Полный текст (1 057 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.
стр. 946
الموت على عمل صالح
ومما ذكره العلماء أيضاً من علامات حسن الخاتمة أن يموت الإنسان على عمل صالح، وفي ذلك حديث رواه الإمام أحمد ﵀ من حديث حذيفة أن النبي ﷺ قال: (من قال: لا إله إلا الله ابتغاء وجه الله، ختم له بها، دخل الجنة)، أي: ختم الله له بهذه الكلمة فيدخل الجنة بسببها.
قال: (ومن صام يوماً ابتغاء وجه الله، ختم له بها، دخل الجنة) والمقصد أن يختم له بعمل صالح، كأن يكون صائماً في رمضان أو تطوعاً أو غير ذلك فيموت وهو كذلك فهذا عمل صالح، فإذا توفي عليه وختم له به فيدخل الجنة بذلك.
قال: (ومن تصدق بصدقة ابتغاء وجه الله، ختم له بها، دخل الجنة) وقس على ذلك سائر الأعمال الصالحة.
إذاً: النبي ﷺ نص هنا على بعض أفراد العام، أي: أفراد العمل الصالح، ولم يذكر جميع الأعمال الصالحة، ولكن عندما يذكر البعض فإنه يدل على الباقي.
إذاً: أي عمل من الأعمال الصالحة التي يقوم بها الإنسان ويتوفى عليها فسيدخله الله الجنة بسبب ذلك العمل، وسواء كان العمل صياماً، أو صدقة زكاة أو حجاً أو عمرة، أو إصلاحاً بين الناس، أو أمراً بمعروف، أو نهياً عن منكر، فكل عمل صالح يكون الإنسان فيه ويختم له به فهو من علامات حسن الخاتمة.
ومن علامات حسن الخاتمة أيضاً: أن يموت الإنسان مجاهداً في سبيل الله، أو مرابطاً في سبيله، وجاء في حديث عن النبي ﷺ رواه الإمام مسلم عن سلمان مرفوعاً: (رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه) والرباط: حراسة الثغور، وحراسة حدود بلاد المسلمين ابتغاء وجه الله .
قال رسول الله ﵌: (وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأجري عليه رزقه، وأمن الفتان) أي: هذا الذي يحرس بلاد المسلمين وثغورهم من الكفار إذا مات على هذا العمل وختم له به كان أيضاً من أهل الجنة.
وقوله ﷺ : (وأمن الفتان) يعني: في قبره.
وفي حديث آخر رواه أبو داود وصححه الشيخ الألباني قال النبي ﷺ فيه: (كل ميت يختم على عمله إلا الذي مات مرابطاً) أي: من كان يحرس ثغور بلاد المسلمين من الكفار، فقال ﷺ في ذلك: (إلا الذي مات مرابطاً في سبيل الله فإنه ينمى له عمله) أي: لا يبقى عمله على حاله، ولكن لا يزال ينمى له هذا العمل إلى يوم القيامة ويأمن الفتنة في قبره.
стр. 947
ثناء الناس على الميت
ومن علامات حسن خاتمة الإنسان أيضاً أن يثني عليه الناس -من أهل الخير والإحسان- بالعمل الصالح والخير، والثناء هنا هو المدح بالصفات الصالحة التي كانت فيه، وليس معنى الثناء أن يمدحوه بأشياء هي بين الناس لطيفة وظريفة، ولكنها ليست عند الله كذلك، ومثال ذلك: أن إنساناً توفي وكان الناس يحبون كلامه حيث كان يمزح كثيراً، ويضحك كثيراً، وكثير الشغب، وكثير المعاكسة للناس، فيضحكهم، فعندما يموت يفتقدون فيه ذلك، فهذا إذا أثنى عليه الناس فليس هذا الثناء هو المقصود من الحديث، ولكن الثناء المقصود: هو أن يثنى على الإنسان بعمل صالح كان يعمله، كأن يقال: فلان كان خيراً كان طيباً كان لا يؤذي جيرانه فلان كان يميط الأذى عن الطريق وكان يعود المرضى ولا يتكبر على أحد، فيثني عليه الناس والجيران والأقربون بصفات الخير التي كانت.
وفي ذلك حديث رواه أنس عن النبي ﷺ حيث قال: (مر على النبي ﷺ بجنازة، فأثني عليها خيراً)، أي: مدحه الناس بخير.
(وتتابعت الألسن بالخير)، أي: تمر الجنازة فيمكن أن رجلاً أو اثنين من الجالسين يعرفونه، ويمكن أن مجموعة كبيرة تعرفه، فهنا (تتابعت الألسن)، أي: كل شخص قال شيئاً، وأثنوا عليه بخير، فهذا يدعو له، وهذا يشكر له صنيعه في كذا، وهذا يحمد له صفات جميلة فيه.
فقالوا: (كان ما علمنا يحب الله ورسوله)، أي: على ما نعلم منه، وربنا يقول: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم:٣٢].
ومن هذا يؤخذ أنك إن أردت أن تمدح شخصاً وتثني عليه فقل: أحسبه كذا، أو أظنه كذا، ويكون ذلك على وجه الظن لا على وجه الجزم.
قال: (فقالوا: كان ما علمنا يحب الله ورسوله)، صلوات الله وسلامه عليه.
قال: (ومر بجنازة فأثني عليها شرا) أثني: أي ذكر بشر، فتكلم الناس عنه أن هذا لم يكن إنساناً صالحاً، بل كان سيئاً، منافقاً، مرائياً.
قال: (وتتابعت عليه الألسن بالشر) أي: يذكرونه بشر.
(فقالوا: بئس المرء كان في دين الله، فقال النبي ﷺ : وجبت، وجبت، وجبت) كررها ثلاثاً، وذكرها كذلك في الأولى، فقال عمر ﵁: (فداك أبي وأمي! مر بجنازة فأثني عليها خيراً، فقلت: وجبت، وجبت، وجبت، ومر بجنازة، فأثني عليها شراً، فقلت: وجبت، وجبت، وجبت، فقال رسول الله ﷺ : من أثنيتم عليه خيراً، وجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليه شراً، وجبت له النار) ولكن ليس بكلامهم تجب له الجنة، وبكلامهم تجب له النار، وإنما بفعله هو، ففعل الإنسان هو الذي يدفع الناس؛ لأن يثنوا عليه خيراً أو شراً، فقال ﷺ : (الملائكة شهداء الله في السماء، وأنتم شهداء الله في الأرض).
قال: (من أثنيتم عليه خيراً، وجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليه شراً، وجبت له النار، الملائكة شهداء الله في السماء، وأنتم شهداء الله في الأرض، وأنتم شهداء الله في الأرض، وأنتم شهداء الله في الأرض).
وفي رواية: (إن لله ملائكة تنطق على ألسنة بني آدم بما في المرء من الخير والشر)، فنلاحظ من هذا الحديث: أن الذين كانوا يجلسون مع النبي ﷺ لم يكن على بالهم أن فلاناً مات هذا اليوم أو لم يمت، ولم يكن على بالهم شيء، بل فجأة مُر بجنازة، فعرفوا صاحبها فقالوا: هذا كان سيئاً، هذا كان شريراً، هذا كان كذا وكذا، فكل واحد قال عنه شيئاً، فقال النبي ﷺ : (وجبت) أي: وجبت له النار؛ لأنه بلغ من شره أن ذاع وشاع وانتشر بين الناس، فعلم الأقصى والأدنى أن فلاناً هذا كان سيئاً، فأثنوا عليه شراً.
والآخر انتشر منه الخير وذاع، وعرفه الناس بالخير، فلذلك أثنى عليه كل منهم بما عرف منه من خير، وهؤلاء قالوا في المؤمن: (كان ما علمنا يحب الله ورسوله)، وقالوا في الفاجر: (كان ما علمنا منافقاً) أي: كان يبغض دين الله ، فالذي أثنوا عليه خيراً وجبت له الجنة بعمله الخير وبثناء المسلمين عليه؛ لأن خيره ذاع بينهم وانتشر، فكان كأنه سن للناس سنناً حسنة يعملون بمثل هذا الخير الذي كان عليه، والآخر العكس من ذلك.
ويبين النبي ﷺ أن الأمر ليس تأليفاً، أو أنه طلب من الناس أن يثنوا على صاحبهم خيراً لكي يدخل الجنة، بل الأمر هو أن الله ينطق الشخص بما يتكلم به ملك على لسانه، فالإنسان وهو غير منتبه يتكلم أن هذا الرجل كان إنساناً جيد، يرحمه الله كنا نراه يصلي معنا، وكان يدفع الزكاة، وكان يعمل كذا فينطق الله على لسان بني آدم ملائكة، ولذلك قال النبي ﷺ : (إن لله ملائكة تنطق على ألسنة بني آدم بما في المرء من الخير والشر) فيجب لهذا الجنة بعمله وبثناء المؤمنين خيراً عليه، وللآخر النار بعمله وإساءته ووصم المؤمنين الشر به.
стр. 948
الحد المعتبر للناس الذين يثنون على الميت
روى البخاري من حديث أبي الأسود الديلي قال: أتيت المدينة وقد وقع بها مرض وهم يموتون موتاً ذريعاً، -وكان هذا في عهد عمر رضي الله تعالى عنه- قال: فجلست إلى عمر بن الخطاب ﵁ فمرت جنازة فأثني خيراً فقال عمر: وجبت.
فقلت: ما وجبت يا أمير المؤمنين؟! قال: قلت كما قال النبي ﷺ : (أيما مسلم شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنة) فهذا يستحق الجنة بما شهدوا له من خير، (قلنا: وثلاثة، قال: وثلاثة.
قلنا: واثنان، قال: واثنان، قال: ولم نسأله عن الواحد).
إذاً: ليس شرطاً أن يشهد للميت كل الناس، بل يصح من بعض الناس أيضاً، فقد يكون حال هذا الإنسان غائباً عن الكثير، ولكن بينه وبين الله خير كثير، والأقربون يرون منه هذا الخير، فيرون أنه كثير التقوى كثير الصلاة كثير الصدقة لكن لا يشتهر عنه ذلك، وإنما عرف الأقربون ذلك فأثنوا عليه خيراً، فينطق الله على ألسنتهم ملائكة حتى يستوجب جنة الله .
حديث آخر رواه الإمام أحمد وصححه الشيخ الألباني بشواهده، قال فيه النبي ﷺ : (ما من مسلم يموت فيشهد له أربعة من أهل أبيات جيرانه الأدنين أنهم لا يعلمون منه إلا خيراً، إلا قال الله ﵎: قد قبلت قولكم -أو قال: شهادتكم- وغفرت له ما لا تعلمون) فالله عظيم وكريم .
وقال النبي ﵌: (كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون) فكل إنسان فيه أخطاء يفعلها من صغائر وكبائر، ومن ستر على نفسه وتاب إلى الله، فالله يتوب عليه، ومن فضح نفسه واستهان بعمله استحق العقوبة من الله سبحانه.
فهنا الإنسان الذي يموت فيثني عليه الأقربون من جيرانه، وذلك لخلقه الحسن معهم، ولذا تجد الأقربين يحبونه، ويثنوا عليه بالطيب، وأنه لا يتعرض لأحد، ولا يؤذي أحداً، فيثني عليه جيرانه الأقربون بخير، فإذا وجد أربعة من أهل جيرانه يثنون عليه بذلك استحق من الله الجنة والثواب، والله سبحانه يقول: (قد قبلت قولكم) أي: قبلت منكم هذه الشهادة.
قال: (وغفرت له ما لا تعلمون) أي: أنتم لا تعلمون أخطاءه، والله يعرفها فيغفر له ذلك؛ لأنه كتم على نفسه، وستر نفسه، ولم يجاهر بالمعصية بين الناس، فكانت سيئته بينه وبين ربه، فهذا جدير بأن يغفر الله له؛ لأنه ستر، يقول النبي ﵌: (من ستر نفسه ستره الله)، وبالمقابل: من فضح نفسه استحق العقوبة من الله.
стр. 949
بيان ما يستحب لمن يغسل ميتاً
قال الإمام النووي ﵀: [باب الكف عما يرى في الميت من مكروه].
أي: إذا توفي إنسان واطلعت منه على شيء مكروه فلا تفضحه بهذا الذي اطلعت عليه، وفي ذلك أحاديث عن النبي ﷺ منها حديث أبي رافع واسمه أسلم وهو مولى رسول الله ﷺ -أي: كان عبداً عند النبي ﷺ ، فأعتقه النبي ﷺ فيقول ﷺ في حديثه: (من غسل ميتاً فكتم عليه غفر الله له أربعين مرة).
فهذا الحديث العظيم فيه أن الذي يغسل الأموات له أجر عظيم، ولكن بشرط أن يكتم عنه، أما أن يحكي ويقول مثلاً: كنا نغسل الميت وكانت ريحته سيئة جداً، أو الميت له أكثر من يوم وريحته صارت كريهة، أو الميت ينزل دماً، أو الميت كان فيه غائط، أو بول، أو كان فيه كذا ويفضح هذا الإنسان فلا يستحق ذلك الأجر.
ولذا فعليك أن لا تفضحه، بل استر عليه، فكما أنك تحب أن يستر عليك الناس في حياتك ومماتك فكذلك استر عن أخيك ولك هذا الأجر العظيم عند الله، بأن يغفر الله لك أربعين مرة، وهذا من كرم الله وفضله .
ولكن من أثني عليه شراً، أليست فضيحة لهذا الإنسان؟! الفرق هنا بين أن تغسل ميتاً فترى شيئاً من الأشياء العادية التي ترى من أي إنسان كأن يخرج منه ريح، أو بول، أو غائط، أو دم كثير، أو أنه يتعب الناس في تغسيله، بأن كان ثقيل الجثة، فثقل أن يقلبوه ويعدلوه، أو يحدث أشياء في أثناء التغسيل لعلها تضايق من يقف ويغسل فيها، فتكتم هذه الأشياء وتسترها ولا تحكيها بين الناس، أما الإنسان الذي يكون شريراً، كأن سب دين الله ، ثم جاءت سيارة وصدمته فمات، فهذا إنسان يستحق أن يفضح بذلك؛ حتى يكون عبرة للخلق، أو يكون قد استهان بالمصحف فقصمه الله وفعل به كذا، فهذا يستحق أيضاً أن يفضح حتى يكون على ألسنة الناس، فيثنوا عليه شراً.
إذاً: التحديث بما يحدث للظلمة من انتقام الله وكسره إياهم جائز، ولم ينكر النبي ﷺ على الصحابة ذلك.
ولكن عندما يرد الأمر بذكر محاسن الموتى، فهذا يراد به الإنسان المؤمن، أو الإنسان الذي ستر نفسه ولم يفضحها، أما الفاسق صاحب المعاصي الذي يموت على ذلك، فيحذر الناس من عمله، كأن نجد رجلاً يرقص ويشرب الخمر والحشيش بالليل ثم يصبح ميتاً، فهذا يخبر الناس عنه؛ حتى يتعظوا من هذه النهاية الأليمة الذي حصلت لهذا الإنسان فلا يفعلون فعله.
إذاً: هنا فرق بين أن تستر على ميت بأشياء عادية تحدث منه ومن غيره ولكنها قد تكون شيئاً من الأذى، بحيث أنه يتأذى بها الحي أن يذكر عن ميته، فهذا شيء، وأن يكون الميت إنساناً مجرماً ظالماً فاسقاً كافراً يعصي الله ، ويحارب دين الله سبحانه، فيجعله الله عبرة حتى يتحدث الناس بآية من آيات الله نزلت به فهذا شيء آخر وهو جائز.
وليس الأجر العظيم مقصوراً على تغسيل الميت فقط، ولكن الحديث طويل رواه الإمام الحاكم والبيهقي من حديث أبي رافع وصححه الحاكم والذهبي، وكذلك الشيخ الألباني رحمة الله على الجميع.
وفيه: (من غسل مسلماً فكتم عليه غفر الله أربعين مرة، ومن حفر له فأجنه) أجنه أي: أخفاه وواراه بمعنى: دفنه، قال: (جرى عليه كأجر مسكن أسكنه إياه إلى يوم القيامة)، فالمقبرة التي تجعلها للناس كلما دفن فيها شخص كان لك أجر ذلك، وكأنك أجرت له منزلاً إلى يوم القيامة، والأجر عند الله ولا يتحول إليك إلا يوم القيامة.
قال ﷺ : (ومن حفر له فأجنه) أي: دفنه في القبر وستره بالتراب، (جرى عليه كأجر مسكن أسكنه إياه إلى يوم القيامة).
قال: (ومن كفنه كساه الله يوم القيامة من سندس وإستبرق الجنة) أي: من كفن ميتاً كساه الله من سندس وإستبرق الجنة، وهذا من فضل الله .
وانظر عندما يكون الناس يوم القيامة عرايا حيث يقومون من قبورهم حفاة عراة غرلاً، فإذا بالله يكسو هذا الإنسان في يوم تعرى فيه الخلق؛ لكونه كفن إنساناً مؤمناً توفي.
стр. 950
فضل الصلاة على الميت، وتشييعه، وحضور دفنه
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في الصلاة على الميت، وتشييعه وحضور دفنه، وكراهة اتباع النساء للجنائز].
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من شهد الجنازة حتى يصلى عليها فله قيراط) أي: من حضر الجنازة وذهب إلى بيت الله ليصلي عليها، أو في أي مكان يصلى فيه على الميت، وشهد الميت حتى صلى عليه فله قيراط من الأجر.
قال ﷺ (ومن شهدها حتى تدفن) أي: من شهد الجنازة من أول ما يصلى عليها حتى تدفن، قال: (فله قيراطان.
قيل: وما القيراطان؟ قال: مثل الجبلين العظيمين).
أي: جبلين من الأجر والثواب عند الله .
ولذلك يحرص العبد المؤمن على حضور الجنائز، خاصة جنائز المؤمنين الصالحين، فيصلي عليهم، ويدعو لهم، ويشهد الجنازة حتى يدفنها؛ وذلك ليرجع بهذا الأجر العظيم، فإذا تعذر عليه ذلك صلى على الميت؛ ليكون له نصف هذا الأجر.
عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (من اتبع جنازة مسلم إيماناً واحتساباً) وهذا شرط وقيد.
فقوله: (إيماناً) أي: مصدقاً مؤمناً بأن هذا الاتباع فيه أجر من عند الله ومصدقاً لما قاله النبي ﷺ .
(واحتساباً) أي: يرجو الأجر من الله.
فمن حضر الجنازة حرجاً من الناس الذين يأتون ويشهدون الجنازة، فلا أجر له.
ولذا فعليك أن تصلح نيتك حال حضور الجنازة، وأن لا تهتم بالناس من حولك، فتحسن صلاتك لأنهم يرونك، فهنا الشيطان قد دخل عليك، وسوف يضيع عليك أجر الصلاة، فغير نيتك، واستغفر ربك، وأخلص لله سبحانه، وتعوذ بالله أن تعمل عملاً لغيره سبحانه.
يقول النبي ﷺ : (اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئاً أعلمه، وأستغفرك لما لا أعلمه).
فإذاً: لابد أن تغير النية في الحال، واحضر الجنازة ولا تتركها، ولا تكن نيتك الحضور لأن الناس حضروا، ولكن اجعل نيتك أن تحضر اتقاء غضب الله ، وابتغاء مرضاته.
ولو كان نيتك حضور الجنازة لكي يراك فلان ويفرح لحضورك هذه الجنازة، فهذه نية طيبة حيث تطيب قلب أصحاب الميت وأهله، وهذا من باب ما فعله النبي ﷺ لما قام على القبر وقال للحافر: (وسع من هاهنا، وسع من هاهنا) يقول له: حسن القبر والتفت لمن حوله وقال: (أما إنه لا يفعل بالميت شيئاً) يعني: من توسيع القبر أو تضييقه، لن يفعل بالميت شيئاً ولكن يطيب بذلك قلوب الأحياء، حيث يرون النبي ﷺ مهتم بميتهم، ويقول: أوسع القبر واحفر جيداً، اعمل كذا مع أن هذا لا يعمل للميت شيئاً، فالميت ينضم عليه قبره حتى تختلف أضلاعه، ثم يفرج الله عنه بعد ذلك، نعوذ بالله من ضيق القبر، ومن حفر النيران في القبور.
فالقبر إما روضة من رياض الجنة واسعة فسيحة، وإما حفرة من حفر النيران على صاحبه.
فإذا حضرت الجنازة واستحضرت نواياك، وآمنت بالثواب، واحتسبت الأجر عند الله، ونويت بحضورك إلى جانب تلك النية إفراح أهل الميت بوجودك معهم، فلا مانع من مثل هذا الشيء، طالما أنك لا تبتغي الرياء والسمعة بذلك وإنما تبتغي تطييب قلوب الناس بمثل هذا الشيء.
نسأل الله أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته.
стр. 951
شرح رياض الصالحين - من (الصلاة على الميت) إلى (ما يقرأ في صلاة الجنازة)
ينقضي أجل الإنسان في الحياة الدنيا بالموت، وتنطوي بذلك صفحة عمله، وبذلك ينتقل إلى الدار الآخرة، فيعرض على الله تعالى بعمله حسناً كان أو سيئاً، ويجد من الأهوال ما الله تعالى به عليم، وعندها يكون المرء بحاجة شديدة إلى ما يرحمه الله تعالى به، وقد شرع لنا أن نصلي على الميت صلاة مقصودها الدعاء له والاستغفار بجملة من الأدعية المأثورة عن النبي ﷺ ، وبالكيفية المعلومة في صلاة الجنازة، عل الله تعالى أن يرحم الميت ويقبل فيه شفاعة المصلين عليه.
стр. 952
فضل الصلاة على الميت وحضور دفنه
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: [باب الصلاة على الميت وتشييعه وحضور دفنه وكراهة اتباع النساء الجنائز.
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من شهد الجنازة حتى يصلى عليها فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان.
قيل: وما القيراطان؟ قال: مثل الجبلين العظيمين).
وعن أم عطية ﵂ قالت: (نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا)، متفق عليه.
باب استحباب تكثر المصلين على الجنازة، وجعل صفوفهم ثلاثة فأكثر.
عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (ما من ميت يصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون له إلا شفعوا فيه)، رواه مسلم].
هذه أحاديث يذكرها الإمام النووي رحمه الله تعالى في كتابه: رياض الصالحين، فيما جاء في الصلاة على الميت وتشييعه وحضور دفنه وكراهة اتباع النساء الجنائز.
وقد ورد عند البخاري: (من اتبع جنازة مسلم إيماناً واحتساباً)، والجنازة بالفتح، ويقال: جنازة بالكسر، وقد يفرق بينهما بأن الجنازة إذا كان الميت فوق النعش، وفي غير ذلك يسمى جنازة.
والغرض هنا: أن في الحديث من يتبع جنازة الإنسان المؤمن فإنه ينال ذلك الأجر إذا كان فعله ذلك إيماناً واحتساباً، أي: مؤمناً بأن هذا مما افترضه الله فرض كفاية على المسلمين، وأن في ذلك الأجر من الله، ويحتسب هذا الأجر عند الله تعالى.
فإذا حضر فصلى عليها وبقي معها حتى يفرغ من دفنها فإنه يرجع من الأجر بقيراطين، والقيراط مثل أحد، أي: مثل جبل أحد.
قال ﷺ : (ومن صلى عليها ثم رجع قبل أن تدفن)، يعني: جاء للصلاة على الميت ثم رجع (فإنه يرجع بقيراط)، وهذا الحديث رواه البخاري، وأصله متفق عليه.
стр. 953
نهي النساء عن اتباع الجنائز
وفي حديث آخر لـ أم عطية ﵂ قالت: (نهينا عن اتباع الجنائز)، أي: نهى النبي ﷺ النساء عن اتباع الجنائز، قالت: (ولم يعزم علينا)، ففهمت أن النبي ﷺ نهى وما عزم عليهن في ذلك.
وقد جاء في حديث آخر: (لعن الله زوارات القبور)، و (زوارات) صيغة مبالغة، ومعناه: أنها تبدأ بزيارة ثم تثني بزيارة، وفي كل وقت تذهب إلى المقابر، فإذا لعن النبي ﷺ فاعلة ذلك فإن منع النساء من الذهاب إلى المقابر إنما هو من باب سد الذرائع، وخاصة في مثل زماننا الذي كثر الفساد فيه، حيث ترى المرأة إذا توفي زوجها تخرج إلى القبر وراء الناس وقد كشفت شعرها، وتمشي وهي تصرخ وتندب وتنوح، وهذه ملعونة في هذا كله، أولاً: في كونها تخرج متبرجة، وثانياً: كونها تنوح على الميت، وثالثاً: كونها يراها الناس في الطريق.
حيث شغلت الناس عن ذكر الله وتذكر الآخرة، وكذلك من يساعدها على مثل ذلك، فإذا فتح الباب لواحدة خرجت النساء جميعهن، فالأصل أن تمنع المرأة من ذلك؛ لما في زماننا من الفساد الموجود في النساء من تبرج وغير ذلك.
وإننا لنرى حيث تأتي جنازة إلى المسجد لنصلي عليها أن في الشارع الكثيرين الذين لا يصلون من الرجال، ونجد فيهم النساء المتبرجات يودعن المرأة الميتة أو الإنسان المتوفى وهن في الطريق.
فلو رأى ذلك النبي ﷺ لمنع النساء من ذلك، فقد منع ﷺ نساء الصحابة رضوان الله ﵎ عليهن وعليهم، وكن غاية في التزام أحكام الله .
فكيف بمثل هؤلاء الذين في زماننا، والأصل هنا في مثل هذا الزمان المنع من ذلك؛ للفساد الحاصل، ويكفينا قوله ﷺ في الحديث: (لعن الله زوارات القبور).
وإذا كانت المرأة التي تتردد على القبور ملعونة فإنها لن تكون مكثرة للتردد إلا بأصل الذهاب، فتذهب مرة، وتذهب ثانية وثالثة، ثم تعتاد ذلك كما تفعله الكثيرات من النساء.
стр. 954
استحباب تكثير المصلين على الجنازة
ومن الأبواب التي أوردها الإمام النووي رحمه الله تعالى استحباب تكثير المصلين على الجنازة، بحيث يكون فيها عدد كبير يصلون على الجنازة، وتجعل صفوفهم ثلاثة فأكثر، فالصلاة على الجنازة ليست كغير من الصلوات، فهي صلاة لا ركوع فيها ولا سجود ولا تحيات، وإنما هي قراءة الفاتحة والدعاء للميت بعد الصلاة على النبي ﷺ ، والدعاء للمسلمين، والتسليم.
فالمستحب في هذه الصلاة أن يكون فيها عدد كبير من الناس يصلون على الميت، لكن إذا لم يتيسر إلا العدد القليل فإنه يقسم هذا العدد حتى يكونوا ثلاثة صفوف.
حتى لو وصل الأمر إلى أن يكون الإمام صفاً وخلفه إنسان في صف وخلفه إنسان في صف ثالث.
стр. 955
حاجة الميت إلى إخلاص المصلين عليه وشفاعتهم فيه
وقد أورد الإمام النووي رحمه الله تعالى حديث عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (ما من ميت يصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون له إلا شفعوا فيه).
الشفاعة مصدر (شفع) ومعنى (شفع): أنه جاء مع غيره، كما يقال: صليت شفعاً، أي: أن تضم ركعة إلى ركعة، فتصير ركعتين شفعاً، وعكس الشفع الوتر.
فكأن الميت يجيء وحده إلى ربه ، فأنت تأتي شفيعاً مع هذا الميت فتدعو لهذا الميت، فتكون الثاني معه في التقرب إلى الله ، وهو محتاج إليك، فأنت تشفع في هذا الإنسان وترجو من الله أن يغفر له.
ولذلك فإن الصلاة على الميت تحتاج إلى الإخلاص، فمن يصلي على الميت عليه أن يخلص في دعائه، فيدعو الله للميت ويتخيل نفسه في مثل هذا الموقف، فحين تدعو للميت تخيل نفسك أنك أنت هذا الميت، وحينئذ ادع للميت بالشيء الذي تريد أن يدعى لك به، ولا تقل: هذا قريب، أو: هذا غريب، أو: هذا صغير، أو: هذا كبير، بل هذا ميت، وغداً ستكون أنت مكان هذا الإنسان.
والمقام ليس مقام رياء، ليس مقام من يتقدم ليصلي على الميت المجرد التقدم والإمامة، بل هو مقام إخلاص، فنخلص في الدعاء للميت جميعنا، سواء أكنا أئمة أم مأمومين، فنحن نصلي على الميت وندعو له، وهذا المسكين في هذه الحالة محتاج للدعاء، ومحتاج للتثبيت، ومحتاج لأن تدعو ربك بأن ينور له قبره، فالقبور مظلمة على أصحابها، والله ينورها سبحانه عليهم بالصلاة على نبيه صلى الله عليه، وكذلك ينورها بأعمالهم، وبشافعة من يقبل شفاعتهم في هذا المتوفى.
يقول النبي ﷺ : (ما من ميت يصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة)، فالمقصود هنا أمة من المؤمنين، لا أن يأتي نصارى فيصلوا عليه، فقوله: (أمة من المسلمين) كأن المقصود به الإسلام الحق الخالص، أن تسلم وجهك وقلبك لله ، وأن تسلم نفسك لله سبحانه، ولذلك جاء في بعض الروايات: (لا يشركون بالله شيئاً).
فالمقصود: إنسان مسلم على الحق يلتزم بدين الله ، ويرضى بالله سبحانه، ويصبر على قضائه وقدره، فهذا المسلم الذي يسلم نفسه لله ويسلم أمره له ويفوض أمره إليه سبحانه يصلي على هذا الإنسان المتوفى، وكله يقين بأن الله رحمن رحيم، وأن الذي شرع هذه الصلاة ما شرعها إلا ليخفف عن هذا الميت، وليقبل شفاعة الشافعين في هذا الإنسان، وتراه وقت الصلاة على الجنازة لا يسلك سبيل الجدل، كما يحصل في الجنائز من كثير من الناس، همهم الجدل، حيث يكون الميت قد مات قبل فترة، فيتركونه، حتى إذا أتوا المسجد قالوا: أسرعوا بالجنائز، ويأتون بالأحاديث في هذا الباب، والميت في بيته منذ البارحة، فما قالوا في الليل: أسرعوا بالجنائز.
ولكن حين يأتون إلى المسجد يقوم الشيطان فيركب عقولهم.
إن الصلاة صلة بينك وبين الله ، والإنسان المؤمن يحب المسجد ويحب الصلاة، فيقبل على صلاته، ويحرص على حضور تكبيرة الإحرام في المسجد.
وكم من أناس تفوتهم تكبيرة الإحرام بسبب هؤلاء المتعجلين، فإذا أردت أن تصلي ركعتين يقول لك أحدهم: أقم الصلاة.
وإذا لم يكن الإمام قد دخل بعد قالوا: لا يهم حضوره؛ فأي واحد يمكن أن يتقدم ويصلي، وبعضهم قد يتبرع بنفسه فيقيم الصلاة لوحده من أجل أن يصلي الناس معه.
فهؤلاء حمقى ومغفلون وأغبياء بعيدون عن دين الله ، فإذا مات الميت كان همهم رميه في المقبرة، وليس همهم أن يحضر الكثيرون من المصلين حتى يصلوا على هذا المسكين المحتاج لصلاتهم، بل هم الواحد منهم أن يفرغ من هذا الميت وكأنه يجامل أهل الميت بالكلام الذي يقوله، وكم من إنسان يشكو من ذلك ويقول: إني مواظب على تكبيرة الإحرام ثلاثين يوماً، وأرغب في إكمال أربعين يوماً، ثم جاءت جنازة في المسجد، فضاعت علي تكبيرة الإحرام، وكل ذلك بسبب هؤلاء المتعجلين.
والأصل في الإنسان المؤمن أن يخلص لله تعالى في الصلاة على الميت، وأن يتصور نفسه مكان الآخرين، فحين تجد مظلوماً ضع نفسك مكانه، فالمظلوم محتاج إلى من يدافع عنه، فأنا سأدافع عن هذا الإنسان المظلوم ما دام في قدرتي أن أفعل ذلك، وإذا وجدت إنساناً ميتاً والناس منتظرون ليصلوا عليه فلا تقل: هؤلاء أناس كثيرون سيصلون عليه، فأنا سأذهب، ولكن قل: لو كنت الميت فسأتمنى أن الكثيرين يصلون علي، إذ يمكن أن واحداً منهم مستجاب الدعوة، فيستجيب الله دعوته لي.
ففي وقت الصلاة على الميت نحتاج إلى الإخلاص ﵎، ولا يهم من يتقدم ليصلي على الميت.
стр. 956
مخالفات في صلاة الجنازة
إذا أحب الناس تقديم واحد منهم ليصلي فليصل، ولكن لا يبتدع في الصلاة، كما يحدث من كثيرين، حيث يقول الواحد منهم للناس: اعملوا كذا وقولوا كذا، وقال النبي ﷺ كذا.
وهو ما قال.
وبعض الناس يرى نفسه أحق بالإمامة من غيره، وليس بقريب للميت، فإذا به يتقدم ليؤم الناس، والأصل في المساجد أن يصلي الإمام على المتوفى، إلا أن يستأذنه من هو أولى ومن يستحق ذلك.
فإذا إذا كان للميت أب أو أخ أو زوج للميتة يريد أن يصلي عليها فإنه يستأذن ويصلي، ولا مانع من مثل ذلك، لكن الممنوع هو في حق ذلك الذي يرى نفسه أنه أحق، وأنه مشهور في الشارع، فيأتي المسجد ويتقدم الصف قائلاً: استووا.
وبعض الناس يتقدم للصلاة على الجنازة، وكأن هذا الميت هو الوحيد في الدنيا، فيقف يصلي عليه ويدع الناس تتكسر أقدامهم، وتجده يكرر الدعاء الذي يقوله، أو أنه يحفظ ما لم يقله النبي ﷺ .
فهنا لا بد من الرحمة بالناس وبالمصلين، وإذا كان الميت قريبك فليس معنى ذلك أن تقف فتدعو له ساعة وتنسى الناس خلفك، لأنهم سيدعون قليلاً ثم سيسكتون، أو قد يدعو الواحد منهم لنفسه، فأنت تدعو لقريبك الميت وهو يدعو لنفسه، ولن يدعو لميتك، فلا تشق على الناس، ولا تؤذهم، وإذا كنت تصلي إماماً فاحفظ أحاديث النبي ﷺ -وهي أحاديث قليلة- في الدعاء للميت، وإذا حفظتها فإنك ستقف لتدعو للميت في نحو دقيقتين أو ثلاث أو أربع فلا داعي للإطالة بالناس.
وورد حديث لـ ابن عباس ﵁ يقول النبي ﷺ فيه: (ما من ميت يصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون له إلا شفعوا فيه).
فإذا كان مائة يصلون على الميت ويشفعون فيه فإن ذلك فيه الترغيب في تكثير العدد، والمهم أن يصلي على الميت أكبر عدد موجود، فإذا كان بعض الناس قد فرغوا من صلاة الفريضة وما زال أناس يصلون فينتضر حتى يفرغ المسبوقون ليصلي على الميت أكبر عدد يشفع فيه.
стр. 957
السنة في تقسيم صفوف صلاة الجنازة
ورد في حديث لـ مرثد بن عبد الله اليزني قال: كان مالك بن هبيرة ﵁ إذا صلى على الجنازة فتقال الناس عليها جزأهم عليها ثلاثة أجزاء، ثم قال: قال رسول الله ﷺ : (من صلى عليه ثلاثة صفوف فقد أوجب).
الحديث رواه الإمام أبو داود، ورواه الترمذي، ورجاله ثقات، إلا أن فيه محمد بن إسحاق وقد عنعن فيه، ومحمد بن إسحاق صدوق، ولكن إذا عنعن يخشى من تدليسه، فلذلك الحديث المرفوع فيه ضعف، لكن الموقوف على مرثد بن عبد الله من فعله صحيح.
ويشهد للمعنى المرفوع أحاديث جاءت عن النبي ﷺ في هذا المعنى، وهو تقسيم المصلين ثلاثة صفوف على الميت إذا كان العدد قليلاً، فـ مالك بن هبيرة كان إذا صلى على الجنازة فتقال الناس، أي: وجد العدد قليلاً، قسمهم ثلاثة صفوف خلف الجنازة.
وفي حديث آخر: (أن النبي ﷺ صلى على جنازة ومعه سبعة نفر، فجعل ثلاثة صفاً واثنين صفاً وواحداً صفاً).
فهذا فعل النبي ﷺ في تقسيم الصفوف خلف المتوفى، فإذا كان الصف في المسجد يسع ستين أو سبعين أو واحداً وكان العدد قليلاً، فإنا نقسم العدد القليل على ثلاثة صفوف، حتى لو وصل الأمر إلى أن يكون وراء الإمام ثلاثة وخلفهم اثنين وخلفهما واحد.
وبذلك تحيا سنة النبي ﷺ ، ولا يصر المرء على أن يكون في الصف الأول، بحيث يقوم الناس ويحصل بينهم مشاحة مشاكل والميت بين أيديهم.
وفي حديث مالك بن هبيرة: (ما من مسلم يموت فيصلي عليه ثلاثة صفوف من المسلمين إلا أوجب)، وفي رواية: (إلا غفر له)، فكان مالك إذا استقل أهل الجنازة جزأهم ثلاثة صفوف.
وإذا لم يوجد مع الإمام غير رجل واحد فإن الإمام يقف وخلفه هذا الواحد فيصليان على الجنازة.
وذلك بخلاف الصلاة العادية، فإذا كان المصليان اثنين فإنه يقف الإمام وعن يساره الآخر.
стр. 958
الأحق بالإمامة في الصلاة على الميت
والذي يصلي على المتوفى -في قول أهل العلم- هو الوالي أو نائبه، فإذا كان هناك إمام للمسلمين أو أمير لهم في بلد من بلاد الإسلام فهو الأولى بالإمامة؛ لحديث أبي حازم قال: إني لشاهد يوم مات الحسن بن علي ﵁ فرأيت الحسين بن علي قال لـ سعيد بن العاص: تقدم، فلولا أنها سنة ما قدمتك.
فالـ الحسين هو وأخوه سيدا شباب أهل الجنة، ومات الحسن ﵁ والحسين موجود، ومع ذلك قدم الحسين الوالي، وقال له: تقدم، فلولا أنها سنة النبي ﷺ ما قدمتك، فالوالي أحق من غيره.
قال أبو هريرة ﵁ وذكر مثله: (أتنفثون على ابن نبيكم بتربة تدفنونه فيها؟ وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: من أحبهما فقد أحبني ومن أبغضهما فقد أبغضني؟).
وهذا إذا كان يوجد أحد من أهل الإمارة في بلدة إسلامية فيها إمام أو أمير وهو يصلي بالناس، فهو أحق.
فإذا لم يكن كذلك فإمام المكان هو الأولى بذلك، فإذا كان في المسجد إمام فهو أولى بذلك، ولكن لا مانع من أن يقدم من يريد، دون أن تحصل الفوضى على مثل هذا الشيء، ومن أراد أن يتقدم من أهل الميت فليقدمه، وليس هذا هو الأصل، وإنما الأصل أن لا يتقدم أحد على ذي سلطان في سلطانه، ولا على صاحب مكان في مكانه إلا بإذنه، ولكن في مثل هذه الأمور قد يحب أهل الميت أن يتقدم أحدهم، فلا مانع من مثل ذلك، طالما أن الإخلاص موجود، فليصل الإنسان إماماً أو مأموماً.
стр. 959
ما يقال ويفعل في صلاة الجنازة
وأما ما يقال في صلاة الجنازة فإنه يكبر المصلي أربع تكبيرات، يتعوذ بعد الأولى، ثم يقرأ فاتحة الكتاب، وأما في الصلاة العادية فإنك تبدأ بعد تكبيرة الإحرام بالاستفتاح في الصلاة بنحو قولك: (سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك).
أو: (اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس) إلخ.
لكن صلاة الجنازة ليس فيها ذلك، فصلاة الجنازة صلاة سريعة، تبدأ فيها بعد التكبير بقولك: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم) ثم تقرأ الفاتحة، ولم يثبت عن النبي ﷺ في الجنازة استفتاح.
ثم يكبر الثانية، ثم يصلي على النبي ﷺ بعدها، سواء أرفع اليدين في كل تكبيرة أم اكتفى برفع اليدين في التكبيرة الأولى فقط، فهذا كله واسع، والأمر جائز في ذلك وواسع.
لكن الذي ثبت عن النبي ﷺ في الأحاديث أنه كبر ورفع في التكبيرة الأولى، ولم ينقل الرواة أنه رفع بعد ذلك، بل سكتوا عن التكبير الذي بعد ذلك، فمن قال: الأصل أن كل فعل في الصلاة يحتاج إلى دليل فإنه يقول: أتوقف في ذلك فلا أرفع في غير التكبيرة الأولى.
ومن قال: إن بعض الصحابة ثبت عنه أنه رفع اليدين في كل تكبيرة مثل عبد الله بن عمر فإنه يقول: إن الصحابي فعل ذلك، فنأخذ بفعله.
ولذلك قلنا: الأمر واسع، فإن شئت رفعت اليدين وإن لم تشأ لا ترفعهما؛ إذا لم يأت عن النبي ﷺ نص في أنه رفع في غير تكبيرة الإحرام.
والحاصل: أنه يتعوذ بعد الأولى ويقرأ الفاتحة، ثم يكبر الثانية ويصلي على النبي ﷺ بما هو مذكور في آخر التشهد، فيقول: (اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد)، ثم بعد ذلك يكبر ويدعو للإنسان المتوفى.
يقول لنا النووي ﵀: ولا يفعل ما يفعله كثير من العوام من قراءتهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب:٥٦]؛ لأنه كان الاختراع والابتداع في زمن الإمام النووي كثيراً، وفي كل زمان تجد أشياء من ذلك.
فكانوا يفعلون ذلك في عهد الإمام النووي، فنبه على أن هذه آية في القرآن، لكن لا تفعل ما يفعله هؤلاء؛ فإن هذا ليس من هدي النبي ﷺ .
يقول النووي رحمه الله تعالى: فإنه لا تصح صلاته إذا اقتصر عليه.
أي: أن بعض الناس بدلاً من أن يقول: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦].
فهنا لم يأت بالأمر: (صلوا) ولم ينفذه، مع أن المطلوب هنا التنفيذ، بأن تصلي على النبي ﷺ فتقول: (اللهم صل على محمد).
ثم يكبر الثالثة ويدعو للميت وللمسلمين بما سنذكره من الأحاديث إن شاء الله، ثم يكبر الرابعة ويدعو، ومن أحسنه: (اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده، واغفر لنا وله)، فهذا دعاء قصير جداً، والمقصود: أن تخلص في الدعاء، فإذا أخلصت في الدعاء فادع بما شئت.
يقول ﵀: والمختار أن يطول الدعاء في الرابعة، خلاف ما يعتاده أكثر الناس.
يعني: أن بعض الناس يرى أنه بعد التكبيرة الرابعة يسلم، وهذا يختاره بعض أهل العلم، فيكبر التكبيرة الرابعة ويسلم، فالإمام النووي يقول: المختار أنه يدعو ويطيل الدعاء بمثل هذا الذي ذكره، وهو: (اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده، واغفر لنا وله).
стр. 960
دعاء مأثور في الصلاة على الميت
فأما الأدعية المأثورة بعد التكبيرة الثالثة فمنها: ما جاء عن أبي عبد الرحمن عوف بن مالك ﵁ قال: (صلى رسول الله ﷺ على جنازة فحفظت من دعائه وهو يقول: اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله داراً خيراً من داره، وأهلاً خيراً من أهله، وزوجاً خيراً من زوجه، وأدخله الجنة، وأعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار).
هذا دعاء النبي ﷺ ، وهو كلمات يسيرة يعتبرها النووي رحمه الله تعالى طويلة، يقول: يدعو بمثل ما دعا النبي ﷺ ويطيل في الدعاء.
يعني: بمثل هذا الذي جاء في هذا الحديث، وأجمل ما يكون وأوعى ما تقوله وأجمعه هو ما قاله النبي ﷺ ؛ فهو أرحم الخلق بأمته ﵊، وقد أمرنا بالإخلاص في الدعاء وأن ندعو للمتوفى، وهو كان يدعو بذلك، فلنحفظ أحاديثه ﷺ في الدعاء للميت، ولندع للميت بما قاله النبي ﷺ ودعا به.
ففي هذا الحديث قوله: (اللهم اغفر له وارحمه)، فجمع له بين المغفرة والرحمة، فقوله: (اغفر له) أي: امح عنه الخطايا، أو استر الخطايا؛ لأن الغفر هو الستر، ومعنى التكفير المحو، فهنا كأننا نقول: اغفر لهذا المتوفى واستر خطاياه، وإذا سترت خطاياه فارحمه.
وقوله: (وعافه واعف عنه)، الدعاء بالعافية في الآخرة بمعنى رحمة الله ، أي: أن ينقذك من عذاب النار.
فالمعافاة هنا من العقوبة في القبر ومن العذاب في النار.
وقوله: (واعف عنه) يعني: فلينله عفوك يا رب العالمين، وتجاوز عن هذا الإنسان وسامحه.
وقوله: (وأكرم نزله)، النزل هو الضيافة، أي: يا رب! قد نزل هذا ضيفاً عندك، فأكرم نزله وأنت أكرم الأكرمين، أكرم هذا الإنسان الذي نزل ضيفاً ضعيفاً عندك يا رب العالمين.
قوله: (ووسع مدخله)، القبر إما روضة من رياض الجنة، وإما حفرة من حفر النار، والقبر يوسع على صاحبه أو يضيق عليه، فتدعو للمتوفى بأن يوسع الله له في قبره.
قوله: (واغسله بالماء والثلج والبرد)، هذا من التوكيد، فإذا غسل الإنسان بالثلج وغسل بالماء وغسل بكل شيء طاهر ينزل من السماء فإنه ينقى، والمعنى: نقه من الذنوب ليلقاك ولا شيء عليه.
وتكون التنقية في الدنيا من الذنوب بالابتلاءات.
وأما القبر فليس فيه إلا العذاب أو الرحمة، فكأنه يقول: يا رب! ارحمه واغسله بفضلك وبرحمتك، وطهره من هذه الذنوب؛ ليلقاك يوم القيامة ولا شيء عليه.
قوله: (ونقه من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس)، أي: اجعله كالثوب الأبيض الذي لا دنس فيه ولا نجاسة عليه، والله على كل شيء قدير ، فكما أن هذا الثوب يصير أبيض بفضل الله سبحانه ﵎، كذلك نقول: اجعل هذا الميت في بياض هذا الثوب، وأنت الذي تفعل به ذلك يا رب العالمين.
قوله: (وأبدله داراً خيراً من داره، وأهلاً خيراً من أهله، وزوجاً خيراً من زوجه)، أي: ندعوا بأن يبدله الله داراً خيراً من داره، فهذه الدار الدنيا التي لا قيمة لها ضيقة على أصحابها، منغصة على أهلها، لكن الدار الآخرة هي رياض الجنة، نسأل الله أن يجعلنا من أهلها.
قوله: (وأهلاً خيراً من أهله، وزوجاً خيراً من زوجه)، هذا توكيد، فندعو للميت بأن يبدله الله تعالى زوجاً خيراً من زوجه، وهذا إذا كان رجلاً، أما إذا كان الميت امرأة فلا يستحب ذلك، فالرجل يتزوج بالحور العين، وتكون زوجته معه في الجنة أيضاً، وهي من أجمل نساء أهل الجنة.
لكن المرأة تكون لآخر أزواجها، فلا ينبغي أن يدعى بمثل ذلك للمرأة فيقال: أبدلها زوجاً خيراً من زوجها، لا يقال ذلك، ولكن يقال هذا للرجل فقط، وإن كان بعض أهل العلم حمله على معنى له وجه، وهو أن قوله: (أبدلها زوجاً خيراً من زوجها)، المراد به نفس الزوج، وحين يكون من أهل الجنة يكون خيراً لها مما كان لها في هذه الدنيا، فإذا قال الإنسان ذلك فلينو هذا المعنى، وإلا فلا يقله.
قوله: (وأدخله الجنة وأعذه من عذاب القبر)، هذا دعاء له بكل الخير من تكفير للخطايا ومن غفران للسيئات، ومن نيل للرحمات، وأن ينقيه الله ، وأن يغسله من ذنوبه، وأن يدخله الجنة، وأن يجيره من عذاب القبر، ومن عذاب النار.
ومن جمال هذا الدعاء الجامع الشامل أن الصحابي راوي الحديث -وهو عبد الرحمن بن عوف أحد العشرة المبشرين بالجنة ﵁ يقول: حتى تمنيت أن أكون أنا هذا الميت.
أي: كان يتمنى أنه ذلك الميت الذي دعا له النبي ﷺ بهذا الدعاء الجميل كله.
وهناك أدعية أخرى نرجئها للحديث القادم إن شاء الله، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 961
شرح رياض الصالحين - ما يقرأ في صلاة الجنازة وما جاء في الإسراع بالجنازة
لقد جاء الإسلام شاملاً كاملاً مستوعباً لجميع نواحي حياة الإنسان، مشرعاً له في كل شأن من شئون حياته، وفي كل مرحلة من مراحل عمره من يوم ولادته إلى يوم وفاته، وحتى بعد وفاته فلم يترك شيئاً عبثاً.
وإن مما شرعه الإسلام بعد وفاة هذا الإنسان الصلاة عليه وغسله ودفنه وقضاء ديونه، وغير ذلك.
стр. 962
الدعاء في صلاة الجنازة وكيفيته
بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد الله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.
أما بعد: قال الإمام النووي ﵀: [باب: ما يقرأ في صلاة الجنازة عن أبي عبد الرحمن عوف بن مالك ﵁، قال: (صلى رسول الله ﷺ على جنازة فحفظت من دعائه وهو يقول: اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله داراً خيرا ًمن داره، وأهلاً خيراً من أهله، وزوجاً خيرا من زوجه، وأدخله الجنة وأعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار قال عوف: حتى تمنيت أن أكون أنا ذلك الميت) رواه مسلم].
وأما كيفية صلاة الجنازة: فإنه يقرأ في صلاة الجنازة بعد التكبيرة الأولى: بفاتحة الكتاب.
وبعد التكبيرة الثانية: يصلي على النبي ﷺ ، قائلاً: اللهم! صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آله إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد.
وبعد التكبيرة الثالثة: يدعو للميت.
ثم بعد التكبيرة الرابعة: يدعو لنفسه، ويدعو للميت، ويدعو للمؤمنين.
فالدعاء يكون بعد التكبيريتين الثالثة والرابعة.
وقد جاءت أحاديث جامعة عن النبي ﷺ في كيفية الدعاء في صلاة الجنازة، فمن حفظها ودعا بها للميت فقد قال شيئاً عظيماً، وأتى بخير كثير في الدعاء لهذا المتوفى.
ومن ذلك: حديث عوف بن مالك الذي ذكر فيه النبي ﷺ دعاء الميت: (اللهم! اغفر له، وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله داراً خيرا ًمن داره، وأهلا خيراً من أهله، وزوجاً خيراً من زوجه، وأدخله الجنة وأعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار).
يقول عوف بن مالك ﵁ راوي الحديث: حتى تمنيت أن أكون ذلك الميت؛ وذلك من جمال هذا الدعاء، فبسبب أنه دعاء كامل وجامع فقد تمنى ﵁ أن لو كان هو هذا الميت، فقد دعا له النبي ﷺ بالمغفرة، وبالرحمة، والعفو والمعافاة في الدنيا فاسأل الله العفو والعافية، بأن يعافيك في بدنك، وفي دينك، وفي أهلك ومالك.
وأما في القبر فقد انتهى التكليف الذي كان في الدنيا، إذاً المعافاة في القبر هي: النجاة من أثر الذنوب وعقوبتها، والنجاة من العذاب في القبر، والنجاة من العذاب يوم القيامة، فهذه هي المعافاة للميت، ومن عافاه الله سبحانه فقد فاز فوزاً عظيما.
стр. 963
شرح ألفاظ دعاء الميت في حديث عبد الرحمن بن عوف
فقول النبي ﷺ : (اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه، وأكرم نزله)، أي: المكان الذي نزل فيه، وكأن المقصود الضيافة؛ لأن النزل هو: الضيافة، فكأن هذا الميت ضيفاً على الله ، فكأنك تقول لله : هذا ضيف نزل عندك، فأكرم هذا الضيف، كما أمرتنا أن نكرم الضيوف في الدنيا، فتفضل عليه بأن تكرمه، وقد نزل عندك.
وأما قوله ﷺ : (وأكرم نزله ووسع مدخله)، فلأن القبر إما أن يضيق على صاحبه، فيكون ضيقاً جداً، وإما أن يوسع لصاحبه فيكون كمد البصر، وذلك بحسب عمل صاحب القبر، الذي عمله في الدنيا.
وكذلك إما يكون القبر روضة من رياض الجنة، أي: جنة عظيمة، ورياض واسعة، وإما أن يكون حفرة -والعياذ بالله- من حفر النار.
وأما قوله ﷺ : (ونقه من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس) أي: نقه من الخطايا، واغفرها له، واغسلها وامحها عنه، بحيث يصير نقياً كالثوب الأبيض ناصع البياض الذي ليس فيه شيء من آثار الدنس.
وقوله ﷺ : (وأبدله داراً خيراً من داره)؛ لأن داره كانت في الدنيا بكدرها وضيقها، فدعا له ﷺ بأن يبدله داراً هي أفضل منها، وهي: الجنة.
وقوله ﷺ : (وأهلاً خيراً من أهله، وزوجاً خيراً من زوجه) يعني: من الحور العين في الجنة، إذا أدخله الله جنته.
وقوله ﷺ : (وأدخله الجنة وأعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار)، فيه عظم هذا الدعاء من النبي ﷺ في معافاة هذا الإنسان في كل أحواله، من وقت ما يقدم على ربه وهو في قبره إلى أن يبعث، ويدخل الجنة.
ولذلك فإن الصحابي راوي الحديث تمنى أن يكون هو هذا الإنسان المتوفي، ولا يوجد أحد يتمنى الموت، ولكن مع هذا الدعاء العظيم من النبي ﷺ -ودعاءه مستجاب ﵊ فقد تمنى أن يكون هو هذا الميت.
стр. 964
دعاء النبي ﷺ للميت في حديث أبي قتادة
ومن الأدعية الواردة في صلاة الجنازة: ما دعا به النبي ﷺ كما ورد عند الترمذي من حديث أبي هريرة ومن حديث أبي قتادة، وفيه: قال النبي ﷺ : (اللهم! اغفر لحينا وميتنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا، وشاهدنا وغائبنا).
فهذا هو الذي تدعو به للميت ثم تدعو لنفسك وللمسلمين أيضاً، فبعد التكبيرة الثالثة تخص الميت بالدعاء، وإن شئت جعلت الدعاء له في التكبيرتين الثالثة والرابعة ولا تحرم نفسك والمسلمين من الدعاء، فلعل الله أن يستجيب، ولعلك أن تستحضر في هذا الوقت الإخلاص والخشوع والخوف من الله ، فيستجيب الله دعاءك، فلا تحرم نفسك من أن تدعو لنفسك وتدعو للمؤمنين.
ولكن بجوامع الدعاء التي دعا بها النبي ﷺ ، فقد دعا بقوله: (اللهم! اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، وذكرنا وأنثانا، وصغيراً وكبيرنا، وشاهدنا وغائبنا اللهم! من أحييته منا، فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان) فهذا دعاء شامل كامل من النبي ﷺ الذي أوتي جوامع الكلم، صلوات الله وسلامه عليه.
فيدعو ربه سبحانه بقوله: اللهم! اغفر للجميع، ويخصه، وإن كان حقيقة التخصيص فيه التعميم، فإن قوله ﷺ : (لحينا) يخص كل الأحياء والإنسان إما حي وإما ميت، وقد قال في الدعاء: اغفر لحينا وميتنا، فحقيقته هي: التعميم فقد عم النبي ﷺ الجميع بقوله: (اغفر لحينا وميتنا).
وكذلك قوله ﷺ : (وشاهدنا وغائبنا) فإن الناس إما شاهد، وإما غائب، فالشاهد هو الموجود، والغائب إما أن يكون غائباً الآن، وإما أن يكون تحت التراب، فكأنه جمع الجميع بقوله.
وكذلك قوله ﷺ : (وذكرنا وأنثانا)؛ لأن الناس إما ذكور وإما إناث، فدعا النبي ﷺ للجميع.
وكذلك قوله: (وصغيرنا وكبيرنا) نفس الأمر أي: أن الناس إما صغار وإما كبار، فكأن هذا الدعاء هو الأولى؛ لأنه دعاء النبي ﷺ ، وفيه من التأكيد الشيء الكثير، وقد تفنن في الانتقاء صلوات الله وسلامه عليه.
فكأنه يقول: اللهم! اغفر للجميع.
ولكن بتفنن جميل في الدعاء.
فشمل دعاؤه ﷺ الجميع.
وقوله ﷺ : (اللهم! من أحييته منا فأحييه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان) أي: أن الله إما أن يقدر لنا الحياة، وإما أن يقدر لنا الموت، فيقول: إذا قدرت لنا الحياة فأحيينا على الإسلام، وثبتنا عليه، وإن قدرت لنا الموت فتوفنا على الإيمان.
ثم قال: (اللهم! لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده) أي: هذا الإنسان الذي توفي وفارقنا، اللهم! لا تحرمنا أجر أن صلينا عليه وشيعناه ودعونا له.
وكذلك لا تفتنا بعده؛ فقد مات هذا الإنسان، ومددت لنا في أعمارنا، فلا تجعلنا فتنة للناس بعد موته، ولا تفتنا بغيرنا في هذه الحياة الدنيا.
стр. 965
الأمر بإخلاص الدعاء للميت
مما جاء عنه ﷺ في أمر الجنائز ما رواه أبو داود، وحسنه الشيخ الألباني: عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء) وهذا الأمر مهم جداً وليس الأمر من الذي يصلي عليه، ولكن من الذي يؤم، والمهم أن يخلص الجميع في الدعاء للميت.
وإذا كانت الصلاة على الميت في المسجد فأولى الناس بالصلاة عليه هو إمام المسجد، وهذا بنص حديث النبي ﷺ ، وهو قوله: (لا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه، ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه)، وأما إذا كانت الصلاة خارج المسجد كأن يصلون عند المقبرة، أو في المصلى، أو في غيرهما، فليتقدم وصي الميت إن كان أوصى أن فلاناً يصلي عليه، وإن كان الأفضل في الإمامة على كل الأحوال في أي صلاة جماعة سواء كانت صلاة على الميت أو غيرها أن يؤم القوم أحفظهم لكتاب الله، وذلك لما جاء عن النبي ﷺ : (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله) فهذا هو المقدم في الإمامة، إذ قدمته الشريعة، ولا يؤخر من قدمته الشريعة.
وقد تجد أحياناً بعض الناس يظن أن المسألة من باب التزين والتجمل، فتجد أن أولياء الميت وأهله يتخاصمون فيما بينهم فيمن سيصلي على هذا المتوفى، والأهم من ذلك هو الإخلاص في الدعاء، سواء كنت إماماً أو كنت مأموماً، فإذا أخلصت في الدعاء استجاب الله ، ولن يكون هناك فرق سواء كنت إماماً أو مأموماً، ولذلك قال ﷺ : (أخلصوا له الدعاء).
فالمطلوب إذاً: أن تستحضر النية الصالحة، وتستحضر أنك ستكون مكانه في يوم من الأيام، ولا تدري هل سيصلي عليك مجموعة كبيرة أو عدد قليل، وهل سيخلصون لك في الدعاء أم لا؟ فلذلك عامل الناس بما تحب أن يعاملوك به، فإنك إذا كنت في هذا الموقف فإنك تحب من الناس أن يدعوا لك بإخلاص، فادع لهذا المتوفى، كما تحب أن يدعى لك، ولا تبخل بالدعاء فإنك لن تخسر شيئاً، ولن تدفع من جيبك، وإنما الله هو الذي يعطي، فادع له بالجنة، وادع له بالفردوس الأعلى فيها، وادع له بالرحمة، فلعل الملائكة أن تدعوا لك، وتقول: ولك مثله، ولك مثله، فادع لأخيك، كما قال النبي ﷺ ، واسأل له التثبيت، وادع له بما تحب أن يدعى لك.
ذكر الإمام النووي ﵀ هنا حديثاً آخر رواه أبو داود بإسناد ضعيف، ورجاله ثقات إلا: علي بن شماخ، لم يوثقه سوى ابن حبان، فالحديث في إسناده ضعف يسير.
قال ﷺ : (اللهم! أنت ربها وأنت خلقتها، وأنت هديتها للإسلام، وأنت توفيتها، وأنت أعلم بسرها وعلانيتها، جئنا شفعاء له، فاغفر له) فأنت أيها المسلم جئت لتصلي على المتوفى وتشفع له.
الشفاعة معناها: أن لا تجعله وحده، فأنت شفعته، أي: صرت معه تدفع عنه بدعائك وبإخلاصك، فلذلك قال: (جئنا شفعاء له، فاغفر له) لعل الله أن يتجاوز عنه، ويعفو عن سيئاته.
ومن الأحاديث الصحيحة: ما رواه أبو داود عن واثلة بن الأسقع ﵁، قال: (صلى بنا رسول الله ﷺ على رجل من المسلمين، فسمعته يقول: اللهم! إن فلان ابن فلان في ذمتك وحبل جوارك، فقه من فتنة القبر وعذاب النار، وأنت أهل الوفاء والحمد، اللهم! فاغفر له وارحمه، إنك أنت الغفور الرحيم).
فيستحب أن تدعو بأي دعاء شئت؛ لأنه ﷺ لم يقل كل الأدعية في صلاة واحدة، ولكن مرة قال بكذا.
ومرة قال بكذا، ومن هنا فإننا نعرف أن طول صلاة الجنازة غير مستحب، فلا تكون صلاة طويلة جداً بحيث يمل الناس، يقفون حتى لا يجدوا شيئاً يقولونه، ولكن تكون الصلاة بقدر ما دعا النبي صلوات الله وسلامه عليه.
وإن شئت جمعت حديثين أو ثلاثة أحاديث فيما جاء من ذلك، ودعوت بهما للميت، ولكن البعض أحياناً قد يقف ويدعو للميت دعاءً طويلاً، حتى يمل من خلفه، ويظلوا سكوتاً، لا يعرفون ماذا يقولون، فيذهب عنهم الإخلاص، ويشق عليهم بذلك.
ولذلك عندما قال الإمام النووي ﵀: يستحب الإطالة بعد التكبيرة الرابعة، فإنه يقصد: الإطالة بقدر ما قاله النبي ﷺ ، لأن بعض العلماء يقولون: لا يوجد بعد التكبيرة الثالثة دعاء، وإنما تكبر، وتقف شيئاً يسيراً، وتسلم من غير دعاء، فالإمام النووي يقول: قف، وادع بعد الثالثة بمثل هذا الدعاء الذي جاء عن النبي ﷺ .
стр. 966
السؤال في القبر
ويسأل الإنسان في قبره: من ربك؟ وما دينك؟ وما تقول في الرجل الذي جاء فيكم؟ والسؤال صعب جداً؛ لأن الإنسان وهو في قبره وقد انصرف الناس من حوله، يأتيه ملكان، فينهرانه بشدة، فمثلاً: لو كنت واقفاً في الطريق وصاح أحد عليك بصوت عال فإنك تفزع وتخاف وأنت قوي قادر، فما بالك وأنت داخل القبر، مربوط في كفنك، لا تعرف ماذا ستفعل؟! نسأل الله العفو والعافية.
فيأتيه ملكان شديدا الانتهار، أصواتهما وصراخهما عال وشديد جداً، لا يسمعهما أحد إلا هذا المتوفى، فينهرانه ويجلسانه، ويسألانه: من ربك؟ وما دينك؟ وما تقول في الرجل الذي بعث فيكم؟ فلا ينفع الإنسان إلا ما كان عليه في الدنيا من عبادة الله والخوف منه سبحانه، وهنا يثبت الله الذي يريد أن يثبته، فلا أحد معك في قبرك وإن أقصى شيء يسمعه الإنسان المتوفى هو قرع النعال، وهي حالة من حالات الفزع التي تكون على الإنسان، فقد أصبح لوحده الآن، وهذا فيه إفزاع للإنسان، فإنه وهو في قبره لا أحد معه، فكل الناس رجعوا وتركوه، فإذا كان عبداً مؤمناً فإن الله يثبته في هذه الحالة.
فيجيب قائلاً: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد صلوات الله وسلامه عليه، فيسألانه: ما معرفتك به؟ فيجيب بقوله: جاءنا بالبينات فصدقت وآمنت، أي: أعطاني كتاباً من عند الله سبحانه، أعطانا سنته صلوات الله وسلامه عليه، فقد أتى بآيات معجزات، فعرفنا أنه رسول الله، فهو ثابت يجيب لا يتزعزع ولا يتزلزل فينجح في الامتحان، وتلا النبي ﷺ قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾ [إبراهيم:٢٧]، فإذاً يضل الإنسان إذا كان ظالماً وفاجراً وشقياً كافراً في هذه الدنيا، فإذا سأله الملكان في القبر: من ربك؟ وما دينك؟ وما كنت تقول في الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: لا أدري، لا أدري، فيزيغ، ولعله في الدنيا كان يقول: لا إله إلا الله، ولكنه لم يثبت عليها في قبره، فقد ضاعت منه هذه الكلمة؛ لأن الذنوب ثقلت لسانه في وقت وفاته، فلم يقدر على هذه الكلمة، ثم لما كان في قبره فإن ذنوبه واستهزاؤه بالمؤمنين، أضاع عن خاطره ذلك، في موقف فيه الفزع، فيقال له: لا دريت ولا تليت، ولا دريت، دعاء عليه، أي: إن شاء الله ما دريت، ولا تليت، أي: ما قرأت القرآن قبل ذلك، ولا تعلمت آداب هذه الشريعة، فقد كنت غافلاً، ولاعباً، وماشياً في الدنيا كأهل الباطل شمالاً ويميناً، ناسياً ربك ﵎، والآن ننساك ونتركك وحيداً في قبرك.
فينادي مناد: أن كذب عبدي.
ويقال له: إنه محمد ﷺ ، ألا تعرف النبي ﷺ ؟!! فيقول: سمعت الناس يقولون شيئاً فقلت، أي: قلدت الناس، أي: أن الناس كانوا يقولون شيئاً، فقلته، فقلدت الناس، عملت مثل ما عمل الناس.
وكثير من الناس لا يعرف أنه قال: لا إله إلا الله، أو لا يذكر الله إلا عندما يتعارك مع الناس، فيرفع صوته، ويقول: لا إله إلا الله، وهو يتعارك، أما وهو طبيعي فلا يذكر الله، بل ينساه ، وعندما يحب أن يتعجب يقول: سبحان الله، لا أعرف ماذا كذا وكذا، فيقولها على وجه التعجب والإنكار أما أن يجلس يذكر الله خاشعاً له، متأدباً معه فلا يفعل ذلك.
فإذا كان هذا الإنسان الذي في قبره قد نسي الله في الدنيا، وكان فاجراً شقياً، فإنه يقول: سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته يعني: كان مع الناس يقول كما يقولون: لا إله إلا الله فقال: كما قال الناس، فلم ينفعه ذلك في قبره، وإذا به يسمع قائلاً يقول: افتحوا له باباً إلى النار، وأروه منزله من النار، وافرشوا له لوحين من النار والعياذ بالله، فيصير القبر عليه حفرة من حفر النيران نسأل الله العفو والعافية.
ولذلك فعندما تدعو لميت فاستحضر هذا كله، وأنه مسكين، قد ذهب إلى ربه، فيحتاج إلى الدعاء، فادع له بالتثبيت، وادع له بالمغفرة.
في نهاية هذا الحديث يقول النبي ﷺ : (فقه فتنة القبر وعذاب النار، وأنت أهل الوفاء والحمد، اللهم! فاغفر له وارحمه، إنك أنت الغفور الرحيم).
من الأحاديث التي جاءت في ذلك: ما روى الحاكم وقال: صحيح، وإن كان في إسناده ضعف، عن عبد الله بن أبي أوفى: أنه كبر على جنازة ابنة له أربع تكبيرات.
وروى البيهقي بإسناد صحيح فيه فقام بعد الرابعة كقدر ما بين التكبيرتين، وساقه الإمام النووي من رواية الحاكم ولكنها بإسناد ضعيف، ولكن ورد مثلها، ورواها البيهقي بإسناد صحيح، وفيه: أن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ كبر على جنازة ابنة له أربع تكبيرات، فقام بعد الرابعة، كقدر ما بين التكبيرتين، يعني: كأن كثيراً منهم كانوا يصلون فإذا أتوا بالتكبيرة الرابعة لا يدعون، وإنما يسلمون فوراً فهو قام مثلما قام قبلها في الدعاء الذي في التكبيرة الثالثة، يستغفر ويدعو لها.
ثم قال: بعدما جلس فترة، أي: إن راوي الحديث يقول: كبر أربعاً، فمكث ساعة حتى ظننت أنه سيكبر خمساً، ثم سلم عن يمين وعن شمال، وكلمة: ساعة بمعنى: لحظة، أي: شيئاً من الزمن، وليس معنى الساعة ستين دقيقة، ولكن المقصد منه لحظة، فهو وقف قليلاً، أي: فترة، يدعو للميتة فلما انصرف قلنا له: ما هذا؟ أي: إنك بعد التكبيرة الرابعة وقفت تدعو أيضاً، كأنهم نسوا هذه السنة عن النبي ﷺ ، فكان كثيرون لا يفعلونه فقد كانوا يدعون بعد التكبيرة الثالثة، وأما بعد الرابعة فيسلمون فوراً، فلما قالوا له ذلك قال: إني لا أزيدكم على ما رأيت رسول الله ﷺ يصنع، أو هكذا صنع رسول الله ﷺ .
стр. 967
باب الإسراع بالجنازة
الإسراع بالجنازة سنة، والإسراع أنواع: إسراع من لحظة ما يتوفى الميت، فهو إسراع في التجهيز، وإسراع في استخرج تصريح بدفنه، وإسراع في حفر القبر، وإسراع في إحضار المغسل، وإسراع في إحضار الكفن، فلا يطول هذا الشيء وإنما بقدر ما يجتمع الناس الذين يصلون عليه، والنبي ﷺ ذكر لنا في الحديث أنه: (إذا صلى عليه أربعون يشهدون أن لا إله إلا الله) أي: أربعون من الموحدين، وفي الحديث الآخر: (مائة يوحدون الله سبحانه إلا شفعوا فيه) فإذاً نحرص على أن يصلي على هذا المتوفى على الأقل أربعون شخصاً يصلون عليه، أو مائة، والناس الذين يحضرون في الجنائز كثيرون، فإذاً لا داعي للإسراع الذي يجعل الكثيرين لا يشهدون الجنازة، وأيضاً لا داعي للإبطاء الممل الذي يجعل الناس يقولون: لن نحضر جنازة مرة ثانية؛ لأنهم يؤخرونا ويعطلونا، فالأمر على الوسط، فالإسراع يكون بالتجهيز، وتبلغ من سيحضر الجنازة، بحيث إنه يصلى على الميت إذا توفي، ويدفن في اليوم الذي توفى فيه.
إلا أن يتعذر ذلك، كما في عادة بعض البلدان أن المقبرة تقفل بعد العشاء، فمن الصعب أن نذهب بعد العشاء ونفتح له قبراً، ولكن في مكة والمدينة المقبرة مفتوحة في أي وقت، ففي أي وقت يدفن الإنسان المتوفى، فعلى ذلك إذا كانت عادة أهل البلاد الإسراع لمثل ذلك، فيدفن ولا يؤخر إلى الصباح حتى يحضر الناس.
وينظر أيضاً هل يتغير الميت أو لا يتغير، وأي إنسان يتوفى إذا مر عليه وقت فإنه يتغير، فالإنسان بداخله معدة وأمعاء فتتحلل، ويخرج منه رائحة كريهة، وليس هذا دليل على أن ذلك الرجل سيء، والميت يتحلل في قبره، وتأكله الدود، إلا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وإلا ما يكون من أمر الشهداء في من شاء الله .
إذاً: إذا كان الميت رائحته قد تغيرت فلا أحد يسيء فيه الظن، وإذا كان مستوراً داخل صندوق، وقد تغير الميت، فاتركه على وضعه، وصل عليه وهو على هذه الحالة، وقبل إنزاله القبر افتح الصندوق وأنزل الميت في قبره، واستره، واجعل له أعذاراً مثل أن تقول: تأخر أهله في الدفن، وأحسن الظن في أخيك المسلم، ولا تدري إذا كان حدث له هذا الشيء، فأنت ماذا سيحصل لك في مثل موقفه؟ فلا تسيء الظن في أحد.
وأحياناً تأتي الجنائز خارج المسجد، وأهل الميت يقولون: سنصلي عليه داخل السيارة، فافهم أنه بدأ يتغير، فلا تحرج الناس، بأنه يجب أن ننزله وندخله داخل المسجد، فتتأذى وتؤذي الناس، بل اتركه في مكانه، وصلوا عليه في مكانه والغالب والعادة هو هذا الشيء، فهم يرفضون أن ينزلوه من داخل السيارة؛ لأن رائحته قد تغيرت، حتى لا يتأذى منه أهل المسجد، فدعه على مكانه، وصل عليه في المكان الذي هو فيه.
وفي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (أسرعوا بالجنازة، فإن تك صالحة فخير تقدمونها إليه، وإن تك سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم)، يعني: في كل الأحوال الإسراع أفضل، فإن كان إنساناً صالحاً فاذهب به لما ينتظره في قبره من نعيم الله سبحانه، ومن رضاه.
وإذا كان إنساناً غير صالح، كأن يكون شريراً وغير جيد، فاذهب به أيضاً إلى المقبرة، ففي الحالتين يقول النبي ﷺ : (إن تك صالحة فخير تقدمونها إليه، وإن تك سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم).
ويستحب أن يكون الإسراع الذي لا يشق على الناس ولا يرهقهم، فلا تضع الميت داخل النعش، ثم تحمله وتجري به وما زال أهل المسجد في المسجد، وما زال الذين يلبسون أحذيتهم في المسجد.
فإذاً: لا بد من الإسراع في تجهيز الميت، والإسراع في دفنه، والمشي الذي لا يشق على الناس، وخاصة عندما يكون هناك كبار سن يمشون وراءها، ويريدون الوصول إلى المقابر، فإنه يصعب عليهم الجري مع من يجري، فإذاً يكون الإسراع بالجنازة، من غير أن نشق على الناس، ومن غير أن يختلف كلام الناس، كما يحدث في جنائز كثيرة، وأحياناً بعض الناس، يخرجون وراء الجنازة، وبعد أن يمشوا عشرة أو اثنتي عشرة خطوة يرجعون؛ لأن الجنازة فاتت، ولن يستطيعوا إدراكها، فيكون نصف المشيعون قد تخلفوا؛ بسبب الجري والإسراع، وقد كانوا يريدون أن يصلوا عليها.
ومن الأحاديث في ذلك: ما رواه البخاري من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، قال: كان النبي ﷺ يقول: (إذا وضعت الجنازة فاحتملها الرجال على أعناقهم، فإن كانت صالحة قالت: قدموني، وإن كانت غير صالحة، قالت لأهلها: يا ويلها أين تذهبون بها؟ يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمع الإنسان لصعق).
وقوله: (فاحتملها الرجال على أعناقهم)، احتج بهذه الجزئية بعض العلماء الأفاضل في أنه لا بد من حمل الجنازة على الأكتاف، وأنه لا يجوز حملها في سيارة إسعاف ولا غيرها وهذا احتجاج خاطئ ولا وجه له، وإنما حديث النبي ﷺ وصف لحال موجود عندهم.
ولم ينكر على الصحابة حين توفي شهداء أحد وجاء أهل المدينة يحملون الشهداء على الجمال، والجمل مثل السيارة، إذاً: فهذا الأمر راجع للأيسر على الناس، فإن كان الأيسر أن تحمله في النعش فاحمله، وإن كان الأيسر أن تحمله في سيارة فاحمله فيها ولا وجه للقول بأن هذا الأفضل، وإنما الأفضل ما لا يشق على الناس في ذلك، فالأمر بحسب الأيسر على الناس.
قال ﵊: (إذا وضعت الجنازة فاحتملها الرجال على أعناقهم، فإن كانت صالحة قالت: قدموني)، فإذا كان الميت صالحاً فإن الملائكة تبشره بقولها: اخرجي أيتها النفس الطيبة إلى روح وريحان، ورب غير غضبان.
فالإنسان يبشر عندما تخرج روحه، فتبشره الملائكة بأن ربك غير غضبان عليك، فلا تخف، فإذا دخل قبره كان التثبيت من الرب سبحانه، كما قال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم:٢٧]، فروح الإنسان وهو على نعشه، ذاهبين به إلى القبر، تقول: أسرعوا؛ لأنه يرى النعيم الذي ينتظره هنالك، فيريد أن يسرعوا به إلى مكانه، فتقول روحه: قدموني.
وإذا كانت غير صالحة وكان الميت إنساناً فاجراً أو شقياً، فتقول لأهله: يا ويلها! ولاحظ حسن التعبير والالتفات فلم يقل: يا ويلي! حتى لا يرجع الضمير إلى المخبر، وإنما الذي يقول ذلك هو الميت، فتقول هذه الجثة وهذه الروح: يا ويلها! أين تذهبون بها؟ يسمع صوتها، والكون كله وأهله لا يسمعون شيئاً، وأهله يزيدون عليه المصيبة التي هو فيها، فيصيحون عليه، ويزيدونه عذاباً فوق ما هو فيه، وهو يقول: يا ويله! أين تذهبون به؟ فأنتم لا ترون الذي أراه، قال ﵊: (يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان) فالإنسان لا يسمع هذا الصوت، ولو أن صوت الميت سمعه الناس لصعقوا يقول النبي ﷺ : (ولو سمع الإنسان لصعق)، من فزعه، وهول ما يراه، فإذاً: لو رأى الناس الذي يراه الميت، ولو كشف لهم عن الغيب فرأوا ما يكون في قبره لكان كما قال النبي ﷺ : (لو تسمعون ما أسمع لما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون) أي: لو كانوا يسمعون ما يسمع النبي ﷺ ، ويرون ما يراه من الغيب، ومن عذاب أهل النار، وما يكون من السؤال في القبر، وسؤال يوم القيامة، ولو يعرفون ما عرفه النبي ﷺ ، لما استمتعوا بشيء من الدنيا، ولكن الله الكريم حجب عنا ذلك، وأخبرنا به النبي ﷺ ؛ لأن الإيمان الذي يطلبه الله من عباده هو الإيمان بالغيب كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة:٣]، ولذلك حذرنا النبي ﷺ من عذاب القبر، ومن عذاب النار، ومما أعده الله للأشرار والفجار.
نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.
اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 968
شرح رياض الصالحين - من (المبادرة بقضاء دين الميت) إلى (ما جاء في الصدقة عن الميت والدعاء له)
إن الواجب على أهل الميت المبادرة إلى تجهيزه بالغسل والتكفين، وتعجيل قضاء الدين عنه؛ لأن نفس المؤمن معلقة بدينه، فلا يحكم لها بنجاة ولا هلاك حتى يقضى ما عليها من الدين.
ويستحب المكث عند قبر الميت بعد الدفن للدعاء له، بأن يثبته الله عند سؤال الملكين له في القبر عن ربه ونبيه ودينه.
كذلك يستحب الصدقة عن الميت؛ فإن ثوابها يصل إليه بعد موته؛ لما ورد في الأحاديث.
стр. 969
ما ورد في التعجيل في قضاء الدين عن الميت والمبادرة في تجهيزه
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الإمام النووي ﵀: [باب تعجيل قضاء الدين عن الميت والمبادرة إلى تجهيزه إلا أن يموت فجأة، فيترك حتى يتيقن موته.
عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه)، رواه الترمذي وقال: حديث حسن.
وعن حصين بن وحوح ﵁: (أن طلحة بن البراء ﵁ مرض فأتاه النبي ﷺ يعوده، فقال: إني لا أُرى طلحة إلا قد حدث فيه الموت، فآذنوني به، وعجلوا به؛ فإنه لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهراني أهله)، رواه أبو داود].
هذا الباب أورده الإمام النووي في رياض الصالحين في كتاب عيادة المريض وتشييع الميت، وقد ترجمه بقوله: باب تعجيل قضاء الدين عن الميت، والمبادرة إلى تجهيزه إلا أن يموت فجأة، ومعنى الترجمة: أن الإنسان المؤمن إذا مات فعلى أهله أن يبادروا بتجهيزه، ومن ضمن هذه المبادرة وأهمها: أن يقضوا الدين الذي عليه إن كان عليه دين؛ لأنه من أخطر ما يكون على الميت، فإنه قد يحبسه عن رحمة الله ، وقد يعذب في قبره بسببه، فلذلك إذا ترك الميت وفاءً فيؤدوا عنه ما كان عليه من دين، وإذا لم يترك مالاً تصدقوا عليه وأدوا عنه الدين الذي عليه، بما يقدرون عليه، كما صنع أبو قتادة ﵁ بالمتوفى الذي مات ولم يترك مالاً يقضى منه دينه.
في بداية هذا الباب ذكر المصنف رحمه الله تعالى حديثاً لـ أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (نفس المؤمن معلقة بدينه)، فالخطاب هنا والحديث عن المؤمن وليس عن الكافر.
ومعنى: نفسه معلقة أي: محبوسة، وجاء في قصة أبي قتادة أن النبي ﷺ قال: (الآن حين بردت عليه جلده)، أي: كأنه سخن جلده وأحمي عليه؛ بسبب هذا الدين الذي كان عليه، فلما قُضي الدين -وكان الدين دينارين فدفعها أبو قتادة - عندها خفف عنه من هذا العذاب وبرد جلده.
قوله: (حتى يقضى عنه دينه) يعني: سواء كان هذا القضاء من ماله إن كان له مال، أو أن الورثة جمعوا من مالهم ودفعوا ما عليه، أو أن إنساناً صديقاً تصدق عنه بهذا المال فقضى عنه الدين، وإلا فإن هذا المتوفى سيظل محبوساً بالدين، وفي الحديث الآخر: (عندما سئل ﷺ عن الشهيد، هل يغفر له؟ فأخبر أنه يغفر له، ثم قال ﷺ للسائل: إلا الدين، فإن جبريل أخبرني آنفاً بذلك).
إذاً: من مات وعليه دين فإنه يسأل عن هذا الدين، ويحبس عن رحمة الله ؛ بسبب هذا الدين، وحديث: (نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه) قال عنه الترمذي: حديث حسن، وصححه الشيخ الألباني.
وأورد المصنف في هذا الباب كذلك حديثاً رواه أبو داود بإسناد ضعيف، عن حصين بن وحوح ﵁: (أن طلحة بن البراء ﵁ مرض، فأتاه النبي ﷺ يعوده فقال: إني لا أرى طلحة إلا قد حدث فيه الموت فآذنوني به)، ومعنى: فآذنوني أي: أعلموني عندما تكونون جاهزين للدفن.
ثم قال ﷺ : (وعجلوا به؛ فإنه لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهراني أهله).
هذا الحديث إسناده ضعيف، ولكن معناه صحيح، يشهد له ما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (أسرعوا بالجنازة)، فالإسراع يكون بتجهيز الميت: من تغسيل وتكفين وحفر قبر وحمل ومن الصلاة عليه، وعلل النبي ﷺ ذلك؛ بأن هذا الميت إما أن يكون من أهل الخير أو غير ذلك، فإذا كان من أهل الخير فأنتم تسرعون به إلى الخير، وإذا كان غير ذلك فهو شر تضعونه عن أعناقكم، فالخير في كل الأحوال أنكم تسرعون بالجنازة ولا تبقونها بينكم.
وهنا في الحديث قال: (فإنه لا ينبغي لجيفة مسلم)، سبحان الله، الإنسان في حياته ينادى باسمه فلان بن فلان، لكن بعدما يموت، لم يعد يسمى باسمه، بل أصبح يقال له: جثة، فتسمعهم يقولون: هات الجثة، احمل الجثة ادفن الميت فقد صار الآن يعامل معاملة الجماد، بل إنه في الحديث سماه جيفة؛ لأن هذه الجثة إذا بقيت بين أهلها فإنهم لن يطيقوا ريحتها بعد تحللها وتحولها إلى شيء آخر، هذا كله يحدث للبدن، أما الروح التي هي داخل هذا البدن فلا يعلم سرها إلا الله ، كما قال في محكم كتابه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٨٥]، فهذه الروح مغلفة ولابسة هذه الثياب التي هي البدن، فإذا خرجت الروح أصبح الشخص كالثياب بلا إنسان، فإذا خرجت هذه الروح وذهبت إلى ربها صار الجسد كالثياب القديمة البالية، ولذلك وجب حمله ومواراته في التراب.
فإذا دفن في قبره فالله يرد عليه الروح بصورة معينة، ليست كصورتها في الدنيا، وإنما بصورة خاصة بالحياة البرزخية، حيث يشعر الجسد وتشعر الروح بكل ما يحدث لهما من السؤال والانتهار والجواب، وبعد ذلك يذهب بالروح إما إلى عليين وإما إلى سجين، وهذا البدن يشعر في القبر بالعذاب، كذلك الروح والجسد يأتيهما من فضل الله ورحمته، أو من عذاب الله ونقمته ما يشاءه الله لهما.
فقال هنا ﷺ : (لا ينبغي لجيفة) ووصفها بأنها جيفة مع أنها للإنسان المسلم.
стр. 970
المراد بالإسراع في الجنازة
قوله ﷺ : (أسرعوا بالجنازة)، يجوز أن تقول: بالجَنازة وبالجِنازة، بفتح الجيم وكسرها، ويقول العلماء: إن من ضمن الإسراع أن تجهز الجنازة ويسرع في ذلك لتدفن، لكن قيدوا هذا الإسراع فقالوا: الإسراع يكون في المشي وليس في الجري، أي: لا يجرى بالإنسان الميت؛ حتى لا يتغير من شدة الجري، خاصةً إذا كان منتفخاً أو كان قد مكث فترة وهو على هذا الوضع، وكذلك حتى لا تحصل مشقة على تابعي الجنازة.
يقول الشافعي والجمهور: المراد بالإسراع ما فوق المشي المعتاد، ولكن يكره الإسراع الشديد، ويقول الحافظ ابن حجر: يستحب الإسراع لكن بحيث لا ينتهي إلى شدة يخاف معها حدوث مفسدة بالميت، أو مشقة على الحامل أو المشيع؛ لئلا ينافي المقصود من النظافة وإدخال المشقة على المسلم.
فهذه قيود وشروط يذكرها الحافظ عند الإسراع بالميت.
فإذاً: الإسراع يكون بالمشي الذي فيه شيء من السرعة بحيث لا يحدث للميت بسبب هذا الإسراع مفسدة، ولا تحدث لحامل الميت مشقة من تعب وغيره أو أن المشيع يصير منفرداً، فتكون الجنازة في مكان وهو في مكان آخر.
стр. 971
عدم المبادرة إلى تجهيز ودفن من مات فجأة حتى يتيقن موته
يقول الإمام النووي ﵀ في باقي تبويبه لهذا الباب: المبادرة إلى تجهيزه إلا أن يموت فجأة فيترك حتى يتيقن موته.
ومعنى هذا الكلام: أنه لابد أن يتيقن من موت هذا الإنسان، فلا يدفن حتى يحصل اليقين بموته، والتيقن الآن يحصل بواسطة الطبيب الشرعي الذي يقوم بالكشف عن هذا المتوفى ويتأكد من وفاته، وإذا كان لا يوجد طبيب شرعي، أو يوجد ولكن لا يحضر غالباً، فهنا يقول أهل الميت وأقاربه أو من عنده خبرة ويتأكد من وفاته، لكن عليهم أن لا يتسرعوا في دفنه؛ لأنهم إن فعلوا ذلك ودفنوه وهو حي فكأنهم هم الذين قتلوه في هذه الحالة.
стр. 972
الغاية من زيارة القبور وتذكر الموت
باب الموعظة عند القبر: القبر مكان أمرنا النبي ﷺ بالذهاب إليه لنتذكر الموت، وحثنا ﷺ على الإكثار من ذكر الموت فقال ﷺ : (أكثروا ذكر هادم اللذات)، فالموت هدم للذات الإنسان، أي: أنه هو الذي يزيل متعة اللذات لهذا الإنسان، ويخرجه عن لذته وعن متعته، ويفسد عليه متعة الدنيا.
فقوله ﷺ : (أكثروا ذكر هادم اللذات؛ فإنه ما ذكر في ضيق إلا وسعه، ولا ذكر في سعة إلا ضيقها) يعني: أن الإنسان إذا جاءته أموال كثيرة وعنده ما يشاء من النعم، فإنه يحس أنه في نعمة وفي سعة كبيرة؛ فإن هذا المال يطغي الإنسان ويجعله يشعر أنه أعلى وأفضل من غيره، لكنه إذا تذكر الموت، وما بعده من الأهوال والشدائد، وتذكر السؤال بين يدي الله سبحانه ﵎، فإن ذلك يجعله ينسى الكبر والاستعلاء فيتواضع ويخاف من هذا الموت.
إذاً: إذا ذكر الموت في السعة فإنه يضيق على الإنسان، كأنه يقول له: احذر، لا تغتر بهذه السعة التي أنت فيها.
كذلك إذا ذكر الموت في ضيق فإنه يفرج على الإنسان ما هو فيه من الضيق، أي: أنه إذا ضاقت نفس الإنسان فعليه بتذكر الموت؛ لأننا مهما عمرنا فإننا سوف نموت، فالموت يأتي على الكبير والصغير، والذكر والأنثى، والمسلم والكافر، فيأتي على الجميع، وطالما أن الموت سيأتي لا محالة، فلماذا نحزن فكل مصيبة دون الموت هينة.
فإذاً نستعد لأعظم المصائب وهو الموت، وما فيه من سؤال وحساب وعذاب، نستعد لذلك بالتوبة إلى الله ، والإكثار من ذكره .
стр. 973
سبب نهي النبي عن زيارة القبور ثم تجويزه زيارتها
فلذلك لقد نهى النبي ﷺ الصحابة ﵃ في فترة من الفترات عن زيارة القبور؛ لأنه خشي من أن يصنعوا ما كانوا يصنعونه في الجاهلية من التفاخر بالقبور، كما قال الله : ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر:١ - ٢] أي: ألهاكم التفاخر فيما بينكم، حتى إذا انتهى عدد الأحياء فذهبتم تعدون الأموات، تقولون: هذه قبور أصحابنا فلان وفلان، كل هؤلاء من أهلينا، فهذا التكاثر والتفاخر بالأحياء والأموات ألهاهم عن ذكر الموت، فنهاهم النبي ﷺ عن الذهاب إلى القبور، حتى استقر التوحيد في القلوب، وذهب عنهم أمر الجاهلية والعصبية والافتخار بالآباء والأجداد، فقد كان النبي ﷺ يعلمهم ويؤدبهم صلوات الله وسلامه عليه، ويحذرهم ويقول: (لينتهين أقوام عن فخرهم بالآباء، أو ليجعلنهم الله أحقر من الجعل الذي يدهده الخراء بأنفه)، أي: يجعلهم مثل الخنفساء التي تدهده الغائط بأنفها، يقول للإنسان: إما أن نترك الافتخار بالآباء، أو يجعلك الله أحقر من هذه الخنفساء، فعلى الإنسان أن لا يفتخر بالآباء، بل يفتخر بتقواه لله ، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣]، فإن الإنسان إنما يرتفع بتقواه لله سبحانه ﵎، وبطيبة قلبه وبحبه لله وبعمله الصالح، أما أن يقول: أبي كان كذا وجدي كان كذا، فهذا من أفعال وأقوال أهل الجاهلية، الذين كانوا يفتخرون بالآباء والأجداد، فكان النبي ﷺ يعلم أصحابه ويؤدبهم، ومن ضمن هذا التعليم منعهم ﷺ من الذهاب إلى المقابر، فلما استقر أمر التواضع في القلوب، وابتعدوا عن الافتخار بالآباء والأجداد، فإذا بالنبي ﷺ يقول لهم: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها، فإنها تذكر الآخرة)، أي: اذهبوا لزيارة القبور ليس للافتخار بالآباء والأجداد والتكاثر بهم، وإنما زوروها لتتعظوا بهؤلاء الأموات الذين كانوا مثلكم يسيرون فوق الأرض وقد صاروا الآن تحتها، وكانوا يفتخرون على الخلق وقد صاروا الآن تحت التراب، فلعلكم تعتبرون حين ترون هذه القبور، وحين ترون ما صار إليه هؤلاء، فريق في الجنة وفريق في السعير.
стр. 974
مشروعية الموعظة عند القبر وبدعية الدعاء الجماعي عنده
لقد كان ﷺ أحياناً ينتهز الفرصة فيعظ الصحابة عند المقابر، كما جاء في حديث عن علي ﵁ قال: (كنا في جنازة فيها رسول الله ﷺ ببقيع الغرقد، -الغرقد نوع من الأشجار فيه شوك- فجاء رسول الله ﷺ فقعد وقعدنا حوله ومعه مخصرة، فنكس وجعل ينكت بمخصرته، ثم قال ﷺ : ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من النار ومقعده من الجنة).
انظر لقد كانت موعظة النبي ﷺ موعظة يسيرة قليلة لا يوجد فيها كلام كثير؛ لأن المجال ليس مجال خطبة طويلة ليقف الواحد ويظهر للناس أنه يعرف الكلام عند المقابر، لا بل المقام مقام تذكرة يكفي فيها الكلام القليل، وفي حديث البراء بن عازب أطال ﷺ في ذكر شيء من أمر الآخرة، ومع ذلك كل الحديث لا يأخذ خمس أو سبع دقائق عند روايته عنه ﷺ ، وفي هذا درس لبعض إخواننا الذين يطيلون الموعظة عند القبر حتى يضجر الناس وينفروا من موعظته، بل إن بعضهم تراهم كل مرة يأتون لنا ببدعة ما أنزل الله بها من سلطان، فتجد بعضهم يدعو والناس يؤمنون على دعائه، وهكذا يفعل الثاني، وهذا ليس من سنة النبي ﷺ ، إنما الموعظة عند القبور تكون موعظة يسيرة بكلمات مختصرة مؤثرة، حتى يحصل المقصود وهو الاتعاظ والتذكر.
فيجب عليك أن تتعظ من هذه القبور، وتبكي على نفسك حين ترى هؤلاء الموتى وأنت صائر إلى مثل حالهم، فإذا كان عملك عمل أهل التقوى فافرح به، وإذا كان عملك عمل أهل الشقاء فابك على حالك وعلى نفسك.
إذاً: فالموقف عند القبر موقف موعظة وتذكر فقط وليس موقفاً لكثرة الكلام الذي قد يكون مملاً أحياناً، ولذلك ورد عنه ﷺ أنه قال في مثل هذا الموقف: (ادعوا لأخيكم وسلوا له التثبيت؛ فإنه الآن يسأل)، بل إن كثيراً من هؤلاء الذين يكثرون الكلام عند القبور لا يحسنون اللغة العربية، ولا يحفظون شيئاً من الأحاديث، بل يصعد ليقلد شيخاً من المشايخ، والثاني يقلد شيخاً آخر، وكل ذلك يفعله افتخاراً وسمعة نسأل الله العافية، وهذا يؤدي إلى تضجر الحاضرين.
والحمد لله أننا لا نرى هذه الأفعال في كثير من الأماكن التي اتبعت هدي رسول الله ﷺ ، فإنه ﷺ لم يكن يطيل الكلام عند المقابر كما أسلفنا، وإنما يكتفي بموعظة يسيرة يذكر الناس بها، أو يقول: ادعوا لأخيكم، فلم يكن يقف يدعو بنفسه ﷺ والناس يؤمنون على دعائه، وهذا كثيراً ما يقع، بل تجد بعضهم عند المقابر يقول: يا شيخ ادع من أجل أن الناس يؤمنون على دعائك، فإذا قلت: لا لن أدعو، يقال لك: إنك تركت الميت ولم تهتم بأمره، وإذا دعوت فقد ابتدعت بدعة من البدع، فحيروا الناس معهم في موقف لا يحتمل الجدل ولا الكلام الكثير، فتجد أحدهم يقوم ويدعو والناس يؤمنون على ما يقول، ومن ثم صارت هذه سنة، فتجد كل جنازة فيها أحد الإخوة يدعو للميت، وهناك أناس مخصصون للدعاء عند المقابر، وهذه ليست سنة، إنما السنة أن تقف وتدعو وحدك، فقد أمرك النبي ﷺ بالإخلاص في الدعاء للميت، فليس المقصود أن تسمع الناس بهذا الدعاء، وإنما المقصود الأسمى هو أن يسمعك رب الناس، وهذا يحصل ولو كنت وحدك، بل إنه الأحرى بالقبول، فالأمر هنا أمر دعاء من القلب يصعد إلى الرب سبحانه ﵎، لينتفع به هذا الميت، فتكون السنة عند المقابر هي الصمت وعدم الكلام.
إذاً: من السنة عند الدفن السؤال للميت أن يثبته الله سبحانه، وأن يرحمه، وأن يصبر أهله، وليس من السنة أن يدعو الشخص والحاضرون يؤمنون، فإذا كان الدعاء للميت والناس يؤمون لم يشرع في صلاة الجنازة، فالإمام الذي يصلي على الميت لا يشرع له أن يرفع صوته بالدعاء والناس يؤمنون وراءه في الصلاة، ويكونون عند المقابر، فهذا غير مشروع؛ لأن النبي ﷺ لم يفعل ذلك.
وهنا في هذا الحديث قعد النبي ﷺ على الأرض، وليس على المقابر؛ لأنه قد ثبت عنه ﷺ النهي عن الجلوس على المقابر، والمقابر لم تكن مرتفعة، وإنما كانت على الأرض.
قوله: (وقعدنا حوله ﷺ ، ومعه مخصرة) أي: عكاز صغير، ثم أخذ ينكت بها في الأرض، أي: أنه غرزها في الأرض عدة مرات، وهذه هي هيئة المتفكر، فالإنسان حين يجلس يفكر وفي يده شيء فإنه يعمل به في الأرض، فالنبي ﷺ نكت بمخصرته ثم قال: (ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من النار ومقعده من الجنة)، يعني: هذه موعظة للجميع، أي: أن الله يعلم بكل واحد منكم هل هو من أهل الجنة أو من أهل النار، فقالوا: (يا رسول الله، أفلا نتكل على كتابنا؟) أي: طالما أن ربنا قد كتب علينا هذا الشيء، فهل نتكل ونترك العمل، فإن الشقي سيكون شقياً، والسعيد سيكون سعيداً، فقال النبي ﷺ : (اعملوا، فكل ميسر لما خلق له)، فهو ﵊ أخرجهم عن الكلام وعن الجدل وعن المناقشات الفارغة التي لا قيمة لها إلى ما ينتفعون به.
فأنت أخي المسلم عليك أن تؤمن بعلم الله ، وبقضائه وقدره وقدرته وحكمته سبحانه بدون مناقشات في هذه الأشياء، فالله كتب أن فلاناً في الجنة وأن فلاناً في النار، لكن هل عرفت من هو فلان الذي في الجنة ومن هو فلان الذي في النار؟ بل هل عرفت أين مكانك أنت أو مكان أبيك وأمك؟ لم يذكر لك من ذلك شيء، ومع هذا تؤمن أن الله علم وكتب عنده من في الجنة ومن في النار، فما دام الأمر كذلك فيجب عليك أن تعمل الواجب عليك وأن تترك المناقشة بقولك: لماذا فلان هذا في الجنة، وفلان الآخر في النار؟ فهو لم يخبرك بعين فلان هذا، وإنما أمرك بالعمل، كما قال ﷺ في آخر الحديث: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له).
ومن علامات سعادة الإنسان أنه عندما يريد أن يعمل العمل الصالح، يجد أبوابه مفتحة له، فيعمل ولا يتلهى عنها.
ومن علامات شقاء الإنسان أنه كلما أراد أن يعمل عملاً صالحاً يجد من يصده عنه، من صديق سوء يصده عن الصلاة إن أراد أن يصلي، ويصده عن الصوم إن أراد أن يصوم، وهكذا تراه يبعده عن طاعة الله سبحانه ﵎، فهذا من علامات شقاء الإنسان والعياذ بالله، فإذا مات على ذلك فهو الإنسان الشقي ولا حول ولا قوة إلا بالله؛ لأن الأعمال بالخواتيم، فإذا ختم للإنسان بالسعادة فهو من أهل السعادة، وإذا ختم له بالشقاء فهو من أهل الشقاء، نسأل الله العفو والعافية، ولا نحكم على إنسان أنه من أهل السعادة أو من أهل الشقاء ولكن نرجو من الله الخير للمسلم.
стр. 975
أطول موعظة ألقاها النبي عند القبر
أما حديث البراء بن عازب ﵁ الذي هو في سنن أبي داود وهو حديث صحيح، فقد ذكر لهم النبي ﷺ فيه موعظة قال فيها: (إن العبد إذا كان في إقبال على الآخرة وفي إدبار من أمر الدنيا يأتيه ملك الموت، فيقول مخاطباً روح هذا الإنسان: اخرجي أيتها الروح الطيبة إلى روح وريحان، ورب غير غضبان، فتخرج نفس الإنسان المؤمن تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء، ثم يأتي إليها ملائكة من الجنة يجلسون من ملك الموت على مد البصر، فإذا قبضها لم يتركوها في يده طرفة عين، فتأتي ملائكة الرحمة معهم أكفان من الجنة وحنوط من الجنة، يحنطون هذه الروح الطيبة ويطيبونها ثم يأخذونها في أكفان الجنة ويصعدون بها إلى السماء ولها أعظم وأجمل وأطيب ريح وجدت، فلا تمر على أحد بين السماء والأرض إلا قال: ما هذه الريح الطيبة؟! فيقولون: ريح فلان بن فلان، بأحسن أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا.
فهذه نفس سعيدة طيبة يفرح بها في الملأ الأعلى، يصعدون بها إلى السماء فإذا بالله يقول: أعيدوها إلى الأرض فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى، فتعاد الروح إلى القبر للسؤال -وكما قلنا على هيئة غير ما كانت عليه في الدنيا، هيئة الله أعلم بها- فيأتيه ملكان شديدا الانتهار فينهرانه ويجلسانه ويسألانه: من ربك؟ وما دينك؟ وما تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد ﷺ ، فينادي مناد من السماء: أن صدق عبدي، فألبسوه من الجنة وأفرشوه منها، وأروه منزله من الجنة، فيفرح العبد حين يرى منزله في الجنة، فيريد أن يذهب إليه، فيقال له: نم نومة العروس، فيقول: يا رب! أقم الساعة، كي أرجع إلى أهلي ومالي، ويمثل لهذا الرجل في قبره رجل يخرج عليه، جميل الوجه طيب الريح حسن الثياب، فيقول له: أبشر بخير يوم أتى عليك منذ ولدتك أمك، يقول: من أنت، فوجهك الوجه الذي يأتي بالخير؟ فيقول: أنا عملك الطيب، أنا عملك الصالح، والله ما كنت أعلمك إلا سريعاً إلى طاعة الله، بطيئاً عن معصية الله، فجزاك الله خيراً فالعمل مثله الله على هذه الصورة، فهو على كل شيء قدير، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون.
وعلى العكس من ذلك الإنسان الخبيث الفاجر والكافر إذا كان في انقطاع عن الآخرة وإقبال على الدنيا، يأتيه ملك الموت يقبض روحه، ويقول: يا أيتها النفس الخبيثة، اخرجي إلى سخط من الله وغضب -وذلك لأنها كانت نفساً بعيدة عن الله سبحانه- فيفزع هذا الكافر وتتفرق روحه في الجسد، فينتزعها ملك الموت كما ينتزع السفود من الصوف المبلول، وتنزل ملائكة من النار معهم مسوح من النار، فلا يدعونها في يده طرفة عين، بل يأخذونها ويصعدون بها ولها ريح منتنة، فلا تمر على أحد بين السماء والأرض إلا قال: ما هذه الروح الخبيثة؟ فيقال: فلان بن فلان، بأخبث أسمائه التي كان ينادى بها في الدنيا، فيصعدون إلى السماء، فيقول الله : أعيدوه إلى الأرض، فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى، فتلقى من السماء، وقرأ النبي ﷺ قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج:٣١]، تهوي أرواحهم من السماء، فالملائكة لن ينزلوا بها ويكرموها، بل يرمونها من السماء إلى مكانها في قبرها، ويأتيه في قبره ملكان شديدا الانتهار فينهرانه ويجلسانه ويسألانه: من ربك؟ وما دينك؟ وما تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فيقال له: لا دريت ولا تليت، ويمثل له رجل أسود الوجه منتن الريح قبيح الثياب، فيقول له: أبشر بشر يوم أتى عليك منذ ولدتك أمك، فيقول: من أنت، بشرك الله بالشر، فوجهك وجه يأتي بالشر، فيقول: أنا عملك الخبيث والله ما علمتك إلا بطيئاً عن طاعة الله سريعاً إلى معصية الله فجزاك الله شراً، فيقول الله -عندما لا يجيد هذا العبد الجواب-: أن كذب عبدي، فافرشوه من النار، وأروه منزله في النار، ويضرب في قبره ضربة بمرزبة يصرخ منها صرخة يسمعها كل شيء -إلا الثقلين الإنس والجن- ولو سمعها الإنس والجن لصعقوا، حتى وهو في جنازته محمول يصرخ ويقول: يا ويله إلى أين تذهبون به، فلما رأى منزله من النار وجد أن القبر أرحم له من النار، ولذلك يقول: رب لا تقم الساعة، رب لا تقم الساعة)، فأصبح له القبر حفرة من حفر النيران والعياذ بالله.
هذا الحديث الذي ذكره النبي ﷺ ، والذي أخذ حوالي خمس دقائق هو أقصى ما قاله ﷺ عند القبر.
ولم يكن النبي ﷺ يتعهدهم بالموعظة في كل جنازة يتخولهم بها، بل كان أحياناً يفعل ذلك ﷺ ، فلذلك تستحب الموعظة عند القبر أحياناً، وتكون موعظة يسيرة قليلة فيها الأمر بتقوى الله، والتذكير بالرجوع إلى الله سبحانه، كأن يكون فيها ما قاله النبي ﷺ في الحديث، ويقال للحاضرين: اسألوا لأخيكم التثبيت؛ فإنه الآن يسأل، فيسألون الله أن يثبت الميت ويثبتهم بالقول الثابت في الحياة الدنيا والآخرة.
إذاً: فالموعظة عند القبور لا تكون في كل مرة، وإنما يكون ذلك أحياناً بحيث لا يمل الناس، ولا يبتدع في ذلك بدعاً وأشياء تبعد عن سنة النبي ﷺ .
стр. 976
مشروعية الدعاء للميت بعد دفنه وعدم تحديده بوقت محدد
لقد وردت أحاديث في الدعاء للميت بعد دفنه، والقعود عند قبره ساعة، يعني: فترة من الزمن يدعون خلالها للمتوفي عشر دقائق أو ربع ساعة أو أقل أو أكثر، بحسب ما يتيسر، من ذلك ما جاء عن عثمان بن عفان ﵁، قال: (كان النبي ﷺ إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت؛ فإنه الآن يسأل)، هذا يقال بعد الانتهاء من الدفن عند القبر، فيقال للناس: استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت، فالنبي ﷺ لم يقف ويقول: اللهم ثبته، والناس يؤمنون على دعائه، لم يحصل هذا أبداً، ولو حصل لورد ورواه الرواة، ولكن كان ﷺ يأمر الناس بأن يدعوا؛ لأن الدعاء على الانفراد يكون فيه الإخلاص أكثر، فكل واحد من الحاضرين يدعو له بما يستحضر من الدعاء، فهذا يدعو له بالمغفرة، وهذا يدعو له بالرحمة، وهذا بالعفو.
وقوله ﷺ : (واسألوا له التثبيت)، يعني: حين يأتيه الملكان للسؤال، وهذه أعظم الفتن التي يتعرض لها الإنسان في قبره، حين يسأل ويقال له: من ربك؟ وما دينك؟ وما تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ ﵊.
أيضاً جاء عن عمرو بن العاص ﵁، موقوفاً عليه وليس مرفوعاً للنبي ﷺ ، أنه وصى من حوله فقال: (إذا دفنتموني فأقيموا حول قبري قدر ما تنحر جزور، ويقسم لحمها حتى أستأنس بكم، وأعلم ماذا أراجع به رسل ربي)، رواه مسلم، والأثر بطوله ورد فيه أن عمرو بن العاص قال لهم ذلك وهو في سياق الموت، فطلب ممن حوله أنهم إذا دفنوه أن يقفوا عند قبره، فترة من الزمن، ولم يكن معهم ساعات حتى يقدر الفترة، كأن يقول: عشر دقائق أو خمس دقائق أو نصف ساعة، فقدرها بقوله: (قدر ما تنحر جزور، ويقسم لحمها) أي: مدة ذبح الجمل، وتوزيع لحمه على الفقراء، وهذا سيأخذ ربع ساعة أو نصف ساعة، أو أكثر أو أقل.
وهذا التقدير لم يرد عن النبي ﷺ ، ولم يقل ذلك، ولكن قال: (اسألوا الله له التثبيت؛ فإنه الآن يسأل).
إذاً: فالسنة أن تدعو للميت بما تيسر.
стр. 977
حكم قراءة القرآن للميت وإهداؤه ثواب القراءة
ذكر عن الشافعي ﵀ أنه قال: يستحب أن يقرأ عنده شيء من القرآن، وإن ختموا القرآن عنده كان حسناً، لكن هذا الكلام المذكور عن الشافعي لا يثبت عنه، وإنما الصحيح أنه قول أصحاب الشافعي وليس قول الشافعي ﵀، والراجح في مذهب الشافعي: أن قراءة القرآن لا تصل إلى الميت، أما جمهور العلماء فعندهم أن قراءة القرآن تصل إلى الميت، وكون الإنسان يقف عند القبر ويقرأ القرآن، فإنه لم يثبت أن النبي ﷺ فعل ذلك أو أمر به، لكن لو فرضنا أن إنساناً أراد أن يتقرب لله بقراءة القرآن ثم يدعو للميت، فلا مانع من ذلك؛ لأنه جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (اقرءوا القرآن واسألوا الله به قبل أن يأتي أقوام يقرءون القرآن ويسألون به الناس)، فيجوز أن تقرأ القرآن ثم تسأل ربك أن يغفر لك، وأن يرحم هذا الإنسان المتوفى، ولا يشترط أن تكون هذه القراءة عند المقابر، وإنما تقرأ في أي مكان.
كذلك إذا قرأت القرآن ووهبت هذا الثواب لهذا الإنسان المتوفى، فالراجح: أنه إذا كان الحج والصوم عن الميت ينفعه، فكذلك إذا قرئ القرآن ووهب ثواب القراءة للميت فإنه ينفعه ويصل ثواب ذلك إليه، وهذا من أبواب الرحمات التي ترحم بها الإنسان المتوفى بعمل شيء له، لكن الذي يمنع منه هو الصلاة عن الميت، فأنه لا يصلي أحد عن أحد، وإن كانت عليه صلاة، فلا ينفع أن تصلي عنه ولم يثبت فيه شيء، إنما غاية ما يكون أنك تحج عن الميت، أو تدفع عنه الزكاة التي مات وهي عليه ولم يدفعها، وأنك تصوم عنه إذا مات وعليه صيام فرض، وكذلك يلحق بها أن تقرأ القرآن وأن تهب ثواب القراءة لهذا المتوفى، أو تقرأ القرآن تقرباً إلى الله، ثم تسأل الله لنفسك وللمتوفى.
وليس معنى ذلك أننا نأتي بشيخ أو قارئ فيجلس يقرأ القرآن ويكون الثواب للميت؛ لأنه لا يوجد أحد قال بهذا الشيء، بل إن جلوس الناس واستماعهم للقراءة يعد من البدع، ومن الإعانة على النياحة على المتوفى، فليس هذا من سنة النبي ﷺ ، وإنما كان عادة السلف الصالح إذا مات لهم أحد أن يعزوا أهل الميت في أي مكان، في المسجد أو في الطريق أو في الشارع، ولا يستحب الجلوس للتعزية، وإنما يعزي المعزي وينصرف ولا يجلس لذلك.
والآن في زماننا إذا توفي إنسان يقوم أهله بعمل الأكل للزوار الذين يأتونهم، فتصبح المصيبة مصيبتين: مصيبة في المتوفى الذي عندهم، ومصيبة الطبخ من أجل أن يأكل الناس الذين سيأتون.
والسنة: أنه يعمل لأهل الميت الطعام، وخصوصاً إذا عرف أنهم سينشغلون في مصيبتهم عن تحضير الطعام، وليس أنهم يكلفون بعمل الطعام لمن جاء إليهم، وهذا وللأسف موجود في كثير من الأماكن في زماننا هذا.
فلذلك إذا عزيت أهل المتوفى، تعزي وتنصرف ولا تجلس للعزاء لا أنت ولا غيرك ولا تفتح أبواب البدع لمثل هذا الشيء.
أيضاً من المنكرات في مثل هذه الأعمال: إنفاق الأموال الكثيرة على هؤلاء المتخصصين بالقراءة، وهذه الأموال الطائلة لو تصدق بها على الميت لكان أولى، ولعل أولاد هذا الميت أحوج ما يكونون لهذا المال الذي ينفق على أصحاب البدع هؤلاء، فإذاً هذا إنفاق على بدعة ومعصية، وليس على طاعة لله ﵎، وهذا تفريط في حق أهل الميت وورثته الذين لعلهم يحتاجون إلى هذه الأموال.
لذلك لا بد أن نتعاون على البر والتقوى، وأن نتناهى عن الإثم والعدوان وعن معصية الله سبحانه ﵎، فلا يأت أي إنسان فيقول: الناس أجبروني على أن آتي بمقرئ واضطررت إلى ذلك، نقول: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ، وأنت يوم القيامة ستسأل عن نفسك، والناس لن يسألوا عنك، والذين أجبروك ليسوا هم الذين دفعوا الأموال، فلو أجبروك، فقل لهم: تعالوا أنتم اعملوا، أنا لن أعمل شيئاً، فإنه لن يحمل عني أحد شيئاً يوم القيامة، ولكن انظر إلى رضا ربك سبحانه ﵎، وأنفق في المعروف والطاعة وليس في البدعة والمعصية.
فإذاً: المشروع أن تدعو للميت بأن يثبته الله، وأن ينزل الله رحمته على هذا المتوفى، وأن يجعل قبره روضة من رياض الجنة، وأن يغفر له .
стр. 978
الصدقة عن الميت والدعاء له
يجوز أن تتصدق على الميت كما ذكرنا، يقول الإمام النووي هنا في باب الصدقة عن الميت والدعاء له: قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ [الحشر:١٠]، فالمؤمن التقي يحب المؤمنين، ويحب السلف الصالح ويدعو لهم، فقد ذكر في الآية أن المؤمنين يدعون لأصحاب النبي ﷺ ويدعون للتابعين لهم بإحسان فيقولون كما أخبر الله: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠].
والصدقة عن المتوفى عظيمة، ففي حديث عائشة ﵂ المتفق عليه، أن رجلاً قال للنبي ﷺ : (إن أمي افتلتت نفسها، وأراها لو تكلمت تصدقت، فهل لها من أجر إن تصدقت عنها؟ قال: نعم) يعني: ماتت فجأة، وهذا الرجل قيل: إنه سعد بن عبادة ﵁، توفيت أمه فجأة، فقال للنبي ﷺ : إنها لو مرضت قليلاً قبل الوفاة وعقلت ذلك، لكانت قالت لي: تصدق بمال كذا، ولكن ماتت فجأة، فهل لها أجر إن تصدقت عنها؟ لاحظ أن المرأة لم تقل: تصدق عني، لكنه ظن أنها لو عاشت قليلاً لقالت له ذلك، فقال النبي ﷺ : (نعم).
فإذاً: لو تصدقت عن الإنسان المتوفى جاز ذلك ويقبل منك، ويكون الثواب للميت، ويكون ذلك براً بهذا الإنسان المتوفى.
стр. 979
فضل الصدقة الجارية
روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية) يعني: إذا توفي المسلم ختم على عمله، وأغلق كتابه، لكن هناك أشياء تظل مفتوحة إلى أن تقوم الساعة، فطالما هي موجودة يصل هذا الأجر إليه بسببها، منها: الصدقة الجارية، فإذا بنيت مسجداً لله ، فطالما أن المسجد موجود والناس يصلون فيه، فلك الأجر إلى أن تقوم الساعة، ما دام هذا المسجد موجوداً، كذلك إذا حفرت بئراً وأصبح الناس ينتفعون بتلك البئر بعد وفاتك، فكتاب حسناتك مفتوح، وتؤجر ما دام الناس يشربون منها، وهكذا كل صدقة جارية تصنعها يكون لك أجرها طالما هذه الصدقة ينتفع بها.
стр. 980
فضل طلب العلم وتعليمه وأثر ذلك بعد الموت
قال ﷺ : (أو علم ينتفع به)، وانظر مثلاً إلى هذا الكتاب الذي نشرحه، كتاب (رياض الصالحين) للإمام النووي ﵀، فقد عاش سنة ستمائة هجرية ﵁، ومرت ثمانمائة سنة على وفاة الإمام النووي ﵀، وكتابه لا يزال يدرس ويقرأ ويحفظ، وهذا يشرحه وهذا يهذبه وهذا يزيد عليه، وهذا يصحح أحاديث ويضعف غيرها، فيا ترى كم أخذ مؤلفه من الحسنات رحمة الله عليه، وهذا واحد من بعض كتبه ﵀ فقد كتب في الآداب والأخلاق والسلوك وغيرها، وله كتاب (المجموع) ﵀، وهو كتاب عظيم في الفقه الشافعي، بل يعتبر من أمهات الكتب في الفقه المقارن أيضاً، فهو كتاب عظيم يبلغ عشرين مجلداً بعدما أكمله الشيخ المطيعي وغيره، وهذه كتب عظيمة انتفع بها المسلمون وما زال ينتفع بها حتى الآن وإلى ما يشاء الله سبحانه ﵎.
وكذلك كتابه (روضة الطالبين) فهو كتاب كامل في الفقه الشافعي، ذكر فيه الأقوال للإمام الشافعي والوجوه للأصحاب، وكتابه (تهذيب الأسماء واللغات) فهو كتاب عظيم في اللغة، وكتابه (شرح صحيح الإمام مسلم) وغير ذلك من كتبه العظيمة النافعة.
فهذا إمام من الأئمة وما أكثرهم رضوان الله ﵎ عليهم، فقد تركوا لنا ذخيرة عظيمة لا يزال ينتفع بها إلى ما يشاء الله، وعلى قدر إخلاص أصحابها على قدر ما ينتفع بها، فهذا الإمام مالك ﵀، ألف موطأه، فقالوا له: يوجد موطآت أخرى غير موطئك، فقال: ما كان لله دام واتصل، فدام موطأ الإمام مالك، ولا يزال يحفظ ويدرس وتؤخذ منه الأحكام رحمة الله ﵎ على مؤلفه، فانظروا إلى هؤلاء السلف الصالح كيف انتفع بعلمهم، وكذلك كل من يبلغ عن النبي ﷺ ؟! فأصحابه ﷺ لم يؤلفوا كتباً، وإنما بلغوا ما قاله النبي ﷺ فانتفع به من بعدهم، وهؤلاء الذين رووا لنا أحاديث النبي ﷺ بل الذين نقلوا لنا هذا القرآن العظيم كم يؤجرون! كلما تلي القرآن أجر هؤلاء الصحابة الأفاضل الذين سمعوا النبي ﷺ ، ونقلوا لنا هذا العلم الذي ينتفع به.
ولاحظ أنه قال ﷺ : (أو علم ينتفع به)، فإذاً فرق بين علم ينتفع به وعلم لا ينتفع به، فإذا كان هذا العلم كلاماً فارغاً أو كلاماً من أهواء الناس، أو مناقشات ومجادلات سفسطائية وتضييعاً للوقت وإشغالاً لأذهان الناس، فهذا كله لا ينتفع به، فلا يؤجر عليه، بل إنه ضيع عمره هدراً، وفي الآخرة لا شيء له، فالنبي ﷺ قيد العلم هنا بأن يكون علماً ينتفع به.
стр. 981
الانتفاع بالولد الصالح بعد الممات
قال ﷺ : (أو ولد صالح يدعو له)، يعني: عندما يكون لك ولد صالح ويعيش بعدك فإنه سيدعو لك، فقيد الولد بالصلاح؛ لأن الولد غير الصالح لا يدعو لك، وإن دعا فلن تنتفع بدعائه، ولكن انتفاعك يكون بالولد الصالح، الذي تربيه على كتاب الله وعلى سنة النبي ﷺ ، فهو الذي يدعو لك بعد وفاتك، والولد هنا جنس، سواء كان ابنك أو ابن ابنك، وهكذا الأبناء طالما فيهم من يذكر الله سبحانه ﵎ ويصلي لله ويعبده، فإنك تؤجر وأنت في قبرك، ولا يزال كتابك مفتوحاً تؤجر عند الله على ما يعمله هذا الولد؛ لقول النبي ﷺ : (الولد من كسب أبيه)، نسأل الله أن يجعل لنا صدقة جارية تنفعنا بعد وفاتنا إلى يوم القيامة.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 982
شرح رياض الصالحين - من (ثناء الناس على الميت) إلى (فضل قراءة القرآن)
إن الناس شهداء الله في الأرض، يقبل الله شهادتهم، فإذا شهدوا لإنسان بالخير أوجب الله له الجنة، وإذا شهدوا له بالشر أوجب له النار، فأهل القرآن والعاكفين على تعلمه العاملين به من أول من يثني عليهم الناس، وكذا من عرف بخير ما بين الناس، ومن رضي عنه الله أرضى عنه الناس.
стр. 983
ثناء الناس على الميت
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.
أما بعد: وصلنا في أبواب الجنائز إلى قول الإمام النووي ﵀: باب ثناء الناس على الميت.
وهذا من آخر أبواب الجنائز في كتاب رياض الصالحين، وقد ذكر فيها حديثاً عن أنس ﵁ قال: (مروا بجنازة فأثنوا عليها خيراً، فقال النبي ﷺ : وجبت، ثم مروا بأخرى فأثنوا عليها شراً، فقال النبي ﷺ : وجبت، فقال عمر بن الخطاب ﵁: ما وجبت؟ قال ﷺ : هذا أثنيتم عليه خيراً فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شراً فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض) والحديث متفق عليه.
وجاء عن عمر أنه ذكر مثلما ذكر النبي ﷺ ، وسأله أبو الأسود فقال: هذا الحديث عن النبي ﷺ .
والمقصد من ذلك أن الإنسان المؤمن يتعامل مع الخلق جميعهم بحسن خلق، ويطيع الله فيهم، فإذا فعل ذلك كانوا شهداء له عند وفاته، فإنه لن يعدم من يشكره، ويثني عليه، ويدعو له بخير، فيكون شهيداً له عند الله ، ويقبل الله شهادته له.
فلذلك قال النبي ﷺ في الرجل الأول الذي أثنوا عليه خيراً، (قال وجبت)، وفي روايه: (قال وجبت وجبت وجبت ثلاث مرات، والثاني أثنوا عليه شراً فقال: وجبت وجبت وجبت ثلاث مرات، قالوا: ما وجبت؟ قال: هذا أثنيتم عليه خيراً فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شراً فوجبت له النار).
فهنا ثناء الناس يكون من غير تعمد لذلك، والإنسان يمكن أن يقول للناس: لما يموت فلان أثنوا عليه خيراً، وقولوا: فلان كان صالحاً وكان كذا؛ حتى توجب له الجنة، فليس هذه هو المقصود.
وجاء في حديث آخر بيَّن النبي ﷺ فيه أن الملائكة تنطق على لسان هذا الإنسان، وكأن الله يبعث ملائكة تجعلك تنطق بذلك فتقول: فلان كان رجلاً صالحاً، وكان فيه كذا، ويذكرك الله بإحسان هذا الإنسان إليك وإلى الناس يوماً من الأيام، فتثني عليه خيراً، ويمكن يكون هذا المتوفى قد نسيته وفجأة تذكر أنه في يوم من الأيام أسلفني مالاً، وفعل بي كذا، والذي ذكرك بذلك هو الله ؛ لتثني عليه، فيقبل الله منك ثناءك عليه وشهادتك له، فيكون لهذا الإنسان الجنة، والله يقبل هذه الشهادة، ويستر على العبد ما وقع فيه من آثام، ويغفر له، ويقبل شهادة الناس فيه، ويجعل لهذا الإنسان الجنة.
والعكس كذلك: فقد أثنيتم عليه شراً فوجبت له النار، والذي تثني عليه شراً ويذكره الناس بسوء يمكن أنه حين توفي لم يكن يخطر بقلبك، فلما أتيت تصلي على هذا الإنسان إذا بك تذكر أن هذا كان رجلاً سيئاً، وكان مؤذياً للناس، فتذكر أنت هذا الإنسان بشيء سيء كان فيه، فالثناء الأصل فيه أنه الذكر بالقلب، ولكنه هنا أن تذكر غيرك سواء بخير أو بشر، وإن كانت العادة أنه يطلق في الخير.
وهذا إذا كان المتكلم صادقاً، وإذا كان الله هو الذي فعل ذلك فجعله ينطق بهذا الذي كان عليه هذا الإنسان، فيستحق أن يكون من أهل النار.
وفي رواية أخرى للحديث نفسه عن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (أيما مسلم شهد له أربعة بخير).
قوله: (شهد له أربعة) إذاً ليس شرطاً أن يثني عليه بالخير كل الناس، فربما لا يعرفه إلا القليل، ولكن القليلين الذين يعرفونه يعرفون خيرية هذا الإنسان، وأنه بعيد عن المعاصي، وربما أنه كان يخفي عمله فلا يطلع عليه كثير من الناس، فكان من كرم الله سبحانه أن جعل الشهادة التي يدخل بسببها الإنسان الجنة من أربعة أو ثلاثة أو اثنين.
فلما قال: (أيما مسلم شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنة -طمع الصحابة فقالوا-: وثلاثة، فالنبي ﷺ قال: وثلاثة.
قالوا: واثنان؟ قال: واثنان) صلوات الله وسلامه عليه، وأقل الجمع وأقل ما يمكن أن يتعامل معه الإنسان: اثنان، وهذا نادر.
والإنسان ذو الخلق الحسن والإيمان القوي في معاملته مع جميع خلق الله أخلاقه حسنة، فإذا تعامل مع التاجر في السوق عامله بحسن خلق، فيحبه التاجر، وإذا تعامل مع الصانع في مكانه عامله بحسن خلق، فيحبه الصانع، وإذا تعامل مع زوجه وأولاده وجيرانه وأصدقائه وإخوانه تعامل بحسن خلق، فهو حسن الخلق مع الجميع، وحَسَنْ الخلق مستحيل ألا يتعامل مع أحد أبداً.
وفي الحديث أن الاثنين إذا شهدوا له بخير -طالما أنهما صادقان في ذلك- فإن الله يقبل هذه الشهادة، ويغفر لهذا العبد، ويجعله من أهل الجنة.
لذلك فعلى الإنسان المؤمن أن يكثر من إخوانه أهل الخير، وأن يخدم وينفع الناس، فإن أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس، والإنسان الذي يبذل المعونة والنفع لكل المسلمين يُحتاج إليه، فهو الذي ينفع الناس، وهو الذي يصلي عليه الناس حين يتوفى، ويدعون له بخير، فيكون له عند الله أن يستر ذنوبه، وأن يغفر له، وأن يجعله من أهل الجنة.
стр. 984
فضل من مات له أولاد صغار
عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما من مسلم يموت له ثلاثة لم يبلغوا الحنث إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم).
قوله: (لم يبلغ الحنث) يعني: لم يبلغ أن تكتب عليه الذنوب، ويكتب للإنسان الحسنات من ساعة ولادته، ولو أن الأب أخذ ابنه وحج به وهو رضيع صغير يكتب له حجة وأجر، فإذا مات على ذلك فله أجر وليس عليه أي وزر ولا أي ذنب.
والولد أحب ما يكون إلى أبيه وإلى أمه وهو صغير لم يبلغ أن يؤذيهما أو يعصيهما ويعقهما، فإذا توفي يكون الألم شديداً في قلب الأب وقلب الأم، فالله يعوضهما بفضله الصبر، وينزل المعونة على قدر المئونة، وينزل الصبر على قدر البلاء.
والإنسان لا يدري لو نزلت عليه هذه المصيبة هل سيصبر أو لا؟ فقد يقول: سأصبر وأعمل، ولا يقدر على ذلك، ولعله يقول: لا أستطيع أن أصبر على هذا الشيء؛ فهو شاق جداً، نسأل الله العفو والعافية، فإذا به ينزل البلاء وينزل معه الصبر من الله ، فتعجب للإنسان المؤمن حيث يثبته الله ويقوي قلبه، ويربط عليه، ويجعله ثابتاً حامداً شاكراً، ويعوضه بالإيمان في الدنيا، ويعوضه بالجنة وبيت الحمد في الآخرة كما ذكرنا في حديث سابق.
فيرحم الله هؤلاء ويرحم الآباء الذين صبروا على ذلك، يقول النبي ﷺ : (إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم) أي: برحمة هؤلاء الذين توفوا، فيدخل الله آباءهم الجنة.
وفي المتفق عليه أيضاً عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد فتمسه النار إلا تحلة القسم) والقسم هو قوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم:٧١]، فهذا قضاء لابد وأن يكون، وكل إنسان لابد أن يرد على النار.
والورود هو المرور فوق الجسر المضروب على جهنم، فكل إنسان لابد وأن يمر عليه، فمن الناس من يمر سريعاً، ومنهم من يبطئ به عمله، ومنهم من يهوي في النار والعياذ بالله.
والإنسان الذي توفي له ثلاثة من الولد يرحمه الله فلا يعاني ولا يقاسي في المرور على الصراط إلا تحلة القسم.
وتحلة القسم هنا أن يمر على الصراط ولا يدخل النار، بفضل الله ، وهذا إذا صبر على أمر الله .
والصابر له الفضل وله الأجر العظيم عند الله ، والذي لا يرضى بقضاء الله وقدره ليس له حيلة، فلن يدفع قضاء الله وقدره، ولذلك فالمؤمن يتصبر، وقالوا: إما أن تصبر صبر الكرام وإما أن تسلو سلو البهائم.
أي: إما أن يكون الإنسان كريم النفس عفيفها، صابراً لمقادير الله متجلداً، فسيأتي عليه يوم من الأيام يسليه فيه ربه ويذهب عنه الغم الذي هو فيه.
وأما أن يتسخط فيرفع صوته، ويلطم ويشق ثيابه، ويشد شعره، ويكون كافراً لربه سبحانه، ولن يحصل له بذلك عودة ميته، ويظل على ذلك إلى أن يذهب صوته، وتتمزق ثيابه، ويمرض ويتعب ويستحق العذاب يوم القيامة، إذاً فهي مصيبة في الدنيا ومصيبة في الآخرة؛ لأنه لم يصبر على قضاء الله وقدره.
وكان العرب في الجاهلية يضربون المثل برجل كان يسمى حماراً، فيقولون: أكفر من حمار.
فهذا الرجل مات له أولاد، فتسخط على الله ، وأظهر الاعتراض على الله ، بل أظهر أشد ما يكون من الاعتراضات، ولم يزل على ذلك حتى أخذه الله بصاعقة صعقته فقتله .
فلما لم يصبر ولم يكسب من الدنيا شيئاً إلا الخزي والعار، وهذا جزاء الإنسان الذي يكفر بربه سبحانه، ويعترض على قضاء الله فيما حدث لأولاده.
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله! ذهب الرجال بحديثك فاجعل لنا من نفسك يوماً نأتيك فيه تعلمنا مما علمك الله، فقال: اجتمعن يوم كذا وكذا، فاجتمعن فأتاهن النبي ﷺ فعلمهن مما علمه الله، ثم قال ﷺ : ما منكن امرأة تقدم ثلاثة من الولد إلا كانوا حجاباً لها من النار) وهذا كما قال للرجال: (ما من مسلم يقدم)، (فقالت امرأة: واثنين؟) فقال النبي ﷺ : (واثنين) وكأنهن استحيين أن يسألن عن الواحد فلم يسألن، ولكن يغني عن ذلك ما ذكرناه من حديث النبي ﷺ الذي عند الترمذي وغيره، وذكر فيه: أن الله إذا قبض ابن عبده أرسل ملائكة، فإذا عادوا إليه سألهم وقال: (قبضتم ولد عبدي؟ قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون نعم، قال: فماذا قال؟ قالوا: استرجع وحمد الله، قال: ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة، وسموه بيت الحمد).
فبنى لعبده بيتاً في الجنة؛ لأنه صبر على واحد، فعرفنا أن الصبر على جميع المكاره فيه الأجر العظيم من الله سبحانه، والمؤمن يسأل الله العفو والعافية، فإذا نزل البلاء صبر وتصبر كما أمر الله سبحانه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:٢٠٠].
стр. 985
باب البكاء والخوف عند المرور بقبور الظالمين
يقول الإمام النووي: باب البكاء والخوف عند المرور بقبور الظالمين ومصارعهم، وإظهار الافتقار إلى الله.
والمعنى: أن الإنسان المؤمن إذا مر بقبور الظلمة والكفار وبالمشاهد التي يذكرون أنها آثاراً لهم، كآثار الفراعنة، فلا يمر ويفتخر بهؤلاء ويقول: هؤلاء هم آباؤنا وأجدادنا! إن هذا الذي يفتخر بهؤلاء ويقول: نحن الفراعنة، ونحن أصلنا كذا.
نقول له: إن هؤلاء كفار آذوا رسول الله موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وأرادوا قتله، وأنكروا بعثته ورسالته صلوات الله وسلامه عليه، فلا يفتخر بالكافر إلا من كان مثله، أو من ذهب عقله.
روي عن النبي ﷺ : (أنه افتخر رجلان على عهد موسى صلوات الله وسلامه عليه، فأما أحدهما فقال للآخر: أنا فلان ابن فلان ابن فلان فعد تسعة آباء، ثم قال لهذا الآخر من أنت لا أم لك؟ قال: أنا فلان ابن فلان ابن الإسلام، فانتسب للإسلام وليس لهؤلاء الآباء من الكفار، فأوحى الله إلى موسى صلوات الله وسلامه عليه أن قل لهذين المفتخرين: أنت افتخرت بتسعة آباء من الكفار أنت عاشرهم في النار) حتى ولو لم يكن على دينهم، وهذا الرجل لم يكن كافراً، ولو كان كافراً فلن يسمع كلام موسى ﵊، ولكنه كان ممن تبع موسى ﵊ وفي قلبه جاهلية وعصبية، قال: (وأنت افتخرت بالإسلام فأنت في الجنة) فقضى الله أن الذي يفتخر بالأشرار مثلهم وسيحشر معهم.
والفراعنة الكفار الذين ملكوا البلاد في يوم من الأيام أين هم الآن؟ ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦]، والعياذ بالله.
فالذي يفتخر بهؤلاء فإنه يفتخر بأهل النار، وسيكون معهم في النار، فلذلك لا يحل لمسلم أن يقول مفتخراً بالفراعنة الذين بنوا الأهرام حتى يخلدوا ويعيشوا، فليس له أن يفتخر بهؤلاء، فإذا مر بقبورهم نظر واتعظ، فيكون المرور للاتعاظ فقد بنوا هذه الآثار العظيمة فهل نفعتهم من الله شيئاً؟ وهل منعتهم من الموت؟ لقد زعموا أنهم سيخلدون، وزعموا أنهم الآلهة والأرباب لخلق الله، واستخفوا أقوامهم فأطاعهم أقوامهم، فإذا مر الإنسان بقبورهم وآثارهم اتعظ واعتبر كما قال النبي ﷺ ، وهنا في حديث ابن عمر المتفق عليه أن رسول الله ﷺ قال لأصحابه لما مرو بالحجر -والحجر ديار ثمود، وهي على أطراف الحجاز مع الشام- فقال: (لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين).
فالإنسان إذا دخل على أماكن من أصابهم العذاب تذكر نقمة الله ، وأن الله على كل شيء قدير، وأن هؤلاء لما كفروا بالله أهلكهم الله وأتلفهم، وهذا حالهم الآن، فيأمرهم النبي بقوله: (لا تدخلوا عليهم إلا أن تكونوا باكين)، أي: فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم، فلا تدخلوا عليهم وأنتم تضحكون وتلعبون، ولا تتخذوا أماكنهم التي أهلكهم الله فيها للهو واللعب؛ بحيث يأتي إليها الناس وهم يغنون ويرقصون وكأن هذا المكان مكان لهو ولعب، فإذا فعلوا ذلك فكأنهم يسخرون بانتقام الله من هؤلاء، ويسخرون من الموت، وإذا كان الأمر كذلك استحقوا أن يصيبهم مثل ما أصاب هؤلاء، فإن الذي لا يتعظ ولا يعتبر يستحق أن يبتلى.
قال النبي ﷺ : (لا تدخلوا عليهم؛ لا يصيبكم ما أصابهم) أي: إذا دخلتم فادخلوا وأنتم تعرفون نعمة الله عليكم، وتخافون من بطش الله سبحانه، وإذا لم يكن هذا حالكم فلا تدخلوا حتى لا يصيبكم مثل ما أصاب هؤلاء.
وفي رواية قال ﷺ : (لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم؛ أن يصيبكم ما أصابهم، إلا أن تكونوا باكين، ثم قنع رسول الله ﷺ رأسه، وأسرع السير ﵊ حتى أجاز الوادي).
ومن الحكمة وأنت في الحج حين تخرج من المزدلفة متوجهاً إلى منى أن تمر ببطن محسر مسرعاً؛ لأنه المكان الذي أهلك الله فيه أصحاب الفيل، ولما وصله النبي ﷺ أوضع راحلته، أي: أسرع براحلته حتى جاوز هذا المكان، وصارت سنة النبي ﷺ المرور في هذا المكان بسرعة؛ لهذا الغرض ولهذه العلة، فإذا مررت تذكرت ذلك، واستحضرت أن هذا المكان مكان نزل فيه العذاب، وليس هناك ما يدعو إلى المكوث في هذا المكان بل نسرع في هذا المكان، فقد كان شؤماً على أصحابه حيث نزل عليهم العذاب في هذا المكان.
وكتاب الجنائز الذي ذكره الإمام النووي بعده كتاب السفر، وقد شرحناه في الأيام الماضية، وكل الأحاديث التي ذكرها الإمام النووي ذكرناها في مقدمتنا لكتاب الحج، فلا نعيد تكرار هذا مرة ثانية.
следующие страницы →