Полный текст (1 057 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
حكم إظهار التوجع والألم للغير
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الإمام النووي ﵀: [باب جواز قول المريض أنا وجع، أو شديد الوجع، أو موعوك، أو وارأساه ونحو ذلك، وبيان أنه لا كراهة في ذلك إذا لم يكن على التسخط وإظهار الجزع.
عن ابن مسعود ﵁ قال: (دخلت على النبي ﷺ وهو يوعك فمسسته فقلت: إنك لتوعك وعكاً شديداً.
فقال: أجل.
إني أوعك كما يوعك رجلان منكم) متفق عليه.
وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: جاءني رسول الله ﵌ يعودني من وجع اشتد بي، فقلت: بلغ بي ما ترى، وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة لي، وذكر الحديث.
متفق عليه.
وعن القاسم بن محمد قال: قالت عائشة ﵂: (وارأساه! فقال النبي ﷺ : بل أنا وارأساه!) وذكر الحديث.
رواه البخاري].
هذا باب آخر من كتاب رياض الصالحين للإمام النووي ﵀، وفيه جواز قول المريض: أنا وجع، أو شديد الوجع.
يعني: أن الإنسان في مرضه يتألم ويتوجع.
وكان بعض الصالحين من السلف لا يحب أن يظهر التوجع ولا يرفع صوته لإظهاره، وكان البعض يرى ذلك مباحاً جائزاً.
فهنا الإمام النووي يقول: هذا لا كراهة فيه، فلا بأس بقول الإنسان: آه، أو أنا وجع، أو أنا أتألم لكن بشرط ألا يكون ذلك من باب التسخط على الله .
فالإنسان الذي يتسخط على قضاء الله وقدره يضيع أجره في ذلك، ولا يملك لنفسه شيئاً إذ قد نزل المرض، ووقع البلاء، ولا يرفعه إلا الله .
فمن صبر ورضي فله الرضا والأجر، ومن تسخط على ذلك فاته الأجر على ذلك، وإنما الصبر عند الصدمة الأولى.
стр. 912
صبر النبي ﵌ وتحمله للأذى
ورد في هذا الأمر حديث ابن مسعود وهو حديث متفق عليه قال: دخلت على النبي ﷺ وهو يوعك يعني: في مرض موته ﷺ ، وكان النبي ﷺ قد مرض مرضاً شديداً، وارتفعت حرارته ﷺ ، فكانت الحمى شديدة عليه عليه الصلاة السلام، يقول ابن مسعود: (فمسسته) أي: مس جلد النبي ﷺ ؛ ينظر حرارته، فوجد حرارته عالية جداً ﵊، قال: فقلت: إنك لتوعك وعكاً شديداً، أي: الحمى بلغت بك أمراً شديداً، فقال النبي ﷺ : (أجل) يعني: نعم.
(إني أوعك كما يوعك رجلان منكم) وسبحان الله! كم عانى النبي صلوات الله وسلامه عليه في هذه الدنيا فلقد ابتلي مدة حياته صلوات الله وسلامه عليه بلاءً صعباً منذ دعا إلى ربه سبحانه، فكان يتعرض للأذى من القوم الذين كانوا يؤذونه ﷺ ، ويؤذون أصحابه ﵊، فيؤذونه ويحاربونه صلوات الله وسلامه عليه، ويحاربون دعوته وهو يصبر على ذلك كله صلوات الله وسلامه عليه.
ولقد تعرض للأذى ﷺ في كل يوم ومع ذلك يصبر على الأذى صلوات الله وسلامه عليه، ويكفي ما يتعرض له النبي ﷺ وهو في مكة من إيذاء له من أقربائه، فقد كان عمه أبو لهب يسير وراءه ﷺ ليكذبه وهو يدعو القوم لدين الله، فيقول: نحن أعلم به، إنه يكذب عليكم.
وينفر الناس ويصدهم عن النبي ﷺ .
ومن أبناء عمه صلوات الله وسلامه عليه من آذاه، فمنهم من تزوج بابنة النبي ﷺ وأرغمه أبوه أن يفارقها ويطلقها حتى يكيد للنبي صلوات الله وسلامه عليه، وآذاه أهل مكة حتى خرج إلى الطائف يرجو أن يفتح الله له هناك، فاستقبلوه استقبالاً قبيحاً حيث خرج أوباش القوم واصتفوا له صفين يرمونه بالحجارة صلوات الله وسلامه عليه حتى أدموا قدميه ﵊، فرجع النبي ﷺ إلى مكة والقوم في غيض منه ﵊، وظل يدعوهم إلى الله وهم يأبون ذلك، ويؤذونه ويؤذون أصحابه، فيمر النبي ﷺ على أصحابه وهم يعذبون في مكة كآل ياسر مثلاً فلا يملك لهم شيئاً ﵊، ويرى أتباعه وهم يعلقون ويضربون ويجلدون ويقتلون فلا يملك أن يفعل لهم شيئاً صلوات الله وسلامه عليه، ولقد اجتمع عليه الكفار ذات يوم، وقاموا له قومة رجل واحد يريدون ضربه وقتله ﷺ ، فلم يجرؤ أحد أن يخرج إلى هؤلاء إلا أبا بكر رضي الله تعالى عنه حيث خرج قائلاً: أتقتلون رجلاً أن يقول: ربي الله؟! فيدافع عن النبي ﷺ فيضربونه ضرباً شديداً حتى يقع مغشياً عليه رضي الله تعالى عنه، فانظروا! فعلوا ذلك في أبي بكر، فما كانوا ليصنعوا بالنبي ﷺ ؟! فحمل أبو بكر إلى بيته وغدائر شعره تسقط في يده من شدة الضرب، فحمل إلى البيت وهو يسبح ربه ، ويتعجب لصنيع الكفار بالنبي ﷺ وبه رضي الله تعالى عنه.
فلما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة من شدة الأذى والبلاء وبعد التكذيب العظيم الذي وجده في مكة ابتلي في المدينة صلوات الله وسلامه عليه بالكفار اليهود، والمنافقين، وبضعاف الإيمان ممن كانوا معه ﵊، وخاصة بالمفتونين منهم، ومات أولاد النبي ﷺ وماتت بناته صلوات الله وسلامه عليه واحدة تلو الأخرى وهو يصبر، وقبل ذلك مات عمه الذي كان يدافع عنه، وماتت زوجته خديجة، وهذا كله كان في مكة والمدينة، وأما بناته ﷺ فمتن كلهن قبله عدا فاطمة ﵂، إذ ماتت بعده بستة أشهر صلوات الله وسلامه عليه، وصبر صبراً عظيماً، وفي يوم بدر في هذا اليوم الصعب الشديد الذي كان عدد المؤمنين فيه عدداً قليلاً وأسلحتهم قليلة جداً، وكان الكفار عددهم ثلاث أضعاف المسلمين، وكانوا مجهزين بالأسلحة وقاصدين قتال النبي ﷺ ، ومع ذلك يتصبر بربه سبحانه، ويقاتل ويجاهد فينصره الله سبحانه، وهو في هذا النصر يأتي إليه خبر وفاة ابنته صلوات الله وسلامه عليه.
إذاً: فهذا النصر الذي يفرح به المسلمون لم يفرح به النبي ﷺ فرحاً كاملاً، فقد ماتت ابنته صلوات الله وسلامه عليه.
فكتم أحزانه ودارى شعوره صلوات الله وسلامه عليه، وأظهر الفرح مع المسلمين؛ حتى لا يغمهم في هذا اليوم الذي فرحوا فيه بنصر الله ، فأذى بعد أذى للنبي ﷺ حتى فتح الله له، فلما فتح له صلوات الله وسلامه عليه إذ به ينزل عليه: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ [النصر:١ - ٢] أي: فاستعد للآخرة فإنا سنقبض روحك، ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر:٣]، فكم عانى وكم ابتلي صلوات الله وسلامه عليه، فمن ابتلاه الله وأراد أن يتصبر فليقرأ في سيرة النبي ﷺ ؛ فهو الأسوة الحسنة، والقدوة العظيمة الطيبة صلوات الله وسلامه عليه.
ولقد ظل به البلاء حتى في مرض وفاته ﵊، وهذا من درجاته العظيمة عند الله سبحانه، حيث أراد له أعلى الدرجات، ولن ينالها إلا بالمشقة والتعب صلوات الله وسلامه عليه، فلما كان في مرض وفاته شدد عليه في المرض ﵊، فوعك وابتلى بمرض يبتلى به رجلان صلوات الله وسلامه عليه، فكان يقول: (إني أوعك كما يوعك رجلان منكم)، فكان يتألم من المرض ويصبر عليه صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 913
نماذج من إظهار النبي والصحابة التوجع للغير
جاء في الصحيحين من حديث سعد بن أبي وقاص قال: جاءني رسول الله ﷺ يعودني من وجع اشتد بي، فقلت: (بلغ بي ما ترى وأنا ذو مال) فهو يشكي للنبي ﷺ ما بلغ به من المرض، وقد ظن سعد بن أبي وقاص أنه سيموت في هذا المرض، والنبي ﷺ أخبره بأنه لن يموت في ذلك المرض، بل سيعمر فوق ذلك، وحدث ما قاله صلوات الله وسلامه عليه.
فـ سعد بن أبي وقاص شكى للنبي ﷺ وجعه فلم ينكر عليه النبي صلوات الله وسلامه عليه تلك الشكوى، فلما اشتكى وجعه قال للنبي ﷺ : (بلغ بي ما ترى وأنا ذو مال) أي: عندي مال، (ولا يرثني إلا ابنتي) وكان في ذلك الحين يظن أنه سيموت، فأراد أن يتصدق بماله كله، فمنعه النبي ﷺ ، فقال: النصف، فقال: (لا، قال: الثلث، قال: الثلث والثلث كثير) أي: لك أن توصي بالثلث والثلث أيضاً كثير، وقال له: (لعل الله أن يمد لك في عمرك)، وكان ما قال، حيث عاش بعد النبي ﷺ زمناً طويلاً.
ومن الأحاديث حديث جاء فيه أن عائشة قالت في يوم من الأيام: وارأساه! حيث اشتكت صداعاً أصابها رضي الله تعالى عنها، وكان النبي ﷺ راجعاً من جنازة ﵊ وهو أيضاً يشتكي من رأسه ﵊، حيث أصابه صداع في رأسه، وكان ذلك هو بدء مرض وفاته ﵊.
فالسيدة عائشة تشكو من الصداع وتقول: وارأساه! فقال النبي ﵌: (بل أنا وارأساه) أي: أنا أتألم أكثر منك، ثم قال: (ما ضرك لو أنك مت قبلي فغسلتك وكفنتك وصليت عليك) وهذا من النبي ﷺ إخبار بأحكام شرعية وهي أن السيدة عائشة ﵂ لو ماتت قبل النبي ﷺ لقام هو عليها فغسلها وكفنها وصلى عليها.
وكونه يقول ذلك فيه جواز أن يغسل الرجل امرأته بعد وفاتها، فالنبي ﷺ لن يتكلم إلا بوحي من الله ، ولن يفعل إلا ما يجوز، فيقول: (ما ضرك أن لو مت قبلي فغسلتك وكفنتك وصليت عليك) فهذا قاله ﷺ وبدأ به الوجع من ذاك الحين.
فالشاهد من الحديث: أن السيدة عائشة ﵂ قالت: (وارأساه!) متوجعه من الصداع ولم ينكر عليها النبي ﷺ ، بل قال هو أيضاً: (بل أنا وارأساه) ﵊، ففيه جواز قول المريض: إني أتوجع، أو رأسي يؤلمني، أو بي مرض، أو الألم شديد بي، بشرط ألا يكون على وجه التسخط، بل الإخبار عما به مع عدم المبالغة في ذلك.
стр. 914
استحباب تلقين المحتضر: لا إله إلا الله
باب آخر: يقول الإمام النووي: [باب تلقين المحتضر لا إله إلا الله].
والمحتضر: هو الذي تحضره الملائكة، أو هو الذي يحضره أجله.
المقصد منه: أنه في سكرات الموت.
عن معاذ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة) حديث صحيح، رواه الإمام أبو داود والحاكم.
والحديث فيه: أن من كانت آخر كلمة قالها قبل وفاته هي قول: لا إله إلا الله، دخل الجنة.
وهذه بشارة عظيمة للإنسان المؤمن، وهي من علامات حسن الخاتمة.
وقول: لا إله إلا الله هي علامة على شهادة التوحيد كلها، فتقول عند الاحتضار: لا إله إلا الله محمد رسول الله، أو تقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمد رسول الله، وهذا كقولنا سورة الحمد، فالمقصود بها سورة الفاتحة وليست آية الحمد فقط، فكذلك قوله: (من قال: لا إله إلا الله) يعني: من قال كلمة التوحيد التي يدخل بها الإنسان الإسلام فيقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله صلوات الله وسلامه عليه.
يقول النبي ﷺ في حديث آخر رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري أنه قال: قال رسول الله ﷺ : (لقنوا موتاكم لا إله إلا الله) أي: أن يقول: لا إله إلا الله، ذكرنا قبل ذلك: أن الإنسان المريض يستحب له أن يقول هذه الكلمة ويكثر منها مع كلمات غيرها حيث إن الله يرد عليه في ذلك الذي يقول، فإنها مناجاة بين العبد وبين ربه، فإذا قال: لا إله إلا الله والله أكبر، رد عليه ربه إن هذا الذي تقوله صحيح، لا إله إلا أنا وأنا أكبر، فإن قال: لا إله إلا الله وحده، يرد عليه ربه: لا إله إلا أنا وحدي، وإن قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يرد عليه ربه سبحانه: لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي، فإن قال المريض: لا إله إلا الله له الملك وله الحمد أجابه ربه بذلك، وإن قال: لا إله إلا الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، أجابه ربه بذلك.
إذاً: فيستحب للمريض في مرضه أن يكثر من ذلك، فإنه إذا قال ذلك ومات عليه كان له الجنة عند ربه.
فالمقصود أن النبي ﵌ حث من يَحْضر محتضراً أن يلقنه: لا إله إلا الله، وأن يحرص على أن يكون آخر ما يقول هذه الكلمة، فإذا قال بعدها شيئاً آخر غير لا إله إلا الله يستحب أن يلقن مرة أخرى بحيث يكون آخر ما يقوله لا إله إلا الله، وذلك من غير إزعاج للمريض في هذه الحالة.
وقد جاء أناس إلى عبد الله بن المبارك ﵁ وهو في مرض وفاته فقالوا له: قل لا إله إلا الله، فقال: لا إله إلا الله، وهو إمام عظيم من أئمة المسلمين، وله السبق على غيره في الحديث، والفقه والجهاد في سبيل الله سبحانه، والكرم والتقوى، والورع فرضي الله تعالى عنه.
فقالوا: قل لا إله إلا الله، ثم قالوا له ثانية: قل لا إله إلا الله، ولم يزالوا به على ذلك حتى أضجروه، فقال يعلمهم ﵁: إذا قال الإنسان لا إله إلا الله فلا تعد عليه حتى يقول غيرها.
فعلمهم وهو الفقيه ﵁ وهو في حالة الاحتضار.
ومن هذا تعلم أن المحتضر إذا قال: لا إله إلا الله فلا يعاد عليه إلا إن غير وأنشأ كلاماً آخر غيرها فيستحب أن يكرر عليه ثانية إلى أن يقول هذه الكلمة.
أما أن يكرر عليه وإن لم ينشئ كلاماً آخر حتى يمل وينزعج فهذا لا ينبغي؛ إذ لعلك تقول له ذلك فيقول: شيئاً آخر، أو يسكتك مغضباً، أو يتلفظ بغيرها، فيموت على ذلك، ولذلك نقول: لا ينبغي التكرار عليه، بل يمكن أن يعرض له بذلك تعريضاً.
стр. 915
بيان فضل كلمة التوحيد
قال رسول الله ﷺ : (من قال لا إله إلا الله دخل الجنة) وهذه الكلمة كلمة سهلة جداً على المؤمنين، وهي أصعب ما تكون على المنافقين والفجار في وقت الوفاة، قال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم:٢٧] أي: يثبتهم الله وهم في سياق الموت فيقولوا: لا إله الله، فيفرحوا وتنشرح صدورهم بها، ويثبتهم وهم في القبر حين يأتيهم الملائكة فيسألون أحدهم من بربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فيثبته الله ويجيب الملائكة بأن ربه الله، وأن دينه الإسلام، وأن نبيه محمد صلوات الله وسلامه عليه.
وهذه الكلمة كلمة عظيمة جداً، ولذلك يقول النبي ﵌: (أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله)، وكان أعظم الذكر في أعظم المواقف وهو يوم عرفة قول: لا إله إلا الله، بل اعتبرها النبي ﷺ دعاء؛ ولذلك يقول النبي ﵌: (لقنوا موتاكم لا إله إلا الله) وأخبر أن: (من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة) وذكر في حديث آخر: (من قال لا إله إلا الله دخل الجنة وإن أصابه قبل ذلك ما أصابه).
فمفتاح الجنة هو: لا إله إلا الله، بشرط أن تأتي بهذه الكلمة العظيمة وبشروط هذه الكلمة، فما من مفتاح إلا وله أسنان، فباب الجنة يفتح بلا إله إلا الله، وأسنان هذه المفتاح هي شروطها، بأن تقولها وأنت موقن بذلك، وأن تعلم معناها؛ إذ لا يكفي أن يقولوها الإنسان ولا يدري ما معناها ولا يأبه لها، أو يقولها ويشرك بالله ، أو يقولها نفاقاً ورياء بل لا بد من العلم، واليقين، والقبول، والانقياد، والصدق، والإخلاص، والمحبة، والولاء والبراء، فإذا أتى الإنسان بلا إله إلا الله وشروطها تامة استحق أن يكون من أهل الجنة.
وأما إذا قصر في شيء فأخر عن دخول الجنة فهو بسبب تقصيره، والله أعلم.
стр. 916
بيان ما يستحب لمن حضر ميتاً
باب ما يقوله بعد تغميض الميت.
إذا مات الإنسان وعنده أحد فيستحب له أن يغمض عينيه، وقد ذكر النبي ﷺ أن الروح إذا خرجت تبعها البصر؛ إذ الميت ينظر إلى روحه وهي تخرج وتصعد إلى السماء، فالسنة في هذا تغميض عين الميت؛ حتى لا يبقى منظره مفجعاً وغير حسن.
فإذا أغمضت عينيه فادع له بخير، ففي حديث أم سلمة ﵂ قالت: (دخل رسول الله ﷺ على أبي سلمة وقد شق بصره، فأغمضه ﵊، ثم قال: إن الروح إذا قبض تبعه البصر، فضج ناس من أهله) وكأنهم كانوا غير عالمين بموته، فلما قال ذلك النبي ﷺ ضج ناس من أهله ورفعوا أصواتهم بالبكاء، فقال: (لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير) أي: احذروا ولا تدعو على أنفسكم إلا بخير عند قبض روح الميت؛ لأن الملائكة موجودة، فإذا دعا الإنسان على نفسه بالويل والثبور، أو دعا على نفسه بالمصيبة فإن الملائكة تؤمن على ما يقول.
وإذا دعا بخير له وللميت فإن الملائكة تؤمن على ما يقول أيضاً، فاختر لنفسك، فالإنسان العاقل يعلم منذ أول الوقت أن الملائكة حاضرة، وأنها ستؤمن على ما يُدعى به، فيستغل الفرصة ليدعو بالخير والرحمة للميت، ثم يدعو بالرحمة للأحياء، ويدعو أيضاً بالخير لنفسه ولغيره في هذا الوقت.
فهنا لما ضج الناس من أهل أبي سلمة ﵁ قال لهم النبي ﷺ : (لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير؛ فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون) ثم علمهم ﷺ ودعى فقال: (اللهم اغفر لـ أبي سلمة وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين! وأفسح له في قبره، ونور له فيه) فيستحب في الدعاء للميت هذا الدعاء الجميل العظيم الذي قاله النبي صلوات الله وسلامه عليه.
فتدعو للميت بقولك: اللهم اغفر لفلان، أو للميتة بقولك: اللهم اغفر لفلانة، وارفع درجته في المهديين، أي: فيمن هداهم الله وجعلهم أصحاب الدرجات العلى، واجعله معهم في الدرجات العلى، أي: مع هؤلاء الذين هديتهم ورفعت درجاتهم، فهديتهم يا ربنا بالإسلام، وبالهجرة إلى رسولك ﵊.
وقول النبي ﵌: (واخلفه في عقبه في الغابرين) هذا دعاء لله بأن يخلف أولاد هذا الميت.
وإنك مهما تختار من رجل ليخلفك على أولادك فلن يكون رجلاً كاملاً؛ إذ كل إنسان فيه نقص، أو لعله يقوم بالأمر الذي تريده ولعله لا يقوم، وأما أن يكون الله هو من يخلفك على أولادك فإنه يكفيك سبحانه، وكفى بربك سبحانه حافظاً ووكيلاً وخليفة على أهلك .
قال: (واخلفه في عقبه من الغابرين) يعني: كن أنت الخلف في عقبه ولا تحوج عقبه إلى أحد، فأنت يا رب وكلناك بأن تقوم بأمر أولاده وأهله، وتلبي أمورهم.
وقوله: (في الغابرين) من غبر بمعنى: من بقي في عقبه، أي: فكن أنت يا ربنا الوكيل والمتكفل بأمرهم، والمدبر لشئونهم، والحافظ والراعي لهم.
ثم تقول: واغفر لنا وله يا رب العالمين! فالإنسان لا ينسى نفسه من الدعاء أن يغفر الله له في وقت الموت؛ لأن الملائكة تؤمن على الدعاء فادع لنفسك بالخير.
قال: (واغفر لنا وله يا رب العالمين؛ وأفسح له في قبره) يعني: وسع له في قبره.
ولقد أخبرنا النبي ﷺ أن القبر إما أن يوسع لصاحبه، وإما أن يضيق على صاحبه.
إذاً: فالقبر إما روضة من رياض الجنة، وإما حفرة من حفر النار، فالإنسان يدعو للمتوفى أن يفسح الله له في قبره، فهذا القبر الذي تراه ضيقاً يوسعه الله على عبده المؤمن مد بصره، فإذا حط المؤمن في هذا القبر، وذهب من عنده المشيعون إذا بالله يضم عليه قبره، ثم يوسع له بفضله ورحمته سبحانه، فيصير القبر واسعاً جداً، حيث: يمد له مد بصره، ويصير له روضة من رياض الجنة، أو أنه يكون عذاباً على الكافر والفاجر فيكون حفرةً من حفر النار، والعياذ بالله.
فدعا النبي ﷺ لـ أبي سلمة أن يفسح الله له في قبره.
وقال: (ونور له فيه) أي: اجعل فيه النور، ولا تجعله مظلماً عليه.
فهذا مما يقال في الدعاء للميت وقت خروج روحه أو بعد طلوعها.
стр. 917
استحباب الدعاء للميت ولمن مات له ميت
باب ما يقال عند الميت وما يقوله من مات له ميت.
هذا باب آخر وفيه حديث عن أم سلمة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (إذا حضرتم الميت أو المريض فقولوا خيراً؛ فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون) ومعنى يؤمنون: يقولون آمين، وآمين معناه: اللهم استجب، (فلما مات أبو سلمة قالت أم سلمة: أتيت النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله! إن أبا سلمة قد مات، فقال النبي ﷺ : قولي: اللهم اغفر لي وله، وأعقبني منه عقبى حسنة) أي: أخلف علي من ورائه الخلف الحسن أو العقبى الحسنة، وهو بمعنى: عوضني عنه عوضاً حسناً.
قالت: فأعقبني الله من هو خير لي منه، وقد كانت متعجبة: مَن خير من أبي سلمة؟ وما كان يخطر ببالها أن يتزوجها النبي صلوات الله وسلامه عليه، ولذلك لما نظرت في الصحابة رأت زوجها أفضل شخص فيهم، ولم يخطر ببالها النبي ﷺ ، فلما قالت ذلك كان الزوج الذي بعد أبي سلمة هو سيدنا رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، قالت: (فأعقبني الله من هو خير لي منه: محمداً ﷺ رواه مسلم.
وفي رواية: (إذا حضرتم المريض أو الميت) وفي رواية: (الميت بلا شك)، ففيها أنه يستحب ذلك.
وفي رواية أخرى عنها: (أنها قالت عن النبي ﷺ : ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول: إن لله وإنا إليه راجعون) أي: أن هذه الكلمة أيضاً تقال وقت المصيبة، فـ أم سلمة هي رواية هذا الحديث والحديث السابق، فهي تقول عن النبي ﷺ : (ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أؤجرني في مصيبتي) أي: أعطني الأجر في هذه المصيبة (واخلف لي خيراً منها، إلا أجاره الله) أي: أعطاه الأجر في مصيبته (وأخلف له خيراً منها.
قالت: فلما توفي أبو سلمة قلت كما أمرني رسول الله ﷺ فأخلف الله لي خيراً منه: رسول الله ﷺ هذا الحديث رواه مسلم، وفيه زيادة قول: (إنا لله وإنا إليه راجعون)، وهي كلمة تطمئن العبد وتجعل نفسه هادئة غير مثارة، وهي تعني: أننا لله سبحانه، فهو يملكنا سبحانه، وهو الذي أخذ هذا وسيأخذني كما أخذه، فكلنا راجعون إليه سبحانه.
فإذا تذكر الإنسان هذا اطمأنت نفسه بالرجوع إلى الله وبذكر الله كما قال تعالى: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨].
نسأل الله العفو العافية في الدين والدنيا والآخرة.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 918
شرح رياض الصالحين - ما يقوله من مات له ميت وجواز البكاء على الميت بغير ندبة ولا نياحة
بالصبر ينال العبد عند الله المنازل العالية في الآخرة، والعوض في الدنيا بما هو خير مما فاته، وبالجزع يفوته كل ذلك، ويزداد عقوبة وندامة.
نعم تحزن النفس وتدمع العين ولكن اللسان لا يلفظ إلا بالشكر، ولا ينطق إلا بالفضل ورجاء العوض والخلف من الله تعالى.
стр. 919
شرح حديث (إنا لله وإنا إليه راجعون)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الإمام النووي ﵀: [باب ما يقال عند الميت وما يقوله من مات له ميت: عن أم سلمة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم اؤجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها، إلا أجره الله تعالى في مصيبته، وأخلف له خيراً منها).
قالت أم سلمة ﵂: (فلما توفي أبو سلمة قلت كما أمرني رسول الله ﷺ ، فأخلف الله لي خيراً منه: رسول الله ﷺ رواه مسلم.
وعن أبي موسى الأشعري ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: (إذا مات ولد العبد، قال الله تعالى لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم، فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم، فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع، فيقول الله تعالى: ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة وسموه بيت الحمد)، رواه الترمذي وقال: حديث حسن.
ذكرنا في الحديث السابق: أن الإنسان إذا حضر من يحتضر أنه يستحب له أن يلقنه لا إله إلا الله، ولا يمله بذلك، ولا يكثر عليه، فإن وجده تكلم بغير ذلك أعاد عليه مرة ثانية ليذكره أن يقول: لا إله إلا الله، والحاضرون عند الميت إذا قبضت روحه استحب لهم أن يدعوا له ولأنفسهم بالخير، ويحذروا من أن يدعوا على أنفسهم، فإن الملائكة تؤمن على ما يقول الإنسان في هذه الحال، فإذا دعوا على أنفسهم أمنت الملائكة.
ويستحب أيضاً لمن يبتلى بمصيبة من مصائب الدنيا كموت أو غيره أن يقول كما قالت أم سلمة عن النبي ﷺ : (اللهم اؤجرني في مصيبتي) تعني: أعطني الأجر في هذه المصيبة، (واخلف لي خيراً منها)، وهذا الدعاء علمه ﷺ لـ أم سلمة فدعت به، فكان الذي هو خير من أبي سلمة وهو رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، قالت: (فأخلف الله لي خيراً منه: رسول الله ﷺ .
فمن المستحب عند المصيبة أن تقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم اؤجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها، تسلية للنفس بذلك قوله: إنا لله وإنا إليه راجعون، هذه الكلمة ذكرها الله في كتابه، فقال: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة:١٥٦]، ورتب على ذلك الأجر والثواب فقال: ﴿أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٥٧].
وقد تلاها عمر ﵁ فقال: (نعم العدلان ونعمت العلاوة).
العدلان هما ما يحملان فوق البعير من أمتعة ويعادل وزنهما بين الجانبين حتى لا يكون شق الجمل مائلاً، والعلاوة ما فوق الاثنين، فقال عمر ﵁ في ثواب الله سبحانه: نعم العدلان ونعمت العلاوة، فأنعم به من شيء ما تفضل الله وتكرم على عبده فأعطاه من هداية ومن فضل منه سبحانه ومن صلاة عليه ﴿أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة:١٥٧]، فيصلي عليهم ويثني عليهم ويرحمهم ويهديهم .
قوله: (إنا لله وإنا إليه راجعون)، تأمل هذه الكلمة: فهذا الإنسان قد توفي، وهذه النعمة سلبت وأخذت، وهذا المال قد ضاع، ونحن أيضاً سنلقى نفس المصير (إنا لله)، فنحن ملك لله سبحانه، والله خلقنا وهو يملكنا، ونحن عبيده سبحانه ﵎، ثم المرجع إلى الله سبحانه، ولا بد وأن نذوق جميعاً الموت فنرجع إلى الله سبحانه ﵎.
ثم يدعو المصاب والمبتلى بما جاء في حديث النبي ﷺ : (اللهم اؤجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها)، ولينتظر الخير من وراء ذلك.
стр. 920
شرح حديث (أقبضتم ولد عبدي ؟)
عن أبي موسى الأشعري ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: (إذا مات ولد العبد قال الله تعالى لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟)، فلله سبحانه أن يبتلي من يشاء من عباده بما يشاء سبحانه، لا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه، ولا غالب لأمره ﵎، والأصل أن الإنسان لا يتمنى المصيبة، كما قال النبي ﷺ : (لا تتمنوا لقاء العدو ولكن إذا لقيتموه فاثبتوا)، لكن إذا نزلت المصيبة فعلى الإنسان أن يتصبر ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:٢٠٠].
ففي الحديث: أن العبد إذا ابتلاه الله فمات له ولد -ابنه أو ابنته- فالله يسأل الملائكة وهو أعلم سبحانه ﵎، ويريد أن يباهي بعبده هذا أمام الملائكة، وأن هذا العبد يستحق الرحمة، ويستحق المدح، فأنتم قلتم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ؟﴾ [البقرة:٣٠]، لكن انظروا ما ردة فعله؟ فالله يسأل الملائكة وهو أعلم سبحانه، يقول: (قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم.
فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده؟)، فأغلى شيء عند الإنسان هو ثمرة قلبه وفؤاده، أقبضتموه؟ فتقول الملائكة: نعم.
فيقول الله وهو أعلم سبحانه: (فماذا قال عبدي؟) وهو أعلم سبحانه، ولكن أراد سبحانه أن يباهي بعبده هؤلاء الملائكة، فتقول الملائكة لله ﵎: (حمدك واسترجع) يعني: قال: الحمد لله، إنا لله وإنا إليه راجعون، فيقول الله سبحانه ﵎: (ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة وسموه بيت الحمد)، وهذا علامة على حمد هذا العبد وعلى صبره، فيجعل الله له بيتاً يليق بصبره على هذه المصيبة العصيبة، وليس أي بيت ولكن بيت في الجنة ومن قصور الجنة العظيمة، بل ميزوا هذا البيت بهذه التسمية: بيت الحمد، فمن يحمد الله سبحانه ﵎ والله يعطيه الأجر العظيم.
فإذا أنعم الله على عبد بنعمة فحمده العبد كان هذا الحمد من العبد أحب إلى الله من النعمة التي أعطاها لعبده، وهذا كله من فضل الله سبحانه ﵎، وهذه نعمة وهذه نعمة، وكله من الله، فالله هو الذي رزق العبد المال والطعام والشراب والولد والإيمان، وهو الذي وفق العبد لهذه الكلمة، ودله عليها، وهداه إليها، فإذاً نعمتان من الله: نعمة الرزق، ونعمة الحمد.
فالعبد يقول: الحمد لله، فينسب الله ذلك للعبد، وإن كان هو صاحب هذا التوفيق سبحانه ﵎، ويقول: هذا الذي من العبد أحب إلي من هذه النعمة التي أعطيتها له، فإذا كان الحمد لله سبحانه ﵎ له هذه المزية العظيمة، فكيف يكون ثواب الحمد ببيت يسمى بيت الحمد عند الله؟! إن (الحمد إذا قورن بثواب الذكر كان الحمد أعلى في الثواب، فالعبد يقول: سبحان الله، فيؤجر عشرين حسنة، ويقول: الله أكبر، فيؤجر عشرين حسنة، ويقول: الحمد الله، فيؤجر ثلاثين حسنة.
فإذا مات للإنسان ولد أو حبيب وقال: الحمد لله، إنا لله وإنا إليه راجعون؛ فإن الله يجعل لهذا الذي توفي ابنه بيتاً في الجنة ويسميه بيت الحمد، ويباهي الملائكة بهذا العبد الذي حمد الله واسترجع.
стр. 921
شرح حديث: (ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه)
عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: (يقول الله تعالى: ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة).
فالصفي المقصود به: الذي تحبه وتصطفيه من الناس، سواء كان ابنك، أو أباك، أو أخاك، أو صديقك، أو امرأتك، الصفي هو الذي يقربه الإنسان إلى قلبه، فيحبه ويحزن ويجزع عليه، فإذا قبضه الله ﵎ وصبر العبد على ذلك.
واحتسب وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، فهذا العبد له عند الله الثواب العظيم، فله الجنة، فلا يعطيه مالاً أو رزقاً في الدنيا، فهو يستحق أعظم من ذلك، (ليس له عندي إلا الجنة)، فإذا قورنت جميع أنواع الإثابة من الله كان أعظم ما يكون ما جعله الله في الدار الآخرة، الجنة والنظر إلى وجهه سبحانه ﵎ ورضاه.
إذا ابتلي الإنسان المؤمن بمصيبة من مصائب الدنيا فليصبر وليتصبر وليتسلى في ذكر الله سبحانه، وذكر صبر رسول الله ﷺ .
стр. 922
شرح حديث: (إن لله ما أخذ وله ما أعطى)
في الصحيحين من حديث أسامة ﵁ قال: (أرسلت إحدى بنات النبي ﷺ إليه تدعوه وتخبره أن صبياً لها أو ابناً في الموت)، وهذا ابن بنت النبي ﷺ ، والإنسان ابنه غال عليه، وابن ابنه وابن ابنته كذلك، ولا شك أن الإنسان إذا علم أن ابن ابنته يموت فإنه يذهب إليها سريعاً، فيواسيها فيما هي فيه من المصيبة، لكي تصبر وتتصبر، فهي ترسل للنبي ﷺ ﵂ لكي يأتي يصبرها فيما هي فيه من موت ابنها على يديها.
فقال النبي ﷺ لمن جاء إليه: (ارجع إليها فأخبرها أن لله تعالى ما أخذ وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فمرها فلتصبر ولتحتسب)، أرسل إليها ليعودها على الصبر، فاصبري ولا تنتظري من أحد أن يقف بجوارك، ثم أرسلت إليه تحلف عليه ﷺ أن يأتي إليها، فذهب إليها وصبرها بقوله ﷺ : (لله ما أخذ وله ما أعطى)، فالعطاء من الله، وإذا أخذ الله فقد أخذ ما يملكه سبحانه ﵎، فلله كل شيء، فما أخذه فهو له، وما أبقاه أيضاً فهو له سبحانه، وكل شيء عنده بأجل مسمى، والمعنى: كوني موجوداً لن يزيد في عمر هذا الغلام ولن ينقصه، فكل شيء بكتاب وأجل مكتوب عند الله سبحانه ﵎، (وكل شيء عنده بأجل مسمى، فمرها فلتصبر ولتحتسب).
ثم ذهب النبي ﷺ وحمل الغلام ونفس الغلام تخرج، فبكى النبي ﷺ وذرفت عيناه، وتعجب له الصحابة، قالوا: ما هذا يا رسول الله! أنت تنهانا عن النواح على الميت وأنت تبكي عليه، فالنبي ﷺ قال: (إنها رحمة يجعلها الله في قلب من يشاء من عباده)، إذاً: كونه يبكي وتسيل دموعه ﷺ هذا لا ينافي أنه يصبّر ﷺ ، ويصبر ابنته على ما ابتلاها الله به، فالبكاء وحزن القلب لا ينافي الصبر، وإنما الذي ينافيه هو الصراخ والنواح والعويل.
стр. 923
جواز البكاء على الميت بغير ندب
يقول الإمام النووي ﵀: [باب جواز البكاء على الميت بغير ندب ولا نياحة].
أي: يبكي من غير أن يندب الميت، ويذكر محاسنه، وينوح عليه، ويرفع صوته بالبكاء عليه، فهذا لا يجوز لا من رجال ولا من نساء.
والنياحة محرمة، وقد أتت فيها أحاديث كثيرة عن النبي ﷺ ، وأيضاً البكاء على الميت بعضه يدخل في الحرام، وهو البكاء بطريقة النياحة، أو بشيء فيه اعتراض على قضاء الله وقدره، وأما البكاء الذي لا يتجاوز دموع العين فلا شيء في ذلك.
عن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ عاد سعد بن عبادة ومعه عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود ﵃، فبكى رسول الله ﷺ ، فلما رأى القوم بكاء رسول الله ﷺ بكوا، فقال ﷺ : (ألا تسمعون؟ إن الله لا يعذب بدمع العين، ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا أو يرحم، وأشار إلى لسانه)، صلوات الله وسلامه عليه.
عاد النبي صلوات الله وسلامه عليه سعد بن عبادة، وكأنه أخبر بشيء فبكى ﷺ ، فقالوا له في ذلك، وجاء في حديث أسامة السابق أن النبي ﷺ قال عن الدموع التي سالت على ابن ابنته صلوات الله وسلامه عليه، قال: (هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء).
أيضاً: (دخل النبي ﷺ على ابنه إبراهيم وهو يجود بنفسه، فجعلت عينا رسول الله ﷺ تذرفنان)، فهذا ابن النبي ﷺ مات والنبي ﷺ قد جاوز الستين من عمره ﷺ ، وابنه صغير له ثمانية عشر شهراً أو دون السنتين، فالنبي ﷺ بكى، وذرفت عيناه، فقال له عبد الرحمن بن عوف: (وأنت يا رسول الله! فقال له النبي ﷺ : يا ابن عوف! إنها رحمة، ثم أتبعها بأخرى)، يعني: نزلت دموع النبي ﷺ ، فقال: (إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون).
هذا منه صلوات الله وسلامه عليه بيان أنه رحيم القلب، وأنه يتجلد ويصبر ولكنه لا يمثل ﵊، فالإنسان الذي يبكي ليس مطلوباً منه أن نقول له: لا تبك واضحك، فهذا ليس مطلوباً منه في هذا الموقف، وإنما المطلوب أنه لا يجزع، وأن يكون رحيماً، ولكن لا يصل إلى درجة أنه يرفع صوته ويتضجر أو يصرخ على الإنسان المتوفي، إذاً: فتحرم النياحة على الميت من رجال أو نساء.
стр. 924
من أمور الجاهلية
في الباب أحاديث عن النبي ﷺ ، منها: ما رواه الإمام مسلم من حديث أبي مالك الأشعري قال النبي ﷺ : (أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة).
يعني: أربع خصال مما كان عليها أهل الجاهلية لا تتركها الأمة، والمقصود بعض الأمة أو كثير منهم لن يتركوا ذلك، وهذه من أمور الجاهلية المحرمة.
стр. 925
الفخر بالأحساب
(الفخر بالأحساب) أي: أن الإنسان يفخر بحسبه، وحسب الناس إما أنسابهم أبي فلان وجدي فلان، أو أموالهم أنا أغنى منك، وأنت أصلك فقير، فالإنسان يفخر بحسبه وبنفسه على الخلق، وربنا يذكر لنا: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣]، فالإنسان المؤمن يرى أنه واحداً من الناس، ولا فرق بينه وبينهم، وكرمه إنما يظهر يوم القيامة إن قبل الله عمله، وأما في الدنيا فلا تفتخر بشيء؛ فلا تدري من الذي يقبله الله أنت أم هو؟ وإنما تعلم ذلك يوم القيامة، ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣].
стр. 926
الطعن في الأنساب
(والطعن في الأنساب) أي: أن الإنسان يشتم الآخر ويطعن في نسبه: أنت لست ابن فلان، أنت أبوك كان كذا وكان كذا، فيطعن في نسب الإنسان، وكان أهل الجاهلية يعير بعضهم بعضاً بذلك، وأهل الجاهلية كان الزنا عندهم مباحاً، والزنا قسمان: قسم علانية: فهناك فاجرات معروفات في أماكن عليها أعلام ويذهب إليها الرجال، وهذا أمر عادي جداً عندهم، وقسم في السر، وكأنهم كانوا يرون أن زنا العلانية شيء قبيح، وزنا السر يسمونه نكاح السر، ويستبيحونه ويعتبرونه أفضل من العلانية، ثم جاء الإسلام فحرم هذا كله.
وكان أهل الجاهلية يذهب الرجل منهم إلى المرأة يواقعها، ويذهب إليها غيره وغيره وغيره، وبعد أن تلد تنسبه إلى من تريد منهم، ولا يستطيع أن ينكر نسبته، ثم لما يكبر الأولاد يشتم بعضهم بعضاً، ويرمي بعضهم بعضاً بما كان معلوماً في الجاهلية.
فيشتم الإنسان الآخر بمثل ذلك، فيكون قد رجع لما كان في الجاهلية، وربما أهل الجاهلية كانوا يعلمون أن فلاناً ليس أباً لفلان فيشتمونه بهذا الشيء، لكن أنت في الإسلام قد حرم الله عليك ذلك، والأصل في المسلم أنه طاهر عفيف، فكيف تستبيح أن تشتم آخر وتطعن في نسبه؟ لا يحل لمسلم أن يصنع ذلك، فهذا من أمر الجاهلية.
стр. 927
الاستسقاء بالنجوم
(والاستسقاء بالنجوم)، يقول: في اليوم الفلاني ستأتي نجمة كذا وسيأتينا المطر، وكأنه ينسب المطر إلى الأنواء، وهناك فرق بين أن يقال: مطرنا في نوء كذا، وأن يقال: مطرنا بنوء كذا، مثلما تقول: مطرنا في شهر أكتوبر أو يناير، فهذا زمن، ومعروف عند الناس أن في الزمن الفلاني ستمطر، وهذا لا شيء فيه، أما أن يقول: إن الإبراج والنجوم أتت لنا بالمطر فهذا لا يجوز لمؤمن أن يقوله.
والاستسقاء بالنجوم هو: طلب السقيا من النجوم، فلما ينزل النجم الفلاني في المكان الفلاني سيأتي المطر.
стр. 928
النياحة
(والنياحة)، النياحة من النوح، وهي: رفع الصوت بالبكاء على الميت، فتصيح المرأة ويصيح الرجل وينوح ويترنم بالصوت؛ بكاءً على الميت.
وقال النبي ﷺ : (النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب)، فالمرأة النائحة ضعيفة، ومع ذلك لو ناحت تأتي يوم القيامة على هذا الحال، وكذلك الرجل لو ناح فهذه أشد مصيبة، فلما يعبر بالمرأة في الحديث فإن الرجل أشد في ذلك، فالمرأة النائحة تأتي يوم القيامة وعليها سربال، والسربال هو الجلابية التي تلبسها المرأة وتتسربل بها، وهذا السربال يكون من قطران تحترق به يوم القيامة، وهذه المرأة وهي في نار جهنم -والعياذ بالله- يكون سربالها من قطران، وترتدي فوقه رداء من جرب، والجربان لا يطيق نفسه، فيحك جسده في الجدران وفي الأرض وبأظافره، وبأي شيء أمامه، فهذه المرأة النائحة تأتي يوم القيامة على هذه الصورة القذرة تعذب في النار.
روى الإمام مسلم من حديث أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: (اثنتان من الناس هما بهم كفر -هذان خصلتان في الناس كفر-: الطعن في النسب، والنياحة على الميت).
وعن أبي هريرة فيما رواه ابن حبان وقال الألباني: إسناده حسن: لما مات إبراهيم بن رسول الله ﷺ صاح أسامة بن زيد ﵁، أسامة حب رسول الله ﷺ ، فالنبي ﷺ يحبه ويحب آل بيته ﵊، وقد كان أبوه ابناً للنبي ﷺ ، وهو وأبوه من أحب الناس إلى النبي ﷺ ، فـ أسامة يظهر المحبة للنبي ﷺ فناح على ابنه ورفع صوته بالبكاء، فقال النبي ﷺ : (ليس هذا مني) بكى النبي ﷺ بالدمع، وأما أن ترفع صوتك بالصياح فلا (ليس هذا مني)، وليس بصائح حق، بل هذا الصياح باطل، وقال: (إن القلب ليحزن، والعين تدمع، ولا نغضب الرب) يعني: كون العين تدمع والقلب يحزن فلا تغضب ربك بكلام أو بشيء لا يليق ولا يجوزه الرب سبحانه.
стр. 929
عذاب الميت ببكاء أهله عليه
جاء عنه ﷺ فيما رواه عمر ﵁، قال: (إن الميت ليعذب ببعض بكاء أهله).
وهذا فيه قصةً وهي: أن عمر بن الخطاب ﵁ لما طعنه الملعون أبو لؤلؤة المجوسي ما كان من السيدة حفصة ﵂ مع عظيم المصيبة إلا أن رفعت صوتها بالبكاء، فقال عمر ﵁: يا حفصة! أما سمعت رسول الله ﷺ يقول: (المعوَّل عليه يعذب)، وعول صهيب ﵁ ورفع صوته بالبكاء على عمر ﵁ يقول: وأخاه واصاحباه! فقال عمر: يا صهيب! أما علمت أن المعول عليه يعذب؟ وفي رواية: (إن الميت ليعذب ببعض بكاء أهله عليه)، وفي رواية: (يعذب في قبره)، وفي رواية: (يوم القيامة بما نيح عليه).
ففيه: أن الإنسان الذي يرفع صوته بالبكاء والصياح والعويل على الميت يتسبب في عذاب الميت في قبره، وفي عذابه يوم القيامة.
والجمهور على أن ذلك في الإنسان الذي يوصي بذلك، أو يعلم من حال أهله أنهم يفعلون ذلك فلا ينهاهم عنه، فهو يعذب؛ لأنه لم ينههم في حياته، وهو يعلم أن ذلك من خصالهم.
فيجب على المسلم أن يوصي أهله بألا ينوحوا عليه ولا على غيره، ويحذرهم من ذلك.
والمحمل الثاني: أن الميت يعذب ويتألم بسبب ذلك، فإذا مات إنسان مؤمن وناحت عليه امرأته، وقد نهاهم عن ذلك فلا عذاب عليه في قبره، ولا في يوم القيامة، ولكن الميت يتألم ببكاء أهله، وبصياح الحي عليه، فيكون هذا عذاباً معنوياً ونفسياً للميت.
نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 930
شرح رياض الصالحين - ما جاء في النهي عن النياحة وما جاء في حسن الخاتمة
جاءت الشريعة الإسلامية كاملة شاملة لكل نواحي حياة الإنسان، من بداية حياته إلى أن يغيب في قبره، وحتى بعد دفنه، فرتبت الشريعة أحكاماً على ما يتبع ذلك، فنهى النبي ﷺ عن النعي المذموم للميت وبين حرمته، وأوضح الجائز منه، كما أخبر ﷺ عن علامات يستدل بها على أن الميت من أهل الخير، وأيضاً علامات تدل على حسن الخاتمة لهذا الميت، من غير قطع بالغيب، فليدع المسلم ربه بحسن الخاتمة.
стр. 931
عذاب الميت ببعض بكاء أهله عليه
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.
أما بعد: فقد ورد أنه يجوز البكاء على الميت إذا كان بدمع العين، ولا يجوز النواح والصراخ وندب الحظ ورفع الصوت في ذلك.
وقد جاءت في ذلك أحاديث عن النبي ﷺ يذكر فيها أن الميت قد يعذب ببعض بكاء أهله عليه.
فالميت إذا توفي وبكي عليه فإن بعض هذا البكاء لا يتأذى به الإنسان المتوفى، وقد يتأذى به إذا كان من باب الصراخ والعويل.
والأذى إما أن يكون عقوبة من الله يعاقب به هذا المتوفى، وإما أن يكون بإيلام نفس هذا الإنسان بما يسمعه من بكاء أهله عليه.
فإذا كان هذا الميت وسط بيئة تفعل ذلك كما كان يفعله أهل الجاهلية، أو كان يعلم من حال أهله أنهم يندبون ويصوتون -أي: يرفعون أصواتهم بالصراخ على الميت- فلم ينههم عن ذلك قبل وفاته فإنه يعاقب على ذلك؛ لأنه لم يأمرهم بالمعروف ولم ينههم عن المنكر في حال حياته.
وأما إن كان هذا المتوفى لا يعلم من حال أهله ذلك فإنه يعذب ببكاء أهله عليه بما يجد من الألم بسبب هذا البكاء.
والميت قد يشعر بأشياء كما ذكر النبي ﷺ ، فمنها: انصراف أهل الميت عن القبر، وإنه ليسمع قرع نعالهم.
فكما أن ربنا يسمعه هذا الشيء، فقد يسمعه صراخهم عليه سماعاً يليق بمثل هذه الحالة، فيسمع ويتأذى ببكائهم.
ولذلك فإنه مما ينبغي على المسلم أن لا يؤذي الميت أبداً بصراخ أو بعويل أو بندب، أو نحو ذلك.
стр. 932
حكم لطم الخدود وشق الجيوب جزعاً على الميت
مما حرمت الشريعة لطم الخدود وشق الجيوب، وقد بينت أنها من أفعال أهل الجاهلية، فإنهم كانوا إذا مات لهم ميت صرخوا عليه وندبوه ورفعوا أصواتهم، ثم تلطم النساء وجوههن، وقد يلطم الرجال كذلك، وقد يضع بعضهم التراب على رأسه وهذا كله حرام، ويعذبون عليه يوم القيامة.
وقد ورد أن النبي ﷺ قال -كما في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن ابن مسعود ﵁: (ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية).
فهؤلاء ليسوا من أهل الإسلام الذين هم على طريقة النبي ﷺ وعلى دينه وسنته، فكأنه ﵊ يبرأ من هؤلاء، وأنهم لا يستحقون أن ينسبوا إليه.
فيقول: (ليس منا من لطم الخدود)، وهذا عام في الرجال والنساء، وأيضاً شق الجيوب عام في الرجال وفي النساء.
ومعنى شق الجيوب: تمزيق الثياب، وجيب القميص هو: المكان الذي فيه أزرار، أو الذي تدخل منه رأسك في القميص، فأن يشق هذا الجيب أو يمزق الثوب، مما لا يحل لأحد أن يفعله في مصيبة تنزل به.
стр. 933
النهي عن العصبية وبيان قبحها
جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية)، ودعوى الجاهلية: هي التمييز بين الناس بعناصرهم، فهؤلاء من قبيلة كذا، وهؤلاء من قبيلة كذا، ودعوى الجاهلية هذه هي التي قال فيها النبي ﷺ : (دعوها فإنها منتنة).
وقد حصل شجار بين رجل أنصاري وآخر مهاجري، فقال المهاجري: يا للمهاجرين، وقال الأنصاري: يا للأنصار، أي: أن هذا يستنصر بمن هم معه من المهاجرين، وذاك يستنصر بمن هم معه من الأنصار.
فقال النبي ﷺ : (دعوها فإنها منتنة).
فالإنسان المؤمن لا ينتصر لصاحبه لكونه من أهله أو من قبيلته أو من بلده، فإن هذه من دعوى الجاهلية.
وإنما ينصر أخاه ظالماً أو مظلوماً، فإذا كان له الحق أخذ له، وإذا كان عليه الحق أخذه منه؛ فيكون مع الحق دائماً، ولا يكون مع فلان لأنه من بلده، أو قبيلته أو حيه، أو شارعه، فإن هذه من دعوى الجاهلية؛ لأنه ينصر صاحبه ولو كان على الباطل؛ دائماً المهم كونه من قبيلته أو بلده.
стр. 934
البراءة من الصالقة والحالقة والشاقة
ومن الأحاديث التي جاءت في هذه المسألة حديث أبي بردة بن أبي موسى في الصحيحين قال: (وجع أبو موسى - يعني: مرض- قال: وجع وجعاً فغشي عليه -يعني: أغمي عليه- ورأسه في حجر امرأة من أهله، فصاحت امرأة من أهله فلم يستطع أن يردها أو أن يرد عليها شيئاً، فلما أفاق قال: أنا بريء ممن برئ منه رسول الله ﷺ ، فإنه ﷺ برئ من الصالقة والحالقة والشاقة).
فـ أبو موسى لما غشي عليه ظنوا أنه مات، فصوتت واحدة من نسائه، فلما أفاق قال: أنا بريء ممن فعلت هذا الشيء، وممن برئ منه النبي ﷺ ، فإن النبي ﷺ قال: (أنا بريء من الصالقة والحالقة والشاقة).
والصالقة أو السالقة بالصاد أو بالسين بمعنى: رافعة الصوت، أي: التي تصوت وترفع صوتها بالبكاء والنحيب والصراخ.
والحالقة: هي التي تحلق شعرها عند المصيبة، فتمزق شعرها، أو تحلقه عند نزول المصيبة.
والشاقة: هي التي تمزق ثيابها عند نزول الموت، أو نزول المصيبة بها.
стр. 935
النهي عن خمش الوجوه والدعاء بالويل وشق الجيب ونشر الشعر
وفي بيعة النبي ﷺ للنساء المهاجرات والأنصار قالت امرأة من المبايعات: (كان فيما أخذ علينا رسول الله ﷺ في المعروف الذي أخذ علينا نعصيه فيه، وألا نخمش وجهاً، ولا ندعو ويلاً، ولا نشق جيباً، وألا ننشر شعراً) فهذا مما أخذ عليهن في البيعة.
وهذه أشياء خطيرة جداً تقع بسببها المرأة في رد قضاء الله سبحانه، وتقع في الكفر بسبب ذلك، والعياذ بالله! فتقع في كفر العمل، وربما كفر الاعتقاد إن اعتقدت أن هذا يحل، وأنه يلزمها أن تصنع ذلك لميتها ولغيره مع نهي النبي ﷺ عن ذلك، فكأنها ترد القضاء والقدر ولا ترضى به فتقع في ردة والعياذ بالله؛ لأنها تسخط على ربها بذلك.
وقولها: (ألا نخمش وجهاً)، يعني: ألا تمزق وتدمي وجهها بأظفارها.
وقولها: (ولا ندعو ويلاً)، أي: كأن تقول: يا ويلي! فكأنها تنادي المصيبة وتقول: يا مصيبة احضري، ويا عذاب احضر، فهي تنادي العذاب، والملائكة تقول: آمين، فقد يحضر لك عذابك، وتستحقين أن تعذبي عند الله ؛ لأن الملائكة تؤمن على ما يدعو الإنسان به على نفسه أو لنفسه في مثل هذه الحالة.
وقولها: (ولا نشق جيباً)، يعني: ألا تشق المرأة ثيابها، ولا تنشر شعرها، وتظهره أمام الناس بدعوى أنها حزينة على المتوفى عندها.
стр. 936
بيان حكم النعي
كذلك مما منع النبي ﷺ منه: النعي الجاهلي، فقد كان أهل الجاهلية إذا مات منهم الميت قام إنسان فينادي في وسط الناس، ويمر على القبائل وينادي ويقول: نعائي فلان، نعائي فلان.
أي: أنعي فلاناً الذي توفي، وأظهر خبر وفاته، وقد يزيد على ذلك بأن فلاناً من صفاته كذا وكذا، فيمدح فلاناً هذا.
فهذا هو نعي الجاهلية، وقد نهى عنه النبي ﷺ .
والنعي لغة: هو الإخبار عن موت إنسان؛ وقد فعله النبي ﷺ عندما أخبر عن موت بعض أصحابه، فقد أخبر عن موت النجاشي، وأخبر عن موت الثلاثة الأمراء الذين كانوا في غزوة مؤتة، فنعى النبي ﷺ إلى أصحابه جعفر بن أبي طالب وزيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة، وقال: أخذ الراية فلان فقتل، ثم أخذ الراية فلان فقتل، ثم أخذ الراية فلان فقتل، ثم ذرفت عيناه ﵊، فهو كان يدعو لهم ويخبر أصحابه حتى يستغفروا ويدعوا لهم، ويعلمهم بما آل إليه خبرهم.
فنعي النبي ﷺ هنا بمعنى الإخبار، ومثل هذا جائز، فإنه إذا توفي إنسان فذكرنا في المسجد أنه توفي فلان من أجل أن يجتمع الناس في صلاة الظهر، أو في صلاة العصر فيصلون عليه، فلا مانع من ذلك.
أما النعي بأن يخرج المنادي وينادي في الناس: بأن فلاناً الذي توفي هو الذي قريبه فلان، والذي صفته كذا، والذي فيه كذا، والذي كان كذا، ويذكر له من المدائح أشياء، لعل أكثرها يكون كذباً، وقد يكون صادقاً، ويظهر أن له منصباً وله أهمية ما، وماذا سينفعه المنصب والأهمية عند الله ؟ وإنما الذي سينفعه أن يدعو له المسلمون، ويصلي عليه الموحدون الذين يعرفون الله سبحانه فيشفعهم الله فيه.
أما الذين يذكرون فلاناً الذي كان كذا والذي كان كذا، فإن المنصب لا ينفعه عند الله، بل يكون أدعى لشدة الحساب على هذا الإنسان عند الله .
إذاً: فنعي الجاهلية هو: الإظهار في كل مكان -في الأسواق وفي غيرها- موت فلان من الناس؛ من أجل تكثير الناس، كمظهر من المظاهر.
وقد نهى النبي صلى الله عليه وسل عن ذلك، فأما إخبار المسلمين بذلك بغرض أن يترحموا عليه، ويدعوا له، ويستغفروا له، وأن يحضروا لصلاة الجنازة عليه، فهذا هو النعي الجائز الذي فعله النبي ﷺ .
стр. 937
علامات حسن الخاتمة
هناك علامات لحسن خاتمة الإنسان ذكر شيئاً منها الشيخ العلامة الألباني ﵀ في كتابه: أحكام الجنائز، فقد ذكر عدداً من العلامات التي إذا حدثت للإنسان فلعل ذلك يكون من حسن خاتمته، من ذلك:
стр. 938
النطق بالشهادتين عند الموت من علامات حسن الخاتمة
النطق بالشهادتين في حال السياق أو في حال خروج الروح، وهذا جاء عن النبي ﷺ في أحاديث، منها: قوله ﷺ : (من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة).
فالإنسان المؤمن الذي يقول هذه الكلمة في حياته ويكثر من قولها تكون سهلة على لسانه في حال وفاته، أما الإنسان الذي يكون بعيداً عن ذلك فلا يقدر أن يقولها إلا أن يشاء الله .
ولذلك جاء في حديث عن النبي ﷺ عن موت الفجأة أنه قال فيه: (موت الفجأة أخذة أسف) وفي رواية: (للفاجر)؛ لأن الإنسان الفاجر يقبضه الله فجأة فيموت على فجوره، وقد لا يقول: لا إله إلا الله، فموت الفجأة قد يكون راحة للإنسان المؤمن، وأما الفاجر فإنه لا يمهل حتى يتوب إلى الله سبحانه، وحتى ينطق بهذه الكلمة.
ومن الأحاديث التي جاءت في ذلك: حديث طلحة بين عبيد الله ﵁ وذلك أنه رأى عمر طلحة بن عبيد الله ثقيلاً، فقال: ما لك يا أبا فلان؟! لعلك ساءتك امرأة عمك! قال: لا، وأثنى على أبي بكر، إلا أني سمعت من رسول الله ﷺ حديثاً ما منعني أن أسأله عنه إلا القدرة عليه حتى مات.
طلحة بن عبيد الله أحد العشرة المبشرين بالجنة رضي الله ﵎ عنه سمع من النبي ﷺ شيئاً، فأشكل عليه، فكان يريد أن يسأل عنه النبي ﷺ ، فمات النبي ﷺ ولم يسأله طلحة رضي الله ﵎ عنه.
فلما توفي النبي ﷺ ثقل ذلك على طلحة، فسأله عمر: ما هو هذا الأمر؟ فقال: سمعته يقول: (إني لأعلم كلمة لا يقولها عبد عند موته إلا أشرق لها لونه، ونفس الله عنه كربته) فالنبي ﷺ يقول: (إني أعرف كلمة) والمعنى: اسألوني عنها، ففي هذا نوع من التشويق للناس، فـ طلحة قال: يا ليتني سألت النبي ﷺ عنها، فقال عمر: إني لأعلم ما هي، هي: لا إله إلا الله، فقال طلحة: صدقت؛ هي والله! الكلمة التي أنا ما سألت عنها النبي ﷺ ووفقك الله لمعرفتها.
стр. 939
الموت بعرق الجبين
من علامات حسن الخاتمة أيضاً ما جاء في حديث عن النبي ﷺ أنه قال: (موت المؤمن بعرق الجبين) رواه الإمام أحمد في مسنده، فكأنه يشدد على الإنسان المؤمن في حال وفاته، وهذه من رحمة رب العالمين .
فيتصبب المؤمن عرقاً من شدة كرب الموت، وهذا ليس عذاباً من الله له، وإنما تكفير لخطايا قد تكون على الإنسان لم يبلغ عمله أن يكفرها، أو رفع لدرجات لم يبلغ عمله أن يصل إليها.
ولذلك شدد على النبي ﷺ في مرض وفاته، فكان أمر الموت عليه ثقيلاً، وكان ﵊ يكرب كرباً شديداً ويقول لابنته: (لا كرب على أبيك بعد اليوم) -يعني: هذا هو آخر كرب في هذه الدنيا، ولا كرب على أبيك -صلوات الله وسلامه عليه- بعده.
وجاء عن بريدة بن الحصيب ﵁ أنه كان بخراسان فعاد أخاً له وهو مريض، فوجده في حال الموت وإذا هو يعرق جبينه عرقاً شديداً، فقال: الله أكبر! سمعت رسول الله ﷺ يقول: (موت المؤمن بعرق الجبين).
وهذه الأشياء عندما نقول: إنها من علامات حسن الخاتمة فليس المعنى: أنا نشهد لصاحبها بأنه في الجنة؛ لأنه لا يجوز أن نشهد لإنسان بعينه بأنه في الجنة أو في النار، فهذا من علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله ، ولكن غاية ما نقول: نحسبه على خير، ونحسب أنه من حسن خاتمته أن فعل الله به كذا وكذا.
فيبقى رجاء الخير وحسن الظن في صنع الله بعبده.
стр. 940
الموت ليلة الجمعة ونهار الجمعة من علامات حسن الخاتمة
أيضاً من علامات حسن الخاتمة: الموت ليلة الجمعة أو نهارها، فالموت ليلة الجمعة يجعل الله فيها مزية لصاحبه إذا كان مؤمناً، أما الفاجر والكافر فلا ينفعه شيء سواء مات في يوم الجمعة أو يوم الأحد أو في أي يوم، ولكن هذا للمؤمن زيادة فضل من الله .
وقد جاء في الحديث: (ما من مسلم يموت يوم الجمعة أو ليلة الجمعة إلا وقاه الله فتنة القبر) فالذي يموت في هذا الوقت فإن الله يقيه فتنة القبر.
وليس معنى هذا أن الذي لا يموت في هذا الوقت فقد ساءت خاتمته؛ فإن النبي ﷺ مات في يوم الإثنين، وإنما معنى هذا: أنه من زيادة فضل الله على من يشاء من عباده؛ ليقيه من فتنة القبر عذابه.
стр. 941
الشهادة في سبيل الله
أيضاً من علامات حسن الخاتمة: أن يموت الإنسان شهيداً في سبيل الله ؛ فإن من علامات حسن خاتمة الإنسان أن يتوفاه الله شهيداً على أي صورة من صور الشهادة التي ذكرها النبي ﷺ في عدة أحاديث، وأعظم الشهادة: الشهادة في ساحة القتال، فإذا قاتل الإنسان في سبيل الله مقبلاً غير مدبر، يكر ولا يفر، محتسباً يطلب الأجر من الله لا يبتغي بذلك المنظر عند الناس أو الثناء منهم ثم قتل فإن هذا من علامات حسن الخاتمة.
قال الله : ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٦٩ - ١٧١].
وجاء في الحديث الذي رواه الترمذي وصححه من حديث عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (للشهيد عند الله ست خصال: يغفر له في أول دفعة من دمه) أي: مجرد ما يُصاب في مقتل تخرج أول دفعه من الدم فيرى أن ربه سبحانه قد غفر له.
قال: (ويرى مقعده من الجنة) أي: يريه الله سبحانه منزله في الجنة.
قال: (ويجار من عذاب القبر، ويأمن الفزع الأكبر) أي: يجيره الله من عذاب القبر، ويأمن الفزع الأكبر يوم القيامة، فيفزع الخلق والشهيد لا يفزع.
قال: (ويحلى حلية الإيمان) أي: يحليه الله بحلية الإيمان.
قال: (ويزوج من الحور العين، ويشفع في سبعين إنساناً من أقاربه) فهذا هو فضل الشهيد عند الله ، نسأل الله أن يبلغنا منزلته.
أيضاً مما جاء في فضل الشهادة في سبيل الله ما رواه النسائي عن رجل من أصحاب النبي ﷺ أنه قال: (يا رسول الله! ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلا الشهيد؟ فقال ﷺ : كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة) أي: تكفيه الفتن التي كان فيها وهو في القتال، فإن الشيطان كان يحدثه: أن الأعداء سيقتلونك، أو سيضيع مالك، ولن ترجع إلى أهلك، أو سيحصل لك كذا.
وهو مع ذلك يقاوم هذا كله، ويقبل غير مدبر، وغير راجع عن أمر الله ﵎، هذا فيما لو قتل في المعركة، أما لو أن إنساناً قاتل في سبيل الله ولم يصبه ذلك ورجع فمات على فراشه فقد جاء في ذلك حديث جميل عن النبي ﷺ وهو في صحيح مسلم عن سهل بن حنيف قال: قال النبي ﷺ : (من سأل الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه).
أي: أن الإنسان الذي يسأل الله الشهادة وهو صادق فيها، وليس مجرد مظهر أمام الناس، ويسأل الله دائماً بأن يجعله شهيداً وأن يرزقه إياها، ويصدق ذلك في قلبه، ويرجو هذه المنزلة العظيمة، فهذا يبلغه الله منازل الشهداء حتى ولو مات على فراشه.
فإن فضل الله عظيم، فالإنسان الذي يتمنى الشهادة ويحاول أن يصل إليها ولا يصلها فإن الله بفضله يوصله وإذا أراد الإنسان أن يتصدق بصدقة ثم وجد أنه محتاج لهذا المال فإنه يؤجر عليها صدقة كاملة، فإذا أمضاها ودفعها فإنها تضاعف له إلى عشر حسنات، وإلى ما يشاء الله من فضله.
ولو حدث نفسه بمعصية ثم استغفر الله منها، فإنه تكتب له حسنة إذا امتنع عنها من خوف الله ﵎.
فهذا هو فضل الله يوصل الإنسان بنيته وبخوفه منه إلى مرتبة عظيمة، وإلى أجر كريم منه سبحانه.
ولذلك من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه.
стр. 942
أنواع الشهداء
ومن الأحاديث التي جاءت عن النبي ﷺ في الشهيد، فيمن هو؟ الحديث الذي رواه الحاكم والبيهقي عن عمر وغيره قال: قال النبي ﷺ : (ما تعدون الشهيد فيكم؟ قالوا: يا رسول الله! من قتل في سبيل الله فهو شهيد.
فقال: إن شهداء أمتي إذاً لقليل -يعني: أن الشهداء في الأمة قليلون إذا كان الشهيد هو شهيد المعركة فقط- قالوا: فمنهم يا رسول الله؟ فقال ﷺ : من قتل في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في سبيل الله فهو شهيد).
أي: أن القتيل الذي يقتل في سبيل الله هذا شهيد، والإنسان الذي أراد الجهاد ولكن لم يتمكن من الجهاد فمات وهو مع الجنود فلم يقتله الأعداء وإنما مات موتاً فهو شهيد.
أيضاً قال: (ومن مات في الطاعون فهو شهيد) يعني: إذا وقع وباء على بلد فمات فيها الناس بالطاعون -مثلاً: بالكوليرا- أو بغير ذلك من الأوبئة التي تأتي على الناس فيموتون فهم أيضاً شهداء.
قال: (ومن مات في البطن فهو شهيد)، فمن مات بداء البطن -أي: بداء استسقاء- كأن يمرض ويتضخم بطنه ويظل على ذلك إلى أن يموت فهو شهيد.
قال: (والغريق شهيد)، أي: أن الذي يموت في البحر غريقاً فهذا أيضاً شهيد.
وكذلك جاءت أحاديث أخرى عنه ﷺ في هذا المعنى، فعن عائشة ﵂ أنها سألت النبي ﷺ عن الطاعون؟ فأخبرها ﷺ : (أنه كان عذاباً يبعثه الله على من يشاء فجعله رحمة للمؤمنين).
فكان الطاعون عذاباً على الأمم السابقة، أما على المؤمنين فجعله الله رحمة لهم، قال: (فليس من عبد يقع الطاعون فيمكث في بلده صابراً يعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتبه الله له إلا كان له مثل أجر الشهيد).
وكل ما كان من مرض فيه وباء فكذلك، فإذا صبر الإنسان في مكانه إلى أن يقضي الله أمره فهذا إن مات فيه فهو شهيد.
وقال ﷺ -كما في الحديث الذي في مسند الإمام أحمد -: (يأتي الشهداء والمتوفون بالطاعون يوم القيامة، فيقول أصحاب الطاعون: نحن شهداء، نحن شهداء، فيقال: انظروا! فإذا كانت جراحهم كجراح الشهداء تسيل دماً وريحهم ريح المسك فهم شهداء، فيجدونهم كذلك).
فهذا الإنسان المطعون -أي: الميت بالطاعون- يأتي يوم القيامة كالشهيد ينزف دماً، اللون لون الدم والريح ريح المسك، يأتي على هذه الهيئة، فيكون مع الشهيد.
وكذلك ما رواه النسائي عن عبد الله بن يسار قال: كنت جالساً وسليمان بن صرد وخالد بن عرفطة فذكروا أن رجلا ً توفي ببطنه، -يعني: بداء الاستسقاء أو داء الكبد أو داء البطن- فإذا هما يشتهيان أن يكونا شهداء جنازته؛ لأن الإنسان الصالح الذي وفاته فيها كرامة من الله يستحب حضور جنازته، فهؤلاء أحبوا أن يحضروا جنازة هذا.
فقال أحدهم للآخر: ألم يقل رسول الله ﷺ : (من يقتله بطنه فلن يعذب في قبره)؟ وهذا فيه بشارة للإنسان الذي يمرض بمرض من الأمراض الباطنة، -أي: التي تأتي له في بطنه فينتفخ بطنه ويتألم حتى يموت على ذلك، فهذا لا يعذب في قبره كما جاء في هذا الحديث.
فقال الآخر: بلى.
وفي رواية: صدقت.
فهذا من علامات حسن الخاتمة أيضاً، أي: أن الإنسان يموت بداء البطن.
أيضاً الموت بالغرق والموت بالهدم جاءت فيه أحاديث، فقد قال النبي ﷺ : (الشهداء خمسة: المطعون -يعني: الميت في الطاعون- والمبطون، -الميت بداء البطن- والغرق، -الميت غريقاً- وصاحب الهدم -يعني: الإنسان إذا انهدم عليه البيت فهذا أيضاً شهيد- والشهيد في سبيل الله) فهؤلاء من الشهداء.
وكذلك ذكر النبي ﷺ أن المرأة التي تقتل في الولادة شهيدة فقال: (والمرأة يقتلها ولدها جمعا شهيدة) أي: المرأة إذا ماتت في أثناء الولادة فهي شهيدة، وفي رواية: (يجرها ولدها بسررها -يعني: إلى الجنة) أي: أن ابنها هذا المولود يجي فيأخذها بسررها إذا مات معها إلى الجنة.
فهذه من الشهادة أيضاً.
كذلك الإنسان الذي يحرق في النار فهو ممن يأخذ أجر الشهادة عند الله.
كذلك الموت بذات الجنب، وقد ذكروا أنه مرض يكون في أضلاع الإنسان كأنه خراريج داخلية في أضلاعه، فهو كالورم يعرض في الغشاء المبطن لأضلاع صدر الإنسان فيموت بسببه.
كذلك الموت بالسل، فقد جاء في الحديث: (القتل في سبيل الله شهادة، والنفساء شهادة، والحرق شهادة، والغرق شهادة، والسل شهادة، والبطن شهادة).
كذلك الإنسان الذي يدافع عن ماله وعن عرضه فيقتل في ذلك فقد نص النبي ﷺ أنه شهيد.
نسأل الله أن يرزقنا أجر الشهداء وأن يجعلنا معهم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 943
شرح رياض الصالحين - ما جاء في حسن الخاتمة وما جاء في تغسيل الميت والستر عليه وتشييع الجنازة
لقد كتب الله على الناس أن يبعثوا على ما ماتوا عليه، فمن مات على عمل سيئ بعث عليه، وكان علامة على سوء خاتمته، ومن مات على عمل صالح بعث عليه، وكان علامة على حسن خاتمته، ومثله من يثني عليه الناس عند موته بالخير أو الشر، فكل هذه علامات وأمارات على سوء الخاتمة وحسنها.
وإذا مات الميت وجب على الأحياء غسله، واستحب لغاسله الستر عليه، وله وللناس اتباع جنازته والصلاة عليه ودفنه؛ لينالوا من الله الأجر العظيم.
стр. 944
علامات حسن الخاتمة
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.
أما بعد: فإن الإنسان في حالة وفاته يرى عليه أحياناً أشياء تدل على حسن خاتمته.
стр. 945
قول كلمة التوحيد عند الموت
من أفضل ما يدل على ذلك قول: لا إله إلا الله عند وفاته؛ لقول النبي ﵌: (من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة) فهذه من علامات حسن الخاتمة.
стр. 946
الموت على عمل صالح
ومما ذكره العلماء أيضاً من علامات حسن الخاتمة أن يموت الإنسان على عمل صالح، وفي ذلك حديث رواه الإمام أحمد ﵀ من حديث حذيفة أن النبي ﷺ قال: (من قال: لا إله إلا الله ابتغاء وجه الله، ختم له بها، دخل الجنة)، أي: ختم الله له بهذه الكلمة فيدخل الجنة بسببها.
قال: (ومن صام يوماً ابتغاء وجه الله، ختم له بها، دخل الجنة) والمقصد أن يختم له بعمل صالح، كأن يكون صائماً في رمضان أو تطوعاً أو غير ذلك فيموت وهو كذلك فهذا عمل صالح، فإذا توفي عليه وختم له به فيدخل الجنة بذلك.
قال: (ومن تصدق بصدقة ابتغاء وجه الله، ختم له بها، دخل الجنة) وقس على ذلك سائر الأعمال الصالحة.
إذاً: النبي ﷺ نص هنا على بعض أفراد العام، أي: أفراد العمل الصالح، ولم يذكر جميع الأعمال الصالحة، ولكن عندما يذكر البعض فإنه يدل على الباقي.
إذاً: أي عمل من الأعمال الصالحة التي يقوم بها الإنسان ويتوفى عليها فسيدخله الله الجنة بسبب ذلك العمل، وسواء كان العمل صياماً، أو صدقة زكاة أو حجاً أو عمرة، أو إصلاحاً بين الناس، أو أمراً بمعروف، أو نهياً عن منكر، فكل عمل صالح يكون الإنسان فيه ويختم له به فهو من علامات حسن الخاتمة.
ومن علامات حسن الخاتمة أيضاً: أن يموت الإنسان مجاهداً في سبيل الله، أو مرابطاً في سبيله، وجاء في حديث عن النبي ﷺ رواه الإمام مسلم عن سلمان مرفوعاً: (رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه) والرباط: حراسة الثغور، وحراسة حدود بلاد المسلمين ابتغاء وجه الله .
قال رسول الله ﵌: (وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأجري عليه رزقه، وأمن الفتان) أي: هذا الذي يحرس بلاد المسلمين وثغورهم من الكفار إذا مات على هذا العمل وختم له به كان أيضاً من أهل الجنة.
وقوله ﷺ : (وأمن الفتان) يعني: في قبره.
وفي حديث آخر رواه أبو داود وصححه الشيخ الألباني قال النبي ﷺ فيه: (كل ميت يختم على عمله إلا الذي مات مرابطاً) أي: من كان يحرس ثغور بلاد المسلمين من الكفار، فقال ﷺ في ذلك: (إلا الذي مات مرابطاً في سبيل الله فإنه ينمى له عمله) أي: لا يبقى عمله على حاله، ولكن لا يزال ينمى له هذا العمل إلى يوم القيامة ويأمن الفتنة في قبره.
стр. 947
ثناء الناس على الميت
ومن علامات حسن خاتمة الإنسان أيضاً أن يثني عليه الناس -من أهل الخير والإحسان- بالعمل الصالح والخير، والثناء هنا هو المدح بالصفات الصالحة التي كانت فيه، وليس معنى الثناء أن يمدحوه بأشياء هي بين الناس لطيفة وظريفة، ولكنها ليست عند الله كذلك، ومثال ذلك: أن إنساناً توفي وكان الناس يحبون كلامه حيث كان يمزح كثيراً، ويضحك كثيراً، وكثير الشغب، وكثير المعاكسة للناس، فيضحكهم، فعندما يموت يفتقدون فيه ذلك، فهذا إذا أثنى عليه الناس فليس هذا الثناء هو المقصود من الحديث، ولكن الثناء المقصود: هو أن يثنى على الإنسان بعمل صالح كان يعمله، كأن يقال: فلان كان خيراً كان طيباً كان لا يؤذي جيرانه فلان كان يميط الأذى عن الطريق وكان يعود المرضى ولا يتكبر على أحد، فيثني عليه الناس والجيران والأقربون بصفات الخير التي كانت.
وفي ذلك حديث رواه أنس عن النبي ﷺ حيث قال: (مر على النبي ﷺ بجنازة، فأثني عليها خيراً)، أي: مدحه الناس بخير.
(وتتابعت الألسن بالخير)، أي: تمر الجنازة فيمكن أن رجلاً أو اثنين من الجالسين يعرفونه، ويمكن أن مجموعة كبيرة تعرفه، فهنا (تتابعت الألسن)، أي: كل شخص قال شيئاً، وأثنوا عليه بخير، فهذا يدعو له، وهذا يشكر له صنيعه في كذا، وهذا يحمد له صفات جميلة فيه.
فقالوا: (كان ما علمنا يحب الله ورسوله)، أي: على ما نعلم منه، وربنا يقول: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم:٣٢].
ومن هذا يؤخذ أنك إن أردت أن تمدح شخصاً وتثني عليه فقل: أحسبه كذا، أو أظنه كذا، ويكون ذلك على وجه الظن لا على وجه الجزم.
قال: (فقالوا: كان ما علمنا يحب الله ورسوله)، صلوات الله وسلامه عليه.
قال: (ومر بجنازة فأثني عليها شرا) أثني: أي ذكر بشر، فتكلم الناس عنه أن هذا لم يكن إنساناً صالحاً، بل كان سيئاً، منافقاً، مرائياً.
قال: (وتتابعت عليه الألسن بالشر) أي: يذكرونه بشر.
(فقالوا: بئس المرء كان في دين الله، فقال النبي ﷺ : وجبت، وجبت، وجبت) كررها ثلاثاً، وذكرها كذلك في الأولى، فقال عمر ﵁: (فداك أبي وأمي! مر بجنازة فأثني عليها خيراً، فقلت: وجبت، وجبت، وجبت، ومر بجنازة، فأثني عليها شراً، فقلت: وجبت، وجبت، وجبت، فقال رسول الله ﷺ : من أثنيتم عليه خيراً، وجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليه شراً، وجبت له النار) ولكن ليس بكلامهم تجب له الجنة، وبكلامهم تجب له النار، وإنما بفعله هو، ففعل الإنسان هو الذي يدفع الناس؛ لأن يثنوا عليه خيراً أو شراً، فقال ﷺ : (الملائكة شهداء الله في السماء، وأنتم شهداء الله في الأرض).
قال: (من أثنيتم عليه خيراً، وجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليه شراً، وجبت له النار، الملائكة شهداء الله في السماء، وأنتم شهداء الله في الأرض، وأنتم شهداء الله في الأرض، وأنتم شهداء الله في الأرض).
وفي رواية: (إن لله ملائكة تنطق على ألسنة بني آدم بما في المرء من الخير والشر)، فنلاحظ من هذا الحديث: أن الذين كانوا يجلسون مع النبي ﷺ لم يكن على بالهم أن فلاناً مات هذا اليوم أو لم يمت، ولم يكن على بالهم شيء، بل فجأة مُر بجنازة، فعرفوا صاحبها فقالوا: هذا كان سيئاً، هذا كان شريراً، هذا كان كذا وكذا، فكل واحد قال عنه شيئاً، فقال النبي ﷺ : (وجبت) أي: وجبت له النار؛ لأنه بلغ من شره أن ذاع وشاع وانتشر بين الناس، فعلم الأقصى والأدنى أن فلاناً هذا كان سيئاً، فأثنوا عليه شراً.
والآخر انتشر منه الخير وذاع، وعرفه الناس بالخير، فلذلك أثنى عليه كل منهم بما عرف منه من خير، وهؤلاء قالوا في المؤمن: (كان ما علمنا يحب الله ورسوله)، وقالوا في الفاجر: (كان ما علمنا منافقاً) أي: كان يبغض دين الله ، فالذي أثنوا عليه خيراً وجبت له الجنة بعمله الخير وبثناء المسلمين عليه؛ لأن خيره ذاع بينهم وانتشر، فكان كأنه سن للناس سنناً حسنة يعملون بمثل هذا الخير الذي كان عليه، والآخر العكس من ذلك.
ويبين النبي ﷺ أن الأمر ليس تأليفاً، أو أنه طلب من الناس أن يثنوا على صاحبهم خيراً لكي يدخل الجنة، بل الأمر هو أن الله ينطق الشخص بما يتكلم به ملك على لسانه، فالإنسان وهو غير منتبه يتكلم أن هذا الرجل كان إنساناً جيد، يرحمه الله كنا نراه يصلي معنا، وكان يدفع الزكاة، وكان يعمل كذا فينطق الله على لسان بني آدم ملائكة، ولذلك قال النبي ﷺ : (إن لله ملائكة تنطق على ألسنة بني آدم بما في المرء من الخير والشر) فيجب لهذا الجنة بعمله وبثناء المؤمنين خيراً عليه، وللآخر النار بعمله وإساءته ووصم المؤمنين الشر به.
стр. 948
الحد المعتبر للناس الذين يثنون على الميت
روى البخاري من حديث أبي الأسود الديلي قال: أتيت المدينة وقد وقع بها مرض وهم يموتون موتاً ذريعاً، -وكان هذا في عهد عمر رضي الله تعالى عنه- قال: فجلست إلى عمر بن الخطاب ﵁ فمرت جنازة فأثني خيراً فقال عمر: وجبت.
فقلت: ما وجبت يا أمير المؤمنين؟! قال: قلت كما قال النبي ﷺ : (أيما مسلم شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنة) فهذا يستحق الجنة بما شهدوا له من خير، (قلنا: وثلاثة، قال: وثلاثة.
قلنا: واثنان، قال: واثنان، قال: ولم نسأله عن الواحد).
إذاً: ليس شرطاً أن يشهد للميت كل الناس، بل يصح من بعض الناس أيضاً، فقد يكون حال هذا الإنسان غائباً عن الكثير، ولكن بينه وبين الله خير كثير، والأقربون يرون منه هذا الخير، فيرون أنه كثير التقوى كثير الصلاة كثير الصدقة لكن لا يشتهر عنه ذلك، وإنما عرف الأقربون ذلك فأثنوا عليه خيراً، فينطق الله على ألسنتهم ملائكة حتى يستوجب جنة الله .
حديث آخر رواه الإمام أحمد وصححه الشيخ الألباني بشواهده، قال فيه النبي ﷺ : (ما من مسلم يموت فيشهد له أربعة من أهل أبيات جيرانه الأدنين أنهم لا يعلمون منه إلا خيراً، إلا قال الله ﵎: قد قبلت قولكم -أو قال: شهادتكم- وغفرت له ما لا تعلمون) فالله عظيم وكريم .
وقال النبي ﵌: (كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون) فكل إنسان فيه أخطاء يفعلها من صغائر وكبائر، ومن ستر على نفسه وتاب إلى الله، فالله يتوب عليه، ومن فضح نفسه واستهان بعمله استحق العقوبة من الله سبحانه.
فهنا الإنسان الذي يموت فيثني عليه الأقربون من جيرانه، وذلك لخلقه الحسن معهم، ولذا تجد الأقربين يحبونه، ويثنوا عليه بالطيب، وأنه لا يتعرض لأحد، ولا يؤذي أحداً، فيثني عليه جيرانه الأقربون بخير، فإذا وجد أربعة من أهل جيرانه يثنون عليه بذلك استحق من الله الجنة والثواب، والله سبحانه يقول: (قد قبلت قولكم) أي: قبلت منكم هذه الشهادة.
قال: (وغفرت له ما لا تعلمون) أي: أنتم لا تعلمون أخطاءه، والله يعرفها فيغفر له ذلك؛ لأنه كتم على نفسه، وستر نفسه، ولم يجاهر بالمعصية بين الناس، فكانت سيئته بينه وبين ربه، فهذا جدير بأن يغفر الله له؛ لأنه ستر، يقول النبي ﵌: (من ستر نفسه ستره الله)، وبالمقابل: من فضح نفسه استحق العقوبة من الله.
стр. 949
بيان ما يستحب لمن يغسل ميتاً
قال الإمام النووي ﵀: [باب الكف عما يرى في الميت من مكروه].
أي: إذا توفي إنسان واطلعت منه على شيء مكروه فلا تفضحه بهذا الذي اطلعت عليه، وفي ذلك أحاديث عن النبي ﷺ منها حديث أبي رافع واسمه أسلم وهو مولى رسول الله ﷺ -أي: كان عبداً عند النبي ﷺ ، فأعتقه النبي ﷺ فيقول ﷺ في حديثه: (من غسل ميتاً فكتم عليه غفر الله له أربعين مرة).
فهذا الحديث العظيم فيه أن الذي يغسل الأموات له أجر عظيم، ولكن بشرط أن يكتم عنه، أما أن يحكي ويقول مثلاً: كنا نغسل الميت وكانت ريحته سيئة جداً، أو الميت له أكثر من يوم وريحته صارت كريهة، أو الميت ينزل دماً، أو الميت كان فيه غائط، أو بول، أو كان فيه كذا ويفضح هذا الإنسان فلا يستحق ذلك الأجر.
ولذا فعليك أن لا تفضحه، بل استر عليه، فكما أنك تحب أن يستر عليك الناس في حياتك ومماتك فكذلك استر عن أخيك ولك هذا الأجر العظيم عند الله، بأن يغفر الله لك أربعين مرة، وهذا من كرم الله وفضله .
ولكن من أثني عليه شراً، أليست فضيحة لهذا الإنسان؟! الفرق هنا بين أن تغسل ميتاً فترى شيئاً من الأشياء العادية التي ترى من أي إنسان كأن يخرج منه ريح، أو بول، أو غائط، أو دم كثير، أو أنه يتعب الناس في تغسيله، بأن كان ثقيل الجثة، فثقل أن يقلبوه ويعدلوه، أو يحدث أشياء في أثناء التغسيل لعلها تضايق من يقف ويغسل فيها، فتكتم هذه الأشياء وتسترها ولا تحكيها بين الناس، أما الإنسان الذي يكون شريراً، كأن سب دين الله ، ثم جاءت سيارة وصدمته فمات، فهذا إنسان يستحق أن يفضح بذلك؛ حتى يكون عبرة للخلق، أو يكون قد استهان بالمصحف فقصمه الله وفعل به كذا، فهذا يستحق أيضاً أن يفضح حتى يكون على ألسنة الناس، فيثنوا عليه شراً.
إذاً: التحديث بما يحدث للظلمة من انتقام الله وكسره إياهم جائز، ولم ينكر النبي ﷺ على الصحابة ذلك.
ولكن عندما يرد الأمر بذكر محاسن الموتى، فهذا يراد به الإنسان المؤمن، أو الإنسان الذي ستر نفسه ولم يفضحها، أما الفاسق صاحب المعاصي الذي يموت على ذلك، فيحذر الناس من عمله، كأن نجد رجلاً يرقص ويشرب الخمر والحشيش بالليل ثم يصبح ميتاً، فهذا يخبر الناس عنه؛ حتى يتعظوا من هذه النهاية الأليمة الذي حصلت لهذا الإنسان فلا يفعلون فعله.
إذاً: هنا فرق بين أن تستر على ميت بأشياء عادية تحدث منه ومن غيره ولكنها قد تكون شيئاً من الأذى، بحيث أنه يتأذى بها الحي أن يذكر عن ميته، فهذا شيء، وأن يكون الميت إنساناً مجرماً ظالماً فاسقاً كافراً يعصي الله ، ويحارب دين الله سبحانه، فيجعله الله عبرة حتى يتحدث الناس بآية من آيات الله نزلت به فهذا شيء آخر وهو جائز.
وليس الأجر العظيم مقصوراً على تغسيل الميت فقط، ولكن الحديث طويل رواه الإمام الحاكم والبيهقي من حديث أبي رافع وصححه الحاكم والذهبي، وكذلك الشيخ الألباني رحمة الله على الجميع.
وفيه: (من غسل مسلماً فكتم عليه غفر الله أربعين مرة، ومن حفر له فأجنه) أجنه أي: أخفاه وواراه بمعنى: دفنه، قال: (جرى عليه كأجر مسكن أسكنه إياه إلى يوم القيامة)، فالمقبرة التي تجعلها للناس كلما دفن فيها شخص كان لك أجر ذلك، وكأنك أجرت له منزلاً إلى يوم القيامة، والأجر عند الله ولا يتحول إليك إلا يوم القيامة.
قال ﷺ : (ومن حفر له فأجنه) أي: دفنه في القبر وستره بالتراب، (جرى عليه كأجر مسكن أسكنه إياه إلى يوم القيامة).
قال: (ومن كفنه كساه الله يوم القيامة من سندس وإستبرق الجنة) أي: من كفن ميتاً كساه الله من سندس وإستبرق الجنة، وهذا من فضل الله .
وانظر عندما يكون الناس يوم القيامة عرايا حيث يقومون من قبورهم حفاة عراة غرلاً، فإذا بالله يكسو هذا الإنسان في يوم تعرى فيه الخلق؛ لكونه كفن إنساناً مؤمناً توفي.
стр. 950
فضل الصلاة على الميت، وتشييعه، وحضور دفنه
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في الصلاة على الميت، وتشييعه وحضور دفنه، وكراهة اتباع النساء للجنائز].
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من شهد الجنازة حتى يصلى عليها فله قيراط) أي: من حضر الجنازة وذهب إلى بيت الله ليصلي عليها، أو في أي مكان يصلى فيه على الميت، وشهد الميت حتى صلى عليه فله قيراط من الأجر.
قال ﷺ (ومن شهدها حتى تدفن) أي: من شهد الجنازة من أول ما يصلى عليها حتى تدفن، قال: (فله قيراطان.
قيل: وما القيراطان؟ قال: مثل الجبلين العظيمين).
أي: جبلين من الأجر والثواب عند الله .
ولذلك يحرص العبد المؤمن على حضور الجنائز، خاصة جنائز المؤمنين الصالحين، فيصلي عليهم، ويدعو لهم، ويشهد الجنازة حتى يدفنها؛ وذلك ليرجع بهذا الأجر العظيم، فإذا تعذر عليه ذلك صلى على الميت؛ ليكون له نصف هذا الأجر.
عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (من اتبع جنازة مسلم إيماناً واحتساباً) وهذا شرط وقيد.
فقوله: (إيماناً) أي: مصدقاً مؤمناً بأن هذا الاتباع فيه أجر من عند الله ومصدقاً لما قاله النبي ﷺ .
(واحتساباً) أي: يرجو الأجر من الله.
فمن حضر الجنازة حرجاً من الناس الذين يأتون ويشهدون الجنازة، فلا أجر له.
ولذا فعليك أن تصلح نيتك حال حضور الجنازة، وأن لا تهتم بالناس من حولك، فتحسن صلاتك لأنهم يرونك، فهنا الشيطان قد دخل عليك، وسوف يضيع عليك أجر الصلاة، فغير نيتك، واستغفر ربك، وأخلص لله سبحانه، وتعوذ بالله أن تعمل عملاً لغيره سبحانه.
يقول النبي ﷺ : (اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئاً أعلمه، وأستغفرك لما لا أعلمه).
فإذاً: لابد أن تغير النية في الحال، واحضر الجنازة ولا تتركها، ولا تكن نيتك الحضور لأن الناس حضروا، ولكن اجعل نيتك أن تحضر اتقاء غضب الله ، وابتغاء مرضاته.
ولو كان نيتك حضور الجنازة لكي يراك فلان ويفرح لحضورك هذه الجنازة، فهذه نية طيبة حيث تطيب قلب أصحاب الميت وأهله، وهذا من باب ما فعله النبي ﷺ لما قام على القبر وقال للحافر: (وسع من هاهنا، وسع من هاهنا) يقول له: حسن القبر والتفت لمن حوله وقال: (أما إنه لا يفعل بالميت شيئاً) يعني: من توسيع القبر أو تضييقه، لن يفعل بالميت شيئاً ولكن يطيب بذلك قلوب الأحياء، حيث يرون النبي ﷺ مهتم بميتهم، ويقول: أوسع القبر واحفر جيداً، اعمل كذا مع أن هذا لا يعمل للميت شيئاً، فالميت ينضم عليه قبره حتى تختلف أضلاعه، ثم يفرج الله عنه بعد ذلك، نعوذ بالله من ضيق القبر، ومن حفر النيران في القبور.
فالقبر إما روضة من رياض الجنة واسعة فسيحة، وإما حفرة من حفر النيران على صاحبه.
فإذا حضرت الجنازة واستحضرت نواياك، وآمنت بالثواب، واحتسبت الأجر عند الله، ونويت بحضورك إلى جانب تلك النية إفراح أهل الميت بوجودك معهم، فلا مانع من مثل هذا الشيء، طالما أنك لا تبتغي الرياء والسمعة بذلك وإنما تبتغي تطييب قلوب الناس بمثل هذا الشيء.
نسأل الله أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته.
следующие страницы →