← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 36997

شرح رياض الصالحين - حطيبة

أحمد حطيبة

Полный текст (1 057 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

تحريم الحرير في الآخرة على من لبسه في الدنيا في الحديث عن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تلبسوا الحرير؛ فإنه من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة)، فمن يلبس الحرير من الرجال ليتزين به في الدنيا فلن يحل له يوم القيامة، ولن يدخل الجنة التي فيها الحلي والحرير. كذلك الذهب مثل الحرير قال: (إنما يلبس الحرير من لا خلاق له) الخلاق: بمعنى: النصيب والحظ، والمعنى: أن هذا لا حظ له في الجنة، ومحروم من دخولها الذي يلبس الحرير في الدنيا، أو يجلس على الحرير، أو يتكئ على الحرير، كله واحد ممنوع منه.

стр. 807

استواء لبس الحرير بالجلوس عليه والاستناد إليه في الحرمة قال الإمام النووي ﵀: [تحريم لباس الحرير على الرجال، وتحريم جلوسهم عليه، واستنادهم إليه]، مثل: كرسي أو مكتب مكسو من حرير، الشنطة يكسوها من حرير، وسادته التي يتكئ عليها تكون من حرير. هذا حرام كله، فنهانا النبي ﷺ عن لبس الحرير، وقال: (هذان حرام -الذهب والحرير- على ذكور أمتي)، هذا حرام بأي منفعة من المنافع، فمن لبس الحرير ونام به، أو افترشه أو تغطى به، أو اتكأ عليه، فهو ممنوع عليه أن يصنع ذلك إلا بالقدر الذي أباحه النبي ﷺ ، وهو شيء لا يكون مثله لباساً، وإنما قد يكون زينة بشيء، كما جاء أنه أباح قدر الأصبعين أو ثلاثة أو أربعة، قد يكون في الثوب الذي يلبسه الرجل شيء من الحرير في الخيوط، ولكن ليس كله، ولا نصفه بل الشيء القليل الذي هو كنسبة الأصبع والاثنتين والثلاث والأربع إلى باقي الثوب، فإذا كان شيئاً يسيراً لا يذكر ولا يقال: إن فلاناً يلبس حريراً، جاز هذا الشيء بمثل هذا القدر، أما ما زاد على ذلك فقد منع منه النبي ﷺ . إذاً: يلبس الحرير في الدنيا من الرجال من لا خلاق له في الآخرة، يعني: من لا نصيب له في الآخرة، وليس له حظ في الجنة، وإنما حظه في النار والعياذ بالله. كذلك في حديث علي بن أبي طالب قال: (رأيت رسول الله ﷺ أخذ حريراً فجعله في يمينه، وذهباً فجعله في شماله، ثم قال: إن هذين حرام على ذكور أمتي) وهذا الحديث صحيح، ذكر الإمام النووي أنه رواه أبو داود بإسناد حسن، وصححه الشيخ الألباني في صحيح أبي داود. الحديث فيه: أن النبي ﷺ قال: (إن هذين -الذهب والحرير- حرام على ذكور أمتي)، فدل الحديث على أنهما حل للإناث. وفي حديث لـ أبي موسى الأشعري رواه الترمذي وقال: حسن صحيح قال: (حرم لباس الحرير والذهب على ذكور أمتي، وأحل لإناثهم) هذا الحديث الصحيح نص أن الحرير والذهب حل للإناث حرام على الذكور. إذاً: المرأة لها أن تلبس الحرير والذهب، والرجل يحرم عليه لبس الحرير والذهب. وعن حذيفة ﵁ قال: (نهانا النبي ﷺ أن نشرب في آنية والذهب والفضة، وأن نأكل فيها، وعن لبس الحرير والديباج، وأن نجلس عليه). الجلوس أو الاتكاء على الحرير أو الديباج -وهو نوع من أنواع الحرير- لا يجوز، سواء تبطن به أو تجعله ظاهراً على الفرش مثلاً ونحو ذلك، فلا يجوز لك أن تلبس أو تجلس على الحرير، ولا أن تلبس الذهب، ولا أن تستعمله في أكل أو شرب ونحو ذلك.

стр. 808

ما جاء من الرخصة في لبس الحرير للرجال قد يرخص ما حرمه الله لسبب ما، ولكن الرخصة لا تأخذ حكم الإنسان في حالته العادية، ولكن الرخصة تقدر بقدرها، والعزيمة أنه يحرم عليك أن تلبس الذهب أو الحرير. قال النووي: [باب جواز لبس الحرير لمن به حكة]، والحكة: المرض الجلدي، مأخوذ من الاحتكاك، وغالباً ما يطلق على مرض الجرب. هذا الشيء الوحيد الذي ممكن أن يلبسه ويكون خفيفاً على الجلد، ولا يسخن جلد الإنسان، وكانوا في عهد النبي ﷺ الدواء صعب لمن عنده جرب، فرخص النبي ﷺ مع هذه الضرورة في لبس الحرير. في الصحيحين عن أنس ﵁ قال: (رخص رسول الله ﷺ للزبير وعبد الرحمن بن عوف ﵄ في لبس الحرير لحكة بهما) يعني: الله ابتلاه بهذا المرض الجلدي، والصوف والقطن لا يناسبهما، فالنبي ﷺ رخص لهما في لبس الحرير. هذا ما جاء في باب الرخصة، ولا يؤخذ به في عموم الأحوال، ولكن يؤخذ به في وقت الاحتياج فقط. كذلك الذهب يرخص فيه لاستبدال عضو من الأعضاء كعظم من العظام كالمفاصل ونحوها، ولذلك جاء في حديث عرفجة أنه قطعت أنفه في يوم كلاب -حرب من الحروب الجاهلية- فاتخذ أنفاً من فضة فأنتنت عليه، يعني: كأن عظام أنفه اقتطعت أو أنفه كلها قطعت، فوضعوا له فضة بدلاً عنها فأنتنت عليه وما نفعته، فاستبدلها بذهب وأقره النبي ﷺ على ذلك. ففيه أنه قد يستخدم الذهب في عظم الإنسان يستبدل به إذا كان يصلح في ذلك كمفصل ونحوه، أو كالأسنان، وكان الصحابة يشدون أسنانهم بالذهب رضي الله ﵎ عنهم، ويرون أن هذا من باب التطبب، وأنهم يحتاجون إلى ذلك طباً، فهذا جائز ولا شيء فيه، أما من يلبسه على وجه الزينة فهو غير جائز. إذاً: منعنا النبي ﷺ من الذهب والحرير للرجال، كما أنه نهى ﷺ عن جلود السباع، وقد اختلف الفقهاء فيما يطهر منها، فذهبوا إلى أن المأكول من بهيمة الأنعام يجوز أنك إذا ذبحتها أن تأخذ جلدها وتدبغه وتلبسه وتفترشه. وإذا ماتت بهيمة الأنعام فأيضاً الجمهور على الجواز، لما جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (هلا أخذتم إيهابها فدبغتموه. فقالوا: إنما هي ميتة، قال: إنما حرم لحمها). إذاً: جلود الأنعام التي ماتت كالبعير والبقرة والغنمة يجوز أن تؤخذ وتسلخ وتدبغ وينتفع بها، لكن إذا كانت سباعاً فهذا غير جائز، لعله إذا ذبحه يأتي أناس يأكلوه، فيستحلون ما حرم الله ، فمنعنا ابتداءً من ذلك، لا جلد السبع وهو مذبوح ولا وهو غير مذبوح. وهل جلد السبع نجس أم لا؟ لا شك أنه إذا كان ميتة أو مأخوذ منه سواء ذبح أم لم يذبح فهو نجس، ولكن قد يدخل في عموم حديث النبي ﷺ : (أيما إيهاب دبغ فقد طهر)، ففرق بين أنه دبغ وطهر، وبين أن يأخذه الإنسان فيستعمله، هذا الذي منع منه النبي صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 809

النهي عن افتراش جلود السباع النمار: هي جلود النمر، وقس عليه غيره كجلد السبع الأسد والكلب وغيره من الجلود، فإذا دبغت فلا يجوز للمسلم أن يجلس عليها، أو أن يركب عليها. ففي حديث معاوية الذي رواه الإمام أبو داود بإسناد حسن، قال النبي ﷺ : (لا تركبوا الخز ولا النمار) الخز: الصوف أو الوبر المختلط بالحرير، يعني: مثل شعر البعير أو الأرانب ونحوه فلا شيء فيه وهو جائز، ولكن كأنه غالب في حالهم أنهم كانوا يخلطونه بالحرير، فنهى النبي ﷺ عن ذلك إذا كان الخز مخلوطاً بالحرير، بحيث يظهر أنه كله حرير، أو أنه واضح الحرير الذي فيه، فهذا ممنوع منه. وفي حديث أبي المليح: (أن رسول الله ﷺ نهى عن جلود السباع)، ليس النمر فقط بل كل السباع، ويطلق السبع على كل من عدا بنابه وقتل به وعقر، مثل الكلب والأسد والنمر وكل شيء من السباع الذي يأكل الحيوان ويعقر بنابه، هذا سبع فنهانا النبي ﷺ عن افتراش جلودها. وفي النهي عن علة أكلها يقول العلماء: إن أكل هذه الأشياء تجعل الإنسان يتطبع بطبيعته ويصبح مثل الوحش يأكل لحوم الأسد أو النمر، أو الكلاب، وتصير أخلاق الإنسان مثله، ولذلك ترى الأسد في حديقة الحيوان عندما توضع له قطعة اللحم يأكلها وكأنه يفترس فريسة! فهذه طبيعة فيه، كذلك الذي يأكل من لحومها يصير كهيئتها في الطبيعة الوحشية، فيأكل اللحوم ولا يهتم، في النهاية ممكن يأكل الإنسان لحم البشر ولا يهتم لذلك. فلذلك قال من يتكلم عن هذه الأشياء من العلماء: إن أكل لحوم هذه الوحوش تعطي الإنسان طبيعة الوحش نفسه، فلا يمنع أن يكون استخدام جلود هذه الأشياء يطبع الإنسان بهذه الطبيعة التي عليها، فنهانا النبي ﷺ أن نفترش جلود النمار، أو جلود السباع.

стр. 810

ما يقوله من لبس ثوباً جديداً يقول الإمام النووي ﵀: [باب ما يقول إذا لبس ثوباً جديداً أو نعلاً أو نحوه]. عندما ينعم الله على العبد بنعمة من نعمه سبحانه ويكسوه ثوباً أو حذاءه ماذا يقول العبد؟ روى أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن، وصححه الشيخ الألباني، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ إذا استجد ثوباً) إذا لبس ثوباً جديداً ﷺ (سماه باسمه) هذا قميص هذه عمامة هذا نعل (سماه باسمه -عمامة أو قميصاً أو رداء- يقول: اللهم لك الحمد أنت كسوتنيه)، ولعله سماه باسمه هنا في قوله: كسوتنيه يعني: يقول: اللهم لك الحمد أنت كسوتني هذا القميص، أنت كسوتني هذا الرداء، أنت كسوتني هذا الإزار، فيسميه باسمه: (أسألك خيره وخير ما صنع له)، هذا الدعاء الطيب الجميل من النبي ﷺ يعلم المؤمن أن يشكر نعمة الله سبحانه ﵎، ولا يحتقر نعمة الله عليه، فيشكر الله بخصوص هذه النعمة التي أنعمت عليه، أعطيتني هذا القميص، هذا البنطلون، فتذكر الشيء باسمه وأن الله أنعم به عليك سبحانه ﵎. قال: (أسألك خيره) يعني: خير هذا الثوب، الثوب فيه خير وفيه شر، خير الثوب: أن تلبسه ويكون واسعاً عليك فضفاضاً يكسوك ويستر عورتك ويقيك الحر ويقيك البرد. هذا من خير الثوب. وشر الثوب: أن يكون على الإنسان ضيقاً، يدعو الإنسان للخيلاء فيستكبر على الخلق ويرى أنه أفضل منهم، وأنه أحسن منهم بهذا الثوب، أو بهذا النعل الذي لبسه. (أسألك خيره وخير ما صنع له) مصنوع لماذا؟ لأني ألبسه أتدفأ به أم أفتخر به على الناس؟ (وأعوذ بك من شره) شر الثوب ما فيه إذا كان ضيقاً أو يؤذيه أو لباس شهرة أو لباساً محرماً (وشر ما صنع له) أي: صنع من أجله للخيلاء والغرور أو للكيد للناس، أو لإظهار المفاتن والعورات، فيتعوذ بالله من شر ما صنع له هذا الثوب. فينبغي على المسلم إذا وهبه الله ورزقه رزقاً أن يحمد الله سبحانه ﵎ ويشكره، قال سبحانه: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم:٧]، ووعد من الله سبحانه ﵎ أنك كلما شكرت زادك الله سبحانه ولم يحرمك: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم:٧]، فإذا كفر العبد بالله سبحانه أو جحد النعمة نزعها منه، كمن يقال له: احمد الله وتذكر نعمه عليك، فيقول: لماذا فلان يلبس كذا؟ كأنه يستكثر نعمة الله سبحانه عليه؟ ولا يعرف الحق لصاحبه سبحانه ﵎، فهذا يجحد نعمة الله، ويستحق عذاب الله، لذلك مهما أنعم الله عليك من نعمة، قد رأيتها في الماضي كبيرة أو صغيرة كل نعم الله على عبده كبيرة، والعبد قد يعرف الفضل في هذا الشيء وقد لا يعرفه، ولكن الله يعلم سبحانه ﵎، فاشكر الله سبحانه واحمده على ما آتاك من نعمة، فبذلك تدوم عليك النعمة بحمدك وشكرك لله سبحانه، ويعطيك خيراً منها. نسأل الله من فضله ورحمته؛ فإنه لا يملك ذلك إلا هو. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم على محمد.

стр. 811

شرح رياض الصالحين - ما يقوله عند النوم شرع الله تعالى ورسوله للمؤمن أذكاراً معينة في حياته؛ ليكون دائم الذكر له سبحانه، وذلك كأذكار الصباح والمساء، وأذكار دخول المنزل والخروج منه، وغيرها، ومن جملة هذه الأذكار: أذكار النوم، فهي حصن حصين من الشيطان، وتجعل صاحبها في قرب من الله، وتواصل دائم معه، وللنوم آداب شرعية أخرى ينبغي الحرص عليها.

стр. 812

فضل أذكار النوم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين: قال الإمام النووي ﵀: [كتاب آداب النوم والاضطجاع. عن البراء بن عازب ﵄ قال: (كان رسول الله ﷺ إذا أوى إلى فراشه نام على شقه الأيمن، ثم قال: اللهم أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، ونبيك الذي أرسلت) رواه البخاري. وعنه قال: (قال لي رسول الله ﷺ : إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ثم اضطجع على شقك الأيمن وقل)، وذكر الحديث، وفيه: (واجعلهن آخر ما تقول) متفق عليه. وعن عائشة ﵂ قالت: (كان النبي ﷺ يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة فإذا طلع الفجر صلى ركعتين خفيفتين ثم اضطجع على شقه الأيمن حتى يجيء المؤذن فيؤذنه) متفق عليه]. كتاب آخر من كتب رياض الصالحين للإمام النووي ﵀ وفيه آداب النوم والاضطجاع، أي: ما ينبغي على المسلم إذا أراد أن ينام أن يصنع عند نومه. والنوم كما هو معروف هو الموتة الصغرى، قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر:٤٢] فالمسلم حين يضع جانبه على فراشه يتخيل أن تكون هذه آخر نومة ينامها، فيمكن أن يقبضه الله خلال هذا النوم، فيختم حياته ويختم يومه بذكر الله ، ويكون هذا آخر شيء كان عليه، فإذا توفي على ذلك مات على شيء عظيم من ذكر الله سبحانه، وخاصة إذا كان ختم بقراءة قل يا أيها الكافرون، فيموت على براءة من الكفر، فتبرأ من الكفر، وتبرأ من الشرك وأهله، فيموت على خير حال إذا كان يختم له بذلك.

стр. 813

وجوب التمسك بلفظ النبي في الأدعية المتعبد بها هناك الأحاديث الكثيرة التي جاءت عن النبي ﷺ في كيفية نومه ﵊ والأذكار التي كان يقولها وقت منامه. فهنا يقول: عن البراء بن عازب ﵄ قال: (كان رسول الله ﷺ إذا أوى إلى فراشه نام على شقه الأيمن ثم قال: اللهم أسلمت نفسي إليك)، وهذه رواية، وفي رواية أخرى أنه قال: (اللهم إني أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذين أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت). فأخذها البراء بن عازب من النبي ﷺ وحفظها وكان حفظهم عجيباً، فحفظهم كان حفظاً متقناً، فإنه سمع النبي ﷺ مرة فرددها بعد النبي ﷺ فحفظها، ويصعب علينا أن نسمع هذا الحديث مرة بل كذا مرة ونحفظه منها. فلما قالها النبي ﷺ أعادها أمام النبي ﷺ فقال الحديث: (اللهم إني أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت وبرسولك الذي أرسلت). قال هكذا البراء ﵁، فإذا بالنبي ﷺ يوقفه ويقول: (وبنبيك الذي أرسلت)، فهو بدل كلمة واحدة، ولعل في ظنه أن تبديل هذه الكلمة بما هو أحسن منها أمر حسن، فإن الرسول أعلى من النبي، فكل رسول لابد أن يكون نبياً ﵊، وليس كل نبي رسولاً، فالنبي نبئ من عند الله ، وأوحي إليه من الله والرسول كذلك، والرسول أطلعه الله على شيء مغيب لا يعرفه غيره، وكان معه للناس ما يتحداهم به من عند ربه ليثبت أنه نبي من عند الله سبحانه، فالنبي يدعو الناس إلى التوحيد، ويحكم بشرع من قبله، لكن إذا أوحي إليه برسالة وأمر أن يبلغها فهذا رسول. فكان البراء بدل لفظة بما هو أعلى منها في ظنه، فقال: (آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبرسولك الذي أرسلت)، فقال له النبي ﷺ : (وبنبيك الذي أرسلت)، يبين له أنه ما كان من أذكار يتعبد بها فليس لك أن تبدل مبانيها ولا معانيها ولا ألفاظها، وليس لك الترجيح فيها، فأي لفظ قاله النبي ﷺ على وجه التعبد عليك أن تقوله أنت أيضاً بلفظه. وهناك فرق بين قولك: (آمنت بنبيك الذي أرسلت)، وقولك: (برسولك الذي أرسلت). فإن قولك: برسولك الذي أرسلت تحصيل حاصل، لكن إذا قلت: بنبيك أعطيت وصفاً معيناً وهو وصف النبوة، فإذا قلت: الذي أرسلت زدت على الوصف وصفاً آخراً فكانت أجمل.

стр. 814

سنن النوم الحديث فيه أن النبي ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه نام على شقه الأيمن، وهذه سنة من السنن وهي أنك في بدء نومك تنام على شقك الأيمن، فإن كبد الإنسان في الشق الأيمن منه، والمعدة في الوسط ومائلة إلى الشق الأيسر. فإذا نام على جانبه الأيسر وخاصة إذا كان شابعاً يقوم الكبد والثقل يضغط على معدة الإنسان فلعله في أثناء النوم يتعبه ذلك، ويساعد على صعود العصارة المعدية إلى فمه وهو نائم؛ فلذلك تبدأ النوم على الشق الأيمن فهو أيسر عليك من أن تنام على شقك الأيسر. فهذا من السنن وليس من الفرائض. قال: ثم قال: (اللهم أسلمت نفسي إليك)، وفي الحديث الآخر أن النبي ﷺ قال للبراء: (إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة)، فعلمه سنة أخرى من السنن وهي أن تتوضأ كوضوئك للصلاة، ومعلوم أنه ليس هناك وضوء ثان غير وضوء الصلاة، ولكن كأن المعنى اللغوي عندهم من معاني الوضوء التنظف، أو غسل اليدين، فهنا حتى لا يشكل عليه ذلك ويظن أن المقصود التنظف أو غسل اليدين قال: (توضأ وضوءك للصلاة) يعني: كما تتوضأ للصلاة توضأ أيضاً حين تذهب للنوم. قال: (ثم اضطجع على شقك الأيمن) أي: عندما تنام ابدأ النوم على جانبك الأيمن، وقل هذا الذكر العظيم واجعله آخر ما تقول، حيث قال: (واجعلهن) أي: هذه الكلمات (آخر ما تقول). قال: ثم قل وذكر الحديث: (اللهم أسلمت)، أو تقول: (إني أسلمت)، فكله جائز. وقوله: (أسلمت نفسي إليك) أي: مسلماً نفسي لله سبحانه يحكم فيها بما يشاء، ويتحكم فيها بما يريد ، فأنا أسير مستسلم لك يا رب. وقوله: (ووجهت وجهي إليك). أي: أنا على دينك حيثما توجهت كما قال تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥] فإن كنت نائماً على شقك الأيمن سواء كان السرير في هذه الناحية إلى القبلة أو لم يكن، وإن كان الأفضل أن يكون إلى القبلة، فيكون وهو نائم متوجهاً إلى القبلة ولكن لم يلزم النبي ﷺ البراء بذلك. وقوله: (قل ذلك: وجهت وجهي إليك) أي: أتوجه إليك بعبادتي، في صلاتي ونسكي، ومحياي ومماتي، وقيامي ونومي، فأنا متوجه إلى الله ، عابد لله في كل أحوالي. وقوله: (وجهت وجهي إليك) أي: أن وجه الإنسان إلى الله سبحانه، والوجه أشرف ما في الإنسان، فإذا توجه الوجه صار البدن أيضاً متوجهاً إلى الله سبحانه، فمعنى: وجه الوجه، أي: انقاد بكليته إلى طريق الله . وقوله: (وفوضت أمري إليك) أي: أني أفوض الأمور إلى الله، فلا حول لي ولا قوة، ففيها التبرؤ من الحول والقوة، والاعتراف بالعجز والتقصير، وأن الذي يدبر أمري هو ربي ، فأفوض أمري إليه، وأتوكل عليه سبحانه، وأكل إليه جميع أموري، فهو الذي يدبرها وليس أنا، وإنما أنا آخذ بالأسباب والذي يدبر الأمر هو الله سبحانه، والذي يصرف الأمور هو الله سبحانه، والذي يقلب القلوب هو الله سبحانه. قوله: (وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك)، الإنسان يلجأ إلى الشيء؛ لأنه يجد من يهاجمه ويؤذيه فيحتاج إلى من يكون ظهيراً له. فكأنه يوجه ظهره إلى الله ، فهو ناصره، وهو يحميه ، فالإنسان في الحرب يقول لزميله: أنا سأتقدم وأنت احم ظهري، فأنت هنا وأنت نائم تقول: (ألجأت ظهري إلى الله)، ملجأي وملاذي ومعادي إلى الله . وقوله: (ألجأت ظهري إليك رغبة ورهبة إليك) أي: أن هذا الذي أفعله كله تحت هذين الصنفين: الرغبة والرهبة، فالأنبياء عليهم الصلاة والسلام كانوا يدعون ربهم رغباً ورهباً، رغبة فيما عند الله، ورهبة مما عند الله سبحانه، وكذا العبادة لا تقوم إلا على أن ترغب فيما عند الله فتطمع في جنته، وقد أمرت أن تسأل الله من فضله ورحمته فإنه لا يملكها إلا هو، وتستعيذ بالله من ناره وعذابه. فهنا رغبة طالب راغب فيما عند الله سبحانه من فضل، ورهبة راهب خائف مما عند الله من عذاب ومن نار، فقوله: (رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك) أي: أنا هنا توجهت إليك، وألجأت ظهري إليك، واستعذت بك، فأنت الذي تعصمني وتنصرني وتحميني، وأنا لا ملجأ لي إلا عندك. فملجأ الإنسان هو المكان الذي يلجأ إليه ليتعوذ به، وأنت ملجأك إلى الله ، ومنجاك أي: مهربك الذي تهرب وتفر إليه هو الله ، فهو الذي يحميك وينصرك سبحانه، فإذا أخطأ الإنسان أو أساء لم يذهب إلى ربه سبحانه، وكأنك تقول: إني وإن أخطأت أو أسأت أو قصرت ووقعت في المعاصي: (لا ملجأ لي ولا منجا منك إلا إليك)، وهذا مثل الحديث الآخر الذي جاء فيه: (أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك). فإذا تعوذت طلبت المعاذ والملاذ والملجأ والمهرب الذي تهرب إليه، ومن هذا الذي يعيذك من الله، وتلوذ به من الله ؟! لا أحد، ولكن معاذك الله سبحانه، فهو الذي يعيذك وينجيك، فتقول لله : (لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك) أي: أهرب من عذابك إلى رحمتك، وأهرب من نارك إلى جنتك، فالكل بيد الله سبحانه وهو الذي يدبر أمر الكون سبحانه. وقوله: (آمنت بكتابك الذي أنزلت). يعني: أنا مؤمن يا رب، وأنت كريم تعفو وتغفر، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء:٤٨] فكأنك تقول: أنا لست مشركاً، بل أنا مؤمن بك يا رب فاغفر لي، وكن ملجئي ومعاذي. وفيه الثقة بالله ، والعقيدة القوية في قلب المؤمن التي يعبر عنها بلسانه بقوله: آمنت بكتابك الذي أنزلته على نبيك من السماء، ونبيك الذي أرسلته إلينا، فقد صدقت وأيقنت وعلمت وتوجهت فتقبل مني ذلك، فإذا قال العبد ذلك، وجعل ذلك آخر ما يقول فمات فلا يرجو إلا الخير من رحمة رب العالمين سبحانه.

стр. 815

من هدي المصطفى قيام الليل من الأحاديث حديث متفق عليه من حديث عائشة ﵂ أنها قالت: (كان النبي ﷺ يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة، فإذا طلع الفجر صلى ركعتين خفيفتين، ثم اضطجع على شقه الأيمن حتى يجيء المؤذن فيؤذنه) متفق عليه. فكان من هدي النبي ﷺ قيام الليل ﵊ دائماً، فمن أول ما أنزل الله عليه: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل:١ - ٢] قام ﷺ قياماً طويلاً لله سبحانه؛ لأنه قال: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل:٢] فكان يقوم أكثر الليل، بل قد يقوم كل الليل، وكان المؤمنون على هذه الحالة أيضاً إلى أن نزل التيسير على النبي ﷺ ، فعلم الله بضعف هؤلاء، وعلم أنهم سيلهيهم قيام الليل عن أشياء من جهاد في سبيل الله، وطلب للرزق، فإذا بالله يخفف ذلك ويقول: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل:٢٠]. فبدلاً من قيام الليل كله كما أمرهم الله بقوله: ﴿نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل:٣ - ٤] خفف الله على نبيه وعلى المؤمنين، ولكن مع ذلك كان يقوم ليلاً طويلاً ﵊، فيصلي من الليل إحدى عشرة ركعة، فإذا طلع الفجر صلى ركعتين، ولم تكن هذه الإحدى عشرة ركعة يصليها متتابعة، بل كان يصلي ثم يستريح حتى يقوم لمثلها ﵊، فيصلي أربعاً تقول السيدة عائشة عنهن: (فلا تسأل عن حسنهن وطولهن). فينام ﷺ ثم يقوم يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم ينام ويقوم فيوتر بثلاث صلوات الله وسلامه عليه. تقول: (فإذا طلع الفجر صلى ركعتين خفيفتين)، فهنا ليل طويل يصليه ﷺ ، ولكن إذا طلع الفجر وأذن المؤذن لصلاة الفجر صلى سنة الفجر ركعتين خفيفتين، وما كان يطول في سنة الفجر، بل كان يقرأ قل يا أيها الكافرون، وقل هو الله أحد بعد الفاتحة، بل إنه مع سرعته في الركعتين تقول السيدة عائشة ﵂: (لا أدري أقرأ فيهن بفاتحة الكتاب أم لا) يعني: سنة النبي ﷺ الإطالة في قيام الليل والتقصير في سنة الفجر. ولا يستحب أن يزاد على ركعتين، ولو استحب ذلك لفعله النبي ﷺ ، ولكن كان يصلي سنة الفجر في بيته ﵊، ثم يضطجع ويستريح من عناء الليل والقيام الطويل لكن بدون نوم، فكان إذا وجد امرأته مستيقظة في هذا الوقت كلمها ﷺ ، فإذا كانت نائمة اضطجع ﷺ ، ثم يقوم ليصلي صلوات الله وسلامه عليه، بل كان ينهى عن صلاة فوق الركعتين بعد الأذان، فيقول: (لا صلاة بعد الفجر إلا ركعتين). فإذا كنت في المسجد وأذن المؤذن للفجر الصادق، فصل ركعتين فقط، وليس من السنة أن تصلي ركعتين في ركعتين، بل ذهب بعض أهل العلم كالحنابلة إلى أنه يحرم الزيادة على الركعتين. لكن لعل إنساناً دخل المسجد فصلى تحية المسجد ولم ينو سنة الفجر فله أن يقوم ويصلي سنة الفجر بعد ذلك، ولك إذا دخلت أن تنوي الاثنتين صلاة تحية المسجد وسنة الفجر، وتسرع فيها وتجلس تنتظر إقامة الصلاة. قالت: (ثم اضطجع على شقه الأيمن)، وهذا الشاهد من الحديث وهو أنه نام على شقه الأيمن وإن كان لم ينم حقيقة، وقولها: (حتى يجيء المؤذن فيؤذنه)؛ لأنه كان في غرفته ﷺ ، ولم يكن في المسجد سرج ولا أشياء يضيئون بها المسجد، فكان بلال ينتظر حتى يكتمل عدد المصلين مع النبي ﷺ على وقته المعتاد فيذهب عند بيت النبي ﷺ فيؤذنه بأنه سيقيم الصلاة، ومعنى يؤذنه أي: يعلم النبي ﷺ أنه سيقيم الصلاة.

стр. 816

من سنن النوم وضع اليد تحت الخد قال المصنف رحمه الله تعالى: [وعن حذيفة ﵁ قال: (كان النبي ﷺ إذا أخذ مضجعه من الليل وضع يده تحت خده، ثم يقول: اللهم باسمك أموت وأحيا، وإذا استيقظ قال: الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور) رواه البخاري. وخلاصة السنن أن تتوضأ لتنام وأنت على وضوء، وتضع يدك تحت خدك الأيمن، وتنام على شقك الأيمن، وهذا في أول نومك، ثم تقول: (اللهم باسمك أموت وأحيا) هذه رواية، وفي رواية أخرى: (باسمك اللهم أموت وأحيا). فالنوم أخو الموت، والمعنى: أضع جنبي فلعلي أموت، والنوم نفسه جزء من الموت أو شيء من الموت كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر:٤٢]. والتوفي القبض، وهذا شيء أنت لا تشعر به، بل أمر من أمر الله سبحانه ﵎، وقد حاول العلماء أن يبحثوا في ذلك، وأتوا برسام المخ الكهربي، لكي يرسم مخ الإنسان وهو نائم، فلاحظوا عليه أشياء نذكرها في موضعها إن شاء الله في التفسير؛ لكن الغرض أن أحد العلماء من الإنجليز وصل في نهاية بحثه إلى أن هناك شيئاً يقبض من هذا الإنسان، وهو لا يعرف ما هذا الشيء الذي يقبض من هذا الإنسان، لكن الله قد ذكر ذلك سبحانه حيث يقول: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر:٤٢]. أي: أن روح الإنسان يقبضه الله قبضاً معيناً، لا نعلم كيفيته، فهو يقبض روح الإنسان بشيء الله أعلم به ثم يرده مرة ثانية، ولذلك كان النبي ﷺ إذا استيقظ من منامه يقول: (الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور). يعني: قبضنا في هذا النوم ثم رد علينا الروح، بل عبر عنه في حديث آخر بقوله: (ورد علي روحي، وأذن لي بذكره)، فالذي اكتشفه العالم الإنجليزي كان قد قاله النبي ﷺ من الماضي. وكان عند منامه يقول: (إن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ بها عبادك الصالحين)، ويقول: (الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور) أي: أمر البعث موكول إلى الله، يتصرف ويحكم فيه بما يشاء سبحانه.

стр. 817

ما يكره من الكيفيات في النوم روى أبو داود بإسناد صحيح عن يعيش بن طخفة الغفاري ﵁ قال: قال أبي: (بينما أنا مضطجع في المسجد على بطني إذا رجل يحركني برجله) فهنا يعيش بن طخفة يروي عن أبيه طخفة الغفاري، أنه كان نائماً في المسجد على بطنه أي: على وجهه. فالنبي ﷺ رآه هكذا فحركه برجله ﷺ ، فقال له ﷺ : (إن هذه الضجعة يبغضها الله) أي: أن الذي ينام على بطنه قد ارتكب أمراً يكرهه الله ويبغضه سبحانه. فالرجل انتبه فقال: (فنظرت فإذا رسول الله ﷺ أي: نظر من الذي يوقظه ويقول له هذا الشيء، فإذا هو النبي ﷺ .

стр. 818

ذم من ترك أذكار النوم وحديث آخر يذكره الإمام النووي رواه أبو داود وقال: بإسناد حسن، عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: (من قعد مقعداً لم يذكر الله تعالى فيه كانت عليه من الله ترة)، والترة: الحسرة، وأصلها الوتر، والوتر: الانفراد، فكأن الإنسان يصير موتوراً أي: حزيناً مفرداً، وهذا يطلق فيمن قتل قريبه كأبيه أو ابنه أو أخيه، فوتر أي: صار موتوراً بمعنى وحيداً بعد أن كان معه هذا الآخر. فكذلك حزن الإنسان الذي يجلس في مجلس لا يذكر الله فيه، يصاب يوم القيامة بحزن كحزن الذي قتل له قتيل، يقول: (من قعد مقعداً لم يذكر الله تعالى فيه، كانت عليه من الله تعالى ترة، ومن اضطجع مضجعاً لا يذكر الله تعالى فيه كانت عليه من الله ترة). أي: كان عليه حسرة، وكان عليه نقص، وكان عليه تبعة يوم القيامة بذلك، فإذا نمت لابد أن تذكر الله بما ثبت عن النبي ﷺ من أذكار كثيرة كان يقولها النبي ﷺ عند نومه. منها أنه كان يرقي نفسه بقل هو الله أحد، وقل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس، ثلاث مرات ويمسح بدنه صلوات الله وسلامه عليه، وكان يقرأ آية الكرسي، ويقرأ: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة:٢٨٥]. وكان يقرأ سورة تبارك عند منامه مع سورة السجدة، وكان أحياناً يقرأ سورة سبحان وسورة الإسراء وغيرها من السور قبل نومه ﵊، وينصح بأن يكون آخر ما تقرؤه سورة قل يا أيها الكافرون؛ لتكون على براءة من الشرك والكفر. نسأل الله أن يجعلنا من أهل جنته ومن الذاكرين الله كثيراً والذاكرات. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 819

شرح رياض الصالحين - جواز الاستلقاء على القفا وما جاء في أدب المجلس والجليس إن الإسلام جاء ليؤدب المسلمين ويهذب أفعالهم، ويرتقي بهم في سلم المثالية، حتى يكونوا مثلاً يحتذى به، ومما جاء به الإسلام من الآداب ما يتعلق بالجلوس والاضطجاع خاصة في المسجد، فبين ضوابط الاضطجاع وحذر من انكشاف العورة أثناء ذلك، كما بين ضوابط الجلوس، وبين الجلسات المنهي عنها.

стр. 820

ما جاء في جواز الاستلقاء على القفا ووضع إحدى الرجلين على الأخرى إذا لم يخف انكشاف العورة الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الإمام النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين: [باب جواز الاستلقاء على القفا ووضع إحدى الرجلين على الأخرى إذا لم يخف انكشاف العورة وجواز القعود متربعاً ومحتبياً. عن عبد الله بن زيد ﵄: (أنه رأى رسول الله ﷺ مستلقياً في المسجد واضعاً إحدى رجليه على الأخرى) متفق عليه. وعن جابر بن سمرة ﵁ قال: (كان النبي ﷺ إذا صلى الفجر تربع في مجلسه حتى تطلع الشمس حسناء) حديث صحيح رواه أبو داود وغيره بأسانيد صحيحة. وعن ابن عمر ﵄ قال: (رأيت رسول الله ﷺ بفناء الكعبة محتبياً بيديه هكذا ووصف بيديه الاحتباء: وهو القرفصاء) رواه البخاري. وعن قيلة بنت مخرمة ﵂ قالت: (رأيت النبي ﷺ وهو قاعد القرفصاء، فلما رأيت رسول الله ﷺ المتخشع في الجلسة أرعدت من الفرق) رواه أبو داود والترمذي]. هذه الأحاديث يذكرها الإمام النووي ﵀ في كتابه القيم رياض الصالحين في باب: جواز الاستلقاء على القفا، يعني: النوم على الظهر. فللإنسان أن ينام على ظهره ويضع إحدى الرجلين على الأخرى إذا لم يخف انكشاف العورة؛ لأن النبي ﷺ نهى عن هذه الهيئة، فكأن نهي النبي ﷺ إذا كان الإنسان ينكشف وهو نائم، كأن تكون ثيابه عبارة عن قميص ليس تحته شيء، فإذا وضع رجلاً فوق الأخرى انكشفت عورته، فإذا كان الإنسان قد استطرأ وضع إحدى الرجلين على الأخرى من تعب أو من مرض ونحو ذلك، ولن ينكشف منه شيء جاز له أن يفعل ذلك، فهنا يذكر الإمام النووي ﵀ القيد وهو إذا لم يخف انكشاف العورة. كما ذكر في الباب جواز القعود متربعاً أو محتبياً، والمرء له أن يجلس أي جلسة كجلسة التشهد أو أي جلسة أخرى طالما أنه ليس منهياً عنها، فإذا جاء النهي نقف عند حدود النهي، فلا يجوز للإنسان أن يضع إحدى رجليه فوق الأخرى بحيث تنكشف عورته وهو على هذه الهيئة.

стр. 821

شرح حديث عبد الله بن زيد: (أنه رأى رسول الله مستلقياً واضعاً إحدى رجليه على الأخرى) الأدلة على ما ذكر في هذا الباب منها ما في الصحيحين من حديث عبد الله بن زيد ﵁: (أنه رأى رسول الله ﷺ مستلقياً واضعاً إحدى رجليه على الأخرى) صلوات الله وسلامه عليه. فهو رأى النبي ﷺ مرة من المرات، فكأنه ﷺ تعب فنام على ظهره في المسجد ووضع إحدى الرجلين على الأخرى صلوات الله وسلامه عليه. ففعله ﷺ لذلك مع نهيه عنه يدل على أن النهي ينزل على حال، والفعل على حال أخرى، فنهيه عن ذلك إذا كان الإنسان تنكشف عورته عند فعله ذلك، أما إذا كان الإنسان متعباً ووضع إحدى الرجلين على الأخرى ولا يخاف التكشف فله أن يفعل ذلك.

стр. 822

شرح حديث: (كان النبي إذا صلى الفجر تربع في مجلسه حتى تطلع الشمس حسناء) من الأحاديث حديث جابر بن سمرة ﵁: (كان النبي ﷺ إذا صلى الفجر تربع في مجلسه حتى تطلع الشمس حسناء) وهذا الحديث يقول عنه النووي: صحيح، وقد رواه الإمام أبو داود وغيره بأسانيد صحيحة. والحديث فيه أن النبي ﷺ كان إذا صلى الفجر تربع في مجلسه، فكانت عادة عنده ﷺ أو كثيراً ما يصنع ذلك، إلا إذا انشغل بشيء ﵊، فكان يجلس متربعاً، وجلسة التربع جلسة معروفة، فكان يجلس على هذه الهيئة ﷺ حتى تطلع الشمس حسناء، وهذه الهيئة فيها أدب، فمن يجلس متربعاً غير الجالس وقد مدد رجليه، وغير النائم على ظهره واضعاً إحدى رجليه على الأخرى، فحال النبي ﷺ كان إذا صلى الفجر جلس متربعاً ﷺ ، فهل يا ترى نقدر الآن أن نجلس هذه الجلسة من بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس؟ هذه المدة تقدر بحوالى ساعة وربع إلى ساعة ونصف، فيقول الراوي هنا وهو جابر بن سمرة: (كان النبي ﷺ إذا صلى الفجر تربع في مجلسه حتى تطلع الشمس حسناء)، والمعنى: أنه لا يصلي بمجرد أن تطلع الشمس؛ لأن هذا وقت يحرم فيه الصلاة؛ لكن بعد أن يبدو قرص الشمس ثم ترتفع شيئاً فوق الأرض، وهذا يكون بعد حوالى ثلث الساعة من طلوع قرصها كاملاً فعندها يجوز لك أن تصلي صلاة الضحى، فكان ﷺ يفعل ذلك، وقد جاء فضل ذلك في حديث رواه الترمذي وغيره من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من صلى الغداة في جماعة - يعني: صلاة الفجر في جماعة - ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس ثم صلى ركعتين كانت له كأجر حجة وعمرة قال: تامة، تامة، تامة). فيمكن للإنسان أن يحصل كل يوم أجر حجة وعمرة، وإن كان هذا لا يغني عن حجة الإسلام، ولا عن عمرة الإسلام، ولكن الأجر يساوي أجر حجة، وأجر عمرة، وكم نفرط في مثل ذلك من غير سبب! وعلى المؤمن أن يحاول أن يكسب الثواب قدر المستطاع، وكما ذكرنا قبل ذلك فإن الإنسان لا ينظر في العبادة إلى من هو دونه، ولكن الأسوة الحسنة والقدوة العظيمة هو النبي صلوات الله وسلامه عليه، فافعل ما فعله ﷺ ، إذا رأيت غيرك يفرط في مثل هذا الأجر فالتمس له العذر، فلعل لديه ما يشغله أو أنه لم ينم بالليل ويحتاج لأن ينام الآن، فأنت عليك بنفسك، فإذا كان عندك الوقت لتفعل هذا الشيء فلا تفرط في هذا الثواب، ففي الحديث: (من صلى) و (من) من ألفاظ العموم أي: أي أحد سواء كان رجلاً أو امرأة (الغداة في جماعة ثم قعد) فهذا يصلي صلاة الفجر في جماعة في المسجد في بيت الله سبحانه، وحتى لو كان في مكان لا يوجد فيه مسجد والناس اجتمعوا في بيت من البيوت وصلوا الجماعة فله نفس الحكم؛ لأنه لم يقل: لا بد أن يكون في مسجد بحيث لو لم يكن في مسجد فإنه سيضيع هذا الأجر، فإذا صلوا في جماعة وجلسوا حتى تطلع الشمس ثم صلى الواحد منهم ركعتين كان له أجر حجة وعمرة تامة، تامة، تامة، ومن فضل الله على المؤمن أنه يعطيه الأجور العظيمة على أعمال يسيرة، فحين يتذكر الإنسان ما في الحج من مشاق ويعلم أنه يمكن أن يدرك هذا الأجر عندما يصلي صلاة الفجر في جماعة، ثم يجلس يذكر الله حتى تشرق الشمس، فإنه عند ذلك لن يفرط في مثل هذا الثواب، لذلك كان النبي ﷺ في غالب أحواله يجلس في مجلسه حتى تطلع الشمس ثم يصلي ركعتين. قال: (من صلى الغداة في جماعة ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس ثم صلى ركعتين) يعني: انتظر في مكانه الذي هو فيه حتى يصلي الركعتين كان له من الأجر العظيم كأجر حجة وعمرة تامة تامة تامة. والحديث مختص بمن صلى في جماعة، فلو أن المرأة صلت ببناتها في بيتها جماعة وجلسن يذكرن الله سبحانه حتى ذلك الوقت وصلين ركعتين لكان لهن مثل هذا الأجر؛ لأن النبي ﷺ لم يشترط على النساء الصلاة في المسجد: (صلاة المرأة في بيتها خير لها من صلاتها في مسجدها) فعلى ذلك يكون لهن نفس هذا الأجر إن فعلن ذلك. لكن صلاة الرجل لا بد أن تكون في المسجد حيث ينادى بالصلاة، ويجلس في المسجد يذكر الله سبحانه، أما إذا كان البلد لا يوجد فيه مسجد فله العذر في أن يصلي مع الجماعة في أي مكان ثم يجلسون حتى تطلع الشمس فينالون ذلك الأجر. والغرض من الحديث: بيان أن النبي ﷺ كان يجلس هذه الفترة متربعاً ﷺ ، وهذه من الجلسات الفاضلة في الجلوس، فالإنسان عندما يجلس جلسة التشهد فهذه جلسة عظيمة وجلسة التربع تليها.

стр. 823

فضل المكث في المسجد بعد الفجر حتى تشرق الشمس وصلاة ركعتين إن الإنسان المؤمن يحاول أن يكسب الثواب قدر المستطاع وكما ذكرنا قبل ذلك فإن الإنسان لا ينظر في العبادة إلى من هو دونه، ولكن الأسوة الحسنة والقدوة العظيمة هو النبي صلوات الله وسلامه عليه، فافعل ما فعله ﷺ ، إذا رأيت غيرك يفرط في مثل هذا الأجر فالتمس له العذر فلعل لديه ما يشغله أو أنه لم ينم بالليل ويحتاج لأن ينام الآن، فأنت عليك بنفسك فإذا كان عندك الوقت لتفعل هذا الشيء فلا تفرط في هذا الثواب، ففي الحديث: (من صلى) و (من) من ألفاظ العموم أي: أي أحد سواء كان رجلاً أو امرأة (الغداة في جماعة ثم قعد) فهذا يصلي صلاة الفجر في جماعة في المسجد في بيت الله سبحانه، وحتى لو كان في مكان لا يوجد فيه مسجد والناس اجتمعوا في بيت من البيوت وصلوا الجماعة فله نفس الحكم؛ لأنه لم يقل أنه لا بد أن يكون في مسجد بحيث لو لم يكن في مسجد فإنه سيضيع هذا الأجر، فإذا صلوا في جماعة وجلسوا حتى تطلع الشمس ثم صلى الواحد منهم ركعتين كان له أجر حجة وعمرة تامة، تامة، تامة، ومن فضل الله على الإنسان المؤمن أنه يعطيه الأجور العظيمة على أعمال يسيرة، فحين يتذرك الإنسان ما في الحج من مشاق ويعلم أنه يمكن أن يدرك هذا الأجر عندما يصلي صلاة الفجر في جماعة، ثم يجلس يذكر الله حتى تشرق الشمس، فإنه عند ذلك لن يفرط في مثل هذا الثواب، لذلك كان النبي ﷺ في غالب أحواله يجلس في مجلسه حتى تطلع الشمس ثم يصلي ركعتين. قال: (من صلى الغداة في جماعة ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس ثم صلى ركعتين) يعني: انتظر مكانه الذي هو فيه حتى يصلي الركعتين كان له من الأجر العظيم كأجر حجة وعمرة تامة تامة تامة. والحديث مختص بمن صلى في جماعة، فلو أن المرأة صلت ببناتها في بيتها جماعة وجلسن يذكرن الله سبحانه حتى ذلك الوقت وصلين ركعتين لكان لهن مثل هذا الأجر؛ لأن النبي ﷺ لم يشترط على النساء الصلاة في المسجد: (صلاة المرأة في بيتها خير لها من صلاتها في مسجدها) فعلى ذلك يكون لهن نفس هذا الأجر إن فعلن ذلك. لكن صلاة الرجل لا بد أن تكون في المسجد حيث ينادى بالصلاة، ويجلس في المسجد يذكر الله سبحانه، أما إذا كان البلد لا يوجد فيها مسجد فله العذر في أن يصلي مع الجماعة في أي مكان ثم يجلسون حتى تطلع الشمس فينالون ذلك الأجر. والغرض من الحديث: بيان أن النبي ﷺ كان يجلس هذه الفترة متربعاً ﷺ ، وهذه من الجلسات الفاضلة في الجلوس، فالإنسان عندما يجلس جلسة التشهد فهذه جلسة عظيمة وجلسة التربع تليها.

стр. 824

شرح حديث ابن عمر: (رأيت رسول الله بفناء الكعبة محتبياً) ومن الجلسات أيضاً: الاحتباء أو القرفصاء، وسواء كان الاحتباء بأن يحيط ركبتيه بيديه أو يلف عليها ثوباً من وراء ظهره، فكان النبي يجلس على هذه الهيئة وكأنه يستريح ما بين التربع وبين هذه الجلسة، فجاء في حديث ابن عمر ﵄: (رأيت رسول الله ﷺ بفناء الكعبة محتبياً بيديه هكذا) ووصف بيديه الاحتباء فأمسك إحدى يديه بالأخرى وأحاط بهما ركبتيه ﵊، وفسرها البخاري على أنها القرفصاء، وهو أحد التفاسير التي جاءت في معنى جلسة الاحتباء، وقالوا: بل هي جلسة الإنسان الذي يتهيأ للقيام فكأنها تدخل تحتها في اللغة، ولكن الإمام البخاري اختار هذه الجلسة لأنها قد تكون طويلة، فيستريح على هذه الهيئة.

стр. 825

شرح حديث قيلة بنت مخرمة: (رأيت النبي وهو قاعد القرفصاء) عن قيلة بنت مخرمة ﵂ قالت: (رأيت النبي ﷺ وهو قاعد القرفصاء) يعني: جلسة الاحتباء، فهذه المرأة لما نظرت للنبي ﷺ أخذها المنظر، وكأنها تقول: هذا رسول الله الذي نسمع عنه الرسول العظيم يجلس هذه الجلسة على الأرض بينما كسرى وقيصر والنجاشي وغيرهم من الملوك يجلسون على العروش فقالت هنا: (فلما رأيت رسول الله ﷺ المتخشع في الجلسة أرعدت من الفرق) أرعدت لهيئة النبي ﷺ ، أي: من الخوف من الله سبحانه، ومن إجلال النبي ﷺ وهو على هذه الهيئة ﵊. وجاءت رواية لهذا الحديث عند الطبراني بإسناد لا بأس به وذكرها الحافظ ابن حجر في الفتح قالت: (فجاء رجل فقال: السلام عليك يا رسول الله، فقال ﷺ : وعليك السلام ورحمة الله، وعليه أسمال مليتين) يعني: هذه كانت هيئة النبي ﷺ والأسمال جمع سمل: وهو الثوب البالي، فكأن النبي ﷺ كان يلبس إزاراً ورداء باليين. قالت: (وعليه أسمال مليتين كانتا بزعفران فنفضتا) يعني: كأن الملايتين اللتين كان النبي ﷺ يلبسهما كانتا في الماضي عليهما لون الزعفران، ولكن مع القدم والبلى ما عاد عليها شيء من هذا اللون، قالت المرأة: (وبيده عسيب نخلة مقشرة قاعداً القرفصاء، فلما رأيت رسول الله ﷺ المتخشع في الجلسة أرعدت من الفرق، فقال له جليسه: يا رسول الله! أرعدت المسكينة) يعني: المرأة صارت ترتعش لما رأت النبي ﷺ على هذه الهيئة وهو لم ينظر إليها صلوات الله وسلامه عليه، فالرجل الذي معها يقول: المرأة أرعدت من هيئتك يا رسول الله، ﵊ فقال: (أرعدت المسكينة فقال ولم ينظر إلي: يا مسكينة عليك السكينة) فدعا لها النبي ﷺ وقال: (يا مسكينة عليك السكينة قالت: فذهب عني ما أجد من الرعب)، وإنما كان رعب المرأة حين رأت النبي ﷺ يجلس جلسة إنسان متواضع لله سبحانه في غاية الخشوع وغاية السكينة ﵊، فهيئته ﷺ جعلت المرأة تخشع لله سبحانه، وتخاف وتهاب النبي ﷺ وتجله.

стр. 826

ذكر قصة قيلة بنت مخرمة في دخولها على النبي وهو جالس القرفصاء برواية أحمد من حديث الحارث البكري وهذا الحديث رواه الإمام أحمد من حديث الحارث بن حسان البكري في قصة طويلة فيقول الحارث: (خرجت أشكو العلاء بن الحضرمي إلى رسول الله ﷺ فمررت بالربذة فإذا عجوز من بني تميم منقطع بها) هذا الرجل خرج يشكو عاملاً للنبي ﷺ عنده، وهذا العامل الذي بعثه النبي ﷺ كأنه حدث بينه وبينهم شيء، فهذا الرجل ذهب يشكو للنبي ﷺ قال: (فإذا عجوز من بني تميم منقطع بها فقالت: يا عبد الله إن لي إلى رسول الله حاجة فهل أنت مبلغي إليه؟) فالعجوز كانت من بني تميم وهو من قوم أعداء لبني تميم، ولكنه أشفق على المرأة، وأنها كانت تريد أن تذهب إلى النبي ﷺ وما من أحد من قومها يذهب بها إلى النبي ﷺ ، قال: (فحملتها فأتيت المدينة فإذا المسجد غاص بأهله) يعني: لما وصل الحارث وجد المسجد قد غص بأهله فلما سأل عن ذلك علم أن النبي ﷺ سيبعث بعثاً مع عمرو بن العاص رضي الله ﵎ عنه. قال: (فدخل النبي ﷺ منزله فاستأذنت عليه فأذن لي) دخل الرجل على النبي ﷺ فسأل النبي ﷺ إن كان حصل بينك وبين بني تميم شيء فقال: (نعم. وكانت لنا الدبرة عليهم) يعني: حصل بيننا وبينهم حرب ونحن الذين غلبنا قال: (ومررت بعجوز من بني تميم منقطع بها فسألتني أن أحملها إليك وها هي بالباب، فأذن لها النبي ﷺ فهو عمل خيراً في العجوز التي من بني تميم لما أرادت أن تذهب للنبي ﷺ قال: (فقلت: يا رسول الله إن رأيت أن تجعل بيننا وبين تميم حاجزاً فاجعل الدهناء)، والدهناء أرض معشبة فيها مرعى للإبل ويحتاج إليها الجميع، فهو يقول: اجعل بيننا وبين بني تميم حاجزاً يمنعهم من أن يعتدوا علينا أو نعتدي عليهم، فلما قال ذلك للنبي ﷺ فكأنه لم يعرف أرض الدهناء وظنها أرضاً فيها رمال ولذلك وافق النبي ﷺ على ذلك، وكانت العجوز قد دخلت وسمعت هذا الكلام، قال: (فحميت العجوز واستوفزت) يعني: هاجت وحميت على هذا الذي قاله فقالت: (يا رسول الله! فإلى أين تضطر مضرك؟) يعني: كيف يفعل الناس إذا استفرد هذا وقومه بالأرض المعشبة. فقال: (يا رسول الله! إنما مثلي ما قال الأول: معزاء حملت حتفها)، وهذه قصة معروفة عند العرب، وهي أن رجلاً كان معه معزاء وكان يمشي في الطريق ويفكر ماذا يعمل بتلك المعزاء فإذا بها تحفر في الأرض وأخرجت سكيناً فأخذها وذبحها بها، فالرجل يقول: مثلي كمثل هذه المعزاء، فقال: (حملت هذه ولا أشعر أنها كانت لي خصماً! أعوذ بالله ورسوله أن أكون كوافد عاد)، وهنا يظهر أدب النبي ﷺ وتواضعه حيث كان يعرف قصة وافد عاد لكنه سأله عن قصة وافد عاد، ومن أدب المجلس أن الإنسان إذا سمع من آخر حديثاً وهو يعرفه فلا يقاطعه ويخبره أنه يعرفه، قال: (هيه، وما وافد عاد؟ وهو أعلم بالحديث منه ولكن يستطعمه، قلت: إن عاداً قحطوا فبعثوا وافداً لهم يقال له: قيلة فمر بـ معاوية بن بكر فأقام عنده شهراً) وعاد هؤلاء عصوا الله سبحانه، وكذبوا رسول الله عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، فإذا بالله سبحانه يتوعدهم بالعذاب، ويأتي هذا العذاب من حيث لا يشعرون، وكان عذابهم بأن منع الله عنهم المطر فاشتد الحر عليهم واحتاجوا للماء، وكانت العادة عندهم أن يرسلوا إلى أرض مكة من يدعو الله هناك فأرسلوا وافداً لهم يقال له: قيل فمر بملك من الملوك واسمه معاوية بن بكر فأقام عنده شهراً يسقيه الخمر وتغنيه جاريتان وبعد ذلك تذكر مهمته وخرج إلى جبال تهامة بالحجاز فنادى: اللهم إنك تعلم أني لم أجئ إلى مريض فأداويه، ولا إلى أسير فأفاديه، اللهم اسق عاداً ما كنت تسقيه. وهذا المكان كان له حرمة عند عاد وغيرهم، وهذا قبل إبراهيم بكثير، فموضع البيت كان له حرمة، ولكن الذي رفع قواعد البيت هو إبراهيم بعد ذلك الحادث بزمان طويل، فالرجل يقول: أنا ما جئت لمريض، ولا جئت من أجل أسير، لكن أنا جئت أستسقي فاسق عاداً ما كنت تسقيه، فمرت به سحابات سود فنودي منها اختر سحابة، فأومأ إلى سحابة منها سوداء، وظن أن هذه السحابة السوداء أكثر ماء، فنودي من هذه السحابة: خذها رماداً رمدداً، لا تبقي من عاد أحداً، أي: خذها رماداً وناراً تنزل على عاد تحرق الجميع، قال: فما بلغني أنه بعث عليهم من الريح إلا قدر ما يجري في خاتمي هذا حتى هلكوا: ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ * مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ [الذاريات:٤١ - ٤٢] فهو اختار السحابة التي تليق بهم فاختار أسود سحابة فكانت أسود الأيام عليهم. الغرض من الحديث: أن الرجل قص هذه القصة على النبي ﷺ ولم ينكرها النبي ﷺ وهو أعلم بها، ففيها الإقرار لمثل هذا، وفيه أدب النبي ﷺ في جلوسه الخاشع المتخشع المتواضع صلوات الله وسلامه عليه. وفيه أيضاً: أن الإنسان بسمته قد يكون دعوة لغيره، فلما ينظر إليه الغير يعجبه سمته فيكون له قبول عنده، فالسمت الحسن جزء من أجزاء النبوة كما جاء الحديث عن النبي ﷺ في ذلك.

стр. 827

شرح حديث الشريد بن سويد: (مر بي رسول الله وأنا جالس هكذا وقد وضعت يدي اليسرى خلف ظهري) من الأحاديث التي فيها النهي عن جلسة معينة، حديث الشريد بن سويد ﵁ قال: (مر بي رسول الله ﷺ وأنا جالس هكذا وقد وضعت يدي اليسرى خلف ظهري واتكأت على ألية يدي)، هذا الرجل كان قاعداً على الأرض وقد وضع يده اليسرى وراء ظهره، وألية اليد هي راحة اليد من ناحية الكوع. فقال النبي ﷺ : (أتقعد قعدة المغضوب عليهم) يعني: نهى ﷺ عن هذه القعدة، وعلل ذلك أن هذه جلسة من غضب الله ﵎ عليهم. والمغضوب عليهم هم اليهود وغيرهم من الكفار، فكأنها هنا على العموم، وإن كان في سورة الفاتحة المقصود بالمغضوب عليهم اليهود ومن شاكلهم، ولكن هنا كأنها جلسة المتكبرين الذين يغضب الله عليهم من يهود ونصارى وغيرهم من أعداء الله سبحانه، فلا ينبغي للمسلم أن يجلس هذه الجلسة التي نهى عنها النبي ﷺ ، وكثيراً ما نرى إخواننا في المجلس يجلسون هذه الجلسة عند انتظارهم للصلاة!

стр. 828

ما جاء في آداب المجلس والجليس

стр. 829

شرح حديث: (لا يقيمن أحدكم رجلاً من مجلسه ثم يجلس فيه) من الأحاديث الواردة في آداب المجلس والجليس، حديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يقيمن أحدكم رجلاً من مجلسه ثم يجلس فيه ولكن توسعوا وتفسحوا، وكان ابن عمر إذا قام له رجل من مجلسه لم يجلس فيه) متفق عليه. هذا الحديث صحيح عن النبي ﷺ وفيه أدب من آداب المجلس، فليس لأحد أن يقيم رجلاً من مجلس ليجلس مكانه، بل نهى النبي ﷺ أن تجلس بين اثنين إلا بإذنهما. إذاً: على المسلم أن يتأدب حين يجلس فلا ينازع أحداً في مجلسه ولا يضايق أحداً في مجلسه وإنما يستأذن فإن أذن له جلس بجواره، وإن لم يأذن له فليجلس حيث يوسع له ولا يضايق أحداً في مجلسه. فقال هنا ﷺ : (لا يقيمن أحدكم رجلاً من مجلسه ثم يجلس فيه، ولكن توسعوا وتفسحوا) فأحياناً تكون المجالس واسعة، وفيها من يجلس ماداً رجليه بحيث لا يبقي مكاناً لأحد، فإذا جاءه من يقول: تفسحوا وتوسعوا ويستأذن للجلوس فيقول له: هذا المكان لي ابحث لك عن مكان آخر، كثير من الناس يفعلون هذا الشيء! وللأسف نرى مثل هذا حتى في الحرم، فإذا جاء من يطلب منه أن يفسح له قال: أنا أعتكف هنا، اذهب وابحث عن مكان آخر! فيفعل هذا في بيت الله الذي يفترض أن يكون الإنسان فيه أخشع ما يكون، لعظم هذا المكان. فالإنسان المؤمن يتعلم الأدب الشرعي من النبي ﷺ في كيفية جلوسه وفي أمره لنا بالتفسح، بل ربنا سبحانه قالها في القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المجادلة:١١] فإذا كنت جالساً في مجلس وكان بجانبك مكان يسع إنساناً فأجلس هذا الإنسان، وتصور أنك في مكانه وجئت تقول للناس: تفسحوا، فهل ترضى أن يمنعك أحد من الجلوس؟ فما لا ترضاه لنفسك لا ترضه لغيرك. فقال النبي ﷺ : (ولكن توسعوا وتفسحوا، وكان ابن عمر إذا قام له رجل من مجلس لم يجلس فيه) فـ عبد الله بن عمر ﵁ إذا جاء ليجلس وقام رجل من أجل أن يجلس مكانه فإنه لا يرضى أن يجلس فيه ليعلم الناس ويؤدب نفسه، فيعلم الناس أن النبي ﷺ نهى الآتي أن يقيم غيره لذلك هو لم يقم أحداً، وهم مع احترامهم لـ عبد الله بن عمر يفعلون ذلك، ولكن هو يخاف على نفسه من الغرور. فلا تفرح أيها المسلم إذا قام الناس لك ولا تطلب مثل ذلك، بل جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (من سره أن يتمثل له الناس قياماً فليتبوأ مقعده من النار)، فالذي يفرح بقيام الناس له يحضر نفسه للنار والعياذ بالله. فالإنسان المؤمن إذا قام له الناس فلا يفرح بذلك، ولكن إذا قاموا له من مجلس فلا يجلس فيه كما فعل ابن عمر ﵁، ولو فرضنا أنه جلس فهل عليه إثم؟ لا، ليس عليه إثم، فصاحب المجلس أذن له فيه فلا مانع من أن يجلس، وكان النبي ﷺ إذا دخل على السيدة فاطمة في بيتها قامت له وقبلته ﷺ وأجلسته مكانها، وكان هو يفعل ذلك مع ابنته صلوات الله وسلامه عليه، فهذا من باب المحبة لكن إذا كان من باب الترفع على الناس وأنه أولى من غيره بأن يكون خلف الإمام أو حتى مكان الإمام فهذا الذي جاء فيه الوعيد. والنبي ﷺ حدد مواصفات الإمام فقال: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإذا كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإذا كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة) إذاً: لا يأتي إنسان يتعدى على الإمام ويتقدم عليه في مكانه. كذلك قال النبي ﷺ فيمن يكون خلف الإمام: (ليليني منكم أولو الأحلام والنهى) فإذا كان الإمام في الصلاة وجاء إنسان وراءه فلا بد أن يكون حافظاً للقرآن فلعل الإمام يحدث في الصلاة فيكون وراءه من يتقدم فيصلي بالناس مكان الإمام، ولعل الإمام يخطئ في الصلاة فيكون من هؤلاء من يرد الإمام عن ذلك الخطأ الذي وقع فيه. إذاً: على الإنسان إذا وقف في هذا المكان وجاء من هو أولى منه فالأولى له أن يفسح له، وإذا كان الإنسان يعرف أن هذا المكان ليس مكانه فلا يقف فيه حتى لا يحرجه أحد في ذلك، فهنا النبي ﷺ يعلم المؤمن أن يتواضع وألا يطلب من أحد أن يقوم له إلا أن يكون لأمر شرعي، والله أعلم. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 830

شرح رياض الصالحين - ما جاء في أدب المجلس والجليس إن ذكر الله من أفضل العبادات عنده سبحانه، وهو من أيسرها، وقد أرشدنا النبي ﷺ إلى سنن مستحبة يؤجر الإنسان عليها إذا فعلها، ومن هذه السنن آداب المجالس سواء الآداب الفعلية أو القولية، فينبغي للإنسان أن يتحلى بها، ويعمر وقته بطاعة الله ورسوله وبذكره .

стр. 831

ما ورد في آداب المجلس الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الإمام النووي ﵀: [باب في آداب المجلس والجليس. عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إذا قام أحدكم من مجلس ثم رجع إليه فهو أحق به) رواه مسلم. وعن جابر بن سمرة ﵁ قال: (كنا إذا أتينا النبي ﷺ جلس أحدنا حيث ينتهي) رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن. وعن أبي عبد الله سلمان الفارسي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من طهر، ويدهن من دهنه، أو يمس من طيب بيته، ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كتب له، ثم ينصت إذا تكلم الإمام إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى) رواه البخاري]. هذا باب من أبواب رياض الصالحين يذكر فيه الإمام النووي بعض آداب المجلس والجليس، وآداب المجلس كثيرة، والإنسان إذا جلس في مجلس فتأدب بالأدب الشرعي في هذا المجلس كان خارجاً منه وقد غفر الله له ما كان من ذنوبه، فيكفر الله عنه من سيئاته ويغفر له ذنوبه. جاء في حديث النبي ﷺ : (ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده). فهذا مجلس من المجالس فيه ذكر لله سبحانه ﵎، يجتمع فيه العباد، فتنزل السكينة من عند الله سبحانه، وتحف الملائكة هذا المجلس، وتتغشاهم الرحمة أي: تغطيهم رحمة الله سبحانه ﵎، ويذكرهم الله سبحانه فيمن عنده. فكلما التزم المؤمن بالأدب في المجلس كان أحب إلى الجالسين، وكان قريباً من ربه سبحانه، وغفر الله له ذنبه، فمن هذه الآداب أن الإنسان إذا جلس في مجلس لا يفرق بين اثنين، وهذا قدمناه قبل ذلك، أي: أن يوسع الثاني ليجلس هو بين الاثنين، وإنما يستأذن ويقول: تفسحوا وتوسعوا، فيفسح له الناس في المكان الذي يفسحون له فيه فيجلس في هذا المكان، قال الله: ﴿إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المجادلة:١١] إذا أردت أن تجلس فتأتي حيث ينتهي المجلس وتقول: تفسحوا، يفسح لك الناس من الجانب هذا فتجلس حيث وسعوا لك. أيضاً ذكرنا قبل ذلك حديث ابن عمر: (لا يقيمن أحدكم رجلاً من مجلسه ثم يجلس فيه، ولكن توسعوا وتفسحوا) يعني: لا يليق بإنسان أن يقيم أحداً من أجل أن يجلس مكانه، وأيضاً لا يجلس مكان أحدهم، وإنما يتوسعون ويتراحمون فيما بينهم، ويفسح بعضهم لبعض.

стр. 832

صاحب المجلس أحق به من الأحاديث حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (إذا قام أحدكم من المجلس ثم رجع إليه فهو أحق به)، صاحب المكان أحق به سواء كان هذا المكان مجلساً يجلس فيه في المسجد على الأرض أو في مجلس من مجالس العلم كأن يجلس على كرسي مثلاً أو على تختة فهو أحق بمكانه. فإذا قام ليقضي حاجة ثم يرجع فهو أحق بهذا المكان، لكن إذا قام منصرفاً انتهى حقه في المجلس؛ لأنه انصرف عن المجلس فيجلس فيه غيره، فهنا النبي ﷺ يعلمهم: (إذا قام أحدكم من المجلس ثم رجع إليه فهو أحق به).

стр. 833

الجلوس حيث ينتهي المجلس روى أبو داود والترمذي وحسنه عن جابر بن سمرة ﵁: (كنا إذا أتينا النبي ﷺ جلس أحدنا حيث ينتهي به المجلس)، جلس حيث ينتهي به المجلس، وآخر المجلس في المكان الأخير حيث ينتهي بآخر إنسان. أما أن يخترق الصفوف، ويتخطى الرقاب، ويضايق الناس لأجل أن يأتي قدام ويجلس؛ فهذا ليس من أدب المجالس، إنما يجلس حيث ينتهي به المجلس، وإذا وجد فرجة في مكان جلس فيها من غير أن يؤذي أحداً. وكون الإنسان يؤذي أحداً في المجلس فهذا أذية، والنبي ﷺ مر على المنبر ووجد إنساناً يخترق الصفوف يتخطى الرقاب، فقطع خطبته ﷺ وقال لهذا الرجل: (اجلس فقد آذيت وآنيت). الخطبة عظيمة جداً، والناس منشغلون بالخطبة، ولكن عندما يدخل شخص يتخطى الرقاب فيؤذي كل الناس استحق أن يقطع النبي ﷺ خطبته ويزجر الذي آذى الناس، فقال: (اجلس) أي: اقعد مكانك (فقد آذيت)، آذيت الناس بتخطيك الرقاب، (وآنيت) أي: تأخرت. فهذا تأديب من النبي ﷺ لهذا الإنسان أمام الناس، يؤدبه حتى لا يفعل غيره مثل فعله، فاستحق هذا أن يؤدب ويقال له: اجلس مكانك ولا تتخط رءوس الناس ولا تؤذيهم. فقال لنا جابر بن سمرة: (كنا إذا أتينا النبي ﷺ جلس أحدنا حيث ينتهي به المجلس)، فهم تأدبوا بأدب النبي ﷺ ، وتعلموا أن الواحد إذا جاء إلى المجلس يجلس حيث ينتهي في آخر المجلس.

стр. 834

من آداب المجلس عدم التفريق بين الاثنين روى البخاري من حديث سلمان الفارسي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يغتسل رجل يوم الجمعة، ويتطهر ما استطاع من طهر، ويدهن من دهنه، أو يمس من طيب بيته، ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كتب له، ثم ينصت إذا تكلم الإمام إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى). صلاة الجمعة هي عيد المسلمين في كل أسبوع، فهذا يوم عظيم جداً، يستجيب الله فيه الدعوات، فيه ساعة إجابة يستجيب الله فيها لعبده، والمؤمن يهيئ نفسه ليستجيب الله له، وكان النبي ﷺ يحرص أن يصلي الفجر في هذا اليوم فيقرأ بسورة السجدة وسورة الإنسان؛ لما فيهما من ذكر بدء الخلق، ومن ذكر القيامة، ومن ذكر الجنة والنار. ويوم الجمعة هو اليوم الذي خلق فيه آدم، وأنزل فيه آدم من الجنة، واليوم الذي تقوم فيه الساعة، ما من مخلوق إلا وهو يشفق من يوم الجمعة إلا الإنس والجن، فيوم الجمعة يذكرهم النبي ﷺ من أول صلاة الفجر بهذا اليوم، وما في هذا اليوم من ذكر الساعة وغير ذلك. يوم الجمعة فيه الذهاب إلى بيت الله سبحانه، فتذهب مبكراً إلى صلاة الجمعة ولا تتأخر عنها، وكلما أتيت مبكراً قبل أن يأتي الإمام كتب اسمك في صحف الملائكة، فالملائكة يجلسون على أبواب المساجد يكتبون الداخلين الأول فالأول، فإذا حضر الإمام وبدأ بالخطبة جلست الملائكة يستمعون الذكر، فلا تحرم نفسك من أن تكتب في الصحف التي بأيدي الملائكة بأن تتواجد في صلاة الجمعة قبل حضور الإمام. كذلك هنا أدب من الآداب، يقول لنا ﷺ : (لا يغتسل رجل يوم الجمعة، ويتطهر ما استطاع من طهر)، فيه تأكيد على الاغتسال يوم الجمعة، وهي سنة مؤكدة ليوم الجمعة ولصلاة الجمعة، فتحرص على ذلك، ثم تتطهر ما استطعت من طهر، وتدهن من دهن، بمعنى: يضع الطيب وهو في بيته إذا وجد أو يمس من طيب بيته. قال: (ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين)، إذا جاء يوم الجمعة ودخل المسجد لا يفرق بين الناس، فإذا أراد أن يجلس انتظر حتى يوسع له الناس، فإذا لم يوسع له أحد يجلس وراء الناس حيث ينتهي إليه المجلس. قال: (فلا يفرق بين اثنين، ثم يصلي)، وهذه سنة أخرى من السنن، أنك إذا أتيت إلى بيت الله سبحانه لا تنشغل بأمر من أمور الدنيا، ولكن انشغل بالصلاة وبالذكر والتسبيح في هذا اليوم قبل حضور الإمام، فيقول لنا هنا: (صلى ما كتب له) يعني: ما يعلم الله من صلاة، وليس معناه أنه صلى فريضة، ولكن ما كتب له عند الله أن يصلي، يعني: ما شاء الله له أن يصلي من صلاة، فيصلي الضحى ركعتين أو أربع أو ثمان أو ما كتب له ثم بعد ذلك يجلس. قال: (ثم يصلي ما كتب له، ثم ينصت إذا تكلم الإمام)، إذا حضر الإمام وبدأ يخطب ينصت ويصغي بسمعه ليستمع إلى الإمام بتفهم وتعقل، ولا يلتفت عما يقوله الإمام أو الخطيب، لا ينشغل بشيء من الأشياء ولا حتى بمس الحصى، فلا يقعد يلعب بيديه في الأرض في حصى أو في غيرها، فالذي يمس الحصى هذا من اللغو الذي نهينا عنه، كما قال النبي ﷺ : (من مس الحصى فقد لغى). قال هنا: (ثم ينصت إذا تكلم الإمام)، فكل هذه الأشياء من يفعلها يكون له ما قال ﷺ : (إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى) يعني: الله يغفر له ما حصل منه خلال الأسبوع! الله كريم وغفور رحيم سبحانه! جعل المكفرات للذنوب كثيرة من فضل الله ورحمته، فالصلاة إلى الصلاة والجمعة إلى الجمعة والعمرة إلى العمرة ورمضان إلى رمضان كفارة لما بينها من صغائر الذنوب بشرط أن تجتنب الكبائر، بأن لا يسرق المؤمن ولا يزني ولا يأكل الرشوة لا يتعامل بالربا ولا يأخذ السحت ولا يختلس ولا ينتهب ولا يسفك دماً حراماً ولا يعق والديه ولا يقع فيما حرم الله من كبائر الذنوب؛ فيستحق أن يغفر الله له ما تقدم من صغائر الذنوب. وترك الصلاة من الكبائر، فلو أن الإنسان ترك الصلاة طوال الأسبوع وصلى الجمعة إلى الجمعة فلا يظن أنه بذلك سيكفر عنه ما حصل منه خلال الأسبوع! بل لابد أن يتوب إلى الله سبحانه ﵎، ويأتي بما أمره الله أن يأتيه، فيتوب توبة نصوحاً، ويصلي لله كل الأسبوع فتكون الجمعة كفارة له، أما كما يعمل كثير من الناس اليوم يترك الصلاة فلا تراه في المسجد إلا يوم الجمعة وباقي الصلوات يصلي أحياناً ويترك كثيراً، ويظن أنه بصلاة الجمعة يمحو الله هذا الماضي؛ فهذا لم يقل به أحد. قيد النبي ﷺ هذا في الحديث الآخر فقال: (ما اجتنبت الكبائر)، ومن الكبائر: أن يترك الإنسان الصلاة، ويكفي في ذلك قول النبي ﷺ : (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر).

стр. 835

من آداب المجلس عدم التفريق بن الاثنين إلا بإذنهما روى الترمذي وأبو داود -وهو حديث حسن صحيح- عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: (لا يحل لرجل أن يفرق بين اثنين إلا بإذنهما). وفي رواية أبي داود: (لا يجلس بين رجلين إلا بإذنهما)، فهذا أدب مفقود عند كثير من الناس، تجد الإنسان يأتي ثم يجلس في المكان الذي يعجبه وإن فرق فيه بين الاثنين ولا يبالي، فهذا من سوء الأدب والجهل بالعلم الشرعي، وقد علم النبي ﷺ الصحابة بقوله: (لا يحل) لا يحل لك هذا الشيء، لكن قف وراء الاثنين وقل: تفسحوا، فهما إما سيوسعان لك أو أن أحدهما يريد أن يجلس إلى جنب أخيه فلا تفرق أنت بينهما. لا يحل للرجل أن يفرق بين اثنين، وليس لأحد أن يقيم أحداً من مكانه فيقول: قم من أجل أن أقعد أنا، ولا أريد أن أقعد هنا! ليس لك أن تفعل ذلك، ولكن طالما أنت الذي تأخرت فاجلس حيث يفسحا ويوسعا لك.

стр. 836

من آداب المجلس عدم الجلوس وسط الحلقة روى أبو داود عن حذيفة وإسناده رجاله ثقات ولكنه من رواية أبي مجلز عن حذيفة، وأبو مجلز لم يلق حذيفة، ففيه انقطاع بين أبي مجلز وحذيفة ولكن رجاله كلهم ثقات إلا الانقطاع الذي في هذا الحديث. عن حذيفة ﵁ أن النبي ﷺ : (لعن من جلس وسط الحلقة)، إذا كان المسلمون متحلقين حلقة في طلب العلم فليس لواحد منهم أن يجلس في وسط الحلقة، وكان النبي ﷺ يشير إليهم بأصابعه: أن تحلقوا، يعني: اجلسوا حلقة. فليس لأحد أن يجلس في وسط الحلقة، وإنما يجلس الناس حول هذه الحلقة، وإذا كان الناس في مجلس علم جالسين لا يسع المكان أن يتحلقوا حلقة فلا بأس أن يقتربوا من الشيخ. فالمؤمن قدر المستطاع يفعل ما أمر النبي ﷺ به، فمن آداب المجلس ألا يجلس أحد في وسط الحلقة.

стр. 837

من آداب المجلس توسيع المجلس عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (خير المجالس أوسعها) هذا حديث صحيح عنه ﷺ ، فإذا كان المجلس ضيقاً يكون مملاً في آخر المجلس، ويضيق الناس من الجلوس فيها، فلا ينتبهوا لما يكون في هذا المجلس من درس علم ونحوه. لكن إذا كان المجلس واسعاً ويجمع الناس كانت الرحمة أقرب من هؤلاء، لكن (خير المجالس أوسعها) معناه: الذي يسع أصحابه، بحيث يكون الكل مستريحاً في المكان، فهذا خير المجالس؛ فيؤدب الذي يأتي إلى المجالس فيضيقها على الناس. كذلك أن يدخل الشخص في الصف أثناء الصلاة فيضيق على الناس في الصف فيزاحمهم حتى ربما يسقطون وهم واقفين! فنقول لهذا: من أجل الرحمة لا يجوز لك مضايقة المصلين في الصف، وضابط الصف حسب ما يسع من العدد من الناس دون أن يؤذي بعضهم بعضاً، ولا يكون في الصف بين الإنسان والإنسان فرجة كبيرة فيسمح للشيطان بالدخول فيها، ولا ينبغي للشخص أن يضيق على أخيه حتى يزهقه حال وقوفه، وإذا وجد فرجة في الصف وقف فيها، فإن لم يجد فليصل في الصف الذي يليه. هذا الحديث الذي جاء عن أبي سعيد الخدري في رواية له عند البخاري في الأدب المفرد وعند ابن أبي شيبة أيضاً أنه أوذن أبو سعيد بجنازة في قومه، فكأنه تخلف حتى أخذ الناس مجالسهم، يعني: قالوا له: توجد جنازة فتعال من أجل أن تصلي عليها، فـ أبو سعيد رجل من أصحاب النبي ﷺ له فضل ﵁، والناس يعرفون فضله، ولذلك عندما سيذهب للجنازة سيوسعون له، فهو خشي من ذلك، فتأخر أبو سعيد ﵁ حتى جلس الناس في أماكنهم ثم جاء فلما رآه القوم تشذبوا، يعني: لما رآه القوم الذين هم قاعدون أخذوا يوسعون لـ أبي سعيد فهم سيضيقون على أنفسهم من أجل أن يجلس معهم أبو سعيد، وقام بعضهم ليجلس في مجلسه، فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (خير المجالس أوسعها)، ثم تنحى فجلس في مكان واسع، كأنه ابتعد ونظر مكان آخر واسعاً فجلس فيه. فهذا أدب الصحابة رضوان الله ﵎ عليهم، يجلسون في مكان ويأتي إنسان يضيق عليهم حتى ولو كان هو أفضل هؤلاء الموجودين ليس له أن يضيق على الناس، ولكن يجلس حيث ينتهي به المجلس في مكان واسع حتى لا يضيق عليهم ولا يؤذيهم.

стр. 838

من آداب المجلس دعاء كفارة المجلس من الأحاديث التي جاءت حديث لـ أبي هريرة ﵁ رواه الترمذي وقال: حسن صحيح، وفيه قال النبي ﷺ : (من جلس في مجلس فكثر فيه لغطه) يعني: كان فيه لغو كثير وكلام كثير، وليس معناه: أنهم قاعدون يشتمون الناس أو يعصون الله، قال: (من جلس في مجلس فكثر فيه لغطه فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، إلا غفر له ما كان في مجلسه ذلك). فالله يغفر له ما كان في مجلسه ذلك من اللغط أي: من كثرة الكلام فيما يعني وفيما لا يعني، والإنسان يحاسب نفسه على ما يتكلم به، فإذا جلس في مجلس مع الناس فالأصل أن المؤمن يعلم أنه ما خلق إلا لعبادة الله سبحانه، والأصل أن يذكر الله سبحانه، وأن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فإذا جلس في المجلس فضحك كثيراً وكثر كلامه ناسياً، ثم تذكر في آخر مجلسه فليقل: (سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك) إذا جلس العبد في مجلس ولم يذكر الله سبحانه فليقل: سبحانك! أسأنا في حقك! نقدسك يا ربنا! نجلك أن نجلس في مكان ولا نذكرك فيه، أخطأنا بذلك، سبحانك اللهم ربنا وبحمدك. أي: أسبحك وأقدسك وأحمدك يا رب، أشهد أن لا إله إلا أنت -كلمة التوحيد- أستغفرك وأتوب إليك، قال: (إلا غفر له ما كان في مجلسه ذلك). حديث آخر عن أبي برزة في المعنى نفسه، يقول ﵁: (كان رسول الله ﷺ يقول بأخرة إذا أراد أن يقوم من المجلس)، (يقول بأخرة) في النهاية، وكأنه في الأول بعدما هاجر إلى المدينة صلوات الله وسلامه عليه مكث فترة فيها لم يكن يقول ذلك، وفي النهاية قرب آخر حياته ﷺ كان يقول هذا الذكر، فهذا معنى (بأخرة) يعني: في آخر عمره ﷺ ، فكان يقول: (سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك)، وهل يعقل أن النبي ﷺ سيجلس في مكان يكون فيه ذنوب؟! مستحيل أن يجلس في مجلس كهذ، ولكنه كان يجلس مع أصحابه ﷺ ، وكان يحب أن يذكرهم بذلك، فهو إذا جلس في مجلس إما أن يذكر الله سبحانه ﵎ في سره أو يذكر الله مع أصحابه، ويعودهم أن يقولوا ذلك في ختام المجلس. فقالوا: (يا رسول الله! إنك لتقول قولاً ما كنت تقوله فيما مضى؟)، ما هو الذي حصل؟ فقال ﷺ : (ذلك كفارة لما يكون في المجلس). قد تكون أنت في المجلس ولم تسئ، ولكن أحد الجالسين أساء فيلزمك أن تنهى عن المنكر، فإذا تجاوزت وسكت يكون ذلك الذكر كفارة لسكوتك، وكفارة لهذا المجلس الذي شهدته.

стр. 839

ذكر دعاء (اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك) في آخر المجلس حديث آخر رواه الترمذي عن ابن عمر ﵄ قال: (قلما كان رسول الله ﷺ يقوم من مجلس حتى يدعو بهؤلاء الدعوات)، يعني: قل أن يقوم من مجلس إلا وهو يقول -يعني: كثيراً- في مجالسه التي كان يجلسها: (اللهم اقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا وبين معاصيك)، هذا لفظ الترمذي، والذي ذكره الإمام النووي هنا: (اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك)، ولعلها في نسخة أخرى عند الإمام النووي ﵀، ثم قال: (ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك). فهذا الدعاء: (اللهم اقسم لنا من خشيتك)، إذا جعل الله في قلبك الخشية حال بينك وبين معاصيه فقوله: (اللهم اقسم لنا من خشيتك)، يعني: أعطنا من الخشية، وقد يعطيك خشية لا تقدر معها على الصبر على شيء قد يكون؛ ولذلك المعنى: أعطنا خشية نقدر عليها، وقد يجعل الله في قلب العبد خشية حتى يكون مرعوباً من الله، ويشتد خوفه من الله حتى ييئس من رحمة الله ، فهنا يقول: أعطنا من الخشية ما يحول بيننا وبين المعاصي، أي: الخشية التي تمنعنا من المعاصي، وليس الخشية التي تيئسنا من روح الله ورحمته ﵎. قوله: (ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك) أعطنا الطاعة التي تبلغنا جنتك، فيفتح لك أبواب الطاعة فتطيع الله في كل أمر من الأمور الطاعة التي تبلغك جنته. ثم قال: (ومن اليقين ما تهون به علينا مصيبات الدنيا)، ذكر الإمام النووي في اللفظ هنا: (ومن اليقين ما تهون علينا مصائب الدنيا)، وهو نفس المعنى، اليقين: قوة الإيمان الذي هو التصديق والثقة بالله ، فيمتلئ قلب العبد باليقين والثقة بالله سبحانه، وبالإيمان فإذا به تهون عليه الدنيا وتهون عليه مصيبته فيها. والنبي ﷺ أصيب بمصيبات في هذه الدنيا! وابتلي صلوات الله وسلامه عليه بمصائب من هذه الدنيا وصبر عليها صلوات الله وسلامه عليه! انظر كيف مات عمه الذي كان يدافع عنه، وماتت زوجته في العام نفسه الذي مات فيه عمه! فهذا بلاء شديد جداً على النبي ﷺ وهو يدعو إلى الله والناس يكذبونه. والله لو كان الناس مصدقين للنبي ﷺ ويواسونه لكان سهل عليه الأمر، أما أن يكذبه كل الناس فهذا لا يحتمله إنسان ثم إن عمه الذي كان يدافع عنه مات كافراً فهذه مصيبة شديدة جداً على قلبه صلوات الله وسلامه عليه، وفي العام نفسه ماتت زوجته خديجة رضي الله ﵎ عنها فأي مصيبة أفظع من هذه المصيبة؟! وإذا به صلوات الله وسلامه عليه يخرج من مكة إلى الطائف وهو مهموم يبحث عن أحد هناك يستقبله ﷺ ويقبل دعوته ويأمن معه صلوات الله وسلامه عليه؛ فيستقبله أوباش القوم وسفلتهم يقذفونه بالحجارة حتى جرحوه صلوات الله وسلامه عليه، ومع ذلك صبر صبراً عظيماً يدعو ربه سبحانه ﵎، ويأتي إليه ملك الجبال ويقول له وهو في كرب عظيم صلوات الله وسلامه عليه: (إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين)، إذا أردت أن أطبق عليهم جبال مكة فعلت، فيقول النبي ﷺ : (لا، ولكن أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله ولا يشرك به شيئاً). فكافأه الله سبحانه ﵎ على هذا الصبر بالإسراء والمعراج، فعرج به صلوات الله وسلامه عليه إلى السماء ليزداد طمأنينة وإيماناً مع إيمانه صلوات الله وسلامه عليه، ويرجع إلى هذه الأرض حيث يصبر على ابتلاء الله سبحانه. ويهاجر إلى المدينة صلوات الله وسلامه عليه ويموت أولاده الواحد وراء الآخر، ويأتي الأعداء إلى النبي ﷺ فيقاتلهم ويجاهد في سبيل الله، ويجرح صلوات الله وسلامه عليه ويصبر، فهذه مصائب من مصائب الدنيا. وكان ﷺ قل أن يقوم من مجلس إلا وهو يدعو بهذا الدعاء: (اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا). فيدعو النبي ﷺ ربه سبحانه أن يمتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا، فالإنسان عندما يكون له سمعه وبصره وقوته فهو في عافية عظيمة من الله ، فلو فقد الإنسان سمعه فسيقول: أصرف مالي كله على العلاج من أجل أن يرجع لي السمع مرة ثانية. والبصر كذلك والقوة والعافية، فهو يقول: متعنا بهذه الأشياء، حتى نعبدك سبحانك فيكون المعنى: أعطني السمع لأسمع أوامرك وأستمع إلى كتابك وأستمع إلى ما تريد مني أن أسمعه، كذلك البصر! فأنظر في كتابك وأنظر في أحوال المسلمين وأنظر فيما ينفعني في ديني ودنياي. ثم قال: (واجعله الوارث منا)، وكأن هذه الأشياء بمقام الورثة من الإنسان، كأنه يقول: اجعل ما تأخذه منا عند موتنا وتسلبنا هذه الأشياء عند موتنا بمقام الوارث أنها تظل معنا حتى تتوفانا يا ربنا، واجعله الوارث منا. قوله: (واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا)، لا تجعل الثأر على المظلومين ولا على المطيعين ولكن اجعل الثأر والبأس على الظلمة لنأخذ بحق الدين منهم. قوله: (وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا) كل مصيبة تهون إلا أن تكون في الدين فالمصيبة في الدين فظيعة وعظيمة، والإنسان الذي يبتلى في دينه ويضيع دينه لا يدري لعله يموت على ذلك فيصير إلى النار أبداً والعياذ بالله. فهنا يقول ﷺ : (ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا)، فالله هو الذي يجعل حب الدنيا في القلب، وهو الذي ينزع ذلك من قلبه، فهو يدعو ربه سبحانه ألا يجعل حب الدنيا في قلبه: (لا تجعل الدنيا أكبر همنا)، ولكن أكبر الهم هو هم الدين، فالذي يهمك ويشغلك ويجعلك تفكر ليل نهار في كيفية إقامة هذا الدين، وفي كيفية طاعة الله سبحانه، فحين يكون هذا هو أكبر الهم عندك، فإن الله يهون عليك كل هم سواه. قوله: (ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا)، يوجد أناس علمهم لا يتجاوز الدنيا، يعرف الحساب يعرف العربي يعرف كذا يعرف كذا ولا يتجاوز علمه ذلك، فلا يذكر الموت وليس على باله، وليس على باله الآخرة، وليس على باله الحساب والجزاء والجنة والنار، فالنبي ﷺ يقول: لا تجعل الهم الذي نحن فيه هو هم الدنيا: (لا تجعل الدنيا أكبر همنا)، ولا تكون هذه الدنيا مبلغ علمنا، تجد بعض الناس يعبد غير الله سبحانه ﵎ ولا يفهم ما الذي يعبده، يعبد صنماً! يعبد وثناً! وهو ربما في الدنيا معه شهادة دكتوراه ولكنه لا يفهم شيئاً من أمور دينه! فهذا دكتور سافر ليأخذ الدكتوراه من اليابان، ولما وصل هناك وجد الناس يذهبون إلى المعابد ليتعبدوا، أناس كبار وأساتذة ودكاترة في الجامعة يأخذون معهم أجراساً وهم ذاهبون إلى المعبد، فسأل أحدهم: ماذا تعمل بهذا الجرس؟ فقال: أذهب لأوقض الإله في المعبد! أي إله هذا الذي ستوقظه؟! يعني: الإله نائم لا يدري ماذا تعمل فأنت توقظه في المعبد؟! ومع هذا هو لا يريد أن يفكر في هذا الشيء. فهو انشغل في أمر الدنيا ووصل إلى مراحل عظيمة جداً في علوم الدنيا كعلوم الطب وعلوم التكنولوجيا والصناعات وغيرها، لذلك فهو لا يفكر في أمر الدين. فالنبي ﷺ يدعو بهذا الدعاء: (لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا)، ولكن يكون هم الإنسان الآخرة، وليس معناه أنه لا يطلب الدنيا، بل الله يقول: ﴿وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص:٧٧] ويقول: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال:٦٠]، فالمؤمنون يلزمهم أن يأخذوا بأسباب التقدم والنهضة في الدنيا، وأسباب إقامة هذا الدين العظيم، ولكن لا يغفل العبد عن دين الله سبحانه. ثم قال ﷺ : (ولا تسلط علينا من لا يرحمنا)، لا تجعل علينا والياً ممن يعادينا، أو ممن يداهن الأعداء؛ لأنه إذا تسلط على المؤمنين وتولى عليهم من يرحمهم فهذا حسن، أما إذا تولى أمورهم من لا يرحمهم فهذه عقوبة من الله بما جنت أيدي الناس. وعلى هذا فيستحب للمؤمن إذا قام من مجلسه أن يقول هذه الأذكار: الذكر الأول: (سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك). الذكر الثاني: (اللهم اقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك ومن اليقين ما تهون به علينا مصيبات الدنيا، ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا، وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا من لا يرحمنا).

стр. 840

أحاديث في التحذير من الغفلة عن ذكر الله في المجالس كذلك من الأحاديث ما رواه أبو داود بإسناد صحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما من قوم يقومون من مجلس لا يذكرون الله تعالى فيه إلا قاموا عن مثل جيفة حمار، وكان لهم حسرة)، هذا لفظ أبي داود، ولفظ الإمام أحمد (وكان ذلك المجلس عليهم حسرة يوم القيامة). والحديث الذي رواه الترمذي ولفظه: (ما جلس قوم مجلساً لم يذكروا الله تعالى فيه ولم يصلوا على نبيهم إلا كان عليهم ترة، فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم). والحديث الثالث كذلك بمثل هذا المعنى عند أبي داود وفي مسند الإمام أحمد ذكر فيه: (من قعد مقعداً لم يذكر الله تعالى فيه كانت عليه من الله ترة، ومن اضطجع مضجعاً لا يذكر الله تعالى فيه كانت عليه من الله ترة).

стр. 841

فضل ذكر الله تعالى لقد أمرنا الله بذكره فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب:٤١ - ٤٢]، فالمؤمن دائماً يجعل اللذة والمتعة في أنسه بالله سبحانه، وفي طاعته لله وذكره له، ويتذوق حلاوة طعم الذكر فيذكر الله سبحانه عند طعامه وشرابه، وعند خروجه من بيته ودخوله، وعند خروجه من المسجد ودخوله فيه، وعند دخوله الخلاء، وعند نومه وقيامه في الليل ونحو ذلك، فيذكر الله سبحانه ﵎ ذكراً كثيراً، وقد أمر الله بذلك فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب:٤١ - ٤٢]، فإذا كان الإنسان ماشياً في طريق ولم يذكر الله سبحانه، وإنما يذكر الدنيا فهو مشغول بأمر الدنيا، والكثير منا للأسف على هذه الحال حتى ولو ذكروا لا يتذكرون. فالإنسان قد يسمع الأذان فيردد الأذان، ولكن تجد الكثير منا يسمع الأذان ولا يبالي بترديده وراء المؤذن، وقد يكون جائياً إلى بيت الله سبحانه، ولكن أخذه الحديث في الدنيا، وكثير من الإخوة نمشي معهم على هذه الصورة، المؤذن يؤذن وهو يتكلم مشغول بأمر الدنيا! فهنا يخبرنا النبي ﷺ أنك إذا قمت من المجلس ولم تذكر الله سبحانه، كان عليك حسرة وإذا أخذت مضجعك ولم تذكر الله، كان عليك ترةً يوم القيامة، وترة بمعنى: حسرة يتحسر الإنسان يوم القيامة، فيقول: يا ليتني ذكرت الله، لو كنت ذكرت الله سبحانه ﵎ لكان رفعني أعلى من الدرجة التي أنا فيها الآن؛ ولذا يوم القيامة يسمى بيوم التغابن، اليوم الذي يرى كل إنسان فيه نفسه مغبوناً منقوصاً من حقه، من الذي نقصه؟ ليس هو الله ، وإنما نفسه: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت:٤٦]. فالإنسان خدع نفسه في الدنيا، يسوف في الطاعة، ويسوف في التوبة، فإذا به يغبن في هذه الدنيا، فيوم القيامة يتذكر ويقول: يا ليتني! عن أبي هريرة مرفوعاً: (ما من قوم يقومون من مجلس لا يذكرون الله تعالى فيه إلا قاموا عن مثل جيفة حمار، وكان لهم حسرة). ورواه أحمد بلفظ: (وكان ذلك المجلس عليهم حسرة يوم القيامة)، فإذا جاء يوم القيامة تذكر هذا المجلس وكان حسرة عليه، وفي الدنيا يقومون عن مثل جيفة حمار! كأنه وليمة، والوليمة هذه الذي يدعي إليها الناس يكون فيها طعام طيب، فهذه الوليمة التي كان فيها هذا الكلام الخبيث كأنهم جلسوا ليأكلوا حماراً منتناً، فقاموا عن مثل هذا المجلس، كيف يكون عليهم يوم القيامة؟! فيكون عليهم حسرة يوم القيامة. وفي الحديث الآخر قال: (ما جلس قوم مجلساً لم يذكروا الله تعالى ولم يصلوا على نبيهم ﷺ فيه إلا كان عليهم ترة)، فاحرص على أن تذكر الله سبحانه ﵎ فيه، وأن تصلي على النبي ﷺ حتى لا يكون عليك حسرة يوم القيامة. ثم قال: (إلا كان عليهم ترة، فإن شاء عذبهم، وإن شاء غفر لهم) إذا أخذتم المجلس كله في اللهو وفي ذكر الناس بالغيبة والنميمة وأتيتم على ذكر الله فامتنعتم يكون ترة على أصحابه، إن شاء الله غفر لهم، وإن شاء عذبهم بذلك. الحديث الأخير فيه: (من اضطجع مضجعاً لا يذكر الله تعالى فيه)، فهنا ذكر الاضطجاع والجلوس، وجاء في مسند الإمام أحمد أيضاً أن من مشى في طريق لم يذكر الله سبحانه ﵎ فيه إلا كان عليه ترة. والمؤمن عندما يتذكر الثواب المترتب على ذكر الله ويقارن عندما نقعد نتكلم في سيرة فلان أوعلان، ونتكلم عن عملنا في هذا اليوم، وماذا سنعمل غداً وكذا أين الثواب الموجود في هذه الأشياء؟ قد يكون كلاماً نحتاج إليه ولكن لو خلط هذا الكلام بذكر الله لكان لنا عند الله منزلة. فلو أنك ذكرت الله ولو بقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، اللهم صل على محمد صلوات الله وسلامه عليه، وتذكر الله سبحانه، وتصلي على النبي ﷺ ؛ كان لك الأجر العظيم عند الله، وكنت يوم القيامة في منازل الصالحين. نسأل الله أن يجعلنا من عباده الصالحين. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 842

شرح رياض الصالحين - ما جاء في الرؤيا وما يتعلق بها الرؤيا الصالحة من مبشرات النبوة، يعطيها الله للمؤمن تثبيتاً له وتبشيراً له بالخير، ومن رأى رسول الله ﷺ حقاً فسيراه حقيقة يوم القيامة، فالشيطان لا يتمثل به، وليس شرطاً أن كل مؤمن يرى رؤيا صالحة، وقد علمنا النبي ﷺ أن نقص الرؤيا الصالحة على من نحب، وإن كانت رؤيا تكرهها فلا تقصها على أحد، بل انفث ثلاثاً عن يسارك واستعذ بالله من شرها.

стр. 843

الرؤيا الصالحة من المبشرات وهي جزء من أجزاء النبوة الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الإمام النووي ﵀: [باب الرؤيا وما يتعلق بها. قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ [الروم:٢٣]. وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لم يبق من النبوة إلا المبشرات قالوا: وما المبشرات؟ قال: الرؤيا الصالحة) رواه البخاري. وعنه أن النبي ﷺ قال: (إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب، ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة) متفق عليه. وفي رواية: (أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثاً). وعنه قال: قال رسول الله ﷺ (من رآني في المنام فسيراني في اليقظة -أو كأنما رآني في اليقظة- لا يتمثل الشيطان بي) متفق عليه. هذه أحاديث يذكرها الإمام النووي ﵀ في باب الرؤيا وما يتعلق بها، والرؤيا: ما يراه الإنسان في منامه فإما أن يرى الإنسان في منامه خيراً، أو يرى شراً، فالذي يريده يجده وهو في منامه، أو أنه يرى شيئاً من تفكير ويحدث نفسه بها، أو تكون هذه الرؤيا من الله نوعاً من البشارة لهذا المؤمن، ولذلك في الحديث: (لم يبق من النبوة إلا المبشرات) فذكر أن المبشرات هي الرؤيا الصالحة.

стр. 844

النوم من آيات الله يقول الله سبحانه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [الروم:٢٣]. ويقوله سبحانه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾ [الروم:٢٢]. فالعالم يرى هذه الآيات العظيمة العجيبة من آيات الله سبحانه، فمن الآيات اختلاف ألسنتكم وألوانكم، هذا أبيض، هذا أحمر، هذا أسود، هذا كذا، تختلف الألوان والخالق واحد ، واختلاف ألسنتكم، هذا يتكلم بالعربية، وهذا الإنجليزية، وهذا فرنسية، هذا لسان عربي مبين، وهذا أعجم، والذي خلقهم هو الله الواحد الذي يسمع جميع الكلمات بجميع اللغات، ويستجيب لجميع الدعوات ، فهذه آية من آياته سبحانه. ومن آياته المنام بالليل والنهار، والكل ينام ولا يوجد أحد لا ينام، إلا أن يكتب الله عليه الأرق والمرض ليريكم آية من آياته ، وأنكم محتاجون إلى هذا النوم، ولو مرت عليه أيام وليالٍ لا ينام يحدث فيه شيء فيجن في النهاية، ومنهم من يتعب ويموت إذا حرم من هذا النوم الذي يحتاجه، وهذا ينام بطريقة معينة، وهذا نومه بطريقة معينة، وهذا يرى رؤيا، وهذا لا يرى، والذي يجعل هذا كله هو الله ، فهو يدبر كونه سبحانه ويريكم اختلاف الأشياء، فهو الله الواحد ، وهو الذي خلق هذا كله، فآية من آيات الله سبحانه، هذا ينام ويرى رؤيا، وهذا ينام ويرى حلماً من أحلام الشيطان، وهذا ينام ويرى كذا، وهذا ينام ولا يرى شيئاً، والكل يجمعهم النوم، وهذا يقوم مفزوعاً من النوم، وهذا يقوم مسروراً من النوم، وهذا يقوم وكأنه لم ينم، وهكذا. فالله يريكم آيات من آياته ، والإنسان يحتاج إلى هذا النوم، فإذا استيقظت من نومك حمدت الله سبحانه على أن جعلك تنام وتستريح، ثم أحياك بعدما أماتك وإليه المصير سبحانه، وإليه النشور ، فمن آياته منامكم بالليل والنهار، وتحتاجون إلى هذا النوم، وتعرفون قدرة الله وقوته وغناه ، وهو سبحانه لا يحتاج إلى شيء، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]. وهو سبحانه لا يحتاج إلى النوم وفي الحديث: (إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام) ، ويذكر النبي ﷺ أن النوم أخو الموت، ولذلك أهل الجنة لا ينامون، ولا يحتاجون إلى النوم؛ لأنه لا تعب في الجنة ولا مشقة، فلا ينام أهل الجنة، بل يستمتعون في كل الأحيان وفي كل الأوقات، وبكل شيء يستمتعون، نسأل الله أن يجعلنا من أهل جنته. يقول لنا ربنا سبحانه: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥]. السِنَة: الخفيف من النعاس، والنوم: الثقيل من النعاس، فلا تأخذ الله سنة ولا نوم، ولا يعتريه ذلك ، فالله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، بيده القسط والميزان يخفض ويرفع .

стр. 845

شرح حديث: (لم يبق من النبوة إلا المبشرات) يقول أبو هريرة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لم يبق من النبوة إلا المبشرات، قالوا: وما المبشرات؟ قال: الرؤيا الصالحة) هذا الحديث جاء في رواية عن النبي ﷺ أنه ذكر (لم يبق من النبوة إلا المبشرات قالوا: ما المبشرات؟ قال: الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو ترى له) إذاً: ترى أنت في منامك رؤيا صالحة، أو إنسان من المؤمنين يرى لك رؤيا طيبة صالحة، فتفرح أنت وتسر بهذا الشيء. وفي الحديث الآخر: (إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب، ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة) متفق عليه، يعني: اقتربت مدة انتهاء هذه الدنيا، وهذا من رحمة الله بعباده، فكلما يقترب زمان الآخرة يبتعد الناس عن زمان النبوة، ويكثر الكفر ويكثر الفسوق، ويكثر التكذيب بآيات الله سبحانه، وبأحاديث الرسول صلوات الله وسلامه عليه، فيجد المؤمن نفسه غريباً في الدنيا فيحتاج إلى ما يثبته، فالله يجعل هذه الرؤيا بشارة له، وتثبيتاً له فيطمئنه بذلك، ويثبت قلبه بهذه الرؤيا الصالحة الصادقة التي يراها، وكلما كان الإنسان صادقاً كانت رؤياه صادقة حقيقية، وكلما كثر كذبه كان بعيداً عن الرؤيا الصالحة الصادقة. يقول في الحديث: (إذا اقترب الزمان، لم تكد رؤيا المؤمن تكذب) أي: لم يكد يرى الرؤيا إلا وتتحقق كما رأى، ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة، أو جزءاً من ستين جزءاً منه، أو من سبعين أو من تسعين جزءاً أو من خمسة وعشرين جزءاً من النبوة، والمعنى: أن النبوة أجزاء، والرؤيا من صفات النبوة، يكون فيهم كذا ويكون فيهم كذا، فمن ضمن صفات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، الرؤيا الصادقة الصحيحة، لا يعتريهم الوساوس؛ لأنهم معصومون قد عصمهم الله، فالمؤمن كلما ازداد صدقاً اقترب من هذه الصفة، وليس معناه: أنه يصير نبياً، وليس كل من يرى الرؤيا الصادقة يصير إنساناً مؤمناً، ليس شرطاً هذا الشيء، ولكن الغالب ذلك، وقد يرى الكافر رؤيا صادقة صحيحة، ولكن المقصد هنا: أن الله يطمئن المؤمنين بمثل ذلك، ويكثر فيهم ذلك كلما اقترب الزمان؛ تثبيتاً من الله لهم، وتبشيراً لهم، فيرى المؤمن رؤيا صالحة ويسر بها في هذا الزمن الذي يرى الإنسان نفسه أنه يعيش وحيداً، وأنه يعيش غريباً في وسط الناس، فالله يؤنسه بهذه الرؤيا، فقال: (رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة) أي: جزء من أجزاء النبوة أو صفة من الصفات التي فيها الرؤيا الصالحة، فهذا الإنسان كلما ازداد صلاحه اقترب من هذه الصفة التي عند الأنبياء, وهي صفة الصدق في الرؤيا. قال النبي ﷺ : (أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثاً) الإنسان الذي يريد أن يرى رؤيا صادقة، لا بد أن يصدق في الحديث، فقد يكون صادقاً في كلامه، فالله يمن عليه بذلك، والإنسان الكذاب نادراً ما يرى الرؤيا الصحيحة، وليس معناه: يستحيل أن يرى، بل الكافر يرى الرؤيا الصادقة أحياناً فكيف بالإنسان المسلم؟! ولكن المعنى في الحديث: أن الإنسان الصادق كثيراً ما يرى الرؤيا الصادقة من الله ويحدث فيها ما رآه، أو تكون فيها بشارة لهذا المؤمن على ما رآه.
следующие страницы →