Полный текст (1 057 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
بيان حكم الكرع ومعناه
روى البخاري عن جابر ﵁ (أن رسول الله ﷺ دخل على رجل من الأنصار ومعه صاحب له، فقال رسول الله ﷺ : إن كان عندك ماء بات هذه الليلة في شنة وإلا كرعنا) رواه البخاري.
والشنة: هي القربة، والمعنى: أن النبي ﵌ يحب أن يكون الماء بايتاً في القربة، ومعلوم أنك إن ملأت قربة من الماء وتركتها إلى أن تبيت، فإن كان الماء متعكراً بالتراب فسيصفى وينقى، حيث ينزل التراب إلى أسفل القربة، أما إذا ملئت القربة قريباً ولم يبت الماء فيها فسيبقى فيها أثر التعكر بالتراب، وهذا هو مقصد النبي ﵌.
وقوله: (وإلا كرعنا)، وهذه وإن كان ليست عادة النبي ﷺ إلا كأن ذلك كان مراعاة للحال، حيث لم يجد عند الرجل شيئاً أمامه، وكأنه وجد ماء في إناء كبير ومرتفع، ولم يجد كيزاناً ليشرب، ولعل يده كانت متسخة أو فيها قذى معين، فيلجأ إلى الكرع: وهو أخذ الماء بفمه من ذلك الإناء.
ويحتمل أن يكون قال ذلك تواضعاً منه ﵌، وكأنه يقول لصاحب الدار: إنا لن نثقل عليك، ولن نكلفك بأن تشتري لنا كيزاناً، أو تأتي بها من جيرانك، بل إذا لزم الأمر سنكرع من هذا الإناء كرعاً، وفيه دلالة على أدب النبي ﷺ وتواضعه الجم.
стр. 772
حكم استعمال الحرير والديباج والذهب والفضة
عن حذيفة ﵁ قال: إن النبي ﷺ نهانا عن الحرير والديباج، والشرب في آنية الذهب والفضة وقال: (هي لهم في الدنيا، وهي لكم في الآخرة) متفق عليه.
والحرير: هو ما كان ثوباً خالصاً من حرير، فإن كان الحرير رقيقاً سمي بالسندس، وإن كان غليظاً سمي بالإستبرق، وقد يكون مخلوطاً بغيره فيسمى بالديباج، وذلك كأن يكون الثوب الحرير فيه بعض الصوف، إلا أن الغالب عليه أنه حرير.
فالنبي ﷺ نهى الرجل أن يلبس ثوباً خالصاً من حرير، أو ثوباً أكثره حرير.
ويجوز أن تكون بعض الخيوط في الثوب الذي تلبسه حريراً، لكن بمقدار أصبع أو أصبعين، أو ثلاث أو أربع كأقصى حد، فقد رخص فيه النبي ﷺ .
فقال: (نهانا النبي ﷺ عن الحرير والديباج، والشرب في آنية الذهب والفضة) أي: لا يجوز لك أن تشرب أو تأكل في آنية الذهب والفضة؛ لأنه لا يفعل ذلك إلا المستكبرون، وأنت عبد مؤمن متواضع لله ، ومن فعل ذلك فقد حرمه الله من الجنة، وكان مصيره إلى النار، فلا تفعل هذا الشيء، فيكون مصيرك النار.
قال: (هي لهم في الدنيا) أي: الكفار في الدنيا يستخدمونها ويستكبرون بها، أما أنتم فهي لكم في الجنة، ومن ذا الذي يضيع الجنة بأن يأخذ حظه في الدنيا، فيبدل الشيء العظيم بالشيء التافه الحقير الذي لا قيمة له؟ قال ﷺ : (هي لهم في الدنيا، وهي لكم في الآخرة).
فإذاً: لا يجوز للإنسان أن يأكل ويشرب في آنية الذهب والفضة، فإن كانت أواني الذهب والفضة محرمة في العبادة حيث لا يجوز للإنسان أن يتوضأ من إناء ذهب أو فضة، فهذا من باب أولى في النهي عنه.
عن أم سلمة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: (الذي يشرب في آنية الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم) متفق عليه.
وفي رواية لـ مسلم: (إن الذي يأكل أو يشرب في آنية الفضة والذهب إنما يجرجر في بطنه نار جهنم)، والمعنى: كأن من يشرب في إناء الذهب والفضة يعجل على نفسه نار جهنم والعياذ بالله.
ومن هذا الحديث نعرف لم قذف حذيفة دهقان الفرس بإناء الذهب أو الفضة، وذلك أن حذيفة ﵁ عطش ذات مرة وكان أميراً في المدائن ﵁، فطلب ماءً فإذا بالدهقان يأتي له بإناء من ذهب أو فضة فيه ماء، فأخذه وقذفه به؛ وذلك لأن هذا الرجل عرف نهي النبي ﷺ ، ولكنه كان يستهين بهذا النهي، ولذلك التفت لمن معه وقال: أما إني لو لم أنهه مرة ولا مرتين ولا ثلاثة، يعني: أنا نهيته كذا مرة، إلا أنه متعمد لمخالفة ما قاله النبي ﷺ ، فاستحق أن يقذفه بهذا الإناء ليؤدبه، والله أعلم.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 773
شرح رياض الصالحين - استحباب الثوب الأبيض واستحباب القميص وصفة طوله
ما ترك النبي ﵊ شيئاً ينفعنا إلا وعلمنا إياه، ولا شيئاً يضرنا إلا حذرنا منه، حتى في أمور اللباس، فقد رغب في لبس الثوب الأبيض، وبين جواز لبس جميع أنواع الثياب من القطن والكتان والصوف، وحرم لبس الحرير للرجال دون النساء.
стр. 774
استحباب الثوب الأبيض
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الإمام النووي ﵀: [كتاب اللباس.
باب: استحباب الثوب الأبيض وجواز الأحمر والأخضر والأصفر والأسود، وجوازه من قطن وكتان وشعر وصوف وغيرها إلا الحرير.
قال الله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف:٢٦].
وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ [النحل:٨١].
وعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (البسوا من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم) رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
وعن سمرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (البسوا البياض فإنها أطهر وأطيب، وكفنوا فيها موتاكم) رواه النسائي والحاكم وقال: صحيح.
وعن البراء ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ مربوعاً، ولقد رأيته في حلة حمراء ما رأيت شيئاً قط أحسن منه) متفق عليه].
هذا كتاب آخر من كتب رياض الصالحين للإمام النووي ﵀، ويتكلم فيه عن اللباس، بعدما تكلم عن آداب الطعام والشراب يتكلم هنا عن الثياب التي يلبسها الإنسان، والأدب في ذلك.
قال في الباب الأول: استحباب الثوب الأبيض وجواز الأحمر، والأخضر، والأصفر، والأسود.
المعنى: أن أي لون من ألوان الثياب جائز، سواء للرجال أو للنساء، والمستحب الثوب الأبيض، وغيره جائز.
قال: وجوازه من قطن وكتان وشعر وصوف، يعني: أي نوع من الأنواع إلا أن يكون محرماً مثل الحرير يحرم على الرجال، فلا يجوز للرجل أن يلبس ثوب حرير.
والأدلة على ذلك: قال الله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا﴾ [الأعراف:٢٦]، الله أنزل على العباد ما يلبسونه، والله سبحانه ﵎ خلق لهم ذلك، فجعل لهم ثمانية أزواج من الضأن اثنين، ومن المعز اثنين، ومن الإبل اثنين، ومن البقر اثنين، وذكر أننا نستفيد من هذه الأشياء فنأخذ من أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثاً ومتاعاً إلى حين، فالله أنزل ذلك وخلقه في الأرض للناس لينتفعوا به.
فالإنزال من عند الله سبحانه ﵎، ومجيء الخير من عنده، وهو الذي خلق الإنسان، وهو الذي رزقه سبحانه ﵎، ينزل المطر من السماء على الأرض، فيخرج منها الزرع للإنسان من كتان، ومن قطن ونحوهما، أنزل الله من السماء مطراً فأخرج الله به النبات للعباد، فكان منه ثياب العباد: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا﴾ [الأعراف:٢٦]، الريش والرياش الثياب التي يتجمل بها الإنسان، فقد يواري سوأته بثوب يكون قبيحاً، ولكن الثوب الجميل الذي يتزين به الإنسان هو الريش.
قال: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف:٢٦] يعني: من وراء ذلك ما هو خير لكم وأفضل لكم مع كونكم تنتفعون بذلك، فلا تنسوا أن الله قد أعطاكم ما هو خير وأفضل لكم من ذلك، وهو أن تتجملوا بلباس التقوى فهو زادكم كما قال: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة:١٩٧]، وهو لباسكم الذي تتجملون به، فالإنسان زاده طعامه وشرابه وتقوى الله سبحانه ﵎، وإذا عمر ظاهره وباطنه بتقوى لله حصل خير مقصود له، وهو جنة الله سبحانه، وإنما ينالها من اتقى الله سبحانه ﵎ كما قال الله: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا * حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا﴾ [النبأ:٣١ - ٣٢]، ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ﴾ [القمر:٥٤]، ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الحجر:٤٥]، ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ﴾ [الطور:١٧]؛ فنالوا بتقواهم جنات رب العالمين نسأل الله أن يجعلنا من أهلها.
وقال سبحانه: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ﴾ [النحل:٨١] سرابيل: قمص تلبسونها، يلبس الإنسان هذا السربال ويتسربل به الإنسان، ويلبس العباية ويتسربل بها الإنسان.
قال: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل:٨١] في الصيف تلبسون ثياباً تقيكم الحر، وفي الشتاء تلبسون ثياباً تقيكم البرد، وتلبسون ثياباً تقيكم بأسكم يعني: تقيكم من أعدائكم، وهو لبس الزرود ولبس الدروع، ولبس الخوذات.
стр. 775
شرح حديث: (البسوا من ثيابكم البياض)
عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (البسوا من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم).
هذا الحديث جاء عن ابن عباس وجاء عن سمرة ﵄، وفيه أن النبي ﷺ ذكر اللون الأبيض من الثياب قال: (البسوا البياض) واللون الأبيض فيه جمال، وفيه طهارة، حيث إن الثوب الأبيض إذا كان عليه شيء من تراب أو من وسخ أو من نجاسة تظهر فيه، ولذلك عندما تدعو تقول: (اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس) يعني: لا تترك علي خطيئة لا ظاهرة ولا باطنة، حتى لا يكون علي شيء منها يوم القيامة، والثوب الأسود قد يغسله الإنسان وعليه بعض الكدرات فلا تظهر عليه، فيغسل أدنى غسل ويتنظف الثوب، أما الثوب الأبيض فلا بد أن تغسله جداً من أجل ما يبقى عليه أي أثر من الدرن أو الوسخ.
قال: (البسوا من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم) من السنة تكفين الميت بالكفن الأبيض، ولبس الحي للثوب الأبيض، وعلل الأمر بلبس البياض فقال: (فإنها أطهر وأطيب)، فالثوب الأبيض أطهر للإنسان، فإذا وقع فيه شيء من الوسخ يبدو له فيغسله بسرعة، فهو أطهر وأطيب للإنسان، كما أنه لون جميل.
قال: (وكفنوا فيها موتاكم) الأمر هنا: للرجال والنساء.
стр. 776
شرح حديث: (كان رسول الله مربوعاً)
عن البراء ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ مربوعاً) المربوع الوسط، لا هو طويل طولاً بائناً، ولا قصيراً قصراً بائناً، لكنه كان وسطاً وإلى الطول أقرب ﵊.
وكان النبي ﷺ إذا مشى مع أصحابه ومنهم الطويل ومنهم القصير، فالناظر إليهم لا يجد أحداً يصل إلى النبي ﷺ ، فقد كان ربعة من الرجال ومع ذلك كان إذا مشى مع إنسان طويل فكأن النبي ﷺ أطول من هذا الذي يمشي معه ﵊! قال: (ولقد رأيته في حلة حمراء ما رأيت شيئاً قط أحسن منه) كان أجمل الخلق عليه الصلاة السلام، فنظر إليه البراء بن عازب وهو لابس حلة حمراء، قال بعض العلماء: يعني: كلها حمراء، وقال الإمام ابن القيم ﵀: فيها لون غير الأحمر؛ لأنه يرى أن لبس الرجل للون الأحمر ممنوع منه، ويحرم على الرجل أن يلبس الثوب الأحمر القاني الذي ليس معه لون آخر.
ودليل ابن القيم ﵀ على ذلك: أن النبي ﷺ : (نهى عن المعصفر من الثياب) المعصفر: هو الذي لونه أحمر، والصواب: أن اللون الأحمر ليس محرماً؛ لأنه ثبت في حديث البراء وفي حديث أبي جحيفة أيضاً: أنه لبسه النبي ﷺ ، ومسألة أن فيه لوناً آخر غير الأحمر هذا يحتاج إلى دليل ونقل من اللغة العربية أن البرد لا يكون إلا لونين، ونهي النبي ﷺ عن المعصفر يخص الذي صبغ بنبات العصفر، وهو يصبغ لوناً أحمر، فهذا هو الأحمر المحرم دون غيره؛ لأنه ثبت أن النبي ﷺ لبس الأحمر غير المعصفر، فعن أبي جحيفة وهب بن عبد الله السوائي قال: (رأيت النبي ﷺ بمكة وهو بالأبطح في قبة له حمراء من أدم) والأبطح مكان في مكة مأخوذ من البطحاء، والبطحاء الحصباء وهي الحجارة الصغيرة، فالنبي ﷺ لما انتهى من مناسك حجه ﷺ انتقل إلى البطحاء، فهو رأى النبي ﷺ وهو في قبة حمراء من أدم، والقبة هي الخيمة التي كان النبي ﷺ فيها، وكانت من جلد ولونها أحمر.
قال: (فخرج بلال بوضوئه) يعني: بالماء الذي توضأ به ﷺ ، قال: (فمن ناضح ونائل) يعني: كل يأخذ منه ليتبرك بأثر النبي ﷺ ، فيأخذ منه شيئاً فينضح على ثوبه من الماء الذي توضأ منه النبي ﷺ .
قال: (فخرج النبي ﷺ وعليه حلة حمراء كأني أنظر إلى بياض ساقيه) يعني: كان لابساً ﵊ لحلة حمراء، وما كانت مجرجرة على الأرض؛ لأنه رأى بياض ساقي النبي ﷺ ، ولو كانت تخفي الكعبين لما قال: (رأيت ساقيه، فقد كانت حلته ﷺ مرفوعة عن الكعبين قليلاً بحيث يبدو الساق.
قال: فتوضأ وأذن بلال، فجعلت أتتبع فاه هاهنا وهاهنا يقول يميناً وشمالاً: حي على الصلاة حي على الفلاح ثم ركزت له عنزة) كان بلال يؤذن ويقول يميناً وشمالاً: حي على الصلاة حي على الفلاح؛ ليسمع الجميع.
قال: (ثم ركزت له عنزة) يعني: ركزت للنبي ﷺ ، والعنزة عكازة صغيرة، وكان يحمل العنزة أحد أصحابه ﵊، فإذا أراد أن يصلي في صحراء ونحوها ولا توجد له سترة، فكان يركز له العنزة في الأرض.
إذاً: من السنة أن المصلي لا يصلي إلى الفراغ، ولكن يصلي إلى شيء قدامه مثل عمود، أو إنسان جالس أمامه، أو أي شيء يجعله سترة من نحو عكاز ونحوه، فالنبي ﷺ ركزت له هذه العنزة فتقدم فصلى ﵊ إليها.
قال: (يمر بين يديه الكلب والحمار ولا يمنعه) يعني: من وراء السترة، فإذا صليت وأمامك سترة ثم مر شيء من أمام السترة فلا شيء في ذلك.
ولماذا قال: (يمر بين يديه الكلب والحمار)؟ لأن النبي ﷺ أخبر أن مما يقطع الصلاة الكلب والحمار والمرأة الحائض، ومعنى يقطع أي: ينقص من صلاة المصلي، فكان يمر بين يدي النبي ﷺ ذلك من وراء العنزة، فطالما السترة موجودة فلا يضر ما مر من ورائها.
وهذا الحديث متفق عليه.
стр. 777
شرح حديث: (رأيت رسول الله وعليه ثوبان أخضران)
عن أبي رمثة رفاعة التيمي ﵁ قال: (رأيت رسول الله ﷺ وعليه ثوبان أخضران) فيه: بيان أنه يجوز أن تلبس الثوب الأبيض والثوب الأحمر والثوب الأخضر، وفي حديث جابر أن رسول الله ﷺ دخل يوم فتح مكة وعليه عمامة سوداء، فيجوز أن تكون العمامة حمراء أو بيضاء أو خضراء، ويجوز أن تكون سوداء، وكان لبسها النبي ﷺ يوم فتح مكة كما في صحيح مسلم.
وعن أبي سعيد عمرو بن حريث ﵁ قال: (كأني أنظر إلى رسول الله ﷺ عليه عمامة سوداء قد أرخى طرفيها بين كتفيه).
وفي رواية: (أن رسول الله ﷺ خطب الناس وعليه عمامة سوداء).
الراوي هنا أبو سعيد عمرو بن حريث يقول: (كأني أنظر) والمعنى: أنا ما نسيت هذا، وأنا متخيل كأني أرى النبي ﷺ أمامي، ومعناه: أنه مستحضر الحال، وهذا دليل على عدم النسيان، فالنبي ﷺ لبس عمامة سوداء وهو يخطب صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 778
شرح حديث: (كفن رسول الله في ثلاثة أثواب بيض)
عن عائشة ﵂ قالت: (كفن رسول الله ﷺ في ثلاثة أثواب بيض سحولية من كرسف ليس فيها قميص ولا عمامة) (ثلاثة أثواب بيض سحولية) مأخوذة من سحول وهي قرية في اليمن اسمها سحول تنسب إليها هذه الثياب، كانوا يصنعون فيها الثياب من القطن، والنبي ﷺ كفن في ثلاثة أثواب بيضاء.
стр. 779
شرح حديث: (خرج رسول الله وعليه مرط مرحل من شعر أسود)
عن عائشة ﵂ قالت: (خرج رسول الله ﷺ ذات غداة وعليه مرط مرحل من شعر أسود) يعني: خرج في الصباح (وعليه مرط) المرط هو الكساء.
(مرحل) مأخوذ من الرحل، والرحل هو الذي يوضع على ظهر البعير مثل الكرسي، ويجلس عليه الجالس، فكان هذا الثوب فيه أعلام، يعني على الثوب رسوم، وهذه الرسوم على هيئة الرحل الذي يوضع فوق ظهر الجمل، وليس هو الذي صنعها، فإما أنه اشترى الثوب، أو أهدي له ﷺ فلبسه، وفيه دليل على جواز لبس مثل هذه الثياب.
قولها: (من شعر أسود) يعني: هذا الثوب مغزول من شعر أسود.
стр. 780
شرح حديث: (وعليه جبة شامية ضيقة الكمين)
عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: كنت مع رسول الله ﷺ ذات ليلة في مسير فقال لي: (أمعك ماء؟ قلت: نعم.
فنزل عن راحلته فمشى حتى توارى) يعني: كان النبي ﷺ في سفر وفي ليلة من الليالي قال للمغيرة بن شعبة: أمعك ماء؟ كأنه يريد ﷺ أن يقضي حاجته ثم يتوضأ ﵊، فـ المغيرة قال: نعم، قال: (فنزل عن راحلته فمشى حتى توارى في سواد الليل ثم جاء) يعني: ذهب فقضى حاجته ﷺ ثم رجع، قال: (فأفرغت عليه من الإدواة) أي: من الكوز الذي فيه ماء، (فغسل وجهه وعليه جبة من صوف) كان النبي ﷺ لابساً جبة من صوف.
(فلم يستطع أن يخرج ذراعيه منها حتى أخرجهما من أسفل الجبة) كأن ذراع الجبة كان ضيقاً فما استطاع أن يخرج يديه منها حتى يتوضأ ويغسل يديه، وفي رواية أخرى: (وعليه جبة شامية ضيقة الكمين) وذكر في رواية: (أنها كانت في غزوة تبوك) يعني: في سنة تسع.
قال: (فغسل ذراعيه ومسح برأسه)، فهذا دليل على وجوب غسل اليدين إلى المرفقين حتى ولو كان الثوب ضيقاً، فلا يكسل الإنسان ويقول: أنا ما سأرفعه، ولكن يخلع الثوب حتى يستطيع أن يتوضأ أو يرفع الكم حتى يخرج يده فيغسل يديه إلى المرفقين.
قال: (فغسل ذراعيه ومسح برأسه ثم أهويت لأنزع خفيه) وهذا أدب من هذا الصحابي مع النبي ﷺ ، فالنبي ﵊ كان لابس خفين، وفرق بين خلع النعل والخف، فالنعل سهل الخلع، لكن الخف فحتى يزيله لا بد أن يفك الخف، والمغيرة ظن أنه يجب أن ينزع الخف من أجل أن يغسل رجليه ﷺ ، ولكنه كان مسافراً، والمسافر له أن يمسح على الخفين طالما أدخل رجليه وهما طاهرتان في الخفين إلى ثلاثة أيام ولياليهن.
قال: (ثم أهويت لأنزع خفيه) يعني: انحنى بسرعة من أجل ألا يمنعه النبي ﷺ من ذلك، فقال: (دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين) وفيه أنه يجوز لك أن تمسح على الخفين بشرط أن تكون قد لبستهما على طهارة كاملة، يعني: توضأت ولبست الخفين.
وفرق بين الخف والنعل، فالخف رقبته عالية تغطي الكعبين وهما العظمان اللذان في جانب الساق.
وكذلك الجورب له نفس حكم الخف، فإذا لبس الجوربين وأحب أن يتوضأ فطالما لبسهما على وضوء فله أن يمسح على الجوربين كما يمسح على الخفين.
قال: (ومسح عليهما) يعني: مسح على الخفين ﷺ .
стр. 781
استحباب القميص
قال المؤلف ﵀: باب استحباب القميص.
يعني: يستحب للمسلم لبس القميص، وقد كان من أحب الثياب التي يلبسها رسول الله، فهو يستر الإنسان، قالت أم سلمة فيما رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن: (كان أحب الثياب إلى رسول الله ﷺ القميص) وكان عادة العرب أنهم يلبسون الحلة وهي ثوبان: إزار ورداء، والإزار هو الذي يستر ما بين السرة إلى الكعبين، كذلك يلبس الرداء، والرداء فوق المنكبين يستتر بها.
فلبس النبي ﷺ الإزار والرداء، وكذلك كان يلبس القميص، وكان أحب اللباس إليه؛ لأنه أستر فكان يحبه ﷺ .
ومن لبس القميص لا يجره على الأرض، وكثير من الناس يفعل ذلك حتى بعض المشايخ، ويتقدم يصلي إماماً بالناس وثوبه إلى الأرض! فهذا غير جائز، وقد نهى عنه النبي ﷺ ، فلا بد أن يكون القميص فوق الكعبين ولا يكون دون ذلك.
стр. 782
صفة طول القميص الشرعية
قال المؤلف ﵀: صفة طول القميص والكم والإزار وطرف العمامة وتحريم إسبال شيء من ذلك على سبيل الخيلاء وكراهته من غير خيلاء.
يعني: إذا كان الإنسان يسبل الثوب فهذا حرام، وإذا كان لا يقصد الإسبال، لبس الثوب وتعاهد ثوبه، ولكنه ارتخى منه فلا شيء عليه.
عن أسماء بنت يزيد الأنصارية قالت: (كان قميص رسول الله ﷺ إلى الرسغ) رواه أبو داود والترمذي وقال: حسن.
كان كم قميص رسول الله ﷺ إلى الرسغ، ولم يكن طويلاً يغطي أصابعه، وهذا لا يليق، فيكون كم الإنسان إلى الرسغين فقط.
стр. 783
شرح حديث: (من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة
روى مسلم أن النبي ﷺ قال: (من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة) الذي يجر ثوبه خيلاء مثل من يقول للخياط: فصل لي ثوباً طويلاً يجرجر على الأرض، كأنه يريد أن يتعاظم بهذا الثوب، فالنبي ﷺ يذكر أن من يفعل ذلك يدخل النار، قال: (لم ينظر الله إليه يوم القيامة، فقال أبو بكر: يا رسول الله! إزاري يسترخي إلا أن أتعاهده) أبو بكر الصديق كان إزاره يسترخي إلا أن يتعاهده، وقد كان نحيفاً رضي الله ﵎ عنه، فلذلك كان يسترخي إزاره منه، فقال النبي ﷺ : (إنك لست ممن يفعله خيلاء).
إذاً: الإنسان الذي يفعل ذلك عجباً واستكباراً، ومن أجل أن يري الناس أنه غني ويمشي وثوبه على الأرض هذا داخل في ذلك، أما إنسان لم يقصد ذلك، مثل أن تشتري ثوباً فعندما لبسته إذا هو يصل إلى الأرض، فأنت معذور حتى تقصر هذا القميص الذي لبسته.
إذاً: هنا فرق بين من تعمد ذلك، واختار أن يجرجر ثوبه على الأرض، وبين من لم يتعمد ذلك، فالأول ذكر النبي ﷺ أنه لا ينظر الله إليه يوم القيامة.
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر إزاره بطراً) البطر فسره النبي ﷺ بأنه غمط الحق واحتقار الناس، فيضيع حقوق الناس، ويكون مستكبراً على الخلق.
وفي حديث آخر: (ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار) وليس الإزار هو الذي سيدخل النار، ولكن الذي سيدخل النار صاحب الإزار الذي تعمد ذلك، يلبس قميصاً أو بنطلوناً مجرجراً على الأرض، ويغضب إذا قيل له: ارفع البنطلون إلى فوق الكعب، ويمشي متابعاً الموضة، وإذا انعكس الأمر وكانت الموضة أن يمشي لابساً بنطلوناً قصيراً؛ يمشي به في الشارع! ولا يغضب إلا إذا ألقيت عليه سنة النبي ﷺ وأنه يأمرك بكذا أو ينهاك عن كذا!
стр. 784
شرح حديث: (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة)
عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم) هؤلاء الثلاثة لا يكلمهم الله بكلام طيب يوم القيامة، وهؤلاء إذا دخلوا النار يقول الله لأهلها: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨]، فلا ينالهم شيء من الكلام الطيب يوم القيامة، ولا يرد عليهم ربنا سبحانه، ولا ينظر إليهم سبحانه، ولا يزكيهم، هؤلاء مستحقون هذا العذاب الأليم، ولما قالها ﷺ ثلاث مرات قال أبو ذر: خابوا وخسروا يا رسول الله! فمنهم؟ فذكر منهم الذي يجرجر ثوبه على الأرض ومثله من يلبس عمامة يطيلها من وراء ظهره أو يطول الأكمام من أجل الموضة.
إذاً: أحد الثلاثة الذين ذكرهم النبي ﷺ المسبل.
والثاني المنان وهو: الذي يمن على الناس، يعطي ثم يمن، يهب ثم يمن، يزجي معروفاً ثم يمن بهذا الشيء.
إذاً: المنان الذي يمن على الخلق بذلك، وكأنه صار خلقاً له، كلما يعمل معروفاً يمن به، فهو يستحق هذه العقوبة من الله ، فاحذر أن تعمل معروفاً لإنسان ثم تمن عليه بهذا المعروف الذي أسديته له.
والثالث المنفق سلعته بالحلف الكاذب، إذا كانت السلعة لم يشترها أحد يروج لهذه السلعة بالحلف، فيحلف ويقول: والله إني اشتريها بكذا وأبيع بأرخص، وفيها كذا من أشياء غير موجودة فيها، فيمدح السلعة بالكذب، ويقسم على ذلك، وهو كذاب يريد أن يروج السلعة بالحلف الكاذب، فهو من هؤلاء الثلاثة الذين لا يكلمهم الله ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم.
نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 785
شرح رياض الصالحين - تحريم إسبال القميص والكم والإزار وطرف العمامة على سبيل الخيلاء وكراهته من غير خيلاء
لقد تهاون الناس في قضية قد تكون هينة عندهم لكنها عند الله عظيمة: وهي قضية الإسبال في الإزار، فإن النبي ﷺ شدد في النهي عن ذلك، وقد عده بعض أهل العلم من الكبائر؛ لأنه تضمن الوعيد الشديد لفاعله، فيجب على المسلم ألا يتساهل في هذه القضية، فإنها جد خطيرة.
стр. 786
باب صفة القميص
стр. 787
حرمة الإسبال على سبيل الخيلاء وكراهته بدون ذلك
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الإمام النووي ﵀: [باب صفة طول القميص والكم والإزار وطرف العمامة وتحريم إسبال شيء من ذلك على سبيل الخيلاء، وكراهته من غير خيلاء.
عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: (الإسبال في الإزار، والقميص، والعمامة، من جر شيئاً خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة) رواه أبو داود والنسائي بإسناد صحيح.
وعن أبي جري جابر بن سليم ﵁ قال: (رأيت رجلاً يصدر الناس عن رأيه لا يقول شيئاً إلا صدروا عنه.
قلت: من هذا؟ قالوا: رسول الله ﷺ ، قلت: عليك السلام يا رسول الله -مرتين- قال: لا تقل: عليك السلام، عليك السلام تحية الموتى، قل: السلام عليك، قال: قلت: أنت رسول الله؟ قال: أنا رسول الله الذي إذا أصابك ضر فدعوته كشفه عنك، وإذا أصابك عام سنة فدعوته أنبتها لك، وإذا كنت بأرض قفر أو فلاة فضلت راحلتك فدعوته ردها عليك، قال: قلت: اعهد إلي، قال: لا تسبن أحداً، قال: فما سببت بعده حراً ولا عبداً ولا بعيراً ولا شاة، قال: ولا تحقرن من المعروف شيئاً، وأن تكلم أخاك وأنت منبسط إليه وجهك إن ذلك من المعروف، وارفع إزارك إلى نصف الساق فإن أبيت فإلى الكعبين، وإياك وإسبال الإزار؛ فإنها من المخيلة، وإن الله لا يحب المخيلة، وإن امرؤ شتمك وعيرك بما يعلم فيك فلا تعيره بما تعلم فيه، فإنما وبال ذلك عليه) رواه أبو داود والترمذي بإسناد صحيح، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح].
هذه الأحاديث يذكرها الإمام النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين في باب صفة طول القميص والكم والإزار وطرف العمامة، وتحريم إسبال شيء من ذلك على سبيل الخيلاء، وكراهته من غير خيلاء.
والمقصد من الباب: أن المسلم إذا لبس ثيابه فعليه أن يقتدي بالنبي ﷺ وأن يطبق شرع الله في ذلك، وألا يجري وراء الموضة والهوى، ووراء تقليد المشركين والكفار في أفعال يضلون بها الناس، ولكنه ينظر إلى ما كان يصنعه النبي ﷺ ، وإلى ما جرت عليه العادة في الأقوام في لباسهم فيلبس كما يلبسون مقتدياً بالنبي صلوات الله وسلامه عليه، فإن كان شيئاً من أفعال أهل الباطل من موضات ونحوها يوافق زي المشركين بحيث تظهر المرأة مفاتنها أو يظهر الرجل عورته وغير ذلك، أو تكون الثياب مما يستعمله المشركون في شعائر دينهم، فلا يجوز له أن يفعل ذلك.
ويجب أن تكون الثياب طويلة للمرأة حتى تسترها أثناء سيرها، أما الرجل فلا بد أن يكون الإزار أو القميص أو البنطلون الذي يلبسه إلى فوق الكعبين (عظمتي الساقين) ولا يجوز أن يزيد عن ذلك، فإن فعل ذلك فإما أن يفعله خيلاء وإما أنه يسترخي منه بغير قصد، فإذا استرخى بغير قصد فقد يتركه وقد يرفعه، فإذا رفعه فقد أحسن وإذا تركه كره منه ذلك، أما إذا تعمد أن يصنعه طويلاً بأن طلب من الخياط أن يجعله مجرجراً في الأرض باعتبار أن هذه هي الموضة، أو ليمشي بين الناس على أنه إنسان غني فهذا هو المحرم.
إذاً فعلى قول النووي أنه إذا فعل ذلك على سبيل الخيلاء فقط فهو حرام، فإن قيل: كيف يكون هذا التحديد بين الخيلاء وغير الخيلاء؟ الآن لو جئت إلى أكبر المغرورين على الأرض وقلت له: أنت مغرور وتلبس الثياب خيلاء، لقال لك: لست مغروراً ولا ألبسها خيلاء، فلا يوجد إنسان يذم نفسه.
إذاً فكونه يذكر ذلك الحديث عن النبي ﷺ (من جر ثوبه خيلاء) فكأنه تعمد أن يصنع الثوب على هذه الصورة، كما أن الذي لا يصنعه خيلاء تعمد أن يصنع الثوب على ما جاء في شرع النبي ﷺ بأن يكون أقصاه إلى الكعبين، وهذا الذي صنع ثوبه أو بنطلونه على طول الكعبين قد يسترخى منه، فهل جر ثوبه خيلاء؟ ف
الجواب
أنه لم يتعمد ذلك لا في صنعه ولا في لبسه، فهذا ليس خيلاء، لكن يكره له أن يمشي على هذه الحال.
وهذا سيدنا عمر وهو في مرض الموت يأتيه شاب من الأنصار إزاره مجرجر على الأرض، فقال: يا ابن أخي! ارفع ثوبك فإنه أنقى لثوبك وأتقى لربك.
فلو أنا مشينا على ما يعتقده كل إنسان في نفسه، فسنلغي كلام النبي ﷺ ، فكل إنسان يلبس القمصان طويلة أو البنطلونات طويلة مجرجرة على الأرض ويزعم أنه لا يلبسها خيلاء.
فهنا يقول النبي ﷺ : (إن الله لا ينظر إلى صلاة المسبل) وقال: (ما أسفل من الكعبين فهو في النار) فيعذب عليه صاحبه في النار لأنه تعمد ذلك.
ومن الأحاديث التي أتت عنه ﷺ قوله: (الإسبال في الإزار، والقميص، والعمامة، من جر شيئاً خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة) قال: (من جر شيئاً خيلاء) يعني: من الإزار أو القميص أو العمامة.
وذكرنا قبل ذلك قول النبي ﷺ في الحديث الذي رواه مسلم عن أبي ذر ﵁: (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم، فقال أبو ذر بعد أن قالها النبي ﷺ ثلاث مرات: خابوا وخسروا! من هم يا رسول الله؟ قال ﷺ : المسبل) الذي يطول هذه الأشياء؛ لكي يتحدث الناس عنه بأنه أشهرهم وأعتاهم.
قال النبي ﷺ : (والمنان) يعني: الذي يعطي الهدية والصدقة ويهب الهبة ثم يمن على من أعطاه ذلك.
قال (والمنفق سلعته بالحلف الكاذب) أي: الذي يبيع السلعة فيكذب على المشتري فيقول: إنها أفضل ما يكون، وهو يبيعها برخص لحاجته إلى ثمنها وهو كاذب فيما يقول.
стр. 788
نباهته صلى الله وسلم في قرع أبواب القلوب وتقريبها نحو خالقها جل في علاه
ثم ذكر حديثاً يرويه أبو داود والترمذي عن أبي جري واسمه جابر بن سليم ﵁ قال: (رأيت رجلاً يصدر الناس عن رأيه) وكأنه كان في أول إسلامه، فقد جاء إلى النبي ﷺ وهو لا يعرفه، فوجد أنه ﷺ الناس يسألونه ويعملون بما يقول ﵊، (فسأل الناس: من هذا؟ قالوا: رسول الله ﷺ ، فجاء للنبي ﷺ وقال: عليك السلام يا رسول الله ﵊ فلما قال ذلك قال النبي ﷺ : لا تقل: عليك السلام، عليك السلام تحية الموتى) وكانت عادة أهل الجاهلية حينما يذكرون فلاناً الذي مات يقولون: عليك السلام يا فلان، ومنه قول من قال: عليك سلام الله قيس بن عاصم ورحمته ما شاء أن يترحما فقال له ذلك لأنه قد مات.
ويقول الشماخ: عليك سلام من أديم وباركت يد الله في ذاك الأديم الممزق فيقول له: عليك سلام الله، لكن الحي لا يقال له: عليك سلام الله، إنما يقال للحي: السلام عليك.
بل علمنا النبي ﷺ إذا جئنا عند القبور أن نسلم على الأموات بذلك: (السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون).
فإذا سلمنا على الأحياء أو أصحاب القبور فإننا نقول: السلام عليكم.
ثم يقول هنا: (قلت: أنت رسول الله ﵊؟ فقال ﷺ : أنا رسول الله الذي إذا أصابك ضر فدعوته كشفه عنك).
وهذا الكلام العظيم جميل من النبي ﷺ ، فالرجل عربي وقد جاء يأخذ جمله وإبله وارداً إلى عين الماء ليشرب الجمل من البئر ثم يصدر، كما يصدر الصحابة عن كلام النبي ﷺ ، فالنبي ﷺ يرويهم بكلامه العظيم وبأحكامه العظيمة ﵊ فيصدرون عنه وقد شبعوا مما قال ﷺ منفذين ما يقوله ﵊.
فعظم قدر النبي ﷺ في قلبه فقال: (أنت رسول الله؟!) معجباً ومتعجباً ومنبهراً بالنبي ﷺ وبطاعة أصحابه له، فإذا به يتواضع ﵊ ويقول: (أنا رسول الله ﵊ الذي).
ولم يقل هنا: أنا صفتي كذا وكذا، فطالما أنت منبهر ومندهش بذلك فاذكر نعم الله سبحانه عليك.
قال: (أنا رسول الله سبحانه ﵎ الذي إذا أصابك ضر فدعوته كشفه عنك).
قال: (وإذا أصابك عام سنة فدعوته أنبتها لك) فالله الذي ينبت لك الأرض حين يصيبك عام سنة، يعني: عام جدب، أو عام ليس فيه ماء، فلا سحاب نازل ولا مطر موجود ولا عيون ماء تروي بها الأرض، فإذا به يدعو الله ، فيفرج الله هذا الكرب عن العباد وينبت لهم سبحانه.
قال: (وإذا كنت بأرض قفر أو فلاة فضلت راحلتك فدعوته ردها عليك) وانظروا إلى جمال كلامه صلوات الله وسلامه عليه! فهذا الرجل يتكلم في تعظيم النبي ﷺ (أنت رسول الله؟) ﵊، فإذا به يتواضع مبيناً أن الذي يفعل هذه الخيرات كلها، ويسديها إليك هو الرب القادر الذي يفعل ويفعل سبحانه ﵎.
قال: (أنا رسول الله الذي إذا أصابك ضر فدعوته كشفه عنك وإذا أصابك عام سنة فدعوته أنبتها لك، وإذا كنت بأرض قفر أو فلاة فضلت راحلتك فدعوته ردها عليك، قال الرجل: قلت: اعهد إلي)؛ لأنه أعجب بكلام النبي ﷺ .
فبدأ الرجل يدخل في هذا الدين ويقول للنبي ﷺ : أوصني وقل لي مثلما قلت لهؤلاء فصدروا عن رأيك وقولك، فقال النبي ﷺ : (لا تسبن أحداً) أي: إياك أن تسب أو تشتم أحداً، فإذا بالرجل يطيع ﵁، ويقول: (فما سببت بعده حراً ولا عبداً ولا بعيراً ولا شاة).
ثم قال ﷺ : (ولا تحقرن من المعروف شيئاً) واحتقار المعروف يمنع الإنسان من فعله، فإذا وجد مسماراً على الأرض لنجار مثلاً لم يعطه بحجة أن عنده كثيراً من المسامير فلا يحتاج إليه، فقد تستهين بشيء يكون فيه نفع لصاحبه الذي تعطيه إياه، وكذلك إذا وجد ثمرة تردد في إعطائها للمسكين وتعلل بقلتها مدعياً بأنه سيحرجه، ولو أعطاه لكان خيراً له حتى لو كان قليلاً فستجد له طالباً يطلبه، فافعل المعروف وأعن عليه ولا تحتقر منه شيئاً، قال: (وارفع إزارك إلى نصف الساق) أي: بين الركبة والكعبين.
قال: (فإن أبيت)؛ لأن الإنسان يمكنه أن يقول: أريد لإزاري أن يكون طويلاً.
قال: (فإن أبيت فإلى الكعبين) إذاً فآخر حدك عند الكعبين: وهي العظمتان اللتان في آخر الساقين.
قال: (وإياك وإسبال الإزار) أي: أحذرك أن تطول الإزار عن الكعبين؛ ثم قال: (فإنها من المخيلة) إذاً فكون الإنسان يفعل ذلك ويطلبه فهذا هو الخيلاء، الذي منع منه النبي ﷺ .
قال: (فإنها من المخيلة، وإن الله لا يحب المخيلة).
ثم نصحه ﷺ أيضاً فقال: (وإن امرؤ شتمك وعيرك بما يعلم فيك فلا تعيره بما تعلم فيه) وهذا أدب عظيم من آداب الإسلام، فإنك مأمور بالستر على عيوب الخلق وعيبوك.
قال: (لو أن إنساناً عيرك) قال هنا: (بما يعلم فيك)، وقال في حديث آخر: (بما لا يعلم فيك) يعني: قد يعيرك بشيء موجود فيك أو بشيء ليس عندك لكنه يفتري عليك، فأنت إذا كنت تعرف فيه عيوباً فلا ترد عليه؛ ليكون وباله عليه.
قال ﷺ : (فلا تعيره بما تعلم فيه فإنما وبال ذلك عليه).
إذاً فاتركه يأخذ جزاءه يوم القيامة، ولا تعتد على سب الناس أو فضحهم، بل عليك أن تكون كاتماً لأسرار الناس ساتراً على عيوبهم، حتى وإن أرادوا فضيحتك، فإن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج:٣٨]، فالله يدافع عنك ويجعل الناس يحتقرون هذا الذي يتكلم عنك ويريد أن يفضحك بشيء فيك أو ليس فيك ويتكفل بالستر عليك، فلا تأبه لهذا الإنسان ولا تجاوبه بمثل ما قال.
والمقصد من الحديث هو: قول النبي ﷺ : (إياك وإسبال الإزار فإنها من المخيلة) فهو يعلم المسلمين التواضع وعدم تقليد أحد من الخلق، فإذا أردت أن تقتدي فإمامك وقدوتك والأسوة الحسنة لك هو النبي صلوات الله وسلامه عليه، يقول تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾ [الأحزاب:٢١]، وليكن حياؤك من الله أعظم في قلبك من حيائك من الناس.
стр. 789
رضا الله تعالى فيه السعادة والنجاة
المؤمن ينظر في شرع الله بتمعن فينفذ ما أمره به الله ولا يستحيي من أحد، فإذا كان أهل المعاصي لا يستحيون من معاصيهم التي يفعلون، فتجده يعمل شعره بصورة معينة كالشيطان، ثم يمشي في الشارع ويقول: هذه موضة، ولا يستحيي من ذلك.
وتجد المسلم يستحي أن يقصر القميص؛ لأن الناس سيقولون علي كذا وسيفعلون، فهنا أنت تقتدي بالنبي ﷺ فمالك وللناس؟ فلو نظرت لكلام الناس فلن تذهب ولن تأتي، فمن الصعب أن ترضي الناس؛ لأن رضا الناس غاية لا تدرك، ورضا الله غاية تدرك فلا تترك هذه الغاية، ثم ما الذي يجعلك تعرض عن رضا الله إلى رضا الناس؟! وقد طمأنك النبي ﷺ بقوله: (إذا أرضيت الله بسخط الناس رضي الله عنك وأرضى عنك الناس)، فرضا الله ﵎ هو أعظم الغايات وأجلها، قال: (ومن أرضى الناس بسخط الله سخط عليه الله وأسخط عليه الناس)، أرضى الناس بالنفاق والكذب والمعصية ثم بعد قليل يقول الناس: أليس هذا الذي كان يعمل المعصية وكان يعمل كذا وكذا لكي يجامل من حوله؟ إذاً فغضب الله على هذا الإنسان جعل الناس يغضبون عليه ولم يرضهم بذلك.
فليكن لك طريق واضح هو طاعة الله سبحانه ﵎، فالذي ترضيه بالمعصية قد يتوب يوماً من الأيام، ثم بعد ذلك يسخط عليك ويقول: كنت تغويني وتضلني، وكنت تنافقني وأنت تعمل هذا الشيء، فتسقط من عينه في يوم من الأيام، فما الذي يجعلك ترضي الناس بمعصية الله سبحانه؟! وهنا قال: (إياك وإسبال الإزار فإنه من المخيلة، والمخيلة لا يحبها الله سبحانه ﵎.
فلا تتعاظم على الناس، ولا تفعل شيئاً تحس فيه أنك أعلى من الناس، حتى إنك تجد بعض الناس يلبس نظارة معينة، ويضع على رأسه شيئاً معيناً كطرح النساء ثم يربطها ويمشي بها تقليداً للغرب في هذه الأشياء، ويظن أنه أصبح أعلى من الناس، وفي الغرب يعملون هذه الأشياء بداعي الحرية؛ لأنهم يشعرون في أعماق قلوبهم بشيء من الذلة والحقارة، فيريدون طرد هذا الشعور بهذه الأشياء العجيبة! حتى إنهم يعملون اجتماعات لأنفسهم في أماكن معينة؛ ليعمل كل واحد منهم ما يشاء، فهذا يغني بصوت مرتفع أوحش من صوت الحمار والآخرون يسمعون وهذا يرقص ويتمطط بزعم الحرية، وفي الحقيقة هم يريدون أن يهربوا من شيء لا يعلمون ما هو؛ لأن الشيطان سكن قلوبهم، ثم يحلو لهم الانتحار في النهاية، وهم بعكس المؤمن تماماً، فالمؤمن قد يبيت جائعاً تارة ومريضاً تارة أخرى إلا أنه راض بالله ، والكفار يحسدون المؤمنين على هذا الرضا والطمأنينة بالله سبحانه كما يقول: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨]، فلا يستطيعون أن يصلوا إلى هذا الشيء، وفي الآخر ينتحرون ليتخلصوا بزعمهم من هذه الدنيا، كفر في الدنيا ونار في الآخرة والعياذ بالله، ومع هذا كله تجد المسلم في النهاية يقلد هؤلاء ويجعلهم أئمة يتبعهم في دينه ودنياه، ويظل ماشياً وراءهم في شذوذهم وغرورهم في لباسهم وأفعالهم وكفرهم بالله سبحانه ﵎، فأين عقل الإنسان المسلم؟! فالمسلم دينه الإسلام، وغايته واحدة وهي رضا الله سبحانه ﵎، فإذا أرضى الله ﵁ وأرضاه، وليس شرطاً أن يعطيك في الدنيا ليكون راضياً عنك، بل يرضيك الله بأن يجعل الطمأنينة في قلبك كما جعلها في قلب النبي ﷺ ، فكان يبيت الليلة والثانية والثالثة لا يجد في بيته طعاماً، ولا يوقد في بيته الشهر والشهرين نار ﵊، وقد كان يعصب الحجر على بطنه من شدة الجوع، ففي رضا الله يهون كل شيء.
فالإنسان المؤمن ينتظر رضا الله عنه بأن يرضيه، وأن يجعل قلبه ممتلئاً بالإيمان، وأن يجعل في قلبه حب الله سبحانه ﵎، فيستشعر أنه غريب في هذه الدنيا، وأنه كالإنسان المسافر المرتحل عن دار الغربة إلى دار الإقامة الأبدية، فلا يتوقف ولا يستريح إلا بعد أن يبلغ منيته وهدفه وهو الفوز بالجنة والنجاة من النار.
فعلى المسلم أن يستشعر قصر وقت الدنيا، فيعمر دنياه بالطاعة والعبادة، ويجعل الموت نصب عينيه، فلو جاء ملك الموت لقبض روح الإنسان لتمنى أن يصلي ركعتين فقط لله ، وما هو بفاعل ذلك، ولو تركه يصلي ركعتين بمقابل ثمن معين يدفعه لدفع كل شيء في سبيل ذلك، والآن يستطيع أن يصلي ألف ركعة بل مليون ركعة فلم لا يفعل ذلك؟ ولم يغتر بهذه الدنيا ويترك طاعة الله ورضاه سبحانه ﵎؟
стр. 790
هل يعيد المسبل صلاته ؟
قال المؤلف رحمه الله تعالى: وعن أبي هريرة ﵁ قال: (بينما رجل يصلي مسبل إزاره، فقال له رسول الله ﷺ : اذهب فتوضأ فذهب فتوضأ ثم جاء، فقال: اذهب فتوضأ، فقال له رجل: يا رسول الله! مالك أمرته أن يتوضأ ثم سكت عنه؟ فقال: إنه كان يصلي وهو مسبل إزاره، وإن الله لا يقبل صلاة رجل مسبل) رواه أبو داود، قال النووي بإسناد صحيح على شرط مسلم، لكن الإسناد نفسه فيه ضعف.
وجاء في حديث آخر قوله: (من أسبل إزاره في صلاته خيلاء فليس من الله في حل ولا حرام).
فالمعنى قريب، لكن الأمر بالوضوء من ذلك لم يصح عن النبي ﷺ .
فالغرض: أن هذا الذي يصلي وهو مسبل إزاره -إن صح الحديث- فيكون أمر من النبي ﷺ له بإعادة الصلاة من باب التأنيب له فحسب، وليس المعنى أننا نحكم عليه ببطلان صلاته، ولكن الحديث في إعادة الصلاة من إسبال الإزار لم يصح عنه صلوات الله وسلامه عليه، وإنما يكفي في ذلك قول النبي ﷺ : (لا يقبل الله صلاة مسبل) فقد صح عنه ﷺ هذا الحكم.
فلذلك احذر أن تصلي وأنت مسبل إزارك أو قميصك أو عمامتك أو بنطلونك، فلعل الله لا يقبل منك هذه الصلاة.
نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 791
شرح رياض الصالحين - من (تحريم الإسبال) إلى (استحباب التوسط في اللباس)
لقد حث الإسلام على المحافظة على الوقت؛ لأن ابن آدم فيه لحظات، إذا ذهبت لحظة ذهب بعضه، وليس من المحافظة على الوقت ألا تخالط الناس أو تسمع منهم، إلا إذا كانت مخالطتك إياهم ستؤدي بك إلى بحر من المفاسد لا ساحل له، فالذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير ممن لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم.
стр. 792
شرح حديث سهل بن الحنظلية: (لا بأس أن يؤجر ويحمد)
قال الإمام النووي ﵀: [وعن قيس بن بشر التغلبي قال: أخبرني أبي -وكان جليساً لـ أبي الدرداء - قال: كان بدمشق رجل من أصحاب النبي ﷺ يقال له سهل بن الحنظلية، وكان رجلاً متوحداً قلما يجالس الناس، إنما هو صلاة فإذا فرغ فإنما هو تسبيح وتكبير حتى يأتي أهله، فمر بنا ونحن عند أبي الدرداء، فقال له أبو الدرداء: كلمة تنفعنا ولا تضرك.
قال: (بعث رسول الله ﷺ سرية فقدمت، فجاء رجل منهم فجلس في المجلس الذي يجلس فيه رسول الله ﷺ ، فقال لرجل إلى جنبه: لو رأيتنا حين التقينا نحن والعدو، فحمل فلان وطعن، فقال: خذها مني وأنا الغلام الغفاري، كيف ترى في قوله؟ قال: ما أراه إلا قد بطل أجره.
فسمع بذلك آخر فقال: ما أرى بذلك بأساً، قال فتنازعا حتى سمع رسول الله ﷺ فقال: سبحان الله! لا بأس أن يؤجر ويحمد وذكر الحديث) رواه أبو داود.
قال النووي: بإسناد حسن إلا قيس بن بشر فاختلفوا في توثيقه وتضعيفه، وقد روى له مسلم.
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إزرة المسلم إلى نصف الساق، ولا حرج -أو لا جناح- فيما بينه وبين الكعبين، فما كان أسفل من الكعبين فهو في النار، ومن جر إزاره بطراً لم ينظر الله إليه).
رواه أبو داود بإسناد صحيح.
وحديث قيس بن بشر التغلبي قال فيه الإمام النووي: رواه أبو داود بإسناد حسن، لكن العلماء اختلفوا في تحسينه وتضعيفه، فضعف هذا الحديث الشيخ الألباني ﵀، وحسنه النووي كما سبق، وقد اختلفوا في توثيق رجل من رواة هذا الحديث وهو قيس بن بشر، فمن حسنه قال: إنه من رجال مسلم، ومن ضعفه أخذ بتضعيف من ضعفه من العلماء، والحديث رواه الإمام أحمد وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
إذاً: فإسناد الحديث محتمل للتحسين، وقيس بن بشر التغلبي هنا يروي عن أبيه وهو بشر التغلبي، وكان رجلاً من التابعين وجليساً لـ أبي الدرداء ﵁.
وكان أبو الدرداء في الشام بدمشق، وكان بدمشق رجل من أصحاب النبي ﷺ يقال له: سهل بن الحنظلية، وقد ذكر الحديث أنه كان رجلاً متوحداً، يعني: منفرد عن الناس لا يخالطهم كثيراً، فكان رجلاً متوحداً مشغولاً بالصلاة والقيام وأعماله الصالحة.
стр. 793
خالط الناس إذا أمنت على دينك وإلا فلا
وهنا اختلف العلماء في أيهما أفضل: مخالطة الناس أم عدم مخالطة الناس؟ فهذا الصحابي أخد بعدم المخالطة والبعد عن الناس، فطالما غيره موجود فسيكفيه مئونة الناس، وأبو الدرداء كان يجالس الناس عملاً بحديث النبي ﷺ : (المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم) وقد جاء عنه أيضاً (أمر المؤمن باعتزال الناس إذا وجد شحاً مطاعاً، وهوى متبعاً، وأعجاب كل ذي رأي برأيه).
والراجح أن الاختلاط بالناس إذا كان مصحوباً بالفتن والأذى فالبعد عنهم واعتزالهم أفضل من الاختلاط بهم، أما إذا كان بمخالطته لهم سيدعوهم إلى الله ويسمعون ويطيعون لما يأمر به من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، فالأفضل أن يخالطهم، والله أعلم.
فالقصد: أن هذا الصحابي الفاضل كان رجلاً متوحداً يعني: قليل الاختلاط بالناس.
قال: إنما هو صلاة يعني: أن حاله دائماً في صلاة أو تسبيح وتكبير حتى يأتي أهله، قال: فإذا فرغ فإنما هو تسبيح وتكبير.
والإنسان الذي يعلم أنه ملاق ربه سبحانه لا يشغله الناس عن طاعة الله سبحانه، فمن المستحيل على الإنسان أن يرضي كل الناس؛ لأن رضا الله غاية لا تدرك؛ ورضا الناس غاية لا تترك، فلأجل رضا الله سبحانه ينشغل الإنسان بما يرضي ربه سبحانه، فينشغل الإنسان بطاعة الله ولا يشغله أحد أبداً عن طاعة الله سبحانه، ولو أنك أعطيت للناس وقتك كله فلن يكفيهم، ولن يهمهم أن يضيعوا وقتك واستفادتك أبداً، فمن احتاج إلى شيء معين أراد تحصيله ولو كان في ذلك ضرر على الآخر، وهذا هو حال الناس في الغالب، لكن المؤمن الفطن الذكي يعرف أن وقته أغلى وأثمن شيء عنده فيعطي للناس ما فاض عن ذلك، أما أصل وقته فإنه لا يفرط فيه، فهو يعلم أن من المفروض عليه أن يمضي هذا الوقت في الصلاة والصوم وطلب العلم الشرعي وغيره، فهو لا يفرط في ذلك ولا يتلهى عنه بشيء مهما كانت الأعذار التي أمامه، وحتى لو غضب الناس عليه، فلا يهمه ذلك طالما أنه يرضي الله سبحانه ﵎.
وإذا كان الإنسان على ذلك فإن الله يرضى عنه ويرضي الناس عنه يوماً من الأيام، لكن الإنسان الذي يظل يعطي الناس وقته لكي لا يحزنوا منه، فلا يحفظ شيئاً في النهار، ولا يقرأ شيئاً، ولا يذاكر ولا يلقي درساً فسيضيع في النهاية، فعلى المؤمن ألا يستحي من رده إذا كان في شغل يشغله عنهم فهو أولى باستغلال وقته من غيره، وقد علمنا الله ذلك في كتابه فقال: ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا﴾ [النور:٢٨].
وللأسف فنحن في زمن يحزن فيه الناس إذا قيل لهم: ارجعوا، ويظن من هذا القول أنك تترفع عليه، ولم يدر هو نفسه أنه يقطع عليك عبادتك ووقتك الثمين، فهو لا يهتم بذلك بل يريدك أن تكون حلاّلاً لمشاكله فقط، وإن لم يعبر عن ذلك بقوله فحاله يدل على ذلك، بل قد تجد إنساناً يأتيك بعد صلاة العشاء ليسهر معك ويضحكك وأنت تنتظر رحيله عنك بفارغ الصبر، ولم يعرف أن النبي ﷺ نهى عن المسامرة بعد العشاء.
وهذا لا يعارض أن بعض أصحابه كانوا يسهرون معه مثل أبي بكر وعمر؛ لأنهم كانوا يسهرون معه في مصالح المسلمين، فلا يسهروا لأجل أن يعطلوا النبي ﷺ ، وليس كل إنسان يصلح للكلام في مصالح المسلمين.
أنت عندما تجلس مثلاً تختم الصلاة بعد الصلاة ثم تقرأ آية الكرسي، وأنت تعلم أنك إذا قرأتها ليس بينك وبين الجنة إلا أن تموت، فيأتي فلان ليعطلك عن هذا الذكر، فيريد منك كذا ويسألك في كذا، وهل هذا الإنسان يستحق أنك تضيع الجنة لأجل خاطر كلامه؟ ثم ألا يصبر هو على هذا الشيء؟ وغالباً تكون الأسئلة بعد الصلاة فارغة لا معنى لها، وغالباً ما يلقيها الشيطان ليضيع الذكر عليهما جميعاً، إذاً فالجلوس للناس مضيعة للوقت، إلا أن يكون لأمر بمعروف أو نهي عن منكر، أو لأشياء يحتاج إليها الناس.
وفي رمضان مثلاً تجد البعض يدخل ليصلي، ثم يخرج في نصف التراويح إلى الشارع واقفاً لا يعمل شيئاً، فمن الصعب عليه أن يكمل صلاة التراويح، وهو واقف في الحالين لكن سبحان الله! ما الذي جعل هذه الوقفة أحلى من تلك التي في المسجد؟ إنه الشيطان، يضحك على الإنسان ليخدعه فيضيع وقته.
стр. 794
حال الصحابة مع الوقت
كان الصحابة أحرص ما يكونون على أوقاتهم، حتى إنهم ليحتسبوا لعبهم في النهار لأجل التمرن على الجهاد، فكانوا يجرون بين الأغراض، والجري هو: العدو بين الأغراض، فإذا جاء الليل كانوا رهباناً، فلم يضيعوا صلاة النافلة مع أنها نافلة؛ لأنه ثمين لن يعوض أبداً.
فلذلك احرصوا على عدم تضييع أوقاتكم، فعمرك الذي يضيع لن يرجع إليك مرة ثانية، فالله يتوفى الأنفس ويقبضها وافية، فكأن عمرك دين يتقاضاه الله شيئاً فشيئاً، فلا تضيع عمرك فيما لا ينفع.
فهذا الصحابي (كان متوحداً قلما يجالس الناس، إنما هو صلاة) يعني: شغلته الصلاة.
(فإذا فرغ فإنما هو تسبيح وتكبير حتى يأتي أهله) يعني: حتى وهو في الشارع يقول: سبحان الله، والحمد لله؛ لأنه يعلم أنها غراس الجنة: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ويقول: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم، ويقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] عشر مرات فيبني له بيت في الجنة، فشغله الشاغل في تحصيل هذه المعاني والدرجات.
стр. 795
تعلم العلم ولو ممن هو دونك فيه
كان هذا الصحابي ﵁ منشغلاً بهذه الأذكار، قال: (فمر بنا -ونحن عند أبي الدرداء -فقال له أبو الدرداء: كلمة تنفعنا ولا تضرك) وأبو الدرداء رجل فاضل، وصحابي عظيم ﵁، وعالم من علماء المسلمين فيقول له: كلمة، يعني: اجلس وقل لنا كلمة أو حدثنا حديثاً ينفعنا ولا يضرك.
ولم يقل له: تعال اجلس معنا لنضيع الوقت مع بعضنا، فجلس لهم هذا الرجل الفاضل ﵁ وقال: (بعث رسول الله ﷺ سرية فقدمت فجاء رجل منهم فجلس في المجلس الذي يجلس فيه رسول الله ﷺ فقال لرجل إلى جنبه: لو رأيتنا حين التقينا نحن والعدو فحمل فلان وطعن وقال: خذها مني وأنا الغلام الغفاري).
يعني: أنه ضرب كافراً برمحه وقال له: خذها وأنا الغلام الغفاري، فانتسب لقومه، فهل جهاده صحيح أم لا؟ فقال أحد الجالسين: (ما أراه إلا قد بطل أجره)؛ لأنه افتخر بنسبه فبطل أجره.
قال: (فسمع بذلك آخر فقال: ما أرى بذلك بأساً) فتنازع الاثنان إلى أن سمع النبي ﷺ ذلك فقال: (سبحان الله! لا بأس أن يؤجر ويحمد).
ففي موضع القتال لا مانع من التنافس؛ لأنه في النهاية نصر للإسلام ونصر لدين الله ، فجاز للمجاهد أن يظهر القوة أمام الكافر ولو بالخيلاء، حتى يرهب عدو الله سبحانه ﵎.
فقال الراوي: (فرأيت أبا الدرداء سر بذلك وجعل يرفع رأسه إليه ويقول: أنت سمعت ذلك من رسول الله ﷺ ؟ فيقول: نعم، فيكرر عليه: أنت سمعت ذلك من رسول الله ﷺ ؟ فيقول: نعم، قال: فما زال يعيد عليه حتى إني لأقول ليبركن على ركبتيه).
يعني: من شدة فرح أبي الدرداء بهذا الحديث وأن الرجل لم يبطل عمله، وكأنه شاهد الكثيرين يفعلون ذلك، فلما سمع ذلك فرح أن هؤلاء لم تحبط أعمالهم ﵃ فقال ذلك.
قال: (فمر بنا يوماً آخر) أي: في يوم آخر.
(فقال له أبو الدرداء: كلمة تنفعنا ولا تضرك) أي: مثل الكلمة السابقة، وهل أبو الدرداء لم يكن يحفظ أحاديث يحدث بها؟ فهذا دليل على أن العلم مطلوب للعالم والمتعلم، فقد روى أبو الدرداء أحاديث كثيرة جداً أكثر مما روى ابن الحنظلية ﵄، لكنه مع ذلك أحب أن يستفيد علماً إلى علمه من علم النبي ﷺ ، فقال له: قل لنا كلمة تنفعنا ولا تضرك.
стр. 796
سرعة استجابة الصحابة لأمر الله ورسوله
(فقال الرجل: قال رسول الله ﷺ : نعم الرجل خريم الأسدي) وخريم هذا صحابي فاضل ويكفي في فضله أن يمدحه النبي ﷺ بقوله: (نعم الرجل) إلا أنه قال: (نعم الرجل خريم الأسدي لولا طول جمته وإسبال إزاره).
فلولا طول شعره -وهو جمته- وإسبال إزاره إلى تحت الكعبين لكان من أفضل الرجال.
قال: (فبلغ خريماً) وكان الصحابة يحبون الخير، فبسرعة قالوا لـ خريم: إن النبي ﷺ مدحك، لكن النبي ﷺ ينصحك بكذا، فبمجرد أن سمع الرجل ذلك: (أخذ شفرة فقطع بها جمته إلى أذنيه).
فلم يقل سأذهب إلى الحلاق، بل أخذ ينفذ وصية النبي ﷺ حالاً بيده، قال: (ورفع إزاره إلى أنصاف ساقيه).
وهذا هو التنفيذ لأمر الله وأمر رسول الله ﷺ ، كما قال تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [الحديد:٢١].
فالمؤمن يسارع بالتنفيذ، فهذا الرجل الفاضل لم ينتظر الذهاب إلى لحلاق، ولم يبحث عن مقص يقص به شعره، بل أخذ السكين وقطع بها شعره حتى يرضي الله سبحانه ﵎ بطاعة نبيه ﵊.
стр. 797
ليس من الكبر تحسين المظهر
قال: (ثم مر بنا يوماً آخر - يعني: ابن الحنظلية - فقال له أبو الدرداء: كلمة تنفعنا ولا تضرك.
قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنكم قادمون على إخوانكم، فأصلحوا رحالكم، وأصلحوا لباسكم حتى تكونوا كأنكم شامة في الناس، فإن الله لا يحب الفحش ولا التفحش).
وهذا تعليم من النبي ﷺ لأصحابه: (إن الله لا يحب الفحش ولا التفحش) وقد صح هذا في حديث آخر عنه ﷺ ، فالفحش يقع في كل شيء، في خلق الإنسان، في كلام الإنسان، في أفعال الإنسان، في هيئة الإنسان، فلا يحب الله ذلك منه، فقال النبي ﷺ هنا في الحديث: (إنكم قادمون) وكأنهم كانوا في سفر فقاربوا من المدينة التي سيدخلونها، فقال لهم: (إنكم قادمون على إخوانكم).
إذاً: فعندما تدخلوا عليهم ادخلوا ومناظركم جميلة، سرح شعرك، والبس ثياباً حسنة، بحيث إن الناس لا يرونك في هيئة المسافر الأشعث الأغبر الذي لا يسر منظره، بل أصلح شأنك عندما تدخل المدينة.
قال: (فأصلحوا رحالكم، وأصلحوا لباسكم حتى تكونوا كأنكم شامة في الناس) والشامة الحسنة: هي التي تكون في جسد الإنسان، فهو يقول لهم: كونوا في الناس كمثل الشامة في الجسد، شيئاً طيباً معروفاً في وسطهم ليس شيئاً منكراً.
قال: (فإن الله لا يحب الفحش ولا التفحش) فكأن من الفحش والتفحش أن الإنسان يلبس الملابس القذرة، فيترك شعره في حالة رثة، ويمشي في الطريق وهو على هيئة منكرة، فلا ينبغي له ذلك بل لا بد أن يصلح من نفسه.
ولذلك (لما رأى النبي ﷺ يوماً رجلاً قد هاش شعره، - أي انتفش وارتفع- فقال: أما يجد هذا ما يرجل به شعره؟) يعني: ألا يجد مشطاً يسرح به شعره؟ فيجب على المؤمن ألا يبالغ في الشيء ولا يفرط في تركه، فالمبالغة كأن يجلس الإنسان مع مشطه طول النهار يسرح شعره، فهذا ليس بمطلوب شرعاً، لكن الواجب عليه أيضاً ألا يترك هذا الأمر لئلا يبقى منظره مزرياً وهيئته رثة.
стр. 798
شرح حديث: (إزرة المسلم إلى نصف الساق)
روى أبو داود عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إزرة المسلم إلى نصف الساق) ومثله القميص ونحوه.
قال: (ولا حرج فيما بينه وبين الكعبين) يعني: إلى الكعبين (العظمتين اللتين في آخر الساق)، فلا بأس أن يكون إزاره إلى هنا.
قال: (فما كان أسفل من الكعبين فهو في النار) أي: أن صاحبه في النار.
قال: (ومن جر إزاره بطراً لم ينظر الله إليه) أي: جر الإزار، والإنسان إما أن يجر إزاره معذوراً، كأن يكون نحيفاً فاسترخى عليه الثوب من تحت حزامه فهذا معذور، أما الإنسان الذي يذهب إلى الخياط فيفصل له ثوباً مجرجراً طويلاً في الأرض بطلبه فهذا هو الخيلاء والبطر الذي نهى عنه النبي صلوات الله وسلامه عليه.
وروى مسلم عن ابن عمر ﵄ قال: (مررت على رسول الله ﷺ وفي إزاري استرخاء فقال: يا عبد الله، ارفع إزارك).
وعبد الله بن عمر هنا لم يكن متعمداً في ذلك، ولكن الإزار استرخى منه وهو يمشي فتركه، فقال له النبي ﷺ : (ارفع إزارك، قال: فرفعته).
قال: (ثم قال: زد، فزدت، فما زلت أتحراها بعد).
وعبد الله بن عمر إذ ينصحه النبي ﷺ فإنما ينصح رجلاً مشهوراً بالعبادة، فهو يعطيه ما يليق به، فلذلك (قال بعض القوم: إلى أين؟ فقال: إلى أنصاف الساقين).
فهنا دله النبي ﷺ على المستحب وليس على الواجب، وإلا فالواجب أن يكون إلى العظمة التي في الساق وهي الكعبين، لكن المستحب أن يكون الإزار أو القميص ما بين الركبة والساق، أي: في نصف الساق، وهو المكان الذي كان عبد الله بن عمر ﵄ يلبس إزاره إليه.
وروى أبو داود والترمذي وقال الترمذي: حسن صحيح، وإسناد الحديث صحيح، وهو من حديث ابن عمر أيضاً مرفوعاً (من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة) ومعنى أن الله لا ينظر إليه: أي أنه غضبان منه، فإذا لم ينظر الله إليه، فهل سينتظر منه رحمة يوم القيامة؟
стр. 799
كيف تكون إزرة النساء
قال: (فقالت أم سلمة: فكيف تصنع النساء بذيولهن، قال: يرخين شبراً.
قالت: إذاً تنكشف أقدامهن.
قال: فيرخينه ذراعاً لا يزدن).
فكأن المرأة لابد لها أن تستر قدميها أثناء سيرها؛ لأنها قد تلبس خفاً أحياناً أو نعلاً يظهر قدميها غالباً.
فالسيدة أم سلمة ﵂ تسأل النبي ﷺ وتقول: (كيف تصنع النساء بذيولهن؟ فقال: يرخين شبراً) أي: هل النساء مثل الرجال؟ فالرجل مستحب له إلى نصف الساق، قال: تنزل عن ذلك شبراً، فترخي شبراً من موضع الاستحباب من الرجل، أي: من نصف ساقها، فقالت: (إذاً تنكشف أقدامهن) يعني: أنه لو كان شبراً من نصف الساق المستحب للرجال فستنكشف القدم أثناء سيرها، قال: (فيرخينه ذراعاً) يعني: فمن نصف الساق يكون بمقدار ذراع فقط.
والمقصود منه: جعل الثوب يغطي القدمين، وخصوصاً إذا كانت القدم حافية أو كانت تلبس شيئاً يكشف القدمين، أما إذا كانت تلبس حذاء أو خفاً أو نعلاً يستر قدميها فلا يلزمها حينئذ أن تدني إزارها بقدر الذراع، ولكن بالشيء الذي تمشي به بحيث لا تنكشف قدمها ولا ينكشف ساقها.
وإذا كانت المرأة تمشي وعليها ثوب طويل يستر قدميها، فأصاب هذا الثوب شيئاً نجساً في الأرض فكيف يتم تطهيره؟ ف
الجواب
قد أخبر ﷺ بأن الأرض كفيلة بتطهيره، فإذا أصاب ثوبها شيء من النجاسة في مكان ثم تابعت مشيها فإن الأرض تطهر ما تنجس في المرة الأولى، ولا يجب عليها أن تغسله بل تصلي فيه، والله أعلم.
стр. 800
استحباب ترك الترفع في اللباس تواضعاً
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب استحباب ترك الترفع في اللباس تواضعاً].
ينبغي للإنسان إذا لبس ثوباً أن يتواضع لله سبحانه ﵎، فلا يبحث عن أرفع الأشياء ليكلف نفسه ووالديه، فإنه يكون في النهاية مدعاة للخيلاء وكسراً لقلوب الفقراء، فلا داعي لهذا الشيء، فقد تقدر أنت على هذا الشيء ولكن غيرك لا يقدر عليه، ويكون أبناؤك ذاهبين إلى المدرسة أو مكان آخر وملبسهم أفخر الأشياء وأضخمها وبجوارهم تلامذة فقراء لا يجدون هذا الشيء، وقد تعطيه أجود أنواع الطعام والذي بجواره ينظر إليه، فإما أن يحقد عليه، وإما أن ينكسر قلبه بذلك، فيحس بأن أباه لا يأتي له بشيء، فأظهر التواضع حتى ولو كان معك ما كان.
ذكر هنا حديثاً رواه الترمذي من حديث معاذ بن أنس أن رسول الله ﷺ قال: (من ترك اللباس تواضعاً لله).
يعني: من ترك اللباس الفاخر والثياب الغالية، وإن كانت حلالاً، ولكنه تركها تواضعاً لله ليس بخلاً على نفسه، فلا يريد أن يأتي بالحذاء الذي ثمنه مائة جنيه أو مائتين بل يأخذ حذاء ثمنه عشرة جنيهات أو خمسة فيلبسه تواضعاً لله سبحانه ﵎.
فإذا لبس الثوب الرخيص متواضعاً وهو قادر على الغالي فإن النبي ﷺ يقول: (من ترك اللباس تواضعاً لله، وهو يقدر عليه، دعاه الله يوم القيامة على رءوس الخلائق حتى يخيره من أي حلل الإيمان شاء يلبسها).
فالجزاء من جنس العمل، فأنت تركت الثياب الفاخرة، فتعال يوم القيامة واختر إذاً أعلى وأغلى وأعظم الثياب ونقي الذي تريده، والآن تجد الإنسان يريد أن يظهر أنه غني، فيذهب مع مجموعة إلى أفخم دكان فيدخل فيه وينقي أغلى الأشياء أمام من حوله ليقال عنه كذا، فلعله يحرم من هذا المال في الدنيا بسبب فخره وخيلائه، أما يوم القيامة فهو يوم النتيجة والفلاح الأعظم نسأل الله أن يجعلنا من المفلحين، فيأتي ربنا بهذا الإنسان ويقول له: تعال واختر أفضل شيء تريده من أي أنواع ثياب الإيمان التي يلبسها أهل الإيمان، واختر أفخر حلة تريد أن تلبسها في هذا اليوم.
قال: (من ترك اللباس تواضعاً لله وهو يقدر عليه دعاه الله يوم القيامة على رءوس الخلائق حتى يخيره من أي حلل الإيمان شاء يلبسها).
стр. 801
باب استحباب التوسط في اللباس
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب استحباب التوسط في اللباس ولا يقتصر على ما يزري به لغير حاجة ولا مقصود شرعي].
يعني: أنك إذا تواضعت ولبست الثياب العادية، فلا يشترط فيها أن تكون مرقعة أو قذرة، ليس هذا بمطلوب شرعاً، بل تلبس ثياباً نظيفة مثل غيرك من الناس.
ففي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده -أيضاً رواه الترمذي - قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله يحب أن يُرى أثر نعمته على عبده).
وفي رواية: (إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده).
وسببه: (أن رجلاً أتى للنبي ﷺ وكان لابساً ثياباً رثة، تدل على أنه فقير محتاج، فسأله النبي ﷺ : ماذا أنعم الله عليك من أنواع المال؟ فقال: من كل أنواع المال قد أنعم الله علي) يعني: أن الله أعطاني من كل شيء، من الإبل والبقر والغنم.
قال: (إن الله إذا أنعم على عبد أحب أن يرى أثر نعمته عليه) فالله إذا أعطاك من النعم، فلماذا تمشي في ثياب الفقراء؟ فمن المحبب أن تظهر آثار نعم الله عليك.
فلا يجوز أن يكون الإنسان متواضعاً بحيث يصل إلى درجة البخل، فيلبس الثوب المرقع، أو الثوب غير النظيف، ولا أنه يختال ويفتخر على الناس، بل لا بد من التوسط، فيلبس الثياب الطيبة النظيفة التي يلبسها سائر الناس، ولا يترفع على الناس ولا يتعالى بل يلبس الثوب الذي إذا رآه الفقير أحب أن يأتي إليه ويكلمه ويستشعر فيه أنه متواضع؛ لأنك إذا لبست بدلة غالية الثمن خاف الفقير أن يقرب منك معتقداً أنك ذو منصب عالٍ فلا يكلمك، وأنعم بذلك أن يستشعر الفقير أنك مثله، ولو بتواضعك وحسن خلقك، فلعلك تحشر مع المساكين يوم القيامة، الذين تمنى النبي ﷺ أن يحشر معهم فقال (اللهم أحيني مسكيناً، وأمتني مسكيناً، واحشرني في زمرة المساكين).
نسأل الله أن يجعلنا مع النبي صلوات الله وسلامه عليه.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 802
شرح رياض الصالحين - من (تحريم لباس الحرير على الرجال) إلى (ما يقول إذا لبس ثوبًا أو نعلاً أو نحوه)
لكل جنس من المخلوقات خصائص اختصه الله بها، وقد ميز الله الرجال بخشونة القول والفعل، لذا كان تحريم لبس الحرير والذهب واستعمالها أنسب في حقهم، ورخص في ذلك بقدر الحاجة، وجاء النهي عن لبس جلود السباع وافتراشها.
стр. 803
حرمة لبس الحرير على الرجال
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الإمام النووي ﵀: [باب تحريم لباس الحرير على الرجال، وتحريم جلوسهم عليه، واستنادهم إليه، وجواز لبسه للنساء.
عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تلبسوا الحرير؛ فإن من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة) متفق عليه.
وعنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إنما يلبس الحرير من لا خلاق له) متفق عليه.
وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة) متفق عليه.
وعن علي ﵁ قال: (رأيت رسول الله ﷺ أخذ حريراً فجعله في يمينه، وذهباً فجعله في شماله، ثم قال: إن هذين حرام على ذكور أمتي)].
هذه أحاديث يذكرها الإمام النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين في باب تحريم لباس الحرير على الرجال، وتحريم جلوسهم عليه، واستنادهم إليه، وجواز لبسه للنساء.
стр. 804
الحكمة في تحريم الحرير على الرجال
خلق الله سبحانه ﵎ ما يباح للخلق كلهم، وخلق الله ما يشرع للبعض من عباده وما لا يجوز للبعض الآخر، فالذي يملك أن يشرع ويأمر وينهى هو الله سبحانه، وله الحكمة العظيمة في كل شيء، الله عليم حكيم، فالله خلق للناس اللباس، وأنزل للناس ريشاً يستمتعون به، وكسوة يستدفئون بها، ويلبسونها ويتزينون بها، وقد أباح لهم على العموم أن يلبسوا، وقال لهم: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ * قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف:٣١ - ٣٢].
إذاً: ما أباحه الله واستمتع به المؤمن في الدنيا من نعم فهي خالصة له، وهي حلال له، ويوم القيامة لا يحاسب عليها، ولن يقال له: لم لبست كذا وقد أباحها الله ؟ ولكن حرم أشياء على العباد إما لكونها لا تليق بهم أن يلبسوها، أو لخبثها ونجاستها فهي لا تلبس.
أما الذي حرم وليس مستقذراً أو نجساً كالحرير فقد حرمه الله سبحانه على الرجال، وحرم مثله الذهب لحكمة منه سبحانه، وجعله ابتلاء يبتلي به العباد، وإن هذه محرمة عليكم في الدنيا وسوف تلبسوها في الجنة، فإذا لبستموها الآن في الدنيا فيحرم عليكم أن تلبسوها في الجنة، والجنة لا يحرم الله على أهلها شيئاً فيها، إذاً: فسوف يحرم من دخول الجنة من لبسه في الدنيا؛ لكونهم فعلوا ما حرم الله سبحانه ﵎ عليهم.
فأباح الذهب والحرير للنساء، وحرم الذهب والحرير على الرجال لحكمة منه سبحانه ﵎.
стр. 805
النهي عن تشبه الرجال بالنساء في الزينة
جعل الله الرجل ليس محل الزينة ولا يهتم بمظهره، وإن كان قد أمره بأخذ شيء من الزينة فقال: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ [الأعراف:٣١] ولكن في حدود ما أباح الله سبحانه، وليس بالمبالغة بحيث يصير الرجال كالنساء في التزين مثلاً، ولكن قال: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف:٣١]، فمن احترامك لبيت الله وللصلاة التي تصليها أن تتزين لها، ومستحيل أن هذا الذي يتزين ليعبد الله سيلبس شيئاً حرمه الله ويعبد الله فيه، أو أن يتزين كما تتزين المرأة لبعلها، ولكن زينة الرجال زينة تليق بهم وبرجولتهم وفحولتهم وعبادتهم لربهم سبحانه ﵎.
وأما إذا انسلخ الإنسان من جلده فصار يلبس لبسة المرأة فلا، وما الذي يجعل الرجل يلبس لبسة المرأة؟ ما هو إلا شيء باطن في داخله من اعتراض على الله سبحانه، أو فاحشة موجودة بداخل هذا الإنسان يريد أن يواقعها، فربنا جعل للرجال لباساً، وللنساء لباساً، جعل للرجال زينة وللنساء زينة، وحرم خلط الأمرين معاً، فلعن المرأة تلبس لبسة الرجل، ولعن الرجل يلبس لبسة المرأة، لعن المرأة المترجلة التي تلبس مثل الرجل، وتمشي مشية الرجل، ولعن الرجل المخنث الذي يلبس لبسة المرأة، ويمشي مشية المرأة.
الفواحش إنما دخلت على أهل الفواحش؛ لأن النساء تتزين بزينة الرجال، فإذا بالمرأة تستغني بالمرأة عن الرجل، والرجال يتخنثون، فإذا بالشرور والفواحش توجد بين الرجل والرجل والعياذ بالله.
أما المجتمع المسلم فمن المفروض أنه مجتمع طاهر نقي تقي، يعرف العبد فيه حدود الله ، فلا يقع فيما حرم الله، ولا يتجاوز ما أحل الله سبحانه ﵎.
وهذه البدايات: أن ينتهكوا المحارم فيواقعوها شيئاً فشيئاً حتى يواقعوا كل ما حرم الله سبحانه ﵎.
стр. 806
تحريم الحرير في الآخرة على من لبسه في الدنيا
في الحديث عن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تلبسوا الحرير؛ فإنه من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة)، فمن يلبس الحرير من الرجال ليتزين به في الدنيا فلن يحل له يوم القيامة، ولن يدخل الجنة التي فيها الحلي والحرير.
كذلك الذهب مثل الحرير قال: (إنما يلبس الحرير من لا خلاق له) الخلاق: بمعنى: النصيب والحظ، والمعنى: أن هذا لا حظ له في الجنة، ومحروم من دخولها الذي يلبس الحرير في الدنيا، أو يجلس على الحرير، أو يتكئ على الحرير، كله واحد ممنوع منه.
стр. 807
استواء لبس الحرير بالجلوس عليه والاستناد إليه في الحرمة
قال الإمام النووي ﵀: [تحريم لباس الحرير على الرجال، وتحريم جلوسهم عليه، واستنادهم إليه]، مثل: كرسي أو مكتب مكسو من حرير، الشنطة يكسوها من حرير، وسادته التي يتكئ عليها تكون من حرير.
هذا حرام كله، فنهانا النبي ﷺ عن لبس الحرير، وقال: (هذان حرام -الذهب والحرير- على ذكور أمتي)، هذا حرام بأي منفعة من المنافع، فمن لبس الحرير ونام به، أو افترشه أو تغطى به، أو اتكأ عليه، فهو ممنوع عليه أن يصنع ذلك إلا بالقدر الذي أباحه النبي ﷺ ، وهو شيء لا يكون مثله لباساً، وإنما قد يكون زينة بشيء، كما جاء أنه أباح قدر الأصبعين أو ثلاثة أو أربعة، قد يكون في الثوب الذي يلبسه الرجل شيء من الحرير في الخيوط، ولكن ليس كله، ولا نصفه بل الشيء القليل الذي هو كنسبة الأصبع والاثنتين والثلاث والأربع إلى باقي الثوب، فإذا كان شيئاً يسيراً لا يذكر ولا يقال: إن فلاناً يلبس حريراً، جاز هذا الشيء بمثل هذا القدر، أما ما زاد على ذلك فقد منع منه النبي ﷺ .
إذاً: يلبس الحرير في الدنيا من الرجال من لا خلاق له في الآخرة، يعني: من لا نصيب له في الآخرة، وليس له حظ في الجنة، وإنما حظه في النار والعياذ بالله.
كذلك في حديث علي بن أبي طالب قال: (رأيت رسول الله ﷺ أخذ حريراً فجعله في يمينه، وذهباً فجعله في شماله، ثم قال: إن هذين حرام على ذكور أمتي) وهذا الحديث صحيح، ذكر الإمام النووي أنه رواه أبو داود بإسناد حسن، وصححه الشيخ الألباني في صحيح أبي داود.
الحديث فيه: أن النبي ﷺ قال: (إن هذين -الذهب والحرير- حرام على ذكور أمتي)، فدل الحديث على أنهما حل للإناث.
وفي حديث لـ أبي موسى الأشعري رواه الترمذي وقال: حسن صحيح قال: (حرم لباس الحرير والذهب على ذكور أمتي، وأحل لإناثهم) هذا الحديث الصحيح نص أن الحرير والذهب حل للإناث حرام على الذكور.
إذاً: المرأة لها أن تلبس الحرير والذهب، والرجل يحرم عليه لبس الحرير والذهب.
وعن حذيفة ﵁ قال: (نهانا النبي ﷺ أن نشرب في آنية والذهب والفضة، وأن نأكل فيها، وعن لبس الحرير والديباج، وأن نجلس عليه).
الجلوس أو الاتكاء على الحرير أو الديباج -وهو نوع من أنواع الحرير- لا يجوز، سواء تبطن به أو تجعله ظاهراً على الفرش مثلاً ونحو ذلك، فلا يجوز لك أن تلبس أو تجلس على الحرير، ولا أن تلبس الذهب، ولا أن تستعمله في أكل أو شرب ونحو ذلك.
стр. 808
ما جاء من الرخصة في لبس الحرير للرجال
قد يرخص ما حرمه الله لسبب ما، ولكن الرخصة لا تأخذ حكم الإنسان في حالته العادية، ولكن الرخصة تقدر بقدرها، والعزيمة أنه يحرم عليك أن تلبس الذهب أو الحرير.
قال النووي: [باب جواز لبس الحرير لمن به حكة]، والحكة: المرض الجلدي، مأخوذ من الاحتكاك، وغالباً ما يطلق على مرض الجرب.
هذا الشيء الوحيد الذي ممكن أن يلبسه ويكون خفيفاً على الجلد، ولا يسخن جلد الإنسان، وكانوا في عهد النبي ﷺ الدواء صعب لمن عنده جرب، فرخص النبي ﷺ مع هذه الضرورة في لبس الحرير.
في الصحيحين عن أنس ﵁ قال: (رخص رسول الله ﷺ للزبير وعبد الرحمن بن عوف ﵄ في لبس الحرير لحكة بهما) يعني: الله ابتلاه بهذا المرض الجلدي، والصوف والقطن لا يناسبهما، فالنبي ﷺ رخص لهما في لبس الحرير.
هذا ما جاء في باب الرخصة، ولا يؤخذ به في عموم الأحوال، ولكن يؤخذ به في وقت الاحتياج فقط.
كذلك الذهب يرخص فيه لاستبدال عضو من الأعضاء كعظم من العظام كالمفاصل ونحوها، ولذلك جاء في حديث عرفجة أنه قطعت أنفه في يوم كلاب -حرب من الحروب الجاهلية- فاتخذ أنفاً من فضة فأنتنت عليه، يعني: كأن عظام أنفه اقتطعت أو أنفه كلها قطعت، فوضعوا له فضة بدلاً عنها فأنتنت عليه وما نفعته، فاستبدلها بذهب وأقره النبي ﷺ على ذلك.
ففيه أنه قد يستخدم الذهب في عظم الإنسان يستبدل به إذا كان يصلح في ذلك كمفصل ونحوه، أو كالأسنان، وكان الصحابة يشدون أسنانهم بالذهب رضي الله ﵎ عنهم، ويرون أن هذا من باب التطبب، وأنهم يحتاجون إلى ذلك طباً، فهذا جائز ولا شيء فيه، أما من يلبسه على وجه الزينة فهو غير جائز.
إذاً: منعنا النبي ﷺ من الذهب والحرير للرجال، كما أنه نهى ﷺ عن جلود السباع، وقد اختلف الفقهاء فيما يطهر منها، فذهبوا إلى أن المأكول من بهيمة الأنعام يجوز أنك إذا ذبحتها أن تأخذ جلدها وتدبغه وتلبسه وتفترشه.
وإذا ماتت بهيمة الأنعام فأيضاً الجمهور على الجواز، لما جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (هلا أخذتم إيهابها فدبغتموه.
فقالوا: إنما هي ميتة، قال: إنما حرم لحمها).
إذاً: جلود الأنعام التي ماتت كالبعير والبقرة والغنمة يجوز أن تؤخذ وتسلخ وتدبغ وينتفع بها، لكن إذا كانت سباعاً فهذا غير جائز، لعله إذا ذبحه يأتي أناس يأكلوه، فيستحلون ما حرم الله ، فمنعنا ابتداءً من ذلك، لا جلد السبع وهو مذبوح ولا وهو غير مذبوح.
وهل جلد السبع نجس أم لا؟ لا شك أنه إذا كان ميتة أو مأخوذ منه سواء ذبح أم لم يذبح فهو نجس، ولكن قد يدخل في عموم حديث النبي ﷺ : (أيما إيهاب دبغ فقد طهر)، ففرق بين أنه دبغ وطهر، وبين أن يأخذه الإنسان فيستعمله، هذا الذي منع منه النبي صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 809
النهي عن افتراش جلود السباع
النمار: هي جلود النمر، وقس عليه غيره كجلد السبع الأسد والكلب وغيره من الجلود، فإذا دبغت فلا يجوز للمسلم أن يجلس عليها، أو أن يركب عليها.
ففي حديث معاوية الذي رواه الإمام أبو داود بإسناد حسن، قال النبي ﷺ : (لا تركبوا الخز ولا النمار) الخز: الصوف أو الوبر المختلط بالحرير، يعني: مثل شعر البعير أو الأرانب ونحوه فلا شيء فيه وهو جائز، ولكن كأنه غالب في حالهم أنهم كانوا يخلطونه بالحرير، فنهى النبي ﷺ عن ذلك إذا كان الخز مخلوطاً بالحرير، بحيث يظهر أنه كله حرير، أو أنه واضح الحرير الذي فيه، فهذا ممنوع منه.
وفي حديث أبي المليح: (أن رسول الله ﷺ نهى عن جلود السباع)، ليس النمر فقط بل كل السباع، ويطلق السبع على كل من عدا بنابه وقتل به وعقر، مثل الكلب والأسد والنمر وكل شيء من السباع الذي يأكل الحيوان ويعقر بنابه، هذا سبع فنهانا النبي ﷺ عن افتراش جلودها.
وفي النهي عن علة أكلها يقول العلماء: إن أكل هذه الأشياء تجعل الإنسان يتطبع بطبيعته ويصبح مثل الوحش يأكل لحوم الأسد أو النمر، أو الكلاب، وتصير أخلاق الإنسان مثله، ولذلك ترى الأسد في حديقة الحيوان عندما توضع له قطعة اللحم يأكلها وكأنه يفترس فريسة! فهذه طبيعة فيه، كذلك الذي يأكل من لحومها يصير كهيئتها في الطبيعة الوحشية، فيأكل اللحوم ولا يهتم، في النهاية ممكن يأكل الإنسان لحم البشر ولا يهتم لذلك.
فلذلك قال من يتكلم عن هذه الأشياء من العلماء: إن أكل لحوم هذه الوحوش تعطي الإنسان طبيعة الوحش نفسه، فلا يمنع أن يكون استخدام جلود هذه الأشياء يطبع الإنسان بهذه الطبيعة التي عليها، فنهانا النبي ﷺ أن نفترش جلود النمار، أو جلود السباع.
стр. 810
ما يقوله من لبس ثوباً جديداً
يقول الإمام النووي ﵀: [باب ما يقول إذا لبس ثوباً جديداً أو نعلاً أو نحوه].
عندما ينعم الله على العبد بنعمة من نعمه سبحانه ويكسوه ثوباً أو حذاءه ماذا يقول العبد؟ روى أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن، وصححه الشيخ الألباني، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ إذا استجد ثوباً) إذا لبس ثوباً جديداً ﷺ (سماه باسمه) هذا قميص هذه عمامة هذا نعل (سماه باسمه -عمامة أو قميصاً أو رداء- يقول: اللهم لك الحمد أنت كسوتنيه)، ولعله سماه باسمه هنا في قوله: كسوتنيه يعني: يقول: اللهم لك الحمد أنت كسوتني هذا القميص، أنت كسوتني هذا الرداء، أنت كسوتني هذا الإزار، فيسميه باسمه: (أسألك خيره وخير ما صنع له)، هذا الدعاء الطيب الجميل من النبي ﷺ يعلم المؤمن أن يشكر نعمة الله سبحانه ﵎، ولا يحتقر نعمة الله عليه، فيشكر الله بخصوص هذه النعمة التي أنعمت عليه، أعطيتني هذا القميص، هذا البنطلون، فتذكر الشيء باسمه وأن الله أنعم به عليك سبحانه ﵎.
قال: (أسألك خيره) يعني: خير هذا الثوب، الثوب فيه خير وفيه شر، خير الثوب: أن تلبسه ويكون واسعاً عليك فضفاضاً يكسوك ويستر عورتك ويقيك الحر ويقيك البرد.
هذا من خير الثوب.
وشر الثوب: أن يكون على الإنسان ضيقاً، يدعو الإنسان للخيلاء فيستكبر على الخلق ويرى أنه أفضل منهم، وأنه أحسن منهم بهذا الثوب، أو بهذا النعل الذي لبسه.
(أسألك خيره وخير ما صنع له) مصنوع لماذا؟ لأني ألبسه أتدفأ به أم أفتخر به على الناس؟ (وأعوذ بك من شره) شر الثوب ما فيه إذا كان ضيقاً أو يؤذيه أو لباس شهرة أو لباساً محرماً (وشر ما صنع له) أي: صنع من أجله للخيلاء والغرور أو للكيد للناس، أو لإظهار المفاتن والعورات، فيتعوذ بالله من شر ما صنع له هذا الثوب.
فينبغي على المسلم إذا وهبه الله ورزقه رزقاً أن يحمد الله سبحانه ﵎ ويشكره، قال سبحانه: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم:٧]، ووعد من الله سبحانه ﵎ أنك كلما شكرت زادك الله سبحانه ولم يحرمك: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم:٧]، فإذا كفر العبد بالله سبحانه أو جحد النعمة نزعها منه، كمن يقال له: احمد الله وتذكر نعمه عليك، فيقول: لماذا فلان يلبس كذا؟ كأنه يستكثر نعمة الله سبحانه عليه؟ ولا يعرف الحق لصاحبه سبحانه ﵎، فهذا يجحد نعمة الله، ويستحق عذاب الله، لذلك مهما أنعم الله عليك من نعمة، قد رأيتها في الماضي كبيرة أو صغيرة كل نعم الله على عبده كبيرة، والعبد قد يعرف الفضل في هذا الشيء وقد لا يعرفه، ولكن الله يعلم سبحانه ﵎، فاشكر الله سبحانه واحمده على ما آتاك من نعمة، فبذلك تدوم عليك النعمة بحمدك وشكرك لله سبحانه، ويعطيك خيراً منها.
نسأل الله من فضله ورحمته؛ فإنه لا يملك ذلك إلا هو.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم على محمد.
следующие страницы →