Полный текст (268 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
شرح حديث: (والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا وكيع وأبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (والذي نفسي بيده! لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم)].
هذا الحديث صحيح ثابت.
رواه مسلم، وهو دليل على فضل السلام، وأنه من أسباب المحبة، والمحبة من أسباب الإيمان، والإيمان من أسباب دخول الجنة؛ ولهذا قال ﷺ : (والذي نفسي بيده) ففيه: إثبات اليد لله ، وهذا قسم من النبي ﷺ : (والذي نفسي بيده) وكان كثيراً ما يحلف بهذا.
وقد ثبت أن النبي ﷺ أمر منادياً ينادي في بعض الغزوات: (ألا لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة)، فالجنة حرام على الكافرين، فلا يدخل الجنة إلا مؤمن.
والحديث فيه: فضل السلام وإفشائه، وأنه من أسباب المحبة؛ لأنه إذا لقي المسلم أخاه وأعرض كل منهما عن الآخر وقع الاختلاف في القلوب، وهذا من أسباب الشحناء والعداوة والبغضاء والإعراض، والسلام لاشك أنه يقرب بين المسلمين ويؤلف بين قلوبهم، ويكون سبباً في جلب المودة والمحبة، فينبغي إفشاء السلام على كل شخص عرفته أو لم تعرفه، وبعض الناس لا يسلم إلى على من يعرفه وهذا غلط، فالسنة إفشاء السلام على كل من لقيته، إلا إذا عرفت أنه غير مسلم فلا تبدأه بالسلام؛ وهذا قول النبي ﷺ : (لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه)، وإذا سلم عليك فرد ﵇ ولو كان كافراً، وقل: وعليكم، فقط، ولا تكملها، فقد كان اليهود يسلمون على النبي ﷺ فيرد عليهم ويقول: (وعليكم)، وكانوا يقولون: السام عليك، ويحذفون اللام، يعنون: الموت، وقد ثبت أن اليهود جاءوا إلى النبي ﷺ مرة وقالوا: (السام عليك، فقال: وعليكم، -ففطنت عائشة من وراء الحجاب- فقالت: وعليكم السام واللعنة.
فقال لها النبي ﷺ : يا عائشة! إن الله يبغض الفحش والتفحش.
فقالت: يا رسول الله! أما سمعت ما قالوا؟ قال: أما سمعت ما قلت؟ قلت: وعليكم، فرديت عليهم تحيتهم، فإنها تقبل منا ولا تقبل منهم) فرد عليهم تحيتهم خيراً أو شراً، من دون فحش.
على أن كل كافر لا ينبغي أن يسلم المسلم عليه إذا عرف أنه كافر، سواء كان رافضياً أو غير رافضي، فإذا لم يعرف فالأصل السلام إذا كان في بلاد الإسلام.
لما جاء الشيطان بالشهاب يريد أن يحرق وجهه ﷺ قال: (ألعنك بلعنة الله) وشيطان الإنس لابد معه من المصانعة، أما الشيطان الجني فلا يفيد فيه إلا الاستعاذة بالله واللعنة كقوله ﷺ : (ألعنك بلعنة الله)، وقد بين الله كيفية التعامل مع الإنسي فقال: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت:٣٤] فدلت على مصانعة العدو من الإنس، والإحسان إليه، وإسداء الكلام الطيب إليه، أما الشيطان فلا يكفيه إلا الاستعاذة منه، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [الأعراف:٢٠٠] أي: تقول: أعوذ بالله من الشيطان، ولهذا قال ﷺ : (ألعنك بلعنة الله) وقد لعنه الله فقال: ﴿شَيْطَانًا مَرِيدًا * لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ [النساء:١١٧ - ١١٨]، ولأنه اعتدى، وأتى بشهاب يريد أن يحرقه.
واللعن لا يكون إلا على العموم، أما المعين فلا يلعن، ولذا جاءت النصوص بلعن أصناف عامة: (لعن الله السارق)، (لعن الله شارب الخمر)، (لعن الله آكل الربا) وهذا عموم، أما لعن المعين فلا، ولو كانت امرأة متبرجة فلا تلعنها، بل قل على العموم: لعن الله المتبرجات، ولهذا نهى النبي ﷺ عن لعن شارب الخمر، وهو القائل: (لعن الله في الخمر عشرة: شاربها).
ولما جيء برجل يشرب الخمر، وأقيم عليه الحد، فقال رجل: لعنه الله، أو أخزاه الله ما أكثر ما يؤتى به، فقال النبي: (لا تلعنه، فإنه يحب الله ورسوله)، فالمعين لا يلعن؛ لأنه لا يدرى حاله، فقد يكون المعين ما بلغه النص، وقد يتوب، وقد يعفو الله عنه، وقد يكون ممن غفر الله له، ولهذا قال النبي ﷺ : (لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده)، ولعن آكل الربا، ولعن شارب الخمر، كل ذلك على العموم.
وإذا عرفت أنه يكفر الصحابة، ويعبد آل البيت، فهو من المنافقين.
стр. 37
شرح حديث: (سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير حدثنا عفان حدثنا شعبة عن الأعمش ح وحدثنا هشام بن عمار حدثنا عيسى بن يونس حدثنا الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)].
هذا الحديث أخرجه الشيخان، وفيه التحذير من سب المسلم وقتاله، فقوله: (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر) يدل على أن القتال بين المسلمين من الأعمال الكفرية، لكنه كفر أصغر، مثل قوله ﵊: (اثنتان في الناس هما بهم كفر، الطعن في النسب، والنياحة على الميت)، وقوله: (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض).
ويدل أيضاً على أن السباب من الفسق، وفيه تحذير من سباب المسلمين.
والشاهد من هذا الحديث في باب الإيمان: أن سباب المسلم وقتاله يضعف الإيمان وينقصه، على أن الفاسق ابتداء ناقص الإيمان، وكذلك المتقاتلون فيما بينهم من المسلمين لا يعملون ذلك إلا بسبب ما حل بهم من نقص في الإيمان، وضعف فيه.
стр. 38
شرح حديث: (من فارق الدنيا على الإخلاص لله وحده)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثني نصر بن علي الجهضمي حدثنا أبو أحمد حدثنا أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من فارق الدنيا على الإخلاص لله وحده وعبادته لا شريك له، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، مات والله عنه راض)، قال أنس: وهو دين الله الذي جاءت به الرسل وبلغوه عن ربهم، قبل هرج الأحاديث واختلاف الأهواء، وتصديق ذلك في كتاب الله في آخر ما نزل، يقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا﴾ [التوبة:٥] قال: خلع الأوثان وعبادتها ﴿وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ [التوبة:٥] وقال في آية أخرى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة:١١].
حدثنا أبو حاتم حدثنا عبيد الله بن موسى العبسي حدثنا أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس مثله].
الحديث فيه الربيع بن أنس وهو ضعيف ليس بشيء، لكن معناه صحيح، فمن فارق الدنيا على الإخلاص، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ولم يعمل ناقض من نواقض الإسلام، ولم يقصر في أداء الواجبات وترك المحرمات، فهو من الموحدين.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة:٥] أي: تابوا من الشرك، وقوله في الآية الأخرى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة:١١] أثبت لهم فيها الأخوة بالتوبة من الشرك، وتحقيق التوحيد، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة.
وبذلك علم أن معناه صحيح، فمن فارق الدنيا على التوحيد والإخلاص، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، ولم يفعل ناقضاً من نواقض الإسلام، ولم يصر على كبيرة، يدخل الجنة من أول وهلة.
أما إن مات على التوحيد، ولم يفعل ناقضاً من نواقض الإسلام، لكنه أصر على الكبائر، ومات عليها من غير توبة، فإنه على خطر، فقد يعذب في قبره، وقد تصيبه الأهوال والشدائد في موقف يوم القيامة، وقد يعذب في النار، ولكن في النهاية يخرج منها إلى الجنة والكرامة.
стр. 39
شرح حديث: (أمرت أن أقاتل الناس)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أحمد بن الأزهر حدثنا أبو النضر حدثنا أبو جعفر عن يونس عن الحسن عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة)].
هذا الحديث رواه الشيخان من غير هذا الطريق، أما هذا الإسناد فإنه ضعيف، بسبب الانقطاع فـ الحسن لم يسمع من أبي هريرة.
وفيه أن النبي ﷺ مأمور بقتال الناس حتى يوحدوا الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، وفيه أن من وحد الله وأقام الصلاة وآتى الزكاة فهو المؤمن، ومن لم يوحد فليس بمؤمن، والمسلمون مأمورون بقتاله.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أحمد بن الأزهر حدثنا محمد بن يوسف حدثنا عبد الحميد بن بهرام عن شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة)].
والإسناد فيه شهر بن حوشب، وقد تكلموا فيه، قال عن الحديث في الزوائد: إسناده حسن، والمعنى لأنه رواه الشيخان من حديث عمر، وإلا فإسناده ضعيف، فإن شهر بن حوشب الأشعري ضعيف يعتبر به كما حققناه في تعقباتنا على تقريب التهذيب للحافظ ابن حجر.
وقال البوصيري بحسن ظنه في شهر بن حوشب والله أعلم: هذا إسناد حسن، رواه الدارقطني في سننه.
فبعضهم حسنه وقال: حسن صدوق، وبعضهم قال أقل من ذلك: لين، لكن معناه صحيح، فإنه ثابت في الصحيحين.
стр. 40
شرح حديث: (صنفان من أمتي ليس لهما في الإسلام نصيب)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن إسماعيل الرازي، أنبأنا يونس بن محمد، حدثنا عبد الله بن محمد الليثي حدثنا نزار بن حيان عن عكرمة عن ابن عباس وعن جابر بن عبد الله ﵃ قالا: قال رسول الله ﷺ : (صنفان من أمتي ليس لهما في الإسلام نصيب، أهل الإرجاء وأهل القدر)].
هذا ضعيف، وكذلك الأحاديث التي في القدرية كلها ضعيفة، ولا تصح مرفوعة.
قال البوصيري: هذا إسناد ضعيف، نزار بن حيان الأسدي قال ابن حبان في كتاب الضعفاء: يأتي عن عكرمة بما ليس من حديثه! حتى يصدق القلب أنه متعمد؛ لذلك لا يجوز الاحتجاج به بحال، وعبد الله بن محمد الليثي مجهول قاله الذهبي.
أما المرجئة ففيهم تفصيل، فالمرجئة الغلاة الجهمية لا شك أنه ليس لهم في الإسلام نصيب، أما مرجئة الفقهاء فلا خلاف في إسلامهم، وكذا القدرية فيهم تفصيل أيضاً، منهم الجبرية وغيرهم.
стр. 41
الإيمان يزيد وينقص
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أبو عثمان البخاري سعيد بن سعد حدثنا الهيثم بن خارجة حدثنا إسماعيل -يعني: ابن عياش - عن عبد الوهاب بن مجاهد عن مجاهد عن ابن عباس وأبي هريرة ﵃ قالا: الإيمان يزيد وينقص].
هذا الحديث موقوف على أبي هريرة وابن عباس ﵄، وكذلك الحديث الذي بعده موقوف على أبي الدرداء، جعل في المطبوع من ضمن سنن ابن ماجة، وهي من زيادات أبي الحسن بن القطان راوي السنن عن ابن ماجة، وهو وهم قديم.
فالحديث لا يصح مرفوعاً، والمرجئة أيضاً يستدلون بحديث: (الإيمان مكمل في القلب، لا يزيد ولا ينقص)، فهذا وضعه بعض جهلة أهل السنة، وذاك وضعه بعض المرجئة بمقابل هذا، قال: الألباني عن الحديث: ضعيف جداً، وقد روي مرفوعاً ولا يصح.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أبو عثمان البخاري حدثنا الهيثم حدثنا إسماعيل عن جرير بن عثمان عن الحارث أظنه عن مجاهد عن أبي الدرداء قال: الإيمان يزداد وينقص].
وهذا الإسناد باطل، لما فيه من انقطاع في قوله: أظنه عن كذا، على أن قول أهل السنة والجماعة أن الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، ويقولون: الإيمان قول باللسان، وعمل بالجوارح، واعتقاد بالقلب، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
أما ما ورد في الآثار المتقدمة وإن صحت من قول الصحابة، إلا أن السند هنا عن مجاهد منقطع، كما أن بدعة الإرجاء لم تظهر إلا بعد الصحابة أو في أواخر عهد الصحابة، فما كان عند الصحابة من يتكلم بالإرجاء، والمرجئة هم الذين يقولون: الأعمال لا تدخل في مسمى الإيمان.
стр. 42
شرح سنن ابن ماجه_ المقدمة [٥]
القدر هو سر الله في خلقه، من آمن به وسلم له هدي ووفق واطمأنت نفسه، ومن لم يسلم به ولم ينقاد له هلك، وتعس، وأصابه الشك والاضطراب، وولج في سرداب الإلحاد والزندقة.
стр. 43
ما جاء في القدر
стр. 44
شرح حديث ابن مسعود في أطوار خلق الإنسان في بطن أمه وبعد خروجه
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في القدر.
حدثنا علي بن محمد قال حدثنا وكيع ومحمد بن فضيل وأبو معاوية ح وحدثنا علي بن ميمون الرقي قال: حدثنا أبو معاوية ومحمد بن عبيد عن الأعمش عن زيد بن وهب قال: قال عبد الله بن مسعود ﵁: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق (إنه يجمع خلق أحدكم في بطن أمه أربعين، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه الملك، فيؤمر بأربع كلمات، فيقول: أكتب عمله وأجله ورزقه وشقي أم سعيد، فوالذي نفسي بيده إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها).
حديث ابن مسعود ﵁ أخرجه الشيخان: البخاري ومسلم رحمهما الله، وهذا السند فيه عنعنة الأعمش، وقد صرح الأعمش بالتحديث عند أحمد، والبخاري، وأبي داود، والترمذي.
وإن كان في هذا السند قد عنعن لكن تدليسه قليل، وقد صرح في أماكن أخرى، وهذا الحديث حديث عظيم، وهو دليل على أن الإنسان عندما يخلق في بطن أمه يكون على أطوار وعلى مراحل، فالطور الأول: يكون أربعين يوماً نطفة، فيجتمع فيها ماء الرجل وماء المرأة، ثم بعد الأربعين ينتقل إلى طور آخر، فتكون النطفة علقة، أي: قطعة دم، كانت ماءً، ثم تنتقل إلى الطور الثالث بعد الأربعين فتكون مضغة، أي: قطعة لحم، قدر ما يمضغ الفم.
فإذا تجاوز الجنين هذه الأطوار الثلاثة -أي: بعد مائة وعشرين يوماً- يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح، فيكون إنساناً آدمياً، ويؤمر الملك بكتابة أربع كلمات: الرزق والأجل والعمل والشقاوة والسعادة.
وجاء في بعض الأحاديث أن الملك يأتي بعد اثنين وثمانين يوماً، فلعل معظم النطف بعضها تخلق بعد ثمانين يوماً، وبعضها تخلق بعد مائة وعشرين يوماً.
وفيه أن الشقاوة والسعادة سابقة قد كتبت على الإنسان، وأن الله تعالى ييسر الإنسان لما خلق له، ولما قال الصحابة رضوان الله عليهم: (يا رسول الله! ما يكدح فيه الناس أفي شيء قضي وفرغ منه أم في شيء يستقبل؟ قال: في شيء قضي وفرغ منه، قالوا: ففيم العمل؟ قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له، أما أهل السعادة فسييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فسييسرون لعمل أهل الشقاوة، ثم قرأ قول الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل:٥ - ١٠]).
стр. 45
أنواع التقدير
التقدير أنواع: الأول: التقدير العام، وهو ما كتبه الله في اللوح المحفوظ الثاني: التقدير العمري، وهذا يوافق القدر السابق ولا يخالفه، فالرزق، والأجل، والعمل، والشقاوة كل ذلك مكتوب في اللوح المحفوظ، ويكتب على الإنسان في عمره.
الثالث: التقدير السنوي، وهو ما يكتب في ليلة القدر، حيث يقدر الله فيها ما يكون من سعادة وشقاوة، وإعزاز وإذلال، وصحة ومرض، وحياة وموت في تلك السنة.
الرابع: التقدير اليومي، وهو قول الله : ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن:٢٩]، أي: أن الله كل يوم يخفض ويرفع، ويعز ويذل، ويحيي ويميت، ويسعد ويشقي، .
قول النبي ﷺ : (فوالذي نفسي بيده) فيه إثبات اليد لله ، وهذا قسم يقسم به النبي ﷺ وهو الصادق ﵊، فهو مصدق وإن لم يقسم، لكن هذا لتأكيد المقام، كما قال ابن مسعود ﵁: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق في كلامه وفي قوله ﵇، وهو المصدوق من ربه .
قوله: (فوالذي نفسي بيده! إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب)، قوله: (الكتاب): هو الذي كتب عليه أولاً في اللوح المحفوظ وهو في بطن أمه.
قوله: (فيعمل بعمل أهل الجنة) أي: فيختم له بعمل أهل الجنة، فيدخل الجنة.
قوله: (وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب -أي: الكتاب الأول- فيعمل بعمل أهل الجنة)، فيختم له بعمل أهل الجنة، فيموت على عمل من أعمال الجنة فيدخلها.
стр. 46
تعريف القدر
القدر هو مصدر قدّر يقدّر تقديراً، وهو في اللغة بمعنى: قدرت الشيء، أي: أحطت بمقداره، وشرعاً: تعلق علم الله أزلاً بالكائنات قبل وجودها، أو الإيمان بأن الله علم الأشياء وقدرها وكتبها، وأراد كل شيء في هذا الوجود وخلقه، والإيمان بعلم الله وأزله السابق وخلقه للأشياء.
стр. 47
حكم الإيمان بالقدر
الإيمان بالقدر واجب، ومن أنكر القدر فهو كافر؛ لأن القدر أصل من أصول الإيمان، وهو الركن السادس من أركان الإيمان، كما في حديث جبريل: (أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره).
стр. 48
أول من تكلم في القدر
أول من تكلم بالقدر من القدرية هو معبد الجهني بالبصرة، ثم أخذه عنه غيلان الدمشقي، فأنكر ذلك عليهم بعض التابعين، فجاءوا يسألون عبد الله بن عمر، فجاء منهم رجلان ودعوا أن ييسر الله لهما أحداً من أصحاب النبي ﷺ حتى يسألاه عما حدث عندهم، والسائلان هما: يحيى بن يعمر وحميد بن عبد الرحمن الحميري، فقالا: فوفق لنا عبد الله بن عمر فسألته وظننت أن صاحبي سيكل الكلام إلي، فقلت: أبا عبد الرحمن! إنه ظهر قبلنا أناس يتقفرون العلم، أي: يطلبون العلم، ويزعمون أن الأمر أنف، يعني: مستألف وجديد لم يقدر، قال: إذا لقيت هؤلاء فأخبرهم أني منهم برئ، وأنهم برآء مني، والذي نفس ابن عمر بيده! لو أن لأحد مثل أحد ذهباً ثم أنفقه في سبيل الله ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر، ثم استدل بحديث جبريل لما سأل النبي ﷺ عن الإيمان، قال: (الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره)، فمن أنكر القدر فقد أنكر أحد أصول الدين، وإذا مات مات على كفر وخلد في النار خلوداً مؤبداً، وأما إذا مات على المعاصي فإنه تحت المشيئة، وهو على خطر، وإذا أدخله الله النار فإنه يطهر فيها بقدر ذنوبه ومعاصيه، ثم يخرج منها إلى الجنة.
ويروى عن عمر أنه قال: اللهم إن كنت كتبتني شقياً فامحها واكتبني سعيداً.
وقوله هذا يحمل على أنه يمحى ما في كتب الحفظة، ليوافق ما في اللوح المحفوظ، وأما ما في اللوح المحفوظ فلا يغير ولا يبدل، كما قال الله : ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد:٣٩] أي: من صحف الحفظة، ليوافق ما في اللوح المحفوظ؛ ولهذا قال: ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد:٣٩]، فهذا إن صح عن عمر فهو محمول على ما ذكرنا، لكن الأولى أن يسأل الإنسان ربه السلامة والعافية، وأن يوفقه للعمل الصالح، وإلى الخاتمة الحسنة.
стр. 49
سقوط الجنين قبل إتمام الحمل
إذا أسقطت المرأة سقطاً وتبين فيه خلق الإنسان فهي نفساء، كأن يكون فيه يد أو رجل أو أصبع، فيكون إنسان، ودمها دم نفاس، ويسمى هذا المولود ويعق عنه ولو خرج ميتاً، وأما إذا أسقطت قطعة لحم ليس فيها يد ولا رجل ولا أصبع فليست نفاساً، والدم دم فساد، وعليها أن تصوم وتصلي.
فالجنين قبل أربعة أشهر لا يتخلق، فإذا أسقطت المرأة قبل أربعة أشهر فسيكون قطعة لحم أو دم فقط.
стр. 50
حكم تعمد إسقاط الجنين
من تعمدت أن تسقط جنينها بعد أربعة أشهر فهي قاتلة لنفس إذا كانت متعمدة وعليها الدية.
ولا يجوز إلقاؤه عند العلماء إلا إذا كان الإنسان نطفة في الأربعين الأولى، ويجوز إلقاء النطفة قبل أربعين يوماً بدواء مباح عند الحاجة، وأما إذا انتقل إلى طور آخر فلا يجوز.
ولا شك أن من تفعل ذلك فهي جانية، لكن هل عليها حكم جناية الإنسان؟ هذا محل تأمل، وإن كنا لا نشك أنها جانية مخطئة.
ولو قال قائل: هل يجوز أن تلقي المرأة الجنين إن كان مشوهاً؟
و
الجواب
لا يجوز إلقاؤه إلا إذا كان يخشى موتها هي، وأما مجرد التشويه فليس لها ذلك، بل ينبغي أن تتركه كما خلقه الله؛ إذ ليس لأحد أن يسقط الجنين مطلقاً.
стр. 51
شرح حديث: (لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا علي بن محمد قال: حدثنا إسحاق بن سليمان قال: سمعت أبا سنان عن وهب بن خالد الحمصي عن ابن الديلمي قال: وقع في نفسي شيء من هذا القدر، خشيت أن يفسد علي ديني وأمري، فأتيت أبي بن كعب ﵁ فقلت: أبا المنذر! إنه قد وقع في نفسي شيء من هذا القدر فخشيت على ديني وأمري، فحدثني من ذلك بشيء لعل الله أن ينفعني به، فقال: لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيراً لهم من أعمالهم، ولو كان لك مثل جبل أحد ذهباً أو مثل جبل أحد تنفقه في سبيل الله ما قبل منك حتى تؤمن بالقدر، فتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصبك، وأنك إن مت على غير هذا دخلت النار، ولا عليك أن تأتي أخي عبد الله بن مسعود فتسأله، فأتيت عبد الله ﵁ فسألته، فذكر مثل ما قال أبي، وقال لي: ولا عليك أن تأتي حذيفة، فأتيت حذيفة فسألته، فقال مثل ما قالا، وقال: ائت زيد بن ثابت فاسأله، فأتيت زيد بن ثابت فسألته، فقال سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيراً لهم من أعمالهم، ولو كان لك مثل أحد ذهباً أو مثل جبل أحد تنفقه في سبيل الله ما قبله منك حتى تؤمن بالقدر كله، فتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، وأنك إن مت على غير هذا دخلت النار).
وهذا فيه بيان وجوب الإيمان بالقدر، وأن من لم يؤمن بالقدر فليس بمسلم، والقدر له مراتب أربع: المرتبة الأولى: العلم، ويراد به علم الله الأزلي السابق الشامل لما كان في الماضي، وما يكون في المستقبل، وما لم يكن لو كان كيف يكون.
المرتبة الثانية: الكتابة، ويراد بها كتابة جميع ما يكون في هذا الكون في اللوح المحفوظ.
المرتبة الثالثة: المشيئة، وهي إرادة الله الشاملة لكل شيء في هذا الوجود، فلا يقع في ملك الله إلا ما أراد.
المرتبة الرابعة: الخلق، ويراد به خلق الله للأشياء كلها.
ومن لم يؤمن بها لم يؤمن بالقدر.
وكان القدرية الأوائل ينكرون مرتبتي العلم والكتابة، وهم الذين قال فيهم ابن عمر: أخبرهم أني منهم برئ، وأنهم برآء مني.
وكانوا يزعمون أن الأمر أنف، أي: مستأنف، فيقولون: إن الله لا يعلم الأشياء حتى تقع، وهم الذين قال فيهم شيخ الإسلام ﵀: ناظر القدرية بالعلم، فإن أقروا به فسلهم: كيف يقر الله العصاة على عمل المعصية ولم يمنعهم وهم الذين خلقوها؟ فسيفهمون.
وإن أنكروه كفروا، وقد كفرهم الأئمة: مالك والشافعي وأحمد؛ لأنهم ينسبون الله إلى الجهل، وقد انقرضت هذه الطائفة، وبقيت عامة القدرية يؤمنون بعلم الله الشامل، ولكن ينكرون عموم إرادة الله للأشياء حتى تشمل أفعال العباد، وينكرون عموم خلق الله للأشياء، ويقولون: إن الله خلق كل شيء إلا أفعال العباد فإن العباد هم الذين خلقوا أفعالهم، وهم في قولهم هذا مبتدعة.
وهذا الحديث في بعضه شواهد، وهو من ما ذكره الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ في كتاب التوحيد في باب منكري القدر، وفيه أن ابن الديلمي قال: إنه وقع في نفسه شيء من القدر، وجاء إلى أبي بن كعب وقال: وقع في نفسي شيء من القدر فحدثني بشيء لعل الله يذهبه من نفسي، وفي لفظ أنه قال: خشيت أن يفسد علي ديني، فبين له ﵁ أنه لا بد من الإيمان بالقدر، وقال: والذي نفسي بيده! لو كان لك مثل أحد ذهباً ثم أنفقته ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، يريد: المكتوب في اللوح المحفوظ، فلا يمكن أن يصيبك شيء لم يقدره الله، ولا يمكن أن يخطئك شيء قدر الله عليك أن يقع، وقال له: ائت عبد الله بن مسعود، فأتى عبد الله بن مسعود فأخبره مثل ذلك، قال: وائت حذيفة، فأتى حذيفة فقال له مثل ذلك، قال: وائت زيد بن ثابت فأتاه، فكلهم حدثوه بمثل ما حدثه به أبي بن كعب.
وفي بعض ألفاظه: أن من لم يؤمن بهذا أحرقه الله في النار.
والحديث إسناده صحيح، وأبو سنان هو سعيد بن سنان البرجمي الشيباني الكوفي: ثقة، والحديث مرفوع من حديث زيد بن ثابت، وموقوف من حديث أبي بن كعب وابن مسعود وحذيفة بن اليمان.
وابن الديلمي هو أبو بسط عبد الله بن فيروز من كبار التابعين الثقات.
стр. 52
شرح حديث: (ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال: حدثنا وكيع ح وحدثنا علي بن محمد قال: حدثنا أبو معاوية ووكيع عن الأعمش عن سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي ﵁ قال: (كنا جلوساً عند النبي ﷺ وبيده عود، فنكت في الأرض ثم رفع رأسه فقال: ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار، قيل: يا رسول الله! أفلا نتكل؟ قال: لا، اعملوا ولا تتكلوا، فكل ميسر لما خلق له، ثم قرأ ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل:٥ - ١٠])].
هذا الحديث أخرجه الشيخان، وهو حديث ثابت ومعروف، وفيه أن الله تعالى كتب الشقاوة والسعادة على البشر، بدليل قوله: (ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار)، وقد أشكل هذا على الصحابة، وقالوا: (يا رسول الله! ففيم العمل؟ قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له، أما أهل السعادة فسييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فسييسرون لعمل أهل الشقاوة، ثم قرأ الآية: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل:٥ - ١٠]).
والكيس اللبيب لا يزيده الإيمان بالقدر إلا نشاطاً وقوة في العمل، فلا يحجم عن العمل وإنما يزداد من أعمال الخير ما ييسر له ذلك، والقدر من شئون الله وليس من شئون العبد، فالعبد مأمور بالعمل فحسب، والقدر من اختصاص الله ومن شئون الله، وهو مغيب عنك، وعليك أن تعمل بطاعة الله، وتجتنب معاصي الله.
ولا يجوز أن يتكل الإنسان ويكسل عن العمل، وإذا وقع في المعصية فليحرص أن يدفع هذه المعصية، وإن كانت بقدر يدفعها بقدر آخر، فيدفع قدر المعصية بقدر الطاعة، ويدفع قدر السيئة بقدر الحسنة، فهذا مقدر وهذا مقدر.
ولهذا لما جاء عمر بن الخطاب ﵁ بالصحابة إلى الشام، وقد فشا فيها الطاعون -طاعون عمواس- استشار الناس هل يدخل بهم إلى البلد وفيها الطاعون أم لا يدخل؟ فاستشار الأنصار، فأشار بعضهم بأن يدخل، وبعضهم أشار بأن يرجع، واستشار المهاجرين، واستشار من أسلم في الفتح، فقال بعضهم: إن هذا الوباء قد وقع في البلاد، ومعك خيار الناس وأصحاب رسول الله، فلا نرى أن تقدمهم عليه، وبعضهم قال: نرى أن تقدم وأن تدخل، وما قدره الله كان.
ثم عزم عمر ﵁ على أن يرجع، فقال له أبو عبيدة: أفراراً من قدر الله يا عمر؟! قال: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة! نفر من قدر الله إلى قدر الله، أرأيت لو كان عندك عدوتان: عدوة فيها عشب، وعدوة ليس فيها عشب، في أيها ترعى جملك؟ قال: في العدوة التي فيها عشب، قال: أليس إذا رعيت العدوة المعشبة بقدر الله، وإذا رعيت الأرض الأخرى بقدر الله؟ قال: بلى، قال: فكذلك هذا، ثم جاء عبد الرحمن بن عوف وكان متغيباً في حاجة وهم يتحاورون فقال: إن عندي من هذا علماً، سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إذا وقع الطاعون في بلد وأنتم فيها فلا تخرجوا منها، وإذا كنتم في أرض ليس فيها فلا تقدموا عليها)، فحمد الله عمر ﵁ أن وافق اجتهاده النص، ورجع بالناس.
فإذا وقع الطاعون في بلد فلا يشرع للإنسان أن يدخل فيها، وإذا وقع في أرض فلا يقدم عليها، كما لا ينبغي أن يخرج منها فراراً منه؛ بل يبقى فيها، ويعتمد على الله ويتوكل عليه.
стр. 53
شرح حديث: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وعلي بن محمد الطنافسي قالا: حدثنا عبد الله بن إدريس، عن ربيعة بن عثمان، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، فإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان)].
هذا الحديث إسناده حسن، وربيعة بن عثمان بن ربيعة التيمي المدني، روى له مسلم هو صدوق حسن الحديث، وليس له في الكتب الستة سوى هذا الحديث.
والمؤمن القوي هو الذي يتعدى نفعه إلى الآخرين بشفاعته، أو ببدنه، أو بماله، أو بتوجيهه وإرشاده، وأما المؤمن الضعيف فهو الذي يقتصر نفعه على نفسه؛ ولهذا قال: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير)، وإن اشتركا في الخيرية بالإيمان إلا أن المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف.
وليس المراد من قوله: (القوي) قوي الجسم فقط، فقد يكون قوي الجسم وهو مؤمن ضعيف لا ينفع إلا نفسه، وقد يكون على فراشه وهو مؤمن قوي ينفع الناس بشفاعاته، وبنفقاته، وبتوجيهه وإرشاده، وبتعليمه.
ثم قال: (احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز) أي: على الأسباب التي تنفعك في أمور الدين وأمور الدنيا، قوله: (ولا تعجز)، أي: لا تكسل، ثم قال: (وإن أصابك شيء؛ فلا تقل لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله)، أي: هذا قدر الله، (وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان)، قوله: لو يعني: هي التي فيها الاعتراض على القدر، والتحسر من وقوعه، كأن يقول الإنسان حين تنزل به مصيبة: لو فعل كذا ما أصابه كذا وكذا، أو لو أصاب كذا ما أصابه المرض، لو ذهب إلى كذا ما أصابه كذا، فهذا اعتراض على قدر الله، ولو في قوله هذا تفتح عمل الشيطان.
أما لو في تمني الخير فلا بأس بقولها، إذ هي ليست من هذا الباب، كأن يقال لشخص: إن هناك درس في المسجد الفلاني، وما علم بإقامته، فقال: لو علمت بالدرس لحضرت، فهذا لا بأس به، وذلك مثل قول النبي ﷺ : (لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي، ولأحللت معه)، فلو في تمني الخير شيء لا بأس به، لكن إذا كان قولها من أجل الاعتراض على القدر، فهذه هي الممنوعة، وهي التي تفتح عمل الشيطان.
стр. 54
شرح حديث احتجاج آدم وموسى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا هشام بن عمار ويعقوب بن حميد بن كاسب قالا: حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار سمع طاوساً يقول: سمعت أبا هريرة ﵁ يخبر عن النبي ﷺ قال: (احتج آدم وموسى عليهما الصلاة والسلام، فقال له موسى: يا آدم! أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة بذنبك، فقال له آدم: يا موسى! اصطفاك الله بكلامه، وخط لك التوراة بيده، أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ فحج آدم موسى، فحج آدم موسى، فحج آدم موسى) ثلاثاً].
وهذا الحديث رواه الشيخان: البخاري ومسلم رحمهما الله، كما أخرجه أبو داود في السنن، وفيه ذكر احتجاج آدم وموسى عليهما الصلاة والسلام، وأن موسى لقي آدم فقال له: يا آدم! أنت آدم أبو البشر، خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء، فلماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة؟ وفي هذا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة، فقال له آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالاته، وكلمك، -وفي هذه الرواية- وخط لك التوراة بيده، أتلومني على شيء كتبه الله علي قبل أن أخلق بأربعين عاماً؟ وفي لفظ آخر: (هل وجدت ذلك مكتوباً علي؟ قال: نعم، فقال النبي: فحج آدم موسى).
قوله: (حج آدم موسى) أي: غلبه بالحجة وخصمه، وذلك أن موسى ﵊ لامه على المصيبة التي لحقته وذريته، وهي الخروج من الجنة، وليس المراد أن موسى لامه على الذنب؛ لأنه قد تاب منه، والتائب من الذنب لا يلام عليه، وإنما لامه على المصيبة التي لحقته وذريته وهي الخروج من الجنة؛ فاحتج آدم بأن هذه المصيبة مكتوبة عليه، والاحتجاج بالقدر على المصائب لا بأس به، وأما الاحتجاج بالقدر على المعاصي فهو ممنوع، فلا يصح أن يحتج الإنسان بالقدر على المعصية، لكن يحتج بالقدر على المصائب.
стр. 55
شرح حديث: (لا يؤمن العبد حتى يؤمن بأربع: والقدر)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عبد الله بن عامر بن زرارة قال: حدثنا شريك عن منصور عن ربعي عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يؤمن العبد حتى يؤمن بأربع: بالله وحده لا شريك له، وأني رسول الله، وبالبعث بعد الموت، والقدر)].
الحديث أخرجه الترمذي وقال: حديث صحيح، وفيه شريك بن عبد الله النخعي، وهو حسن الحديث عند المتابعة، وقد تابعه شعبة، وشريك بن عبد الله القاضي، كان جيد الحفظ، فلما تولى القضاء اشتغل به؛ فساء حفظه، وصار ضعيفاً، لكن إذا وجد له متابع صار حديثه حسناً.
وقد نص الحديث على أربع لابد منها: الإيمان بالله، والإيمان بالرسول ﵊، والإيمان بالبعث، والإيمان بالقدر، فمن لا يؤمن بواحدة منها فليس بمؤمن.
стр. 56
شرح حديث عائشة: (طوبى لهذا عصفور من عصافير الجنة)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد قالا: حدثنا وكيع قال: حدثنا طلحة بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله عن عمته عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت: (دعي رسول الله ﷺ إلى جنازة غلام من الأنصار، فقلت: يا رسول الله! طوبى لهذا عصفور من عصافير الجنة لم يعمل السوء ولم يدركه، قال ﷺ : أو غير ذلك يا عائشة؟! إن الله خلق للجنة أهلاً، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلاً، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم)].
وهذا الحديث صحيح أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي، وفيه أن النبي ﷺ أنكر على عائشة لما شهدت لهذا الصبي بالجنة، وقالت: هذا عصفور من عصافير الجنة، قال: (أو غير ذلِك يا عائشة؟! إن الله خلق للجنة أهلاً، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلاً، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم).
وإن كان لا شك أن أطفال المسلمين في الجنة تبعاً لآبائهم، إلا أن النبي ﷺ أنكر على عائشة شهادتها للمعين، أي: لهذا الشخص بعينه، فالمؤمنون كلهم في الجنة يشهد لهم على العموم، لكن لا يشهد لواحد بالجنة إلا لمن شهدت لهم النصوص، كالعشرة المبشرين بالجنة، وعكاشة بن محصن، فلما شهدت عائشة لهذا الصبي بعينه أنكر عليها النبي ﷺ .
ويحتمل أنه أنكر عليها قبل أن يخبره الله بأن أطفال المسلمين في الجنة، ثم بعد ذلك بين الله للنبي ﵊ أن أطفال المسلمين في الجنة.
стр. 57
القول في مآل أطفال الكفار
أما أطفال الكفار ففي حالهم خلاف، وقد ذكر فيهم ابن القيم ﵀ في طريق الهجرتين ثمانية أقوال لأهل العلم، أرجحها قولان: القول الأول: أنهم يمتحنون يوم القيامة مع أهل الفترة، فمن أجاب دخل الجنة، ومن أبى دخل النار.
والقول الثاني: أنهم في الجنة، وهذا هو الراجح، والدليل على هذا ما ثبت في الحديث الصحيح عند البخاري في قصة إبراهيم في الرؤيا، وأن النبي رأى إبراهيم وحوله ولدان، وهم أولاد الكفار، فهم في الجنة؛ لأنهم ماتوا قبل البلوغ ولم يكلفوا، وهم أيضاً ولدوا على الفطرة، وقد قال ﵊: (ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرناه، أو يمجسانه).
وأطفال المشركين لهم أحكام في الدنيا غير أحكامهم في الآخرة، فأحكامهم في الدنيا: أنهم يسبون مع آبائهم، وإذا قتلوا قتلوا معهم، ويرثهم آبائهم ويرثونهم، وأما في الآخرة فلهم أحكام أخرى تختلف عنها في الدنيا، وظن بعض الناس أنهم إذا كانوا مع آبائهم، وأنهم يتوارثون فيرثهم آباؤهم ويرثونهم، أن حكمهم في الآخرة كذلك، وهذا ليس بصحيح، بل الصواب أنهم في الجنة.
стр. 58
شرح حديث أبي هريرة: (جاء مشركو قريش يخاصمون النبي في القدر)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد قالا: حدثنا وكيع قال: حدثنا سفيان الثوري عن زياد بن إسماعيل المخزومي عن محمد بن عباد بن جعفر عن أبي هريرة ﵁ قال: جاء مشركو قريش يخاصمون النبي ﷺ في القدر، فنزلت هذه الآية: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ * إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٨ - ٤٩]].
قال بعضهم: إسناده ضعيف؛ زياد بن إسماعيل المخزومي، وإن أخرج له مسلم فهو ضعيف، وإنما يخرج له في المتابعات، فقد ضعفه يحيى بن معين، ويعقوب بن سفيان، وقال أبو حاتم الرازي: يكتب حديثه، يعني ولا يحتج به، وقال النسائي وحده: لا بأس به.
وهذا قد أخرجه مسلم والترمذي، وصححه الألباني.
ولا شك أن في هذه الآية الكريمة إثبات للقدر، وأن الله خلق وقدر كل شيء، قال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩]، فلما جاء كفار قريش يخاصمون النبي ﷺ نزّل الله هذه الآية: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩]، فكانت حجة عليهم.
وزياد وإن كان ضعيفاً لكن قد أخرج له مسلم وكذلك البخاري، وإنما يختاران من أحاديث من تكلم فيهم من ثبتت روايته عنه وصح سماعه منه، فالشيخان ينتقيان.
وأما قولهم: هذا الحديث رجاله رجال الصحيح، أو رجاله رجال مسلم، فلا يدل على صحة السند؛ لأن مسلم ينتقي وغيره لا ينتقي، فما كل أحد مثل الإمام مسلم، وما كل أحد عنده القدرة والنقل، وهم ليسوا في منزلة البخاري ومسلم حتى ينتقون من أخبار من تكلم فيه؟!!
стр. 59
شرح حديث: (من تكلم في شيء من القدر سئل عنه يوم القيامة)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا مالك بن إسماعيل قال: حدثنا يحيى بن عثمان مولى أبي بكر ﵁، قال: حدثنا يحيى بن عبد الله بن أبي مليكة عن أبيه: أنه دخل على عائشة ﵂ فذكر لها شيئاً من القدر، فقالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من تكلم في شيء من القدر سئل عنه يوم القيامة، ومن لم يتكلم فيه لم يسأل عنه).
قال أبو الحسن القطان: حدثناه خازم بن يحيى قال: حدثنا عبد الملك بن سنان قال: حدثنا يحيى بن عثمان، فذكر نحوه].
هذا الحديث ضعيف وإن صح معناه، فالقول أن من خاض في القدر ولم يؤمن به فإنه يسأل عما خاض فيه صحيح، أما من تكلم بالقدر على وفق ما جاء في النصوص، وبين للناس وجوب الإيمان به، فلا يُسأل، ولذا فلو صح الحديث فإنه محمول على من تكلم في القدر وخاض فيه بما حرم الله، ولم يؤمن به، أو تكلم بشيء لا ينبغي أن يتكلم فيه، فإنه يُسأل عنه.
ولكن الحديث إسناده ضعيف جداً؛ فإن يحيى بن عثمان متروك، كما ذكر في تحقيق أحكام التقريب، وقال البوصيري في مصباح الزجاجة: هذا إسناد ضعيف؛ لاتفاقهم على ضعف يحيى بن عثمان.
كما أن السلف تكلموا في القدر، وأيضاً النبي ﷺ بين حكم الإيمان بالقدر، وأنه أصل من أصول الدين، وقال ﷺ : (كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء)، وهذا كلام في القدر.
стр. 60
شرح حديث عبد الله بن عمرو في غضب النبي من اختصامهم في القدر
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا علي بن محمد قال: حدثنا أبو معاوية قال: حدثنا داود بن أبي هند عن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده، قال: (خرج رسول الله ﷺ على أصحابه وهم يختصمون في القدر فكأنما يفقأ في وجهه حب الرمان من الغضب، فقال: بهذا أمرتم أو لهذا خلقتم؟ تضربون القرآن بعضه ببعض؟ بهذا هلكت الأمم قبلكم، قال: فقال عبد الله بن عمرو ﵁: ما غبطت نفسي بمجلس تخلفت فيه عن رسول الله ﷺ ما غبطت نفسي بذلك المجلس وتخلفي عنه)].
حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده حديث حسن، وإن كان بعضهم صححه، لكن المعروف أنه حديث حسن، وفيه التحذير من ضرب النصوص بعضها ببعض؛ ولهذا غضب النبي ﷺ لما رآهم يتكلمون في القدر، وقد جاء في لفظ آخر: (هذا ينزع بآية، وهذا ينزع بآية، فلما رآهم على ذلك كأنما تفقأ في وجه حب الرمان من الغضب، فقال: أبهذا أمرتم، أم بهذا وكلتم أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض؟! ما علمتم منه فاعملوا به، وما لم تعملوه فكلوه إلى عالم)، والحديث وإن صححه بعضهم إلا أن الصواب أنه حسن، فرواية بهز بن حكيم، ورواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده تنبئ أن الحديث حسن.
стр. 61
شرح حديث: (لا عدوى ولا طيرة ولا هامة)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد قالا: حدثنا وكيع قال: حدثنا يحيى بن أبي حية أبو جناب الكلبي عن أبيه عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : (لا عدوى ولا طيرة ولا هامة، فقام إليه رجل أعرابي فقال: يا رسول الله! أرأيت البعير يكون به الجرب فيجرب الإبل كلها؟ قال: ذلكم القدر، فمن أجرب الأول؟)].
وهذا الحديث فيه أبو جناب الكلبي وهو ضعيف مدلس، وبعضهم شدد فيه، لكن قوله في الحديث: (لا عدوى ولا طيرة)، ثابت من غير هذه الطريق، ففي الصحيحين وغيرهما أن النبي ﷺ قال: (لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر، قيل: يا رسول الله! البعير الأجرب يأتي إلى الإبل فتجرب كلها؟ قال: فمن أعدى الأول؟).
وقوله ﵊: (لا عدوى ولا طيرة) أي: لا عدوى على الوجه الذي يعتقده أهل الجاهلية من أن العدوى تنتقل بنفسها وبذاتها وبطبعها من دون قدر الله وإرادته، وهذا باطل، ولكن العدوى تنتقل إذا أراد الله، ولهذا قال النبي ﷺ في الحديث الآخر: (فر من المجذوم فرارك من الأسد)، وقال: (لا يورد ممرض على مصح)، وقال: (إذا سمعتم الطاعون في أرض فلا تدخلوها، وإذا كان في أرض وأنتم فيها فلا تخرجوا منها)، وهذا كله من باب اجتناب أسباب الهلاك وأسباب الشر، فالإنسان مأمور باجتناب الشر، وقد يجعل الله تعالى مخالطة المريض للصحيح سبباً للعدوى؛ فينتقل إذا أراد الله، وإذا لم يرد الله فلا تنتقل، وأما قوله ﷺ : (لا عدوى)، فإن المعنى كما تقدم: لا عدوى على الوجه الذي يعتقده أهل الجاهلية من أن العدوى تنتقل بنفسها وبذاتها وبطبعها، لكنها تنتقل إذا أراد الله.
стр. 62
الجمع بين قوله: (لا عدوى ولا طيرة) وقوله: (فر من المجذوم فرارك من الأسد)
وللعلماء في ذلك أقوال، فأصحها وأحسنها هو أن قوله: (لا عدوى)، أي: لا عدوى على الوجه الذي يعتقده أهل الجاهلية من أن العدوى تنتقل بنفسها وبذاتها من دون إرادة الله، وقوله: (فر من المجذوم فرارك من الأسد)، وقوله: (لا يورد ممرض على مصح)، وقوله: (إذا سمعتم بالطاعون في أرض فلا تدخلوها) محمول على اجتناب الأسباب التي قد تكون سبباً للمرض، والإنسان مأمور ابتداء باجتناب الأسباب التي قد تضره، وذلك لأنها قد تكون سبباً لانتقال العدوى، لكن قد تنتقل وقد لا تنتقل، فالسبب وحده لا يكون مؤثراً في ذاته، بل لا بد من أسباب معاونة، كما قد تحول دون تأثير الأسباب موانع، فإذا وجدت الأسباب الأخرى المعينة لهذا السبب وانتفت الموانع حصل، وإلا فلا يحصل.
قال ابن حجر رحمه الله تعالى: يحيى بن أبي حية بمهملة وتحتانية الكلبي أبو جناب بجيم ونون خفيفتين وآخره موحدة مشهور بها، ضعفوه لكثرة تدليسه، من السادسة مات سنة خمسين أو قبلها.
قال ابن سعد: كان ضعيفاً في الحديث، وقال ابن حنبل: لم يكن به بأس إلا أنه كان يدلس، وقال ابن معين: لم يكن به بأس إلا أنه كان مدلس، وقال أبو داود: لم يكن به بأس إلا أنه كان مدلس، وقال الدارمي: ضعيف، وقال ابن جريج: ضعيف، قال العجلي: كوفي ضعيف الحديث، يكتب حديثه، وقال أبو زرعة: صدوق، وقال الجرجاني: يضعف الحديث، وقال أبو حاتم: ليس بالقوي، وقال النسائي: ليس بالقوي، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال الحاكم: ليس بقوي عندهم، وقال ابن حبان: هذا يدلس عن الثقات ما سمع عن الضعفاء، فتلك المناكير التي يرويها عن المشاهير.
وخلاصة الأقوال أنه ضعيف كثير التدليس.
وأما متن الحديث فهو صحيح دون قوله: (ذلكم القدر).
стр. 63
شرح حديث عدي بن حاتم في الإيمان بالأقدار كلها خيرها وشرها
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا علي بن محمد قال: حدثنا يحيى بن عيسى الجرار عن عبد الأعلى بن أبي المساور عن الشعبي قال: لما قدم عدي بن حاتم الكوفة أتيناه في نفر من فقهاء أهل الكوفة، فقلنا له: حدثنا ما سمعت من رسول الله ﷺ ، فقال: أتيت النبي ﷺ ، فقال: (يا عدي بن حاتم! أسلم تسلم قلت: وما الإسلام؟ فقال: تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، وتؤمن بالأقدار كلها خيرها وشرها، حلوها ومرها)].
الحديث فيه عبد الأعلى بن أبي المساور وهو ضعيف، ولكن المعنى صحيح، والإيمان بالأقدار كلها لا شك أنه واجب، ولا شك أن من أسلم فإنه يسلم، فإنه يعصم دمه وماله في الدنيا إذا أسلم إسلاماً صحيحاً، كما يسلم من الخلود في النار في الآخرة.
стр. 64
شرح حديث: (مثل القلب مثل الريشة تقلبها الرياح في فلاة)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير قال: حدثنا أسباط بن محمد قال: حدثنا الأعمش عن يزيد الرقاشي عن غنيم بن قيس عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (مثل القلب مثل الريشة تقلبها الرياح في فلاة)].
الحديث فيه يزيد الرقاشي وهو ضعيف، وأصح منه قوله ﵊: (القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء)، فإذا أراد الله أن يقلب قلب عبد قلبه.
стр. 65
شرح حديث: (ما قدر للنفس شيء إلا هي كائنة)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا علي بن محمد قال: حدثنا خالي يعلى عن الأعمش عن سالم بن أبي الجعد عن جابر ﵁ قال: (جاء رجل من الأنصار إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! إن لي جارية أعزل عنها؟ قال: سيأتيها ما قدر لها، فأتاه بعد ذلك فقال: قد حملت الجارية، فقال النبي ﷺ : ما قدر لنفس شيء إلا هي كائنة)].
قال البوصيري: هذا إسناد صحيح رجاله ثقات، وهذا الحديث حق، فلا شك أن ما قدر الله سيكون، والعزل هو: أن يجامع الرجل فإذا أراد أن ينزل أخرج ذكره فأنزل خارج الفرج، ولا يجوز العزل للحرة إلا بإذنها، وأما الجارية فلا بأس به، قال جابر ﵁: (كنا نعزل والقرآن ينزل، لو كان شيء ينهى عنه لنهى عنه القرآن)، يعني: الجواري، وسئل النبي عن العزل فقال: (ما عليكم ألا تفعلوا، ما من نفس مخلوقة إلا الله خالقها)، فما قدر الله فلا بد أن يخلق، فقد يسبقه الماء، أو يسبقه جزء منه فتحمل.
وفي هذه القصة: أنه قال: لي جارية أعزل عنها؟ قال: (ما قدر لها سيأتيها) ثم جاءه بعد مدة فقال له: إن الجارية التي ذكرت لك حبلت، أي حملت، أي: أنه سبق شيء من الماء فحملت.
стр. 66
شرح حديث: (لا يزيد في العمر إلا البر، ولا يرد القدر إلى الدعاء)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا علي بن محمد قال: حدثنا وكيع عن سفيان عن عبد الله بن عيسى عن عبد الله بن أبي الجعد عن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يزيد في العمر إلا البر، ولا يرد القدر إلا الدعاء، وإن الرجل ليحرم الرزق بخطيئة يعملها)].
قال البويصري: سألت شيخنا أبا الفضل العراقي عن هذا الحديث، فقال: هذا حديث حسن.
والحديث إسناده ضعيف، وما قاله البوصيري عن العراقي فإنما قصد حكم متنه لا حكم إسناده كما سيأتي بيانه.
قوله: (لا يزيد العمر إلا البر)، ثبت بمعناه زيادة العمر بسبب صلة الرحم.
فقد ورد في الصحيح أن صلة الرحم سبب في طول العمر؛ وذلك لأن الله قدر السبب والمسبب في اللوح المحفوظ، فجعل صلة الرحم سبباً في زيادة العمر.
وقوله: (ولا يرد القدر إلا الدعاء)، فإن الدعاء من القدر، وقوله: (وإن الرجل ليحرم الرزق) في مسند الإمام أحمد: (إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه).
وعبد الله بن أبي الجعد لم يوثقه سوى ابن حبان، وقال ابن القطان: مجهول الحال، وقال الذهبي في الميزان: وعبد الله هذا وإن كان قد وثق ففيه جهالة.
وقال في التقريب: عبد الله بن أبي الجعد الأشجعي مقبول من الرابعة.
ومعنى مقبول أي: يحتاج إلى متابعة، ومن الشواهد على أن الدعاء يرد القدر ما جاء في الحديث الآخر: (إن القدر والدعاء يعتلجان فأيهما كان أقوى غلب صاحبه).
стр. 67
قوله: (العمل فيما جف به القلم وكل ميسر لما خلق له)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا هشام بن عمار قال: حدثنا عطاء بن مسلم الخفاف قال: حدثنا الأعمش عن مجاهد عن سراقة بن جعشم بن عمرو قال: (قلت: يا رسول الله! العمل فيما جف به القلم وجرت به المقادير، أم في أمر مستقبل؟ قال ﷺ : بل فيما جف القلم وجرت به المقادير، وكل ميسر لما خلق له)].
هذا الحديث معناه صحيح، وإن كان مجاهد لم يسمع من سراقة، لكن الحديث ثابت من غير هذه الطريق، وفيه أن الناس يعملون في شيء قد فرغ منه، إذ أن كل شيء كتبه الله، قال تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس:١٢] أي: كل شيء مكتوب، وفي الحديث الآخر قال ﵊: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له)، وقرأ قوله سبحانه: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل:٥ - ١٠].
قال البوصيري: هذا إسناده فيه مقال، فإن مجاهد لم يسمع من سراقة، فالإسناد منقطع، وعطاء بن مسلم مختلف فيه.
قال الكندي: والمتن قد ذكره أبو داود من رواية ابن عمر.
стр. 68
ما ثبت عن الصحابة في ذم القدرية
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن المصفى الحمصي قال: حدثنا بقية بن الوليد عن الأوزاعي عن ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن مجوس هذه الأمة المكذبون بأقدار الله، إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم، وإن لقيتموهم فلا تسلموا عليهم)].
وهذا الحديث فيه ثلاثة مدلسين: بقية بن الوليد، وابن جريج، وأبو الزبير، فكلهم مدلسون، وقد عنعنوه، والأحاديث في ذم القدرية كلها ضعيفة، ورفعها إلى النبي ضعيف، والصحيح أنها موقوفة على الصحابة، وهي تقارب عشرة أحاديث، لكنها ثابتة عن الصحابة، قال البوصيري: هذا إسناد ضعيف فيه بقية بن الوليد وهو مدلس وقد عنعنه.
стр. 69
شرح سنن ابن ماجه_ المقدمة [٦]
إن أبا بكر وعمر ﵄ هما خيرا أصحاب رسول الله ﷺ ، وهما سيدا كهول أهل الجنة، وقد كان النبي ﷺ كثيراً ما يخرج معهما، ويدخل معهما، ويشاورهما، ولهما من الفضائل والمناقب الشيء الكثير، فقبح الله من سبهما ولعنهما.
стр. 70
فضائل أصحاب رسول الله: فضل أبي بكر الصديق
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في فضائل أصحاب رسول الله ﷺ .
فضل أبي بكر الصديق ﵁.
حدثنا علي بن محمد قال: حدثنا وكيع قال: حدثنا الأعمش عن عبد الله بن مرة عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ألا إني أبرأ إلى كل خليل من خلته، ولو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، إن صاحبكم خليل الله)، قال: وكيع يعني: نفسه].
هذا الحديث رواه الشيخان في صحيحيهما، ورواه غيرهما، وفيه إثبات الخلة لنبينا محمد ﷺ ، والخلة بالنسبة للمخلوق هي كمال المحبة ونهايتها، وهي درجة من درجات المحبة، إذ المحبة درجات ومراتب متعددة، ومن مراتبها: الصبابة، والغرام، والعشق، والتتيم، والتعبد والخلة، وأعلاها الخلة، وسميت الخلة خلة؛ لأنها تتخلل شغاف القلب وتصل إلى سويدائه، ولا يتسع القلب لأكثر من خليل واحد، لكن يتسع لمحبة أناس كثيرين؛ ولهذا فإن النبي ﷺ قال: (لو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن صاحبكم خليل الرحمن) يعني: نفسه، إذ لو كان في القلب متسع لكان لـ أبي بكر، ولكن قلبي لا يتسع، فقد امتلأ قلبي بخلة ربي .
بخلاف المحبة فإن القلب يتسع لأكثر من محبوب، فـ أبو بكر حبيب الرسول ﵊، فقد سأله عمرو بن العاص: (من أحب الناس إليك؟ قال: عائشة، قال ومن الرجال؟ قال أبوها)، وأسامة كذلك حب رسول الله وابن حب رسول الله.
فيتسع القلب لأكثر من محبوب، لكنه لا يتسع لأكثر من خليل، ولهذا تبرأ النبي ﷺ من خلة كل أحد من الناس فقال: (وإني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل)؛ لأنه خليل الله، (ولو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن صاحبكم خليل الرحمن) يعني: نفسه.
وفيه إثبات الخلة لمحمد ﷺ كما ثبتت الخلة لإبراهيم، فإبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام هما الخليلان.
وأما الخلة بالنسبة للرب فهي صفة من صفاته تليق بجلاله وعظمته، فلا يشبه أحداً من خلقه.
وأنكر المعتزلة والجهمية الخلة جرياً على مذهبهم في نفي الصفات، وأول من نفى الصفات الجعد بن درهم، وأول ما أنكره صفتان: صفة الخلة والكلام، فزعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً، وأنه لم يكلم موسى تكليماً، وضحى به خالد بن عبد الله القسري أمير العراق فقتله في يوم عيد الأضحى بفتوى من علماء زمانه، وأكثرهم من التابعين، وقد شكره العلماء على ذلك، وروي عن خالد بن عبد الله أنه قال: ضحوا تقبل الله ضحاياكم فإني مضح بـ الجعد بن درهم؛ فإنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً، ولم يكلم موسى تكليماً، ثم نزل من خطبة العيد وذبحه أمام الناس.
قال ابن القيم: شكر الضحية كل صاحب سنة لله درك من أخي قربان.
ويرجع إلى هاتين الصفتين جميع الصفات؛ لأن إنكار الكلام إنكار للرسالات وللنبوات وللكتب المنزلة، وإنكار الخلة أيضاً قطع العلاقة بين الخالق والمخلوق.
والجهمية تفسر الخلة بالفقر والحاجة، وهذا من أبطل الباطل، فإن كل الخلق فقراء إلى الله، بل حتى الجمادات فقيرة إلى الله، كالأصنام والأوثان، وعلى قولهم فلا يكون هناك مزية لإبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام.
وأما قول أبي هريرة: أوصاني خليلي ﷺ ، فهذه الخلة إنما هي من جانب أبي هريرة لا من جانب النبي ﷺ .
وأما قصة مقتل الجعد فهي مشهورة، ولو ضعفت فلا يضر ذلك شيئاً والغالب أن الجهمية يضعفونها لكن لا غرو أن الذين يضعفون هم الجهمية غالباً حتى لا يثبت قتل الجهمية، فهم يشككون في قصة خالد بن عبد الله القسري، ويشككون في نسبة الرسالة للإمام أحمد، ويشككون في بقاء ابن سينا على معتقده، ويقولون: إنه تاب، ويشككون في المناظرة التي حصلت بين أهل السنة وأهل البدع.
فالأصل ثبوتها فقد أثبتها العلماء كشيخ الإسلام ابن تيمية وغيره.
стр. 71
شرح حديث: (ما نفعني مال قط ما نفعني مال أبي بكر)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد قالا حدثنا أبو معاوية قال: حدثنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (ما نفعني مال قط ما نفعني مال أبي بكر، قال: فبكى أبو بكر وقال: يا رسول الله! هل أنا ومالي إلا لك يا رسول الله؟)].
قوله: (ما نفعني مال ما نفعني مال أبي بكر) هذا ثابت، وأما البقية ففيه نظر.
قال المحقق: إسناده صحيح، أخرجه ابن أبي شيبة وأحمد والنسائي.
هذا الحديث فيه فضيلة لـ أبي بكر ﵁، وفي اللفظ الآخر: (إن من أمن الناس علي في نفسه وأهله أبا بكر).
هذا الحديث فيه عنعنة الأعمش، وفيه أبو معاوية، إلا أنه صرح بالتحديث فزال التدليس، فما دام أنه قد صرح بالتحديث فليس هناك إشكال، وتدليس الأعمش قليل.
стр. 72
شرح حديث: (أبو بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا هشام بن عمار قال: حدثنا سفيان عن الحسن بن عمارة عن فراس عن الشعبي عن الحارث عن علي قال: قال رسول الله ﷺ : (أبو بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين إلا النبيين والمرسلين، لا تخبرهما يا علي ما داما حيين)].
هذا الحديث ضعيف؛ لأن فيه الحارث الأعور وهو ضعيف، والحديث له طرق أخرى، والكهل: هو الذي تجاوز مرحلة الشباب ولم يصل إلى مرحلة الشيخوخة، يعني: هو من خالطه الشيب، والجنة ليس فيها كهول وليس فيها إلا شباب، والمراد أنهما سيدا من مات كهلاً، وأبو بكر وعمر ماتا وهما ابنا ثلاث وستين.
قال المحقق: إسناده ضعيف جداً، الحسن بن عمارة بن المضرب البجلي الكوفي متروك، والحارث مجمع على ضعفه، ولكن متن الحديث صحيح جاء عن عدد من الصحابة.
أقول: الحديث ضعيف، والمتن في صحته نظر؛ لأن الجنة لا يدخلها إلا الشباب، الجنة ليس فيها كهول، لكن يكون باعتبار حالهما في الدنيا وليسا بكهلين، وإلا فـ أبو بكر وعمر ماتا وقد تجاوزا الستين.
جاء في الحديث الآخر: (الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة) وهنا: (سيدا كهول أهل الجنة)، فالإشكال في قوله: (كهول أهل الجنة) فالجنة ليس فيها كهول، ما فيها إلا شباب.
стр. 73
شرح حديث: (وإن أبا بكر وعمر منهم وأنعما)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا علي بن محمد وعمرو بن عبد الله قالا: حدثنا وكيع حدثنا الأعمش عن عطية بن سعد عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : (إن أهل الدرجات العلى يراهم من أسفل منهم كما يرى الكوكب الطالع في الأفق من آفاق السماء، وإن أبا بكر وعمر منهم وأنعما)].
هذا الحديث ضعيف؛ لأن فيه عطية العوفي وهو شيعي مدلس، لكن معنى الحديث صحيح، فقد جاء في الحديث الآخر: (إن أهل الجنة يتراءون أهل الغرف كما تتراءون الكوكب الدري في المشرق أو في المغرب، قالوا: يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم، قال: كلا والذي نفسي بيده، أو بلى والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين) ولاشك أن أبا بكر وعمر في المقدمة.
стр. 74
شرح حديث: (إني لا أدري ما قدر بقائي فيكم، فاقتدوا باللذين من بعدي)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا علي بن محمد حدثنا وكيع ح وحدثنا محمد بن بشار حدثنا مؤمل حدثنا سفيان عن عبد الملك بن عمير عن مولى لـ ربعي بن حراش عن ربعي بن حراش عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله ﷺ : (إني لا أدري ما قدر بقائي فيكم، فاقتدوا باللذين من بعدي، وأشار إلى أبي بكر وعمر)].
هذا الحديث إسناده ضعيف؛ لأن فيه مولى ربعي بن حراش واسمه هلال وهو مجهول، وتفرد بالرواية عنه عبد الملك بن عمير ولم يوثقه سوى ابن حبان، ولكن الحديث صحيح من طرق أخرى، وقد جاء في الحديث الآخر: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي).
стр. 75
شرح حديث ابن عباس الذي في علي بن أبي طالب على عمر بن الخطاب
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا علي بن محمد حدثنا يحيى بن آدم حدثنا ابن المبارك عن عمر بن سعيد بن أبي حسين عن ابن أبي مليكة قال: سمعت ابن عباس يقول: (لما وضع عمر على سريره اكتنفه الناس يدعون ويصلون.
أو قال: يثنون ويصلون عليه قبل أن يرفع وأنا فيهم، فلم يرعني إلا رجل قد زحمني وأخذ بمنكبي، فالتفت فإذا علي بن أبي طالب، فترحم على عمر، ثم قال: ما خلفت أحداً أحب إلي أن ألقى الله بمثل عمله منك، وايم الله إن كنت لأظن ليجعلنك الله مع صاحبيك؛ وذلك أني كنت أكثر أن أسمع رسول الله ﷺ يقول: ذهبت أنا وأبو بكر وعمر، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر، فكنت أظن ليجعلنك الله مع صاحبيك)].
هذا الحديث رواه البخاري في صحيحه في قصة قتل عمر، وقصة دفنه، وقصة الشورى، في حديث طويل وهذا جزء منه، وفيه: (إن عمر لما طعن وجاء الناس يزورونه، قال ابن عباس: فلم يرعني إلا رجل أخذ بمنكبي من الخلف، فإذا هو علي، فقال هذه المقالة فترحم على عمر، وقال: ما خلفت أحداً أحب إلي من أن ألقى الله بمثل عمله منك) يخاطب عمر، وفيه رد على الشيعة الرافضة الذين يسبون عمر، ويفضلون علياً عليه، وفيه منقبة لـ عمر ﵁، يقول علي: (كنت أسمع الرسول ﵊ كثيراً ما يقرن بين نفسه وأبي بكر وعمر يقول: جئت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر، فأرجو أن يلحقك الله بصاحبيك).
следующие страницы →