← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 36997

شرح رياض الصالحين - حطيبة

أحمد حطيبة

Полный текст (1 057 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

الانتفاع بالولد الصالح بعد الممات قال ﷺ : (أو ولد صالح يدعو له)، يعني: عندما يكون لك ولد صالح ويعيش بعدك فإنه سيدعو لك، فقيد الولد بالصلاح؛ لأن الولد غير الصالح لا يدعو لك، وإن دعا فلن تنتفع بدعائه، ولكن انتفاعك يكون بالولد الصالح، الذي تربيه على كتاب الله وعلى سنة النبي ﷺ ، فهو الذي يدعو لك بعد وفاتك، والولد هنا جنس، سواء كان ابنك أو ابن ابنك، وهكذا الأبناء طالما فيهم من يذكر الله سبحانه ﵎ ويصلي لله ويعبده، فإنك تؤجر وأنت في قبرك، ولا يزال كتابك مفتوحاً تؤجر عند الله على ما يعمله هذا الولد؛ لقول النبي ﷺ : (الولد من كسب أبيه)، نسأل الله أن يجعل لنا صدقة جارية تنفعنا بعد وفاتنا إلى يوم القيامة. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 982

شرح رياض الصالحين - من (ثناء الناس على الميت) إلى (فضل قراءة القرآن) إن الناس شهداء الله في الأرض، يقبل الله شهادتهم، فإذا شهدوا لإنسان بالخير أوجب الله له الجنة، وإذا شهدوا له بالشر أوجب له النار، فأهل القرآن والعاكفين على تعلمه العاملين به من أول من يثني عليهم الناس، وكذا من عرف بخير ما بين الناس، ومن رضي عنه الله أرضى عنه الناس.

стр. 983

ثناء الناس على الميت الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين. أما بعد: وصلنا في أبواب الجنائز إلى قول الإمام النووي ﵀: باب ثناء الناس على الميت. وهذا من آخر أبواب الجنائز في كتاب رياض الصالحين، وقد ذكر فيها حديثاً عن أنس ﵁ قال: (مروا بجنازة فأثنوا عليها خيراً، فقال النبي ﷺ : وجبت، ثم مروا بأخرى فأثنوا عليها شراً، فقال النبي ﷺ : وجبت، فقال عمر بن الخطاب ﵁: ما وجبت؟ قال ﷺ : هذا أثنيتم عليه خيراً فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شراً فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض) والحديث متفق عليه. وجاء عن عمر أنه ذكر مثلما ذكر النبي ﷺ ، وسأله أبو الأسود فقال: هذا الحديث عن النبي ﷺ . والمقصد من ذلك أن الإنسان المؤمن يتعامل مع الخلق جميعهم بحسن خلق، ويطيع الله فيهم، فإذا فعل ذلك كانوا شهداء له عند وفاته، فإنه لن يعدم من يشكره، ويثني عليه، ويدعو له بخير، فيكون شهيداً له عند الله ، ويقبل الله شهادته له. فلذلك قال النبي ﷺ في الرجل الأول الذي أثنوا عليه خيراً، (قال وجبت)، وفي روايه: (قال وجبت وجبت وجبت ثلاث مرات، والثاني أثنوا عليه شراً فقال: وجبت وجبت وجبت ثلاث مرات، قالوا: ما وجبت؟ قال: هذا أثنيتم عليه خيراً فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شراً فوجبت له النار). فهنا ثناء الناس يكون من غير تعمد لذلك، والإنسان يمكن أن يقول للناس: لما يموت فلان أثنوا عليه خيراً، وقولوا: فلان كان صالحاً وكان كذا؛ حتى توجب له الجنة، فليس هذه هو المقصود. وجاء في حديث آخر بيَّن النبي ﷺ فيه أن الملائكة تنطق على لسان هذا الإنسان، وكأن الله يبعث ملائكة تجعلك تنطق بذلك فتقول: فلان كان رجلاً صالحاً، وكان فيه كذا، ويذكرك الله بإحسان هذا الإنسان إليك وإلى الناس يوماً من الأيام، فتثني عليه خيراً، ويمكن يكون هذا المتوفى قد نسيته وفجأة تذكر أنه في يوم من الأيام أسلفني مالاً، وفعل بي كذا، والذي ذكرك بذلك هو الله ؛ لتثني عليه، فيقبل الله منك ثناءك عليه وشهادتك له، فيكون لهذا الإنسان الجنة، والله يقبل هذه الشهادة، ويستر على العبد ما وقع فيه من آثام، ويغفر له، ويقبل شهادة الناس فيه، ويجعل لهذا الإنسان الجنة. والعكس كذلك: فقد أثنيتم عليه شراً فوجبت له النار، والذي تثني عليه شراً ويذكره الناس بسوء يمكن أنه حين توفي لم يكن يخطر بقلبك، فلما أتيت تصلي على هذا الإنسان إذا بك تذكر أن هذا كان رجلاً سيئاً، وكان مؤذياً للناس، فتذكر أنت هذا الإنسان بشيء سيء كان فيه، فالثناء الأصل فيه أنه الذكر بالقلب، ولكنه هنا أن تذكر غيرك سواء بخير أو بشر، وإن كانت العادة أنه يطلق في الخير. وهذا إذا كان المتكلم صادقاً، وإذا كان الله هو الذي فعل ذلك فجعله ينطق بهذا الذي كان عليه هذا الإنسان، فيستحق أن يكون من أهل النار. وفي رواية أخرى للحديث نفسه عن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (أيما مسلم شهد له أربعة بخير). قوله: (شهد له أربعة) إذاً ليس شرطاً أن يثني عليه بالخير كل الناس، فربما لا يعرفه إلا القليل، ولكن القليلين الذين يعرفونه يعرفون خيرية هذا الإنسان، وأنه بعيد عن المعاصي، وربما أنه كان يخفي عمله فلا يطلع عليه كثير من الناس، فكان من كرم الله سبحانه أن جعل الشهادة التي يدخل بسببها الإنسان الجنة من أربعة أو ثلاثة أو اثنين. فلما قال: (أيما مسلم شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنة -طمع الصحابة فقالوا-: وثلاثة، فالنبي ﷺ قال: وثلاثة. قالوا: واثنان؟ قال: واثنان) صلوات الله وسلامه عليه، وأقل الجمع وأقل ما يمكن أن يتعامل معه الإنسان: اثنان، وهذا نادر. والإنسان ذو الخلق الحسن والإيمان القوي في معاملته مع جميع خلق الله أخلاقه حسنة، فإذا تعامل مع التاجر في السوق عامله بحسن خلق، فيحبه التاجر، وإذا تعامل مع الصانع في مكانه عامله بحسن خلق، فيحبه الصانع، وإذا تعامل مع زوجه وأولاده وجيرانه وأصدقائه وإخوانه تعامل بحسن خلق، فهو حسن الخلق مع الجميع، وحَسَنْ الخلق مستحيل ألا يتعامل مع أحد أبداً. وفي الحديث أن الاثنين إذا شهدوا له بخير -طالما أنهما صادقان في ذلك- فإن الله يقبل هذه الشهادة، ويغفر لهذا العبد، ويجعله من أهل الجنة. لذلك فعلى الإنسان المؤمن أن يكثر من إخوانه أهل الخير، وأن يخدم وينفع الناس، فإن أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس، والإنسان الذي يبذل المعونة والنفع لكل المسلمين يُحتاج إليه، فهو الذي ينفع الناس، وهو الذي يصلي عليه الناس حين يتوفى، ويدعون له بخير، فيكون له عند الله أن يستر ذنوبه، وأن يغفر له، وأن يجعله من أهل الجنة.

стр. 984

فضل من مات له أولاد صغار عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما من مسلم يموت له ثلاثة لم يبلغوا الحنث إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم). قوله: (لم يبلغ الحنث) يعني: لم يبلغ أن تكتب عليه الذنوب، ويكتب للإنسان الحسنات من ساعة ولادته، ولو أن الأب أخذ ابنه وحج به وهو رضيع صغير يكتب له حجة وأجر، فإذا مات على ذلك فله أجر وليس عليه أي وزر ولا أي ذنب. والولد أحب ما يكون إلى أبيه وإلى أمه وهو صغير لم يبلغ أن يؤذيهما أو يعصيهما ويعقهما، فإذا توفي يكون الألم شديداً في قلب الأب وقلب الأم، فالله يعوضهما بفضله الصبر، وينزل المعونة على قدر المئونة، وينزل الصبر على قدر البلاء. والإنسان لا يدري لو نزلت عليه هذه المصيبة هل سيصبر أو لا؟ فقد يقول: سأصبر وأعمل، ولا يقدر على ذلك، ولعله يقول: لا أستطيع أن أصبر على هذا الشيء؛ فهو شاق جداً، نسأل الله العفو والعافية، فإذا به ينزل البلاء وينزل معه الصبر من الله ، فتعجب للإنسان المؤمن حيث يثبته الله ويقوي قلبه، ويربط عليه، ويجعله ثابتاً حامداً شاكراً، ويعوضه بالإيمان في الدنيا، ويعوضه بالجنة وبيت الحمد في الآخرة كما ذكرنا في حديث سابق. فيرحم الله هؤلاء ويرحم الآباء الذين صبروا على ذلك، يقول النبي ﷺ : (إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم) أي: برحمة هؤلاء الذين توفوا، فيدخل الله آباءهم الجنة. وفي المتفق عليه أيضاً عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد فتمسه النار إلا تحلة القسم) والقسم هو قوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم:٧١]، فهذا قضاء لابد وأن يكون، وكل إنسان لابد أن يرد على النار. والورود هو المرور فوق الجسر المضروب على جهنم، فكل إنسان لابد وأن يمر عليه، فمن الناس من يمر سريعاً، ومنهم من يبطئ به عمله، ومنهم من يهوي في النار والعياذ بالله. والإنسان الذي توفي له ثلاثة من الولد يرحمه الله فلا يعاني ولا يقاسي في المرور على الصراط إلا تحلة القسم. وتحلة القسم هنا أن يمر على الصراط ولا يدخل النار، بفضل الله ، وهذا إذا صبر على أمر الله . والصابر له الفضل وله الأجر العظيم عند الله ، والذي لا يرضى بقضاء الله وقدره ليس له حيلة، فلن يدفع قضاء الله وقدره، ولذلك فالمؤمن يتصبر، وقالوا: إما أن تصبر صبر الكرام وإما أن تسلو سلو البهائم. أي: إما أن يكون الإنسان كريم النفس عفيفها، صابراً لمقادير الله متجلداً، فسيأتي عليه يوم من الأيام يسليه فيه ربه ويذهب عنه الغم الذي هو فيه. وأما أن يتسخط فيرفع صوته، ويلطم ويشق ثيابه، ويشد شعره، ويكون كافراً لربه سبحانه، ولن يحصل له بذلك عودة ميته، ويظل على ذلك إلى أن يذهب صوته، وتتمزق ثيابه، ويمرض ويتعب ويستحق العذاب يوم القيامة، إذاً فهي مصيبة في الدنيا ومصيبة في الآخرة؛ لأنه لم يصبر على قضاء الله وقدره. وكان العرب في الجاهلية يضربون المثل برجل كان يسمى حماراً، فيقولون: أكفر من حمار. فهذا الرجل مات له أولاد، فتسخط على الله ، وأظهر الاعتراض على الله ، بل أظهر أشد ما يكون من الاعتراضات، ولم يزل على ذلك حتى أخذه الله بصاعقة صعقته فقتله . فلما لم يصبر ولم يكسب من الدنيا شيئاً إلا الخزي والعار، وهذا جزاء الإنسان الذي يكفر بربه سبحانه، ويعترض على قضاء الله فيما حدث لأولاده. وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله! ذهب الرجال بحديثك فاجعل لنا من نفسك يوماً نأتيك فيه تعلمنا مما علمك الله، فقال: اجتمعن يوم كذا وكذا، فاجتمعن فأتاهن النبي ﷺ فعلمهن مما علمه الله، ثم قال ﷺ : ما منكن امرأة تقدم ثلاثة من الولد إلا كانوا حجاباً لها من النار) وهذا كما قال للرجال: (ما من مسلم يقدم)، (فقالت امرأة: واثنين؟) فقال النبي ﷺ : (واثنين) وكأنهن استحيين أن يسألن عن الواحد فلم يسألن، ولكن يغني عن ذلك ما ذكرناه من حديث النبي ﷺ الذي عند الترمذي وغيره، وذكر فيه: أن الله إذا قبض ابن عبده أرسل ملائكة، فإذا عادوا إليه سألهم وقال: (قبضتم ولد عبدي؟ قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون نعم، قال: فماذا قال؟ قالوا: استرجع وحمد الله، قال: ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة، وسموه بيت الحمد). فبنى لعبده بيتاً في الجنة؛ لأنه صبر على واحد، فعرفنا أن الصبر على جميع المكاره فيه الأجر العظيم من الله سبحانه، والمؤمن يسأل الله العفو والعافية، فإذا نزل البلاء صبر وتصبر كما أمر الله سبحانه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:٢٠٠].

стр. 985

باب البكاء والخوف عند المرور بقبور الظالمين يقول الإمام النووي: باب البكاء والخوف عند المرور بقبور الظالمين ومصارعهم، وإظهار الافتقار إلى الله. والمعنى: أن الإنسان المؤمن إذا مر بقبور الظلمة والكفار وبالمشاهد التي يذكرون أنها آثاراً لهم، كآثار الفراعنة، فلا يمر ويفتخر بهؤلاء ويقول: هؤلاء هم آباؤنا وأجدادنا! إن هذا الذي يفتخر بهؤلاء ويقول: نحن الفراعنة، ونحن أصلنا كذا. نقول له: إن هؤلاء كفار آذوا رسول الله موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وأرادوا قتله، وأنكروا بعثته ورسالته صلوات الله وسلامه عليه، فلا يفتخر بالكافر إلا من كان مثله، أو من ذهب عقله. روي عن النبي ﷺ : (أنه افتخر رجلان على عهد موسى صلوات الله وسلامه عليه، فأما أحدهما فقال للآخر: أنا فلان ابن فلان ابن فلان فعد تسعة آباء، ثم قال لهذا الآخر من أنت لا أم لك؟ قال: أنا فلان ابن فلان ابن الإسلام، فانتسب للإسلام وليس لهؤلاء الآباء من الكفار، فأوحى الله إلى موسى صلوات الله وسلامه عليه أن قل لهذين المفتخرين: أنت افتخرت بتسعة آباء من الكفار أنت عاشرهم في النار) حتى ولو لم يكن على دينهم، وهذا الرجل لم يكن كافراً، ولو كان كافراً فلن يسمع كلام موسى ﵊، ولكنه كان ممن تبع موسى ﵊ وفي قلبه جاهلية وعصبية، قال: (وأنت افتخرت بالإسلام فأنت في الجنة) فقضى الله أن الذي يفتخر بالأشرار مثلهم وسيحشر معهم. والفراعنة الكفار الذين ملكوا البلاد في يوم من الأيام أين هم الآن؟ ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦]، والعياذ بالله. فالذي يفتخر بهؤلاء فإنه يفتخر بأهل النار، وسيكون معهم في النار، فلذلك لا يحل لمسلم أن يقول مفتخراً بالفراعنة الذين بنوا الأهرام حتى يخلدوا ويعيشوا، فليس له أن يفتخر بهؤلاء، فإذا مر بقبورهم نظر واتعظ، فيكون المرور للاتعاظ فقد بنوا هذه الآثار العظيمة فهل نفعتهم من الله شيئاً؟ وهل منعتهم من الموت؟ لقد زعموا أنهم سيخلدون، وزعموا أنهم الآلهة والأرباب لخلق الله، واستخفوا أقوامهم فأطاعهم أقوامهم، فإذا مر الإنسان بقبورهم وآثارهم اتعظ واعتبر كما قال النبي ﷺ ، وهنا في حديث ابن عمر المتفق عليه أن رسول الله ﷺ قال لأصحابه لما مرو بالحجر -والحجر ديار ثمود، وهي على أطراف الحجاز مع الشام- فقال: (لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين). فالإنسان إذا دخل على أماكن من أصابهم العذاب تذكر نقمة الله ، وأن الله على كل شيء قدير، وأن هؤلاء لما كفروا بالله أهلكهم الله وأتلفهم، وهذا حالهم الآن، فيأمرهم النبي بقوله: (لا تدخلوا عليهم إلا أن تكونوا باكين)، أي: فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم، فلا تدخلوا عليهم وأنتم تضحكون وتلعبون، ولا تتخذوا أماكنهم التي أهلكهم الله فيها للهو واللعب؛ بحيث يأتي إليها الناس وهم يغنون ويرقصون وكأن هذا المكان مكان لهو ولعب، فإذا فعلوا ذلك فكأنهم يسخرون بانتقام الله من هؤلاء، ويسخرون من الموت، وإذا كان الأمر كذلك استحقوا أن يصيبهم مثل ما أصاب هؤلاء، فإن الذي لا يتعظ ولا يعتبر يستحق أن يبتلى. قال النبي ﷺ : (لا تدخلوا عليهم؛ لا يصيبكم ما أصابهم) أي: إذا دخلتم فادخلوا وأنتم تعرفون نعمة الله عليكم، وتخافون من بطش الله سبحانه، وإذا لم يكن هذا حالكم فلا تدخلوا حتى لا يصيبكم مثل ما أصاب هؤلاء. وفي رواية قال ﷺ : (لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم؛ أن يصيبكم ما أصابهم، إلا أن تكونوا باكين، ثم قنع رسول الله ﷺ رأسه، وأسرع السير ﵊ حتى أجاز الوادي). ومن الحكمة وأنت في الحج حين تخرج من المزدلفة متوجهاً إلى منى أن تمر ببطن محسر مسرعاً؛ لأنه المكان الذي أهلك الله فيه أصحاب الفيل، ولما وصله النبي ﷺ أوضع راحلته، أي: أسرع براحلته حتى جاوز هذا المكان، وصارت سنة النبي ﷺ المرور في هذا المكان بسرعة؛ لهذا الغرض ولهذه العلة، فإذا مررت تذكرت ذلك، واستحضرت أن هذا المكان مكان نزل فيه العذاب، وليس هناك ما يدعو إلى المكوث في هذا المكان بل نسرع في هذا المكان، فقد كان شؤماً على أصحابه حيث نزل عليهم العذاب في هذا المكان. وكتاب الجنائز الذي ذكره الإمام النووي بعده كتاب السفر، وقد شرحناه في الأيام الماضية، وكل الأحاديث التي ذكرها الإمام النووي ذكرناها في مقدمتنا لكتاب الحج، فلا نعيد تكرار هذا مرة ثانية.

стр. 986

كتاب الفضائل يذكر لنا الإمام النووي في هذا الكتاب ما جاء في فضائل الأعمال، وفضائل القرآن، وفضائل الإيمان، وما جاء في الصلاة والزكاة، وفضائل أصحاب النبي صلوات الله وسلامه عليه وغير ذلك.

стр. 987

فضائل القرآن

стр. 988

فضل قراءة القرآن عن أبي أمامة ﵁ قال: (سمعت رسول الله ﷺ يقول: اقرءوا القرآن؛ فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه) القراءة هنا معناها: احفظوا القرآن، وهذا حث من النبي ﷺ لنا على أن نحفظ كتاب الله، فإن لم تقدر على الحفظ فاقرأ القرآن قراءة، فتقرأ القرآن وترتل القرآن، ولكن الأصل أن تهتم بالحفظ، والله قد يسر القرآن للذكر كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ [القمر:١٧]، وفي البداية الحفظ يكون ضعيفاً، والإنسان الذي ظل سنين لا يحفظ شيئاً لن يستطيع أن يحفظ، ولكن بالتمرس شيئاً فشيئاً يستطيع أن يحفظ، ولابد من التنافس في ذلك مع المتنافسين في طاعة الله ، ولن تعدم أن تجد وقتاً للحفظ ولو في اليوم ساعة أو نصف ساعة، أو أقل أو أكثر. وحفظ القرآن يحتاج منك مجهوداً، وإذا عرفت الثواب فإنه يعطيك حافزاً لحفظ كتاب الله ، وكم رأينا من أناس حفظوا كتاب الله سبحانه مع كبر السن، فإنسان ذهب يبحث عن الرزق وقال: لا أستطيع أن أحفظ القرآن، وفجأة خلال ثلاث أو أربع سنوات حفظ القرآن كله، وامرأة عجوز لا تقدر على الحفظ، ولا على القراءة، فتعلمت القراءة والكتابة، ولا تستطيع أن تقرأ غير القرآن، فحفظت القرآن كله، ألا يدفعك هذا إلى أن تحاول أن تحفظ القرآن وعندك الوقت وعندك الجهد وأنت ما زلت شاباً صغيراً تقدر على ذلك؟! فتحتاج إلى أن تبذل جهداً. فحاول أن تحفظ كتاب الله وأحسن نيتك، وأخلص لله تجد الأمر سهلاً؛ لأن الذي وعد بذلك هو الله الذي أخبر: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ [القمر:١٧]، وقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]. وإذا حاولت ولم تقدر فإن محاولتك تكفيك ويكون لك الأجر عند الله ، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها. يقول: (اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه) يعني: يأتي يحامي عن أصحابه حفاظ القرآن، وقد ذكرهم أنهم أهل الله، فقال: (إن لله أهلين من أهل الأرض) فهؤلاء الأهل هم حفاظ القرآن فهم أهل الله سبحانه، فكرمهم الله بهذه الإضافة وبهذا التشريف. عن النواس بن سمعان ﵁ قال: (سمعت رسول الله ﷺ يقول: يؤتى يوم القيامة بالقرآن وأهله الذين كانوا يعملون به). فأهل القرآن هم حفاظ القرآن، ولكنه أتى هنا بشرط فذكر الحافظ لكتاب الله الذي كان يعمل به، فلم يحفظه رياء وسمعه، ولم يحفظه نفاقاً، ولم يحفظ القرآن ليجادل به بالباطل، ولا ليقال عنه: حافظ، ولا ليقال عنه: عالم، ولا ليقال عنه: قارئ، وإنما حفظ القرآن طاعة لله وحباً لله ، وحباً في كتاب الله ، وخدمة لدين الله، فهذا الذي يؤتى به يوم القيامة كما جاء في الحديث: (تقدمه سورة البقرة وآل عمران) فتقدمه هاتان السورتان، وهما أعظم سور القرآن بعد الفاتحة، (تحاجان عن صاحبهما) وهذا الذي تتقدم أمامه سورة البقرة وسورة آل عمران لتدافع عنه يحسده أهل الموقف؛ لأنه يأتي ومعه من يدافع عنه، وغيره يأتي وحده، ألا يدفع هذا المسلمَ إلى أن يحاول أن يحفظ سورة البقرة وسورة آل عمران؛ لأجل هذا الموقف العظيم بين يدي الله ، فيجد من يحامي ويدافع عنه ومن يظله يوم القيامة. يقول عثمان ﵁ فيما رواه عنه البخاري: (قال رسول الله ﷺ : خيركم من تعلم القرآن وعلمه) (خيركم) أي: خير المؤمنين الذي يتعلم القرآن، ويحفظ القرآن، ويتفهم معانيه، ويتدارس القرآن، واشترك في الفضيلة العالم والمتعلم، المدرس والدارس، فكلاهما اشتركا في الفضيلة.

стр. 989

فضيلة الماهر بالقرآن عن عائشة ﵂ -وهذا في الصحيحين- قالت: قال رسول الله ﷺ : (الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة). والماهر بالقرآن قالوا هو الذي يجيد لفظه على ما ينبغي، يعني: أنه ينطق به نطقاً صحيحاً فصيحاً بما تعلم من أحكام تلاوة كتاب الله ، بحيث لا يشتبه عليه ولا يلتبس في قراءته، فهذا الإنسان مع السفرة الكرام البررة. والسفرة هم رسل الله الذين بين السماء والأرض، وقد نزلوا إلى رسل الله بما أعطاهم الله من هذا القرآن؛ ليحفظه النبي صلوات الله وسلامه عليه، فهذا مع ملائكة الله الذين وصفهم بأنهم سفرة، وكرام وبررة. قال ﷺ : (والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران) فلن تعدم خيراً في حفظ كتاب الله ، فإن حفظت بسهولة فلك أجر عظيم، وإن حفظت وتعبت في الحفظ وكان شاقاً عليك وتتعتعت فيه فلك أجران وليس أجر واحد، وهذا فضل عظيم من الله . وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة: ريحها طيب وطعمها حلو ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة: لا ريح لها وطعمها حلو) هذا الحديث يقسم الناس مع القرآن إلى أربعة أصناف: إما مؤمن وإما منافق، والمؤمن إما أنه يحفظ من القرآن وإما أنه لا يحفظ، والمنافق إما أنه يحفظ وإما أنه لا يحفظ، فصاروا أربعة: وصفين في وصفين. قال ﷺ : (مثل المؤمن) وضرب لنا مثالاً من الأشياء الموجودة بين أيدينا، فالذي يقرأ القرآن مثل الأترجة، وهي ثمرة من الثمار أقرب ما يمكن أن نشبهها بالبرتقالة أو الأترنجة، وهذا نوع من أنواع الثمار الموالح. يقول النبي ﷺ : (مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة: ريحها طيب وطعمها طيب) فإذا أخذتها وشممتها لن تجد لها ريحاً خبيثة، ولكن ستجد لها رائحة حلوة طيبة، وتأكلها فإذا هي طيبة، فالمؤمن الذي يقرأ القرآن كله طيب ظاهره وباطنه، فعبر عن ذلك بثمرة رائحتها جميلة، ولونها أصفر، وقد ذكر الله اللون الأصفر، فقال: ﴿صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ [البقرة:٦٩]، فيسرك لونها ويسرك طعمها، فتنتفع بها. قالوا: وفيها فوائد في بذرها، وفي لحمها، وفي شحمها، وفي قشرتها، قالوا: وكذلك الإنسان المؤمن إذا كان حافظاً لكتاب الله فإن فيه فوائد لا تعد. قالوا: والأترجة اشتركت فيها حواس الإنسان الأربع، البصر: فإذا نظرت إليها سرك منظرها، والذوق: فتتذوق طعمها فتفرح به؛ لأنه جميل، والشم: فتشمها طيبة فلا تؤذيك، واللمس: فملمسها ناعم وطيب وجميل. وهو هنا يقرب مثل المؤمن الذي يحفظ كتاب الله وليس شرطاً أن يحفظ الكتاب كله، فلو حفظ بعضه فإن ذلك يشمله، فالمؤمن الذي يقرأ القرآن جميل باطنه وظاهره. قال: (ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة: لا ريح لها وطعمها حلو) فصفة الإيمان فيه صفة طعم، وصفة الرائحة قد توجد وقد لا توجد، وأما الطعم فباقٍ، لذلك فالإيمان باقٍ فيه، ولو ترك الإيمان لحظة كفر، فهو مؤمن، وإيمانه مستمر كطعم التمرة، وقد يقرأ القرآن أحياناً وقد يتركه أحياناً، وقد يحفظه أحياناً وقد ينساه أحياناً، لكنه إذا قرأ القرآن فهذا مثَله. فإذا كان لا يحفظ القرآن فمثله مثله مثل التمرة لا تعدم فيه خير، وإذا بلوته واختبرته وجدت فيه الخير؛ لأنه مؤمن، فإيمانه كهذه التمرة التي لا ريح لها ولكن طعمها حلو. يقول ﷺ : (ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن) وهنا ينعكس الأمر، فالإنسان المنافق مسمِّع ومرائي بحفظه لكتاب الله، فلم يحفظ لله ، وإنما حفظ القرآن لكي يجادل به بالباطل، ولكي يظهر نفسه أمام الناس، والمنافق هو الذي طلب بالقرآن الدنيا ولم يطلب به وجه الله ، فمثله كمثل الريحانة: رائحتها جميلة، وأنت قد تستهويك الرائحة الطيبة فإذا طعمت هذا الذي رائحته طيبة وجدته مراً، وهذا إذا سمعت صوته وجدته جميلاً جداً، فإذا تعاملت معه خدعك ونصب عليك، وعمل بخلاف ما يقوله، فهذا الرائحة الطيبة التي فيه هي رائحة القرآن العظيم، وأما هو فطعمه مر، قال ﷺ : (ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن) أي: المنافق الذي لا يحفظ شيئاً من القرآن، وقلبه فيه الكفر، وأفعاله الظاهرة تدل على ما في باطنه، وإن كان ينتمي إلى المسلمين ويجلس مع المسلمين لكن حقيقته أنه كافر، مثل عبد الله بن أبي بن سلول، فابنه كان مؤمناً وكان هو كافراً يظهر الإسلام فقط؛ ليحصن نفسه ودمه بدخوله في الإسلام مع النبي ﷺ . وهذا الرجل الذي كان كافراً وكان يعادي النبي صلوات الله وسلامه عليه، فلما توفي طلب ابنه من النبي ﷺ أن يكفنه في ثوبه، فكفنه بثوبه، ولم يزل يلح على النبي ﷺ أن يصلي عليه حتى صلى عليه، فلم تنفعه صلاة النبي ﷺ ، قال الله: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة:٨٠] أي: حتى أنت يا رسول الله ﵊ مهما استغفرت لهذا المنافق فلن يغفر الله له، وكلمة (سبعين) ليس المقصود منها نفس العدد سبعين، ولكن المقصود تكثير العدد، كما تقول: مليون مرة، وكان العرب إذا قالوا سبعين يقصدون به العدد الكبير، فجاء القرآن بلغتهم، فسواء استغفرت له أم لم تستغفر فلن يقبل؛ لأنه عاش كافراً ومات كافراً وإن أظهر للناس أنه مسلم، ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ [التوبة:٨٤] فكانت آخر مرة يصلي فيها رسول الله على رجل منافق ﴿وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة:٨٤] لماذا؟ ﴿إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة:٨٤]، فهنا يخبر الله النبي ﷺ عن هذا المنافق وأمثاله من الذين أظهروا الإسلام وكانوا بين المسلمين، أنهم كانوا أشد بغضاً لدين الله وللمسلمين، وإذا أتى وقت الجد تكلموا بكلام قبيح لا تتوقعه، فقد تسمع عن الإنسان أنه مسلم فإذا تكلم شعرت أنه أشد من أعداء الإسلام على الإسلام، بل إن أعداء الإسلام يستحيون أن يقولوا ما يقوله هذا الإنسان، ومثل هذا يقول: أنتم تريدون أن ترجعونا مرة أخرى للتخلف وللماضي، وتريدون أن تعيدونا إلى الكتب الصفراء يقصدون القرآن وسنة النبي صلوات الله وسلامه عليه، فتعجب من هؤلاء فكلامهم مر، وحين تخبر هذا الإنسان تجد النتن في كلامه، وتجد القذارة والكفر على لسانه، يقول النبي ﷺ في هؤلاء المنافقين، (لا ريح لها) يعني: مثله مثل الحنظلة (لا ريح لها وطعمها مر) فليس فيه أي خير ولا أي فائدة، وإذا تكلم تكلم بكلام الكفار وليس بكلام المسلمين، فلا ينطق إلا بشر، وإذا تعاملت معه تجده أبعد الناس عن دين الله سبحانه، وأحقد الناس على دين الله ، فيتكلم عن الإسلام بكلام هو الكفر والعياذ بالله، وهو أمرّ من الحنظل كما وصفه النبي ﷺ بهذا الوصف، فهو مثل الحنظلة، فالمؤمن مثله كشجر الفاكهة كالأترجة التي شجرتها عالية، والمنافق مثله كمثل الحنظلة، وهو نبات ينبت على الأرض يسمونه بطيخ، فالمنافق في الحظيظ على الأرض، والمؤمن عالٍ مرتفع. عن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين) فهناك أناس حفظوا القرآن وارتفعوا به فكانوا أحب الخلق إلى الله ، وكانوا أهل الله وخاصة الله، فارتفعوا بالقرآن وسموا به، وأناس آخرون طلبوا القرآن للدنيا فإذا بالله يضعهم، فيأبى الله أن يرفع إلا من أعز دينه، وإلا من والى الله ، وقد تجد إنساناً حافظاً لكتاب الله محبوباً بين الناس، وتجد آخر يحفظه لكن الناس يبغضونه ولا يحبونه، فهذا وضعه الله وذاك رفعه الله .

стр. 990

الإكثار من قراءة القرآن نعمة يستحق صاحبها أن يحسد عليها عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالاً فهو ينفقه آناء الله وآناء النهار)، وهذا الحديث تقدم قبل ذلك. قوله: (لا حسد) بمعنى لا غبطة، فأنت تنظر إلى هذا الإنسان وتتمنى أن تحفظ مثله، وليس الحسد هنا بمعنى أنك تتمنى زوال نعمته، فلا يجوز ذلك، وهذا الحسد قد أمرنا الله أن نتعوذ به من أصحابه: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق:١ - ٢]، إلى قوله: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق:٥]. والمقصود بالحسد في الحديث أن تغبط هذا الإنسان وتحب النعمة التي هو فيها، وتتمنى بقاءها، وتتمنى أن يكون لك مثل هذا الإنسان، ولا تتمنى فقط بل تتمنى وتحاول، وقد تجد إنساناً يقول: ليتني أكون مثل هذا الرجل الذي يحفظ القرآن، لكنه لم يعمل شيئاً، ولم يحاول أن يحفظ القرآن، وقد تجد إنساناً يريد أن يحج، فتسمع آخر يقول: ياليتني أحج، فتسأله يا فلان هل ذهبت للحج من قبل؟ فيقول: لا. فتقول له: هل لديك مال للحج؟ فيقول: نعم. إذاً ما معنى قولك يا ليت؟ فاذهب وحج، وإذا منعت رجوت من الله أن يكتب لك الأجر على ذلك، وأما أن تتمنى الحج مع وجود المال ومع وجود الاستطاعة، ولم تصنع شيئاً فهذا من العجز، بل إن الذي يتمنى الخير عليه أن يعمل حتى يصل إلى أمنيته الصالحة، ولا يتمنى ثم يقعد. فإذا قلت: يا ليتني أحفظ القرآن، فحاول أن تفتح المصحف ثم احفظ آية أو آيتين، واحذر من الشره، فإنها إذا أتت الإنسان تجده يقول: أريد أن أحفظ القرآن، فيأخذ المصحف ويريد أن يحفظ ربعين في اليوم، فلا يستطيع ويصعب عليه وينسى، ثم يمل ويترك، ولكن احفظ كما كان يحفظ الصحابة، فقد كانوا يحفظون بعض الآيات، ثم أتقن هذه الآيات، وافهم معانيها، ثم انتقل إلى غيرها، ولو تحفظ القرآن في عشر سنين أو في عشرين سنة، ولو قسمت القرآن على عشرين سنة أو ثلاثين سنة وعلم الله من حالك أنك تريد أن تحفظ القرآن فلعله يحشرك مع من يحفظ القرآن، حتى وإن مت قبل أن تحفظ فالله يعاملك بنيتك، فإذا أحسنت النية أعطاك الله أحسن الجزاء، يقول النبي ﷺ عن أحد الاثنين: (رجل آتاه الله القرآن فحفظه وعلمه، فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار). فاحرص على حفظ القرآن، واحرص على أن تحفظ أولادك كتاب الله ، وإذا حفظت شيئاً فشيئاً فستحفظ في يوم من الأيام بفضل الله القرآن كاملاً. وليكن عملك لله ، فلا تطلب بعملك الدنيا، وكذلك في أبنائك، فلا يكن الأمر أنك تريد من أبنائك أن يحفظوا القرآن لكي تفتخر بذلك فقط، فلعلك بشؤم هذا الكلام والافتخار تنسف كل ما حفظوه، فتعلم القرآن لله وليس للتفاخر على الناس، وليس لأجل أنا ولدي أفضل من ولدك، فإن هذا لا يعرف إلا يوم القيامة، ومن أخلص لله كان له الفضل عند الله ، وكم من إنسان حفظ القرآن وهو صغير فلما كبر وصار رجلاً وشاباً إذا به ينسي ما حفظه بسبب الغرور. وكم رأينا من أطفال صغار من سنين طويلة يكون عمره ست سنين وقد حفظ القرآن كاملاً، ويكون عمره ثمان سنين وقد صنع حفلة لأجل أنه أكمل القرآن، والآن لما ننظر أين هذا الإنسان تجده قد نسي القرآن وانشغل بالدنيا، ولها ولعب مع اللاعبين، وذهب ما حفظ من القرآن. فأنت عندما تحفِّظ ولدك كتاب الله ابتغ الأجر من الله، وحافظ له على ما حفظ من القرآن، وراجع معه، ومره ليل نهار بمراجعة كتاب الله ، واحذر من الفخر حتى لا يضيع ثواب عملك، وحتى لا تجد شؤم هذا الافتخار في النسيان وعدم الاستذكار، فتضيع منك الدنيا والآخرة. والولد الذي يحفظ القرآن يأتي يوم القيامة فيكسو الله والديه بحلة من عنده ، فيسألان الله : بأي شيء هذا؟ فيقول: بحفظ ولدكما للقرآن. إذاً فاطلب بعملك دائماً وجه الله سبحانه، واحذر من الدنيا، فإن الدنيا لن تدوم لك ولن تدوم أنت فيها، فلا معنى لأن تتكالب عليها وتطلبها، أو تطلب أن يشير الناس إليك. لقد كان أصحاب النبي ﷺ يخافون من ذلك، فقد كان أحدهم إذا سار في الطريق يسير معه الواحد والاثنان والثلاثة، فإذا زادوا عن أربعة تركهم وانصرف، فلا يحب أن يكون حوله مجموعة من الناس فينظر إليه بعين أن هذا معه مجموعة من الناس، فما كانوا يحبون إلا الاختفاء بالأعمال، والتقرب إلى الله؛ لأنهم تعلموا ذلك من النبي ﷺ . مر النبي ﷺ على رجل في المسجد قائم يصلي يطول في صلاته ومعه رجل بجواره - والحديث في مسند الإمام أحمد، فيقول النبي ﷺ لمن معه: (أتراه يرائي؟) يعني: لماذا يطول في الصلاة في المسجد في غير صلاة الفريضة؟ فقال الرجل: كعادة أصحاب النبي ﷺ في طيب القلوب وحسن الظن قال: (يا رسول الله! هو من أعبد أهل المدينة، فسكت النبي ﷺ وانطلق إلى بيته، فلما وصل قال فنفض يده من يده وقال: إن أحب دينكم إلى الله أيسره) فالله لم يطلب من الناس أن يصلوا في المسجد بهذه الصورة، ولكن من أراد أن يطول في صلاته ففي بيته لكن أمام الناس لا؛ فإن الناس سيتنافسون في ذلك، فإذا صلى أحدهم نصف ساعة فإن الآخر يقول: سأصلي ساعة كاملة، والثالث يقول: سأصلي ساعتين، فتصبح الصلاة للتظاهر والتفاخر. والفريضة قد علمنا النبي ﷺ كيف نصليها ونقرأ فيها، فنصلي كما صلى صلوات الله وسلامه عليه، والمطلوب في الفريضة الإظهار، والمطلوب في النافلة الاستتار، وتطلب الأجر من الله بالفريضة والنافلة. نرجع للحديث قال: (ورجل آتاه الله مالاً فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار) (رجل آتاه الله مالاً) من نعم الله على العبد أن يعطيه المال ويعطيه البنين، والإنسان طالما أنه يحافظ على النعمة وينفق لله فإن الله يبقيها في يده، كما جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله جعل منافع العباد عند أقوام، فأعطاهم نعماً -هذا معنى حديثه ﷺ يبقيها فيهم ما كان العباد ينتفعون بهم، فإذا تركوا أخذها الله منهم). وإذا آتاك الله مالاً فاعلم أن المال مال الله ، وأن فيه حقوقاً عليك، فإذا أعطاك ألفاً فعليك زكاة في هذه الألف إذا مر عليها سنة مقدارها خمس وعشرون، فتعطيها للفقراء، فإذا أعطيتها للفقراء أبقى الله النعمة في يدك؛ لأنك عرفت حق الله. فإذا كانت أكثر من ذلك أعطيت زكاتها، وتصدقت على من يحتاج بشيء من مالك، وأعطيت بالليل وبالنهار، قليلاً وكثيراً، ومستحيل أن تنفق ولا يعطيك الله وطالما أنك تنفق ونيتك حسنة، فإن الله يعطيك ويبقي النعمة في يدك، إلى أن يضن الإنسان ويشح بماله ويرفض أن يعطي الحق للفقراء، فيأخذ الله منه هذه النعمة ويحولها إلى غيره. والفقراء والضعفاء يسألون الله فيأت الله بهذه الأرزاق التي تصل إلينا، والأرزاق لها أسباب، فإما أن تكون سبباً من هذه الأسباب فيعطيك النعمة ويفيض عليك من نهر نعمه سبحانه. فإذا أعطاك الله فأعط الفقراء والضعفاء مما أعطاك الله ، وإذا منعت عنهم منع الله عنك العطاء وأعطاه لغيرك، ولن يحرم الله الفقراء من رزقه وفضله وكرمه، ولكن يسبب الأسباب، فإذا أعطاك الله النعمة فأعط لخلق الله ما وجب عليك، وأعط أكثر من ذلك مما تقتدي فيه بالنبي صلوات الله وسلامه عليه وبعباد الله الصالحين، قال النبي ﷺ : (ورجل آتاه الله مالاً فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار). أي: في أحايين الليل وساعاته، وبالنهار وأوقاته، وفي رواية أخرى قال: (سلطه على هلكته في الحق) فهو يعطي وينفق المال لله، والله عظيم كريم، نسأل الله من فضله ورحمته فإنه لا يملكها إلا هو. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 991

شرح رياض الصالحين - من (فضل قراءة القرآن) إلى (ما جاء في الحث على سور وآيات مخصوصة) القرآن الكريم كتاب الله الذي أنزله لهداية الناس، وأخرجهم به من الظلمات إلى النور، ولذلك فقد حث الله على تعلمه وتعليمه، وبين عظيم أجر وجزيل ثواب ذلك في الدنيا والآخرة، ورغب في الاهتمام به، وملازمته، وبين فضل صاحبه ومنزلته في الآخرة، وقربه منه تعالى، وأن قراءته وحفظه والعمل به سبب لدخول الجنة.

стр. 992

فضائل تعلم القرآن وتعليمه وتلاوته بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صلّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. أما بعد: فقد حث النبي ﷺ المؤمنين على حفظ كتاب الله بقوله ﷺ : (اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه)، وقوله ﷺ : (خيركم من تعلم القرآن وعلمه). كذلك جاء عنه صلوات الله وسلامه عليه فيما رواه مسلم عن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين). وهذا الحديث الذي رواه مسلم موافق لما في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري قال: قال النبي ﷺ : (مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة)، فشبه النبي ﷺ المؤمن قارئ القرآن بالأترجة، والمؤمن الذي لا يقرأ القرآن، ولا يحفظه بالتمرة، والمنافق الذي يقرأ القرآن ويحفظه شبهه بالريحانة، والمنافق الذي لا يقرأ القرآن ولا يحفظه بالحنظلة. فهذه أربعة أمثلة لمؤمن يحفظ، ومؤمن لا يحفظ، ومنافق يحفظ، ومنافق لا يحفظ. فالقرآن إذا حفظه المؤمن فإن النتيجة من ذلك تكون عملاً صالحاً، وحسن الخلق، والتقرب إلى الله بالعبادة، وتحبباً إلى الخلق بما يؤديه إليهم من منافع؛ (فخير الناس أنفعهم للناس). وقوله ﷺ : (إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين)، أي: بالقرآن العظيم، فإذا حفظه أحد وعمل به فإن الله يرفعه درجات عالية، وإذا حفظه يريد به الدنيا فإن الله يضعه، وهو يظن أنه وصل، ولم يصل إلى شيء؛ لأنه جعل أعظم الأشياء وأجملها وأحسنها وأفضلها طريقاً يطلب بها أشياء حقيرة لا قيمة لها. ولذلك فينبغي على الإنسان الذي يحفظ القرآن العظيم أن يطلب به الآخرة، ولا يطلب به العلو في الدنيا، وإذا علا في الدنيا بسبب ذلك نفاقاً ورياءً وسمعة فإن الله يزيل منه ذلك يوماً من الأيام، فيضعه بذلك. وإذا أراد أن يرتفع على الناس بسبب أنه يحفظ القرآن، طلب الدنيا والرفعة به وليس لطاعة الله، وإذا اغتر على الخلق وجادل العلماء ومارى السفهاء، وأظهر حسن الصوت، وأظهر أنه أفضل من غيره يريد الدنيا بذلك، فإنه يكون أحد أول من تسعر به النار يوم القيامة، قال النبي ﷺ : (إن أول من تسعر بهم النار يوم القيامة ثلاثة، -وذكر منهم- رجل حفظ القرآن فأتى به ربه يوم القيامة، وعرفه نعمه وقال: ما عملت فيها؟ قال: قرأت فيك القرآن وأقرأته، -أي: تعلمت القرآن وعلمته- فيقول له: كذبت كذبت كذبت، إنما قرأت القرآن ليقال: قارئ)، فهذا الذي حفظ القرآن من أجل الشهرة والسمعة بين الناس، فهو لم يطلب الدرجة عند الله ، وإنما طلب حقارة الدنيا، وقد قيل، فيؤمر به إلى النار. فإن الله يرفع بهذا القرآن أقواماً في الدنيا بزهدهم وبصلاحهم وبحبهم لله وبإخلاصهم له، وفي الآخرة يرفعهم درجات بما يحفظونه من آياته سبحانه. (ويضع به آخرين) أي: الذين قرءوا القرآن ولم يتجاوز شفاههم وحناجرهم، ولم يدخل إلى قلوبهم، فهم لم ينتفعوا به في الدنيا ولا في الآخرة. وأيضاً للحديث معنىً آخر وهو: أن الله جعل هذا القرآن شريعة ومنهاجاً، فمن آمن وأطاع الله وأقبل على القرآن من الناس رفعه الله ، ومن حاد الله وشاق دينه ، وأصر على الكفر وضعه الله وأذله، والنبي ﷺ قد وعده ربه سبحانه أن ينتشر هذا الدين، ولا يترك بيت مدر ولا حجر إلا ودخله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام وأهله، وذلاً يذل الله به الكفر وأهله. وهذا معنىً آخر لهذا الحديث، فإن الله يرفع المؤمنين المتمسكين بهذا القرآن، المطبقين لأحكامه، الآخذين به بقوة في الدنيا والآخرة، بجهادهم في سبيل الله سبحانه، وبنشرهم دين ربهم سبحانه. (ويضع به آخرين) أي: الذين ينافقون، ويجرمون في حق الدين وحق الإسلام، والذين يعادون دين الله فأبى الله إلا أن يذل من عصاه.

стр. 993

غبطة حافظ القرآن والعامل به روى البخاري ومسلم عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار)، وهذه صورة لحافظ القرآن الذي يحفظ القرآن ويلازمه، فهو في النهار قائم به يصلي ما فرضه الله ﵎ عليه، فيقوم به علماً وعملاً، وتعلماً وتعليماً، نصيحة لنفسه ولغيره، فهو ينصح لله ولرسوله ولكتابه، وينصح للمؤمنين، فهذا قيامه بالنهار، وأما قيامه بالليل فهو أنك تجده باكياً بين يدي الله ، مصلياً لله ، فهذا هو الذي يستحق أن نتمنى أن نكون مثله، ويا ليتنا مثل هذا الإنسان الذي يقوم بالقرآن بالنهار فيعمل به، ويقوم به بالليل فيصلي به، فهذا هو الذي يستحق أن نغبطه على ما آتاه الله من فضله. وأما الآخر فهو: (رجل آتاه الله مالاً فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار)، وهذا أيضاً يستحق أن نغبطه، وأن نتمنى أن نكون مثله، وأن يبارك الله له في هذا الذي معه.

стр. 994

تنزل الملائكة لقراءة القرآن جاء عن البراء بن عازب ﵁ في الحديث المتفق عليه قال: (كان رجل يقرأ سورة الكهف، وعنده فرس مربوط بشطنين)، وهذا الرجل هو أسيد بن حضير ﵁، وقد كان رجلاً فيه إخلاص وعبادة، وحب لله، رضي الله ﵎ عنه، وقد كان هذا الرجل يذهب أحياناً إلى النبي ﷺ ومعه شخص آخر، فإذا رجع من عنده والليلة مظلمة وفي يده عصا، يجعل الله سبحانه العصا أمامهما نوراً، وكأنها مصباح وكشاف تضيء له الطريق، وعندما يفترقان في الطريق ويذهب هذا إلى بيته وهذا إلى بيته، يجعل الله لكل منهما نوراً أمامه، وقد كان أسيد بن حضير ﵁ يظل ليله مصلياً لله . وفي إحدى المرات قام يصلي من الليل ﵁، قال: (وعنده فرس مربوط بشطنين) أي: فرس قد ربطه بحبلين فتغشته سحابة، فجعلت تدنو منه وهو يقرأ القرآن بالليل)، وفي رواية: (كان يقرأ سورة الكهف، فإذا بسحابة فيها مثل المصابيح -أي: ممتلئة بالنور- نازلة من السماء وابنه بجواره، والفرس بجواره، وهو يقرأ القرآن، فنفر الفرس، وجعل يهتز في مكانه، وخشي أسيد بن حضير ﵁، فانتبه وجعل ينظر، فإذا بهذه السحابة تدنو من رأسه رضي الله ﵎ عنه. فخاف على ابنه بجوار الفرس من أن يرفسه، فتوقف عن القراءة، فارتفعت السحابة، فعاد يقرأ فنزلت عليه مرة ثانية، فترك القراءة خوفاً على ابنه، فلما أصبح ذهب إلى النبي ﷺ فذكر له ذلك، فقال النبي ﷺ : (تلك السكينة تنزلت للقرآن)، أي: نزلت السكينة من السماء، وهي سحابة فيها ملائكة الله ، ولو ظل يقرأ لنزلت الملائكة تسلم عليه، ولأصبح الناس يسلمون عليهم وتسلم عليهم، ولكنه خاف على ابنه. وقد جاء في الحديث الآخر أن النبي ﷺ قال له: (اقرأ يا ابن حضير! اقرأ يا ابن حضير!) أي: ليتك قرأت يا ابن حضير. فقارئ القرآن يقرأ القرآن ويستمتع به، ولا يدري بالغيب الذي حوله، أن ملائكة الله ينصتون له ويستمعون له، وأن السكينة تنزل على قارئ القرآن، ولذلك عندما تحضر مجالس العلم كن مستيقناً بما قاله النبي ﷺ : (ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده)، وهذه غيوب نحن لا نراها، ولكن نصدق بما قاله النبي صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 995

عظم ثواب قراءة القرآن جاء في حديث ابن مسعود ﵁ الذي رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح، قال: قال رسول الله ﷺ : (من قرأ حرفاً من كتاب الله فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: (الم) حرف)، وقد كانت عادة العرب: أنهم يطلقون على الكلمة: (حرفاً)، ويطلقون على الجملة والخطبة: (كلمة)، فحتى لا يظن السامع أن النبي ﷺ يقصد أن الكلمة حرف، وضح ذلك وقال: (لا أقول: (الم) حرف)، أي: إنما هذه ثلاثة أحرف، وليست حرفاً واحداً: (ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف). وفي هذا الحديث بيان أن لك بكل حرف تقرؤه من القرآن عشر حسنات، فقد قال ﷺ فيه: (فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها)، فإذا قرأت بفاتحة الكتاب مثلاً، وقرأت: (بسم الله الرحمن الرحيم)، فإنك تأخذ حسنات كثيرة، بعدد حروف الكلمة التي تقرؤها فضلاً من الله سبحانه.

стр. 996

مثل من ليس عنده شيء من القرآن جاء عن ابن عباس ﵄ في الحديث الذي رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح، وإن كان في إسناده راوٍ فيه لين، عن النبي ﷺ قال: (إن الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب). فالإنسان المؤمن الذي يقرأ القرآن له درجات، وأما الذي ليس في جوفه شيء من القرآن، ولا نتخيل أن إنساناً مسلماً أو مؤمناً ليس في جوفه شيء من القرآن؛ لأنه لابد أن يقرأ ولو فاتحة الكتاب حتى يصلي بها، فإذا كان ليس في قلبه شيء من القرآن فهو كالبيت الخرب، ظاهره حلو وباطنه خراب، بخلاف الذي يقرأ القرآن فإن باطنه نظيف طاهر؛ لأنه يقرأ القرآن، ويحفظه، بشرط أن يعمل به.

стр. 997

شرف صاحب القرآن في الآخرة روى أبو داود والترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، وهو حديث صحيح، قال: قال رسول الله ﷺ : (يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا)، وهذه مكافأة للإنسان المؤمن عند الله ، فإن المؤمن حين يدخل الجنة يفرح فرحاً عظيماً، ثم تأتيه هذه المكافأة من الله ، فيقال له: كما كنت تقرأ في الدنيا أي: كما كنت تقرأ في الدنيا تعبداً لله فالآن اقرأ بين يدي الله حتى ترتفع في الدرجات، وليس كما كنت تقرؤه في الدنيا تكليفاً، ولكن اقرأه الآن تشريفاً لك، وذلك حين تقرأ القرآن وترتله بصوت جميل بين يدي الله : (يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارتق -أي: ارتفع- ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها). والقرآن ستة آلاف ومئتان آية، وكل آية تقرؤها فإنك ترتقي بها درجة، فإذا كنت تحفظ القرآن كله فإنك تعلو إلى أعلى الدرجات، وإذا كنت تحفظ بعضه فإنك تعلو بحسب ما تحفظ منه، وهذا يدفع المؤمنين للتنافس في ذلك، فيتنافسون في حب الله ، وفي حفظ كتابه، ولا تيئس ولا تعجز، وحاول أن تحفظ من القرآن حتى آية في كل يوم، وراجع ما حفظته قبل ذلك، وإن الإنسان قد يجلس وهو يريد أن يحفظ فيحاول أن يحفظ ربعاً كاملاً فلا يستطيع أن يحفظ منه شيئاً، فيقوم وقد نسيه كله، وليس ذلك هو المطلوب؛ لأن النبي ﷺ يقول: (إن لكل عمل شرة، وإن لكل شرة فترة، فإما إلى سنة وإما إلى بدعة). إذاً: فالإنسان لا تأخذه الحماسة فيريد أن يحفظ كل شيء مرة واحدة؛ لأن ذلك ليس ممكناً، بل هو صعب جداً، وخاصة إذا لم يكن متعوداً على الحفظ، فيحتاج إلى أن يتعود شيئاً فشيئاً، فيحفظ أولاً آية واحدة، ويرددها في نهاره وغده إلى أن يحفظها، ثم يضم إليها غيرها، ولا يزال يحفظ كذلك إلى أن يحفظ القرآن كله، أو ما استطاع حفظه منه، وليبدأ بما يحبه، وبما يستمتع به، فقد يكون يحب أن يحفظ سورة يس، وغيره يحب أن يحفظ سورة الرحمن، وهكذا، فليبدأ بما يحب، وليس شرطاً أن يبدأ من أول البقرة، أو من أول جزء عم، ولكن السورة التي تستهويه ويحبها يبدأ بها؛ لأنها ستكون سهلة عليه، وليضم إليها غيرها وغيرها، وسيجد نفسه في النهاية قد حفظ الكثير من كتاب الله ، بل حفظه كله.

стр. 998

الحرص على تعهد القرآن، والحذر من تعريضه للنسيان من الأبواب التي يذكرها الإمام النووي ﵀ في التبيان: باب الأمر بتعهد القرآن والتحذير من تعريضه للنسيان. وتعاهد القرآن بمعنى: أن تحفظ وتراجع، ولا يكفي أن تحفظ. وإن الذي يحفظ القرآن يتفلت منه بسرعة، والنبي ﷺ قد أنسي آية وهو يصلي بالناس، وذكره بها أبي بن كعب ﵁ بعد الصلاة، فكيف بغيره صلوات الله وسلامه عليه؟! فالقرآن يتفلت من الإنسان. وإذا كان الإنسان يراجع فهو معذور، وأما الذي ترك القرآن فلا يراجع ولا يقرأ ومع هذا يقول: أنا حافظ، فهذا هو المقصر، قال النبي ﷺ : (تعاهدوا هذا القرآن، فوالذي نفس محمد بيده لهو أشد تفلتاً من الإبل في عقلها). (تعاهدوا) أي: راجعوا، وحافظوا على ما تحفظون من القرآن، وراجعوا كل يوم، واجعلوا لكم وقتاً للمراجعة، وداوموا على ذلك، كما قال النبي ﷺ : (تعاهدوا القرآن) أي: اجعل للقرآن وقتاً تتعاهده فيه، حتى تراجع ما تحفظ، ولا يتفلت منك، وتأس بالنبي ﷺ ، فقد كان جبريل ينزل عليه كل سنة في رمضان فيراجع مع النبي ﷺ ما يحفظه من القرآن، ويتدارسه معه. وفي هذا الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال النبي ﷺ : (تعاهدوا)، أي: حافظوا على قراءة القرآن، وواظبوا على تلاوته، (فوالذي نفس محمد بيده لهو أشد تفلتاً) أي: يتفلت من الإنسان، ويخلص منه ويذهب ويتركه (من الإبل في عقلها)، أي: مثل الجمل حين يبقى مربوطاً في عقاله ويحاول أن يفلت منه ليمشي، وكذلك القرآن إن لم تحافظ عليه فإنه يضيع منك ولن تستطيع أن تتذكره. وفي الحديث المتفق عليه عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (إنما مثل صاحب القرآن كمثل الإبل المعقلة، إن عاهد عليها أمسكها، وإن أطلقها ذهبت)، وهو هنا يضرب المثل بما في البيئة عندهم، فإن الرجل منهم إذا كان عنده جمال فربطها وواظب على أن ينظر إلى الحبل الذي ربطها به أهو سليم أو غير سليم فقد حافظ عليها، وأما إذا غفل عنها فإنها تذهب عنه فلا يجدها. وكذلك القرآن، فإننا إذا لم نتعاهد كتاب الله بالمذاكرة والحفظ والمراجعة فإننا سوف ننساه.

стр. 999

استحباب تحسين الصوت بالقرآن وطلب القراءة من حسن الصوت والاستماع لها من الأبواب يذكرها الإمام النووي ﵀: باب استحباب تحسين الصوت بالقرآن وطلب القراءة من حسن الصوت والاستماع لها. فقارئ القرآن ينبغي أن يحسن صوته بالقرآن، وأن يتغنى به، تعظيماً وتوقيراً لكتاب الله ، والنبي ﷺ لم يذكر ذلك في غير القرآن، فلم يذكر شيئاً ثانياً، لا التغني بحديث النبي ﷺ ، ولا التغني بالشعر، ولا التغني بالكلام، ولا التغني في الخطبة، ولا التغني في الدعاء، وإنما ذكر التغني بالقرآن فقط. وقد كان العرب ينشدون الأشعار ويتبارون فيها، فلما نزل القرآن أخبر الله تعالى أن القرآن ليس بقول كاهن، ولا بقول شاعر قليلاً ما تذكرون، أي: قليلاً ما يفهم هؤلاء الناس، فلو أن القرآن مثل الشعر الذي يقرءونه على أوزانهم لقالوا: هذا شاعر، أي: النبي ﷺ ، ولكن القرآن أتى بفواصل جميلة وعجيبة، يسمعها من يسمعها فيقول: لا يمكن أن يكون هذا شعراً، ولكن له حلاوة ونغمة، فالقرآن كلماته متآلفة ليست متنافرة، وعندما يقرؤه الإنسان يجد متعة على لسانه، ويجد نغمة، ولذلك فإن النبي ﷺ أمرنا أن نتغنى بالقرآن، ولم يأمرنا أن نتغنى بشيء غير القرآن. وفي الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به)، (ما أذن) أي: ما استمع الله لشيء، والله يسمع كل شيء، ولكن فرق بين سماع وسماع، فـ (ما سمع) هنا أي: يحب أن يستمع لهذا القرآن من نبينا صلوات الله وسلامه عليه، وهو أجمل الناس صوتاً، وأحسنهم تلاوة صلوات الله وسلامه عليه: (ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن)، وهو النبي صلوات الله وسلامه عليه، فليس هناك غيره حسن الصوت يتغنى بهذا القرآن العظيم، ولكن من تواضعه ﷺ أخبر بذلك على وجه الالتفات، فلم يقل: ما أذن الله لشيء ما أذن لي أن أتغنى بالقرآن، صلوات الله وسلامه عليه، ولكن من تواضعه قال: (ما أذن لنبي)، ومن كان موجوداً معه من الأنبياء ﷺ وهو يقرأ القرآن مع أصحابه؟ لا أحد. وقوله: (يتغنى به) أي: يترنم بآيات كتاب الله بنغمة جميلة، ويجهر بذلك، ويسمع الخلق، فيقرأ كتاب الله لينتفع الخلق به. وفي الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال له: (لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود)، فقد استمع لـ أبي موسى الأشعري ليلة وهو يقرأ القرآن وحده في المسجد في الظلام، ووقف وقفة طويلة يستمع له، وأعجبه صوت أبي موسى رضي الله ﵎ عنه، وفي الصباح قال له: (لو رأيتني وأنا أستمع إليك البارحة)، وقوله: (لو رأيتني) أي: لأعجبك ذلك، فالنبي ﷺ استمع لـ أبي موسى الأشعري لجمال صوته، ولحسن تلاوته وأدائه رضي الله ﵎ عنه، فقال له النبي ﷺ : (لو رأيتني وأنا أستمع إليك البارحة)، أي: لأعجبك ذلك، فقال أبو موسى الأشعري: (لو علمت يا رسول الله لحبرته لك تحبيراً)، أي: لو علمت أنك تستمع لقراءتي لأنها أعجبتك لحبرتها لك تحبيراً، وحاشا أبا موسى أن يرائي أو يسمع، ولكن أعجبه أن الرسول العظيم الكريم يستمع له، وإذا كان يستمع له وصوته يعجب النبي ﷺ لزاد أبو موسى ولحلى صوته أكثر ليسمع النبي ﷺ ما يحب أن يسمع من أبي موسى رضي الله ﵎ عنه. وفي الحديث المتفق عليه من حديث البراء بن عازب ﵁ قال: (سمعت النبي ﷺ قرأ في العشاء بالتين والزيتون، فما سمعت أحداً أحسن صوتاً منه صلوات الله وسلامه عليه). وقد كان الصحابة يسمعون لـ أبي موسى الأشعري بعد وفاة ﷺ ، فقد كان عمر بن الخطاب ﵁ يأتي أبا موسى ويقول: ذكرنا بالله. فيقرأ أبو موسى والكل يسمعون في ذلك المجلس. وهنا البراء بن عازب يحدث بعد النبي ﷺ ، وبعد ما سمع غير النبي ﷺ ، فيقول: (ما سمعت صوتاً أحسن من صوت النبي صلوات الله وسلامه عليه)، فهو صوت جميل يستمع إليه ربه وهو يقرأ القرآن، ويتغنى بكتاب الله سبحانه في خشوع، وقد كان إذا قرأ يسمع في صدره أزيز كأزيز المرجل، من خوفه من الله ، وبكائه منه، صلوات الله وسلامه عليه، ومع ذلك كان هذا لا يؤثر على جمال صوته، وحسن تلاوته، صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 1000

الأمر بالتغني بالقرآن روى أبو داود بإسناد جيد عن أبي لبابة بشير بن عبد المنذر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من لم يتغن بالقرآن فليس منا). فالقرآن ليس كغيره من الكلام، وإنما هو شيء خاص جاء من عند رب العالمين، نزل به جبريل الروح الأمين على النبي سيد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه، نزل عليه فعلمه كيف يتلوه، قال له ربه: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة:١٦ - ١٩]. فقوله تعالى: (لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ) أي: لا تحرك لسانك لتعجل؛ بل اصبر واسمع جيداً لهذا القرآن، ونحن نحفظك إياه، ونعلمك أحكامه، ونعلمك كيف تقرؤه. والنبي صلوات الله وسلامه عليه يعلم المؤمنين، ويأمرهم أن يتغنوا بالقرآن، فيقول ﷺ : (من لم يتغن بالقرآن فليس منا)، أي: إن قارئ القرآن لا يقرؤه كما يقرأ أي كتاب آخر، وكما يقرأ أي كلام آخر، ولكن يقرأ القرآن مستشعراً أنه يؤجر على كل حرف منه، فيحسن التلاوة، ويتعلم كيف يجود القرآن، ويتعلم أحكام القرآن، وأحكام التجويد، وأحكام القراءة، ويتقن القراءة، ويتغنى بها، ولا يقيس على القرآن غيره، ولا يجعل شيئاً آخر كالقرآن. وفي زماننا الآن ما أكثر ما ابتدع الناس من بدع! فقد تغنوا بالقرآن، وبدءوا يتغنون بغير القرآن، والنبي ﷺ لم يذكر سوى القرآن فقط، فقال: (ليس منا من لم يتغنّ بالقرآن)، حتى حديث النبي ﷺ لا يتغنى به. أما أن يقف على المنبر ويخطب ويتغنى، فما جاء عن النبي ﷺ ذلك، إلا أنه كان يقرأ القرآن ويتغنى به، صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 1001

الأمر بالاستماع للقرآن روى الشيخان عن ابن مسعود ﵁ قال: قال لي النبي ﷺ : (اقرأ عليّ القرآن)، وابن مسعود رضي الله ﵎ عنه كان رجلاً عالماً من أصحاب النبي صلوات الله وسلامه عليه، وقد كانوا لفترة طويلة يظنونه من آل بيت النبي ﷺ ؛ لكثرة دخوله وخروجه على النبي صلوات الله وسلامه عليه. فيقول له النبي ﷺ : (اقرأ عليّ القرآن. قال: فقلت: يا رسول الله! أقرأ عليك وعليك أنزل؟)، أي: القرآن نزل عليك وتأمرني أن أقرأه عليك؟ وهذا من باب هضم النفس والتواضع، وأيضاً هذا تواضع من النبي ﷺ لتعليم الخلق أن الإنسان يقرأ ويستمع للقرآن، ففي قراءته للقرآن يتدبر ويحسن القراءة، وفي سماعه يتأمل ويتدبر، فقال ﷺ : (إني أحب أن أسمعه من غيري، قال: فقرأت عليه سورة النساء حتى وصلت إلى قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء:٤١] قال: حسبك الآن. قال: فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان)، صلوات الله وسلامه عليه. فقد كان يبكي صلوات الله وسلامه عليه حين يستحضر الآخرة ويوم القيامة، وحال وجوده يوم القيامة، وهي حال تشريف له ﷺ ، وحال علو وارتفاع له، يقول له ربه: فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك أنت شاهداً على الكل، فإذا كان هذا النبي الشاهد ﵊ يبكي خوفاً من هذا اليوم، فكيف بالمشهود عليهم؟ وكيف يكون حالهم؟ وهذا النبي ﷺ يملاً الخوف من الله قلبه، وهو سيد الخلق ﵊، وهو صاحب لواء الحمد يوم القيامة، وصاحب الشفاعة العظمى والمقام المحمود، وصاحب الشفاعات يوم القيامة، ومع ذلك يبكي ﵊ من ذلك! فالمؤمن أولى أن يحدث في قلبه الخوف والرعب والرهبة من هذا اليوم، ويسأل الله العفو والعافية. والمقصود من هذا الحديث: بيان أن المؤمن إذا استمع للقرآن فليستمع إليه بحب لله ولكلامه، وبتدبر وتأمل، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾ [الأعراف:٢٠٤] وهذا توكيد من رب العالمين سبحانه، فإذا قرئ القرآن استمع، وفرق بين أن يقول: (اسمع) و (استمع)، فاسمع أي: شيء يمر على سمعك فاسمعه، وأما (استمع) أي: انتبه، وأصغ سمعك، وانتبه لما يقال، وأنصت ولا تتكلم أو تتحرك أو تلتفت عن القرآن، وإنما استمع وأصغ له، كما قال تعالى: ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف:٢٠٤]، أي: فلعل الله يرحمنا بذلك.

стр. 1002

الحث على آيات وسور مخصوصة القرآن كله عظيم، ولكن لا مانع من أن تكون آية أفضل من غيرها، وليس المعنى حين نقول: هذه أفضل من هذه، أن هذه أقل، ولكن القرآن كله فاضل وعظيم، والله جعل البعض منه أفضل من البعض الآخر.

стр. 1003

أعظم سورة في القرآن هي سورة الفاتحة جاء عن أبي سعيد بن المعلى ﵁ أنه كان يصلي في المسجد، فناداه النبي ﷺ فلم يرد، فأسرع في صلاته وذهب إلى النبي ﷺ ؛ لأنه يعلم أن معنى قول الله: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨] أنه لا يقطع صلاته حتى ينتهي منها، فقال له النبي ﷺ : (ما منعك أن تجيبني؟ قال: كنت في صلاة)، وظن أن النبي ﷺ كغيره، ولم يعلم أن النبي ﷺ له حكم آخر في صلاة النافلة، وهو وجوب إجابة النبي ﷺ وقطع صلاة النافلة؛ لأن الصلاة نافلة، وإجابة النبي ﷺ واجبة، فإذا تعارضا فيجب عليه إجابة النبي ﷺ ، والخروج من النافلة، فقال له النبي ﷺ : (ألم يقل الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال:٢٤]). أي: أليس الله قال هكذا؟ ثم علمه النبي ﷺ ، فقد أراد أن يعلمه ما يحيا به، وما يملأ قلبه نوراً، فقال له ﷺ : (ألا أعلمك أعظم سورة في القرآن قبل أن تخرج من المسجد؟ قال: فأخذ بيدي فلما أردنا أن نخرج قلت: يا رسول الله! إنك قلت: لأعلمنك أعظم سورة في القرآن، فقال النبي ﷺ : (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته). إذاً: فأعظم سورة في كتاب الله -وكل القرآن عظيم- هي سورة الفاتحة، وقد قال النبي ﷺ هنا: (هي السبع المثاني)، أي: تثنى وتكرر الفاتحة في كل صلاة، وفي كل ركعة تُقرأ، وهذا معنى تثنيتها، أي: تكررها، ففي كل صلاة فريضة أو نافلة تقرأ فاتحة الكتاب، فقال: (هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته) صلوات الله وسلامه عليه. وفي هذا الحديث: أن المؤمن يحرص على هذه السورة العظيمة، فيقرؤها في الصلاة وفي غير الصلاة.

стр. 1004

فضل قراءة سورة (قل هو الله أحد) عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن)، وفي رواية أنه قال لأصحابه: (أيعجز أحدكم أن يقرأ بثلث القرآن في ليلة؟)، وكل الناس يعجزون عن ذلك، ولا يستطيع أحد أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة إلا من أعانه الله على ذلك، وهم فهموا من قول الرسول ﷺ : أنهم يبتدءون من أول سورة الفاتحة إلى أن يتعدوا سورة براءة، حتى يصلوا إلى ثلث القرآن. أي: يقرءون عشرة أجزاء، فلما قال النبي ﷺ ذلك شق ذلك على الصحابة، وقالوا: (أينا يطيق ذلك؟) أي: أن الأمر صعب عليهم أن يقرءوا ثلثه، ويمكن أن يقول البعض اليوم: أنا أستطيع أن أقرأ القرآن كله في يوم واحد أو في ليلة واحدة، ولكن قراءة الصحابة كانت على غير ما نقرأ نحن، فقد كانت قراءتهم قراءة تدبر وتفكر، وقراءة أدب مع الله ، فكان من الصعب عليهم أن يقرءوا ثلث القرآن في ليلة، أي: عشرة أجزاء، فبين النبي ﷺ أن الأمر أسهل، فقال: ((قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) تعدل ثلث القرآن). وإذا كانت الفاتحة أعظم سورة في القرآن، و (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) تعدل ثلث القرآن، فستكون الفاتحة أعظم من ذلك، والغرض من ذلك بيان أن تحرص على ذلك، فاقرأ فاتحة الكتاب، واقرأ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ). وفي البخاري من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ سمع رجلاً يقرأ: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) ويرددها، فلما أصبح جاء إلى رسول الله ﷺ فذكر ذلك له، وكأن الرجل يتقالها، كما نعمل نحن اليوم نصلي بـ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) في الركعتين، وهذا الرجل كان يفعل ذلك، أي: أنه كان يصلي بـ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)، فيقرؤها ويكررها في كل ركعة، ثم في النهار ذهب إلى النبي ﷺ وكأنه يستقل ذلك، لأنه لا يحفظ كثيراً من القرآن، وإنما يحفظ: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)، وهذا الذي عرف أن يقوم به، وإذا بالنبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه يبين له أنها ليست قليلة كما ظن، وإنما هي عظيمة جداً، فقال النبي ﷺ : (والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن)، فيقسم له، وهو لا يحتاج إلى أن يقسم ﵊، ولكنه أراد أن يطيب نفس هذا الرجل؛ لأنه رآها شيئاً قليلاً، فقال له النبي ﷺ : (والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن). فكأنك تقرأ في كل ركعة بثلث القرآن عندما تقرأ بـ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ). وجاء عن أبي هريرة ﵁ نحوه، قال: ((قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) إنها لتعدل ثلث القرآن). وجاء في الترمذي ورواه البخاري تعليقاً عن أنس ﵁ أن رجلاً قال: (يا رسول الله! إني أحب هذه السورة، -يعني: سورة (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) - قال: إن حبها أدخلك الجنة). ولذلك نقول: إنك عندما تحب أن تحفظ فانظر السورة التي تحبها فاحفظها؛ لأن حبك لها يدخلك الجنة، وحفظك لها يرفعك درجات عند الله ، فابدأ بما تحبه، وألف السور، وضم بعضها إلى بعض إلى أن تحفظ القرآن كله. وقد جاء في رواية: أن هذا الرجل كان يصلي بأصحابه، وكان إذا قرأ في الركعة ختم بـ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)، فقالوا له: إما أن تقرأ بالسورة، أو تقرأ بـ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)، أي: لا تجمع بين الاثنتين، وكان الرجل يحب هذه السورة، فقال: إن أحببتم أن أصلي بكم بذلك وإلا فقدموا غيري، وكان هو أفضلهم، فتركوه يصلي بهم. والنبي ﷺ لم يفعل ذلك، ولم يكن يقرأ في كل ركعة بـ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) مع سورة أخرى؛ لأن النبي ﷺ يحب القرآن كله صلوات الله وسلامه عليه، وليس عنده سورة أفضل من سورة، فكان يقرأ بالجميع صلوات الله وسلامه عليه. وأما هذا فحدث في قلبه حب لهذه السورة أكثر من غيرها، فكان يقرؤها في كل ركعة، وليس المعنى: أن السنة أن نفعل مثل هذا، وإنما السنة أن نفعل كما فعل النبي ﷺ ، فهو لم يفعل ذلك ولا مرة واحدة صلوات الله وسلامه عليه، فلم يقرأ في أي ركعة (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) مع السورة التي قرأها في الركعة، ولكن الغرض بيان أن هذا الرجل حدث في قلبه حب لهذه السورة، فلما قال للنبي ﷺ : إني أحبها، قال له النبي ﷺ : (حبك إياها أدخلك الجنة)، أي: بحبك لها، وليست هي فقط، وإنما القرآن كله، فما أحببت منه وتعلقت به كان سبباً لدخولك الجنة، أي: أن الإنسان المؤمن يحفظ ما يحبه، ويقرأ ما يحبه، فإذا كان في الصلاة فخير الهدي هدي النبي ﷺ ، فيفعل كما فعل صلوات الله وسلامه عليه. فالغرض بيان أن (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) لها فضيلة عظيمة، ولذلك جاء عنه صلوات الله وسلامه عليه في حديث آخر أنه قال: (من قرأ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) عشر مرات بني له بيت في الجنة)، أي: قصر في الجنة، فاحرص على تكثير القصور في جنة الله .

стр. 1005

فضل سورة (قل هو الله أحد) والمعوذتين روى الإمام مسلم عن عقبة بن عامر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (ألم تر آيات أنزلت الليلة لم يُرَ مثلهن قط: (قل أعوذ برب الفلق) و (قل أعوذ برب الناس))، أي: آيات عظيمة جداً تنفعك في الدنيا والآخرة، فتحرسك هذه الآيات في الدنيا، ويكون لك أجرها عند الله يوم القيامة. ويطلق على هذه السور مع (قل هو الله أحد) المعوذات، وقد أخبر النبي ﷺ معجباً من هذه الآيات أنه لم ينزل مثلهن. روى الترمذي عن أبي سعيد الخدري قال: (كان رسول الله ﷺ يتعوذ من الجان وعين الإنسان حتى نزلت المعوذتان، فلما نزلتا أخذ بهما وترك ما سواهما) صلوات الله وسلامه عليه. أي: أن النبي ﷺ كان يتعوذ بالله من عين الإنسان، ومن الجان، وكأنه كان يكثر من ذلك صلوات الله وسلامه عليه، وفي أذكار الصباح والمساء يتعوذ الإنسان بكلمات الله التامات من شر ما خلق، ولما نزلت عليه هاتان السورتان أخذ بهما النبي ﷺ ، لأنهما تكفيان عن غيرهما في التعوذ. وعن المغيرة بن شعبة ﵁ أنه كان مع النبي ﷺ في سفر وكأنه كان بعيداً من النبي ﷺ ، فلما قرب من النبي ﷺ سأله أنه يعلمه شيئاً يصلي به، فأمره النبي ﷺ بـ (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ)، و (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ)، فكأنه استقل ذلك، وأراد أن يعلمه سورة طويلة مثل سورة البقرة، أو سورة النساء، وأما هاتان فكل الناس يحفظونهما، فسكت النبي ﷺ ، إلى أن صلى بهم الفجر بـ (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ)، و (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ)، والتفت إلى المغيرة وقال: كيف رأيت؟ أي: أني أنا قرأت بهما في صلاة الفجر، والله سبحانه ﵎ يقول: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء:٧٨]، أي: تشهده ملائكة الليل والنهار، ويشهده المؤمنون المصلون، فقرأ بـ (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ)، و (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ)؛ ليبين عظيم فضل هاتين السورتين.

стр. 1006

فضل سورة تبارك روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إن من القرآن سورة ثلاثون آية شفعت لرجل حتى غفر له، وهي: (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ))، وهذه السورة تشفع للإنسان في قبره، وشفعت لهذا الإنسان إلى أن غفر الله له، وتلقب بالمانعة من عذاب القبر، فينبغي على المؤمن أن يحفظها، وأن يرددها كل يوم وكل ليلة، لتدافع عنه في قبره.

стр. 1007

فضل الآيتين الأخيرتين من سورة البقرة عن أبي مسعود البدري ﵁ في الحديث المتفق عليه عن النبي ﷺ قال: (من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه)، والآيتان هما: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة:٢٨٥]، إلى آخر السورة. فهاتان الآيتان يقول النبي ﷺ عنهما: (من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه)، وأطلق قوله: (كفتاه) ولم يقيدها؛ لتبقى محمولة على العموم، فتكفيانه من الشرور، ومن قيام هذه الليلة، فكأنه إذا قرأ بهما فهما من أعظم ما يقرأ به في قيام الليل، فتكفيانه، فليحرص المؤمن على أن يقرأ ذلك قبل أن ينام، سواء في الصلاة، أو وهو على فراشه، ففيهما الإيمان، وأصول الاعتقاد، والدعاء: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٨٦]، فقد جمعتا خيري الدنيا والآخرة من العقيدة الإسلامية، ومن الدعاء بخير الدنيا والآخرة، فينبغي على المسلم أن يقرأها في كل ليلة.

стр. 1008

فضل سورة البقرة عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (لا تجعلوا بيوتكم مقابر؛ إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة). فقال: (لا تجعلوا بيوتكم مقابر)؛ لأن المقابر لا يصلى فيها، وأهلها موتى، فلا توجد عبادة فيها، وإنما هي إما نعيم وإما جحيم، إما عذاب وإما فضل من الله ورحمة في القبور، فلا يوجد فيها صلاة، ولا قراءة للقرآن، فلا تجعلوا بيوتكم مثل المقابر، فصلوا في بيوتكم النافلة، واقرءوا في بيوتكم سورة البقرة، لتحيا بيوتكم بذلك؛ ولذلك قال ﷺ : (إن الشيطان ينفر -أي: يهرب- من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة)، فينبغي على المؤمن أن يقرأ هذه السورة في بيته ليطرد منه الشياطين. نسأل الله أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1009

شرح رياض الصالحين - ما جاء في الحث على سور وآيات مخصوصة من القرآن العظيم كتاب الله تعالى هو أفضل وأشرف وأصدق كتاب، فقد جعله الله هدى للمتقين، ورحمة للمؤمنين، وهو مبارك، وقد رغب النبي ﷺ في قراءته وتدبره، وخص بعض سوره وآياته بفضائل زائدة، وشرع قراءتها في أوقات وأحوال معلومة.

стр. 1010

الحث على سور وآيات مخصوصة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الإمام النووي ﵀: [باب في الحث على سور وآيات مخصوصة. وعن أبي بن كعب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يا أبا المنذر! أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ قلت: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥] قال: فضرب في صدري، وقال: ليهنك العلم أبا المنذر) رواه مسلم. وعن أبي هريرة ﵁ قال: وكلني رسول الله ﷺ بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آت فجعل يحثو من الطعام وذكر قصة وفيها: (قال لي: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الآية: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وقال لي: لا يزال عليك من الله حافظ ولن يقربك شيطان حتى تصبح، فقال النبي ﷺ : أما إنه قد صدقك وهو كذوب) رواه البخاري]. هذه أحاديث من كتاب رياض الصالحين للإمام النووي ﵀ ذكرها في أبواب الفضائل في باب الحث على سور وآيات مخصوصة. والمؤمن يحب أن يقرأ كتاب الله كله، ويحب أن يحفظه كله، فمهما استطاع أن يحفظ منه وأن يقرأ منه فعل، وتوجد سور وآيات مخصوصة نبه النبي ﷺ على فضلها، فيستحب أن يبدأ الإنسان بهذه السور فيحفظها؛ فإنه لا يدري متى يهجم عليه الموت، وهذه السور والآيات جاء عن النبي ﷺ في فضيلتها أحاديث منها: حديث أبي سعيد بن المعلى ﵁ أن النبي ﷺ قال: (الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته). وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: (قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن). وقال ﷺ : (أيعجز أحدكم أن يقرأ بثلث القرآن في ليلة؟!)، وظاهره أنه يقوم الليل بقراءة ثلث القرآن، فالصحابة ذكروا أن هذا الأمر صعب لا يقدرون عليه، فقال النبي ﷺ قال: قل هو الله أحد الله الصمد ثلث القرآن). كذلك جاء عن النبي صلوات الله وسلامه عليه في سورتي: (قل أعوذ برب الفلق)، و (قل أعوذ برب الناس) (المعوذتين) أن فيهما فضلاً عظيماً، وكان النبي ﷺ يتعوذ بأدعية من الجان وعين الإنسان ثم بعد ذلك اكتفى بسورتي: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ، وكان أحياناً يقرؤهما صلوات الله وسلامه عليه وهو مسافر في صلاة الفجر. فيستحب للمسلم أن يقرأ المعوذات: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ، وإذا قرأتها ثلاث مرات تكفيك من كل شيء، فالمؤمن يستن بسنة النبي ﷺ ويقرأ ذلك في أذكار الصباح وفي أذكار المساء. ومما جاء أيضاً عن النبي ﷺ أن سورة: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ تعدل ربع القرآن، وفيها البراءة من الكفار، ومن أعمال الكفار، فيستحب للمؤمن أن يقرأها سواء في الصلاة أو في غير الصلاة. كذلك سورة: تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وهي ثلاثون آية، وتسمى: المانعة من عذاب القبر، يستحب للمؤمن أن يحفظها وأن يقرأها في كل ليلة، فإنها دفعت عن رجل عذاب القبر بسبب أنه كان يقرؤها في كل ليلة، قال النبي ﷺ : (من القرآن سورة ثلاثون آية شفعت لرجل حتى غفر له وهي: تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ). وفي حديث آخر قال النبي ﷺ : (إن الشيطان يفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة)، وقال عن سورة البقرة وسورة آل عمران: (اقرءوا الزهراوين البقرة وآل عمران فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان أو فرقان من طير صواف تحاجان عن صاحبهما).

стр. 1011

فضل آية الكرسي روى مسلم عن أبي بن كعب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يا أبا المنذر! أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟) وقد عرفنا أن أعظم سورة هي سورة الفاتحة، فأي آية من القرآن أعظم؟ سئل عن هذا أبي بن كعب، وهو سيد القراء رضي الله ﵎ عنه، فقد كان عمر يلقبه بسيد القراء، وقد حفظ القرآن من النبي ﷺ ، والنبي ﷺ في ذات مرة نسي آية وهو يصلي، وبعد الصلاة قال: (أفيكم أبي؟ قال: نعم. قال: ما منعك أن تفتح علي؟ قال: ظننتها نسخت يا رسول الله)، فالنبي ﷺ بين فضله رضي الله ﵎ عنه حين قال له: (ما منعك أن تفتح علي؟! وقال له هنا: (يا أبا المنذر) وهذا فيه تكريم لـ أبي بن كعب حيث يكنيه النبي ﷺ ، ولو قال: يا أبي! لكان شرفاً له أن يناديه النبي ﷺ باسمه، ولكنه قال: (يا أبا المنذر!). قال ﷺ : (يا أبا المنذر! أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟) يعني: أي آية من الآيات التي تحفظها أعظم، والنبي ﷺ ينطق بالوحي، ولا ينطق عن الهوى صلوات الله وسلامه عليه، فقال أبي بن كعب: (اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) قال: فضرب في صدري) أي مؤكداً له أنه أصاب في الجواب وقال: (ليهنك العلم أبا المنذر!) أصلها: يهنيك العلم، واللام هنا لام الأمر أي: تتهنأ بهذا العلم الذي عندك بفضل الله عليك. إذاً: آية الكرسي آية عظيمة جداً، ولولا أن لها قدراً عظيماً في القرآن الكريم لما أمرنا النبي ﷺ أن نقرأها بعد كل صلاة فريضة، فتقرؤها كل يوم خمس مرات على الأقل استحباباً بعد كل صلاة فريضة.

стр. 1012

تفسير آية الكرسي آية الكرسي هي آية التوحيد، فقد ذكر الله سبحانه فيها صفاته العظيمة، وفيها من الأسماء الحسنى: الحي، والقيوم الذي يقوم كل شيء به، وهو قائم على كل شيء سبحانه، وهو الذي يدبر أمر الكون كله سبحانه، يراقب ويحفظ كل شيء، ويشهد على كل شيء، فهو القيوم لا شيء يقوم إلا بالله الحي القيوم سبحانه، وهو القيوم القائم والقاهر فوق عباده . قوله: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥]، فهو الحي الحياة الدائمة التي لا ابتداء لها ولا انتهاء لها ، فقد خلق الله الزمان للخلق، جعل لهم الزمان يحد أولهم وآخرهم، وجعل المكان للإنسان يتحيز فيه، والله لا يحده زمان ولا مكان ، وهو فوق كل شيء، قهر كل شيء، وقام على كل شيء. ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥] النوم قد عرفناه، والسنة: هي الشيء اليسير من النوم كالخفقة التي تعتري الإنسان، فالإنسان قد تغلبه عينه وهو يحرس أو وهو واقف في الصلاة إذا طالت الصلاة في قيام الليل. فهذه السنة شيء يسير من النوم، والله لا يعتريه نوم ولا سنة من النوم . ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [البقرة:٢٥٥] يملك كل شيء، يملك ما في السموات وما في الأرض. ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥] ما أعظم هذه العظمة! أي مخلوق لا يجرؤ أبداً أن يتقدم بين يدي الله ، ولا يشفع بغير إذنه، قال الله: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء:٢٨] ، ولا يشفع عنده إلا الأنبياء والملائكة والصالحون، وقد أخبرنا النبي ﷺ في حديث الشفاعة الطويل: (أنه يأتي يوم القيامة ويخر ساجداً لله ، فيتركه ربه ما شاء أن يتركه ساجداً، ثم يأذن الرب الكريم للنبي ﷺ بقوله: يا محمد! ارفع رأسك، واشفع تشفع)، فيقوم النبي ﷺ حامداً ربه سبحانه، شاكراً ربه، ويشفع لمن يشاء الله من خلقه، فهذا النبي الكريم أكرم خلق الله صلوات الله وسلامه عليه لا يشفع ابتداءً إلى أن يأذن الله له حين يقول: (يا محمد! ارفع رأسك)، ويأتي إلى عرش الرحمن فيخر ساجداً حتى يؤذن له. فمن يجرؤ أن يأتي إلى الله بغير إذن من الله سبحانه ويقول: أنا أشفع وأنا أدافع عن فلان؟ لا أحد يجرؤ على ذلك. ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة:٢٥٥] هذه عظمة الله سبحانه، وجبروت الله وملكوته، يعلم كل شيء سبحانه ﵎، أحاط بكل شيء علماً صغر وقل أو كبر وجل، كل شيء يعلمه الله سبحانه علم إحاطة، يعلم أوله وآخره وكيف كان، وكل شيء يصير يعلمه الله، فمن عظمة الله أنه لا يجرؤ أحد أن يشفع إلا أن يأذن الله سبحانه، وعلم الله العظيم يدل على عظمته، فهو يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم، ما أمامك وما خلفك، في أي زمان ومكان، ما أضمرته في نفسك وما أظهرته، يعلم كل شيء ، فالله يعلم ما بين أيدي كل خلقه، كل شيء يعلم الله ما بداخله وخارجه، ما أمامه وخلفه في الزمان وفي المكان، كل شيء يعلمه الله . ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥]، فانظر إلى سعة علمه سبحانه، وإلى حقارة علم المخلوقين، إذا اجتمع الخلق كلهم لا يقدرون أن يحيطوا بشيء من علم الله، فهو سبحانه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم، كل شيء يعلمه الله ، وهذه المخلوقات كلها لا تحيط بشيء من علم الله . ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة:٢٥٥] فما شاء أن يعلمهم به أعلمهم به، وقد يظن إنسان أنه أحاط علماً بالشيء، فإذا بالرب سبحانه يظهر جهل هذا القائل، وكلما ازداد الإنسان علماً ازداد علماً بجهل نفسه، فإذا استكبر وقال: قد علمنا ووصلنا، فسيصل إلى أن يكون أجهل خلق الله . قبل مائة سنة كان بعض كبار الأطباء يقولون: قد اكتشفنا ولم نترك شيئاً لمن يأتي بعدنا في الطب، فالذي قال هذا كان أحمق، فانظر إلى العلوم الموجودة الآن في علم الطب الحديث، فالعلم الآن فيه أشياء حديثة جداً جداً لم يكونوا يعرفونها، فقد اكتشفوا الميكروبات والفيروسات والأشياء الصغيرة التي لا ترى، والأشياء التي ترى آثارها دون أن ترى، فأين علم الطبيب القديم الذي كان يقول: اكتشفنا كل شيء؟! هذا جاهل يضحكون عليه الآن بسبب قوله الذي قاله. فالإنسان حين يقول: أحطت بشيء علماً جاهل، فالله لا يطلع أحداً على كل شيء، وقد قال: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٧٦]، فوق كل إنسان عالم علّامة، وفوقه العليم الخبير ، كما يقول ابن عباس ﵁: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٧٦] أي: الله فوق كل عالم . فالإنسان إذا وصل في العلم إلى شيء فيرد العلم إلى عالمه، ويقول: هذا ما أعلمه وأجهل الكثير.

стр. 1013

معنى الكرسي قال الله: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة:٢٥٥] كرسي الله سبحانه نؤمن به، وعرش الله نؤمن به، ونحن نرى ما نراه من الأرض، ونرى ما نراه من السماء، والعلماء يقولون: السماء واسعة جداً، والأفلاك والكواكب والأقمار هي أشياء عظيمة جداً وبعيدة المسافات؛ ولذلك يقيسون ما بينها بالسنة الضوئية، أي: المسافة التي يقطعها الضوء خلال سنة، والضوء يقطع في الثانية الواحدة مائة ألف كيلو متر، فإذا حسبتها بالسنة الضوئية تكون مثلاً تسعة ترليون كيلو متر، وهم يقولون: المسافة بين الشيء الفلاني والشيء الفلاني أربع سنوات ضوئية، أي: أن نجماً لا يصل إليه ضوء النجم الآخر إلا بعد أربع سنوات، وكل هذه النجوم من ضمن المجرة التي نحن فيها، ويقولون: يوجد مائتا مليار نجم في المجرة التي نحن فيها، ويقولون: نحن نعلم بوجود حوالى مائتي مليار مجرة. ويقولون: هذا الموضع الذي نظرنا فيه الآن النجم هو يبتعد من موضعه، قال الله: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات:٤٧]. فإذا كانت السماء الدنيا لسنا عارفين أين آخرها، وأين آخر هذه النجوم والكواكب، فكيف بالسماء الثانية، والثالثة، والرابعة؟! يقول النبي ﷺ : (ما السموات السبع في الكرسي إلا كحلقة في فلاة). وجاء عن ابن عباس قال: (الكرسي موضع القدمين)، والله أعلم، وإذا قوم الكرسي بعرش الله فهو بالنسبة إليه كحلقة في فلاة، فكم يكون قدر هذا العرش؟! والله مستغن عن العرش وما دونه ، وهو مستو على العرش، فالله فوقه هو العلي الكبير سبحانه، وإذا أردت أن تعرف أن الله هو الكبير فانظر إلى الشيء الكبير في هذا الكون، فأنت لا تقدر أن تحيط به علماً، فكيف بمن خلقه وهو الله ؟! فالله هو العلي الكبير سبحانه، وهو العلي العظيم أحاط بكل شيء علماً.

стр. 1014

معنى قوله تعالى: (ولا يئوده حفظهما) قال الله ﴿وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة:٢٥٥] أي: لا يتعبه حفظهما، فيحفظ كل نجم من المليارات التي لا تعد، يحفظها في مكانها، تجري وتدور، ويأتي مولدها وتأتي نهايتها فيما يعلمه الله سبحانه، أحصى كل شيء عدداً، أحصى أنفاس العباد فيعلم كم عددها، أحصى عدد قطر المطر الذي ينزل من السماء، وعدد أشجار أوراق الشجر، ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن:٢٨] العليم العظيم. قال الله: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة:٢٥٥] العظيم صاحب العظمة صاحب الملك والملكوت ذو الجلال والإكرام .

стр. 1015

عظمة آية الكرسي وبعض ما ورد في ذلك عندما تقرأ: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥] استحضر هذه المعاني لتعرف شيئاً من عظمة الله الخالق ، ولذلك كانت هذه الآية -آية الكرسي- أعظم آية في كتاب الله . قال النبي ﷺ : (ليهنك العلم أبا المنذر) يعني: حين علم أن هذه الآية أعظم آية في كتاب الله سبحانه. وهي آية من سورة البقرة، وبعض الناس يقول: سورة الكرسي! وهذا خطأ؛ فإنه لا توجد سورة الكرسي ولكن آية الكرسي، وهي آية من سورة البقرة، وسورة البقرة من أعظم سور كتاب الله سبحانه، ونص النبي ﷺ على أن أعظم منها سورة الفاتحة. وهذه من رحمة رب العالمين، فلو كانت أعظم سورة في القرآن سورة البقرة لكان كل إنسان يحاول أن يحفظ هذه السورة التي هي أعظم سورة، ولكن الله يسر القرآن للذكر، ومن رحمته سبحانه أن جعل أعظم سورة في متناول الجميع، فالكل يقدر أن يحفظ سورة الفاتحة، فهي سبع آيات من كتاب الله ، فجعل الفاتحة أعظم آية في كتابه . من الأحاديث التي جاءت في فضل آية الكرسي قول النبي ﷺ : (من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت). فإذا قرأت عقب كل صلاة فريضة آية الكرسي فأبشر فنهايتك ستكون نهاية خير، فليحرص المؤمن على أن يقرأها، وكثير من الناس يضيعونها، فينشغل بعد الصلاة بأي شيء، مثل السلام مع من بجانبه، وينسى أن يقرأ آية الكرسي، فاحرص على أن تقرأها دبر كل صلاة كما ذكر النبي صلوات الله وسلامه عليه. روى الإمام البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: (وكلني رسول الله ﷺ بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آت فجعل يحثو من الطعام، فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ ، قال: إني محتاج ولي عيال وبي حاجة شديدة، فخليت عنه، فأصبحت، فقال رسول الله ﷺ : يا أبا هريرة! ما فعل أسيرك البارحة؟ قلت: يا رسول الله! شكا حاجةً وعيالاً فرحمته فخليت سبيله). أبو هريرة أن يمسكه ليسلمه للنبي ﷺ ؛ لأنه يسرق من مال الزكاة، وعرف أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: (تعافوا الحدود فيما بينكم، فأيما حد بلغني أقمته)، فمن حال بينه وبين إقامة الحد فلعن الله الشافع والمشفع، فيجوز أن يتنازل يتنازل قبل أن يصل أمره إلى النبي ﷺ ، فإذا وصل اللص إلى النبي ﷺ فيلزم أن يقيم عليه الحد، ولا يجوز الشفاعة في ذلك، فكأن أبا هريرة وجد أن هذا جاء ليسرق فما تمكن من السرقة، وشكا حاجة وعيالاً، فتركه أبو هريرة رضي الله ﵎ عنه، لكن الوحي جاء إلى النبي ﷺ وأخبره بذلك، فقال النبي ﷺ لـ أبي هريرة: (أما إنه قد كذبك وسيعود)، أي: خدعك وسيرجع مرةً ثانية، قال: (فعرفت أنه سيرجع) وذلك لخبر رسول الله ﷺ ، قال: (فرصدته فجاء يحثو من الطعام، فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ ، قال: دعني فإني محتاج ولي عيال لا أعود، قال: فرحمته فخليت سبيله، فأصبحت فقال لي رسول الله ﷺ : يا أبا هريرة! ما فعل أسيرك البارحة؟ فقلت: شكا حاجةً وعيالاً فرحمته فخليت سبيله. فقال: إنه قد كذبك وسيعود، قال: فرصدته في الثالثة فجاء يحثو من الطعام فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ ، إنك تزعم أنك لا تعود ثم تعود! فقال: دعني فإني أعلمك كلمات ينفعك الله بها. قلت: ما هن؟) وكانوا أحرص شيء على الخير ﵃؛ ولذلك لم يلم النبي ﷺ أبا هريرة ﵁ عندما تركه في المرة الأولى وفي المرة الثانية، والنبي ﷺ عرف أن الله كما يظهر الحق على لسان النبي ﷺ قد يظهر الحق على لسان شيطان، حتى يزداد الصحابة إيماناً بما قاله النبي صلوات الله وسلامه عليه. فهنا قال: (إني أعلمك كلمات ينفعك الله بها. قال: قلت: ما هن؟ قال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي فإنه لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح)، تقرأ هذه الآية وأنت تتأملها، وأنت تفهم معناها، وأنت تثق في الله أنه سيحفظك بها. فلما قال ذلك فـ أبو هريرة ﵁ انتفع فتركه وخلى سبيله، قال: (فأصبحت، فقال لي رسول الله ﷺ : ما فعل أسيرك البارحة؟ قلت: يا رسول الله! زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها فخليت سبيله، قال: ما هي؟ -وهو أعلم صلوات الله وسلامه عليه- فقال: قلت: قال لي: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الآية: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥] وقال لي: لا يزال عليك من الله حافظ، ولن يقربك شيطان حتى تصبح، قال النبي ﷺ : أما إنه قد صدقك وهو كذوب، تعلم من تخاطب منذ ثلاث يا أبا هريرة؟ قال: قلت: لا، قال: ذاك شيطان). نأخذ من ذلك أن المؤمن لا يفرط أبداً في أن يحفظ آية الكرسي، وأن يحفظها عياله الصغار والكبار، ولذلك كان الصحابة يحفظونها، وكانوا يحفظونها لأولادهم، وكان عبد الله بن عمرو بن العاص يحفظها ويحفظها لأولاده ممن يقدر أن يحفظ، ومن لا يحفظ يكتبها له، ويعلقها على رقبته، ولعله يفعل ذلك ليحفظها أو ليكتبها حتى تكون في رقبة هذا الذي يكتبها له، فأصحاب النبي ﷺ عرفوا فضلها فحفظوا هذه الآية العظيمة، وحفظوها لأولادهم.

стр. 1016

تفسير آية الكرسي آية الكرسي هي آية التوحيد، فقد ذكر الله سبحانه فيها صفاته العظيمة، وفيها من الأسماء الحسنى: الحي، والقيوم الذي يقوم كل شيء به، وهو قائم على كل شيء سبحانه، وهو الذي يدبر أمر الكون كله سبحانه، يراقب ويحفظ كل شيء، ويشهد على كل شيء، فهو القيوم لا شيء يقوم إلا بالله الحي القيوم سبحانه، وهو القيوم القائم والقاهر فوق عباده . قوله: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥]، فهو الحي الحياة الدائمة التي لا ابتداء لها ولا انتهاء لها ، فقد خلق الله الزمان للخلق، جعل لهم الزمان يحد أولهم وآخرهم، وجعل المكان للإنسان يتحيز فيه، والله لا يحده زمان ولا مكان ، وهو فوق كل شيء، قهر كل شيء، وقام على كل شيء. ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥] النوم قد عرفناه، والسنة: هي الشيء اليسير من النوم كالخفقة التي تعتري الإنسان، فالإنسان قد تغلبه عينه وهو يحرس أو وهو واقف في الصلاة إذا طالت الصلاة في قيام الليل. فهذه السنة شيء يسير من النوم، والله لا يعتريه نوم ولا سنة من النوم . ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [البقرة:٢٥٥] يملك كل شيء، يملك ما في السموات وما في الأرض. ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥] ما أعظم هذه العظمة! أي مخلوق لا يجرؤ أبداً أن يتقدم بين يدي الله ، ولا يشفع بغير إذنه، قال الله: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء:٢٨] ، ولا يشفع عنده إلا الأنبياء والملائكة والصالحون، وقد أخبرنا النبي ﷺ في حديث الشفاعة الطويل: (أنه يأتي يوم القيامة ويخر ساجداً لله ، فيتركه ربه ما شاء أن يتركه ساجداً، ثم يأذن الرب الكريم للنبي ﷺ بقوله: يا محمد! ارفع رأسك، واشفع تشفع)، فيقوم النبي ﷺ حامداً ربه سبحانه، شاكراً ربه، ويشفع لمن يشاء الله من خلقه، فهذا النبي الكريم أكرم خلق الله صلوات الله وسلامه عليه لا يشفع ابتداءً إلى أن يأذن الله له حين يقول: (يا محمد! ارفع رأسك)، ويأتي إلى عرش الرحمن فيخر ساجداً حتى يؤذن له. فمن يجرؤ أن يأتي إلى الله بغير إذن من الله سبحانه ويقول: أنا أشفع وأنا أدافع عن فلان؟ لا أحد يجرؤ على ذلك. ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة:٢٥٥] هذه عظمة الله سبحانه، وجبروت الله وملكوته، يعلم كل شيء سبحانه ﵎، أحاط بكل شيء علماً صغر وقل أو كبر وجل، كل شيء يعلمه الله سبحانه علم إحاطة، يعلم أوله وآخره وكيف كان، وكل شيء يصير يعلمه الله، فمن عظمة الله أنه لا يجرؤ أحد أن يشفع إلا أن يأذن الله سبحانه، وعلم الله العظيم يدل على عظمته، فهو يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم، ما أمامك وما خلفك، في أي زمان ومكان، ما أضمرته في نفسك وما أظهرته، يعلم كل شيء ، فالله يعلم ما بين أيدي كل خلقه، كل شيء يعلم الله ما بداخله وخارجه، ما أمامه وخلفه في الزمان وفي المكان، كل شيء يعلمه الله . ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥]، فانظر إلى سعة علمه سبحانه، وإلى حقارة علم المخلوقين، إذا اجتمع الخلق كلهم لا يقدرون أن يحيطوا بشيء من علم الله، فهو سبحانه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم، كل شيء يعلمه الله ، وهذه المخلوقات كلها لا تحيط بشيء من علم الله . ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة:٢٥٥] فما شاء أن يعلمهم به أعلمهم به، وقد يظن إنسان أنه أحاط علماً بالشيء، فإذا بالرب سبحانه يظهر جهل هذا القائل، وكلما ازداد الإنسان علماً ازداد علماً بجهل نفسه، فإذا استكبر وقال: قد علمنا ووصلنا، فسيصل إلى أن يكون أجهل خلق الله . قبل مائة سنة كان بعض كبار الأطباء يقولون: قد اكتشفنا ولم نترك شيئاً لمن يأتي بعدنا في الطب، فالذي قال هذا كان أحمق، فانظر إلى العلوم الموجودة الآن في علم الطب الحديث، فالعلم الآن فيه أشياء حديثة جداً جداً لم يكونوا يعرفونها، فقد اكتشفوا الميكروبات والفيروسات والأشياء الصغيرة التي لا ترى، والأشياء التي ترى آثارها دون أن ترى، فأين علم الطبيب القديم الذي كان يقول: اكتشفنا كل شيء؟! هذا جاهل يضحكون عليه الآن بسبب قوله الذي قاله. فالإنسان حين يقول: أحطت بشيء علماً جاهل، فالله لا يطلع أحداً على كل شيء، وقد قال: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٧٦]، فوق كل إنسان عالم علّامة، وفوقه العليم الخبير ، كما يقول ابن عباس ﵁: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٧٦] أي: الله فوق كل عالم . فالإنسان إذا وصل في العلم إلى شيء فيرد العلم إلى عالمه، ويقول: هذا ما أعلمه وأجهل الكثير.

стр. 1017

المراد بالكرسي قال الله: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة:٢٥٥] كرسي الله سبحانه نؤمن به، وعرش الله نؤمن به، ونحن نرى ما نراه من الأرض، ونرى ما نراه من السماء، والعلماء يقولون: السماء واسعة جداً، والأفلاك والكواكب والأقمار هي أشياء عظيمة جداً وبعيدة المسافات؛ ولذلك يقيسون ما بينها بالسنة الضوئية، أي: المسافة التي يقطعها الضوء خلال سنة، والضوء يقطع في الثانية الواحدة مائة ألف كيلو متر، فإذا حسبتها بالسنة الضوئية تكون مثلاً تسعة ترليون كيلو متر، وهم يقولون: المسافة بين الشيء الفلاني والشيء الفلاني أربع سنوات ضوئية، أي: أن نجماً لا يصل إليه ضوء النجم الآخر إلا بعد أربع سنوات، وكل هذه النجوم من ضمن المجرة التي نحن فيها، ويقولون: يوجد مائتا مليار نجم في المجرة التي نحن فيها، ويقولون: نحن نعلم بوجود حوالى مائتي مليار مجرة. ويقولون: هذا الموضع الذي نظرنا فيه الآن النجم هو يبتعد من موضعه، قال الله: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات:٤٧]. فإذا كانت السماء الدنيا لسنا عارفين أين آخرها، وأين آخر هذه النجوم والكواكب، فكيف بالسماء الثانية، والثالثة، والرابعة؟! يقول النبي ﷺ : (ما السموات السبع في الكرسي إلا كحلقة في فلاة). وجاء عن ابن عباس قال: (الكرسي موضع القدمين)، والله أعلم، وإذا قوم الكرسي بعرش الله فهو بالنسبة إليه كحلقة في فلاة، فكم يكون قدر هذا العرش؟! والله مستغن عن العرش وما دونه ، وهو مستو على العرش، فالله فوقه هو العلي الكبير سبحانه، وإذا أردت أن تعرف أن الله هو الكبير فانظر إلى الشيء الكبير في هذا الكون، فأنت لا تقدر أن تحيط به علماً، فكيف بمن خلقه وهو الله ؟! فالله هو العلي الكبير سبحانه، وهو العلي العظيم أحاط بكل شيء علماً.

стр. 1018

معنى قوله تعالى: (ولا يئوده حفظهما) قال الله ﴿وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة:٢٥٥] أي: لا يتعبه حفظهما، فيحفظ كل نجم من المليارات التي لا تعد، يحفظها في مكانها، تجري وتدور، ويأتي مولدها وتأتي نهايتها فيما يعلمه الله سبحانه، أحصى كل شيء عدداً، أحصى أنفاس العباد فيعلم كم عددها، أحصى عدد قطر المطر الذي ينزل من السماء، وعدد أشجار أوراق الشجر، ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن:٢٨] العليم العظيم. قال الله: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة:٢٥٥] العظيم صاحب العظمة صاحب الملك والملكوت ذو الجلال والإكرام .

стр. 1019

فضل سورة الكهف روى الإمام مسلم عن أبي الدرداء أن رسول الله ﷺ قال: (من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من الدجال)، هذه السورة العظيمة يستحب أن تواظب عليها في كل ليلة جمعة، أو كل يوم جمعة، وإذا استطعت أن تقرأها ليلة الجمعة يوم الخميس بعد المغرب فافعل، وإذا استطعت أن تقرأها بعد فجر يوم الجمعة قبل غروب الشمس فافعل ذلك، فقد جاء عن النبي ﷺ أن الذي يقرؤها يجعل الله له نوراً عظيماً جداً من مكانه إلى بيت الله الحرام، نور عظيم جداً يجعله لك الله سبحانه، وأنت أقل نور ينفعك، فكيف بمثل هذا النور إذا جئت به في ظلمات يوم القيامة، وأنت أمامك نور من مكانك إلى بيت الله الحرام؟! كيف تسير يوم القيامة وأمامك هذا النور! تكون آمناً يوم القيامة، ولا تحتاج أن تقول لأحد: أعطني نوراً، فقد أعطاك الله بفضل هذه السورة النور العظيم، هذا فضل قراءتها في يوم الجمعة أو ليلة الجمعة. ولها فضل آخر وراء ذلك لو ظهر الدجال، وفتنته فتنة عظيمة جداً، يفتن الناس بما يظهره من خوارق تحير العقول، وتجعل الناس يتبعونه فيما يقول ويدعوهم إليه. فالنبي ﷺ يأمرك أن تحفظ أول عشر آيات من سورة الكهف، وأولها: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا﴾ [الكهف:١] تحفظ أول عشر آيات أو آخر عشر آيات من سورة الكهف، ففي رواية قال: (من حفظ آخر سورة الكهف عصم من الدجال) والأفضل أن تحفظها كلها، فاحفظ هذه السورة العظيمة.

стр. 1020

فضل خواتيم سورة البقرة عن ابن عباس ﵄ قال: (بينما جبريل ﵇ قاعد عند النبي ﷺ إذ سمع نقيضاً من فوقه، فرفع رأسه وقال: هذا باب من السماء فتح اليوم)، أي: جبريل كان قاعداً مع النبي ﷺ ، فنزل ملك آخر فقال جبريل: هذا باب من السماء فتح ولم يفتح قط إلا اليوم، فجبريل ما نظر إلى فتح هذا الباب قبل ذلك اليوم، قال: (فنزل منه ملك فقال جبريل: هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قط إلا اليوم، قال: فسلم وقال للنبي ﷺ : أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة). إذاً: هذا الملك ما نزل بالقرآن، فالذي ينزل بالقرآن على النبي ﷺ هو جبريل، وقد نزلت الفاتحة، ونزلت سورة البقرة، ولكن هذا نزل بالبشارة، نزل يبشر النبي ﷺ بأن معك أشياء عظيمة فاعرف فضل هذه الأشياء، قال: (أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة، لم تقرأ بحرف منها إلا أعطيته)، لم تقرأ بحرف منها إلا وتعطى الفضل وتعطى ما سألته ربك سبحانه. ولذلك جاء حديث عن النبي ﷺ في فاتحة الكتاب: (إذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] قال الله : حمدني عبدي، وإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٣] قال: أثنى علي عبدي، وإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤] قال: مجدني عبدي، وإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، وإذا قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيم * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٦ - ٧] قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل). إذاً: أنت تقرأ فاتحة الكتاب والله يجيبك، ويعطيك . كذلك آخر سورة البقرة: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ * لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٨٥ - ٢٨٦]. إذا قرأت هاتين الآيتين يؤتيك الله أجراً على كل حرف، ويجيبك؛ ولذلك جاء في حديث النبي ﷺ أن الله قال: (قد فعلت)، ولما قرأ هذه الآية على أصحابه: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:٢٨٤] قالوا: يا رسول الله! لا نطيق ذلك، فقال النبي ﷺ : (قولوا: سمعنا وأطعنا، فقال الصحابة: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير، فأنزل الله سبحانه ﵎ على النبي ﷺ : ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ [البقرة:٢٨٥]) فهؤلاء آمنوا حين قالوا: سمعنا وأطعنا، أي: رضينا يا ربنا بأن الذي نبديه والذي نخفيه ستحاسبنا عليه، فإذا بالله يثبت لهؤلاء الإيمان ويقول: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة:٢٨٥]، ثم في آخر الآية يدعون الله : ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦] قال الله : (قد فعلت)، فيعلمهم الدعاء فيدعون فيجيبهم بفضله وكرمه! فإذا بالله يرفع عنهم إثم ما أخفوه في أنفسهم فلا يحاسبهم عليه إذا لم يعزموا على ذلك، ولم يصروا عليه، وتابوا إلى الله ، وإذا كان ذلك عن خطأ أو عن نسيان عفونا عنكم. نسأل الله عفوه وعافيته ومغفرته في الدين والدنيا والآخرة. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
следующие страницы →