Полный текст (1 057 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
شرح حديث: (قد جاءكم أهل اليمن وهم أول من جاء بالمصافحة)
هذا حديث آخر لـ أنس رواه أبو داود ورواه أيضاً الإمام أحمد في مسنده قال أنس ﵁: (لما جاء أهل اليمن قال رسول الله ﷺ : قد جاءكم أهل اليمن، وهم أول من جاء بالمصافحة) هذه الكلمة (وهم أول من جاء بالمصافحة) ذكرها الإمام أبو داود في الحديث كأنها مرفوعة للنبي ﷺ ، ولكن في مسند الإمام أحمد بين أن أنساً هو الذي قال ذلك، فهذا يوضح ويبين أن الحديث المرفوع للنبي ﷺ قوله: (جاءكم أهل اليمن) كأن هذا كان قبل مقدمهم وقبل مجيء أهل اليمن، كأنه قال لهم: غداً سيزوركم أهل اليمن أو وفد من أهل اليمن وذكر أنس ﵁ هذا الحديث وقال: (وهم أول من جاء بالمصافحة) يعني: أنهم عندما جاءوا جعلوا يسلمون ويصافحون، فكانوا أول من فعل ذلك، والأمر ليس كذلك، بل كان هذا موجوداً عند العرب، وقد فعله النبي ﷺ مع أصحابه، ولكن كان قليلاً ولم يكن كثيراً، فهؤلاء جاءوا وفعلوا ذلك، فسلموا على من لقيهم، فكانت هذه سنة من سننهم التي هي انتشار هذا السلام.
ففي مسند الإمام أحمد عن أنس أيضاً: قال: (لما أقبل أهل اليمن قال رسول الله ﷺ : قد جاءكم أهل اليمن، وهم أرق قلوباً منكم) يعني: يذكر لهم أن الوفد الذين جاءوا من أهل اليمن هم أرق قلوباً منكم.
وفي حديث آخر: قال: (الإيمان يمان والحكمة يمانية) فمدح النبي ﷺ أهل اليمن الذين قدموا، وكانوا وفد الأشعريين، ومنهم: أبو موسى الأشعري ﵁، فهؤلاء الذين مدحهم النبي صلوات الله وسلامه عليه وقومهم الذين من ورائهم هم أرق قلوباً وأرق أفئدة رضي الله تعالى عنهم، وأكثر قبولاً لهذا الدين من غيرهم.
وفي مسند الإمام أحمد أيضاً عن أنس قال: قال النبي ﷺ : (سيقدم قوم هم أرق قلوباً للإسلام منكم) كأنه يقول لهم: أنتم لما دعوتكم في مكة إلى الإسلام بقيت فيكم ثلاث عشرة سنة، ومع ذلك لم يسلم إلا عدد قليل جداً، لكن أهل اليمن مجرد ما سمعوا بهذا الدين دخلوا في دين الله، وجاءوا بشوق للنبي صلوات الله وسلامه عليه، ففي مسند الإمام أحمد يذكر لنا ذلك فيقول أنس ﵁: إن النبي ﷺ قال: (سيقدم عليكم قوم هم أرق قلوباً للإسلام منكم) يعني: أسرع استجابة لدين الله من أهل مكة وأهل المدينة، قال أنس: (فقدم الأشعريون منهم أبو موسى الأشعري) فلما قدم وفد الأشعريين على النبي ﷺ وكان فيهم أبو موسى الأشعري ﵁ وقربوا من المدينة، فهم مع تلهفهم وشوقهم للقاء النبي ﷺ كانوا يقولون الرجز، وهو نوع من الشعر، فكانوا يرتجزون ويقولون: غداً نلقى الأحبة محمداً وحزبه من شدة شوقهم للنبي ﷺ وللقائه ولقاء أصحابه.
فلما قدموا على النبي ﷺ أحدثوا المصافحة، فهم عندما جاءوا يسلمون على النبي ﷺ ويسلمون على أصحاب النبي ﷺ كانوا يصافحون، فكأنهم نشروا هذا الشيء الذي كان قبل ذلك قليلاً، كان موجوداً ولكنه قليل، فهم نشروا المصافحة، فيقول أنس ﵁: (وكانوا هم أول من جاء بالمصافحة)
стр. 877
شرح حديث: (ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما)
روى أبو داود عن البراء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما) هذا الحديث في المصافحة، يعني: تمد يدك وتسلم على أخيك وتصافحه، فيقول: إن في ذلك غفراناً للذنوب، أي: أن الله يغفر بهذه المصافحة، فكونك تمد يدك لأخيك فهذا دليل التواضع ودليل المحبة، فبالمصافحة تنتشر المحبة بين المؤمنين، بالتسليم وبالمصافحة فيقول: (ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يفترقا) يعني: عند أن يضع المرء يده في يد الثاني ويسلم عليه ويقول: السلام عليكم ورحمة الله، فهو يدعو له، فالله يستجيب لدعاء أحدهما لصاحبه ويغفر للاثنين، قال: (إلا غفر لهما قبل أن يفترقا).
وفي رواية لهذا الحديث من حديث أنس بن مالك ﵁ في مسند الإمام أحمد يقول النبي ﷺ : (ما من مسلمين التقيا فأخذ أحدهما بيد صاحبه إلا كان حقاً على الله أن يحضر دعاءهما، ولا يفرق بين أيديهما حتى يغفر لهما) هنا حق على الله أن يحضر الدعاء، والله لا يغيب عنه شيء، فكل إنسان سواء كان مسلماً أو كافراً يقول شيئاً أو يفعل شيئاً فالله يشهد ذلك، ولكن هنا كأن الحضور له معنى آخر، يعني: إما حضور لرحمة هؤلاء، وإما حضور لتعذيب هؤلاء، أو شهادة على هؤلاء، فهنا أن حضور الله يكون على المعنى الخصوصي لهؤلاء بمغفرته وبرحمته، فهو شاهد يشاهد كل شيء، ويحضر مع كل واحد، والله سبحانه أقرب إلينا من حبل الوريد، وأقرب إلينا بفعله سبحانه وبقوته وقدرته، فحضوره هنا برحمته، فهو يرحم ويغفر، ويستجيب لدعاء أحدهما لصاحبه، ولا يفرقا بين أيديهما حتى يغفر لهما.
стр. 878
شرح حديث: (قال رجل: يا رسول الله! الرجل منا يلقى أخاه أو صديقه أينحني له؟ قال: لا)
هذا حديث أنس رضي الله تعالى عنه قال: (قال رجل: يا رسول الله! الرجل منا يلقى أخاه أو صديقه، أينحني له؟ قال: لا) كأن العجم إذا لقي أحدهم صاحبه يسلم عليه وينحني له، فهذا يسأل ويقول: هل نفعل كما يفعلون حين نسلم ويصافح بعضنا بعضاً؟ فقال النبي ﷺ له: لا، أي: يكره هذا الشيء، فقال له الرجل: (أفيلتزمه ويقبله؟ قال: لا، قال: فيأخذ بيده ويصافحه؟ قال: نعم).
يعني: أن من السنة أنك إذا لقيت أخاك أن تسلم عليه، إما أن تقول: السلام عليكم وأنت مار، وإما أن تقف وتسلم عليه: السلام عليكم وتصافحه بيدك، فهذا أفضل.
ففي الحديث أن النبي ﷺ كره أن ينحني الرجل لصاحبه، فلا ينحني أحد لأحد إذا قابله.
كذلك الالتزام والتقبيل هذا ليس من السنة، وهذا كثير بين المسلمين، فتجد الآن كلما يقابل صاحبه يقبله، هذا ليس من سنة النبي ﷺ ، الالتزام والمعانقة هذا يكون إذا كان الإنسان مسافراً وقدم من سفره، فهذا تلتزمه وتقبله، لكن الذي تقابله بين فترة وأخرى كلما قابلته قبلته وعانقته، ليس ذلك من سنة النبي ﷺ ، ولا نقول: يحرم ذلك ولكن يكره؛ لأن النبي ﷺ لما سئل عن ذلك قال له: لا تفعل هذا الشيء، فهو قال: يلتزمه ويقبله؟ قال: لا، أينحني له؟ قال: لا، فماذا يعمل؟ أيصافحه؟ قال: نعم.
إذاً: السنة إذا قابلت أخاك المصافحة، ولا نزيد شيئاً ليس له أصل من سنة النبي ﷺ في مثل ذلك، حتى لا تصير بين الناس عادة من العادات التي يمكن أن يعملها الإنسان، فقد يلقى أخاه ويسلم عليه ويقبل شماله ويمينه وقد لا يكون في القلب محبة؛ ولكن لأنه قد تعود على هذا الشيء، ولأنه إذا ما عمل كذا فسيقول: هذا يكرهني.
إذاً: السنة أن تسلم وتصافح، والإسلام ليس فيه تمثيل، ولا داعي للمبالغة في الشيء، فإذا قابلت أخي أسلم عليه وأصافحه باليد أو ألقي ﵇، وهذا هو الذي جاء عن النبي ﷺ .
والمبالغة في الشيء تؤدي إلى البدع في دين الله ، فترى الناس يفعلون الشيء من سنة النبي ﷺ ثم بعد ذلك يخترعون شيئاً جديداً غير ما كان عليه النبي ﷺ ، مثل ما ورد في الحديث: (ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم) فيفشي المسلمون السلام؛ لأن إفشاء السلام يغيظ أعداء الإسلام، ويحسدون المسلمين على ذلك، لكن اليوم لا يسلم المسلم على أخيه إلا إذا كان يعرفه، وتراه يزهد في السلام على أخيه كلما لقيه! والتسليم باليد فيه ثواب عظيم وفيه مغفرة وحب، فأنا حين أسلم عليك وأقول: السلام عليكم، فهذا فيه مغفرة من الله .
كذلك بعض الناس يخترعون شيئاً في أمر السلام، فبدل أن يسلم بعضنا على بعض عند الافتراق، يقول الأول: لا إله إلا الله، ويردد الثاني ويقول: محمد رسول الله، نقول: الشهادتان هما أعظم كلمة في دين الله ، لكن ليس هذا وقتها، هذا من البدع؛ لأن النبي ﷺ يقول: (ليست الأولى بأحق من الأخرى) أي: إذا لقيت أخاك فسلم عليه، فإذا افترقتما فسلم عليه؛ فليست الأولى بأحق من الآخرة.
فالنبي ﷺ أمرنا أن نسلم حين الافتراق، أن أدعو لك وتدعو لي بالسلامة وبالحياة الكريمة الطيبة وبالبركة من الله، فلا داعي للبدع التي كثرت بين الناس.
стр. 879
شرح حديث: (قال يهودي لصاحبه: اذهب بنا إلى هذا النبي)
من الأحاديث حديث لـ صفوان بن عسال ﵁ قال: (قال يهودي لصاحبه: اذهب بنا إلى هذا النبي، فأتيا رسول الله ﷺ فسألاه عن تسع آيات بينات، فذكر الحديث إلى قوله: فقبلا يده ورجله، وقالا: نشهد أنك نبي) رواه الترمذي وغيره بأسانيد صحيحة.
ورواه الإمام أحمد في مسنده، وإسناد الحديث رجاله ثقات، غير التابعي الذي روى هذا الحديث فالحافظ ابن حجر ذكر أنه صدوق، ولكنه تغير حفظه أو ساء حفظه، فعلى ذلك يكون فيه ضعف يسير.
والقصة التي ساقها الإمام أحمد في مسنده عن عبد الله بن سلمة، وعبد الله بن سلمة هو الذي قال عنه الحافظ: صدوق، ولكن كبر فتغير حفظه، وحدث عن صفوان بن عسال وهو من أصحاب النبي ﷺ ، قال: (قال يهودي لصاحبه: اذهب بنا إلى هذا النبي حتى نسأله عن هذه الآية: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [الإسراء:١٠١]).
وفي رواية أخرى يذكر أنه قال: (اذهب بنا إلى هذا الذي يزعم أنه نبي، فنسأله عن هذه الآية: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [الإسراء:١٠١] فقال الآخر للأول: لا تقل: إنه نبي؛ فإنه إن سمعك صارت له أربعة أعين) هذه الآية نزلت على النبي ﷺ : ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [الإسراء:١٠١]، وهنا الظاهر أن راوي الحديث حصل له شيء من الخلط في تفسير الآية مع ما قاله النبي ﷺ ؛ لأن الله آتى موسى تسع آيات بينات منها: اليد والعصا، لكن الحديث ذكر أشياء أخرى، فكأن راوي الحديث ظن أنهما أرادا أن يذهبا ويسألا النبي ﷺ عن الآيات، مع أنهما سألاه عما حرم الله على بني إسرائيل، فاختلطت عليه الآية مع الحديث فذكر ذلك.
ولكن القصة أنهما ذهبا للنبي ﷺ ليبين لهما ما آتى الله لموسى من أوامر ونواه لبني إسرائيل، فاليهوديان لما ذهبا للنبي ﷺ فسألاه، قال لهما النبي ﷺ : (لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تسحروا، ولا تأكلوا الربا، ولا تمشوا ببريء إلى ذي سلطان ليقتله).
كأن هذه الأمور من الشريعة التي جاءت لموسى نزلت ليأمر بني إسرائيل بها، وليس في الحديث تفسير التسع الآيات التي جاء بها موسى على نبينا وعليهم الصلاة والسلام، فقد آتاه الله تسع آيات قال: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلاتٍ﴾ [الأعراف:١٣٣] هذه خمس آيات، وآتاه الله اليد والعصا، اليد تخرج بيضا، والعصا تصير كالحية تسعى، هذه من الآيات التي آتاها الله لموسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام.
ولما نجى الله بني إسرائيل من فرعون، أنزل الله على موسى آيات بينات واضحات مثل هذه الآيات التي ذكرها الله في كتابه، ذكر بعضها في آية وبعضها في آية أخرى، وبعضها مما جاء أو فهم من القرآن، لكن هنا كأن السؤال عما أَمر موسى بني إسرائيل به من الشريعة التي هم تركوا منها أشياء، فذكر النبي ﷺ أن موسى أمرهم وقال: (لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تسحروا، ولا تأكلوا الربا، ولا تمشوا ببريء إلى ذي سلطان ليقتله) كأنه كان فيهم هذا الشيء، من أنهم يذهبون بالبريء ويشهدون عليه زوراً فيقتله السلطان وغير ذلك مما ذكر في الحديث.
ثم قال لهم ﷺ : (وأنتم يا يهود، عليكم خاصة ألا تعملوا في السبت) أي: أن مما أمر الله موسى أن يبلغ بني إسرائيل عقوبة لهم ألا يعملوا في السبت يعني: لا تعتدوا في السبت، ولا تعملوا عملاً في يوم السبت، كان عقوبة من الله لهم؛ لأن الله سبحانه جعل لهم يوم الجمعة فقالوا: لا نريد الجمعة بل نريد يوم السبت، فقال لهم: يوم السبت هو عيدكم وممنوع عليكم أن تعملوا فيه، بخلافنا نحن أهل الإسلام فإن الله جعل يومنا الجمعة ورضينا وقبلنا ذلك، وأباح لنا في هذا اليوم كل شيء، إلا ما هو حرام علينا في غيره من أيام الأسبوع، لكن اليهود رفضوا الجمعة فجعل عيدهم السبت وحرم عليهم أشياء.
كذلك النصارى رفضوا الجمعة وطلبوا الأحد، أما المسلمون فرضوا بعيد الله يوم الجمعة الذي خلق فيه آدم، وأنزل فيه آدم إلى الأرض، وتقوم الساعة في هذا اليوم، فكان عيداً لأهل الإسلام.
فنحن الآخرون ولكن يوم القيامة نحن السابقون؛ لأننا قبلنا دين الله كما أمر، ولم يبدل المسلمون ولم يغيروا، بل أخذوا دين الله على ما أراد الله .
الغرض في هذا الحديث لما قال اليهودي لصاحبه: (اذهب بنا إلى هذا الذي يزعم أنه نبي، فقال الآخر للأول: لا تقل: نبي؛ لأنه إن سمعك صارت له أربعة أعين) يعني: كأنه يقول: إنه تقر عينه ويفرح بهذا القول، وحين تقول: فلان هذا حار العين، فهذا يعني: أن عينه حارة من الحزن ومن الغيظ، أما لو قلت: فلان بارد العين، فهذا يعني: أن عينه قارة باردة راضية، كأنه تقر عينه وتفرح.
فاليهود يحسدون النبي ﷺ على ما آتاه الله من فضله، فلما سألا النبي ﷺ عن ذلك وأجابهما قبلا يديه ورجليه ﷺ وقالا: (نشهد أنك نبي قال: فما يمنعكما أن تتبعاني؟) هناك فرق بين من يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وبين أن يقول: أشهد أنك نبي، كأنهما قالا له: نحن صدقنا أنك نبي، لكن لا نسلم ولا ندخل في دينك، ففهم النبي ﷺ ما قالا، فقال لهما: (فما يمنعكما أن تتبعاني؟) يعني: ما دام أنكما عرفتما أني نبي فلم تتركان اتباعي؟ فقالا يتمحلان لعدم الدخول في هذا الدين، مع أنهما يعرفان أنه الخاتم صلوات الله وسلامه عليه ولا نبي بعده، وعلى فرض أنهما لا يعرفان أنه الخاتم، مهما قالا: نشهد أنك نبي فالنبي معصوم وصادق، فإذا شهدا له بالنبوة فقد شهدا له بالعصمة وأنه لا يكذب، فهو يقول لهما ولغيرهما: أنا رسول إليكم فالواجب عليهما أن يؤمنا بالنبي صلوات الله وسلامه عليه وأنه رسول رب العالمين، وأن يدخلا في دينه، ولكن اليهود عرفوا أنه نبي وقال له بعضهم: نشهد أنك نبي ومع ذلك لم يدخلوا في دينه، فتمحلا بهذا القول وقالا: (إن داود ﵇ دعا ألا يزال من ذريته نبي) لكن بعد ذلك أظهرا حقيقة الأمر وقالا: (إنا نخشى إن أسلمنا أن تقتلنا اليهود) يعني: الذي منعهما من الدخول في دين الله سبحانه ﵎ الخوف من أن تقتلهما اليهود.
الشاهد في هذا الحديث أنهما قبلا يد النبي ﷺ ورجله، ولم ينكر عليهما صلوات الله وسلامه عليه ما فعلا، فلذلك ذكر الإمام النووي جواز مثل ذلك.
стр. 880
شرح حديث: (فدنونا من النبي ﷺ فقبلنا يده)
عن ابن عمر ﵄ في قصة قال فيها: (فدنونا من النبي ﷺ فقبلنا يده) ﵊ هذه قصة ساقها الإمام أبو داود في سننه، والقصة إسنادها فيه ضعف، ولكن جملة الروايات تعطي المعنى المقصود أنه يجوز تقبيل يد النبي ﷺ وغيره من أهل الصلاح ومن أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، ولكن لا يكون عادة؛ لأنه لم تكن عادة أصحاب النبي ﷺ كلما لقوا النبي ﷺ يقبلون يده ورجله ﵊، ولكن هذا حدث على وجه الندرة، فإذا كان فليكن مثل ذلك.
هنا الحديث رواه أبو داود والترمذي من حديث يزيد بن أبي زياد، ويزيد بن أبي زياد ضعيف، وهو أن عبد الرحمن بن أبي ليلى حدثه أن عبد الله بن عمر حدثه (أنه كان في سرية من سرايا رسول الله ﷺ قال: فحاص الناس حيصة فكنت فيمن حاص) يعني: يذكر عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ أرسله في غزوة من الغزوات في سرية من السرايا فحاص الناس حيصة كأن الأعداء كانوا كثيرين والصحابة كانوا قلة، فحاص الناس أي: رجعوا وهربوا، قال: وكنت فيمن هربت مع الذي هربوا، فـ ابن عمر ﵁ هذا الرجل الصحابي الفاضل لم يقل: الناس هربوا وأنا ثبت، لا، حاشا له ﵁ أن يكذب، ولكن يخبر ويقول: حاص الناس فكلنا هربنا ورجعنا للنبي ﷺ ، لكن وهم في الطريق راجعين قال: (فلما برزنا قلنا: كيف نصنع وقد فررنا من الزحف، والله يقول: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال:١٦] فقالوا: ندخل المدينة ونختبئ فيها، ننظر في أمرنا، قال: فدخلنا فقلنا: لو عرضنا أنفسنا على رسول الله ﷺ ، فإن كانت لنا توبة أقمنا، وإن كان غير ذلك ذهبنا، قال: فجئنا رسول الله ﷺ قبل صلاة الفجر فلما خرج قمنا إليه فقلنا: نحن الفرارون) قالوا ذلك للنبي ﷺ : نحن هربنا وجئنا تائبين لله ، نحن الفرارون، فماذا كان الجواب من النبي ﷺ وهو بالمؤمنين رءوف رحيم؟ قال: (فأقبل إلينا فقال: لا، بل أنتم العكارون) يعني: أنتم لستم فرارين بل أنتم العكارون، ما هو الفرق بين الفرار والكرار والعكار، الفرار هو الذي فر وهرب من المعركة، والكرار هو الذي يقدم على العدو وهو شجاع، أما العكار فهو الذي يقدم ثم يخاف ويرجع ثم يكر مرة ثانية، فالنبي ﷺ أعطاهم الأمل بأنهم سيرجعون ويقاتلون مرة ثانية، فقال: (بل أنتم العكارون) فإذاً: العكار هو الذي قد يولي دبره في المعركة ثم يرجع فيكر مرة أخرى، هذا العكار فقال: (لا، بل أنتم العكارون، ففرحوا بذلك بعد ما كادوا ييئسون، قال: فدنونا فقبلنا يده فقال: أنا فئة كل مسلم) فهذا الحديث فيه بيان أنهم قبلوا يد النبي ﷺ ، وقد جاءت أحاديث أخرى في هذا المعنى لا يخلو بعضها من مقال، ولكن بمجموعها تفيد جواز تقبيل اليد، ومنها: ما جاء عن أبي لبابة وكعب بن مالك أنهما لما تابا وتاب الله عليهما، ذهب أبو لبابة فقبل يد النبي ﷺ ، وكذلك كعب بن مالك وصاحباه ذهبا للنبي ﷺ وقبلا يده.
وأيضاً جاء عن أصحاب النبي ﷺ أن بعضهم فعل مع بعض مثل ذلك، منهم: أبو عبيدة فإنه لما قدم على عمر قبل يد عمر رضي الله تعالى عنه، وكلاهما من العشرة المبشرين بالجنة.
كذلك زيد بن ثابت ﵁ قبل يد عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما، فـ زيد بن ثابت الذي كان يكتب القرآن العظيم رضي الله تعالى عنه، وهذا عبد الله بن عباس الذي كان يفسر القرآن العظيم كلاهما عالم من علماء أصحاب النبي ﷺ ، فقبل زيد وهو أكبر من ابن عباس يد ابن عباس ﵄، والسبب في ذلك أن زيداً أراد أن يركب الفرس فـ عبد الله بن عباس نظر إلى زيد فقال في نفسه: هذا كاتب وحي النبي ﷺ وأكبر مني سناً، فتقدم إليه ابن عباس وأمسك بركابه من أجل أن يضع زيد رجله في الركاب، هذا ابن عباس حبر هذه الأمة وترجمان القرآن ﵄، فلما فعل ذلك إذا بـ زيد يأخذ يده ويقبلها رضي الله تعالى عنهما، فهذا تواضع أصحاب النبي ﷺ بعضهم لبعض.
وجاءت آثار كثيرة ذكرها الحافظ ابن حجر في فتح الباري بهذا المعنى: أن أصحاب النبي ﷺ فعلوا ذلك معه ﷺ ، فقبلوا يد النبي ﷺ ، وكذلك من بعدهم، فقد جاء عن علي أنه قبل يد العباس عمه رضي الله تعالى عنهما، وجاء عن ثابت أنه قبل يد أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، وجاء عن أبي مالك الأشجعي قال: قلت لـ ابن أبي أوفى: ناولني يدك التي بايعت بها رسول الله ﷺ قال: فناولنيها فقبلتها.
يقول الإمام النووي ﵀: تقبيل الرجل لزهده وصلاحه أو علمه أو شرفه أو صيانته أو نحو ذلك لا يكره، بل يستحب إذا كان لأمر من الأمور الدينية، فإن كان لغناه أو لشوكته أو لجاهه عند أهل الدنيا فمكروه كراهةً شديدة.
وقال أبو سعيد المتولي: لا يجوز إلا إذا كان على وجه التقرب إلى الله .
لكن لا يكون على وجه العادة، كلما قابل واحداً من أهل العلم أو من كبار السن قبله، لا، يجب ألا يكون مثل النصارى، ولأنه قد يقوم الخسيس ويقابلهم ويمد لهم يده ويقول: قبلوا يدي.
إذاً: يجب ألا يكون هذا منتشراً بين المسلمين، ولكن الذي كان لو عددنا هذه القصص بأنها قليلة بجنب عمر النبي ﷺ ، فقد ظل مع الصحابة ثلاث وعشرين سنة في الدعوة إلى الله ، فلو كان هذا يحدث كل يوم لجاءت أحاديث كثيرة في ذلك، ولكن الأحاديث منها ما هو ضعيف ومنها ما هو صحيح، فعلى ذلك يقول أهل العلم: إن ذلك يجوز، ولكن لا يكون عادة.
إذاً: الإنسان يقبل يد أمه وأبيه هذا جائز، ويقبل يد من يعلمه، لكن على وجه الندرة، ولا تزكوا أنفسكم، فالله أعلم بمن اتقى.
стр. 881
شرح حديث: (قدم زيد بن حارثة المدينة فأتى النبي فقام إليه النبي يجر ثوبه فاعتنقه وقبله)
من الأحاديث حديث لـ عائشة ﵂ قالت: (قدم زيد بن حارثة المدينة ورسول الله ﷺ في بيته، فأتاه فقرع الباب، فقام إليه النبي ﷺ يجر ثوبه، فاعتنقه وقبله) هذا زيد بن حارثة حب رسول الله ﷺ ، وابنه أسامة بن زيد حب رسول الله ﷺ كذلك، فـ زيد بن حارثة كان مسافراً وقدم فلما قرع زيد الباب خرج النبي ﷺ إليه يجر رداءه ويلبس إزاراً يستر من السرة إلى أسفل الركبتين، والرداء الذي يوضع على المنكب فالنبي ﷺ من شوقه لـ زيد ﵁ ومن حبه له خرج واستقبله واعتنقه وقبله صلوات الله وسلامه عليه، والرداء في يده، فذكر هنا في الحديث أنه اعتنقه وقبله.
стр. 882
شرح حديث: (لا تحقرن من المعروف شيئاً)
جاء عن أبي ذر ﵁ أنه قال: قال لي رسول الله ﷺ : (لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق) من المعروف أن تعطي أخاك، وأن تعين أخاك، وأن تفعل معه الخير، حتى في أقل الأشياء، كأن تتبسم في وجهه، وهذا الحديث رواه مسلم.
стр. 883
شرح حديث: (أن الأقرع بن حابس قدم على النبي ورآه وهو يقبل الحسن بن علي)
حديث آخر لـ أبي هريرة ﵁ وهو متفق عليه، وفيه: (أن الأقرع بن حابس قدم على النبي ﷺ ، ورأى النبي ﷺ وهو يقبل الحسن بن علي ﵄، فقال الأقرع بن حابس: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحداً) الأقرع بن حابس كبير ورجل زعيم في قومه، فكأنه يقول للنبي ﷺ : أنت كبير في القوم ولست مثلك، ومع ذلك ما قبلت واحداً، أنت رسول الله تفعل هذا الشيء؟! فهو ينكر على النبي ﷺ ذلك، فاستحق أن يجاوبه النبي ﷺ بهذا الجواب، ويقول: (من لا يرحم لا يرحم) يعني: كون الإنسان يقبل ابنه هذا من الرحمة التي يجعلها الله في قلوب عباده.
وفي رواية أخرى قال: (أو أملك أن نزع الله الرحمة من قلبك) يعني: أنت تفرح بأنه لا توجد رحمة في قلبك.
هذا الحديث فيه أنه يجوز أن يقبل الإنسان أولاده، وأن هذا مستحب؛ لأن النبي ﷺ كان يفعله مع ابنته فاطمة، كان يذهب إليها فتقوم له ﷺ وتقبله وتجلسه في مكانها، وهي حين تأتي إليه صلوات الله وسلامه عليه كان يقوم لها ويقبلها ويجلسها بجواره ﵊.
ففيه تقبيل الأب لأولاده ولبناته، وتقبيل الإنسان للقادم من السفر بأن يعتنقه وأن يقبله، لكن لا يكون هذا مع من يلتقي معه في كل صلاة أو في كل يوم، يعني: ينبغي ألا تكون هذه عادة لا بين الرجال بعضهم مع بعض، ولا بين النساء بعضهن مع بعض، إلا على ما جاء في سنة النبي ﷺ ، والله أعلم.
نكتفي بهذا القدر.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 884
شرح رياض الصالحين - ما جاء في عيادة المريض
إن للمسلم على أخيه المسلم حقوقاً وضعها الشرع الحنيف؛ لتتم الألفة والرابطة الوشيجة بين المؤمنين، فينتج من ذلك مجتمع قوي متحاب متماسك، ومن هذه الحقوق: اتباع الجنائز، وتشميت العاطس، ورد السلام، ونصر المظلوم، وإجابة الداعي، وفك العاني، وعيادة المريض، وإبرار المقسم، وغيرها.
стр. 885
من حقوق المسلم على أخيه المسلم
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الإمام النووي ﵀: [كتاب: عيادة المريض، وتشييع الميت، والصلاة عليه، وحضور دفنه، والمكث عند قبره بعد دفنه.
عن البراء بن عازب ﵄ قال: (أمرنا رسول الله ﷺ بعيادة المريض، واتباع الجنازة، وتشميت العاطس، وإبرار المقسم، ونصر المظلوم، وإجابة الداعي، وإفشاء السلام) متفق عليه.
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس) متفق عليه].
هذا باب من كتاب (رياض الصالحين) يذكر فيه الإمام النووي عيادة المريض، وتشييع الميت، والصلاة عليه، وحضور الدفن، والمكث عند القبر بعد دفنه، وهذه من حقوق المؤمن على أخيه المؤمن، وقد جاء حديث النبي ﷺ يبين ذلك بأمره ﷺ بهذه الآداب، وأيضاً بذكره أنها من حق المسلم على أخيه المسلم.
فمن الأحاديث في ذلك حديث البراء ﵁ قال: (أمرنا رسول الله ﷺ بعيادة المريض، واتباع الجنازة، وتشميت العاطس) إلى آخر ذلك.
وما يأمر به النبي ﷺ فيه الخير كله في الدنيا وفي الآخرة، فهو يأمرنا بما يؤلف قلوبنا، وبما يجعل المؤمن يحب أخاه المؤمن، فقد قال لنا ﷺ : (ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم)، وهذه من خصائص المجتمع المؤمن المسلم، فالمؤمنون يحب بعضهم بعضاً، والمؤمنون يجمعهم الحب في الله سبحانه ﵎، والتعاون على البر والتقوى، وتجمعهم الألفة التي في القلوب، ويجمعهم العمل لدار الآخرة، فالمؤمن يحب أخاه المؤمن ولا ينتظر منه أن يعطيه على هذه المحبة أجراً في الدنيا، بل إن المؤمن إذا بذل المال والعون قال: ﴿لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا﴾ [الإنسان:٩]، وقال: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ [الإنسان:٩].
إن المؤمن يبذل ما عنده من نفع لغيره ابتغاء وجه الله سبحانه، والمؤمن مستريح في الدنيا، ولو أنه يبذل نفعه وماله وطعامه وينتظر عليه أجراً من الآخرين لتعب جداً، ولو جلس يتذكر: أعطيت لفلان كذا ولم يعمل لي شيئاً، وزرت فلاناً وما زارني، وأعطيته من مالي ولم ينفعني بشيء، لو تذكر ذلك لتعب الإنسان بذلك، ولكن المؤمن يستريح؛ لأنه ينتظر الأجر من الله: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا﴾ [الإنسان:٩]، ولا حتى الشكر، فلا ننتظر منكم الشكر على ذلك، وإنما ننتظر الأجر من الله سبحانه، فالمؤمن قلبه معلق بالجنة يريد أن يدخلها بأي عمل من الأعمال، ولو أنه علق قلبه بالدنيا لأخذته الدنيا، فالدنيا تفتن الإنسان وتغره، وكلما طلب الدنيا ابتعدت عنه هذه الدنيا، ولن ينال منها إلا ما قسمه الله له فيها، لذلك فالمؤمن يستريح لأنه يطلب الآخرة، ولا ينسى نصيبه من الدنيا، ولكن لا يجعل قلبه متعلقاً بها، وإذا تعلق بها فلعله ينالها ولعله لا ينالها، لكنه يتعلق بالدار الآخرة، ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ﴾ [القصص:٨٣] والآخرة، والعاقبة الحسنة، والجزاء الحسن للمؤمن عند الله ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص:٨٣].
إن المؤمن حين يطيع ربه سبحانه، وحين يطيع رسوله صلوات الله وسلامه عليه لا يبتغي بذلك إلا الدار الآخرة، فإذا أمر النبي ﷺ بعيادة المريض فإنك تعود المريض ابتغاء وجه الله سبحانه، وانتظار الأجر من الله سبحانه.
стр. 886
اتباع الجنازة
تتّبع الجنازة ابتغاء الأجر من الله سبحانه، ولا تنظر إلى غيرك وتقول: الناس لم يزوروا المرضى فأنا أيضاً ما سأزورهم، والناس لم يمشوا في الجنازة فأنا أيضاً لا أمشي، فلا تنظر إلى غيرك، بل عد المريض، وامش وراء الجنازة، وشمت العاطس ابتغاء الأجر من الله سبحانه، فإذا زرت المريض فإنه يحبك إذا زرته الزيارة الشرعية التي أمرت بها شرعاً.
وكذلك إذا اتبعت الجنازة فإنك تؤجر من الله سبحانه، وتدخل على قلب أهل الميت السلوى، وتسليهم بذلك، تعزيهم، وينظرون إليك بأنك وقفت بجانبهم في يوم الجنازة، فيفرحون بذلك أنك بجوارهم ويحبونك، فيحب المؤمن أخاه المؤمن لما يبذله له من نفع في الدنيا؛ فيؤجر على ذلك في الآخرة.
стр. 887
تشميت العاطس
قوله: (تشميت العاطس)، فإذا عطس الإنسان وقال: الحمد لله فإنك تشمته، وذكرنا معنى التشميت قبل ذلك وقلنا: هو إما من الشماتة، وإما من الشوامت، والشوامت: القوائم، فكأنك ترفعه وتقيمه، فهذا دليل على أنه تعب في هذه العطسة، فالإنسان حين يعطس فبحسب قوة العطسة، فقد يؤذي هذا الإنسان، ولكنه إذا عطس فإنه يحمد الله أنه أبقى عليه بعدما عطس، فأنت تقول له: يرحمك الله، فتشمته، أي: لا زلت قائماً على قوائمك ما وقعت، فتدعو له بأنه يظل قائماً ولا يقع في مرض ولا في غيره، فتدعو له بذلك، فهذا إذا كان مأخوذاً من الشوامت.
أو من الشماتة كأن تقول له: لا شمت الشيطان فيك، فالشيطان يريد منك أن تقع، وأنا أدعو لك أن يرحمك الله سبحانه ﵎ ولا يشمت فيك الشيطان، وتشميت العاطس هنا مقيد بأن يحمد الله سبحانه.
стр. 888
إبرار المقسم
قوله: (وإبرار المقسم) أي: من البر، فتسدي له خيراً ولا تجعله يحنث في يمينه، فإذا قال: والله إني أريد منك كذا، فتعطيه هذا الشيء طالما أنت قادر عليه، وطالما أنه غير متكلف، فبعض الناس يتكلف ذلك ويستحليه، ففي كل حين يطلب حاجة ويقول: والله أعطني كذا، فمثل هذا لا يستحق الجواب طالما أنه متكلف لذلك وكلما أراد شيئاً حلف عليه، ولذلك كان النبي ﷺ يجيب أصحابه إذا أقسموا وأحياناً لا يجيبهم، فـ أبو بكر الصديق ﵁ قال للنبي ﷺ وقد سمع إنساناً رأى رؤيا من الرؤى فقال: (والله يا رسول الله! اجعلني أعبرها -أعبر لك هذه الرؤيا التي قالها فلان- فقال: عبرها، فذكر أبو بكر ﵁ التفسير لهذه الرؤيا، وكان من أعبر الناس رضي الله ﵎ عنه، ثم سأل النبي ﷺ وأقسم عليه: هل أصبت أم أخطأت؟ فقال: أصبت في أشياء وأخطأت في أشياء، ثم أقسم عليه مرة ثالثة وقال: ما الذي أخطأت فيه؟ فقال: لا تقسم، ولم يخبره).
وبهذا الحديث يظهر لنا أن الإنسان المقسم من السنة أن تبره، إلا إذا كان يستحلي ذلك ويستمر عليه، ففي كل وقت يحلف الشيء ويأخذه، فهنا لا يقسم كما قال النبي ﷺ لـ أبو بكر ﵁، وكما قالها لغيره ﵊، ونهى النبي ﷺ عن كثرة الكلام، ونهى عن الإلحاح في السؤال وهو من هذا الباب، فالإلحاح في المسألة ليس من صفات المؤمنين الطيبين كما قال الله تعالى: ﴿لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة:٢٧٣]، فهؤلاء هم المتعففون، وعكسهم الذين يلحفون في السؤال ويبقى أحدهم يسأل: أريد وأريد وأريد، وبالله عليك أريد كذا، فإذا كان الإنسان ملحاً فلك أن تعطيه ولك أن تمنعه؛ تأديباً له.
стр. 889
نصر المظلوم
قال: (ونصر المظلوم، وإجابة الداعي، وإفشاء السلام) متفق عليه.
قوله: (ونصر المظلوم)، فمن حق المسلم على المسلم أن ينصره، وجاء في حديث النبي ﷺ أنه قال: (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً)، فنصر المظلوم بأن تأخذ له حقه وتعينه على ذلك، ونصر الظالم أن تنصره على نفسه وعلى هواه وعلى شيطانه، وتمنعه من ظلم الغير.
стр. 890
إجابة الداعي
قوله: (وإجابة الداعي) هذا من حقوق المؤمن أيضاً، فإذا دعاك إنسان لحفل عرسه، أو إذا دعاك لوليمة، أو إذا دعاك لغير ذلك وأنت تقدر على ذلك وليس عندك عذر فافعل ما طلب منك، فهذا من حق الداعي عليك.
стр. 891
إفشاء السلام
قوله: (وإفشاء السلام)، هذا من حقوق المسلمين، وقال ﷺ : (أفشوا السلام بينكم)، ولم يقل: سلم وكفى، ولكن يفشي السلام، فعادة المسلمين أنه إذا التقى المسلم مع أخيه فإنه يسلم عليه، فنعلم بذلك أن هؤلاء تحابوا في الله، فإذا سلمت عليه وردّ عليك فأنت تؤجر وهو يؤجر، وتنزل المحبة على قلبك وقلبه، فلذلك يحسد اليهود المؤمنين على التأمين في الدعاء وفي الصلاة، وعلى التسليم، فلا يحبون أن يسلم المسلمون بعضهم على بعض؛ ولذلك يطلق الناس النكت على كثرة السلام بينهم، ومصادر هذه النكت هم أعداء دين الله سبحانه من اليهود والنصارى والكفار والمنافقين والمقلدين الإمعات من المسلمين، فيقول بعضهم: ما لك تسلم مرة واثنتين وثلاثاً؟ فالإكثار من السلام يقل المعرفة! وهذا عكس ما يقوله النبي صلوات الله وسلامه عليه، فقد قال: (أفشوا السلام بينكم) صلوات الله وسلامه عليه، والمصيبة أن يجهل المسلمون دين الله ويعرفون ويرددون النكت التي يقولها أعداء دين الله سبحانه! إذاً فهذه من أوامر النبي ﷺ في حديث البراء، وفي حديث أبي هريرة جعلها حقوقاً للمسلم على المسلم فقال: (حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس).
стр. 892
عيادة المريض
من الأحاديث في الباب: عن أبو هريرة: قال رسول الله ﷺ : (إن الله يقول يوم القيامة: يابن آدم مرضت فلم تعدني!)، وهل يعقل أن الله يمرض سبحانه؟ لا، ولكن المعنى الذي يريده هنا هو ما فسره سبحانه لعبده يوم القيامة فقال: (مرض عبدي فلان فلم تعده)، لذلك قبل التفسير يعجب العبد فيقول: (يا رب! كيف أعودك وأنت رب العالمين؟!) فقال: (أما علمت أن عبدي فلان مرض فلم تعده؟ أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده؟)، فالمقصود: أن الإنسان إذا مرض فالله سبحانه عنده، مع أن الله فوق سماواته، بائن من خلقه سبحانه، وهو عند هذا الإنسان بسمعه وبصره وقدرته ورحمته وإجابة الدعوة، فإذا ذهبت وجدت رحمة الله سبحانه، ووجدت ملائكة الله سبحانه، ووجدت الأجر العظيم من الله سبحانه.
فيعاتب العبد يوم القيامة: أنت قادر أن تعود فلاناً فلماذا لم تعده وقد كان مريضاً؟ والمريض كما هو معروف قد يحتاج للعواد وهذا الغالب، وقد يكون ممنوعاً من العيادة وهذا في بعض الحالات، وذلك إذا كان الإنسان في حالة حرجة، فهنا يكفي أن تسأل عنه، فيعلم أنك قد سألت عن هذا الإنسان.
وإذا عدت المريض فلا تثقل عليه ولا تمله، فالمريض قد يحتاج إلى أهل بيته أن يكونوا حوله، فإذا جاءه الضيف فلعله يمله، إذاً فالعيادة تكون بقدر، وإن كانت لا تصح مرفوعة للنبي ﷺ ولكنها حكم ومعاني، فقد جاء أن العيادة بقدر فواق الناقة، يعني: بقدر أن يسلم الإنسان وينصرف، فلا يمكث عند المريض فيمله.
إذاً فزيارة المريض تكون بقدر ما تسلم عليه وتنصرف، فلا تمكث عند المريض إلا إن احتاج إليك، فإن احتاج إليك في شيء فإنك تجلس عنده بقدر حاجته إليك، ولا تمل المريض حتى لا يمل من العيادة.
قوله: (يقول الله : يا بن آدم! استطعمتك فلم تطعمني) أي: طلبت منك طعاماً فلم تفعل ذلك، (قال: يا رب! كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟! فيقول الله : أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه؟ أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي؟).
إذاً طلب منك إنسان محتاج الطعام وهو جائع فأطعمه، فإذا جئت يوم القيامة ولم تفعل عاتبك الله، ويعاتبك إذا كنت قادراً على ذلك.
يقول: (يا بن آدم! استسقيتك فلم تسقني! فيقول: يا رب! كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟! يقول: استسقاك عبدي فلان فلم تسقه! أما علمت أنك لو سقيته لوجدت ذلك عندي؟) رواه مسلم.
ومعنى ذلك: أنك تبذل ذلك ابتغاء وجه الله، والله يحاسب العبد يوم القيامة فيعاتبه على تقصيره في أداء الواجبات، وأيضاً على حرمان نفسه من الثواب.
وعيادة المريض قد تجب على الإنسان وقد تستحب للإنسان، فهذا يعاتب وهذا يعاتب، فالإنسان الذي وجبت عليه يقال له: لم لم تفعل هذا وهو واجب عليك أن تصل الرحم؟ فهذا أبوك مريض وأنت لم تذهب إليه، وتشاغلت بالعمل، وتشاغلت بالسفر، فيجب عليك أن تبر أباك، وأن تبر أمك، وأن تبر رحمك، فإن لم تفعل هذا الشيء فإنك ستجازى عليه يوم القيامة.
والإنسان الغريب ليس واجباً عليه أن يعود إنساناً غريباً لا يعرفه، ولكن لا يقصر في طلب الثواب، فكيف تفرط في هذا الثواب: أن يستغفر لك سبعون ألف ملك؟ ولو استغفروا لك فإن ذلك ينفعك يوم القيامة، ويثقل ميزانك، وتدخل الجنة بذلك، فتعاتب على التقصير في الواجب والفرض، وتعاتب على التقصير في حرمان نفسك من الثواب بالمعاتبة.
وفي حديث رواه البخاري عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (عودوا المريض، وأطعموا الجائع، وفكوا العاني).
فقوله: (عودوا المريض) أي: اذهبوا للمريض فعودوه طالما أنه يحتاج إليكم، وطالما أن العيادة ترفع من روحه المعنوية، وعيادة المريض تذكره بالآخرة، فأنت تتذكر أن هذا كان سليماً مثلك ثم صار الآن مريضاً، وهذا الأمر -أمر المرض- ليس لإنسان واحد ولكن يدور على الناس، وهو مريض اليوم وأنت مريض غداً، ولا تدري لعل مرضه أخف مما سيأتيك أنت بعد ذلك، فاعمل للمستقبل، واعمل لما يكون أمامك، وإذا ذهبت إليه فإنك تنفس له في الأمل وفي الحياة وتقول له: ربنا يشفيك وترجع أفضل مما كنت، كما قال النبي ﷺ للمريض: (لا بأس طهور إن شاء الله)، فتنفس له في العمر وفي الأمل، ولعلك تعرف من حال هذا المريض أنه سيموت قريباً، فالأطباء قد عجزوا فلا تقل له: أنت لن تعيش؛ فالأطباء قالوا: إنك في آخر حياتك، كما سمعنا من بعض إخواننا عندما ذهب يزور مريضاً قال له: أنت في آخر حياتك فتب إلى الله !! لا تقل له هذا الشيء بل نفس له في العمر، ولا مانع أن تأمره بالتوبة، ولكن لا تقل: ستموت في النهار، وانظروا إلى الشيخ المريض الذي يعلم أنه سيموت في هذا المرض فقال له النبي ﷺ : (لا بأس طهور إن شاء الله)، فلما قال الرجل: لا، وما أعجبه كلام النبي ﷺ وقال: (بل حمى تفور، على شيخ كبير، تورده القبور، فقال: فنعم إذاً)، فلم يقل له ذلك إلا لما قال هذا المريض هذا القول، لكن العادة في زيارة المريض أن تدعو له: أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يشفيك، فلا تجعل المريض يائساً، فيأس المريض يجعله ينسى أمر دنياه وأمر أخراه، ولكن نفّس له، ولا مانع أن تدعوه إلى التوبة إلا إذا دخلت عليه وهو يغرغر ففي هذه الحالة تلقنه الشهادة: لا إله إلا الله محمد رسول الله صلوات الله وسلامه عليه.
فالأصل في عيادة المريض أنك تسلي عليه، وتواسيه، وتدخل السرور عليه، حتى لو كنت عارفاً أنه سيموت الآن فدع أمره إلى الله سبحانه ﵎، وإذا دعوته إلى التوبة أو لقنته الشهادة فعليك بالأسلوب الطيب الذي يقبله المريض، لذلك ينبغي أن الذي يزور الإنسان الذي في مرض الوفاة أن يكون حكيماً حليماً رحيماً عاقلاً، فالإنسان العاقل ينفع، وأما الإنسان الأحمق فإنه يؤذي، فبعضهم يجلس عند المحتضر يقول له: قل: لا إله إلا الله، قل: لا إله إلا الله، قل: لا إله إلا الله حتى يجعله يضجر من ذلك، ولكن تقول أمامه: قل: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فإذا سمع ذلك ردد وراءك فانتفعت وانتفع هو، وإذا قالها وتكلم بعدها بشيء من كلام الدنيا فاعرضها عليه مرة ثانية، حتى يقولها فيختم له بهذه الكلمة: لا إله إلا الله.
стр. 893
إطعام الجائع
قوله: (وأطعموا الجائع) أمر من النبي ﷺ ، وقد جاء في حديث النبي ﷺ في أهل الغرفات العالية في الجنة: (يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، قال: لمن أطاب الكلام، وأطعم الطعام، وأدام الصيام، وصلى لله في الليل والناس نيام، ويقال له يوم القيامة: ادخل الجنة بسلام).
إذاً إطعام الجائع من أسباب دخول الجنة.
стр. 894
فك الأسير
قوله: (وفكوا العاني)، العاني: هو الأسير، والمعنى: أن المؤمن إذا أسره الأعداء وأنت تقدر على فكه فإنك تسعى إلى ذلك، ويلزمكم ذلك، ولا يجوز للمسلمين أن يتركوا أسراهم بأيدي الكفار فضلاً عن أن يعينوا الكفار على أن يأخذوا المسلمين من عندهم فيأسرونهم، فالواجب على المسلمين أن يحرروا الأسارى من المؤمنين الذين أسرهم الكفار، قال النبي ﷺ : (وفكوا العاني) أي: ادفعوا أموالكم حتى تخرجوه وتحرروه.
ومن الأحاديث في ذلك حديث لـ ثوبان ﵁ -والحديث رواه مسلم - عن النبي ﷺ قال: (إن المسلم إذا عاد أخاه المسلم لم يزل في خرفة الجنة حتى يرجع، فقيل: يا رسول الله! وما خرفة الجنة؟ قال: جناها)، والجنى: هو الثمار الناضجة، فالثمرة إذا نضجت فهي الخرفة، وهذا الإنسان في مخرفة، يعني: في بستان فيه ثمار، فأنت إذا عدت المريض فأنت في بستان مثمر من بساتين الجنة.
وعن علي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما من مسلم يعود مسلماً غدوة -أول النهار- إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يمسي، وإن عادة عشية إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح، وكان له خريف في الجنة) أي: كان له بستان في الجنة، فهذا شيء عظيم جداً.
الحديث رواه الترمذي، وهو حديث حسن.
وعن أنس ﵁، قال: (كان غلام يهودي يخدم النبي ﷺ فمرض، فأتاه النبي ﷺ يعوده).
أي: أن اليهود يعرفون أنه رسول الله ﷺ ؛ ولذلك أرسله أبوه كي يخدم النبي ﷺ فأبوه يعرف أنه رسول ومع ذلك لم يسلم! قال: (فقعد عند رأسه)، وهذا يدل على ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن:٦٠]، فهو يخدم النبي ﷺ لذلك عندما مرض زاره النبي ﷺ ، (فقعد عند رأسه فقال له: أسلم، فنظر الغلام إلى أبيه وهو عنده فقال: أطع أبا القاسم، فأسلم الغلام، فخرج النبي ﷺ وهو يقول: الحمد لله الذي أنقذه من النار).
فلم يسلم اليهودي الأب، وأمر ابنه بطاعة النبي ﷺ فأسلم فحمد النبي ﷺ ربه أن مَنَّ على هذا بالإسلام، فأنقذه الله من النار، ففي هذا عيادة الإنسان المريض سواء كان مسلماً أو كافراً، فإذا كان كافراً عُرض عليه الإسلام كما فعل النبي صلوات الله وسلامه عليه.
نسأل الله أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، وعلى اتباع سنة النبي ﷺ .
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 895
شرح رياض الصالحين - ما يدعى به للمريض
يبتلي الله عباده بالأمراض والأدواء، وفي ذلك تطهير لذنوبهم وتكفير لسيئاتهم، وقد شرع الإسلام لمن زار المريض أن يدعو له بجملة من الأدعية النبوية رقية وطلباً للشفاء، كما شرع للمريض نفسه أن يدعو بأدعية يطمع بها في رحمة الله تعالى، وشرع له أن يذكر ربه ببعض الأذكار النافعة التي يحرم بها على النار إن مات في مرضه، وذلك دليل الخير للمسلمين.
стр. 896
ما يدعى به للمريض
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: [باب ما يدعى به للمريض.
عن عائشة ﵂: (أن النبي ﷺ كان إذا اشتكى الإنسان الشيء منه، أو كان به قرحة أو جرح قال النبي ﷺ بأصبعه هكذا - ووضع سفيان بن عيينة الراوي سبابته بالأرض، ثم رفعها - وقال: باسم الله تربة أرضنا، بريقة بعضنا، يشفى به سقيمنا، بإذن ربنا)، متفق عليه.
وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ : (كان يعوذ بعض أهله: يمسح بيده اليمنى ويقول: اللهم رب الناس! أذهب الباس، واشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاءً لا يغادر سقماً)، متفق عليه.
وعن أنس ﵁ أنه قال لـ ثابت ﵀: ألا أرقيك برقية رسول الله ﷺ ؟ قال: بلى، قال: (اللهم رب الناس! مذهب البأس، اشف أنت الشافي، لا شافي إلا أنت، شفاءً لا يغادر سقماً)، رواه البخاري.
وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: (عادني رسول الله ﷺ فقال: اللهم اشف سعداً، اللهم اشف سعداً، اللهم اشف سعداً)، رواه مسلم].
هذا باب من كتاب رياض الصالحين يذكر فيه الإمام النووي ﵀ ما يدعى به للمريض، وقد ذكرنا قبل ذلك أن النبي ﷺ أمرنا بعيادة المريض، وهي سنة عظيمة متأكدة خاصة إذا كان قريباً لك، والله سبحانه يسأل العبد يوم القيامة عن تركه لزيارة المريض، فقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (أن الله سبحانه يقول للعبد يوم القيامة: مرضت فلم تعدني.
فيقول: وكيف أعودك وأنت رب العالمين؟! فيقول: مرض عبدي فلان فلم تعده، أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده)، فالله عند المريض باستجابته لدعاء المريض، فملائكة الله عند الإنسان المريض تصلي على الزائر العائد للمريض، وتدعوا له، فيدعو له سبعون ألف ملك، فإذا كان في أول النهار دعوا له حتى آخر النهار، وإذا كان في آخر النهار دعوا له حتى الفجر، وهذا من فضل الله في عيادة المريض.
ولذا يستحب أن تزور المريض، ويستحب أن تدعو للمريض، وأيضاً: أن تطلب من المريض أن يدعو لك، فالله يستجيب لدعائه، وخاصة إذا كان من إنسان مضطر، كما قال سبحانه: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل:٦٢].
فهذا مريض محتاج إلى ربه سبحانه وإلى رحمته، ويستشعر الضعف، فلتطلب من المريض أن يدعو لك، وأنت أيضاً تدعو له.
стр. 897
شرح حديث عائشة في رقية المريض
أورد الإمام النووي رحمه الله تعالى أحاديث عن عائشة وعن أنس وعن سعد بن أبي وقاص ﵃ فيها دعاء النبي ﷺ للمريض، ورقيته أيضاً للمريض ﵊، فحديث عائشة فيه أن النبي ﷺ كان إذا اشتكى الإنسان الشيء منه، أو كان به قرحة أو جرح، أي: إذا اشتكى الإنسان الشيء - سواءٌ كان به جراحة، أو قرحة بجسده - فيعوده النبي ﷺ ، ويضع إصبعه ﷺ على التراب على الإرض، وكان سفيان راوي الحديث يضع سبابته على الأرض، ثم يضعها على المريض فيقول: (باسم الله، تربة أرضنا، بريقة بعضنا، يشفى به سقيمنا، بإذن ربنا)، فيرقي النبي ﷺ المريض بهذا الدعاء الجميل، فالإنسان مخلوق من تراب، وطعامه في هذا التراب، وشفاؤه أيضاً في هذا التراب، فالنبي ﷺ ينفث بريقه الكريم، ويضع يده على هذا التراب الذي خلق منه الإنسان، ويدعو ربه أن يشفي هذا المريض، ويقول: (باسم الله، تربة أرضنا، بريقة بعضنا، يشفى به سقيمنا، بإذن ربنا).
وجاء في دعائه أنه كان يقول: (اللهم رب الناس! أذهب الباس)، فقوله: (اللهم رب الناس) يعني: يا رب الناس.
(أذهب الباس، واشف، أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك) أي: أن الشفاء بيد الله ، ويخطئ من يتوهم أن الشفاء بيد الطبيب، وأنه إذا ذهب إلى الطبيب شفاه الطبيب، فالذي يشفي هو الله، والطبيب سبب من الأسباب، وقد أمرنا بالتداوي، حيث قال النبي ﷺ : (أي عباد الله! تداووا؛ فإن الله ما أنزل داء إلا وأنزل له شفاء، علمه من علمه وجهله من جهله) فالشفاء بيد الله سبحانه، فهو الذي ينزل الداء، وهو الذي ينزل الشفاء ، والطبيب سبب من الأسباب، والعلاج سبب من الأسباب، والرقية بكتاب الله وبأحاديث النبي ﷺ سبب من الأسباب، ثم إذا شاء الله شفى المريض بسبب ما أخذ من أسباب، وقد يُعلق الشفاء على دعوة، أو على تداوٍ، أو على غير ذلك، فالله يفعل ما يشاء ﵎.
فمن الدعاء: (اللهم رب الناس! أذهب الباس) والبأس: المرض، (واشف، أنت الشافي) أي: أنت وحدك ليس غيرك، (لا شفاء إلا شفاؤك)، فالشفاء بيد الله ، ولا شفاء بيد أحد من خلقه سبحانه، وإذا شفى إنساناً شفاه شفاءً لا يغادر سقماً، ولا يترك أثراً، وهذا شفاؤه في خلقه.
стр. 898
شرح حديث أنس في الرقية
وجاء عن أنس أنه علم ثابتاً تلميذه دعاءً يدعي به للمريض، وأنس كان صحابياً فاضلاً، وهو خادم رسول الله ﷺ ، وقد خدمه عشر سنوات، إذ لما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة كان أنس صبياً صغيراً، فأتت به أمه إلى النبي ﷺ ليخدمه، فخدم النبي ﷺ عشر سنوات، ودعا له النبي صلوات الله وسلامه عليه، فـ أنس يعلم تلميذه ثابتاً دعاء النبي ﷺ ، فقال: إلا أرقيك برقية رسول الله ﷺ ؟ فقال: بلى.
فقال: (اللهم رب الناس مذهب الباس) وفي حديث السيدة عائشة (أذهب الباس) فهو رجاء وطلب من الله ، وأما (مُذهِب) فهو اسم فاعل، فهنا يقول: يا مذهب البأس! (اشف أنت الشافي، لا شافي إلا أنت، شفاءً لا يغادر سقماً).
стр. 899
شرح حديث سعد في الدعاء للمريض بالشفاء
وجاء في حديث سعد بن أبي وقاص أن النبي ﷺ عاده، وقد كان سعد مرض مرضاً شديداً، وظن أنه سيموت من هذا المرض، فذهب إليه النبي ﷺ يعوده، فدعا له النبي ﷺ فقال (اللهم اشف سعداً، اللهم اشف سعداً)، فشفاه الله ، وهذا من أقصر ما يكون من الدعاء، أن تقول: اللهم اشف فلاناً، اللهم اشف فلاناً.
стр. 900
شرح حديث عثمان بن أبي العاص في رقية الألم
ومن الأحاديث أيضاً حديث عثمان بن أبي العاص ﵁ أنه شكا إلى رسول الله ﷺ وجعاً يجده في رأسه، فقال له رسول الله ﷺ : (ضع يدك على الذي يألم من جسدك وقل: باسم الله ثلاثاً) وهنا الإنسان يرقي نفسه، ويدعو ربه ﵎، فيضع يده على ما يؤلمه من جسده ويقول: باسم الله، باسم الله، باسم الله.
ثم قال ﷺ : (وقل سبع مرات: أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذ) فيكرر ذلك سبع مرات حتى يأتي الشفاء من عند الله .
فأنت تأخذ بالأسباب، والله يعلق النتيجة على سبب من الأسباب، وقد لا يكون الأمر كذلك، فإن شفاك الله فالحمد لله، وإن لم يفعل ذلك فلحكمة منه ، فالذي علينا هو أن نأخذ بالأسباب كما أمرنا النبي صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 901
شرح حديث ابن عباس في الدعاء للمريض
ومن الأحاديث حديث رواه الترمذي ورواه أبو داود أيضاً عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: (من عاد مريضاً لم يحضره أجله فقال عنده سبع مرات: أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك، إلا عافاه الله من ذلك المرض) وصدق رسول الله ﷺ .
وهل - يا ترى - كل مريض يكون كذلك؟
و
الجواب
هذا مقيد بمشيئة الله ، فإذا شاء الله أن يموت هذا الإنسان من هذا المرض مات، ولذلك قال ﷺ : (لم يحضره أجله) حتى لا يقول قائل: أنا حضرت ودعوت ولكن الله تعالى ما عافاه فقيد النبي ﷺ ذلك بمن عاد مريضاً لم يحضره أجله، وبعض المرضى قد يكون مرضه آخر مرض ويموت بعده، فادع لهذا الإنسان، وادع لكل مريض، فإن لم يستجب الله كان الدعاء عبادة لله سبحانه، وتؤجر أنت على هذه العبادة، فإذا قدر الله أن هذا لا يموت في هذا المرض فإنه يشفيه الله ببركة هذا الدعاء، فنقول: (أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك) سبع مرات.
стр. 902
شرح حديث ابن عباس: (لا بأس طهور إن شاء الله)
ومن الأحاديث حديث عن ابن عباس في صحيح البخاري (أن النبي ﷺ دخل على أعرابي يعوده، وكان إذا دخل على من يعوده قال: لا بأس، طهور إن شاء الله) وهذا - أيضاً - من الدعاء الذي يدعى به للمريض، أن تقول: طهور إن شاء الله.
أي: يطهرك الله بهذا المرض من الذنوب، ويطهرك من خطاياك، ومعنى: (لا بأس): لا شدة عليك ولا ضياع ولا هلاك عليك من هذا المرض.
стр. 903
شرح حديث أبي سعيد في رقية جبريل للنبي ﷺ
وفي حديث آخر عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن جبريل أتى النبي ﷺ فقال: (يا محمد! اشتكيت؟ فقال: نعم.
قال: باسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس أو عين حاسد الله يشفيك، باسم الله أرقيك).
ففي هذا الحديث أن النبي صلوات الله وسلامه عليه اشتكى وطال مرضه من سحر يهودي وهو لبيد بن الأعصم لعنة الله عليه وعلى أمثاله، فاشتكى النبي ﷺ فترة، والله له حكمة في أن يمرض النبي ﷺ وأن يطول مرضه، فنقتدي به، فإذا مرض الإنسان منا فإنه يقتدي بالنبي ﷺ ، فيصبر كما صبر صلوات الله وسلامه عليه.
فلما اشتكى ﷺ دعا له جبريل ليرقيه بهذا الدعاء، فقال: (باسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك) وهذا دعاء جامع، فقوله: (من كل شيء) معناه: من أي شيء صغير أو كبير، قريب أو بعيد، خطير أو غير خطير، من كل شيء يؤذيك أرقيك باسم الله، أي: باسمه الذي لا يذكر على شيء إلا وكان من وراء ذلك الخير.
(باسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس أو عين حاسد الله يشفيك،) فدعا له بأن يشفيه الله من شر كل إنسان حاسد أو عين حاسدة أو نفس شريرة.
فهذه سنة من النبي ﷺ ، فقد رقاه بها جبريل ﵇ فصارت لنا سنة.
стр. 904
حكم طلب الرقية
وهل للمريض أن يقول لإنسان: تعال ارقني؟
و
الجواب
يجوز ذلك، والأفضل ألا يفعل؛ لأنه جاء عن النبي ﷺ في الحديث في شأن السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب: (أنهم لا يسترقون)، أي: ليست لهم عادة بأن يقول المرء منهم لواحد: تعال ارقني.
بل إذا مرض صبر على ذلك، وإذا أراد الرقية رقى هو نفسه؛ لأنه إذا قال: يا فلان تعال ارقني لا يؤمن عليه أن يظن بفلان أن بيده شيئاً، فيشرك بالله سبحانه تعالى، ويعتقد أن فلاناً هذا لو رقاه فسيشفيه الله تعالى، وكأنه ينسى فضل الله ، والله تعالى يقول: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة:١٨٦]، ويقول: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠].
فلماذا تذهب إلى فلان؟ ولماذا لا تسأل الله تعالى مباشرة؟ فهنا الخوف على الإنسان من أنه يعتقد أن الشفاء من وراء فلان، وينسى فضل الله ، فالسبعون ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب من صفاتهم أنهم يتوكلون على الله سبحانه، ومن توكلهم على الله أنهم لا يطلبون من أحد أن يرقيهم، وإنما يرقي الإنسان منهم نفسه، فإذا مرضت فارق نفسك بفاتحة الكتاب وبـ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] والمعوذتين، وبهذه الأدعية الجميلة التي جاءت عن النبي ﷺ ، ولا داعي لأن تقول: يا فلان! تعال ارقني.
стр. 905
شرح حديث أبي سعيد فيما يقوله المريض في مرضه
ومن الأحاديث التي جاءت في الباب حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ﵄ أنهما شهدا على رسول الله ﷺ أنه قال: (من قال: لا إله إلا الله والله أكبر صدقه ربه، فقال لا إله إلا أنا وأنا أكبر)، وهذا حديث عظيم جداً، وتظهر فائدته في آخره، حيث يقول ﷺ : (من قال: لا إله إلا الله والله أكبر صدقه ربه فقال: لا إله إلا أنا وأنا أكبر، وإذا قال: لا إله إلا الله وحده قال: يقول الله: لا إله إلا أنا وحدي وإذا قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له قال الله : لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي، وإذا قال: لا إله إلا الله له الملك وله الحمد، قال الله: لا إله إلا أنا لي الملك ولي الحمد، وإذا قال: لا إله إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله، قال الله: لا إله إلا إنا ولا حول ولا قوة إلا بي)، فهذه أربع جمل إذا قالها العبد أجابه الله تعالى مصدقاً له، ثم قال ﷺ : (من قالها في مرضه ثم مات لم تطعمه النار)، فمن كان لا يريد أن تأكله النار فليقل هذا الحديث، فلتحفظ - أيها المسلم - هذا الحديث، وتشبث به وأنت مريض، ولتقله ليلاً ونهاراً.
و (لا إله إلا الله) كلمة التوحيد، فإذا مت مت على هذه الكلمة، وفي حديث النبي ﷺ : (من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة) فإذا وفق الله العبد وهو يموت لأن يقول كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) استحق الجنة، فتقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، فتفرده وحده بالعبادة، ولا تشرك به شيئاً، ولا تشرك معه أحداً ، وتقول: (لا إله إلا الله له الملك وله الحمد)، فتثبت لله الغنى سبحانه، وتثبت لله ملك كل شيء ، وتثبت لله أنه وحده الذي يستحق الحمد ويستحق الثناء الحسن بأفعاله الجملية، وصفاته الجليلة ، وتقول: (لا إله إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله)، فتبرأ من الحول ومن القوة، وتثبت كل شيء من القوة لله ، قائلاً: الملك لله سبحانه، والحمد لله، وأما أنا فلا أملك شيئاً، ولا حول ولا حيلة ولا قوة لي على شيء، إلا أن يعينني الله ، فأثبت لله الوحدانية، وأثبت له العبادة، وأثبت له الربوبية بمقتضياتها، وأثني على الله ، وأتبرأ من الحول ومن القوة، وبذلك تستحق من الله أن يكرمك، ولا تطعمك النار، ولا تدخل النار.
نسأل الله أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 906
شرح رياض الصالحين - سؤال أهل المريض عن حاله وذكر ما يقوله من أيس من حياته
للمريض آدابٌ لا بد أن يلتزم بها، وكذلك لمن يزور المريض آداب، فلا بد للمريض أن يحفظ الذكر الخاص به الذي ثبت عن النبي ﷺ ، وكذلك آية الكرسي.
ولزيارة المريض فضل عند الله سبحانه، ولا بد أن يكون الزائر خفيفاً رقيقاً غير مثقل على المريض في جلوسه، ويدعو له بالشفاء، ويبعث في قلبه الأمل بشفاء الله، وللمستأذن آداب لا بد أن يلتزم بها مبسوطة في مظانها، فينبغي أن تعلم.
стр. 907
استحباب سؤال أهل المريض عن حاله، وذكر ما يقوله من أيس من حياته
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الإمام النووي ﵀: [باب استحباب سؤال أهل المريض عن حاله: عن ابن عباس ﵄: (أن علي بن أبي طالب ﵁ خرج من عند رسول الله ﷺ في وجعه الذي توفي فيه، فقال الناس: يا أبا الحسن! كيف أصبح رسول الله ﷺ ؟ قال: أصبح بحمد الله بارئاً)، رواه البخاري.
باب ما يقول من أيس من حياته: عن عائشة ﵁ قالت: سمعت النبي ﷺ وهو مستند إلي يقول: (اللهم اغفر لي وارحمني وألحقني بالرفيق الأعلى).
وعند أحمد زيادة: (مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين) الحديث متفق عليه.
وعنها قالت: (رأيت رسول الله ﷺ وهو بالموت عنده قدح فيه ماء وهو يدخل يده في القدح ثم يمسح وجهه بالماء، ثم يقول: اللهم أعني على غمرات الموت وسكرات الموت)، رواه الترمذي].
إن كل إنسان يعتريه المرض، وقد يصح من مرضه وقد يموت فيه، فالإنسان يتمسك بهذا الذكر العظيم الذي ثبت عن النبي ﷺ في المرض في حديث لـ أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ أنهما شهدا على النبي ﷺ أنه قال: (من قال: لا إله إلا الله والله أكبر صدقه ربه فقال: لا إله إلا أنا وأنا أكبر، وإذا قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له يقول الله : لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي، وإذا قال: لا إله إلا الله له الملك وله الحمد قال: لا إله إلا أنا لي الملك ولي الحمد، وإذا قال: لا إله إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله قال الله: لا إله إلا أنا ولا حول ولا قوة إلا بي، وكان يقول: من قالها في مرضه ثم مات لم تطعمه النار) رواه الترمذي وحسنه، وصححه الشيخ الألباني ﵀.
فلا بد من حفظ هذا الذكر العظيم، وليقله الإنسان المؤمن في مرضه لعله يتوفى في هذا المرض ويكون له أجر عظيم جداً، ويقول النبي ﷺ : (من يقولها في مرضه ثم مات لم تطعمه النار).
وجاء عن النبي ﷺ في أحاديث ذكر معين إذا كان آخر شيء قلته وختم لك به دخلت الجنة، كقول: لا إله إلا الله، فهذا ذكر، وقراءة آية الكرسي بعد الصلوات، قال النبي ﷺ : (من قرأ آية الكرسي دبر الصلوات المكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت).
فأنت إذا انتهيت من الصلاة وقرأت آية الكرسي، لو أنك مت في نفس اللحظة لدخلت الجنة، والمؤمن لما يجد مثل هذه الأحاديث فإنه يحرص عليها، ويحرص على أنه يقولها، ويذكِّر بعضنا بعضاً بذلك، فلما تجد إنساناً متعجلاً بعد الصلاة لحاجة ذكِّره وقل له: اقرأ آية الكرسي واختم الصلاة بها، فليس هناك شيءٌ يمنعك عن ذكر الله ، وإن كان وراءك قضاء حاجة فاقضها، لكن لا تنس أن تقول هذا الذكر العظيم آية الكرسي: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥].
وكذلك هذا الذكر العظيم تقوله في مرضك: (لا إله إلا الله، والله أكبر، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لا إله إلا الله له الملك وله الحمد، لا إله إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله) فقد قال النبي ﷺ : (من قالها في مرضه ثم مات من هذا المرض لم تطعمه النار)، فاحرصوا على هذا الذكر.
ومن الآداب أيضاً: استحباب سؤال أهل المريض عن حاله، واستحباب عيادة المريض، وجاءت أحاديث عن النبي ﷺ في عيادة المريض كقول النبي ﷺ فيما رواه مسلم عن ثوبان ﵁: (إن المسلم إذا عاد أخاه لم يزل في خرفة الجنة -أي في بستان من بساتين الجنة وفي جنى الجنة- حتى يرجع).
وأيضاً في حديث علي ﵁ ذكر: (ما من مسلم يعود مسلماً غدوة إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يمسي، وإن عاده عشياً إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح، وكان له خريف في الجنة) أي: كانت لك بزيارتك له بستان في الجنة.
فعيادة المريض لها آداب، من ذلك: استحباب سؤال أهل المريض عن حاله، فقد يكون المريض لا يقدر أن يقابل العائد؛ لأن الأطباء منعوا من زيارته، أو منع الأهل من زيارته، فأنت أخذت الأجر بذهابك، وتسأل أهل المريض عن حال المريض، وكان الصحابة يفعلون ذلك مع أهل النبي ﷺ ، ففي مرض النبي ﷺ يصعب عليه ﷺ زيارة المسلمين جميعاً له ويشق عليه ذلك؛ لذلك كان أدب المسلمين أنهم يسألون الأقارب، فهذا علي بن أبي طالب كانوا يدخلون عليه فيسألونه رضي الله ﵎ عنه عن النبي ﷺ .
وهنا في حديث ابن عباس الذي رواه البخاري: (أن علياً ﵁ خرج من عند رسول الله ﷺ في وجعه الذي توفي فيه -في مرض وفاته ﵊ فقال الناس: يا أبا الحسن -يسألون علياً ﵁ كيف أصبح رسول الله ﷺ ؟ قال: أصبح بحمد الله بارئاً) يعني: نرجو له أن يبرأ وأن يشفيه الله ، وقال ذلك بحسب ظنه أنه أصبح في النهار وصحته جيدة فنرجو له أن يبرئه الله من هذا المرض، ولكن لم يحدث، وكان هذا المرض الذي فيه وفاة النبي صلوات الله وسلامه عليه.
وعن عائشة ﵂ قالت: (سمعت النبي ﷺ وهو مستند إليَّ يقول: اللهم اغفر لي وارحمني)، والمريض يدعو إذا كان النبي ﷺ يقول: (اللهم اغفر لي) وقد قال له ربه سبحانه: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح:٢]، ومع ذلك يدعو بالمغفرة، فالمؤمن إذا كان مريضاً يدعو من باب أولى، فقال: (اللهم اغفر لي، وارحمني، وألحقني بالرفيق الأعلى).
إذاً: فدعاء الإنسان وهو مريض لعل هذا المرض مما يرجى برؤه، فعلى ذلك قد يصح هذا الإنسان من هذا المرض، وقد يموت، فليحرص على ذكر الله ، والدعاء بالمغفرة والرحمة، ويدعو بالشفاء، ويرقي نفسه، ويحسن الظن بالله .
стр. 908
ذكر ما يقوله المريض إذا اشتد عليه المرض
وإذا كان المرض قد اشتد على الإنسان المريض حتى أتعبه فإن النبي ﷺ نهاه أن ييأس، أو يدعو على نفسه بالموت، فإن كان لابد فاعلاً فليدعُ بخير ويقول: (اللهم أحيني ما علمت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا علمت الوفاة خيراً لي)، إذاً: فهنا أرجعت الأمر والعلم إلى الله ، ولعل الإنسان يعيش وهو مبتلى وتكون الحياة شراً له، مع أن المرض يكفر الله به من سيئاته، ويرفع به في درجاته، فلعله لا يصبر، ولعله يتضجر من هذا المرض، أو ينعي حظه أنه كيف هو الذي مرض وغيره من الناس صحتهم سليمة، وبذلك ينتقد قضاء الله وقدره، فإذا وصل الإنسان إلى القنوط واليأس ضيع ثوابه في هذا المرض الذي قدره الله له ليرحمه به.
إذاً: فيدعو بقوله: (اللهم أحيني ما علمت الحياة خيراً لي)، إذا كانت الحياة زيادة في الذكر، وزيادة في العمل الصالح، وزيادة في الخير، وزيادة في الصبر فأحيني طالما أن الحياة خير لي.
(وتوفني إذا علمت الوفاة خيراً لي)، فإذا كانت حياتي شراً لي بحيث إني لا أقدر على هذا المرض ولا أصبر عليه وأتضجر منه، وأموت على غير ما أحب فتوفني، (إذا علمت الوفاة خيراً لي).
وإذا كان الإنسان في السياق في آخر حياته وعرف أنه يموت فيقول الدعاء الذي قاله النبي ﷺ : (اللهم اغفر لي وارحمني وألحقني بالرفيق الأعلى)، والرفيق: جنس، والرفيق من الرفقاء، والرفقاء في أعلى عليين عند الله ، وهذا الحديث في صحيح البخاري ومسلم بهذا الوصف.
في زيادة عند الإمام أحمد تبين من هم الرفقاء قال: (مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً)، إذاً: فهؤلاء هم الرفيق الأعلى عند الله الذين طلب النبي ﷺ أن يلحقه ربه سبحانه بهم.
ومن الأحاديث الذي جاءت هنا في رياض الصالحين: ما رواه الترمذي بإسناد ضعيف عن عائشة ﵂ قالت: (رأيت رسول الله ﷺ وهو بالموت عنده قدح فيه ماء، وهو يدخل يده في القدح ثم يمسح وجهه بالماء، ثم يقول: اللهم أعني على غمرات الموت وسكرات الموت).
إذاً: فهذا دعاء من الأدعية التي يقولها الإنسان: يا رب أعني على غمرات الموت وسكرات الموت، وكأن الغمرات: المقدمات وشدائد الموت، وسكرات الموت مقدماته التي تقوى على الروح حتى تغيبها عن إدراكها، فيدعو ربه سبحانه أن يعينه على ذلك.
فالإنسان في مرضه يستشعر لا حول ولا قوة إلا بالله، وأنَّ الله هو الذي يعينه ويقويه، وأن الله هو الذي يمكنه من أن ينطق بكلمة التوحيد: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فيدعو ربه سبحانه أن يعينه على ذلك.
стр. 909
آداب عيادة المريض
جاء حديث عن ابن عباس ﵄ رواه البخاري ومسلم قال: (لما اشتد بالنبي ﷺ وجعه قال: ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده، فقال عمر: إن النبي ﷺ غلبه الوجع، وعندنا كتاب الله حسبنا) يعني: كفانا كتاب الله فيه شرع ربنا سبحانه، لماذا نتعب النبي ﷺ أكثر من ذلك؟ قال: (فاختلفوا)، وهنا لا ينبغي أن يختلف عند النبي ﷺ ، بل لا ينبغي أن يحصل عند المريض خلاف أبداً؛ لأن في ذلك مضايقة للمريض وإزعاج له، قال: (فاختلفوا فيما بينهم، فلما اختلفوا وكثر اللغط -يعني: الكلام الكثير- قال: قوموا عني، فقاموا من عند النبي ﷺ ، ثم قال: ولا ينبغي عندي التنازع) وعلى ذلك رضي النبي ﷺ أن يكون فيهم كتاب الله وسنتُه ﷺ .
وابن عباس ﵁ يقول: (إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله ﷺ وبين كتابه) يعني: يا ليتنا كنا صبرنا وسكتنا حتى يكتب لنا ذلك الكتاب، والله أعلم ماذا يكون في هذا الكتاب، وهي وصية من النبي ﷺ ، والله قد اختار لنا كل خير في كتابه وفي سنة النبي ﷺ ، ولم يحجب عنا خيراً أبداً، فكأن النبي ﷺ في هذه الوصية يلخص لنا أشياء مما جاء في الشريعة، ولعله كان ينص بكلام واضح على أن الذي يأتي بعده هو أبو بكر الصديق ﵁، فقد أشار إلى ذلك في أحاديث.
لكن الغرض: أنه يستحيل أن يكون شيء من شرع الله قد كتم في هذه اللحظة، قال النبي ﷺ : (هاتوا أكتب لكم كتاباً) يعني: بمضمون هذه الشريعة وبما أتيتكم به، وأذكركم بأشياء، ولذلك عمر ﵁ قال: (حسبنا كتاب الله) عندنا كتاب الله وعندنا سنة النبي ﷺ ، فليس هناك زيادة أصلاً في آخر حياة النبي ﷺ ، وإنما سينبه على أشياء ﵊ مما هو في هذه الشريعة، ومستحيل أن يموت النبي ﷺ وقد نقص شيئاً من الشرع لم يقله للناس ﵊.
قال الحافظ ابن حجر في الفتح: يؤخذ من هذا الحديث أن الأدب في العيادة ألا يطيل العائد عند المريض حتى يضجره.
فالإنسان الذي يعود المريض لا يجلس عنده فترة طويلة حتى لا يتعبه ويضايقه، وخاصة إذا كان الكلام والخلاف كثيراً بين الناس.
قال: وألا يتكلم بما يزعجه.
إذاً ينبغي في الزيارة ألا ينشغل الزائر بأحاديث جانبية مع أحد الجالسين؛ لأن في ذلك مضايقة للمريض، وهذا لا يليق أبداً، وهذه من الآداب التي تجدها مفقودة كثيراً بيننا، ولذلك تجد أحياناً زيارة المريض تكون ثقيلة على نفس المريض.
ومن الناس من يزو المريض فيشكو له همومه من اختلافٍ أو مرض ونحوه، فيزيد المريض همَّا إلى همِّه؛ ولذلك قال ابن حجر: وألا يتكلم عند المريض بما يزعجه.
وذكر جملة آداب العيادة منها: ألا يقابل الباب عند الاستئذان، وإنما يكون على يمين الباب أو شماله، وهذا من الأدب سواء في عيادة مريض أو في زيارة أي إنسان.
وأن يدق الباب برفق، وأن يدق الباب ثلاث مرات فقط، وكذلك الجرس ونحوه.
فأنت تذهبُ لتزور إنساناً في الله ، إذاً: فترجو الثواب من وراء ذلك، وليس الإثم والعقوبة على ذلك، إذاً: فطرق الباب أو قرع الجرس يكون ثلاث مرات، ولا تزد على ذلك إلا إذا كان الذي تريده ينتظرك وهو الذي استدعاك لتأتي إليه.
وينبغي لمن يطرق الباب ألا يبهم نفسه، وذلك حين تدق الباب فيقال له: من؟ فتقول: أنا، فأنت أبهمت نفسك بقولك: أنا، ولكن قل: فلان أو أنا فلان، وإن لم يسمح لك بالدخول أو قيل لك: ارجع فارجع ولا ضير في ذلك؛ لأن الله يقول: ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا﴾ [النور:٢٨].
والصحابة كانوا يحبون تطبيق القرآن كله، وكان أحدهم يمر من عمره سنين يتمنى شخصاً أن يقول له: ارجع حتى يطبق هذه الآية: ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا﴾ [النور:٢٨].
والغالب أن قوله لك: ارجع صعب على نفسك، وقد تقول: هذا متكبر وهذا مغرور، وهذا لا يجوز، لكن أحسن الظن في الإنسان المسلم، فلعل له عذراً منعه من استقبالك، فلا بد أن تقتدي بالنبي ﷺ لما ذهب إلى سعد بن عبادة إلى بيته وقال: السلام عليكم، فردوا ﵇ سراً، ولم يفتحوا للنبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ مرة أخرى: السلام عليكم فردوا ﵇ سراً ولم يفتحوا له، ثم قالها مرة ثالثة فلم يفتحوا له الباب، ورجع النبي ﷺ ، فأدركوا النبي ﷺ وقالوا له: يا رسول الله! أردنا أن نستكثر من سلامك ومن بركاتك، فعلمنا النبي ﷺ أنَّ الاستئذان ثلاث مرات فقط ثم ينصرف، ولم يغضب النبي ﷺ ولم يأخذ في نفسه شيئاً منهم، بل طلبوا منه أن يدخل فدخل وأكل عندهم صلوات الله وسلامه عليه، ودعا لأهل البيت ﵊.
يقول لنا الحافظ ابن حجر: أيضاً من الآداب: ألا يحضر في وقت يكون غير لائق بالعيادة، لعلك تزور إنساناً مريضاً والطبيب يداويه وينظف له جرحه، أوتزوره وقت المتابعة، فليس من اللائق أن تزوره في مثل هذا الوقت، فاطْلب من أهل بيته أن يبلغوه السلام وانصرف.
ومن آداب زيارة المريض: أن يخفف الجلوس إذا دخل عند المريض ولا يطيل، وأن يغض البصر، ويقلل السؤال، وأن يظهر الرقة، يعني: الرحمة للإنسان المريض، ولعل العائد يكون به مرض أشد مما في هذا المريض من مرض، لكن جاء ليعود مريضاً لا ليشكو همومه، إلا إذا سألك المريض عن حالك وهو يستأنس بذلك.
ومن الآداب أيضاً: أن يخلص له في الدعاء، وأن يوسع له في الأمل، ويشير عليه بالصبر.
ومن الآداب أيضاً أن يجتنب البدع في زيارته للمريض، فلا يقول شيئاً ليس من السنة، ولا يخترع دعاء مخالفاً للسنة، أو يعتبر أوقاتاً للزيارة ويقول: هذه من السنة، إلا إذا ثبت بها أحاديث عن النبي صلوات الله وسلامه عليه.
يقول لنا ابن الحاج في المدخل: ينبغي له أن يحترز من هذه البدعة، فقد كان في زمانهم بدعة، وهي: المنع من العيادة يوم السبت، وشاعت هذه البدعة على كثير من المسلمين، حتى ذكر أن بعضاً من أهل العلم قالوا: ليس من السنة العيادة في يوم السبت، وحاولوا أن يجد لها أصلاً من الأحاديث، ولما رجعوا لأصلها وجدوا أنها ليهودي قالها وانتشرت بين المسلمين.
قال ابن الحاج: أصلها أن يهودياً كان طبيباً لملك من الملوك، فمرض الملك مرضاً شديداً، وكان اليهودي لا يفارق عيده، وكان عيده يوم السبت، وكان هذا اليهودي يطبب الملك، فجاء يوم الجمعة فأراد اليهودي أن يمضي إلى سبته، فمنعه الملك فمكث بجوار الملك، فأخذ يؤلف أحدوثة تجعله يهرب يوم السبت من هذا الملك، فقال للملك: إن المريض لا يُدخَل عليه يوم السبت ولا ينبغي أن يدخل عليه، فقد يحصل للمريض شيء، فتركه الملك، فنشر اليهودي هذه البدعة حتى قالها بعض المسلمين، ثم شاعت بعد ذلك هذه البدعة وصار كثير من الناس يعتمدونها، حتى إني رأيت بعض الفضلاء ممن ينسب إليه العلم والصلاح ينسبها إلى السنة.
ومن الآداب ما ذكره الإمام القاسمي في جوامع الآداب في أدب عيادة المريض يقول: خفة الجلسة، وقلة السؤال، وإظهار الرقة، والدعاء بالعافية، والأحسن في العيادة أن يستخبر من أهله، وأن يجتمع بهم وحدهم أو يهدي إليه السلام.
أيضاً من الآداب: أنه لا يثقل على الإنسان المريض في الجلوس، حتى ولو كان المريض يقول له: اجلس، فقد يقولها أدباً، والزيارة تكون قصيرة وينصرف.
يقول الشعبي: عيادة حمقاء القراء أشد على المريض من مرضه.
أي: أن الإنسان الأحمق عيادته للمريض أشد على المريض من مرضه، قال: يعودونه في غير وقت عيادة، ويطيلون الجلوس عنده.
ويقول ابن سيرين: إذا أتيت منزل قوم فلم ترض بما يأكلون، وسألتهم ما لا يجدون، وكلفتهم ما لا يطيقون، وأسمعتهم ما يكرهون فإن لم يخرجوك فهم لذلك مستأهلون.
فالغرض: أن الإنسان الذي يزور المريض لا يكون ثقيلاً عليه، ولا يضايقه بكثرة السؤال، لكن يسأل عن حاله وينصرف، وإذا قيل له: ارجع، فليرجع، والله أعلم.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 910
شرح رياض الصالحين - من (جواز توجع المريض ما لم يتسخط) إلى (ما يقال عند الميت وما يقوله من مات له ميت)
لقد أحل الله لعباده أموراً إحساناً وتكرماً منه لهم، وحرم عليهم أموراً أخرى رأفة وشفقة بهم، ومما أحل الله لعباده وأجازه لهم إظهار التوجع والألم للآخرين، ليعطف بعضهم على بعض، ويرحم بعضهم بعضاً، لا على وجه التسخط.
فإذا مات منهم أحد استحب لمن يحضره أن يلقنه الشهادة عند احتضاره، وأن يغمض عينيه عند موته، وأن يدعو له بالرحمة والمغفرة، ثم يتبع دعائه للحاضرين من الأحياء، وأن يخلف الميت في أهله وأولاده خلفاً حسناً.
стр. 911
حكم إظهار التوجع والألم للغير
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الإمام النووي ﵀: [باب جواز قول المريض أنا وجع، أو شديد الوجع، أو موعوك، أو وارأساه ونحو ذلك، وبيان أنه لا كراهة في ذلك إذا لم يكن على التسخط وإظهار الجزع.
عن ابن مسعود ﵁ قال: (دخلت على النبي ﷺ وهو يوعك فمسسته فقلت: إنك لتوعك وعكاً شديداً.
فقال: أجل.
إني أوعك كما يوعك رجلان منكم) متفق عليه.
وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: جاءني رسول الله ﵌ يعودني من وجع اشتد بي، فقلت: بلغ بي ما ترى، وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة لي، وذكر الحديث.
متفق عليه.
وعن القاسم بن محمد قال: قالت عائشة ﵂: (وارأساه! فقال النبي ﷺ : بل أنا وارأساه!) وذكر الحديث.
رواه البخاري].
هذا باب آخر من كتاب رياض الصالحين للإمام النووي ﵀، وفيه جواز قول المريض: أنا وجع، أو شديد الوجع.
يعني: أن الإنسان في مرضه يتألم ويتوجع.
وكان بعض الصالحين من السلف لا يحب أن يظهر التوجع ولا يرفع صوته لإظهاره، وكان البعض يرى ذلك مباحاً جائزاً.
فهنا الإمام النووي يقول: هذا لا كراهة فيه، فلا بأس بقول الإنسان: آه، أو أنا وجع، أو أنا أتألم لكن بشرط ألا يكون ذلك من باب التسخط على الله .
فالإنسان الذي يتسخط على قضاء الله وقدره يضيع أجره في ذلك، ولا يملك لنفسه شيئاً إذ قد نزل المرض، ووقع البلاء، ولا يرفعه إلا الله .
فمن صبر ورضي فله الرضا والأجر، ومن تسخط على ذلك فاته الأجر على ذلك، وإنما الصبر عند الصدمة الأولى.
стр. 912
صبر النبي ﵌ وتحمله للأذى
ورد في هذا الأمر حديث ابن مسعود وهو حديث متفق عليه قال: دخلت على النبي ﷺ وهو يوعك يعني: في مرض موته ﷺ ، وكان النبي ﷺ قد مرض مرضاً شديداً، وارتفعت حرارته ﷺ ، فكانت الحمى شديدة عليه عليه الصلاة السلام، يقول ابن مسعود: (فمسسته) أي: مس جلد النبي ﷺ ؛ ينظر حرارته، فوجد حرارته عالية جداً ﵊، قال: فقلت: إنك لتوعك وعكاً شديداً، أي: الحمى بلغت بك أمراً شديداً، فقال النبي ﷺ : (أجل) يعني: نعم.
(إني أوعك كما يوعك رجلان منكم) وسبحان الله! كم عانى النبي صلوات الله وسلامه عليه في هذه الدنيا فلقد ابتلي مدة حياته صلوات الله وسلامه عليه بلاءً صعباً منذ دعا إلى ربه سبحانه، فكان يتعرض للأذى من القوم الذين كانوا يؤذونه ﷺ ، ويؤذون أصحابه ﵊، فيؤذونه ويحاربونه صلوات الله وسلامه عليه، ويحاربون دعوته وهو يصبر على ذلك كله صلوات الله وسلامه عليه.
ولقد تعرض للأذى ﷺ في كل يوم ومع ذلك يصبر على الأذى صلوات الله وسلامه عليه، ويكفي ما يتعرض له النبي ﷺ وهو في مكة من إيذاء له من أقربائه، فقد كان عمه أبو لهب يسير وراءه ﷺ ليكذبه وهو يدعو القوم لدين الله، فيقول: نحن أعلم به، إنه يكذب عليكم.
وينفر الناس ويصدهم عن النبي ﷺ .
ومن أبناء عمه صلوات الله وسلامه عليه من آذاه، فمنهم من تزوج بابنة النبي ﷺ وأرغمه أبوه أن يفارقها ويطلقها حتى يكيد للنبي صلوات الله وسلامه عليه، وآذاه أهل مكة حتى خرج إلى الطائف يرجو أن يفتح الله له هناك، فاستقبلوه استقبالاً قبيحاً حيث خرج أوباش القوم واصتفوا له صفين يرمونه بالحجارة صلوات الله وسلامه عليه حتى أدموا قدميه ﵊، فرجع النبي ﷺ إلى مكة والقوم في غيض منه ﵊، وظل يدعوهم إلى الله وهم يأبون ذلك، ويؤذونه ويؤذون أصحابه، فيمر النبي ﷺ على أصحابه وهم يعذبون في مكة كآل ياسر مثلاً فلا يملك لهم شيئاً ﵊، ويرى أتباعه وهم يعلقون ويضربون ويجلدون ويقتلون فلا يملك أن يفعل لهم شيئاً صلوات الله وسلامه عليه، ولقد اجتمع عليه الكفار ذات يوم، وقاموا له قومة رجل واحد يريدون ضربه وقتله ﷺ ، فلم يجرؤ أحد أن يخرج إلى هؤلاء إلا أبا بكر رضي الله تعالى عنه حيث خرج قائلاً: أتقتلون رجلاً أن يقول: ربي الله؟! فيدافع عن النبي ﷺ فيضربونه ضرباً شديداً حتى يقع مغشياً عليه رضي الله تعالى عنه، فانظروا! فعلوا ذلك في أبي بكر، فما كانوا ليصنعوا بالنبي ﷺ ؟! فحمل أبو بكر إلى بيته وغدائر شعره تسقط في يده من شدة الضرب، فحمل إلى البيت وهو يسبح ربه ، ويتعجب لصنيع الكفار بالنبي ﷺ وبه رضي الله تعالى عنه.
فلما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة من شدة الأذى والبلاء وبعد التكذيب العظيم الذي وجده في مكة ابتلي في المدينة صلوات الله وسلامه عليه بالكفار اليهود، والمنافقين، وبضعاف الإيمان ممن كانوا معه ﵊، وخاصة بالمفتونين منهم، ومات أولاد النبي ﷺ وماتت بناته صلوات الله وسلامه عليه واحدة تلو الأخرى وهو يصبر، وقبل ذلك مات عمه الذي كان يدافع عنه، وماتت زوجته خديجة، وهذا كله كان في مكة والمدينة، وأما بناته ﷺ فمتن كلهن قبله عدا فاطمة ﵂، إذ ماتت بعده بستة أشهر صلوات الله وسلامه عليه، وصبر صبراً عظيماً، وفي يوم بدر في هذا اليوم الصعب الشديد الذي كان عدد المؤمنين فيه عدداً قليلاً وأسلحتهم قليلة جداً، وكان الكفار عددهم ثلاث أضعاف المسلمين، وكانوا مجهزين بالأسلحة وقاصدين قتال النبي ﷺ ، ومع ذلك يتصبر بربه سبحانه، ويقاتل ويجاهد فينصره الله سبحانه، وهو في هذا النصر يأتي إليه خبر وفاة ابنته صلوات الله وسلامه عليه.
إذاً: فهذا النصر الذي يفرح به المسلمون لم يفرح به النبي ﷺ فرحاً كاملاً، فقد ماتت ابنته صلوات الله وسلامه عليه.
فكتم أحزانه ودارى شعوره صلوات الله وسلامه عليه، وأظهر الفرح مع المسلمين؛ حتى لا يغمهم في هذا اليوم الذي فرحوا فيه بنصر الله ، فأذى بعد أذى للنبي ﷺ حتى فتح الله له، فلما فتح له صلوات الله وسلامه عليه إذ به ينزل عليه: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ [النصر:١ - ٢] أي: فاستعد للآخرة فإنا سنقبض روحك، ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر:٣]، فكم عانى وكم ابتلي صلوات الله وسلامه عليه، فمن ابتلاه الله وأراد أن يتصبر فليقرأ في سيرة النبي ﷺ ؛ فهو الأسوة الحسنة، والقدوة العظيمة الطيبة صلوات الله وسلامه عليه.
ولقد ظل به البلاء حتى في مرض وفاته ﵊، وهذا من درجاته العظيمة عند الله سبحانه، حيث أراد له أعلى الدرجات، ولن ينالها إلا بالمشقة والتعب صلوات الله وسلامه عليه، فلما كان في مرض وفاته شدد عليه في المرض ﵊، فوعك وابتلى بمرض يبتلى به رجلان صلوات الله وسلامه عليه، فكان يقول: (إني أوعك كما يوعك رجلان منكم)، فكان يتألم من المرض ويصبر عليه صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 913
نماذج من إظهار النبي والصحابة التوجع للغير
جاء في الصحيحين من حديث سعد بن أبي وقاص قال: جاءني رسول الله ﷺ يعودني من وجع اشتد بي، فقلت: (بلغ بي ما ترى وأنا ذو مال) فهو يشكي للنبي ﷺ ما بلغ به من المرض، وقد ظن سعد بن أبي وقاص أنه سيموت في هذا المرض، والنبي ﷺ أخبره بأنه لن يموت في ذلك المرض، بل سيعمر فوق ذلك، وحدث ما قاله صلوات الله وسلامه عليه.
فـ سعد بن أبي وقاص شكى للنبي ﷺ وجعه فلم ينكر عليه النبي صلوات الله وسلامه عليه تلك الشكوى، فلما اشتكى وجعه قال للنبي ﷺ : (بلغ بي ما ترى وأنا ذو مال) أي: عندي مال، (ولا يرثني إلا ابنتي) وكان في ذلك الحين يظن أنه سيموت، فأراد أن يتصدق بماله كله، فمنعه النبي ﷺ ، فقال: النصف، فقال: (لا، قال: الثلث، قال: الثلث والثلث كثير) أي: لك أن توصي بالثلث والثلث أيضاً كثير، وقال له: (لعل الله أن يمد لك في عمرك)، وكان ما قال، حيث عاش بعد النبي ﷺ زمناً طويلاً.
ومن الأحاديث حديث جاء فيه أن عائشة قالت في يوم من الأيام: وارأساه! حيث اشتكت صداعاً أصابها رضي الله تعالى عنها، وكان النبي ﷺ راجعاً من جنازة ﵊ وهو أيضاً يشتكي من رأسه ﵊، حيث أصابه صداع في رأسه، وكان ذلك هو بدء مرض وفاته ﵊.
فالسيدة عائشة تشكو من الصداع وتقول: وارأساه! فقال النبي ﵌: (بل أنا وارأساه) أي: أنا أتألم أكثر منك، ثم قال: (ما ضرك لو أنك مت قبلي فغسلتك وكفنتك وصليت عليك) وهذا من النبي ﷺ إخبار بأحكام شرعية وهي أن السيدة عائشة ﵂ لو ماتت قبل النبي ﷺ لقام هو عليها فغسلها وكفنها وصلى عليها.
وكونه يقول ذلك فيه جواز أن يغسل الرجل امرأته بعد وفاتها، فالنبي ﷺ لن يتكلم إلا بوحي من الله ، ولن يفعل إلا ما يجوز، فيقول: (ما ضرك أن لو مت قبلي فغسلتك وكفنتك وصليت عليك) فهذا قاله ﷺ وبدأ به الوجع من ذاك الحين.
فالشاهد من الحديث: أن السيدة عائشة ﵂ قالت: (وارأساه!) متوجعه من الصداع ولم ينكر عليها النبي ﷺ ، بل قال هو أيضاً: (بل أنا وارأساه) ﵊، ففيه جواز قول المريض: إني أتوجع، أو رأسي يؤلمني، أو بي مرض، أو الألم شديد بي، بشرط ألا يكون على وجه التسخط، بل الإخبار عما به مع عدم المبالغة في ذلك.
стр. 914
استحباب تلقين المحتضر: لا إله إلا الله
باب آخر: يقول الإمام النووي: [باب تلقين المحتضر لا إله إلا الله].
والمحتضر: هو الذي تحضره الملائكة، أو هو الذي يحضره أجله.
المقصد منه: أنه في سكرات الموت.
عن معاذ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة) حديث صحيح، رواه الإمام أبو داود والحاكم.
والحديث فيه: أن من كانت آخر كلمة قالها قبل وفاته هي قول: لا إله إلا الله، دخل الجنة.
وهذه بشارة عظيمة للإنسان المؤمن، وهي من علامات حسن الخاتمة.
وقول: لا إله إلا الله هي علامة على شهادة التوحيد كلها، فتقول عند الاحتضار: لا إله إلا الله محمد رسول الله، أو تقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمد رسول الله، وهذا كقولنا سورة الحمد، فالمقصود بها سورة الفاتحة وليست آية الحمد فقط، فكذلك قوله: (من قال: لا إله إلا الله) يعني: من قال كلمة التوحيد التي يدخل بها الإنسان الإسلام فيقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله صلوات الله وسلامه عليه.
يقول النبي ﷺ في حديث آخر رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري أنه قال: قال رسول الله ﷺ : (لقنوا موتاكم لا إله إلا الله) أي: أن يقول: لا إله إلا الله، ذكرنا قبل ذلك: أن الإنسان المريض يستحب له أن يقول هذه الكلمة ويكثر منها مع كلمات غيرها حيث إن الله يرد عليه في ذلك الذي يقول، فإنها مناجاة بين العبد وبين ربه، فإذا قال: لا إله إلا الله والله أكبر، رد عليه ربه إن هذا الذي تقوله صحيح، لا إله إلا أنا وأنا أكبر، فإن قال: لا إله إلا الله وحده، يرد عليه ربه: لا إله إلا أنا وحدي، وإن قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يرد عليه ربه سبحانه: لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي، فإن قال المريض: لا إله إلا الله له الملك وله الحمد أجابه ربه بذلك، وإن قال: لا إله إلا الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، أجابه ربه بذلك.
إذاً: فيستحب للمريض في مرضه أن يكثر من ذلك، فإنه إذا قال ذلك ومات عليه كان له الجنة عند ربه.
فالمقصود أن النبي ﵌ حث من يَحْضر محتضراً أن يلقنه: لا إله إلا الله، وأن يحرص على أن يكون آخر ما يقول هذه الكلمة، فإذا قال بعدها شيئاً آخر غير لا إله إلا الله يستحب أن يلقن مرة أخرى بحيث يكون آخر ما يقوله لا إله إلا الله، وذلك من غير إزعاج للمريض في هذه الحالة.
وقد جاء أناس إلى عبد الله بن المبارك ﵁ وهو في مرض وفاته فقالوا له: قل لا إله إلا الله، فقال: لا إله إلا الله، وهو إمام عظيم من أئمة المسلمين، وله السبق على غيره في الحديث، والفقه والجهاد في سبيل الله سبحانه، والكرم والتقوى، والورع فرضي الله تعالى عنه.
فقالوا: قل لا إله إلا الله، ثم قالوا له ثانية: قل لا إله إلا الله، ولم يزالوا به على ذلك حتى أضجروه، فقال يعلمهم ﵁: إذا قال الإنسان لا إله إلا الله فلا تعد عليه حتى يقول غيرها.
فعلمهم وهو الفقيه ﵁ وهو في حالة الاحتضار.
ومن هذا تعلم أن المحتضر إذا قال: لا إله إلا الله فلا يعاد عليه إلا إن غير وأنشأ كلاماً آخر غيرها فيستحب أن يكرر عليه ثانية إلى أن يقول هذه الكلمة.
أما أن يكرر عليه وإن لم ينشئ كلاماً آخر حتى يمل وينزعج فهذا لا ينبغي؛ إذ لعلك تقول له ذلك فيقول: شيئاً آخر، أو يسكتك مغضباً، أو يتلفظ بغيرها، فيموت على ذلك، ولذلك نقول: لا ينبغي التكرار عليه، بل يمكن أن يعرض له بذلك تعريضاً.
стр. 915
بيان فضل كلمة التوحيد
قال رسول الله ﷺ : (من قال لا إله إلا الله دخل الجنة) وهذه الكلمة كلمة سهلة جداً على المؤمنين، وهي أصعب ما تكون على المنافقين والفجار في وقت الوفاة، قال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم:٢٧] أي: يثبتهم الله وهم في سياق الموت فيقولوا: لا إله الله، فيفرحوا وتنشرح صدورهم بها، ويثبتهم وهم في القبر حين يأتيهم الملائكة فيسألون أحدهم من بربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فيثبته الله ويجيب الملائكة بأن ربه الله، وأن دينه الإسلام، وأن نبيه محمد صلوات الله وسلامه عليه.
وهذه الكلمة كلمة عظيمة جداً، ولذلك يقول النبي ﵌: (أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله)، وكان أعظم الذكر في أعظم المواقف وهو يوم عرفة قول: لا إله إلا الله، بل اعتبرها النبي ﷺ دعاء؛ ولذلك يقول النبي ﵌: (لقنوا موتاكم لا إله إلا الله) وأخبر أن: (من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة) وذكر في حديث آخر: (من قال لا إله إلا الله دخل الجنة وإن أصابه قبل ذلك ما أصابه).
فمفتاح الجنة هو: لا إله إلا الله، بشرط أن تأتي بهذه الكلمة العظيمة وبشروط هذه الكلمة، فما من مفتاح إلا وله أسنان، فباب الجنة يفتح بلا إله إلا الله، وأسنان هذه المفتاح هي شروطها، بأن تقولها وأنت موقن بذلك، وأن تعلم معناها؛ إذ لا يكفي أن يقولوها الإنسان ولا يدري ما معناها ولا يأبه لها، أو يقولها ويشرك بالله ، أو يقولها نفاقاً ورياء بل لا بد من العلم، واليقين، والقبول، والانقياد، والصدق، والإخلاص، والمحبة، والولاء والبراء، فإذا أتى الإنسان بلا إله إلا الله وشروطها تامة استحق أن يكون من أهل الجنة.
وأما إذا قصر في شيء فأخر عن دخول الجنة فهو بسبب تقصيره، والله أعلم.
следующие страницы →