Полный текст (268 стр.). Показаны 246–268 · переход к 251.
стр. 246
شرح حديث: (كان النبي ﷺ إذا مشى مشى أصحابه أمامه)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا علي بن محمد حدثنا وكيع عن سفيان عن الأسود بن قيس عن نبيح العنزي عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: (كان النبي ﷺ إذا مشى مشى أصحابه أمامه، وتركوا ظهره للملائكة)].
وهذا لا بأس بسنده، وفيه: أن أصحابه يمشون أمامه أو عن يمينه أو عن شماله، ولا يمشون خلفه.
стр. 247
الوصاة بطلبة العلم
стр. 248
شرح حديث: (سيأتيكم أقوام يطلبون العلم)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الوصاة بطلبة العلم.
حدثنا محمد بن الحارث بن راشد المصري حدثنا الحكم بن عبدة عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري ﵁، عن رسول الله ﷺ أنه قال: (سيأتيكم أقوام يطلبون العلم، فإذا رأيتموهم فقولوا لهم: مرحباً مرحباً بوصية رسول الله ﷺ واقنوهم)، قلت للحكم: ما اقنوهم؟ قال: علموهم].
وهذا الحديث ضعيف من أجل أبي هارون العبدي وهو ضعيف، ولا يحتج به في أن النبي ﷺ وصى بطلبة العلم، لكن ينبغي إكرامهم والإحسان إليهم والاهتمام بهم أولى من غيرهم، ويجب على المؤمن أن يكرم أخاه المؤمن، وأن يلقاه بالبشر والإحسان، وطلبة العلم في الدرجة الأولى من الإكرام.
стр. 249
شرح حديث: (سيأتيكم أقوام من بعدي يطلبون العلم فرحبوا بهم)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عبد الله بن عامر بن زرارة حدثنا المعلى بن هلال عن إسماعيل قال: دخلنا على الحسن نعوده حتى ملأنا البيت، فقبض رجليه، ثم قال: دخلنا على أبي هريرة ﵁ نعوده حتى ملأنا البيت، فقبض رجليه، ثم قال: (دخلنا على رسول الله ﷺ حتى ملأنا البيت، وهو مضطجع لجنبه، فلما رآنا قبض رجليه، ثم قال: إنه سيأتيكم أقوام من بعدي يطلبون العلم فرحبوا بهم وحيوهم وعلموهم)، قال: فأدركنا والله أقواماً ما رحبوا بنا ولا حيونا ولا علمونا، إلا بعد أن كنا نذهب إليهم فيجفونا].
وهذا ضعيف جداً؛ لأجل المعلى بن هلال فقد قيل: إنه ضعيف الحديث، وبعضهم حكم عليه بالوضع، ومما يدل أيضاً على ضعفه ونكارته: أن الحسن قال: أدركنا أقواماً يجفوننا، والذي أدركهم هم الصحابة، والصحابة لا يمكن أن يجفوهم، وإن كان بعضهم قد يحمله على أنه أدرك صغار الصحابة، لكنه أدرك بعض الصحابة، وإن كان لم يدرك أبا هريرة، والعناية بطلبة العلم معلومة من النصوص الأخرى.
стр. 250
شرح حديث (إن الناس لكم تبع)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا علي بن محمد حدثنا عمرو بن محمد العنقزي أنبأنا سفيان عن أبي هارون العبدي قال: كنا إذا أتينا أبا سعيد الخدري ﵁ قال: مرحباً بوصية رسول الله ﷺ ، إن رسول الله ﷺ قال لنا: (إن الناس لكم تبع، وإنهم سيأتونكم من أقطار الأرض يتفقهون في الدين، فإذا جاءوكم فاستوصوا بهم خيراً)].
وهذا الحديث ضعيف من أجل أبي هارون العبدي كما سبق، ولا تصح الوصية من النبي لطلبة العلم، لكن العناية بهم معروفة؛ فهم أولى الناس بها.
стр. 251
شرح سنن ابن ماجه_ المقدمة [١٧]
العلم النافع هو العلم الذي يتعلمه صاحبه ليرفع الجهل عن نفسه وعن غيره، ويعمل به، أما إذا تعلم العلم رياءً وسمعة، أو ليماري به السفهاء ويباهي به العلماء؛ فإنه على خطر عظيم، وقد جاء الوعيد الشديد في حقه كما في الأحاديث النبوية.
стр. 252
الانتفاع بالعلم والعمل به
стр. 253
شرح حديث: (اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الانتفاع بالعلم والعمل به.
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو خالد الأحمر عن ابن عجلان عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة قال: كان من دعاء النبي ﷺ : (اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن دعاء لا يسمع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع)].
هذه ترجمة عظيمة، وهي: [باب العمل بالعلم والانتفاع به] لأن المقصود من تعلم العلم هو العمل والانتفاع به، فإذا لم يعمل الإنسان بالعلم ولم ينتفع به فإنه يكون من المغضوب عليهم، ويكون فيه شبه باليهود الذين معهم العلم ولم يعملوا به، أما إذا عمل بعلمه وانتفع به فإنه يكون مع المنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين الذين نسأل الله في كل ركعة من ركعات الصلاة أن يهدينا صراطهم، وهم الذين يعلمون ويعملون؛ تعلموا العلم وانتفعوا به وعملوا به، هؤلاء هم المنعم عليهم وهم أهل السعادة، أما أهل الشقاوة فهم طائفتان: الطائفة الأولى: المغضوب عليهم، وهم الذين يعلمون ولا يعملون، فلا ينتفعون بعلمهم، كاليهود وأشباههم، ولهذا قال بعض العلماء: من فسد من علمائنا ففيه شبه باليهود.
والطائفة الثانية: الضالون الذين يعملون بجهل وضلال، ليس عندهم علم، فقدوا العلم والبصيرة، فهم يتخبطون في دياجير الظلمات، كالصوفية وبعض الزهاد وغيرهم، ويدخل في هذا النصارى دخولاً أولياً، فهم الضالون، ولهذا شرع لنا الله قراءة الفاتحة في كل ركعة من ركعات الصلاة، وفي أولها حمد الله والثناء عليه وتمجيده: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢]، ثم ثناء على الله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤] وتمجيد لله، وتوسل في الثناء عليه، وفيها أركان العبادة الثلاثة: المحبة، والخوف، والرجاء.
ثم بعدها: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] (إياك نعبد) هذه هي سر الخليقة التي من أجلها خلق الله الخلق وهي العبادة والتوحيد والطاعة، ((إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ))، فالعبادة منك أيها العبد، والاستعانة بالله ، ثم بعد ذلك هذا الدعاء العظيم الذي هو أنفع وأعظم وأجمع دعاء، وحاجة الإنسان إلى هذا الدعاء أعظم من حاجته إلى الطعام والشراب، بل أعظم من حاجته إلى النفس الذي يتردد بين جنبيه؛ وذلك أن الإنسان إذا فقد الطعام والشراب مات الجسد، والموت لابد منه إن عاجلاً أو آجلاً، ولا يضر الإنسان أن يموت إذا كان مستقيماً على طاعة الله، وكان موحداً لله، فالموت لابد منه، لكن إذا فقد الهداية مات قلبه وروحه وصار إلى النار -نعوذ بالله- وبهذا يتبين أن حاجة العبد إلى هذا الدعاء أعظم من حاجته إلى الطعام والشراب، بل أعظم من حاجته إلى النفس الذي يتردد بين جنبيه، وهو: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٦ - ٧].
فالله تعالى قسم الناس إلى ثلاثة أقسام: منعم عليهم، ومغضوب عليهم، وضالون.
فأنت تسأل الله أن يهديك الصراط المستقيم، صراط المنعم عليهم: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ * ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، وقد بينه الله تعالى في سورة النساء بقوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء:٦٩] أربع طبقات: الأنبياء، والصديقون، والشهداء، والصالحون، فأنت تسأل الله أن يهديك الصراط المستقيم صراط المنعم عليهم، وتسأل الله أن يجنبك طريق المغضوب عليهم، ((غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ))، أي: غير صراط المغضوب عليهم، وهم الذين يعلمون ولا يعملون، (ولا الضالين) أي: وغير طريق الضالين، وهم الذين يعبدون الله على جهل وضلال.
فما أعظم هذا الدعاء وما أنفعه! فهما داءان إذا سلم الإنسان منهما فقد سلم من الشرور، وقد برأ الله نبيه الكريم ﵊ من هذين الدائين؛ وهماً داء الغواية، وداء الضلال، فالذي لا يعمل بعلمه غاوٍ، والذي يعمل على جهل وضلال ضال، والذي يعمل بعلمه راشد.
قال تعالى في كتابه الكريم: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم:١ - ٢]، فأقسم الله أن نبينا ﷺ ليس ضالاً ولا غاوياً، بل هو راشد ﵊.
فهذه الترجمة ترجمة عظيمة: باب العمل بالعلم والانتفاع به؛ لأن الثمرة من العلم هو العمل به والانتفاع به، فإذا لم يعمل الإنسان بعلمه ولم ينتفع به صار كاليهود، ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة:٥].
وهذا الحديث ضعيف؛ لانقطاعه، فـ سعيد بن أبي سعيد لم يسمع من أبي هريرة، وابن عجلان فيه كلام، وأبو خالد الأحمر ضعيف، لكن الحديث أصله في صحيح مسلم: أن النبي ﷺ قال: (اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، أعوذ بعزتك أن تضلني، لا إله إلا أنت الحي الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون، اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يستجاب لها)، فهذا الدعاء ثابت معناه وإن كان الحديث سنده ضعيف، لكنه دعاء عظيم، إذ العلم الذي لا ينفع وبال على صاحبه، كاليهود معهم علم ولم يعملوا به، قال تعالى عنهم: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة:١٤٦]، أي: يعرفون أن محمداً ﷺ رسول الله وأنه حق، ومع ذلك لم يؤمنوا به، ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٤٦]، فلا فائدة من العلم الذي لا يعمل به صاحبه، وقال سبحانه عن اليهود: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٨٩].
قوله: (ومن نفس لا تشبع)، أي: لا تزال تسأل وتسأل وتسأل، ومن رزق القناعة فقد رزق خيراً كثيراً، فالقناعة كنز لا يفنى، والنفس التي لا تشبع لا يزال صاحبها نهماً، يطلب الدنيا ويسألها ولا يشبعه شيء ولا يرويه شيء، كالنهم الذي لا يروى.
قال: (ومن دعوة لا يستجاب لها)، فهذا دعاء عظيم.
والعلم الذي لا ينفع أي: لا ينفع الإنسان ولا يعمل به، وأهم شيء هي الواجبات، وأصل ذلك الإيمان بالله ، فاليهود يعلمون أن محمداً رسول الله ومع ذلك لم يؤمنوا، ولم يعملوا بعلمهم في أصل الدين، وهو الإيمان بالله وبرسوله ﷺ ، فهي شهادة لله تعالى بالوحدانية ولنبيه بالرسالة، فلم يشهدوا لمحمد ﷺ بالرسالة، وإن كانوا يزعمون أنهم مؤمنون بالله، لكن إيمانهم فاسد لا يصح حتى يؤمنوا برسول الله، فالشهادتان لا تقبل إحداهما بدون الأخرى، كل واحدة شرط في الأخرى، فمن شهد أن لا إله إلا الله ولم يشهد أن محمداً رسول الله لم تقبل منه، ومن شهد أن محمداً رسول الله ولم يشهد أن لا إله إلا الله لم تقبل منه، وإذا أطلقت إحداهما دخلت فيها الأخرى، فإذا أطلقت شهادة أن لا إله إلا الله دخلت فيها شهادة أن محمداً رسول الله، وإذا أطلقت شهادة أن محمداً رسول الله دخلت فيها شهادة أن لا إله إلا الله، ولهذا نفى الله تعالى الإيمان عن أهل الكتاب لما لم يؤمنوا بمحمد ﷺ ، وإن كانوا يزعمون أنهم يؤمنون بالله، قال في كتابه الكريم: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة:٢٩]، فنفى عنهم الإيمان بالله واليوم الآخر؛ لأنهم أنكروا نبوة ورسالة نبينا محمد ﷺ ، وإن كانوا يزعمون أنهم مؤمنون.
وكذلك أيضاً من لم يعمل بعلمه في أداء الواجبات وترك المحرمات، أما من أدى الواجبات والفرائض وترك المحرمات فقد آمن بالله ورسوله، ثم اقتصر على ذلك فهو من المقتصدين أصحاب اليمين الذين يدخلون الجنة من أول وهلة، ولكن أعلى منهم وأفضل هم السابقون المقربون، الذين يؤدون الفرائض والواجبات وينشطون في فعل النوافل والمستحبات، ويتركون المحرمات والمكروهات كراهة التنزيه، ويتركون التوسع في المباحات أيضاًَ خشية الوقوع في المكروهات، فهؤلاء هم السابقون المقربون، أما المقتصدون فهم الذين يقتصرون على أداء والواجبات فقط، وليس عندهم نشاط في فعل المستحبات والنوافل، ويتركون المحرمات ولا يفعلون شيئاً منها، ولكن ليس عندهم نشاط في ترك المكروهات كراهة تنزيه، وقد يتوسعون في المباحات، وكل من الطائفتين -السابقين المقربين والمقتصدين- يدخلون الجنة من أول وهلة.
وهناك طائفة ثالثة من المؤمنين وهم الظالمون لأنفسهم الذين يقصرون في بعض الواجبات، أو يفعلون بعض المحرمات، وهم مؤمنون بالله ورسوله موحدون، ولكن قصروا في بعض الواجبات أو ارتكبوا بعض المحرمات، فهؤلاء على خطر، وهم داخلون تحت المشيئة، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، فمنهم من يعفى عنه ومنهم من يصيبه العذاب، فقد يعذب في قبره، كما في حديث ابن عباس في قصة الرجلين اللذين كان أحدهما لا يستنزه من البول، وكان الآخر يمشي بالنميمة، فعذبا في قبريهما.
وقد تصيبه شدائد وأهوال
стр. 254
شرح حديث: (اللهم انفعني بما علمتني)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبد الله بن نمير عن موسى بن عبيدة عن محمد بن ثابت عن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يقول: (اللهم انفعني بما علمتني، وعلمني ما ينفعني، وزدني علماً، والحمد لله على كل حال)].
هذا الحديث ضعيف أيضاً؛ لأن موسى بن عبيدة الربذي يضعف في الحديث، ولكن هذا دعاء طيب: (اللهم انفعني بما علمتني، وعلمني ما ينفعني) فهذا دعاء مطلوب، كون الإنسان يسأل ربه أن ينفعه بما علمه وأن يعلمه ما ينفعه، فهذا مطلوب، لكن الحديث بهذا السند ضعيف، ولكن معناه صحيح، فقد جاءت الأدلة بما يدل على هذا، ومن ذلك سورة الفاتحة فالدعاء الذي فيها يشهد لهذا الدعاء، فأنت تسأل الله أن يهديك: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة:٦ - ٧]، فقوله: (اللهم علمني ما ينفعني، وانفعني بما علمتني)، له شواهد من الأدلة العامة، وهو بهذا السند ضعيف.
وقد قال الترمذي: (حسن غريب من هذا الوجه).
لكن له شواهد أخرى، وهو بهذا السند ضعيف.
وقوله: (الحمد لله على كل حال) ورد في بعض الأحاديث الضعيفة ما يدل عليه، فقد ورد عند دخول المسجد الحرام، كما ذكر صاحب شرح زاد المستقنع: أنه إذا دخل المسجد الحرام يقول: اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلالك وعظيم سلطانك، وفي آخره: (والحمد لله على كل حال)، لكنه ضعيف.
وكون الإنسان يحمد الله على كل حال له شواهد، منها قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢].
стр. 255
شرح حديث: (من تعلم علماً مما يبتغى به وجه الله)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا يونس بن محمد وسريج بن النعمان قالا: حدثنا فليح بن سليمان عن عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر أبي طوالة عن سعيد بن يسار عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (من تعلم علماً مما يبتغى به وجهُ الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا لم يجد عَرفَ الجنة يوم القيامة) يعني: ريحها].
قوله: (مما يبتغي) أي: المتعلم، فيكون (وجه) مفعولاً به، أو (مما يبتغى به وجه الله) فيكون (وجه) نائب فاعل.
وهذا الحديث ضعيف لأجل فليح بن سليمان، لكن له شواهد وهو ثابت، وفيه الوعيد الشديد على تعلم العلم لأجل الدنيا، ويشهد له قوله ﷺ : (من تعلم علماً مما يبتغى به وجهُ الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا لم يرح رائحة الجنة)، وفي هذا اللفظ: (لم يجد عرف الجنة) يعني: ريحها، ويشهد له كذلك قول الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٥ - ١٦].
فتعلم العلم من أجل القربات، وأفضل الطاعات، فيجب على الإنسان أن يخلصه لله، وأن يخلص نيته لله في طلبه للعلم، ويقصد به وجه الله والدار الآخرة، فيتعلم العلم من أجل أن يرفع الجهل عن نفسه وعن غيره، من أجل أن يعبد الله على بصيرة، يتعلمه طاعة لله وابتغاء مرضاته وتعبداً له؛ لأن تعلم العلم من أفضل القربات وأجل الطاعات، حتى قال العلماء: إنه أفضل من نوافل العبادة وأفضل من أن تتفرغ للعبادة، فإذا كان يمنعك صلاة النافلة أو صوم النافلة من طلب العلم فطلب العلم مقدم، فالواجب على طالب العلم أن يخلص نيته لله، وأن يقصد في تعلمه للعلم وجه الله والدار الآخرة، وأن يرفع عن نفسه الجهل، سئل الإمام أحمد ﵀: كيف يخلص نيته لله؟ قال: ينوي رفع الجهل عن نفسه وعن غيره؛ فيعبد ربه على بصيرة، وينوي رفع الجهل عن غيره ويعلم غيره؛ لأن الإنسان خرج من بطن أمه لا يعلم شيئاً ثم علمه الله، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل:٧٨].
والحديث ضعيف كما سبق، لكن الشواهد تقويه، وينظر هل هو في مسلم أو معناه فقط، وأظنه في سنن أبي داود، وتشهد له الآية الكريمة: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٥ - ١٦].
والآيات الكريمة قد تشهد للحديث الضعيف ويدل على أن له أصل.
والمراد بالعلم هنا العلم الشرعي، والعلم إذا أطلق فالمراد به العلم الشرعي، علم الحلال والحرام، وفي مقدمة ذلك علم التوحيد وأسماء الله وصفاته وأفعاله، وقد ثبت في الصحيحين من حديث معاوية بن أبي سفيان ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، وأنا القاسم والله المعطي)، هذا الحديث منطوقه: أن من فقهه الله في الدين فقد أراد به خيراً، ومفهومه: أن من لم يفقه في الدين لم يرد الله به خيراً، وأعظم الفقه في الدين الفقه في أسماء الله وصفاته، ثم الفقه في أحكام الحلال والحرام.
[قال أبو الحسن: أنبأنا أبو حاتم حدثنا سعيد بن منصور حدثنا فليح بن سليمان، فذكر نحوه].
أبو الحسن القطان هو راوي السنن عن ابن ماجة.
وهذا سند آخر لكن مداره على فليح شيخ الحديث الأول.
стр. 256
شرح حديث: (من طلب العلم ليماري به السفهاء)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا هشام بن عمار حدثنا حماد بن عبد الرحمن حدثنا أبو كرب الأزدي عن نافع عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: (من طلب العلم ليماري به السفهاء، أو ليباهي به العلماء، أو ليصرف وجوه الناس إليه فهو في النار)].
وهذا الحديث أيضاً ضعيف، من أجل أبي كرب وحماد بن عبد الرحمن، وهما ضعيفان، لكن الحديث له شواهد.
قوله: (من تعلم العلم ليماري به السفهاء) أي: يجادلهم (أو ليباهي به العلماء، أو ليصرف وجوه الناس إليه فهو في النار)، ففيه الوعيد الشديد على من تعلم لأجل هذه المقاصد السيئة؛ فلم يتعلم إلا ليخاصم العلماء، ويجادلهم، أو ليجاري السفهاء ويترفع عليهم، أو ليصرف وجوه الناس إليه، أي: لا يتعلمه إلا رياء وسمعة لا لأجل الله، وتعلم العلم عبادة عظيمة، فيجب على طالب العلم أن يخلص نيته في طلبه لله ويجاهد نفسه، ويدافع الوساوس والخواطر الرديئة، فلا يتعلم لأجل المال، ولا لأجل الدنيا، ولا من أجل الشهرة، ولا من أجل المنصب، فكل هذه الأمور لا ينبغي أن تكون على بال طالب العلم، فالعلم أسمى من ذلك وأعلى، وما يعطاه من المكافأة وغيرها مما يعينه على تعلم العلم ويشجعه، فينبغي ألا تكون له مقاصد سيئة.
وقوله ﷺ : (أو ليباهي به العلماء) أي: ليفاخر العلماء، أو ليصرف وجوه الناس إليه، وهذا الوعيد الشديد يدل على أنه من الكبائر، وللحديث له شواهد يرتقي بها.
وينبغي للإنسان أن يكون تعلمه العلم لله، أما إذا كانت النية مشتركة كما جاء في حديث: (الرجل يجاهد لإعلاء كلمة الله وللمغنم)، فعلى حسب ما غلب عليه، فإن غلب الإخلاص فهو مخلص، وإن غلبت نية الدنيا فهو لها، لكن ينبغي للإنسان في كل حال أن يجاهد نفسه حتى يكون طلبه للعلم لله، مثلما قال بعض السلف: طلبنا العلم لغير الله فأبى إلا أن يكون لله، فيجاهد ويدافع الخواطر الرديئة، والله تعالى يقول: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩]، وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت:٦].
وإذا لم يدخل في العلم إلا ليماري العلماء، أو يصرف وجوه الناس فقد يعاقب بهذه النية السيئة.
стр. 257
شرح حديث: (لا تعلموا العلم لتباهوا به العلماء)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن يحيى حدثنا ابن أبي مريم أنبأنا يحيى بن أيوب عن ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ قال: (لا تعلموا العلم لتباهوا به العلماء، ولا لتماروا به السفهاء، ولا تخيروا به المجالس، فمن فعل ذلك فالنار النار)].
وهذا الحديث ضعيف بسبب أبي الزبير فهو مدلس، وفيه تدليس ابن جريج، ولكن الحديث له شواهد يرتقي بها إلى درجة الحسن لغيره، وفيه التحذير من هذه المقاصد السيئة.
فمن تعلم العلم ليباهي به العلماء، أي: للمفاخرة والمباهاة، أو ليماري به السفهاء، أي: يخاطب السفهاء، أو ليتخير به المجالس، أي: حتى يقدم في المجالس ويشار إليه وينظر إليه من أجل المراءاة والتعاظم، فمن تعلم العلم لأجل ذلك فهذا مقصد سيئ.
стр. 258
شرح حديث: (إن أناساً يتفقهون في الدين ويأتون الأمراء ليصيبوا من دنياهم)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن الصباح أنبأنا الوليد بن مسلم عن يحيى بن عبد الرحمن الكندي عن عبيد الله بن أبي بردة عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: (إن أناساً من أمتي سيتفقهون في الدين، ويقرءون القرآن، ويقولون: نأتي الأمراء فنصيب من دنياهم، ونعتزلهم بديننا، ولا يكون ذلك، كما لا يجتنى من القتاد إلا الشوك، كذلك لا يجتنى من قربهم إلا) قال محمد بن الصباح: كأنه يعني، الخطايا].
الإتيان إلى الأمراء ينبغي أن يكون لمصلحة الدين، لنصحهم وإبلاغهم ما يحصل من الناس، كما قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: (الدين النصحية، قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم)، وأئمة المسلمين هم الأمراء، فإذا أتاهم لأجل النصيحة والبلاغ والبيان فهذا طيب، أما إذا جاء الأمراء من أجل المداهنة، ولكي يحصل على شيء من رزقهم وعطائهم فهذا هو المذموم.
وهذا الحديث إسناده ضعيف؛ لأن عبيد الله بن المغيرة بن أبي بردة الكناني مجهول، وإن كان الحافظ ابن حجر قال: إنه مقبول، لكن يحيى بن عبد الرحمن الكندي تفرد بالرواية عنه، ولم يوثقه أحد، وحكم بجهالته الذهبي والبوصيري.
وفيه أيضاً الوليد بن مسلم وهو مدلس وقد عنعن.
والمقصود أن الأمراء يزارون للبلاغ والنصيحة والبيان، وإذا كانت الزيارة للسلام فينبغي أن تكون معها نصيحة وبيان وإبلاغ وإظهار للشفقة والنصح.
стр. 259
شرح حديث: (تعوذوا بالله من جب الحزن)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا علي بن محمد ومحمد بن إسماعيل قالا: حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي حدثنا عمار بن سيف عن أبي معاذ البصري ح وحدثنا علي بن محمد حدثنا إسحاق بن منصور عن عمار بن سيف عن أبي معاذ عن ابن سيرين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (تعوذوا بالله من جب الحزن، قالوا: يا رسول الله! وما جب الحزن؟ قال: واد في جهنم تتعوذ منه جهنم كل يوم أربعمائة مرة، قالوا: يا رسول الله! ومن يدخله؟ قال: أُعِدَّ للقراء المرائين بأعمالهم، وإن من أبغض القراء إلى الله الذين يزورون الأمراء) قال المحاربي: الجورة.
قال أبو الحسن: حدثنا حازم بن يحيى حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن نمير قالا: حدثنا ابن نمير عن معاوية النصري -وكان ثقة- ثم ذكر الحديث نحوه بإسناده.
حدثنا إبراهيم بن نصر حدثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل حدثنا عمار بن سيف عن أبي معاذ قال مالك بن إسماعيل: قال عمار: لا أدري محمد أو أنس بن سيرين].
هذه الأسانيد كلها مدارها على عمار بن سيف وأبي معاذ وهما ضعيفان، فالحديث ضعيف بهذا السند، وأما المتن ففيه نكارة، فإن فيه أن جهنم تتعوذ من جب الحُزن فتتعوذ من نفسها ومن جزء منها، وقد ورد في بعض الأحاديث الاستعاذة من شر النفس، ومعنى ذلك: الاستعاذة من شرها كلها وليس من جزءٍ منها.
وأما القراء الذين يراءون بأعمالهم فقد ثبت فيهم الوعيد الشديد من النصوص الأخرى الواضحة، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠]، وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [لقمان:٢٢]، وثبت في صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال فيما يرويه عن ربه أنه قال: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه)، والرياء لا شك أنه من الشرك، قال ﵊: (ألا أنبئكم بما هو أقوى عليكم عندي من المسيح الدجال؟ قلنا: بلى يا رسول الله! قال: الشرك الخفي؛ يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر الرجل إليه)، فالرياء والسمعة في الأعمال أو الأقوال لا شك أنه من الشرك؛ وإن كان شركاً أصغر، فالأحاديث والنصوص الواضحة الصحيحة كافية في هذا، أما هذا الحديث فضعيف.
وابن ماجة يذكر مثل هذه الأحاديث من باب الترغيب والترهيب، ولذا قال العراقي في ألفيته: (وسهلوا)، أي: في رواية الأحاديث الضعيفة من باب الترهيب والترغيب، وقد يكون لبعضها شواهد.
وقال الترمذي: حسن غريب.
ومقصوده بالحسن: أن له طريقاً أخرى، أو حسن من جهة المتن، وقد اختلف العلماء في قول الترمذي ﵀ عن الحديث أنه حسن.
وقد جاء في الحديث: (إن ناركم هذه جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم، ولولا أنه خففها لما استفدتم منها بشيء).
стр. 260
شرح أثر ابن مسعود فيما يجب على أهل العلم من صيانة علمهم
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا علي بن محمد والحسين بن عبد الرحمن قالا: حدثنا عبد الله بن نمير عن معاوية النصري عن نهشل عن الضحاك عن الأسود بن يزيد عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: لو أن أهل العلم صانوا العلم ووضعوه عند أهله لسادوا به أهل زمانهم، ولكنهم بذلوه لأهل الدنيا لينالوا به من دنياهم، فهانوا عليهم، سمعت نبيكم ﷺ يقول: (من جعل الهموم هماً واحداً هم آخرته كفاه الله هم دنياه، ومن تشعبت به الهموم في أحوال الدنيا لم يبال الله في أي أوديتها هلك).
قال أبو الحسن: حدثنا حازم بن يحيى حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن عبد الله بن نمير قالا: حدثنا ابن نمير عن معاوية النصري -وكان ثقة- ثم ذكر الحديث نحوه بإسناده].
وهذا الحديث ضعيف من أجل نهشل ولكن المتن فيه نصيحة.
قال البوصيري: (هذا إسناد ضعيف فيه نهشل بن مسعد، وقال البخاري في التاريخ الصغير: روى عن معاوية المصري أحاديث مناكير، وقال الحاكم في تهذيب الكمال: روى عن الضحاك المعضلات، وقال أبو سعيد النقاش: روى عن الضحاك الموضوعات.
ولكن متنه لا بأس به من جهة أنه ينبغي لأهل العلم أن يصونوا علمهم عن الدنيا وأغراضها.
وإذا فعل هذا العلماء فمعناه أنهم لم يعملوا بعلمهم ولم يصونوا العلم، فينبغي أن يصان العلم عن الدنيا وأهل الدنيا، وإذا بذله العالم لأجل الدنيا دخل في الوعيد الشديد الوارد في الأحاديث السابقة لمن تعلم علماً مما يبتغى به وجه الله ليصيب به عرضاً من الدنيا.
ومن بذل العلم لأهل الدنيا لابد أن يهون عليهم ويحتقرونه ويهون على الله.
أما هذا الحديث فيشهد له الحديث الآخر: (من كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه، ومن كانت الآخرة همه كفاه الله ما أهم من أمر دينه ودنياه)، فالمتن له شاهد، وكلام ابن مسعود أيضاً له شاهد، لكن السند ضعيف.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال أبو الحسن: حدثنا خازم بن يحيى حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن عبد الله بن نمير قالا: حدثنا ابن نمير عن معاوية النصري -وكان ثقة- ثم ذكر الحديث نحوه بإسناده].
стр. 261
شرح حديث: (من طلب العلم لغير الله)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا زيد بن أخزم وأبو بدر عباد بن الوليد قالا: حدثنا محمد بن عباد الهنائي حدثنا علي بن المبارك الهنائي عن أيوب السختياني عن خالد بن دريك عن ابن عمر ﵄، أن النبي ﷺ قال: (من طلب العلم لغير الله، أو أراد به غير الله، فليتبوأ مقعده من النار)].
وهذا الحديث ضعيف لانقطاعه؛ لأن خالد بن دريك لم يدرك ابن عمر، لكن المتن له شواهد من الأحاديث السابقة، كقوله ﷺ : (من تعلم علماً ليماري به العلماء، أو ليجاري به السفهاء لم يرح رائحة الجنة)، وفي لفظ: (لم يجد عرف الجنة).
وأحاديث هذا الباب كلها ضعيفة لكن متونها لها شواهد، وهي في الترغيب والترهيب.
قال الترمذي في هذا الحديث: حسن غريب لا نعرف من حديث أيوب إلا من هذا الوجه.
стр. 262
شرح حديث: (لا تعلموا العلم لتباهوا به العلماء)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أحمد بن عاصم العبَّاداني حدثنا بشير بن ميمون قال: سمعت أشعث بن سوار عن ابن سيرين عن حذيفة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا تعلموا العلم لتباهوا به العلماء، أو لتماروا به السفهاء، أو لتصرفوا وجوه الناس إليكم، فمن فعل ذلك فهو في النار)].
وهذا الحديث ضعيف لأجل بشير بن ميمون، ولكن المتن له شواهد؛ كما في الأحاديث السابقة: (من تعلم العلم ليماري به العلماء) أي: يجادل العلماء، أو (ليباهي) أي: يفاخر، فعليه هذا الوعيد الشديد.
قال البوصيري: هذا إسناد ضعيف، فيه بشير بن ميمون، قال ابن معين: أجمعوا على طرح حديثه، وقال البخاري: منكر الحديث متهم بالوضع، وقد حسن الحديث ابن ماجة وذلك لكثرة شواهده.
стр. 263
شرح حديث: (من تعلم العلم ليباهي به العلماء)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن إسماعيل أنبأنا وهب بن إسماعيل الأسدي حدثنا عبد الله بن سعيد المقبري عن جده عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من تعلم العلم ليباهي به العلماء، ويجاري به السفهاء، ويصرف به وجوه الناس إليه، أدخله الله جهنم)].
وهذا أيضاً إسناده ضعيف، لكن متنه له شواهد، فيحسن من أجلها، ويشهد له الحديث الذي قبله، والأحاديث السابقة: (من تعلم العلم ليباهي به العلماء) أي: ليفاخر، وفي لفظ آخر: (يماري)، أي: يجادل، (أو ليجاري به السفهاء، أو ليصرف وجوه الناس)، فعليه هذا الوعيد الشديد، وفيه دليل على أن ذلك من كبائر الذنوب.
قال البوصيري: هذا إسناد ضعيف؛ لاتفاقهم على ضعف عبد الله بن سعيد.
مسألة: من رزق العلم وخاف على نفسه الرياء خوفاً شديداً، فهل يسوغ له ذلك ترك نشر العلم؟ لا يسوغ له ذلك، بل يجاهد نفسه وينشر العلم، وقد ذكر أبو العباس ابن تيمية ﵀: أن هذا من تلبيس الشيطان على بعض الناس، فيترك العمل خوفاً من الرياء، ولهذا قال بعض العلماء: العمل لأجل الناس رياء، وترك العمل لأجل الناس رياء، والمعافى من عافاه الله منهما، ومعنى يجاهد نفسه: أن يعمل العمل الصالح ويجاهد نفسه، ولو كان كل واحد إذا خاف الرياء ترك العمل لما عمل أحد، فيجاهد نفسه حتى تحسن نيته وتصلح ولا يترك العمل.
стр. 264
شرح سنن ابن ماجه_ المقدمة [١٨]
من تعلم علماً وجب عليه تبليغه للناس إذا كان الناس بحاجة إليه، أو لم يكن هناك أحد غيره يبلغه للناس، ومن كتم علماً مما يتعين عليه تبليغه، فهو متوعد بالوعيد الشديد يوم القيامة، كما جاء في القرآن والسنة.
стр. 265
تحريم كتمان العلم
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب من سئل عن علم فكتمه.
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أسود بن عامر، حدثنا عمارة بن زاذان، حدثنا علي بن الحكم، حدثنا عطاء، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: (ما من رجل يحفظ علماً فيكتمه إلا أتي به يوم القيامة مُلْجَمَاً بلجام من النار) قال أبو الحسن أي: القطان: وحدثنا أبو حاتم، حدثنا أبو الوليد، حدثنا عمارة بن زاذان فذكر نحوه.
حدثنا أبو مروان العثماني محمد بن عثمان، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: والله لولا آيتان في كتاب الله تعالى ما حدثت عنه - يعني: عن النبي ﷺ شيئا أبداً، لولا قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [البقرة:١٧٤] إلى آخر الآيتين].
أبو الحسن القطان هو راوي السنن عن ابن ماجة.
فهذا الباب عقده المؤلف ﵀ لبيان حكم من كتم شيئاً من العلم.
الحديث الأول في سنده عمارة بن زاذان وهو ضعيف إلا أن له متابع، فيشهد له، فيكون الحديث بهذا حسناً لغيره، ويصلح للاحتجاج، ويشهد له الحديث الذي بعده.
وهذان الحديثان دليلان على أنه لا يجوز كتمان العلم، وأنه يحرم كتمانه، وفيه وعيد شديد على من كتم العلم، ولهذا قال النبي ﷺ في هذا الحديث: (من حفظ علماً فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار).
وفي الحديث الثاني يقول أبو هريرة ﵁: لولا آيتين من كتاب الله ما حدثتكم وهما قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:١٥٩ - ١٦٠] فاشترط الله تعالى لتوبتهم البيان لما كتموا من العلم، ولا تصح التوبة إلا بالبيان.
стр. 266
عدم صحة التوبة ممن كتم العلم إلا ببيان ما كتمه
من عمل معصية ثم تاب منها لا بد أن يتوب منها لذاتها، فإذا كان مثلاً قاتلاً، فلا بد أن يتوب فيما بينه وبين الله ويسلم نفسه لأولياء القتيل؛ حتى تصح توبته، وإذا كان كاتماً فلا بد من التوبة، وتوبته أن يبين؛ ولهذا قال الله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:١٦٠].
وجاء في معنى هذه الآيات والأحاديث نصوص أخرى تدل على أنه لا يجوز الكتمان، فالله نعى على أهل الكتاب كونهم يكتمون العلم، قال تعالى: ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة:٦٢ - ٦٣].
وقال : ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران:١٨٧].
فهذه الآيات وهذه النصوص كلها فيها الذم لمن كتم العلم، وفيها تحريم كتمان العلم، والوعيد الشديد لمن كتم علماً.
قال الخطابي ﵀: إن هذه الأحاديث تشير إلى نوع من العلم، وهو العلم الضروري لا فضول العلم، فإذا كتمه كأن يكتم الإسلام والصلاة عَمَّن جاء يسأله، وقد حان وقت الصلاة مثلاً، فإنه يقع في حكم هذه النصوص وينطبق عليه هذا الوعيد وهذا الوصف.
والصواب: أنه عام في كل كتمان للعلم، سواء سئل عنه أو لم يسأل عنه، والخطابي يقول: هذا في نوع خاص، وهو العلم الضروري الذي إذا سئل عنه كتمه.
والصواب: أنه عام في كل علم يحتاجه الناس، سواء سئل عنه كما في هذا الحديث، أو لم يسأل عنه، فكل علم يحتاج إليه الناس فيكتمه؛ فعليه الوعيد إلا إذا بينه غيره، فإنه يسقط فرض الكفاية، وأدى ما عليه.
فكل علم يحتاج إليه الناس، ويكتمه الإنسان فهو آثم إلا إذا بينه غيره، فإن قام غيره بالبيان سقط عنه الفرض، أما إذا لم يبينه غيره، والناس محتاجون إليه، وعنده هذا العلم، فلا بد أن يبينه، وإلا فإنه يأثم.
ومن الآيات التي تدل على أنَّ من كتم العلم آثم قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُوْلَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة:١٧٤] وهذا فيه الوعيد، وكذلك الآية التي قبلها قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة:١٥٩] وكذلك أخذ الميثاق على أهل الكتاب وذم الكتمان، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١٨٧].
وقوله تعالى في سورة المائدة: ﴿لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة:٦٣] فالآية التي قبلها في سورة المائدة: ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة:٦٢] ثم قال: ﴿لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ﴾ [المائدة:٦٣] يعني: هلا ينهاهم الربانيون والعلماء، ﴿عَنْ قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة:٦٣].
والتخريج في الكتاب الثاني، رواه الشيخان، البخاري ومسلم.
قوله: [حدثنا الحسين بن أبي السري العسقلاني حدثنا خلف بن تميم عن عبد الله بن السري عن محمد بن المنكدر عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا لعن آخر هذه الأمة أولها؛ فمن كتم حديثاً فقد كتم ما أنزل الله).
وهذا الحديث ضعيف جداً، فيه حسين بن أبي السري رمي بالكذب، وفيه عبد الله بن السري أيضاً ضعيف ومنقطع؛ لأن عبد الله بن السري لم يَرْوِ عن ابن المنكدر ففيه ثلاث علل.
والحديث كما قال الألباني ﵀: لم ينفرد به أبو السري، ولو انفرد به لكان موضوعاً، لكن رواه غيره، فيكون ضعيفاً جداً، والسري متهم بالكذب نسأل الله العافية، أو وضاع.
وقال البوصيري في سند هذا الحديث: هذا إسناد فيه الحسين بن أبي السري كذاب، وعبد الله بن السري ضعيف.
وذكر المزي في الأطراف أن عبد الله بن السري لم يدرك محمد بن المنكدر.
والكتمان النهي عنه عام، ولا يتعلق بما قيد في الحديث بأنه إذا لعن آخر هذه الأمة أولها، فكتم العلم لا يقيد بهذه الحالة، بل هو في كل وقت منهي عنه، وكل علم للناس إليه حاجة ففي كتمانه وعيد شديد، إلا إذا بينه غيره.
قوله: [حدثنا أحمد بن الأزهر، حدثنا الهيثم بن جميل، حدثني عمرو بن سليم، حدثنا يوسف بن إبراهيم قال: سمعت أنس بن مالك ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار)].
وهذا الحديث ضعيف أيضاً، فيه يوسف بن إبراهيم، لكن متن الحديث صحيح، إذْ يشهد له الحديث الأول والثاني، فمتن الحديث صحيح، وإن كان السند ضعيفاً لأجل يوسف بن إبراهيم، وفيه تحريم الكتمان، فيحرم على من علم شيئاً أن يكتمه إذا كان للناس حاجة إليه.
قوله: [حدثنا إسماعيل بن حبان بن وافد الثقفي أبو إسحاق الواسطي، حدثنا عبد الله بن عاصم، حدثنا محمد بن داب، عن صفوان بن سليم عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من كتم علماً مما ينفع الله به في أمر الناس في أمر الدين، ألجمه الله يوم القيامة بلجام من النار)].
وهذا الحديث ضعيف أيضاً؛ لأن فيه محمد بن داب وهو ضعيف، ومتن الحديث صحيح تشهد له أحاديث سابقة، وهو أنه يحرم الكتمان.
قوله: [حدثنا محمد بن عبد الله بن حفص بن هشام بن زيد بن أنس بن مالك، حدثنا أبو إبراهيم إسماعيل بن إبراهيم الكرابيسي، عن ابن عون، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من سئل عن علم يعلمه فكتمه، ألجم يوم القيامة بلجام من نار)].
هذا الحديث إسناده حسن، محمد بن عبد الله بن حفص شيخ ابن ماجة روى عنه جمع، ووثقه ابن حبان، ولا نعلم فيه جرحاً.
وهذا الحديث يضم إلى الأحاديث السابقة، وهو يدل على تحريم الكتمان، وأنه لا يجوز، وأنه من كتم علماً فله الوعيد الشديد، وأنه يجب على الإنسان أن يبين ما عنده من العلم إذا كان الناس محتاجين إليه، وكذلك إذا سئل عنه وعنده علم فيجب عليه أن يبين ولا يكتم، فإن بينه غيره فإنه سيرتفع عنه الإثم، ويبقى الاستحباب في البيان.
ومعلومٌ أنَّ الناس يستبعدون الفتوى؛ لعلمهم أن غيرهم يكفيهم، لكن إذا تعين على الإنسان ولم يوجد غيره فيجب عليه أن يبين، إلا الشيء الذي لم يتحقق منه، والذي فيه إشكال فلا يتكلم فيه.
стр. 267
ترتيب ابن ماجة ﵀ لكتابه
لقد كتب ابن ماجة ﵀ هذه المقدمة العظيمة، وقد اشتملت على مائتين وستة وستين حديثاً، وقد بدأ بأصول الدين، ثم بعد ذلك دخل في الفروع، فبدَأَ -على عادة المؤلفين في العبادات- بالصلاة والزكاة والصوم والحج، ثم بعد ذلك دخل في المعاملات، لكنه بدأ بما يتعلق بالإيمان والتوحيد على طريقة المتقدمين كـ البخاري ومسلم وغيرهما، فهم يذكرون أولاً ما يتعلق بالتوحيد والعقيدة والإيمان والعلم، ثم بعد ذلك يدخلون في الفروع، ويبدءون بالصلاة، والصلاة أعظم الواجبات، وأعظم الفرائض بعد الإيمان والتوحيد، وبدأ بالطهارة لأن الطهارة شرط لصحة الصلاة.
أما المتأخرون فإنهم اصطلحوا على أن تبدأ مؤلفاتهم بالطهارة، ويجعلون للتوحيد والإيمان كتباً خاصة، ولكن صنيع المتقدمين أحسن وأولى، كما فعل ابن ماجة، حيث بدأ بالإيمان والتوحيد وأصول الدين، وبدأ البخاري بالوحي ثم الإيمان ثم العلم، ومسلم بدأ بكتاب الإيمان وهكذا.
ولهذا قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمة الله عليه: إن طريقة المتأخرين حصل فيها ضرر لكثير من الناس، فإن كثيراً من الناس يدرسون الفروع، وأحكام الفروع، ويبدءون بالطهارة والصلاة والزكاة والصوم والحج، ثم المعاملات، وينسون ما يتعلق بالتوحيد والإيمان؛ ولهذا ضعف كثير من الناس، فهم لا يعرفون التوحيد، وليس عندهم تحقيق، ولا يعرف أحدهم الفرق بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية والأسماء والصفات؛ بسبب أنه يقرأ كتب المتأخرين، والمتأخرون يبدءون كتبهم بكتاب الطهارة والصلاة ولا يتكلمون عن التوحيد، اكتفاء بأن التوحيد والإيمان له كتب خاصة، وهذا حصل فيه ضرر لكثير من الناس، فطريقة المتقدمين أحسن، حيث يبدأ القارئ والمتعلم بما يتعلق بأصول الدين والتوحيد والإيمان، وإثبات الصفات لله ، والعلم، ثم بعد ذلك يدخل في أبواب الفروع، في الطهارة والصلاة ونحو ذلك.
стр. 268
إيراد ابن ماجة لأحاديث ضعيفة وموضوعة وعذره في ذلك
وابن ماجة ﵀ على طريقة المتقدمين، فقد ذكر هذه المقدمة العظيمة، جزاه الله خيراً، وشكر سعيه، لكنه أتى بهذه الأحاديث الضعيفة الكثيرة، ويعتذر لـ ابن ماجة ﵀ بأنه قد لا يعلم حال كثير من هؤلاء الرواة، وقد يكون عنده بعض الرواة الوضاعين لم يصلوا عنده إلى حد الوضع، فيجعل هذا الحديث ضعيفاً جداً، فيذكر الحديث لعله يكون له شاهد أو متابع، ثم يذكره بالسند، ومن أسند فقد برئ من العهدة، فأنت لمَّا تقرأ السند تعرف أنَّ العلماء يعلمون الحكم على الحديث من السند، فلهذا ذكر هذه الأحاديث الضعيفة؛ لأنها لم يشتد ضعفها عنده، وإن كان بعض رواتها وضاعاً فقد لا يشتد الوضع عنده، أو لأنه لم يتيسر له أن يعلم الحكم على هؤلاء الرواة، أو لأنه أسند ومن أسند فقد بريء من العهدة، أو لأنه يريد أن يذكر ما في الباب من مسألة، ولعل من يأتي بعده يجد لها شواهد ومتابعات، ولعله لجميع هذه الأمور، فهذا عذره ﵀، وإن كان الأولى بالإمام ابن ماجة أن ينزه كتابه من الوضاعين والكذابين والمتهمين بالكذب، لكن هذا عذره ﵀.
ويجوز للعالم أن يكتم عن طلبة العلم، وأما إذا كان عنده عامة فلا بد أن يبين لهم.