: فجئت عمر فقلت: ادخل ويبشرك رسول الله ﷺ بالجنة. فدخل فجلس مع رسول الله ﷺ في القف عن يساره، ودلىَّ رجليه في البئر، قال: ثم رجعت، فجلست، فقلت: إن يرد الله بفلان خيراً - يعني: أخاه - يأت به، فجاء إنسان فحرك الباب، فقلت: من هذا؟ فقال: عثمان بن عفان، قال: فقلت: على رسلك. وجئت النبي ﷺ فأخبرته، فقال: ائذن له وبشره بالجنة مع بلوى تصيبه. فجئته فقلت: ادخل، ويبشرك رسول الله ﷺ بالجنة مع بلوى تصيبك. فدخل فوجد القف قد ملئ، فجلس وجاههم من الشق الآخر) يعني: أن المكان الذي جلس فيه النبي ﷺ لم يتسع لغير النبي ﷺ وأبي بكر وعمر، فلما دخل عثمان جلس في الناحية الثانية من البئر كما جلس النبي ﷺ . يقول: سعيد بن المسيب راوي الحديث: فأولتها قبورهم وذلك لأن النبي ﷺ جلس وبجانبه أبو بكر وعمر، بينما قعد عثمان في الناحية الأخرى، فلذلك دفن عثمان في غير المكان الذي دفن فيه النبي ﷺ ، وأبو بكر وعمر. والغرض من الحديث بيان أن الله أمر النبي ﷺ أن يبشر من شاء سبحانه، فبشرهم النبي ﷺ بما قاله له ربه .

стр. 698

تبشير النبي ﷺ بدخول الجنة من استيقن بكلمة التوحيد من أمته من الأحاديث في البشارة حديث لـ أبي هريرة ﵁ قال: (كنا قعوداً حول رسول الله ﷺ ، ومعنا أبو بكر وعمر ﵄ في نفر، فقام رسول الله ﷺ من بين أظهرنا، فأبطأ علينا وخشينا أن يقتطع دوننا وفزعنا فقمنا). فانظر إلى مدى حب الصحابة للنبي ﷺ ، فقد كان جالساً معهم، فقام ليقضي حاجته، فلما تأخر عنهم فزعوا. قال: (فكنت أول من فزع) أي: أول من قام يبحث عن النبي ﷺ ، قال: (فخرجت أبتغي رسول الله ﷺ حتى أتيت حائطاً للأنصار لبني النجار، فدرت هل أجد له باباً فلم أجد). وذلك لأن الإنسان عندما يكون في وقت أزمة وفي وقت ضيق يذهب تفكيره، ويمكن ألاَّ يرى الشيء وهو موجود، فـ أبو هريرة رضي الله تعالى عنه دار على الحائط، والحائط هو الحديقة، والحديقة لها سور حولها وليس من المتصور أن يكون هناك سور ليس له باب، ولكن أبا هريرة مع شدة فزعه وبحثه عن النبي ﷺ دار حول الحديقة، فلم ير لهذه الحديقة باباً. قال: (فإذا ربيع يدخل في جوف حائط من بئر خارجة). والربيع: الجدول، أي أن البئر كان يخرج منها جدول ماء يدخل إلى الحائط. قال: (فاحتفزت فدخلت على رسول الله ﷺ . ومن الضرورة أن يكون الحائط له باب دخل منه النبي ﷺ ويدخل منه أصحاب الحائط، ولكن مع شدة فزع أبي هريرة لم يجد هذا الباب، ولم ير هذا الباب، فدخل من المدخل الذي يدخل منه الجدول. قال: (فقال رسول الله ﷺ : أبو هريرة؟ فقلت: نعم يا رسول الله. قال: ما شأنك؟ قال: قلت: كنت بين أظهرنا فقمت فأبطأت علينا فخشينا أن تقتطع دوننا، ففزعنا فكنت أول من فزع، فأتيت هذا الحائط فاحتفزت كما يحتفز الثعلب) يعني: لم أر له باباً، فدخلت من ثقب يدخل منه الجدول، قال: (وهؤلاء الناس ورائي) أي: أن الناس قادمون كلهم فزعين يبحثون عنك قال: (فقال النبي ﷺ : يا أبا هريرة! اذهب بنعلي هاتين، فمن لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقناً بها قلبه فبشره بالجنة). فأمره النبي ﷺ بأن يأخذ النعلين لتكونا علامة على أن الذي بعثه إليهم هو النبي ﷺ . فلما خرج أبو هريرة رضي الله تعالى عنه وجد أمامه عمر رضي الله ﵎ عنه، فقال: إلى أين يا أبا هريرة؟ قال: قال لي رسول الله ﷺ كذا وكذا. فقال: ارجع إلى النبي ﷺ . قال: ودفعني دفعة وقعت منها، فرجع إلى النبي ﷺ يبكي، فقال له النبي ﷺ : ما شأنك؟ فذكر ما فعله عمر، وكان عمر على أثره ﵁، فقال ﷺ : (يا عمر! ما حملك على ما فعلت؟ قال: يا رسول الله بأبي أنت وأمي، أبعثت أبا هريرة بنعليك من لقي يشهد أن لا إله إلا اله مستيقناً بها قلبه يبشره بالجنة؟ قال: نعم. قال: فلا تفعل؛ فإني أخشى أن يتكل الناس عليها، فخلهم يعملون، قال رسول الله ﷺ : فخلهم). أي: صحيح أنك تحبهم وهم يحبونك، ولكن إذا بشرتهم بهذا فسوف يتكلون على ما قلت، وسيتركون الصلاة والصوم والعبادة، فقال رسول الله ﷺ : (فلا إذاً). فحبه ﷺ لهم جعله يأمر أبا هريرة بأن يبشرهم، ولكن حرصه عليهم جعله يستمع لمشورة عمر رضي الله ﵎ عنه في ذلك. وهنا بيان الشورى، فـ عمر أشار على النبي ﷺ بشيء فيه رأي، وكان هذا الرأي من عمر رضي الله ﵎ عنه خوفاً وحرصاً على الصحابة، ولكن مع حرص عمر، ومع أن النبي ﷺ قال: (فلا إذاً) وصل إلينا هذا الخبر، وعرفنا ما قاله، ولكن عرفناه مقروناً بقوله: (يتكلوا)، فالإنسان قد يغتر فيقول: أنا أقول: (لا إله إلا الله)، فأنا داخل الجنة، فيتكل فيكون من أهل النار في النهاية والعياذ بالله، فليحذر الإنسان من أن يغتر بكونه على الإسلام وأنه يقول: (لا إله إلا الله) فيترك العمل فيقع في معصية الله، فيكون من أهل النار.

стр. 699

استحباب تبشير المحتضر برحمة الله تعالى وتذكيره بصالح عمله ومن الأحاديث في البشارة ما ذكره ابن شماسة قال: حضرنا عمرو بن العاص ﵁ وهو في سياقة الموت، وعمرو بن العاص رضي الله ﵎ عنه كان من الأذكياء ومن الفطناء في الجاهلية وفي الإسلام. ولولا ذكاؤه ما أرسله الكفار إلى النجاشي ليأتي بالمسلمين المهاجرين هنالك، وقد كاد للمسلمين كيداً حتى إن عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة الذي كان معه خشي عليهم، وقال: إن بيننا وبينهم أرحاماً، فالشر الذي غلب عليه في الجاهلية جعله يريد أن يوقع بين النجاشي وبين المسلمين، وكاد يفعل، لولا أن الله سبحانه ﵎ منع حصول ذلك بإيمان النجاشي أما البطارقة فرفضوا ما يقوله المسلمون، وذلك أن عمرواً قال: هؤلاء يقولون: إن عيسى ليس الإله. فابعث إليهم واسألهم. فلما أتى بهم وسألهم خاف المسلمون، ومع خوفهم لم يقولوا إلا الحق، فقالوا: المسيح عيسى بن مريم عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم البتول. فقالوا كما قال الله وقال النبي ﷺ ، فصدقهم النجاشي، ونخرت البطارقة، ولم يعجبهم ذلك، فقال: وإن نخرتم، هو عيسى بن مريم كما قال هؤلاء، وإن هؤلاء على الحق. ثم رجع عمرو بن العاص، وبعد سنين مَنَّ الله عليه فأسلم، وبعدما أسلم شهد له النبي ﷺ ولأخيه بالإيمان فقال: (عمرو بن العاص وأخوه مؤمنان)، وبعد موت النبي ﷺ تولى إمارات، وكان أميراً رضي الله ﵎ عنه، ثم بعد ذلك جاءته الوفاة، فلما حضرته الوفاة بكى طويلاً، وحول وجهه إلى الجدار، فجعل ابنه يقول: يا أبتاه! أما بشرك رسول الله ﷺ بكذا، أما بشرك رسول الله ﷺ بكذا. فهنا يستحب إذا كان الإنسان في سياقة الموت أن يبشره من حوله، حتى يقدم على ربه وهو يحسن الظن به . فـ عبد الله بن عمرو بن العاص كان يبشر أباه بقوله: أليس النبي ﷺ بشرك بكذا، وبشرك بكذا. قال: فأقبل بوجهه، فقال: إن أفضل ما نعد شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله. أي: أفضل شيء أعددناه لهذا اليوم كلمة التوحيد، والشهادة لله بأنه الإله وحده. ثم قال: إني قد كنت على أطباق ثلاث يذكر عن نفسه أن أحواله كانت ثلاثة أحوال: قال: لقد رأيتني وما أحد أشد بغضاً لرسول الله ﷺ مني - يعني: في الجاهلية -، ولا شيء أحب إلي من أن أكون قد استمكنت منه فقتلته، فانظر إليه في الجاهلية! كان يتمنى أن يقتل النبي ﷺ ، قال: فلو مت على تلك الحال لكنت من أهل النار، فلما جعل الله الإسلام في قلبي أتيت النبي ﷺ فقلت: ابسط يمينك فلأبايعك. فبسط يمينه، فقبضت يدي، فقال: ما لك يا عمرو؟ قال: قلت: أردت أن أشترط قال: تشترط ماذا؟ قال: قلت: أن يغفر لي أي: إني عملت مصائب من قبل، فشرطي لأبايعك على الإسلام أن يغفر الله تعالى لي، فقال النبي ﷺ : (أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله)، وهنا فرح بذلك وبايع النبي ﷺ . قال: وما كان أحد أحب إلي من رسول الله ﷺ ، ولا أجل في عيني منه، وما كنت أطيق أن أملأ عيني من إجلاله. فانظر إلى حب النبي ﷺ في قلوبهم، وإجلال النبي ﷺ ! فكان لا يستطيع النظر في وجه النبي ﷺ ، ولم يكن يطيق هذا الشيء، وهو من هو رضي الله ﵎ عنه في جاهليته وإسلامه؟ قال: فلو سئلت أن أصفه ما أطقت. أي: لو أن أحداً قال: صف لي النبي ﷺ فإني لا أطيق أن أصفه ﷺ ؛ وذلك من شدة حيائه وإجلاله له، فما كان يطيل النظر في وجهه ﵊. قال: لأني لم أكن أملأ عيني منه، ولو مت على تلك الحال لرجوت أن أكون من أهل الجنة. إذاً: ما الذي حصل؟ قال: ثم ولينا أشياء - يعني الإمارة ومفاسدها - ما أدري ما حالي فيها! أي: عملنا أشياء ونحن أمراء اجتهاداً، وظننا ذلك الصواب، فقد يكون هو الصواب وقد لا يكون هو الصواب، والآن جاء وقت الندم، فما أدري ما حالي فيها. قال: فإذا أنا مت فلا تصحبني نائحة ولا نار، فإذا دفنتموني فشنوا علي التراب شناً، ثم أقيموا حول قبري قدر ما تنحر جزور يعني: لا تتركوني وتذهبوا بسرعة، ولكن اصبروا، وقفوا عند القبر وادعوا لي قدر ما تنحر جزور، ويقسم لحمها، أي: بمقدار ذبحكم جملاً وتقسيمكم لحمه، قال: حتى أستأنس بكم، وأنظر ما أراجع به رسل ربي. ومن السنة أن الإنسان يقف على قبر المتوفى زمناً قل أو كثر يدعو فيه لهذا المتوفى، ويكون الدعاء في السر، لا كما يصنع اليوم عند المقابر، حيث تجد أحدهم يدعو والناس يؤمنون حوله؛ إذ لم يكن النبي ﷺ يفعل ذلك، وإنما كان يقوم النبي ﷺ على القبر ويقول: (سلوا لأخيكم التثبيت؛ فإنه الآن يُسأل)، ولو كان يدعو والصحابة يؤمنون لورد عنه أنه كان يقول: اللهم ثبته وهم يقولون: آمين. ولكن هذا لم يرد. والغرض من الحديث بيان أن المؤمن يحب البشارة وتعجبه، ولو عند الوفاة، فهي تثبته وتطمئنه. نسأل الله أن يجعلنا من عباده المحسنين. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل - اللهم - وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 700

شرح رياض الصالحين - وداع المسافر والدعاء له وطلب الدعاء منه إن من السنة توديع المسافر، والدعاء له، وطلب الدعاء منه؛ لأن السفر من مواطن قبول الدعاء، كما أن المسافر محتاج للوصية والدعاء من غيره، والسفر قد يكون من بلد إلى بلد، وقد يكون من دار الدنيا إلى دار الآخرة.

стр. 701

وصايا الأنبياء عند وداعهم وسفرهم إلى الآخرة الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. أما بعد: قال الإمام النووي ﵀: باب وداع الصاحب ووصيته عند فراقه لسفر وغيره والدعاء له وطلب الدعاء منه. قال الله تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣٢ - ١٣٣]. وعن زيد بن أرقم ﵁ قال: (قام رسول الله ﷺ فينا خطيباً فحمد الله وأثنى عليه ووعظ وذكر ثم قال: أما بعد ألا أيها الناس إنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به، فحث على كتاب الله ورغب فيه ثم قال: وأهل بيتي أذكركم، الله في أهل بيتي) رواه مسلم. إن الإنسان إذا كان مسافراً أو مفارقاً الفرقة الكبرى فرقة الموت فإنه يودع ويوصي، فيدعو للمسافر ويطلب من المسافر أنه يدعو له. والوصية من الدين وكذلك النصيحة، فالإنسان يوصي أهله بتقوى الله ، ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى:١٣]. لقد شرع لنا ربنا هذا الدين الذي وصى به نوحاً على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وأولي العزم من الرسل، وصاهم بهذا الدين، ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ﴾ [الشورى:١٣] أي: أقيموا دين الله في أنفسكم وبين الناس وفي مجتمعكم، وكونوا مجتمعين على أمر الله ولا تختلفوا ولا تتفرقوا.

стр. 702

وصية إبراهيم ويعقوب لأبنائهما قول الله ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾ [البقرة:١٣٢]، وصى بها أي: بكلمة التوحيد فإنه وصاهم بأن يديموا إقامة دين رب العالمين وشرعته ومنهاجه ، قال: ﴿يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ﴾ [البقرة:١٣٢] أي: اختار لكم دين الإسلام، فهو نعمة عظيمة وهدية من الله ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣٢]. ودين الإسلام هو دين الرسل جميعهم عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، فقد اختار الله للخلق هذا الدين العظيم (الإسلام)، اختار لهم أن يسلموا وجوههم وأن يسلموا قلوبهم وأبدانهم لله ليحكم فيهم بما يشاء فقال: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]، وأخبر أنه دين الرسل عليهم الصلاة والسلام، وأنهم كانوا يوصون أبناءهم به: ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣٢]. ووصى بها إبراهيم بنيه، ووصى بها يعقوب الذي هو: أبو يوسف على نبينا ﵊ وصاهم أن يموتوا على هذا الدين العظيم، ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ﴾ [البقرة:١٣٢ - ١٣٣]، غيعقوب أبو يوسف الذي لقبه إسرائيل، لما حضرته الوفاة: ﴿قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي﴾ [البقرة:١٣٣]، وأبناؤه فيهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فجمع أبناءه وأحفاده وأوصاهم بتقوى الله سبحانه، وسألهم: من الذي ستعبدونه من بعدي؟ إنكم كنتم تعبدون الله وحده لا شريك له، فهل ستتمسكون بهذا الدين أم تتركون هذا الدين؟ وهو يعلم الجواب ﴿ قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ﴾ [البقرة:١٣٣]، الإله الواحد سبحانه، ﴿وَإِلَهَ آبَائِكَ﴾ [البقرة:١٣٣]، الذين هم: إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلهاً واحد لا نشرك به شيئاً سبحانه، ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣٣]. فهذه الوصية ينبغي لكل مسلم أن يوصي بها نفسه وأن يوصي بها أهله وبنيه وغيرهم بأن يديموا عبادتهم لله سبحانه وأن تأتيهم الوفاة وهم متمسكون بهذا الدين. وإذا أردت أن تأتيك الوفاة وأنت على هذا الدين فتمسك به من الآن؛ لأنك لا تدري متى تأتيك الوفاة، فالمسلم مستحضر أنه ربما يموت الآن أو بعد قليل، فيكون متمسكاً بالدين لا يتركه أبداً إلى الموت.

стр. 703

وصية النبي بكتاب الله وأهل بيته ومن الأحاديث ما رواه زيد بن أرقم قال: (قام فينا رسول الله ﷺ خطيباً فحمد الله وأثنى عليه ووعظ وذكر)، وكانت خطب النبي ﷺ كلها مواعظ، فقد كان يعظ المؤمنين ويذكرهم بالله ويعلمهم. ثم قال: (أما بعد ألا أيها الناس إنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب)، وهذا فيه التذكير بالموت، وقد قال له ربه سبحانه: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠]، وقال له وللمؤمنين: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٤]. فأخبر عن نبيه ﷺ أنه ميت كما أنهم ميتون، وأخبرهم النبي ﷺ أنكم تزعمون أني آخركم موتاً بل سأموت قبلكم ﵊، ومات قبلهم صلوات الله وسلامه عليه، وهذه من معجزاته ﵊ أن يخبر بأمر غيبي أخبره به الله فكان على ما أخبر به ﵊. وطالما أنه ميت ﵊ فكان يوصيهم بذلك، وكان من المواعظ ما يذكره أصحابه رضوان الله عليهم فقد قالوا: وعظنا رسول الله ﷺ موعظة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب، (قلنا: يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا). فالصحابة كانوا يفهمون من مواعظ النبي ﷺ أنه قد اقترب أجله ﵊ فكان يعظهم ويذكرهم ﵊، إني مفارق لكم فاحذروا أن تفرطوا واحذروا أن تضيعوا قد تركت فيكم الثقلين، قال: (إنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين، كتاب الله وأوصيكم بأهل بيتي)، وكتاب الله يأمر بطاعة النبي ﷺ والعمل بسنته ﵊، فهو وصى بالشريعة التي هي: كتاب وسنة، وأيضاً: وصى بأهل بيته، أي: لا تظلموهم ولا تبخسوهم حقوقهم، فلعل الناس يجاملونه في حياته ﷺ ، فإذا توفي نسي الناس أهل بيته وأزواجه ﷺ ، فيذكرهم أن يتقوا الله فيهم. فعرف الصحابة قدرهم وعرفوا قدر نساء النبي ﷺ ، فكانوا يذهبون إلى نساء النبي ﷺ ويتعلمون منهن ما كان من سنة النبي ﷺ في بيته وغير ذلك من أحكام هذه الشريعة. فالنبي ﷺ وصى بالقرآن يعني: بشرع الله الذي هو: كتاب وسنة، ووصى الناس بأهل بيته ألا يظلموهم، قال ﷺ : (كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به)، فحث على كتاب الله ورغب فيه ثم قال: (وأهل بيتي) يعني: أذكركم بأهل بيتي فلا تظلموا أهل بيتي، والغرض من الحديث أنه وصى صلوات الله وسلامه عليه الناس بكتاب الله وبأهل بيته ﵊.

стр. 704

وصية النبي لمالك بن الحويرث وأصحابه عن مالك بن الحويرث ﵁ قال: (أتينا رسول الله ﷺ ونحن شببة متقاربون فأقمنا عنده عشرين ليلة قال: وكان رسول ﷺ رحيماً رفيقاً فظن أنا قد اشتقنا إلى أهلنا!)، والنبي ﷺ كما ذكره الله ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨]، وهو أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وكل إنسان يحافظ على نفسه، والنبي ﷺ أكثر محافظة عليكم منكم على أنفسكم فهو: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨]، ﵊. ونجد هذا في وصاياه وتأديبه لأصحابه رضوان الله ﵎ عليهم، فقد كانوا يبايعون النبي ﷺ على السمع والطاعة وعلى أثرة علينا وأن لا ننازع الأمر أهله، فيقول لهم: (قولوا: ما استطعنا)، فيأخذ عليهم البيعة وهو أرحم بهم من أنفسهم فيقول: (قولوا: ما استطعنا) أي: لعلكم لا تقدرون على بعض هذه الأشياء فيكون لكم عذر عند الله . وهنا كذلك فإن مالك بن الحويرث ومعه أقارب له قدموا على النبي ﷺ وهم شببة متقاربون، أي: شباب قد تركوا أهلهم وتركوا بلادهم وقدموا على النبي ﷺ ليتعلموا منه، ومكثوا عنده عشرين ليلة، فلما أقاموا عنده كان رسول الله ﷺ رحيماً رفيقاً خلقه الرحمة والرفق، قال: فظن أنا قد اشتقنا إلى أهلنا أي: فظن ﷺ أنهم يريدون الرجوع؛ لذلك لم يتركهم حتى يقولوا: نريد أن نرجع، ولكن رحمة النبي ﷺ جعلته هو الذي بدأ فسألهم عمن تركوا وراءهم، فكأنه يذكرهم ارجعوا إلى أهليكم يكفيكم ما قد تعلمتم، وهذا من رحمته ﷺ بهؤلاء وبغيرهم. قال: فأخبرناه فقال: (ارجعوا إلى أهليكم)، أي: الذي تعلمتموه هنا اذهبوا وعلموه أهليكم؛ ليكون لكم الثواب في ذلك، قال ﷺ : (ارجعوا إلى أهليكم فأقيموا فيهم وعلموهم وأمروهم، وصلوا صلاة كذا!) في حين كذا! وربما أنه ظن أنهم غير متقنين لمواقيت الصلاة فعلمهم صلاة كذا! في حين كذا! وصلاة كذا في حين كذا، قال: (وصلوا كذا في حين كذا فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم). يجوز (وليؤُّمكم أكبركم) ويجوز (وليؤَّمكم أكبركم) والأولى أوجه في اللغة لأن أصلها من أممه ففيها ميمان يأمم والجازم وقع على الثانية والأولى ما زالت مرفوعة فلذلك حركتها أولى بالبقاء هنا، فإن قيل: لماذا يؤمهم أكبرهم والمعروف أنه يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله؟ لماذا لم يقل: يؤمكم أعلمكم بكتاب الله وبسنة النبي ﷺ ؟ الجواب لا يصح هذا في هذه الحالة؛ لأنهم مكثوا عشرين يوماً مع النبي ﷺ ولو حفظوا سيحفظ جميعهم مثل بعض، ولم يحاول أن يحفظ أحدهم أكثر من الثاني، فلم يبق تفاضل بينهم إلا بالسن، فطالما أنهم كلهم ذهبوا إلى النبي ﷺ في وقت واحد وأخذوا العلم وحفظوا من القرآن خلال عشرين ليلة مثل بعض فلم يبق إلا (وليؤمكم أكبرهم)، وهذا لا يعارض ما جاء في أحاديث أخرى عنه ﷺ قال: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإذا كانوا فيها سواء فأقدمهم هجرة). فيقدم الأحفظ لكتاب الله ثم الأعلم والأفقه بدين رب العالمين ثم الأقدم هجرة والأكبر سناً، لكن إذا لم يوجد إلا خيار واحد بأن يكونوا متساويين في القرآن والسنة والهجرة لم يبق إلا بالسن، قال: (وصلوا مثلما رأيتموني أصلي)، والغرض هنا بيان وصية النبي ﷺ . ومن سنة النبي ﷺ التوديع للمسافر وقد وصاهم حين ودعهم وأمرهم أن يرجعوا إلى أهليهم بالصلاة وهي آخر ما وصى به النبي ﷺ في حياته وقبل وفاته ﷺ فإن آخر ما سمعوا منه: (الصلاة وما ملكت أيمانكم) أي: الزموا الصلاة، واحرصوا على الصلاة، لا تتركوا الصلاة، (الصلاة وما ملكت أيمانكم)، وملك اليمين هم: العبيد أي: احذروا أن تفرطوا في حق العبيد فإن الله يقتص لهم يوم القيامة.

стр. 705

مشروعية طلب الدعاء من المسافر روى الإمام الترمذي من حديث عمر بن الخطاب ﵁ بإسناد فيه ضعف قال: (استأذنت النبي ﷺ في العمرة فأذن وقال: لا تنسنا يا أُخيّ من دعائك، قال عمر: فقال كلمة ما يسرني أن لي بها الدنيا)، في رواية قال: (أشركنا يا أخي في دعائك) يا أُخيَّ تصغير يا أخي، قال الترمذي: حسن صحيح، وفي إسناده عاصم بن عبد الله العمري، قال الحافظ ابن حجر: ضعيف، فإسناد هذا الحديث ضعيف، لكن يجوز للإنسان إذا كان يودع إنساناً مسافراً أن يطلب منه الدعاء لقول النبي ﷺ : (ثلاث دعوات مستجابات: دعوة المسافر، ودعوة الصائم، ودعوة الوالد على ولده أو لولده)، ومن هذا الباب نقول للمسافر: لا تنسنا من دعائك.
следующие страницы →