← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 36998

شرح سنن ابن ماجة - الراجحي

عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

Полный текст (268 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

شرح سنن ابن ماجه_ المقدمة [١] ما أرسل الله الرسل إلا لتطاع أوامرهم، وينصاع الناس لشرائعهم، ويسير الخلق وفق سننهم، فهذا هو صراط الله المستقيم، وستبقى عليه طائفة منصورة إلى يوم الدين، معظمين للسنن والآثار النبوية، آخذين بها غير رافضين لها، إذ الرافض لها متوعد على ذلك بالخزي في الدنيا والعذاب في الآخرة.

стр. 2

مميزات سنن ابن ماجة عن غيره من السنن بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب اتباع سنة رسول الله ﷺ : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا شريك عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما أمرتكم به فخذوه، وما نهيتكم عنه فانتهوا)]. هذا كتاب سنن ابن ماجه ﵀، وهو أحد السنن الأربعة التي هي دواوين الإسلام، وجمعت فيها أحاديث رسول الله ﷺ ، وهذا الكتاب يمتاز عن غيره بميزتين: الميزة الأولى: المقدمة العظيمة التي ذكرها في أصول الدين والتوحيد وتعظيم السنة، وذكر فيها ما يقارب من مائتين وسبعة وثلاثين حديثاً، وهذه المقدمة العظيمة امتاز بها عن بقية أصحاب السنن، فإن سنن أبي داود وسنن النسائي وسنن الترمذي ابتدأها أصحابها بذكر أحكام الطهارة، أما ابن ماجه ﵀ فإنه بدأ سننه بهذه المقدمة العظيمة كما فعل صاحبا الصحيحين البخاري ومسلم رحمهما الله؛ فإن البخاري بدأ كتابه الجامع الصحيح بكتاب بدء الوحي، ثم بكتاب الإيمان، والإمام مسلم افتتح كتابه بكتاب الإيمان، وابن ماجه افتتح بهذه المقدمة العظيمة، وهذه ميزة تميز بها، وهي مقدمة عظيمة تتعلق بالتوحيد وتعظيم السنة. الميزة الثانية: الأحاديث الضعيفة الكثيرة، وإذا علمها طالب العلم فإن هذا يعتبر بالنسبة له علماً جماً يستفيده، فطالب العلم مستفيد من معرفة الأحاديث الموضوعة والضعيفة، فالأحاديث الضعيفة إذا كان الضعف فيها شديداً فلا يعتبر بها، ولا تقويها المتابعات والشواهد كما إذا كان في سنده متهم بالكذب. أما إذا لم يشتد الضعف فإن طالب العلم يبحث عنه، وإذا وجد للحديث متابعاً أو شاهداً فإنه يتقوى ويرتقي إلى درجة الحسن لغيره ويعمل به. والغالب أن الحديث الذي ينفرد به ابن ماجه ﵀ عن بقية أصحاب السنن يكون ضعيفاً، وهو بين أمرين: إما أن يكون شديد الضعف، وهذا لا يعتد به، وإما أن يكون خفيف الضعف كأن يكون في سنده انقطاع أو مجهول أو راو مدلس، فإذا وجد له متابع أو شاهد يتقوى ويرتقي إلى درجة الحسن لغيره فيعمل به.

стр. 3

باب اتباع سنة رسول الله ﷺ بدأ المؤلف ﵀ المقدمة بهذه الترجمة: [باب اتباع سنة رسول الله ﷺ ]. قوله: (ما أمرتكم به فخذوه، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه) أصل هذا الحديث في مسلم: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه). قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن الصباح قال: أنبأنا جرير عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فخذوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فانتهوا)]. وهذا كالحديث السابق، وفيه التحذير من السؤال إذا لم يكن الإنسان محتاجاً إليه، فإن كثرة الأسئلة التي يكون السائل فيها متعنتاً تضره؛ ولهذا قال النبي ﷺ : (ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم)، والمراد كثرة السؤال الذي يقصد منه صاحبه التعنت أو الرياء والسمعة وإظهار نفسه أو الإعنات وإتعاب المسئول وإيقاعه في العنت والعجز، أو السؤال عن الأسئلة التي لم تقع، فهذا منهي عنه. أما إذا كان السؤال المقصود منه الاستفادة والاسترشاد فإنه مطلوب، قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣]، وبين النبي ﷺ أن هلاك السابقين إنما هو بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، ولهذا قال النبي ﷺ : (ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه). وفيه دليل على أن النواهي يجب أن يجتنبها الإنسان، أما الأوامر فإنه يفعل منها ما يستطيع، وما عجز عنه فإنه يعفى عنه، فقد ثبت في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال لـ عمران بن حصين: (صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب)، زاد النسائي: (فإن لم تستطع فمستلقياً)، وقد قال ربنا : ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]، فالإنسان يفعل الأوامر ويتقي ربه بقدر الاستطاعة، أما النواهي فإنه يجتنبها. قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو معاوية ووكيع عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله)]. وهذا مما انفرد به ابن ماجه ﵀، لكن معناه صحيح، وقد دل عليه القرآن الكريم، قال الله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [النساء:٨٠]، وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩]، وقال: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [المائدة:٩٢]، وقال: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [النور:٥٦]، فمن أطاع الرسول فقد أطاع الله؛ لأن الرسول ﷺ هو المعصوم فلا يأمر بخلاف طاعة الله، بخلاف الأمراء وغيرهم فإنهم ليسوا معصومين؛ ولهذا لا يطاعون إلا في طاعة الله ورسوله وفي الأمور المباحة، أما المعاصي فلا يطاع فيها أحد؛ ولهذا قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء:٥٩] ولم يقل: وأطيعوا أولي الأمر، فكرر الفعل في طاعة الرسول ولم يكرره في ولاة الأمور؛ لأن الرسول ﷺ معصوم، فلا يأمر إلا بما هو من طاعة لله، بخلاف الأمراء وغيرهم فإنهم قد يأمرون بمعصية فلا يطاعون فيها. قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير حدثنا زكريا بن عدي عن ابن المبارك عن محمد بن سوقة عن أبي جعفر قال: كان ابن عمر ﵄ إذا سمع من رسول الله ﷺ حديثاً لم يعده ولم يقصر دونه]. وهذا فيه فضل ابن عمر ﵄ وتعظيمه للسنة، فإذا بلغه حديث عن النبي ﷺ (لم يعده) يعني: لم يتجاوزه، (ولم يقصر دونه) بل يؤدي الأمر كما أمر، ويقف عند الحد، فلا يتجاوزها ولا يقصر عنها. وهذا من عناية ابن عمر ﵄؛ فقد كان شديد التعظيم لسنة الرسول ﵊، وشديد الاتباع للنبي ﷺ ، حتى إنه ﵁ كان يتتبع آثار النبي ﷺ في الصحراء، وفي المواقف التي وقف فيها النبي ﷺ يقف فيها، والمكان الذي نام فيه فينام فيه، والمكان الذي يبول فيه فيبول فيه، وهذا من اجتهاده. والصواب: أنه لا يشرع تتبع آثار النبي ﷺ في نومه وبوله؛ ولهذا لم يفعله كبار الصحابة رضوان الله عليهم، وإنما هذا من اجتهاده ﵁ كما يدل له سياق الحديث: كان إذا بلغ ابن عمر ﵄ حديثاً عن النبي ﷺ أو أمراً عن النبي ﷺ لم يعده ولم يقصر عنه، (لم يعده) يعني: لم يتجاوزه، (ولم يقصر عنه) يعني: لا يغلو فيزيد، ولا يفرط فيقصر، بل يفعل كما أمر. قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا هشام بن عمار الدمشقي حدثنا محمد بن عيسى بن سميع حدثنا إبراهيم بن سليمان الأفطس عن الوليد بن عبد الرحمن الجرشي عن جبير بن نفير عن أبي الدرداء ﵁ قال: (خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نذكر الفقر ونتخوفه، فقال: آلفقر تخافون؟ والذي نفسي بيده! لتصبن عليكم الدنيا صباً حتى لا يزيغ قلب أحدكم إزاغة إلا هيه، وايم الله! لقد تركتكم على مثل البيضاء ليلها ونهارها سواء)]. هذا فيه التحذير من الدنيا؛ لأن النبي خرج عليهم وهم يتذاكرون الفقر، فقال: (آلفقر تخافون؟) هذا استفهام يعني: (أالفقر تخافون؟) سهلت الهمزة فصارت مداً، وقوله فلا يزيغ قلب أحدكم إلا هيه) يعني: ما يكون زيغه إلا بسبب الدنيا. يقول: (تركتكم على البيضاء) يعني: على محجة بيضاء (ليلها كنهارها). وهذا الحديث أصله في الصحيح، قال ﷺ : (والله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تبسط عليكم الدنيا فتنافسوها كما تنافسها من قبلكم؛ فتهلككم كما أهلكتهم)، فيكون معنى الحديث كمعنى الحديث الذي في الصحيح. قال ابن حجر رحمه الله تعالى: الوليد بن عبد الرحمن الجرشي بضم الجيم وبالشين المعجمة. الجرشي هي المعروفة الآن، بالجرشي وهي البلدة المعروفة في رابغ. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال أبو الدرداء: صدق والله رسول الله ﷺ تركنا والله على مثل البيضاء ليلها ونهارها سواء]. يعني: تركنا النبي ﷺ على ملة وشريعة بيضاء واضحة، لا لبس فيها ولا إشكال.

стр. 4

ما جاء في الطائفة المنصورة قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن بشار حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن معاوية بن قرة عن أبيه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتي منصورين لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة)]. وهذا ثابت في الأحاديث الصحيحة: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة)، وفيه بشارة للمؤمنين، وأن الحق لا يذهب ويضيع بل لابد أن يبقى إلى أن تقوم الساعة، ولا بد أن تبقى طائفة من هذه الأمة على الحق منصورة، كما في اللفظ الآخر: (لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله). وهذه بشارة للمؤمنين، وأن الحق لا يضيع، ولا تزال طائفة على الحق منصورة وهم أهل السنة والجماعة، وهم أهل الحق، وهم الصحابة والتابعون والأئمة ومن بعدهم وفي مقدمتهم العلماء، وكل من عمل بالسنة والتزمها فهو منهم منهم المزارع والنجار والتاجر وأصحاب المهن مثل الجزار قد يكون من أهل السنة ومن أهل الحق وهو جزار أو صانع أو حداد أو خراز أو تاجر. هذه الطائفة تقل وتكثر، وقد تكون متفرقة. هذا فيه بشارة بأنه لا يزال الحق باق حتى يأتي أمر الله، وأمر الله هو الريح الطيبة التي تقبض أرواح المؤمنين والمؤمنات في آخر الزمان قبيل قيام الساعة. قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أبو عبد الله قال: حدثنا هشام بن عمار قال حدثنا يحيى بن حمزة قال حدثنا أبو علقمة نصر بن علقمة عن عمير بن الأسود وكثير بن مرة الحضرمي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا تزال طائفة من أمتي قوامة على أمر الله لا يضرها من خالفها)]. وهذا من فضل الله تعالى وإحسانه، و (قوامة) يعني: قائمة بأمر الله، مستقيمة عليه، وتعمل به، وأمر الله هو ما جاء في الكتاب والسنة من الأوامر والنواهي والأخبار، فتصدق الأخبار وتنفذ الأوامر. قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أبو عبد الله قال: حدثنا هشام بن عمار حدثنا الجراح بن مليح حدثنا بكر بن زرعة قال: سمعت أبا عنبة الخولاني ﵁، وكان قد صلى القبلتين مع رسول الله ﷺ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا يزال الله يغرس في هذا الدين غرساً يستعملهم في طاعته)]. وهذا من فضل الله تعالى وإحسانه وهو بمعنى الأحاديث السابقة. قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا يعقوب بن حميد بن كاسب حدثنا القاسم بن نافع حدثنا الحجاج بن أرطاة عن عمرو بن شعيب عن أبيه قال: قام معاوية ﵁ خطيباً فقال: أين علماؤكم؟ أين علماؤكم؟ سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا تقوم الساعة إلا وطائفة من أمتي ظاهرون على الناس لا يبالون من خذلهم ولا من نصرهم)]. (لا تقوم الساعة)، المراد: قرب قيام الساعة كما دلت الأحاديث، وإلا فإن الساعة لا تقوم إلا على الكفرة بعد قبض أرواح المؤمنين والمؤمنات، عندها يخرب هذا العالم، وخراب العالم إنما هو بفقد التوحيد والإيمان، أما إذا كان التوحيد والإيمان قائماً فلا تقوم الساعة ولا يخرب هذا الكون، ثبت في صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال: (لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله الله). فهذا الحديث وغيره يجمع بينه وبين هذا الحديث. قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا هشام بن عمار حدثنا محمد بن شعيب حدثنا سعيد بن بشير عن قتادة عن أبي قلابة عن أبي أسماء الرحبي عن ثوبان ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورين لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله ]. وهذا معناه معنى الحديث السابق، لكن فيه سعيد بن بشير وقد تكلم فيه، وفيه عنعنة قتادة وقتادة إمام، وتشهد له الأحاديث السابقة. قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أبو سعيد عبد الله بن سعيد حدثنا أبو خالد الأحمر قال: سمعت مجالداً يذكر عن الشعبي عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: (كنا عند النبي ﷺ فخط خطاً، وخط خطين عن يمينه، وخط خطين عن يساره، ثم وضع يده في الخط الأوسط فقال: هذا سبيل الله، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:١٥٣])]. وهذا جاء في معناه حديث: أنه خط خطاً مستقيماً، وخط عن يمينه وعن شماله خطوطاً، ثم قال: (هذا سبيل الله) ثم قال عن الخطوط التي عملها: (هذه خطوط على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، ثم قرأ هذه الآية: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام:١٥٣]). فصراط الله مستقيم لا عوج فيه، وهو طريق الحق، ودين الإسلام، وما جاء به الرسول ﷺ ، وما جاء في القرآن الكريم، وهو صراط المنعم عليهم. أما السبل المتعرجة عن اليمين والشمال فهذه سبل الباطل والضلال، ولهذا قال سبحانه: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:١٥٣]. قال ابن حجر رحمه الله تعالى: سعيد بن بشير الأزدي مولاه أبو عبد الرحمن أو أبو سلمة الشامي أصله من البصرة أو واسط، ضعيف من الثامنة، مات سنة ثمان أو تسعة وستين في الأرجح. لكن الحديث يشهد له ما سبق.

стр. 5

ما جاء في تعظيم حديث رسول الله والتغليظ على من عارضه قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب تعظيم حديث رسول الله ﷺ ، والتغليظ على من عارضه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا زيد بن الحباب عن معاوية بن صالح حدثني الحسن بن جابر عن المقدام بن معدي كرب الكندي أن رسول الله ﷺ قال: (يوشك الرجل متكئاً على أريكته يحدث بحديث من حديثي فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله ، ما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه، ألا وإن ما حرم رسول الله ﷺ مثل ما حرم الله)]. وهذا فيه تعظيم السنة، والعناية بها، ووجوب العمل بها، وفيه الرد على من أنكرها، وقول النبي ﷺ : (يوشك الرجل متكئاً على أريكته)، أي: على سريره أو مكانه، وفي اللفظ الآخر: (يوشك رجل شبعان متكئ على أريكته يقول: بيننا وبينكم كتاب الله، ما وجدنا فيه استحللناه، وما لم نجد فيه تركناه، ألا وإن ما حرم رسول الله مثل ما حرم الله). وفي هذا تحذير من قول بعض الناس: نعمل بالقرآن ويكفينا، وقد وجدت طائفة تسمى: القرآنيون، يزعمون أنهم لا يعملون إلا بالقرآن ولا يعملون بالسنة، فهؤلاء ينطبق عليهم هذا الحديث، وهؤلاء كذبة، فلو كانوا يعملون بالقرآن لعملوا بالسنة؛ لأن الله أمر بالعمل بالسنة، قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧] وقال: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [المائدة:٩٢]. قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا نصر بن علي الجهضمي حدثنا سفيان بن عيينة في بيته أنا سألته، عن سالم أبي النضر ثم مر في الحديث قال: أو زيد بن أسلم عن عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا ألفين أحدكم متكئاً على أريكته يأتيه الأمر مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول: لا أدري، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه)]. قوله: (لا ألفين) يعني: لا أجدن، وهذا فيه التحذير من هذا؛ لأن بعض الناس يأتيه الحديث أو الأمر من بعض ما أمر به النبي ﷺ أو النهي ينهى عنه فيقول: لا أدري ما هذا ما وجدنا في القرآن عملنا به، ويترك السنة. ومن جحد سنة الرسول ﷺ فقد كفر؛ لأنه مكذب لله. قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أبو مروان محمد بن عثمان العثماني حدثنا إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه عن القاسم بن محمد عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)]. وهذا رواه الشيخان البخاري ومسلم عن عائشة ﵂. وفيه التحذير من البدع، وأنها مردودة على أصحابها، وقوله (من أحدث في أمرنا هذا)، يعني: الإسلام الذي جاء به النبي ﷺ ، (فهو رد)، يعني: مردود عليه. وفي لفظ لـ مسلم: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد). قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن رمح بن المهاجر المصري أنبأنا الليث بن سعد عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير أن عبد الله بن الزبير حدثه: (أن رجلا من الأنصار خاصم الزبير عند رسول الله ﷺ في شراج الحرة التي يسقون بها النخل، فقال الأنصاري: سرح الماء يمر، فأبى عليه، فاختصما عند رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك، فغضب الأنصاري فقال: يا رسول الله! أن كان ابن عمتك، فتلون وجه رسول الله ﷺ ، ثم قال: يا زبير اسق ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر، قال: فقال الزبير: والله إني لأحسب هذه الآية نزلت في ذلك: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥])]. وهذا الحديث أخرجه مسلم في صحيحه، وفيه تحذير من الاعتراض على السنة. وفي الحديث أن الزبير اختصم مع أنصاري في شراج الحرة، وهو مسيل الماء من المطر، فالوادي إذا جاء وسال فإن الناس من أهل المزارع يسقون منه الأعلى ثم الأسفل وهكذا، فالذي يمر به المسيل أولاً يشرب، ثم يرسله إلى من بعده، فاختصم الزبير والأنصاري، وكان الزبير هو الأعلى والأنصاري تحته، فقال الأنصاري: اجعل الماء يمر على بستاني، فاختصما إلى النبي ﷺ ، فقال نبيهم للزبير: اسق يا زبير ثم أعط الماء إلى جارك، ولم يبين له، فغضب الأنصاري وقال: أن كان ابن عمتك؟ لأن الزبير ابن عمة النبي ﷺ ، يعني: أن كان ابن عمتك حكمت له، فتلون وجه رسول الله ﷺ ، فلما أغضبه الأنصاري حكم للزبير واستوفى حقه، فقال: اسق يا زبير واحبس الماء حتى يصل إلى الجدر، يعني: كما يسقي الرجل، ثم أوصل الماء إلى جارك، ففي الحكم الأول لم يستوف حق الزبير، وفيه مصلحة للأنصاري، حيث قال ﷺ : (اسق يا زبير ثم أعط الماء إلى جارك) فلما أغضبه الأنصاري، استوفى حقه، وقال: (اسق يا زبير واحبس الماء حتى يرجع إلى الجدر)، أي: بمقدار ما يسقي الرجل، قال الزبير: (لا أحسب هذه الآية إلا نزلت في ذلك: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء:٦٥]). يعني: لا ينفعهم الإيمان حتى يحكموا الرسول فيما شجر بينهم، أي: في موارد النزاع، ﴿ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥]، وهذا الرجل يحتمل أنه منافق، ويحتمل أنه من شدة الغضب الذي استولى عليه قال هذه الكلمة السيئة للنبي ﷺ . وفي الحديث: أن النبي ﷺ وهو أشرف الخلق قد ابتلى ببعض الناس ممن يقولون بهذا الكلام، وابتلي أيضاً برجل قال له لما قسم بعض الغنائم إن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله. وهو أصل الخوارج. والنبي ﷺ أعدل الناس، كما قال ﵊: (ألا تأمنوني وأنا أمين في السماء، يأتيني خبر السماء صباحاً ومساءً). وفي هذا الحديث تعظيم السنة والعناية بها. قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن يحيى النيسابوري حدثنا عبد الرزاق أنبأنا معمر عن الزهري عن سالم عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (لا تمنعوا إماء الله أن يصلين في المسجد) فقال ابن له: إنا لنمنعهن، فغضب غضباً شديداً وقال: أحدثك عن رسول الله ﷺ ، تقول: إنا لنمنعهن]. وهذا الحديث رواه مسلم في صحيحه، وهذا الابن قيل: إن اسمه بلال، فلما روى ابن عمر هذا الحديث: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله)، وفي لفظ: (أن يصلين في المسجد)، وإماء الله يعني: النساء، وفي اللفظ الآخر: (إذا استأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد فلا يمنعها)، فقال: ابن لـ ابن عمر يقال له بلال: والله لأمنعهن، لو تركناهن لاتخذن ذلك ذريعة فأقبل عليه عبد الله وسبه سباً قبيحاً، يقول الراوي: ما رأيته سب مثله لأحد، وقال: أقول لك قال رسول الله لا تمنعونهن، وتقول: والله لأمنعهن! وهذا فيه وجوب تعظيم السنة، وأنه لا يجوز للإنسان أن يعترض على السنة، فعندما قال ابن عبد الله: والله لأمنعهن، وإن كان قصده الخير لكن لا ينبغي أن يعارض السنة، والمرأة لا تمنع من المسجد إذا طلبت ذلك إلا إذا أخلت بالشروط، كأن تخرج سافرة، أو متبرجة، أو يخشى عليها من الفتنة، ففي هذه الحالة تمنع وإلا فإنها لا تمنع: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، وبيوتهن خير لهن). قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أحمد بن ثابت الجحدري وأبو عمرو حفص بن عمر قالا: حدثنا عبد الوهاب الثقفي حدثنا أيوب عن سعيد بن جبير عن عبد الله بن مغفل أنه كان جالساً إلى جنبه ابن أخ له فخذف فنهاه، وقال: (إن رسول الله ﷺ نهى عنها، وقال: إنها لا تصيد صيداً، ولا تنكي عدواً، وإنها تكسر السن وتفقأ العين)، قال: فعاد ابن أخيه يخذف، فقال: أحدثك أن رسول الله ﷺ نهى عنها ثم عدت تخذف لا أكلمك أبداً]. وهذا أيضاً أخرجه مسلم في صحيحه، وفيه: أن عبد الله بن مغفل ﵁ رأى ابن أخ له يخذف، يعني: يأخذ حصاة صغيرة بين أصابعه ويرمي بها، فقال: (لا تخذف فإن الرسول نهى عن الخذف، وقال: إن الخذف يفقأ العين ويكسر السن، ولا يصيد صيداً، ولا ينكي عدواً) أي: لا يفيد، فلا يصيد الصيد ولا يؤثر في العدو، ومضرته ظاهرة، فقد يصيب عين إنسان فيفقأها، أو سنه فيكسره، فلما أبلغه بالسنة رآه بعد ذلك يخذف هجره وقال: لا أكلمك أبداً. وهذا فيه تعظيم ا

стр. 6

شرح سنن ابن ماجه_ المقدمة [٢] حديث الرسول ﷺ عظيم، ومن تعظيم أصحابه لحديثه أنهم ما كانوا يحدثون عنه إلا بما كانوا يتيقنون من ضبطه؛ وقد ورد الوعيد الشديد على من يكذب على النبي ﷺ ؛ وذلك لأنه يشرع للناس ما لم يأذن به الله، فاستحق العذاب الأليم.

стр. 7

ما جاء في التوقي في الحديث عن الرسول ﷺ قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب التوقي في الحديث عن رسول الله ﷺ . حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا معاذ بن معاذ عن ابن عون حدثنا مسلم البطين عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن عمرو بن ميمون قال: ما أخطأني ابن مسعود عشية خميس إلا أتيته فيه، قال: فما سمعته يقول بشيء قط: قال رسول الله ﷺ . فلما كان ذات عشية قال: قال رسول الله ﷺ فنكس، قال: فنظرت إليه وهو قائم محللة أزرار قميصه، قد اغرورقت عيناه، وانتفخت أوداجه، قال: أو دون ذلك، أو فوق ذلك، أو قريباً من ذلك، أو شبيهاً بذلك]. هذا الأثر عن ابن مسعود ﵁ استدل به المؤلف ﵀ على أنه ينبغي التوقي في حديث رسول الله ﷺ ، والتحرز وعدم التسرع، وهذا محمول على ما إذا لم يتأكد الإنسان ويتيقن فيتحرى ويتوقى، ولذلك ابن مسعود اشتد عليه الأمر واغرورقت عيناه؛ لأنه يخشى أن يكذب، أما إذا تأكد الإنسان من الحديث فإن عليه أن يبلغه. قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا معاذ بن معاذ عن ابن عون عن محمد بن سيرين قال: كان أنس بن مالك ﵁ إذا حدث عن رسول الله ﷺ حديثاً يفرغ منه قال: أو كما قال رسول الله ﷺ ]. هذا إذا لم يتأكد يقول: أو كما قال، فقال هذا أو شبهه أو نحوه، يعني: يتأكد من لفظ الحديث فيقول: قال رسول الله ﷺ كذا، ثم يقول في آخره: أو كما قال أو نحو هذا، أو مثل هذا، أو شبه هذا، أو هذا معناه، هذا كله من التوقي حتى لا يقول على النبي ﷺ ما لم يقله. قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا غندر عن شعبة ح وحدثنا محمد بن بشار حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: قلنا لـ زيد بن أرقم ﵁: حدثنا عن رسول الله ﷺ قال: كبرنا ونسينا والحديث عن رسول الله ﷺ شديد]. قوله كبرنا ونسينا يعني: تقدمت به السن، فإذا تقدمت السن بالإنسان ينسى كثيراً، ولهذا كان زيد بن أرقم يحدث عن رسول الله ﷺ ، ولا يحدث إلا ما تأكد منه، وإذا طلبوا منه الإكثار من الحديث قال: كبرنا ونسينا. السفر معروف بفتح الفاء، ويحتمل من وجه آخر السكون، والشكل ما عليه عمدة، العمدة بضبط الحروف وهو بفتح الفاء، قال ابن حجر: عبد الله بن أبي السفر بفتح الفاء الثوري الكوفي ثقة. قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير حدثنا أبو النضر عن شعبة عن عبد الله بن أبي السفر قال: سمعت الشعبي يقول: (جالست ابن عمر سنة فما سمعته يحدث عن رسول الله ﷺ شيئاً]. كل هذا من التوقي عن الحديث عن رسول الله، ولا يحدث إلا بما تأكد منه وسمعه. قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا العباس بن عبد العظيم العنبري حدثنا عبد الرزاق أنبأنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه قال: سمعت ابن عباس ﵄ يقول: (إنما كنا نحفظ الحديث، والحديث يحفظ عن رسول الله ﷺ ، فأما إذا ركبتم الصعب والذلول فهيهات)]. هذا من المبالغة، يعني: أن الناس كانوا في الأول يحفظون الحديث، ثم بعد ذلك ظهرت الخيانة، وفرط الناس وصاروا لا يبالون؛ ولهذا امتنعوا، قال: هيهات أن نحدثكم الآن عندما ظهرت فيكم الخيانة (فأما إذا ركبتم الصعب والذلول) أنتم لا تبالون، وصرنا نتوقع الحديث عن رسول الله ﷺ ولا نحدثكم خشية الخيانة والكذب على رسول الله ﷺ . ويجمع بينهما: بأن تبليغ العلم فيما تأكد منه، وابن عمر لم يتأكد، وكان عنده شك وليس عنده يقين لذا توقف، والشيء الذي تأكد منه وحفظه وضبطه يبلغه.

стр. 8

شرح أثر عمر في الوصية بالإقلال من الرواية عن رسول الله ﷺ قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أحمد بن عبدة حدثنا حماد بن زيد عن مجالد عن الشعبي عن قرظة بن كعب قال: بعثنا عمر بن الخطاب ﵁ إلى الكوفة وشيعنا، فمشى معنا إلى موضع يقال: له صرار فقال: أتدرون لم مشيت معكم؟ قال: قلنا: لحق صحبة رسول الله ﷺ ولحق الأنصار، قال: لكني مشيت معكم لحديث أردت أن أحدثكم به، وأردت أن تحفظوه لممشاي معكم، إنكم تقدمون على قوم للقرآن في صدورهم هزيز كهزيز المرجل]. قال: قرظة بالمعجمة وفتحها ابن كعب الأنصاري صحابي. قرظة بفتح القاف والراء والظاء. والمرجل: القدر الذي يغلى فيه الماء، يعني: صدورهم فيه كهزيز المرجل من البكاء والخشية. [إنكم تقدمون على قوم للقرآن في صدورهم هزيز كهزيز المرجل، فإذا رأوكم مدوا إليكم أعناقهم، وقالوا: أصحاب محمد ﷺ ، فأقلوا الرواية عن رسول الله ﷺ ]. يعني: قالوا: هؤلاء أصحاب محمد. [وأنا شريككم]. هذا فيه الوصية من عمر ﵁ في التوقي عن حديث رسول الله ﷺ ، قال: (إنكم تقدمون على قوم إذا قرءوا القرآن صار لصدورهم هزيز كهزيز المرجل) من البكاء والخشية، المرجل: هو القدر الذي فيه ماء وتحته نار فهو يغلي وله حركة. (فإذا رأوا أصحاب النبي ﷺ مدوا إليكم أعناقهم، قالوا: هؤلاء أصحاب رسول الله) حدثونا (فأقلوا الرواية من الحديث) توقوا (وأنا شريككم) في الأجر وفي التبعة، فأقلوا الرواية عن رسول الله ﷺ ، هؤلاء الذين ستقدمون عليهم يمدون أعناقهم ويريدون الإكثار من الحديث، فأوصاهم بالتقليل في الرواية من باب التوقي، يعني: لا تحدثوا إلا بشيء تتأكدون منه وتحفظونه وتتيقنون به، ولا يحملكم حب الخير لهؤلاء أن تتساهلوا وأن تكثروا من الحديث عن رسول الله ﷺ . وهذا إسناد فيه مقال من أجل مجالد، لكن لم ينفرد به مجالد عن الشعبي، فقد رواه الحاكم، في المستدرك عن محمد بن يعقوب الأصم عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم عن ابن وهب عن ابن عيينة عن بيان عن الشعبي به، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد وله طرق تجمع ويذاكر بها، قال: وقرظة بن كعب صحابي سمع رسول الله ﷺ ، قال: وأما روايته فقد احتج بها. يعني: هذا التوقي يشهد له ما سبق من التوقي في حديث الرسول ﷺ فيما لم يتأكد منه الإنسان. قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن بشار حدثنا عبد الرحمن حدثنا حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد عن السائب بن يزيد قال: صحبت سعد بن مالك ﵁ من المدينة إلى مكة، فما سمعته يحدث عن النبي ﷺ بحديث واحد]. أي: أن هذا من باب التوقي والتحرز.

стр. 9

ما جاء في التغليظ في تعمد الكذب على رسول الله ﷺ قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب التغليظ في تعمد الكذب على رسول الله ﷺ . حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وسويد بن سعيد وعبد الله بن عامر بن زرارة وإسماعيل بن موسى قالوا: حدثنا شريك عن سماك عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)]. هذا الحديث فيه شريك بن عبد الله القاضي اختلط لما تولى القضاء، وفيه أيضاً سماك بن حرب. وفيه عنعنة مدلس، ولكن الحديث له شواهد، وأصله ثابت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (من كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)، وهذا وعيد شديد، يدل على أن تعمد الكذب عن النبي ﷺ من الكبائر، وبالغ بعض العلماء وقالوا بكفر من تعمد الكذب على رسول الله ﷺ . قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عبد الله بن عامر بن زرارة وإسماعيل بن موسى قالا: حدثنا شريك عن منصور عن ربعي بن حراش عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تكذبوا علي، فإن الكذب علي يولج النار)]. يولج يعني: يدخل النار، والتوعد بالنار يدل على أن الكذب على النبي ﷺ من كبائر الذنوب. قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن رمح المصري حدثنا الليث بن سعد عن ابن شهاب عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من كذب علي -حسبته قال:- متعمداً، فليتبوأ مقعده من النار)]. وهذا القيد لا بد أن يكون: إذا كذب متعمداً. أما إذا كان مخطئاً فلا. قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أبو خيثمة زهير بن حرب حدثنا هشيم عن أبي الزبير عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار). حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا محمد بن بشر عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من تقول علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار). حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا يحيى بن يعلى التيمي عن محمد بن إسحاق عن معبد بن كعب عن أبي قتادة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول على هذا المنبر: (إياكم وكثرة الحديث عني! فمن قال علي فليقل حقاً أو صدقاً، ومن تقول علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار)]. (إياكم) إياك تستعمل للتحذير، يعني: احذروا القول عليه والإكثار، ويوفق بينهما: بأن من كسب العلم وهو متأكد من الحديث فلا يجوز له أن يكتمه إذا سئل عنه، أو كان بالناس حاجة إليه، أما إذا لم يتأكد فإن عليه أن يتوقف. هذه الآثار محمولة على التوقي لحديث رسول الله ﷺ إذا لم يتأكد منه وكان عنده شك أو عدم يقين، أما إذا كان عنده يقين فيحدث ويبلغ. قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن بشار قالا: حدثنا غندر محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن جامع بن شداد أبي صخرة عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه قال: قلت للزبير بن العوام ﵁: ما لي لا أسمعك تحدث عن رسول الله ﷺ كما أسمع ابن مسعود وفلاناً وفلاناً؟ قال: أما إني لم أفارقه منذ أسلمت، ولكني سمعت منه كلمة يقول: (من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)]. يعني: الذي منعه من الحديث: خوف الوقوع في الكذب، وهذا محمول على ما لم يتأكد منه. أما من تاب توبة نصوحاً تاب الله عليه، لكن عليه أن يبين: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾ [البقرة:١٦٠]، الشيء الذي كذبه يبينه للناس، يقول: إن هذا كذب، وهذا لا أصل له. هذا من توبته، ويتعلق بفعله حال معصيته، كمن أخذ مالاً من شخص وأراد أن يتوب لابد أن يؤدي المال إلى صاحبه ثم يتوب، فمن كذب على النبي ﷺ وأراد أن يتوب لابد أن يبين الأشياء التي كذبها ويبينها للناس. قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا سويد بن سعيد حدثنا علي بن مسهر عن مطرف عن عطية عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)]. أخرجه البخاري في كتاب العلم، باب إثم من كذب على النبي ﷺ ، وأخرجه أبو داود في كتاب العلم، باب في التشديد في الكذب على رسول الله ﷺ . والسند ضعيف فيه عطية العوفي شيعي مدلس.

стр. 10

ما جاء فيمن حدث عن رسول الله حديثاً وهو يرى أنه كذب قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب من حدث عن رسول الله ﷺ حديثاً وهو يرى أنه كذب. حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا علي بن هاشم عن ابن أبي ليلى عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي ﵁ عن النبي ﷺ قال: (من حدث عني حديثاً وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين)]. هذا الحديث وهذه الترجمة فيهما التحذير من التهاون بالحديث عن رسول الله ﷺ ، وهو يظن أو يعلم أنه كذب، (من حدث عني بحديث وهو يرى)، يرى بفتح الياء يعني: يعلم، أو (وهو يرى) بالضم بمعنى: يظن. (فهو أحد الكاذبين)، ويصح أن تضم الياء ويقال: يرى، (من حدث عني بحديث وهو يرى) أي: يعلم أنه كذب أو (حدث عني بحديث وهو يرى) أي: يظن أنه كذب (فهو أحد الكاذبين) بالتثنية، أي: أنه شارك في الإثم: أحد الوضاعين، روي هذا وهذا، وهو أحد الكاذبين، يعني: الكاذب الأول الذي كذب وهو الثاني؛ لأنه حدث به وهو يظن أو يعلم أنه كذب فهو أحد الكاذبين: وهو من جملة الكاذبين ومن جملة الوضاعين، هذا فيه التحذير الشديد. الحديث فيه عبد الرحمن بن أبي ليلى في سماعه من علي ﵁ نظر. قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا وكيع ح وحدثنا محمد بن بشار حدثنا محمد بن جعفر قالا: حدثنا شعبة عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن سمرة بن جندب ﵁ عن النبي ﷺ قال: (من حدث عني حديثاً وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين)]. هذا بنفس المعنى في الحديث السابق، وكذلك في سماع عبد الرحمن بن أبي ليلى من سمرة نظر، لكن أحدهما يقوي الآخر ويفيد التحذير عن الحديث عن النبي ﷺ وهو لم يتأكد منه، إذا كان يظن أنه كذب فلا يحدثه، وإذا كان يعلم يكون أشد وأشد، فلا يحدث بالضعيف أو الموضوع عن رسول الله ﷺ إلا على وجه البيان بأنه ليس بصحيح. قال في الشرح: قال النووي: المشهور روايته بصيغة الجمع، أي: فهو واحد من جملة الوضاعين الواضعين للحديث. يعني: جملة الوضاعين الكذابين، أو أحد الكاذبين يكون هو الكاذب الثاني، والكاذب الأول الذي روى عنه الحديث. قال: وقد جاء بصيغة التثنية كذلك. أي: أن الحديث الأول: الكاذبين والحديث الثاني: الكذابين. والكذاب أشد من الكاذب صيغة مبالغة. قال الحافظ: عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري المدني ثقة من الثانية، اختلف في سماعه من عمر، مات بوقعة الجماجم سنة ست وثمانين، وقيل: إنه غرق. وعلي بن أبي طالب بن عبد المطلب الهاشمي ابن عم رسول الله ﷺ ، وزوج ابنته، من السابقين الأولين، رجح أنه أول من أسلم وهو أحد العشرة، مات في رمضان سنة أربعين. وهذا ما دام أنه اختلف في سماعه من عمر فسماعه من علي يكون ثابتاً. قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا محمد بن فضيل عن الأعمش عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي عن النبي ﷺ قال: (من روى عني حديثاً وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين)]. يرى كما سبق فيها الوجهان: يَرى ويُرى، يَرى بمعنى: يعلم، ويُرى بمعنى: يظن. (وأحد الكاذبين) بالتثنية، يعني: هو الكاذب الثاني، والكاذب الأول الذي وضع الحديث، أو (أحد الكاذبين) بالجمع، يعني: من جملة الوضاعين، وجاء هذا في التحذير من التحديث عن النبي ﷺ بغير تأكد. قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن عبد الله أنبأنا الحسن بن موسى الأشيب عن شعبة مثل حديث سمرة بن جندب ﵁. حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا وكيع عن سفيان عن حبيب بن أبي ثابت عن ميمون بن أبي شبيب عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من حدث عني بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين)].

стр. 11

شرح سنن ابن ماجه_ المقدمة [٣] الكذب بكل صوره وأنواعه ودرجاته قبيح، وأفحشه ما يكون على صاحب الشريعة ﵊، ومن روى عنه الكذب فهو كاذب أثيم، فهو ينسب إليه ما ليس من شرعه، والخير كل الخير في اتباع المصطفى ومجانبة طريق البدع والمحدثات.

стр. 12

ما جاء في اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين. حدثنا عبد الله بن أحمد بن بشير بن ذكوان الدمشقي حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا عبد الله بن العلاء -يعني: ابن جبر - حدثني يحيى بن أبي المطاع قال: سمعت العرباض بن سارية ﵁ يقول: (قام فينا رسول الله ﷺ ذات يوم، فوعظنا موعظة بليغة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقيل: يا رسول الله! وعظتنا موعظة مودع فاعهد إلينا بعهد، فقال: عليكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن عبداً حبشياً، وسترون من بعدي اختلافاً شديداً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم والأمور المحدثات، فإن كل بدعة ضلالة)]. هذا حديث عظيم، يقول فيه العرباض بن سارية ﵁: (وعظنا رسول الله ﷺ موعظة بليغة) يعني: مؤثرة في القلوب؛ لأنها نفذت من القلب ووصلت إلى القلوب، ولهذا (وجلت منها القلوب) يعني: خافت، (وذرفت منها العيون) لأنها: حارة ومن القلب، فأثرت في القلوب الخوف وفي العيون الدمع. (فقلنا: يا رسول الله كأنها موعظة مودع، فاعهد إلينا) وفي لفظ: (فأوصنا) يعني: هذه الموعظة مؤثرة وحارة، ونفذت للقلوب فكأنك تودعنا يا رسول الله. والعادة أن المودع عندما ينصح يأتي بأقصى ما عنده، فلما صارت هذه الموعظة بليغة ارتبكوا كأنها موعظة مودع، فقالوا: فماذا تعهد إلينا؟ قال: (عليكم بتقوى الله)، أوصى بتقوى الله التي أوصى الله بها، فوصية النبي ﷺ هي وصية الله تعالى في قوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء:١٣١] أوصى الله عباده أن يتقوه، وهي وصية النبي ﷺ ، قال: (عليكم بتقوى الله) وتقوى الله هي: توحيد الله وطاعته، وأداء الأوامر، وننتهي عن النواهي، والتقوى هي جماع الدين، وأصلها توحيد الله، وإخلاص الدين له، ثم أداء الواجبات وترك المحرمات، وإذا قرن البر بالتقوى فسر البر بأداء الأوامر، والتقوى باجتناب النواهي، وإذا ذكر أحدهما اشتمل الأمرين. (عليكم بتقوى الله والسمع والطاعة) يعني: لولاة الأمور، وهذا في غير معصية الله، فأوصى النبي ﷺ أمته بتقوى الله والطاعة لولاة الأمور في غير المعصية، يعني: يطاع ولاة الأمور في طاعة الله وفي الأمور المباحة، أما المعاصي فلا يطاع فيها أحد، فمن أمر بمعصية الله لا يطاع حتى لو كان الذي أمر أميراً أو أباً أو زوجاً أو سيداً، إذا أمر الأمير بمعصية الله فلا سمع له ولا طاعة، وإذا أمر الأب ابنه بمعصية الله لا سمع له ولا طاعة، وإذا أمر الزوج زوجته بمعصية الله لا سمع له، وإذا أمر السيد عبده بمعصية الله فقال: اشرب الخمر، أو اقتل مسلماً، أو تعامل بالربا فلا يطاع. لكن ليس معنى هذا أنك تتمرد عليه. لا، بل لا تطعه في خصوص المعصية، لكن يبقى ما عداه على السمع والطاعة؛ لأن السمع والطاعة لولاة الأمر فيه جمع للكلمة، واتحاد للصف، وجمع للقلوب، وقوة للدولة، وإرهاب للعدو. أما إذا تمرد الناس على ولاة الأمور اختل الأمن، وتناكرت القلوب، وتفرق المسلمون، وتربص الأعداء بهم الدوائر، وصار هذا من أسباب الفرقة والاختلاف وتناكر القلوب، ويؤدي إلى الفوضى والاضطراب، وبالتالي إلى إراقة الدماء، واختلال الأمن، واختلال الاقتصاد والمعيشة، والتجارة والزراعة والدراسة، وتفسد أحوال الناس، ويكون سبباً في وقوع فتن عظيمة لا أول لها ولا آخر تقضي على الأخضر واليابس. ولهذا أمر الناس بالسمع والطاعة لولاة الأمور، وكان أهل الجاهلية لا يسمعون ولا يطيعون لولاة أمورهم ففسدت أحوالهم، ولهذا أمر الناس بالسمع والطاعة لولاة الأمور ونهوا عن الخروج على ولاة الأمور حتى ولو فعلوا المعاصي، ولكن النصيحة مبذولة من قبل أهل الحل والعقد من قبل العلماء، فإن قبلوا فالحمد لله، وإن لم يقبلوا فقد أدى الناس ما عليهم. ولا يجوز الخروج على ولي الأمور حتى ولو شرب الخمر، أو ظلم بعض الناس في ماله أو دمه؛ لأن هذه المعصية مفسدة، لكن مفسدة الخروج أعظم وأعظم، فإذا خرج الناس على ولاة الأمور أريقت الدماء، واختل الأمن، وتفرق الناس، واختلت أحوال الناس، وتدخل الأعداء، ووقعت الفتن. هذه مفاسد عظيمة أعظم من مفسدة المعصية، والشرع جاء بدرء المفاسد وتقليلها، وجلب المصالح وتكميلها، ومفسدة المعصية التي تحصل من ولاة الأمور مفسدة قليلة، تدرأ في جانب المفاسد العظيمة التي تنشأ من الخروج على ولاة الأمور. وهذا أمر النبي ﷺ أوصى أمته بتقوى الله، وبالسمع والطاعة لولاة الأمور، قال: (وإن عبداً حبشياً) يعني: وإن كان ولي الأمر عبداً حبشياً، وفي اللفظ الآخر في حديث أبي ذر: (أمرني خليلي أن أسمع وأطيع، وإن كان عبداً حبشياً مجدع الأطراف). يعني: مقطوع الأنف أو الأذن أو اليد يسمع ويطاع له، فإذا غلب الناس بسيفه وقوته تمت له الخلافة، ووجب السمع والطاعة له في طاعة الله وفي الأمور المباحة. ثم قال: (فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً). فيه بيان أنه يحصل اختلاف ومخالفة للسنة في كثير من الأمور. ثم قال النبي: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين). فيه الأمر بلزوم السنة وسنة الخلفاء الراشدين، وهم الخلفاء الأربعة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وسنة الخلفاء الراشدين إنما يعمل بها إذا لم توجد سنة النبي ﷺ . أما مع وجود السنة فيجب لزوم سنة النبي ﷺ ، فإذا خفيت سنة النبي ﷺ ولم يوجد في المسألة سنة للنبي ﷺ ؛ فإنه يؤخذ بسنة الخلفاء الراشدين، وليس معنى ذلك: أن سنة الخلفاء الراشدين تؤخذ حتى إذا عرفوا السنة لا، بل المراد عند خفاء السنة. ومن ذلك: أن النبي ﷺ أمر بالمتعة وهو الإحرام بالعمرة والحج معاً، ثم اجتهد الخلفاء الثلاثة أبو بكر وعمر وعثمان فكانوا يأمرون الناس بالإفراد اجتهاداً منهم حتى يكثر الزوار والعمار. وكان علي وأبو موسى الأشعري وابن عباس ﵃ وجماعة يفتون بالمتعة عملاً بالسنة، والخلفاء الراشدون الثلاثة يفتون بإفراد الحج، والعمرة يكون لها وقت آخر حتى يكثر العمار والزوار، والنبي ﷺ أمر أصحابه بالمتعة وشدد عليهم، وألزمهم بها حتى يزول اعتقاد الجاهلية الذين يعتقدون أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور، فالنبي ﷺ أمر أصحابه في حجة الوداع أن يتمتعوا إلا من ساق الهدي. لكن الخلفاء الثلاثة اجتهدوا وقالوا: إنه زال اعتقاد الجاهلية فأفتوا الناس بالإفراد، وكان علي يفتي بالمتعة على ما جاءت به السنة وكذلك ابن عباس وأبو موسى الأشعري. ولما نظر بعض الناس إلى ابن عباس في الحج وهو يفتي بالمتعة، قال له: ابن عباس يفتي بالمتعة وأبو بكر وعمر يفتيان بالإفراد، فقال ابن عباس: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله وتقولون: قال أبو بكر وعمر! إذا كان الذي خالف السنة لقول أبي بكر وعمر يخشى أن تنزل عليه حجارة من السماء، فكيف بمن أخذ بقول غيرهم؟ فهذه المسألة يؤخذ فيها بسنة النبي ﷺ ولا يؤخذ بسنة الخلفاء الراشدين، فإذا لم يوجد في المسألة سنة يؤخذ بسنة الخلفاء الراشدين. ثم قال النبي ﷺ : (تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ) هي الأضراس، يقال للشيء الذي يراد أن يتمسك به: عض عليه بالنواجذ. (وإياكم ومحدثات الأمور) تفيد التحذير من الأمور المحدثة وهي البدع، (فإن كل محدثة بدعة). وفي الحديث الآخر في الصحيح عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) يعني: مردود، وفي لفظ لـ مسلم: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) أي: مردود على صاحبه. وفيه التحذير من البدع والأمر بلزوم السنة، فهذا الحديث حديث عظيم. قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا إسماعيل بن بشر بن منصور وإسحاق بن إبراهيم السواق قالا: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن معاوية بن صالح عن ضمرة بن حبيب عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي أنه سمع العرباض بن سارية ﵁ يقول: (وعظنا رسول الله ﷺ موعظة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقلنا: يا رسول الله! إن هذه لموعظة مودع فماذا تعهد إلينا؟ قال: قد تركتكم على البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ منها بعدي إلا هالك، من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وعليكم بالطاعة وإن عبداً حبشياً، فإنما المؤمن كالجمل الأنف حيثما قيد انقاد)]. وهذا شاهد للحديث السابق، وفيه: أن النبي ﷺ بلغ الرسالة وأدى الأمانة ﵊، قال: (تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ منها بعدي إلا هالك)، هي الوصية بتقوى الله، والوصية بالسمع والطاعة لولاة الأمور. وفيها: أن المؤمن يقبل الحق وينقاد كالجمل الأنف، فأينما قيد انقاد. قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا يحيى بن حكيم حدثنا

стр. 13

ما جاء في اجتناب البدع والجدل قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب اجتناب البدع والجدل. حدثنا سويد بن سعيد وأحمد بن ثابت الجحدري قالا: حدثنا عبد الوهاب الثقفي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: (كان رسول الله ﷺ إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه؛ كأنه منذر جيش، يقول: صبحكم مساكم، ويقول: بعثت أنا والساعة كهاتين، ويقرن بين إصبعيه السبابة والوسطى، ويقول: أما بعد: فإن خير الأمور كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة، وكان يقول: من ترك مالاً فلأهله، ومن ترك ديناً أو ضياعاً فعلي وإلي)]. وهذا أخرجه مسلم في صحيحه، وآخره أخرجه الشيخان: (ومن ترك مالاً فلورثته، ومن ترك ديناً فعلي وإلي)، وفيه أن النبي ﷺ كان يخطب بشجاعة وحماسة حتى يجذب السامعين، (كان إذا خطب احمر وجهه، وعلا صوته كأنه منذر الجيش يقول: صبحكم ومساكم) فيؤثر في السامعين، ولاسيما خطبة الجمعة). تحتاج إلى قوة وشجاعة وحماسة، ولهذا كان النبي ﷺ إذا خطب احمر وجهه، وعلا صوته كأنه منذر جيش يقول: صبحكم ومساكم، فيؤثر في السامعين، ولا سيما خطبة الجمعة، وبعض الخطباء إذا خطب يخطب بصوت ضعيف، ويتماوت كأنه ميت، والخطبة تحتاج إلى قوة وشجاعة وحماسة، ولهذا كان النبي ﷺ إذا خطب احمر وجهه، وعلا صوته، فيؤثر في السامعين، كأنه منذر جيش، يقول: صبحكم ومساكم. وكان يقول: (بعثت أنا والساعة كهاتين، ويقرن بين السبابة والوسطى)؛ لأنه نبي الساعة؛ ولأنه آخر الأنبياء، وأمته آخر الأمم، ولا نبي بعده، فهو نبي الساعة، ولهذا قال: (بعثت أنا والساعة كهاتين، ويقرن بين السبابة والوسطى) يعني: لقرب الساعة؛ لأنه بعث في آخر الدنيا، وأمته آخر الأمم. وكان إذا خطب يقول: (أما بعد)، فينبغي للخطيب أن يقول: أما بعد، وهي أولى وأحسن من قول: وبعد، فبعض الناس يقولون: وبعد. وكان يقول: (فإن أحسن الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وكان يقول هذا في كل جمعة، فكتاب الله أحسن الحديث، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء:٨٧]، وقال: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء:١٢٢]، فلا أحسن من كلام الله، قال: (وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها) والأمور المحدثة هي: التي أحدثت في الدين مما ليس منه. قال: (وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة)، وفي رواية النسائي: (وكل ضلالة في النار)، وهذا فيه التحذير من البدع، وأن كل محدث في الدين فهو من البدع، وكل بدعة فهي من الضلال، وكل ضلالة فهي في النار. وهذا أخرجه مسلم والنسائي. وقال في نهاية الحديث: (وكان يقول: من ترك مالاً فلأهله، ومن ترك ديناً أو ضياعاً فعلي وإلي)، وقد كان ﵊ في أول الهجرة يصلي على من عليه دين، ثم قدم إليه رجل ليصلي عليه فقال: (هل عليه دين؟ قالوا: نعم عليه ديناران، فتأخر وقال: صلوا على صاحبكم)، فقال هذا للأحياء حتى لا يتساهلوا في الدين، (فقام رجل فقال: يا رسول الله! علي الديناران -أي: أنا أضمنه-، فقال: برئ الغريم؟ قال: نعم، فقام وصلى عليه ﵊ عليه، ثم لما كان من الغد قال: ما فعل الديناران؟ قال: يا رسول الله! ما مات إلا بالأمس -يعني: ما مضى عليه إلا يوم- فسكت النبي ﷺ ، ثم لقيه من الغد، فقال: ما فعل الديناران؟ قال: قضيتهما يا رسول الله، فقال: الآن بردت عليه جلدته)، وكان هذا في أول الأمر وأول الإسلام، ثم بعد ذلك لما وسع الله عليه صار يقضي الدين من عنده. ولهذا يستحب لولاة الأمور قضاء الدين عن الميت إذا كان في بيت المال سعة، وكان الميت ليس له مال، ولهذا قال النبي ﷺ : (من ترك ديناً أو ضياعاً -يعني: أولاداً صغار- فعلي) يعني: على بيت المال، فبيت المال يقوم بكفالة الأيتام والصغار والعجزة، وينفق عليهم من بيت المال، وكذلك الدين يُقضى عن الميت من بيت المال إذا كان فيه سعة، قال: (ومن ترك مالاً فلورثته)، ومن لم يترك مالاً وإنما ترك ديناً أو ترك ضياعاً وأولاداً صغاراً فعلي وإلي، أي: فعلى بيت المال، يقوم بحاجاتهم وكفالتهم. وقوله: (فعلي وإلي) أي: علي قضاء الدين، وإلي ضياعهم بكفالتهم.

стр. 14

شرح حديث: (إنما هما اثنتان) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن عبيد بن ميمون المدني أبو عبيد حدثنا أبي عن محمد بن جعفر بن أبي كثير عن موسى بن عقبة عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود: أن رسول الله ﷺ قال: (إنما هما اثنتان: الكلام والهدي، فأحسن الكلام كلام الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ]. محمد بن عبيد بن ميمون المدني أبو عبيد مجهول. وهذا الحديث وإن كان ضعيفاً إلا أنه له شواهد، كما في الحديث السابق: (خير الأمور كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ . قال: [(ألا وإياكم ومحدثات الأمور، فإن شر الأمور محدثاتها)]. وهذا يشهد له ما سبق من التحذير من البدع ومحدثات الأمور، وقوله: (فإن شر الأمور محدثاتها) أي: البدع المحدثة في الدين. قال: [(وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة)]. وكل هذا له شاهد في الحديث. قال: [(ألا لا يطولن عليكم الأمد فتقسوا قلوبكم)]. وهذا مأخوذ من قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد:١٦]، وهذا فيه التحذير من استطالة الأجل فيقسو القلب. قال: [(ألا إنما هو آت قريب، وإنما البعيد ما ليس بآت، ألا إنما الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من وعظ بغيره، ألا إن قتال المؤمن كفر، وسبابه فسوق)]. وهذا أيضاً له شاهد، فقد ورد في الصحيح: (سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر)، أي: وقتاله من الأعمال الكفرية التي لا تخرج من الملة. قال: [(ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث)]. وهذا أيضاً جاء في الصحيحين: (لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث) يعني: لا يجوز للمسلم أن يهجر أخاه لحظ من الدنيا أو من أجل حظ نفسه فوق ثلاث، ويجوز مدة اليوم واليومين والثلاث ولا يزيد؛ لأن النفس قد يحصل فيها بعض التكدر، فأبيح للإنسان الهجر يوماً أو يومين أو ثلاثاً من أجل الدنيا، ولا يجوز بعدها، كما في الحديث: (لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام)، وأما الهجر لأجل الدين؛ لكونه عاصياً أو مبتدعاً فيهجره ما شاء، وهذا غير محدد، ولا بأس به، وأما من أجل الدنيا ومن أجل الشحناء فلا يزيد على ثلاثة أيام. قال: [(ألا وإياكم والكذب، فإن الكذب لا يصلح بالجد ولا بالهزل)]. وهذا فيه تحذير من الكذب. قال: [(ولا يعد الرجل صبيه ثم لا يفي له)]. أي: لا يجوز أن يكذب، ولا حتى في الأشياء القليلة، حتى إذا وعد الصبي أن يعطيه شيئاً فلا يخلف وعده، فإن هذا كذباً، فإذا وعده أن يعطيه شيئاً ولو قليلاً ثم لم يعطه كتبت عليه كذبة، وليعطه شيئاً حتى لا يقع في الكذب. قال: [(وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار)]. وهذا أيضاً له شاهد. قال: [(وإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإنه يقال للصادق: صدق وبر، ويقال للكاذب: كذب وفجر، ألا وإن العبد يكذب حتى يكتب عند الله كذاباً)]. وهذا فيه التحذير من الكذب والترغيب في الصدق. هذا الحديث وإن كان فيه أبو عبيد وهو مجهول، ولكن جمل هذا الحديث لها شواهد من الأحاديث الصحيحة.

стр. 15

شرح حديث: (يا عائشة إذا رأيتم الذين يجادلون) قال رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن خالد بن خداش حدثنا إسماعيل بن علية حدثنا أيوب ح وحدثنا أحمد بن ثابت الجحدري ويحيى بن حكيم قالا: حدثنا عبد الوهاب حدثنا أيوب عن عبد الله بن أبي مليكة عن عائشة قالت: (تلا رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران:٧] إلى قوله: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران:٧] فقال: يا عائشة! إذا رأيتم الذين يجادلون فيه فهم الذين عناهم الله فاحذروهم)]. وهذا الحديث فيه التحذير من الجدال بغير حق، وقد قال ﷺ فيه: (إذا رأيتم الذين يجادلون فهم الذين عناهم الله)، وفي اللفظ الآخر: (أولئك الذين يتبعون ما تشابه منه)، أو: (أولئك الذين سمى الله فاحذروهم). ففيه: التحذير من الجدال بالباطل، والتحذير من اتباع المتشابه وترك المحكم، وهذه علامة أهل الزيغ أنهم يأخذون بالمتشابه ويتبعونه، ويتركون المحكم، وأما أهل الحق فإنهم يعملون بالمحكم ويردون المتشابه إليه، ويفسرونه به. وأهل الزيغ والبدع يأخذون بالمتشابه ويتعلقون به ويتركون المحكم، ولهذا قال الله : ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران:٧]. والحديث صحيح وهو في معنى هذه الآية ويفسرها، وفي لفظ آخر: (إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم). يعني: ما يتشابه على بعض الناس، فبعض الناس يشتبه عليه بعض الآيات فيتعلق بالمتشابه ويترك المحكم، فمثلاً بعض النصارى الذين يقولون: الآلهة ثلاثة يقول: في القرآن ما يدل على التثليث، ويستدلون بقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]، فقال: (نحن)، وهذا ضمير الجمع، وهذا يدل على أن الآلهة متعددة، فنقول له: أنت من أهل الزيغ؛ لأنك تعلقت بالمتشابه وتركت المحكم، وهو قول الله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:١٦٣] فهذا محكم أخذ به أهل الاستقامة وأهل الحق، و (نحن) في لغة العرب يأتي للواحد المعظم نفسه، وللجماعة، فمن يعظم نفسه يقول: نحن، والله تعالى أجل وأعظم، وأهل الحق يأخذون المحكم ويفسرون المتشابه بالمحكم ويردونه إليه، ويؤمنون بالجميع.

стр. 16

شرح حديث: (ما ضل قوم بعد هدى) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا علي بن المنذر حدثنا محمد بن فضيل ح وحدثنا حوثرة بن محمد حدثنا ابن بشر قالا: حدثنا حجاج بن دينار عن أبي غالب عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : (ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل، ثم تلا هذه الآية: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف:٥٨])]. والحديث سنده ضعيف، ولكن معناه صحيح، ولا شك أن من أوتي الجدل بعد الهدى فهذا يدل على ضلاله. والجدال جدالان: جدال بالباطل وهو مذموم، وجدال بالحق وهو محمود، قال تعالى: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت:٤٦]، وقال: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥]. أبو غالب صاحب أبي أمامة بصري نزل أصبهان، قيل: اسمه حزور، وقيل: سعيد بن الحزور، وقيل: نافع صدوق يخطئ من الخامسة.

стр. 17

الكلام حول الحروف المقطعة الحروف المقطعة فيها كلام لأهل العلم، فبعض المفسرين والمحققين لا يفسرونها ويقولون: الله أعلم بما هو الراجح فيها، وبعضهم قال: إن هذه الحروف إشارة إلى أن القرآن مكون من الحروف الثمانية والعشرين، ومع ذلك فقد عجز البشر أن يأتوا بمثله، ولذلك يأتي بعد الحروف المقطعة الانتصار للقرآن، وذكره وبيانه وفضله، كقوله: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:١ - ٢]، ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ [يونس:١]، ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق:١]، وقال: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص:١]، وهكذا، فكل سورة في أولها حروف مقطعة يأتي بعدها الانتصار للقرآن، قال شيخ الإسلام: هذا يدل على أن المراد: إن القرآن مكون من هذه الحروف، ومع ذلك فقد أعجز البشر، وبعض المفسرين قالوا: الله أعلم بالمراد من ذلك، وهناك أقوال أخرى ضعيفة، مثل من يقول: إنها إشارة إلى أسماء الله، أو: إشارة إلى أسماء بعض الجبال، وكل هذا لا دليل عليه.

стр. 18

شرح حديث: (لا يقبل الله لصاحب بدعة) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا داود بن سليمان العسكري حدثنا محمد بن علي أبو هاشم بن أبي خداش الموصلي حدثنا محمد بن محصن عن إبراهيم بن أبي عبلة عن عبد الله بن الديلمي عن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يقبل الله لصاحب بدعة صوماً ولا صلاة ولا صدقة، ولا حجاً ولا عمرة، ولا جهاداً، ولا صرفاً ولا عدلاً، يخرج من الإسلام كما تخرج الشعرة من العجين)]. هذا الحديث سنده ضعيف ومتنه منكر؛ لأن صاحب البدعة ليس بكافر إذا كانت بدعته لا تكفر، وسنده ضعيف ففيه محمد بن محصن وقد اتفقوا على ضعفه، فالحديث منكر شاذ، وصاحب البدعة ليس بكافر إذا كانت بدعته لا توصله إلى الكفر، وأعماله مقبولة صحيحة، وعليه أن يتوب من بدعته مثل صاحب الكبيرة، هذا إذا كانت بدعته لا تكفر، وأما إذا كانت بدعته مكفرة فهو كافر، والأصل: أن البدعة لا توصل إلى الكفر، وصاحب البدعة عاصٍ ليس بكافر، ولا يخرج من الإسلام، وأعماله صحيحة، وعليه أن يتوب من بدعته.

стр. 19

شرح حديث: (أبى الله أن يقبل) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عبد الله بن سعيد حدثنا بشر بن منصور الخياط عن أبي زيد عن أبي المغيرة عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (أبى الله أن يقبل عمل صاحب بدعة حتى يدع بدعته)]. وهذا المتن ضعيف أيضاً، ورجال هذا الإسناد كلهم مجهولون، قال الذهبي في الكاشف: وقال أبو زرعة: لا أعرف أبا زيد ولا أبا المغيرة، ومتنه أيضاً ليس بصحيح؛ لأن صاحب البدعة مرتكب لكبيرة.

стр. 20

شرح حديث: (من ترك الكذب وهو باطل) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي وهارون بن إسحاق قالا: حدثنا ابن أبي فديك عن سلمة بن وردان عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من ترك الكذب وهو باطل بني له قصر في ربض الجنة، ومن ترك المراء وهو محق بني له في وسطها، ومن حسن خلقه بني له في أعلاها)]. هذا حديث حسن، أخرجه الترمذي وقال: هذا حديث حسن لا نعرفه إلا من حديث سلمة بن وردان عن أنس. ولا شك أن ترك الكذب فيه فضيلة، وكذلك ترك الباطل والمراء، لكن التحديد بأنه من ترك الكذب بني له بيت في أول الجنة، ومن ترك المراء بني له في وسطها، ومن حسن خلقه بني له أعلاها مستحيل، وهذا هو الذي فيه الإشكال. وفي الحديث الصحيح: (أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاً) وزعيم يعني: كفيل. وأما حديث: (أنا زعيم ببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحاً) فلا أعلم له أصلاً.

стр. 21

اجتناب الرأي والقياس قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب اجتناب الرأي والقياس. حدثنا أبو كريب حدثنا عبد الله بن إدريس وعبدة وأبو معاوية وعبد الله بن نمير ومحمد بن بشر، ح وحدثنا سويد بن سعيد حدثنا علي بن مسهر ومالك بن أنس وحفص بن ميسرة وشعيب بن إسحاق عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ قال: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، فإذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رءوساً جهالاً، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا)]. هذا الحديث صحيح، رواه الشيخان البخاري ومسلم، وفيه: الحث على العلم وتعلم العلم والإقبال على العلم قبل موت العلماء، وفيه: إن الله لا يقبض العلم من صدور الرجال، وإنما يقبض العلم بموت العلماء، فيقبض عالماً بعد عالم بعد عالم حتى لا يبقى إلا الجهال، فإذا بقي الجهال تولوا أمور الناس؛ لأن الأعمال والغايات لابد لها من رجال يتولونها، فيحتاجون إلى من يتولى الإفتاء، ومن يتولى القضاء، ومن يتولى كذا وكذا، فيكون رءوس الناس جهالاً، ويكون المتولون للإفتاء والقضاء جهالاً، فيسألون ولا بد لهم من أن يجيبوا، فيجيبون بغير حق، ويجيبون بالباطل؛ لأنهم ترأسوا ورُئسوا، فيفتون بغير علم، فيضلون في أنفسهم ويضلون غيرهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وفي الحديث الآخر: (إن من أشراط الساعة: أن يكثر الجهل ويقل العلم). وفي هذا الحديث: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور الرجال، ولكن يقبض العلم بموت العلماء) وفي لفظ: (بقبض العلماء، فإذا لم يبق عالماً)، وفي لفظ: (حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رءوساً جهالاً، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا). وهذا فيه الحث على أخذ العلم من العلماء قبل موتهم وقبل قبضهم. وقوله في الحديث: (فإذا لم يبق عالماً) يعني: عالماً شرعياً يصلح للإفتاء ولأخذ العلم عنه. والحق قائم الآن في أمور العبادات والديانة، ولكن تبقى مسائل تحتاج إلى إفتاء، فلا يوجد من يفتي بها إلا هؤلاء الرؤساء الذين لا يعلمون.

стр. 22

شرح حديث (من أفتى بفتيا غير ثبت) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبد الله بن يزيد عن سعيد بن أبي أيوب حدثني أبو هانئ حميد بن هانئ الخولاني عن أبي عثمان مسلم بن يسار عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (من أفتى بفتيا غير ثبت فإنما إثمه على من أفتاه)]. وهذا يؤيده قول الله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [النحل:٢٥]، وهذا فيه تحذير المفتين من التسرع في الفتيا والتعجل، وأن من أفتى بغير ثبت ثم عمل به المستفتي فإن إثم المستفتي عليه. قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن العلاء الهمداني حدثني رشدين بن سعد وجعفر بن عون عن ابن أنعم -هو الإفريقي - عن عبد الرحمن بن رافع عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : (العلم ثلاثة، فما وراء ذلك فهو فضل: آية محكمة، أو سنة قائمة، أو فريضة عادلة)]. هذا الحديث ضعيف، فيه رشدين بن سعد وهو ضعيف، وعبد الرحمن بن أنعم الإفريقي ضعيف أيضاً. ولكن الحديث مشهور الآن، ويستدل به الفرضيون، ومعناه صحيح، وقد يكون له شواهد. والعلم ينقسم إلى هذه الأقسام: آية محكمة، أو فريضة عادلة، أو سنة قائمة، ولا يخرج عن هذه الثلاث.

стр. 23

شرح حديث (لا تقضين ولا تفصلن إلا بما تعلم) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا الحسن بن حماد سجادة حدثنا يحيى بن سعيد الأموي عن محمد بن سعيد بن حسان عن عبادة بن نسي عن عبد الرحمن بن غنم حدثنا معاذ بن جبل قال: (لما بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن قال: لا تقضين ولا تفصلن إلا بما تعلم، وإن أشكل عليك أمر فقف حتى تبينه أو تكتب إلي فيه)]. هذا الحديث ضعيف، وقال له في الحديث الآخر: (بم تحكم؟ قال: بكتاب الله. قال: فإن لم تجد؟ قال: فبسنة رسول الله. قال: فإن لم تجد؟ قال: اجتهد رأيي ولا آلو، فضرب على صدره وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله للحق)، فالسند ضعيف، ومحمد بن سعيد هو المصلوب اتهم بوضع الحديث، ومتن الحديث شاذ، وابن ماجة ﵀ تساهل في الأحاديث الضعيفة، والأحاديث التي ينفرد بها ابن ماجة عن الكتب الخمسة في الغالب تكون ضعيفة، والحسن بن حماد سجادة يتهمه أحمد بن حنبل والنسائي بالوضع، وإذا كان يتهم بالوضع فالحديث موضوع، وإذا كان متهماً بالكذب فيكون الحديث ضعيفاً جداً. والحديث الثابت في الصحيحين هو: أن النبي بعث معاذاً إلى اليمن وقال له: (إنك تأتي قوماً أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه كتاب الله).

стр. 24

شرح حديث (لم يزل أمر بني إسرائيل معتدلاً) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا سويد بن سعيد حدثنا ابن أبي الرجال عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي عن عبدة بن أبي لبابة عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لم يزل أمر بني إسرائيل معتدلاً حتى نشأ فيهم المولدون وأبناء سبايا الأمم، فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا)]. هذا الحديث ضعيف، ففيه ابن أبي الرجال وهو ضعيف، ويحتمل أن يكون فيه أيضاً غيره، وابن أبي الرجال اسمه حارثة بن محمد بن عبد الرحمن، وهذا ليس خاصاً بأولاد السبايا أو غيرهم، فمن استقام فهو على الحق، ومن انحرف فهو على الباطل، سواء كان من أولاد السبايا أو من غيرهم.

стр. 25

شرح سنن ابن ماجه_ المقدمة [٤] الإيمان قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وهو بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان، ولا يكمل الإيمان إلا بأن يحب المسلم لأخيه ما يحبه لنفسه، وأن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما.

стр. 26

الإيمان قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب في الإيمان. حدثنا علي بن محمد الطنافسي حدثنا وكيع حدثنا سفيان عن سهيل بن أبي صالح عن عبد الله بن دينار عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (الإيمان بضع وستون أو سبعون باباً، أدناها إماطة الأذى عن الطريق، وأرفعها قول: لا إله إلا الله، والحياء شعبة من الإيمان)]. هذا حديث عظيم، وقد أخرجه الشيخان رحمهما الله، فأخرجه البخاري بلفظ: (الإيمان بضع وستون شعبة)، وأخرجه مسلم بلفظ: (الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان). وفي هذا الحديث دليل على أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، وأن الإيمان شعب، وأنه يدخل فيه أعمال القلوب وأعمال الجوارح وأقوال اللسان، ولهذا قال: (الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق)، وبين الأعلى والأدنى شعب متفاوتة، فمنها ما يقرب من شعبة الشهادة، ومنها ما يقرب من شعبة الإماطة، فالصلاة شعبة، والزكاة شعبة، والصوم شعبة، والحج شعبة، وبر الوالدين شعبة، والجهاد في سبيل الله شعبة، والأمر بالمعروف شعبة، والإحسان إلى الجيران شعبة، وهكذا. قال: (والحياء شعبة من الإيمان) وكلمة التوحيد قول باللسان، وإماطة الأذى عن الطريق عمل بالبدن، والحياء عمل قلبي، فإذاً: يدخل في الإيمان أعمال القلوب وأعمال الجوارح وأقوال اللسان، وفيه رد على المرجئة الذين يقولون: الإيمان تصديق بالقلب فقط، فإن الحديث جعل الإيمان شعباً كثيرة، والبضع من ثلاث إلى تسع، وقد تتبع البيهقي ﵀ هذه الشعب وألف كتاباً سماه: شعب الإيمان، وأوصلها إلى تسع وسبعين شعبة، وتتبعها من النصوص، وأوصل البضع إلى أعلاه.

стр. 27

مذهب المرجئة في الإيمان المرجئة يقولون: الإيمان تصديق بالقلب فقط، وأما أعمال الجوارح وقول اللسان فليس من الإيمان، وهذا من أبطل الباطل، والصواب: أن الإيمان تصديق بالقلب وعمل بالقلب وقول باللسان وعمل بالجوارح، فهذه الأربعة الأشياء كلها داخلة في مسمى الإيمان، وهي: قول القلب وتصديقه وإقراره، وعمل القلب وهو: النية والإخلاص والمحبة والرغبة والرهبة والخشية، وعمل الجوارح كالصلاة والصيام والزكاة، وقول اللسان كتلاوة القرآن والذكر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله، خلافاً للمرجئة -مرجئة الفقهاء كالأحناف وغيرهم- الذين يقولون: الأعمال ليست داخلة في مسمى الإيمان، ولكنها مطلوبة، وأما المرجئة المحضة كالجهمية فيقولون: ليست مطلوبة، وإنما يكفي معرفة القلب، وهذا من أبطل الباطل. يقولون: مطلوبة وليست من الإيمان، فالإنسان عليه واجبان: واجب الإيمان وواجب العمل. والإمام أبو حنيفة عنه روايتان: الرواية الأولى التي عليها أكثر أصحابه: أن الإيمان شيئان: إقرار باللسان وتصديق بالقلب. والرواية الثانية: أن الإيمان تصديق بالقلب فقط، وأما الإقرار باللسان فهو ركن زائد مطلوب، وليس من الإيمان، مثل الأعمال، والصواب: أنها من الإيمان. ومذهب أهل السنة: أن الأعمال مطلوبة وهي من الإيمان، والمرجئة المحضة كالجهمية قالوا: ليست مطلوبة، بل يكفي معرفة الرب بالقلب، فعند الجهم -والعياذ بالله- الإيمان: معرفة الرب بالقلب، والكفر هو: جهل الرب بالقلب، فألزمه العلماء بهذا التعريف أن إبليس مؤمن؛ لأنه عرف ربه بقلبه، وفرعون مؤمن؛ لأنه عرف ربه بقلبه، وأبو طالب مؤمن، واليهود مؤمنون؛ لأنهم كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة:١٤٦]، وهذا من أبطل الباطل. وأفسد ما قيل في تعريف الإيمان: هو تعريف الجهم له، ثم يليه قول الكرامية الذين يقولون: الإيمان هو إقرار باللسان فقط، فإذا أقر بلسانه فهو مؤمن، وإذا خالف عمله ما تكلم به بلسانه صار منافقاً، ويقولون: إن الإنسان قد يكون مؤمناً كامل الإيمان ومع ذلك يخلد في النار، مثل قول المرجئة الذين يقولون: من أقر بلسانه فهو مؤمن ولو كان منافقاً في الباطن، فإذا كان منافقاً في الباطن فهو مؤمن كامل الإيمان وهو مخلد في النار، وهذا من أفسد ما قيل، ثم يليه قول مرجئة الفقهاء ثم قول الخوارج الذين يقولون: الإيمان هو: التصديق، والأعمال كلها داخلة في مسمى الإيمان فإذا تخلف عمل من الأعمال أو فعل معصية ذهب الإيمان كله وصار كافراً وخلد في النار والعياذ بالله؛ لأن الإيمان عندهم لا يتبعض ولا يتعدد. والشبهة التي بنى عليها جميع أهل البدع أقوالهم في الإيمان هي: أن الإيمان شيء واحد لا يزيد ولا ينقص، ولا يتعدد ولا يتبعض، ولا يذهب بعضه ولا يبقى بعضه. وأما أهل السنة فيقولون: الإيمان متعدد ومتبعض، ويزيد وينقص، ويقوى ويضعف، ويذهب بعضه ويبقى بعضه. ويقول شارح الطحاوية: إن الخلاف مع مرجئة الفقهاء لفظي لا يترتب عليه فساد في العقيدة، والصحيح أنه ليس لفظياً من جميع جميع الوجوه، وله آثار تترتب عليه. منها: فتح الباب للمرجئة الذين يقولون: الأعمال غير مطلوبة. ومنها: فتح الباب للفساق، فيأتي السكير العربيد فيقول: أنا مؤمن كامل الإيمان، وإيماني كـ أبي بكر وعمر، فإذا قيل له: كيف يكون إيمانك مثل إيمان أبي بكر وعمر ولهما أعمال عظيمة؟ قال: إن الإيمان هو: التصديق، والأعمال شيء آخر، وأنا مصدق وأبو بكر مصدق، ففتح المرجئة باباً للقول: بأن إيمان أهل السماء وإيمان أهل الأرض واحد! ومنها: أنهم خالفوا نصوص الكتاب والسنة لفظاً، وإن كانوا وافقوهما في المعنى، بخلاف أهل السنة فإنهم وافقوا النصوص لفظاً ومعنى، وتأدبوا مع النصوص، والواجب على المسلم أن يتأدب مع النصوص، ولا يخالفها لا لفظاً ولا معنى، كهؤلاء الذين وافقوا النصوص في المعنى فقالوا: الأعمال مطلوبة، ولكنهم خالفوا النصوص لفظاً، فإن الله تعالى أدخل الأعمال في مسمى الإيمان، فقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال:٢ - ٤]، فأدخل إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وزيادة الإيمان عند تلاوة القرآن ووجل القلب عند ذكر الله والتوكل على الله في مسمى الإيمان. والحياء: عمل قلبي وخلق داخلي يبعث الإنسان على فعل المحامد وترك الرذائل والمذام. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو خالد الأحمر عن ابن عجلان. ح وحدثنا عمرو بن رافع حدثنا جرير عن سهيل جميعاً عن عبد الله بن دينار عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ نحوه. حدثنا سهل بن أبي سهل ومحمد بن عبد الله بن يزيد قالا: حدثنا سفيان عن الزهري عن سالم عن أبيه قال: سمع النبي ﷺ رجلاً يعظ أخاه في الحياء فقال: (إن الحياء شعبة من الإيمان)]. وفي اللفظ الآخر: (دعه فإن الحياء خير كله)، وهذا لفظ مسلم.

стр. 28

شرح حديث: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا سويد بن سعيد حدثنا علي بن مسهر عن الأعمش ح وحدثنا علي بن ميمون الرقي حدثنا سعيد بن مسلمة عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من خردل من كبر، ولا يدخل النار من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان)]. الحديث أخرجه مسلم بمعناه، وهذا فيه: وعيد شديد للمتكبر، وفيه: أن الكبر من كبائر الذنوب، والكبر كما جاء تفسيره في الحديث الآخر: (بطر الحق وغمط الناس)، وبطر الحق: رده، وغمط الناس: احتقارهم، وهذا هو الكبر، وهو من الكبائر، فإن كان الكبر تكبراً عن التوحيد والإيمان صار مخرجاً من الملة، وإن كان الحق الذي رده دون التوحيد والإيمان فيكون مرتكباً لكبيرة، فيكون الكبر كفراً أكبر إذا رد التوحيد والإيمان، أو كفراً أصغر إذا رد ما هو دون ذلك. وقوله: (ولا يدخل النار من كان في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان) يعني: لا يدخلها دخول خلود، ولكن قد يدخلها دخولاً مؤقتاً، كما إذا مات على المعاصي مصراً عليها ولم يعف الله عنه؛ لأن النصوص تضم بعضها إلى بعض، وقد دلت النصوص على أن من ارتكب الكبائر فهو متوعد بالنار، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء:١٠]، فإذا دخل النار فإنه لا يخلد فيها، وإنما يطهر فيها بقدر معاصيه ثم يخرج منها بشفاعة الشافعين، أو برحمة أرحم الراحمين، وقد يعفو الله عنه، فهو تحت المشيئة، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨].

стр. 29

شرح حديث: (إذا خلّص الله المؤمنين) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن يحيى حدثنا عبد الرزاق أنبأنا معمر عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا خلّص الله المؤمنين من النار وأمنوا فما مجادلة أحدكم لصاحبه في الحق يكون له في الدنيا أشد مجادلة من المؤمنين لربهم في إخوانهم الذين أدخلوا النار. قال: يقولون: ربنا إخواننا كانوا يصلون معنا ويصومون معنا ويحجون معنا فأدخلتهم النار؟ فيقول: اذهبوا فأخرجوا من عرفتم منهم. فيأتونهم فيعرفونهم بصورهم، لا تأكل النار صورهم، فمنهم من أخذته النار إلى أنصاف ساقيه، ومنهم من أخذته إلى كعبيه، فيخرجونهم فيقولون: ربنا أخرجنا من قد أمرتنا. ثم يقول: أخرجوا من كان في قلبه وزن دينار من الإيمان، ثم من كان في قلبه وزن نصف دينار، ثم من كان في قلبه مثقال حبة من خردل). قال أبو سعيد: فمن لم يصدق هذا فليقرأ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٤٠]]. هذا الحديث أخرجه البخاري بمعناه في حديث طويل، وأخرجه مسلم وأحمد والنسائي في كتاب الإيمان. فـ البخاري أخرجه بمعناه في آخر حديث الشفاعة الطويل وهو: أن المؤمنين يوم القيامة يشفعون لإخوانهم الموحدين العصاة الذين دخلوا النار، وأنهم يسألون الله ويلحون عليه في السؤال، كما أن الإنسان إذا كان له حق في الدنيا يجادل حتى يأخذ حقه، وهذا معنى قوله ﷺ : (فما مجادلة أحدكم لصاحبه في الحق يكون له في الدنيا أشد مجادلة من المؤمنين لربهم في إخوانهم الذين أدخلوا النار) يعني: سؤالهم الله لا يقل عن مجادلة الإنسان في أخذ حقه في الدنيا، (يقولون: ربنا إخواننا كانوا يصلون معنا، ويصومون معنا، ويحجون معنا)، فيشفعهم الله فيهم، ويجعل الله لهم علامة يعرفونهم بها، والشفاعة لابد فيها من شرطين: الأول: إذن الله للشافع، فلا يشفع إلا بعد الإذن، وهذه المجادلة تكون بعد الإذن، وكذلك الشفاعة، والشرط الثاني: أن يكون ممن رضي الله أن يشفع له. ونبينا ﷺ الذي هو أشرف الخلق وأوجه الناس عند الله لا يبدأ بالشفاعة إلا بعد الإذن، ففي الحديث: أنه يأتي ويسجد تحت العرش فيحمد الله ويلهمه بمحامد يفتحها عليه في ذلك الموقف، (فيقول الله: يا محمد! ارفع رأسك، وسل تعطه، واشفع تشفع -وهذا هو الإذن- فيقول: يا رب! وعدتني بالشفاعة، فشفعني في أن تقضي بين خلقك، فيقول الله: شفعتك، اذهب فأنا آتي فأقضي بينكم، قال النبي ﷺ : ثم أذهب فأقف مع الناس)، وهذا في الشفاعة العظمى، وهؤلاء المؤمنون إذا أذن الله لهم أن يشفعوا في إخوانهم جعل لهم علامة يعرفونهم بها، فيقول: اذهبوا فأخرجوهم من النار، فيعرفونهم بصورهم، يعني: وجوههم، والصورة تطلق على الوجه، وتطلق على الجسم، ولهذا لابد في إزالة الصورة من إزالة الوجه والرأس، وأما إزالة الكفين فقط فلا يكفي، فإذا أزيل الرأس والوجه زال المحظور، سواء كان مجسماً أو غير مجسم، وأما إذا بقي الرأس فقد بقي المحظور ولو أزيل الجسد كله، ويعتبر صورة، فقد جاء في الحديث: (يعرفونهم بصورهم) يعني: بوجوههم، وقال: (لا تأكل النار وجوههم)، فالنار لا تأكل من وجوه العصاة محل السجود، بخلاف الكفرة فإن النار تغمره من جميع جهاته، ويعرفونهم أيضاً بأن منهم من تأخذه النار إلى ساقيه، ومنهم إلى حقويه، ومنهم إلى كذا، على حسب المعاصي، بخلاف الكفرة فإن النار تغمرهم من جميع الجهات والعياذ بالله، قال تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [الأعراف:٤١]، فوجوههم وغيرها سواء؛ لأنهم لم يسجدوا لله. وهذا الحديث من الأدلة على كفر تارك الصلاة، فالذي يصلي مؤمن؛ ولا تأكل النار وجهه؛ لأنه محل السجود، والذي لا يصلي تأكل النار وجهه؛ لأنه كافر والعياذ بالله. ولا يكفي في إزالة الصورة وضع خط على الحلق كما يفعل بعض الناس، بل لا بد من قطع الرأس والوجه كاملين، ولا يكفي أيضاً إزالة العينين والأنف والفم والأذن، بل لا بد من إزالة الرأس والوجه كاملين. وقوله: (فيقولون: ربنا أخرجنا من قد أمرتنا، ثم يقول: أخرجوا من كان في قلبه وزن دينار من الإيمان، ثم من كان في قلبه وزن نصف دينار، ثم من كان في قلبه مثقال حبة من خردل)، وهذه الشفاعة للعصاة مشتركة بين النبي ﷺ وغيره، فالنبي ﷺ يشفع وفي كل مرة يحد الله له حداً، والأنبياء يشفعون، والملائكة يشفعون، والمؤمنون يشفعون، وتبقى بقية لا تنالهم الشفاعة فيخرجهم رب العالمين برحمته، ويقول: (شفعت الملائكة وشفع النبيون ولم يبق إلا رحمة أرحم الراحمين، فيخرج قوماً من النار لم يعلموا خيراً قط).

стр. 30

شرح حديث: (فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا علي بن محمد حدثنا وكيع حدثنا حماد بن نجيح -وكان ثقة- عن أبي عمران الجوني عن جندب بن عبد الله قال: (كنا مع النبي ﷺ ونحن فتيان حزاورة، فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، ثم تعلمنا القرآن فازددنا به إيماناً)]. حزاورة يعني: فتياناً أشداء أقوياء، وقوله: (تعلمنا الإيمان) يعني: الشهادتين، قال في الزوائد: إسناد هذا الحديث صحيح، رجاله ثقات. ويشهد لهذا قول ابن مسعود ﵁: (كنا إذا تعلمنا من النبي ﷺ عشر آيات لم نجاوزها حتى نتعلم معانيها والعمل بها)، وهذا بعد الإيمان وبعد الشهادتين، فالإيمان هو: أصل الدين وأساس الملة.

стр. 31

شرح حديث: (صنفان من هذه الأمة) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا علي بن محمد حدثنا محمد بن فضيل حدثنا علي بن نزار عن أبيه عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (صنفان من هذه الأمة ليس لهما نصيب في الإسلام: المرجئة والقدرية)]. هذا الحديث ضعيف، فيه محمد بن فضيل صدوق من العاشرة، وفيه: علي بن نزار بن حيان الأسدي ضعيف، وفي المغني والديوان قال: إن علياً ليس بحل، وفي التقريب: ضعيف. والمقصود: أن هذا الحديث ضعيف، وكل الأحاديث التي في المرجئة والقدرية ضعيفة، وإنما تصح موقوفة على الصحابة، فوقفها على الصحابة أصح، وأما رفعها إلى النبي ﷺ فهي بأسانيد ضعيفة. والمرجئة هم: الذين يرجئون الأعمال، يعني: يؤخرونها ولا يدخلونها في مسمى الإيمان. والقدرية هم: الذين ينفون القدر، ويقولون: إن الله لم يقدر أعمال العباد، ولا شك أنهم مبتدعة، وهذا الحديث لا بأس به موقوفاً، وأما مرفوعاً فلا يصح. وكل الأحاديث المرفوعة في القدرية ضعيفة، وأما وقفها على الصحابة فصحيح، وهي نحو عشرة أحاديث. وهذا الحديث قد أخرجه الترمذي بهذا الطريق وطريق آخر، وقال: حسن غريب، ولكنه ليس بحسن، وإنما هو حديث ضعيف.

стр. 32

شرح حديث جبريل في بيان مراتب الدين قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا علي بن محمد حدثنا وكيع عن كهمس بن الحسن عن عبد الله بن بريدة عن يحيى بن يعمر عن ابن عمر عن عمر قال: (كنا جلوساً عند النبي ﷺ فجاء رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد شعر الرأس، لا يرى عليه أثر سفر، ولا يعرفه منا أحد، قال: فجلس إلى النبي ﷺ فأسند ركبته إلى ركبته، ووضع يديه على فخذيه، ثم قال: يا محمد! ما الإسلام؟ قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت. فقال: صدقت. فعجبنا منه يسأله ويصدقه! ثم قال: يا محمد! ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته ورسله وكتبه واليوم الآخر والقدر خيره وشره. قال: صدقت. فعجبنا منه يسأله ويصدقه! ثم قال: يا محمد! ما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإنك إن لا تراه فإنه يراك. قال: فمتى الساعة؟ قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل. قال: فما أمارتها؟ قال: أن تلد الأمة ربتها، - قال وكيع: يعني: تلد العجم العرب- وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البناء. قال: ثم قال: فلقيني النبي ﷺ بعد ثلاث، فقال: أتدري من الرجل؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: ذاك جبريل أتاكم يعلمكم معالم دينكم)]. هذا الحديث أخرجه مسلم مطولاً، وأخرجه البخاري من حديث عمر، وأخرجه البخاري مختصراً من حديث أبي هريرة ﵁، وهو حديث عظيم اشتمل على مراتب الدين، ودل على أن الدين له مراتب ثلاث: هي الإسلام والإيمان والإحسان، فالإسلام له أركان ظاهرة مثل: الشهادتين والصلاة والزكاة والصيام والحج، والإيمان له أركان باطنة وهو: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، ولابد من اجتماعهما ظاهراً وباطناً، فمن أتى بأركان الإسلام الظاهرة والباطنة فهو مؤمن باطناً وظاهراً، ومن أتى بأركان الإسلام الظاهرة ولم يأت بأركان الإيمان الباطنة فهو منافق في الدرك الأسفل من النار، فمن نطق بالشهادتين ظاهراً وصلى وصام وزكى وحج ولم يؤمن في الباطن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر فهو منافق في الدرك الأسفل من النار، ومن ادعى أنه مؤمن في الباطن بالله وملائكته وكتبه ورسله وامتنع عن النطق بالشهادتين، وعن الصلاة والزكاة والصوم والحج، فليس بصادق؛ لأنه لم يتحقق إيمانه؛ لأنه لابد للإيمان الباطن من عمل ظاهر يتحقق به، وإلا صار كإيمان إبليس وفرعون، فلا بد من انقياد في الظاهر، وعمل يتحقق به، وإلا صار كإيمان إبليس وفرعون. كما أن الإسلام الظاهر الشهادتين والصلاة والزكاة والصوم والحج لابد له من إيمان في الباطن يصححه، وإلا صار كإسلام المنافقين، فالمنافقون ينطقون بالشهادتين ويصلون ويحجون ويجاهدون، ولكنهم ليس عندهم إيمان في الباطن يصحح هذا الإسلام، فصاروا في الدرك الأسفل من النار والعياذ بالله، قال سبحانه: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون:١]، وقال سبحانه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٨]، فلابد من الأمرين جميعاً. وركن الإحسان هو: أن يعبد الله على المشاهدة، وله مرتبتان: المرتبة الأولى: (أن تعبد الله كأنك تراه)، فإن ضعف عن هذه المرتبة انتقل إلى المرتبة الثانية: (فإن لم تكن تراه فإنه يراك)، ولهذا قال في نهاية الحديث: (أتاكم يعلمكم معالم دينكم) يعني: دلائله، وفي لفظ آخر: (أتاكم يعلمكم أمر دينكم)، وفي لفظ: (يعلمكم دينكم) فجعل الدين مراتب ثلاث: إسلام وإيمان وإحسان. ولما سأله عن الساعة قال: (ما المسئول عنها بأعلم من السائل) يعني: علم السائل وعلم المسئول سواء؛ لأن هذا من اختصاص الله ، قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأعراف:١٨٧]، وقال في الآية الأخرى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا * فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا﴾ [النازعات:٤٢ - ٤٣]، وقال في آية ثالثة: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ [الأحزاب:٦٣]. ثم سأل عن الأمارات فذكر له أمارتان، قال: (أن تلد الأمة ربتها)، وقد فسرها الراوي بأن تلد العجم العرب، يعني: أن يكثر التسري، فيتسرى الملوك وغيرهم العجميات الموالي فيلدن العرب، فيكون المولود عربياً؛ لأن أباه عربي وأمه أعجمية، وفي رواية أخرى: (أن تلد الأمة ربها) يعني: سيدها، وفي لفظ آخر: (تلد الأمة ربتها) أي: سيدتها؛ لأن المالك إذا تسرى بالأمة وجاءت بولد صار سيداً على أمه؛ لأنه ولد المالك، وولد المالك سيد على أمه وعلى غيرها، وكذلك الأمة تلد ربتها، أي: بنت المالك، فتكون سيدة على أمها وعلى غيرها، فتلد الأمة سيدتها، أو تلد سيدها، فهذا من أشراط الساعة، أن يكثر التسري. وكذلك من علامتها: (التطاول في البنيان)، وهناك علامات أخرى كثيرة لم تذكر في هذا الحديث، فأشراط الساعة كثيرة، منها صغيرة ومنها كبيرة، وهي التي تعقبها الساعة مباشرة، وهذه تأتي في آخر الزمان، وأولها المهدي ثم الدجال ثم نزول عيسى بن مريم ثم خروج يأجوج ومأجوج، فهذه أربعة متوالية مرتبة، ثم تتابع الأشراط: كالدخان وهدم الكعبة ونزع القرآن من الصحف ومن الصدور -والعياذ بالله- ثم طلوع الشمس من مغربها ثم خروج الدابة ثم آخرها نار تخرج من قعر عدن تسوق الناس إلى المحشر، تبيت معهم إذا باتوا وتقيل معهم إذا قالوا، ومن تخلف أكلته. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا إسماعيل بن علية عن أبي حيان عن أبي زرعة عن أبي هريرة ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يوماً بارزاً للناس فأتاه رجل فقال: يا رسول الله! ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ولقائه وتؤمن بالبعث الآخر. قال: يا رسول الله! ما الإسلام؟ قال: أن تعبد الله ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان. قال: يا رسول الله! ما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإنك إن لا تراه فإنه يراك. قال: يا رسول الله! متى الساعة؟ قال: ما المسئول بأعلم من السائل، ولكن سأحدثك عن أشراطها: إذا ولدت الأمة ربتها فذلك من أشراطها، وإذا تطاول رعاء الغنم في البنيان فذلك من أشراطها، في خمس لا يعلمهن إلا الله، فتلا رسول الله ﷺ : ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان:٣٤])]. وهذا هو الحديث السابق جاء بألفاظ أخرى، وفيه بيان مفاتيح الغيب الخمسة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان:٣٤]، وقد أخرجه البخاري ومسلم. وقوله في أحد ألفاظ الحديث: (أن تلد الأمة ربها) فسرها بعضهم: بأن تكثر السرائر وتتداول حتى يشتري الرجل أمه ويتسراها وهو لا يعرف أنها أمه. ولا يجوز للإنسان الحر أن يتزوج الأمة إلا بالشروط التي ذكرها الله في كتابه: بألا يستطيع مهر الحرة، ويخاف على نفسه الزنا، فمن وُجد هذان الشرطان فيه جاز له أن يتزوج الأمة، ومع ذلك قال الله: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [النساء:٢٥] أي: إن الصبر أفضل، فإذا تزوج الأمة صار أولادها أرقاء تبعاً لأمهم، إلا إذا اشترط على السيد أن يكون أولاده أحراراً وقبل السيد، صاروا أحراراً وإلا كانوا أرقاء لسيد الأمة، وأما النسب فإنهم ينسبون لأبيهم، فلا يجوز الزواج بالأمة إلا بهذين الشرطين، قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ [النساء:٢٥] يعني: مهراً ﴿أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء:٢٥] أي: الإماء، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أهْلِهِنَّ﴾ [النساء:٢٥] أسيادهن، قال تعالى: ﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾ [النساء:٢٥] ولابد من هذا القيد وهي أن تكون محصنة، قال تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٢٥]، وهذا الشرط الثاني وهو خشية العنت، يعني: أن يخاف على نفسه من الزنا، وليس عنده مهر الحرة، قال تعالى: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [النساء:٢٥]. والبعث الآخر المذكور في الحدي

стр. 33

شرح حديث: (الإيمان معرفة بالقلب) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا سهل بن أبي سهل ومحمد بن إسماعيل قالا: حدثنا عبد السلام بن صالح أبو الصلت الهروي حدثنا علي بن موسى الرضا عن أبيه عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي بن الحسين عن أبيه عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله ﷺ : (الإيمان معرفة بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالأركان)، قال أبو الصلت: لو قرئ هذا الإسناد على مجنون لبرئ]. هذا الحديث ضعيف، وقال بعضهم: إنه موضوع، فإن أبا الصلت هذا ليس بشيء، وهو أحد الروافض الضعفاء الكذابين، قال الدارقطني بعد أن ساق هذا الحديث: وهو متهم بوضعه، لم يحدث به إلا من سرقه منه، فالحديث باطل. وقوله: لو قرئ على مجنون لبرئ، يعني: أنهم سلسلة كلهم من آل البيت. وهذا الحديث ليس ذكراً ولا دعاءً حتى يقرأ على المجنون، ولكن هذا من كلام أبي الصلت. والحديث معروف في كتب الموضوعات ذكره ابن الجوزي وغيره، فمن العجب كيف يكتب ابن ماجة ﵀ مثل هذا الحديث وأمثاله! وقوله: الإيمان قول باللسان وتصديق بالقلب وعمل بالجوارح، ليس بحديث، وإنما هو قول لأهل السنة. قال في الهامش: [قوله أبي الصلت هذا مبالغة لا مسوغ لها، وأبو الصلت رافضي ضعيف خبيث]. وهذا لأنه شيعي رافضي، يقول بالأئمة الاثني عشرية: وقوله: لو قرأ على مجنون لبرئ، من الغلو فيهم. قوله: وأبو الصلت وثقه ابن معين، وقال: ليس ممن يكذب، وقال في الميزان: رجل صالح إلا أنه شيعي، وتابعه علي بن الأعرابي، وقد أخرج له النسائي وابن ماجة، وقال الخطيب: كان غالياً في التشيع، والشيعة يتميزون بالكذب، قال شيخ الإسلام: أكذب الطوائف الشيعة. وقد تساهل المؤلف ﵀ في روايته عن مثل هذا؛ لأنه ذكر السند. وأهل السنة يقولون: الإيمان: معرفة بالقلب وقول باللسان وعمل بالجوارح، وأما رفعه إلى النبي ﷺ فباطل كذب، والشيعي لا تقبل روايته فيما يتعلق بآل البيت، حتى ولو كان صادقاً في أموره العادية؛ لأنه رافضي، والشيعة في الغالب يتبعون المعتزلة، ومذهبهم مذهب المعتزلة في الغالب. وقال ابن الحسن ﵀: كان عبد السلام بن صالح بن سليمان أبو الصلت الهروي -مولى قريش نزل نيسابور- صدوقاً له مناكير، وكان يتشيع، وأفرط العقيلي فقال: كذاباً. وقال في الحاشية: الحديث ليس بصحيح، الحديث باطل بهذا السند، ولكن المعنى صحيح، فالإيمان: معرفة بالقلب وقول باللسان وعمل بالجوارح.

стр. 34

شرح حديث: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن بشار ومحمد بن المثنى قالا: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة قال: سمعت قتادة يحدث عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه -أو قال: لجاره- ما يحب لنفسه)]. هذا الحديث صحيح رواه الشيخان - البخاري ومسلم - رحمهما الله، وهو دليل على وجوب أن يحب كل شخص لأخيه ما يحبه لنفسه من الخير، فقوله: (لا يؤمن أحدكم) يعني: لا يؤمن الإيمان الواجب الذي تبرأ به ذمته (حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)، فإذا كنت تحب لنفسك الخير وأن يرزقك الله، ويوفقك للعلم فأحب لأخيك ذلك، وإذا كنت تحب لنفسك أن يرزقك الله مالاً حلالاً فأحب لأخيك ذلك، وإذا كنت تحب لنفسك أن يرزقك الله زوجة صالحة فأحب هذا لأخيك، ومن لم يحب لأخيه ما يحب لنفسه فإيمانه ناقص ولم يأت بالإيمان الواجب.

стр. 35

شرح حديث: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن بشار ومحمد بن المثنى قالا: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة قال: سمعت قتادة عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين)]. هذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم، ومعنى الحديث: أنه لا يؤمن الإيمان الكامل الواجب الذي تبرأ به ذمته ويستحق به دخول الجنة والنجاة من النار حتى يكون النبي ﷺ أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين، فإن قدم محبة المال أو الولد أو الوالد أو التجارات أو الأموال أو المساكن على محبة الله ورسوله فإنه يكون عاصياً، ولم يأت بالإيمان الواجب، ويكون إيمانه ضعيفاً، بل يكون فاسقاً، فمثلاً: من تعامل بالربا فقد قدم محبته على محبة الله ورسوله، ويكون عاصياً، والإيمان الكامل أن يقدم محبة الله على محبة المال، فلا يتعامل بالربا ولا يأخذ الرشوة، وكذلك لو أمره والده بالمعصية ثم أطاعه فقد قدم محبة الوالد على محبة الله ورسوله، ويكون عاصياً، ولهذا توعد الله من قدم شيئاً من الأصناف الثمانية على محبة الله ورسوله في قوله سبحانه: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة:٢٤]، يعني انتظروا ما يحل بكم من عقوبة الله، ﴿فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة:٢٤] وهذا تهديد، ثم قال: ﴿وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة:٢٤]، فدل على أن هذا من الفسق ومن الخروج عن الطاعة. وقد ثبت أن عمر قال للنبي ﷺ : (يا رسول الله! إنك أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي. فقال له النبي ﷺ : لا تبلغ المحبة حتى أكون أحب إليك من نفسك. فقال عمر: يا رسول الله! الآن أنت أحب إلي من كل شيء حتى من نفسي. فقال: الآن يا عمر!) يعني: الآن بلغت المحبة التامة.

стр. 36

شرح حديث: (والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا وكيع وأبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (والذي نفسي بيده! لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم)]. هذا الحديث صحيح ثابت. رواه مسلم، وهو دليل على فضل السلام، وأنه من أسباب المحبة، والمحبة من أسباب الإيمان، والإيمان من أسباب دخول الجنة؛ ولهذا قال ﷺ : (والذي نفسي بيده) ففيه: إثبات اليد لله ، وهذا قسم من النبي ﷺ : (والذي نفسي بيده) وكان كثيراً ما يحلف بهذا. وقد ثبت أن النبي ﷺ أمر منادياً ينادي في بعض الغزوات: (ألا لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة)، فالجنة حرام على الكافرين، فلا يدخل الجنة إلا مؤمن. والحديث فيه: فضل السلام وإفشائه، وأنه من أسباب المحبة؛ لأنه إذا لقي المسلم أخاه وأعرض كل منهما عن الآخر وقع الاختلاف في القلوب، وهذا من أسباب الشحناء والعداوة والبغضاء والإعراض، والسلام لاشك أنه يقرب بين المسلمين ويؤلف بين قلوبهم، ويكون سبباً في جلب المودة والمحبة، فينبغي إفشاء السلام على كل شخص عرفته أو لم تعرفه، وبعض الناس لا يسلم إلى على من يعرفه وهذا غلط، فالسنة إفشاء السلام على كل من لقيته، إلا إذا عرفت أنه غير مسلم فلا تبدأه بالسلام؛ وهذا قول النبي ﷺ : (لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه)، وإذا سلم عليك فرد ﵇ ولو كان كافراً، وقل: وعليكم، فقط، ولا تكملها، فقد كان اليهود يسلمون على النبي ﷺ فيرد عليهم ويقول: (وعليكم)، وكانوا يقولون: السام عليك، ويحذفون اللام، يعنون: الموت، وقد ثبت أن اليهود جاءوا إلى النبي ﷺ مرة وقالوا: (السام عليك، فقال: وعليكم، -ففطنت عائشة من وراء الحجاب- فقالت: وعليكم السام واللعنة. فقال لها النبي ﷺ : يا عائشة! إن الله يبغض الفحش والتفحش. فقالت: يا رسول الله! أما سمعت ما قالوا؟ قال: أما سمعت ما قلت؟ قلت: وعليكم، فرديت عليهم تحيتهم، فإنها تقبل منا ولا تقبل منهم) فرد عليهم تحيتهم خيراً أو شراً، من دون فحش. على أن كل كافر لا ينبغي أن يسلم المسلم عليه إذا عرف أنه كافر، سواء كان رافضياً أو غير رافضي، فإذا لم يعرف فالأصل السلام إذا كان في بلاد الإسلام. لما جاء الشيطان بالشهاب يريد أن يحرق وجهه ﷺ قال: (ألعنك بلعنة الله) وشيطان الإنس لابد معه من المصانعة، أما الشيطان الجني فلا يفيد فيه إلا الاستعاذة بالله واللعنة كقوله ﷺ : (ألعنك بلعنة الله)، وقد بين الله كيفية التعامل مع الإنسي فقال: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت:٣٤] فدلت على مصانعة العدو من الإنس، والإحسان إليه، وإسداء الكلام الطيب إليه، أما الشيطان فلا يكفيه إلا الاستعاذة منه، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [الأعراف:٢٠٠] أي: تقول: أعوذ بالله من الشيطان، ولهذا قال ﷺ : (ألعنك بلعنة الله) وقد لعنه الله فقال: ﴿شَيْطَانًا مَرِيدًا * لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ [النساء:١١٧ - ١١٨]، ولأنه اعتدى، وأتى بشهاب يريد أن يحرقه. واللعن لا يكون إلا على العموم، أما المعين فلا يلعن، ولذا جاءت النصوص بلعن أصناف عامة: (لعن الله السارق)، (لعن الله شارب الخمر)، (لعن الله آكل الربا) وهذا عموم، أما لعن المعين فلا، ولو كانت امرأة متبرجة فلا تلعنها، بل قل على العموم: لعن الله المتبرجات، ولهذا نهى النبي ﷺ عن لعن شارب الخمر، وهو القائل: (لعن الله في الخمر عشرة: شاربها). ولما جيء برجل يشرب الخمر، وأقيم عليه الحد، فقال رجل: لعنه الله، أو أخزاه الله ما أكثر ما يؤتى به، فقال النبي: (لا تلعنه، فإنه يحب الله ورسوله)، فالمعين لا يلعن؛ لأنه لا يدرى حاله، فقد يكون المعين ما بلغه النص، وقد يتوب، وقد يعفو الله عنه، وقد يكون ممن غفر الله له، ولهذا قال النبي ﷺ : (لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده)، ولعن آكل الربا، ولعن شارب الخمر، كل ذلك على العموم. وإذا عرفت أنه يكفر الصحابة، ويعبد آل البيت، فهو من المنافقين.

стр. 37

شرح حديث: (سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير حدثنا عفان حدثنا شعبة عن الأعمش ح وحدثنا هشام بن عمار حدثنا عيسى بن يونس حدثنا الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)]. هذا الحديث أخرجه الشيخان، وفيه التحذير من سب المسلم وقتاله، فقوله: (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر) يدل على أن القتال بين المسلمين من الأعمال الكفرية، لكنه كفر أصغر، مثل قوله ﵊: (اثنتان في الناس هما بهم كفر، الطعن في النسب، والنياحة على الميت)، وقوله: (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض). ويدل أيضاً على أن السباب من الفسق، وفيه تحذير من سباب المسلمين. والشاهد من هذا الحديث في باب الإيمان: أن سباب المسلم وقتاله يضعف الإيمان وينقصه، على أن الفاسق ابتداء ناقص الإيمان، وكذلك المتقاتلون فيما بينهم من المسلمين لا يعملون ذلك إلا بسبب ما حل بهم من نقص في الإيمان، وضعف فيه.

стр. 38

شرح حديث: (من فارق الدنيا على الإخلاص لله وحده) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثني نصر بن علي الجهضمي حدثنا أبو أحمد حدثنا أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من فارق الدنيا على الإخلاص لله وحده وعبادته لا شريك له، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، مات والله عنه راض)، قال أنس: وهو دين الله الذي جاءت به الرسل وبلغوه عن ربهم، قبل هرج الأحاديث واختلاف الأهواء، وتصديق ذلك في كتاب الله في آخر ما نزل، يقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا﴾ [التوبة:٥] قال: خلع الأوثان وعبادتها ﴿وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ [التوبة:٥] وقال في آية أخرى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة:١١]. حدثنا أبو حاتم حدثنا عبيد الله بن موسى العبسي حدثنا أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس مثله]. الحديث فيه الربيع بن أنس وهو ضعيف ليس بشيء، لكن معناه صحيح، فمن فارق الدنيا على الإخلاص، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ولم يعمل ناقض من نواقض الإسلام، ولم يقصر في أداء الواجبات وترك المحرمات، فهو من الموحدين. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة:٥] أي: تابوا من الشرك، وقوله في الآية الأخرى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة:١١] أثبت لهم فيها الأخوة بالتوبة من الشرك، وتحقيق التوحيد، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة. وبذلك علم أن معناه صحيح، فمن فارق الدنيا على التوحيد والإخلاص، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، ولم يفعل ناقضاً من نواقض الإسلام، ولم يصر على كبيرة، يدخل الجنة من أول وهلة. أما إن مات على التوحيد، ولم يفعل ناقضاً من نواقض الإسلام، لكنه أصر على الكبائر، ومات عليها من غير توبة، فإنه على خطر، فقد يعذب في قبره، وقد تصيبه الأهوال والشدائد في موقف يوم القيامة، وقد يعذب في النار، ولكن في النهاية يخرج منها إلى الجنة والكرامة.

стр. 39

شرح حديث: (أمرت أن أقاتل الناس) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أحمد بن الأزهر حدثنا أبو النضر حدثنا أبو جعفر عن يونس عن الحسن عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة)]. هذا الحديث رواه الشيخان من غير هذا الطريق، أما هذا الإسناد فإنه ضعيف، بسبب الانقطاع فـ الحسن لم يسمع من أبي هريرة. وفيه أن النبي ﷺ مأمور بقتال الناس حتى يوحدوا الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، وفيه أن من وحد الله وأقام الصلاة وآتى الزكاة فهو المؤمن، ومن لم يوحد فليس بمؤمن، والمسلمون مأمورون بقتاله. قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أحمد بن الأزهر حدثنا محمد بن يوسف حدثنا عبد الحميد بن بهرام عن شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة)]. والإسناد فيه شهر بن حوشب، وقد تكلموا فيه، قال عن الحديث في الزوائد: إسناده حسن، والمعنى لأنه رواه الشيخان من حديث عمر، وإلا فإسناده ضعيف، فإن شهر بن حوشب الأشعري ضعيف يعتبر به كما حققناه في تعقباتنا على تقريب التهذيب للحافظ ابن حجر. وقال البوصيري بحسن ظنه في شهر بن حوشب والله أعلم: هذا إسناد حسن، رواه الدارقطني في سننه. فبعضهم حسنه وقال: حسن صدوق، وبعضهم قال أقل من ذلك: لين، لكن معناه صحيح، فإنه ثابت في الصحيحين.

стр. 40

شرح حديث: (صنفان من أمتي ليس لهما في الإسلام نصيب) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن إسماعيل الرازي، أنبأنا يونس بن محمد، حدثنا عبد الله بن محمد الليثي حدثنا نزار بن حيان عن عكرمة عن ابن عباس وعن جابر بن عبد الله ﵃ قالا: قال رسول الله ﷺ : (صنفان من أمتي ليس لهما في الإسلام نصيب، أهل الإرجاء وأهل القدر)]. هذا ضعيف، وكذلك الأحاديث التي في القدرية كلها ضعيفة، ولا تصح مرفوعة. قال البوصيري: هذا إسناد ضعيف، نزار بن حيان الأسدي قال ابن حبان في كتاب الضعفاء: يأتي عن عكرمة بما ليس من حديثه! حتى يصدق القلب أنه متعمد؛ لذلك لا يجوز الاحتجاج به بحال، وعبد الله بن محمد الليثي مجهول قاله الذهبي. أما المرجئة ففيهم تفصيل، فالمرجئة الغلاة الجهمية لا شك أنه ليس لهم في الإسلام نصيب، أما مرجئة الفقهاء فلا خلاف في إسلامهم، وكذا القدرية فيهم تفصيل أيضاً، منهم الجبرية وغيرهم.
следующие страницы →