← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 36998

شرح سنن ابن ماجة - الراجحي

عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

Полный текст (268 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

بيان أجر من دعا إلى هدى وإثم من دعا إلى ضلالة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا عيسى بن حماد المصري قال: أنبأنا الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن سعد بن سنان عن أنس بن مالك ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: (أيما داعٍ دعا إلى ضلالة فاتبع فإن له مثل أوزار من اتبعه ولا ينقص من أوزارهم شيئاً. وأيما داعٍ دعا إلى هدى فاتبع، فإن له مثل أجور من اتبعه ولا ينقص من أجورهم شيئاً)]. وهذا الحديث ضعيف؛ لأن في سنده سعد بن سنان وهو ضعيف، لكنه شاهد للحديثين السابقين. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا أبو مروان محمد بن عثمان العثماني قال: حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً. ومن دعا إلى ضلالة فعليه من الإثم مثل آثام من اتبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً)]. وهذا الحديث إسناد صحيح، وأخرجه مسلم بهذا اللفظ: (من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً. ومن دعا إلى ضلالة كان عليه وزر من تبعه لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئاً)، وأيضاً يدل على هذا قول الله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [النحل:٢٥]، وهذا يدل على ما دلت عليه الأحاديث السابقة من أن من دعا إلى خير فله أجره وأجر من عمل بهذا الخير، ومن دعا إلى ضلالة فعليه وزره ووزر من اتبعه في هذا الضلال، نسأل الله السلامة والعافية. وفيه التحذير من عمل السوء والترغيب في عمل الخير، وأن الإنسان إذا سابق إلى الخير ودعا إليه فله أجر من عمله، وفيه التحذير من الشر والبدع والمعاصي؛ لأن من عمل المعاصي ودعا إليها فعليه وزره ووزر من عمل بها. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن يحيى قال: حدثنا أبو نعيم قال: حدثنا إسرائيل عن الحكم عن أبي جحيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من سن سنة حسنة فعمل بها بعده كان له أجره ومثل أجورهم من غير أن ينقص من أجورهم شيئاً. ومن سن سنة سيئة فعمل بها بعده كان عليه وزره ومثل أوزارهم من غير أن ينقص من أوزارهم شيئاً)]. قال البوصيري: هذا إسناد ضعيف؛ لضعف إسماعيل بن خليفة أبي إسرائيل، لكن يكون شاهداً للحديث السابق. قال في تخريجه: إسناده حسن ومتنه صحيح، فـ إسماعيل بن خليفة العبسي صدوق له أغاليط، كما حققناه في تعقبات على التقريب للحافظ. ولهذا ومن عجب أن البوصيري ﵀ ضعفه جملة، وقال: هذا إسناد ضعيف لضعف إسماعيل بن خليفة أبي إسرائيل الملائي، وله شاهد في الصحيح من حديث جرير بن عبد الله، قلت: قد تقدم غير ما حديث صحيح بهذا المعنى من حديث أنس وأبي هريرة. والأحاديث هذه كلها تشهد له، فعلى هذا يكون حسناً بشواهده. وفي بعض النسخ: حدثنا إسرائيل -وهو إسماعيل أبو إسرائيل - عن الحكم عن أبي جحيفة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا أبو معاوية عن ليث عن بشير بن نهيك عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما من داعٍ يدعو إلى شيء إلا وقف يوم القيامة لازماً لدعوته ما دعا إليه وإن دعا رجل رجلاً)]. وهذا الحديث فيه ليث بن أبي سليم وهو ضعيف، لكنه شاهد للأحاديث السابقة.

стр. 212

فضل من أحيا سنة قد أميتت أو دعا إلى خير قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب من أحيا سنة قد أميتت. حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا زيد بن الحباب حدثنا كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني حدثني أبي عن جدي أن رسول الله ﷺ قال: (من أحيا سنة من سنتي فعمل بها الناس كان له مثل أجر من عمل بها لا ينقص من أجورهم شيئاً. ومن ابتدع بدعة فعمل بها كان عليه أوزار من عمل بها لا ينقص من أوزار من عمل بها شيئاً)]. وهذا الحديث ضعيف؛ لأن كثير بن عبد الله المزني ضعيف، لكنه شاهد للأحاديث السابقة. وفيه: أن من سن سنة حسنة وأحيا السنة وأظهرها فله أجرها، ومن عمل السيئات والبدع فعليه وزرها ووزر من عمل بها. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن يحيى قال: حدثنا إسماعيل بن أبي أويس قال: حدثني كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من أحيا سنة من سنتي قد أميتت بعدي فإن له من الأجر مثل أجر من عملها من الناس، لا ينقص من أجور الناس شيئاً. ومن ابتدع بدعة لا يرضاها الله ورسوله فإن عليه مثل إثم من عمل بها من الناس، لا ينقص من آثام الناس شيئاً)]. وهذا أيضاً ضعيف. لكن المعنى صحيح، وهو شاهد للأحاديث السابقة، ودل على ما دلت عليه الأحاديث السابقة من الحث على نشر السنن، وأن له أجر من عمل بها، وفيه التحذير من البدع والمعاصي وأن من ابتدعها عليه وزر من عمل بها.

стр. 213

فضل من تعلم القرآن وعلمه قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب فضل من تعلم القرآن وعلمه. حدثنا محمد بن بشار حدثنا يحيى بن سعيد القطان حدثنا شعبة وسفيان عن علقمة بن مرثد عن سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن السلمي عن عثمان بن عفان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : قال شعبة: خيركم، وقال سفيان: أفضلكم (من تعلم القرآن وعلمه)]. هذا الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، وفيه فضل من تعلم القرآن وعلمه، وأنهم خير الناس وأفضل الناس، والمراد من تعلم القرآن أي: قرأ القرآن وحفظ ألفاظه، وتعلم معانيه وعمل به، فهؤلاء من خيار الناس، أما من لم يعمل به فإنه حجة عليه، ولهذا قال بعض السلف: ليحذر أحدكم أن يقرأ القرآن والقرآن يلعنه، قيل: كيف يقرأ القرآن والقرآن يعلنه؟ قال: يقرأ قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٢٧٨] وهو يتعامل بالربا، يقرأ قول الله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة:١٨٨] وهو يأكل أموال الناس بالباطل، يقرأ: ﴿أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود:١٨] وهو يظلم، يقرأ ﴿لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران:٦١] ويكذب. وكان الصحابة رضوان الله عليهم إذا تعلموا عشر آيات لم يجاوزوها حتى يعلموا معانيها والعمل بها، والقراء هم العلماء وهم أهل مجلس عمر ﵁ وكانوا شباباً أو كهولاً، والمراد بالقراء: العلماء؛ لأن القراء هم العلماء في العصر الأول، ولم يكن هناك قراء ليسوا علماء، بل القراء هم العلماء، بخلاف الأزمان المتأخرة ففيهما قراء وليسوا علماء، وليس عندهم فقه. جاء عن عبد الله بن مسعود وعثمان بن عفان ﵄ قالا عن الصحابة: كانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا معانيها والعمل بها، قالوا: فتعلمنا العلم والعمل جميعاً. ومكث ابن عمر في سورة البقرة ثماني سنين يتعلم معانيها وأحكامها وفقهها. ولما سمع أبو عبد الرحمن السلمي هذا الحديث جلس يقرئ الناس القرآن ويعلمهم أربعين سنة، وكان الصحابة والتابعون هم أسبق الناس إلى العمل بنصوص الكتاب والسنة، وهم أهل العلم والعمل جميعاً، أما من يعلم ولا يعمل فهذا فيه شبه باليهود ومغضوب عليه، نسأل الله السلامة والعافية. والذي يعمل بدون علم هذا ضال كالنصارى وأشباههم، والذي يعلم ويعمل هو من أهل الصراط المستقيم، وهم من المنعم عليهم، وهؤلاء هم أهل العلم والعمل جمعياً، وهم أهل الله وخاصته، وهم أهل القرآن. نسأل الله أن يجعلنا وإياكم منهم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا علي بن محمد حدثنا وكيع حدثنا سفيان عن علقمة بن مرثد عن أبي عبد الرحمن السلمي عن عثمان بن عفان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أفضلكم من تعلم القرآن وعلمه)]. وهذا كسابقه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا أزهر بن مروان حدثنا الحارث بن نبهان حدثنا عاصم بن بهدلة عن مصعب بن سعد عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : (خياركم من تعلم القرآن وعلمه) قال: وأخذ بيدي فأقعدني مقعدي هذا أقرئ]. وهذا ضعيف الإسناد؛ لأن الحارث بن نبهان ضعيف جداً، ولكن معناه صحيح، فقوله: (خياركم من تعلم القرآن وعلمه) دل عليه الحديث السابق أن من تعلم القرآن وعلمه هم خيار الناس وأفضل الناس، وهم أهل القرآن العاملون به، ولو لم يحفظه عن ظهر قلب، فمن قرأ القرآن وعمل بما فيه فهو من أهل الله الخاصة، سواء حفظه عن ظهر قلب أو لم يحفظه، لكن لو حفظه عن ظهر قلب فهذا أفضل، وإن لم يحفظه وقرأ من المصحف وهو يعمل به فهو من أهل القرآن. وأما من يأخذ أجرة على تعليم القرآن فيرجى له أن يدخل في هذا إذا كان محتاجاً؛ لحديث البخاري: (إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله)؛ لأنه من أجل التعليم ومن أجل كونه يجلس ويأخذ التعليم عليه وقتاً قد لا يتيسر له وقت للكسب، فالصواب: أنه لا بأس بأخذ الأجرة على تعليم القرآن. لكن إذا أقرأ القرآن وعلم القرآن بدون أجر فهذا أفضل، وإن أخذ أجراً لحاجته فله أجره.

стр. 214

شرح حديث: (مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن بشار ومحمد بن المثنى قالا: حدثنا يحيى بن سعيد عن شعبة عن قتادة عن أنس بن مالك عن أبي موسى الأشعري ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة: طعمها طيب وريحها طيب. ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة: طعمها طيب ولا ريح لها. ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة: ريحها طيب وطعمها مر. ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة: طعمها مر ولا ريح لها)]. وهذا الحديث رواه الشيخان: البخاري ومسلم رحمهما الله، وفيه فضل قراءة القرآن، وأن من قرأ القرآن فله فضله حتى ولو كان منافقاً، وإن كان لا يستفيد من هذا الفضل لكن له ميزة، فمن قرأ القرآن فله ميزة على غيره حتى ولو كان منافقاً، وإن كان هذا لا يتصل بالدار الآخرة إذا كان منافقاً نفاقاً أكبر، وفيه ضرب الأمثال، والنبي ﷺ كان يضرب الأمثال، وربنا ضرب الأمثال، فقال سبحانه: ﴿وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٣]، والأمثال فيها فائدة ينتقل الإنسان بها من المثل الحسي إلى المثل المعنوي، وينتقل من النظير إلى نظيره، ومن ذلك أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ فقال: (يا رسول الله! إن امرأتي ولدت غلاماً أسود) يعني: أنه أبيض وزوجته كذلك، فكيف جاء ولدها أسود؟ فقال له النبي: (هل لك من إبل؟ قال: نعم. قال: فما ألوانها؟ قال: حمر. قال: هل فيها من أورق؟ قال: إن فيها لورقاً. قال: من أين جاء هذا؟ قال: لعله نزعه عرق. قال: وابنك هذا لعله نزعه عرق)، وهذا من ضرب الأمثال، فالأمثال ينتقل الإنسان بها من النظير إلى نظيره، ومن المثل الحسي إلى المثل المعنوي، ولهذا قال الله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ [الحشر:٢] وهذا من أدلة القياس، يعني: اعتبروا وانتقلوا من النظير إلى نظيره. وفي حديث أبي موسى ضرب النبي ﷺ فيه أربعة أمثال لقراءة القرآن لأربعة من الناس: مؤمن يقرأ القرآن، ومؤمن لا يقرأ القرآن، ومنافق يقرأ القرآن، ومنافق لا يقرأ القرآن، أما المؤمن الذي يقرأ القرآن فضرب له مثلاً بالأترجة، قال: (طعمها طيب) هذا هو مثل الإيمان، (وريحها طيب) وهذه قراءة القرآن، فالأترجة طعمها طيب وريحها طيب، والأترجة فيها منافع كلها مفيدة شحمها وبذرها وكذلك قشرها، وما بين القشر أيضاً والشحم أربعة أنواع كلها مفيدة القشر ويليه الأبيض، وكلها فيها فوائد متعددة، وهي مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن فقوله: (ريحها طيب) هذا مثل قراءة القرآن، وقوله: (وطعمها طيب) وهذا هو الإيمان. وقوله: (ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة طعمها طيب) هذا هو الإيمان، (ولا ريح لها)؛ لأنه ليس معه قراءة قرآن. وقوله: (ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة ريحها طيب) وهذا القرآن، (وطعمها مر) هذا مثل الكفر والعياذ بالله، فالمنافق خبيث ومر؛ لأنه كافر، وقراءته للقرآن: ريحها طيب؛ لأنه يقرأ القرآن. وقوله: (ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن مثل الحنظلة طعمها مر ولا ريح لها)؛ لأنه ليس عنده إيمان وليس عنده قرآن. نسأل الله السلامة والعافية.

стр. 215

شرح حديث: (إن لله أهلين من الناس) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا بكر بن خلف أبو بشر حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا عبد الرحمن بن بديل عن أبيه عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن لله أهلين من الناس. قالوا: يا رسول الله من هم؟! قال: هم أهل القرآن أهل الله وخاصته)]. وهذا في باب فضل القرآن، وهذا الحديث لا بأس بسنده، فسنده حسن، ويؤيده ما جاء في الختمة المنسوبة إلى شيخ الإسلام في الدعاء المعروف: (واجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهلك وخاصتك يا أرحم الراحمين!) إن صحت نسبته إلى شيخ الإسلام. وقوله: (إن لله أهلين. قالوا: ومن هم؟ قال: هم أهل القرآن، هم أهل الله وخاصته)، يعني: أولياؤه وأحبابه الذين يتلون القرآن ويعملون به، ويمتثلون أوامره وينتهون عن زواجره، ويقفون عند حدوده، ويؤمنون بمتشابهه، ويعملون بمحكمه، ويتعظون بمواعظه، هؤلاء هم أهل القرآن، وهم أهل الله وخاصته، وهم الذين يتلونه حق تلاوته، كما قال الله سبحانه: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [البقرة:١٢١] يعني: يعملون به؛ لأن التلاوة نوعان كما سبق: تلاوة لفظية، وهذه يقرأها البر والفاجر، كما في حديث أبي موسى، فالمنافق يقرأ القرآن والمؤمن يقرأ القرآن. والنوع الثاني: تلاوة حكمية، وهي تنفيذ أحكامه وتحقيق أخباره، وهذه هي المراد من الحديث، وهي المعول عليها، وهي التي عليها مدار السعادة والنجاة، والتلاوة الحكمية مذكورة في قول الله : ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [البقرة:١٢١]، يعني: يعملون به ويتبعون ما فيه، فهذه التلاوة هي الاتباع، ومن ذلك ما جاء في الحديث في قصة الرجل الفاجر الذي يوضع في قبره ويضرب بمرزبة من حديد ويقال له: لا دريت ولا تليت، لا دريت: أي: لا علمت الحق بنفسك، ولا تليت: ولا تبعت من يعمل بالحق، فأهل القرآن وخاصته هم الذين يقرءونه ويعملون به وينفذون أحكامه ويصدقون أخباره. وهذا الحديث إسناده صحيح، قال البوصيري: في مصباح الزجاجة: هذا إسناد صحيح رجاله موثوقون، رواه النسائي في الكبرى في فضائل القرآن. والتجويد من المحاسن والمستحبات، فإن تحسين القرآن مستحب، والواجب هو إخراج الحروف من مخارجها، فإذا أتقن القرآن وقرأه ولم يسقط شيئاً من حروفه فهذا هو الواجب، وما زاد على ذلك فمستحب ومن باب التحسين وليس بواجب، وأما قول الجزري: والأخذ بالقرآن حتم لازم من لم يجود القرآن آثم فهذا ليس بصحيح، وإنما هو مستحب، فأحكام التجويد والالتزام بها مستحب وليس بواجب، والواجب قراءة القرآن قراءة واضحة ليس فيها إسقاط شيء من حروفه.

стр. 216

شرح حديث: (من قرأ القرآن وحفظه أدخله الله الجنة) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار الحمصي حدثنا محمد بن حرب عن أبي عمر عن كثير بن زاذان عن عاصم بن حمزة عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من قرأ القرآن وحفظه أدخله الله الجنة، وشفعه في عشرة من أهل بيته كلهم قد استوجب النار)]. وهذا الحديث ضعيف، وأبو عمر هو حفص بن سليمان الأسدي البزاز الكوفي الغاضري المقرئ المشهور صاحب عاصم، متروك في الحديث، فهو ضعيف جداً. وكثير بن زاذان مجهول. إذاً: في هذا الحديث متروك ومجهول، فهو ضعيف جداً. وقوله: (من قرأ القرآن وحفظه شفعه الله في عشرة) فهذا لو صح فمعناه: من قرأ القرآن وحفظه وعمل بما فيه، أما من قرأ القرآن وحفظه ولم يعمل به فقد قامت عليه الحجة. وعاصم بن حمزة المذكور في السند هو في نسخة عاصم بن ضمرة. وهذا الحديث أخرجه الترمذي وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وليس له إسناد صحيح. وفي بعض النسخ عن علي بن أبي طالب ﵇، والأصل أن يقال: ﵁، كغيره من الصحابة، وبعض الشيعة يخصون علياً بقولهم: ﵇، فكل الصحابة ﵃، ولا يخص أحد منهم بشيء، والتخصيص هذا من عمل الشيعة.

стр. 217

شرح حديث: (تعلموا القرآن وأقرءوه) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا عمرو بن عبد الله الأودي حدثنا أبو أسامة عن عبد الحميد بن جعفر عن المقبري عن عطاء مولى أبي أحمد عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (تعلموا القرآن واقرءوه وارقدوا، فإن مثل القرآن ومن تعلمه فقام به كمثل جراب محشو مسكاً يفوح ريحه كل مكان. ومثل من تعلمه فرقد وهو في جوفه كمثل جراب أوكي على مسك)]. قال: إسناده ضعيف؛ فـ عطاء مولى أبي أحمد مجهول وإن قال الحافظ ابن حجر: في التقريب: مقبول. وقوله: (تعلموا القرآن واقرءوه وارقدوا، فإن مثل القرآن ومن تعلمه فقام به كمثل جراب محشو مسكاً يفوح ريحه كل مكان، ومثل من تعلمه فرقد وهو في جوفه كمثل جراب أوكي على مسك). هذا حديث ليس بصحيح لكن المتن قد يكون له وجه، فلا شك أن من تعلم القرآن ونشره لا شك أن الله يرفع ذكره ويجعله مثلاً للآخرين، وأما من أخذ القرآن وأمسكه فهذا فيه تفصيل: إن أمسكه ولم يعمل به ولم ينشره فإنه يكون آثم في هذه الحالة. وفي سند الحديث عطاء مولى ابن أبي أحمد بن جحش قال في التقريب: مقبول من الثالثة. ذكره ابن حبان في الثقات. وقال الذهبي: لا يعرف. فالحديث ضعيف.

стр. 218

شرح حديث: (إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا أبو مروان محمد بن عثمان العثماني حدثنا إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب عن عامر بن واثلة أبي الطفيل: أن نافع بن عبد الحارث لقي عمر بن الخطاب ﵁ بعسفان، وكان عمر استعمله على مكة، فقال عمر ﵁: من استخلفت على أهل الوادي؟ قال: استخلفت عليهم ابن أبزى، قال: ومن ابن أبزى؟ قال: رجل من موالينا، فقال عمر: فاستخلفت عليهم مولى؟! قال: إنه قارئ لكتاب الله تعالى عالم بالفرائض، قاضٍ، قال عمر: أما إن نبيكم ﷺ قال: (إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين)]. قول عمر ﵁: استخلفت عليهم مولى؟ قال: إنه قارئ لكتاب الله). يعني: استخلف عليهم مولى، وهم عرب، يعني: هذا مولى من الموالي من العبيد كيف تجعله والياً عليهم؟ فقال: هذا المولى قارئ لكتاب الله. قوله: (قال: إنه قارئ لكتاب الله تعالى عالم بالفرائض). هذه أوصاف عظيمة: فهو قارئ لكتاب الله عالم بالفرائض قاضٍ، ولهذا ولاه بهذه الصفات. وهذا حديث عظيم رواه مسلم في صحيحه: (إن الله يضع بهذا القرآن أقواماً) يعني: يرفع أقواماً عملوا بهذا القرآن، ونفذوا أحكامه، وصدقوا أخباره، وامتثلوا أوامره، واجتنبوا نواهيه، ووقفوا عند حدوده، وحكموه في كل شأن من شئونهم، فيرفعهم الله بهذا القرآن، ويضع آخرين في إعراضهم عن القرآن، ومخالفتهم لأحكام القرآن، وعدم تصديقهم لأخباره، فالله يرفع بهذا القرآن أقواماً ويضع به آخرين، يرفع به أقواماً وإن كانوا ليس لهم نسب، فالأعاجم رفعهم الله، ورفع الله بلالاً بهذا القرآن، ورفع صهيباً، ورفع الله من بعدهم من العلماء كـ البخاري ﵀، فإنه إمام أهل السنة والجماعة رفعه الله بهذا القرآن، وبالعمل بهذا القرآن والعمل بالسنة، ومن عمل بالسنة فقد عمل بالقرآن، فإن الله تعالى يقول: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [المائدة:٩٢]، وقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر:٧]. ووضع الله آخرين، كما وضع أبا لهب وأبا جهل، حيث وضعهم في الحضيض وإن كانوا أشرافاً في النسب؛ لأنهم لم يعملوا بهذا القرآن. والعبد يولى القضاء، إلا إذا كان مملوكاً لسيده، يعني: إذا كان مملوكاً فلا بد من إذن سيده. فالقاضي لا بد أن يكون حراً، أما إذا كان لا يزال في الرق فهو مشغول بسيده لا يتولى، حتى الحج لا يجب عليه، حتى يعتق، لحديث: (أيما عبد حج ثم أعتق فعليه أن يحج حجة أخرى).

стр. 219

شرح حديث: (يا أبا ذر! لأن تغدو فتعلم آية من كتاب الله خير لك من أن تصلي مائة ركعة) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا العباس بن عبد الله الواسطي قال: حدثنا عبد الله بن غالب العباداني عن عبد الله بن زياد البحراني عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب عن أبي ذر ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : (يا أبا ذر! لأن تغدو فتعلم آية من كتاب الله خير لك من أن تصلي مائة ركعة، ولأن تغدو فتعلم باباً من العلم عمل به أو لم يعمل خير من أن تصلي ألف ركعة)]. وهذا ضعيف؛ لأن علي بن زيد بن جدعان ضعيف عند الجمهور، وكذلك عبد الله بن زياد أيضاً ضعيف، فالحديث ضعيف بهذا السند، لكن المعنى صحيح، فتعلم العلم أفضل من العبادة ومن كون الإنسان يتعبد، ولهذا قال العلماء: إن تعلم العلم أفضل من نوافل العبادة، يعني: كون الإنسان يتعلم العلم أفضل من كونه يصلي في الليل أو يصلي الضحى أو يصوم إذا كان له الصوم، فصوم النفل إذا كان يعيقه عن طلب العلم فطلب العلم مقدم؛ لأن نفع العلم يتعدى، فإذا تعلم الإنسان باباً من العلم فهو أفضل له من أن يصلي ألف ركعة. فتعلم العلم مقدم على العبادة القاصرة التي هي النوافل. قال المنذري: إسناده حسن، لكن في الزوائد ضعفه لضعف عبد الله بن زياد وعلي بن زيد بن جدعان، وقال: وله شاهدان أخرجهما الترمذي. فهو ضعيف لكن بعضهم قال: إن الترمذي يتساهل في علي بن زيد بن جدعان فيحسن له، وكذلك الشيخ أحمد شاكر يتساهل في التصحيح فيحسن له، فالحديث الذي في سنده عبد الله بن زيد يقول: حسن، وعند الجمهور ضعيف. وقوله: (لأن تغدو فتعلم آية من كتاب الله خير لك من أن تصلي مائة ركعة)، هنا قارن بين العلم وبين مائة ركعة، فتعلم العلم هذا نفعه متعدي. وقوله: (ولأن تغدو فتعلم باباً من العلم عمل به أو لم يعمل به خير من أن تصلي ألف ركعة). فقارن بين العلم والعبادة في موضعين: الأول قارن بين تعلم آية وبين الصلاة، والثاني تعلم باباً من العلم وبينه وبين الصلاة أيضاً، فتعلم باباً من العلم أو آية من القرآن هذا العلم، والصلاة سواء مائة ركعة أو ألف ركعة عبادة قاصرة.

стр. 220

شرح سنن ابن ماجه_ المقدمة [١٥] طلب العلم يسير لمن يسره الله عليه، ولذلك دعا النبي ﷺ لحامله، وبين أنه طريق موصل إلى رضوان الله وجنته، هذا إذا حلي بالإخلاص، وتجرد من الشرك الخفي، ومن حب الرياسة والظهور والعجب، فالعالم كالقمر يرشد التائهين إلى الطريق القويم.

стр. 221

فضل العلماء والحث على طلب العلم قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب فضل العلماء والحث على طلب العلم. حدثنا بكر بن خلف أبو بشر حدثنا عبد الأعلى عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)]. قال المحقق: إسناده مضطرب ومتنه صحيح، فقد اختلف فيه على الزهري فرواه النسائي في الكبرى من حديث شعيب عن الزهري. والمتن صحيح كما ذكره في الحاشية، أخرجه البخاري ومسلم رحمهما الله من حديث معاوية بن أبي سفيان أن النبي ﷺ قال: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين وأنا قاسم والله معطي) فهو حديث عظيم، لكنه بهذا السند كما ذكر المؤلف فيه اختلاف، لكن متن الحديث أخرجه الشيخان: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين وأنا قاسم والله معطي)، وهذا الحديث له منطوق وله مفهوم، فمنطوقه: أن من فقهه الله في الدين فقد أراد به خيراً، ومفهومه: أن من لم يفقهه في الدين لم يرد الله به خيراً، ولا حول ولا قوة إلا بالله. فهذا الحديث حديث عظيم فيه الحث على التفقه في الدين، والتفقه في الدين عام، وأعظم التفقه في الدين التفقه في أسماء الله وصفاته وحكمه، والتفقه في معرفة الحلال والحرام والواجب، والتفقه في شرع الله ودينه؛ حتى يعبد الإنسان ربه على بصيرة، فمن فقهه الله في الدين فقد أراد به خيراً، ومن لم يفقهه في الدين فلم يرد به خيراً؛ لأنه معرض، نسأل الله السلامة والعافية، والإعراض الكامل عن الدين ردة عن الإسلام، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ [الأحقاف:٣]، فالإعراض عن دين الله وكون الإنسان لا يتعلمه ولا يعبد الله هذا ناقض من نواقض الإسلام، فمن أعرض عن دين الله، لا يتعلم دين الله، ولا يعبد الله فهو مرتد عن الإسلام، فمن أعرض عن الفقه في الدين ولم يتعلم دين الله ولم يعبد الله فهو مرتد، نسأل الله السلامة والعافية. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا هشام بن عمار قال: حدثنا الوليد بن مسلم قال: حدثنا مروان بن جناح عن يونس بن ميسرة بن حلبس أنه حدثه قال: سمعت معاوية بن أبي سفيان ﵁ يحدث عن رسول الله ﷺ أنه قال: (الخير عادة، والشر لجاجة، ومن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)]. قال في تخريجه: إسناده صحيح ورجاله ثقات، وقال البوصيري: رواه ابن حبان في صحيحه من طريق هشام بن عمار وذكره بإسناده ومتنه سواء، والجملة الثانية في الصحيح من حديث معاوية من طريق الوليد.

стр. 222

الانتفاع بالعلم والعمل به قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا هشام بن عمار حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا روح بن جناح أبو سعد عن مجاهد عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد)]. وهذا الحديث ضعيف؛ لأن روح بن جناح هذا ضعيف جداً، حتى إن الشيخ الألباني ﵀ قال: إنه موضوع، وقد لا يصل إلى درجة الوضع، فهو ضعيف جداً. قال في تخريجه: إسناده ضعيف جداً بسبب روح بن جناح القرشي الدمشقي ضعفه غير واحد، واتهمه الحاكم في رواية حديث موضوع عن مجاهد، وقال ابن عدي بعد أن ساق له أحاديث: ولـ روح بن جناح غير ما ذكرت من الحديث قليل، وعامة حديثه ما ذكرت، وربما أخطأ في الأسانيد. فهذا الحديث ضعيف جداً، لكن لا شك أن الفقيه أشد على الشيطان من آلاف العابدين؛ لأن الفقيه يتبصر في دين الله، ويعلم شرع الله، بخلاف العابد؛ فإن العابد الذي ليس عنده بصيرة يتعبد على ضلال، وقد يضل وقد يغويه الشيطان، أما الفقيه فإن الشيطان يفر منه ولا يستطيع أن يلبس عليه، بخلاف العابد فإنه قد يلبس عليه الشيطان، فيترك ما هو عليه من العبادة، ولا شك أن الفقيه أشد على الشيطان، أما هذا الحديث فهو ضعيف، لأن هذا السند ضعيف.

стр. 223

شرح حديث: (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا نصر بن علي الجهضمي حدثنا عبد الله بن داود عن عاصم بن رجاء بن حيوة عن داود بن جميل عن كثير بن قيس قال: كنت جالساً عند أبي الدرداء في مسجد دمشق، فأتاه رجل فقال: يا أبا الدرداء! أتيتك من المدينة مدينة رسول الله ﷺ لحديث بلغني أنك تحدث به عن النبي ﷺ قال: فما جاء بك تجارة؟ قال: لا، قال: ولا جاء بك غيره؟ قال: لا، قال: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضاً لطالب العلم، وإن طالب العلم يستغفر له من في السماء والأرض حتى الحيتان في الماء، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، إن العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، إنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر)]. وهذا الحديث فيه داود بن جميل ضعيف، وشيخه كثير بن قيس ضعيف، لكن الحديث له شواهد، وهذه الجمل لها شواهد تدل عليها، وهي جمل عظيمة، وقوله: (إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع) جاء ما يدل على أن الملائكة تتبع مجالس الذكر، وقوله: (والأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذه بحظ وافر)، وهذا صحيح دلت عليه النصوص، وهكذا قوله: (ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة)، فهذه الجمل لها شواهد. قال في تخريجه: إسناده ضعيف لجهالة داود بن جميل وضعف كثير بن قيس ويقال: قيس بن كثير، ورواه أحمد والترمذي بإسقاط داود بن جميل من السند، وقال: ولا نعرف هذا الحديث إلا من حديث عاصم بن رجاء بن حيوة، وليس هو عندي بمتصل، هكذا حدثنا محمود بن خداش بهذا الإسناد، وإنما يروى هذا الحديث عن عاصم بن رجاء بن حيوة عن الوليد بن جميل عن كثير بن قيس عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ ، وهذا أصح من حديث محمود بن خداش، ورأي محمد بن إسماعيل هذا أصح، وأخرجه أبو داود من طريق محمد بن وزير الدمشقي، ثم قال: وهو إسناد حسن وفي الشواهد. وهذا الحديث قال فيه كثير بن قيس: كنت جالساً عند أبي الدرداء ﵁ في مسجد دمشق، فأتاه رجل فقال: يا أبا الدرداء! أتيتك من المدينة مدينة رسول الله ﷺ لحديث بلغني أنك تحدث به عن النبي ﷺ قال: فما جاء بك تجارة؟ قال: لا، قال: ولا جاء بك غيره؟ قال: لا، قال: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضاً لطالب العلم، وإن طالب العلم يستغفر له من في السماء والأرض حتى الحيتان في الماء، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، إن العلماء ورثة الأنبياء؛ إن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً؛ إنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر)]. قوله: (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً) لا شك أن من كان قصده أن يتعلم الفقه في دينه أنه قد سلك طريقاً إلى الجنة. وقوله: (وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضاً لطالب العلم) وهذا أيضاً كذلك له شواهد تدل عليه وهو على حقيقته، فإن الملائكة تتتبع مجالس الذكر وتحف أهل الذكر في الحلق. وقوله: (وإن طالب العلم يستغفر له من في السماء والأرض حتى الحيتان في الماء، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، إن العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، إنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر)]. كل هذه الجمل جمل عظيمة، وكلها صحيحة لها شواهد.

стр. 224

شرح حديث: (طلب العلم فريضة على كل مسلم) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا هشام بن عمار حدثنا حفص بن سليمان البزاز قال: حدثنا كثير بن شنظير عن محمد بن سيرين عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (طلب العلم فريضة على كل مسلم، وواضع العلم عند غير أهله كمقلد الخنازير الجوهر واللؤلؤ والذهب)]. هذا الحديث ضعيف لأجل حفص بن سليمان ضعيف جداً، لكن قوله: (طلب العلم فريضة على كل مسلم) له شواهد تدل عليها، ولا شك أن قوله: (فريضة على كل مسلم) المراد: العلم الذي هو فريضة يقوم به دين الإسلام، فيجب على كل إنسان أن يتعلم ما يقوم به دينه، يتعلم كيف يعبد الله، ويتعلم أن الله أوجب عليه التوحيد، وأن الشرك محرم، ويتعلم كيف يصلي، وكيف يزكي إذا كان عنده مال، وكيف يحج، وكيف يصوم، هذا فرض على كل مسلم أن يتعلم كيف يعبد الله، فكل مسلم لا بد أن يطلب العلم حتى يعرف كيف يصلي، وكيف يزكي، وكيف يحج، وكيف يقيم دينه، وما زاد على ذلك فهو فرض كفاية. وأما قوله: (وواضع العلم عند غير أهله كمقلد الخنازير الذهب واللؤلؤ والجوهر) هذا ضعيف.

стр. 225

شرح حديث: (من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد قالا: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا حفتهم الملائكة ونزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وذكرهم الله فيمن عنده، ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه)]. وهذا حديث عظيم رواه مسلم في صحيحه وغيره، وهو حديث عظيم اشتمل على هذه الجمل العظيمة: (من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة) والجزاء من جنس العمل، (ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة) فالجزاء من جنس العمل، يجازى الإنسان من جنس عمله. وقوله: (من نفس عن مسلم كربة) يعني: وجده في ضائقة فنفس عليه كربة الدين ودفع عنه دينه، أو أنظره إذا كان يطلبه، أو أعطاه إذا كان معسراً، أو خلصه من شدة وقع فيها، والجزاء: (نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة). وقوله: (ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة)، من يسر على معسر بأن لم يشدد عليه في اقتضاء الدين، أو يسر عليه في بيعه وشرائه يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، (ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة) فإذا ستر على مسلم وأخفى فيه عيباً، أو ستره إذا كان من أصحاب العثرات التي وقع فيها، فإذا وقع في زلة نصحه وستر عليه إذا كان من ذوي الهيئات، بخلاف ما إذا كان من المستهترين أو من المجاهرين؛ فإن هذا له حكم آخر، لكن إذا كان من أهل الهيئات ووقع في زلة ثم نصحه وستر عليه ستره الله في الدنيا والآخرة. وقوله: (والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه)، الجزاء من جنس العمل، فإذا أعانه في قضاء دينه، أو أعانه في حمل متاعه، أو أعانه في إصلاح سيارته، أو أعانه في بناء بيته فإن الله يكون في عونه. وقوله: (وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده). وهذا الحديث فيه فوائد عظيمة تحصل للمجتمعين أهل العلم الذين يتدارسون ويتحلقون في حلق العلم ويدرسون كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، تحصل لهم هذه المزايا، نسأل الله أن يجعل مجالسنا تنزل عليها السكينة وتحفها الملائكة وتغشاها الرحمة. ثم قال النبي ﷺ : (ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه)، والمعنى: من كان عمله سيئاً فإن نسبه لا يفيده ولا يرفعه ولا يلحقه بدرجة الأتقياء، فإذا كان عمله سيئاً لا ينفعه النسب، ولو كان من أولاد الأنبياء، ولو كان من الأشراف. وقوله: (من أبطأ به عمله) أي: أخره عمله لأنه كان سيئاً فإن نسبه لا يسرع به ولا يلحقه مع الأولياء ومع المتقين، فمجرد النسب لا يكفي ولو كان من كان؛ المهم العمل. قال في تخريجه: إسناده صحيح، وقد صرح سليمان بن مهران الأعمش بالسماع من أبي صالح عند مسلم، وأخرجه الإمام مسلم. وقوله: (من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه) هذا منطوق، منطوقه: أن من تأخر به العمل لا يلحقه النسب، لكن لو كان له عمل وليس له نسب فلا يضره، فإن النسب ليس له ميزان عند الله، فالإنسان ولو لم يكن له نسب إذا كان عمله صالح فلا يضره.

стр. 226

شرح حديث: (ما من خارج خرج من بيته في طلب العلم) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن يحيى حدثنا عبد الرزاق أنبأنا معمر عن عاصم بن أبي النجود عن زر بن حبيش قال: أتيت صفوان بن عسال المرادي فقال: ما جاء بك؟ قلت: أنبط العلم، قال: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما من خارج خرج من بيته في طلب العلم إلا وضعت له الملائكة أجنحتها رضاً بما يصنع)]. وأنبط من الرباعي، يعني: أتخذ العلم؛ لأنه تعلم من العلماء. قال في تخريجه: إسناده صحيح، عاصم عندنا ثقة كما حققناه في تعقباتنا. وهذا الحديث شهد له الحديث السابق: (إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع) وهذا في فضل العلم وطلب العلم. ثم قال: وقال الترمذي: حسن صحيح، قال محمد بن إسماعيل: أحسن شيء في هذا الباب حديث صفوان بن عسال المرادي.

стр. 227

شرح حديث: (من جاء مسجدي هذا لم يأته إلا لخير) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا حاتم بن إسماعيل عن حميد بن صخر عن المقبري عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من جاء مسجدي هذا لم يأته إلا لخير يتعلمه أو يعلمه فهو بمنزلة المجاهد في سبيل الله، ومن جاء لغير ذلك فهو بمنزلة الرجل ينظر إلى متاع غيره)]. قال في تخريجه: إسناده حسن؛ فـ حميد بن صخر ويقال هو حميد بن زياد أبو صخر صدوق يهم في الحديث. وقوله: (من جاء مسجدي هذا لم يأته إلا لخير يتعلمه أو يعلمه فهو بمنزلة المجاهد في سبيل الله، ومن جاء لغير ذلك فهو بمنزلة الرجل ينظر إلى متاع غيره) هذا فيه بيان أن التعلم والتعليم نوع من الجهاد، ولهذا قال سبحانه: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة:١٢٢]. وفيه فضل التعلم في المساجد، فالمساجد لها فضل في التعلم والتعليم.

стр. 228

شرح حديث: (عليكم بهذا العلم قبل أن يقبض) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا هشام بن عمار حدثنا صدقة بن خالد حدثنا عثمان بن أبي عاتكة عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : (عليكم بهذا العلم قبل أن يقبض، وقبضه أن يرفع، وجمع بين إصبعيه الوسطى والتي تلي الإبهام هكذا، ثم قال: العالم والمتعلم شريكان في الأجر، ولا خير في سائر الناس)]. وهذا الحديث ضعيف، علته علي بن يزيد الألهاني والقاسم وكلاهما ضعيف، ولكن المعنى صحيح في الحث على طلب العلم قبل أن يقبض، وقبضه بموت العلماء، والعالم والمتعلم شريكان في الأجر، والمعنى صحيح، لكن الحديث هذا ضعيف من أجل علي بن يزيد الألهاني وكذلك القاسم.

стр. 229

شرح حديث: (خرج رسول الله ذات يوم من بعض حجره فدخل المسجد) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا بشر بن هلال الصواف حدثنا داود بن الزبرقان عن بكر بن خنيس عن عبد الرحمن بن زياد عن عبد الله بن يزيد عن عبد الله بن عمرو ﵁ قال: (خرج رسول الله ﷺ ذات يوم من بعض حجره فدخل المسجد فإذا هو بحلقتين: إحداهما: يقرءون القرآن ويدعون الله، والأخرى: يتعلمون ويعلمون، فقال النبي ﷺ : كل على خير؛ هؤلاء يقرءون القرآن ويدعون الله، فإن شاء أعطاهم وإن شاء منعهم، وهؤلاء يتعلمون ويعلمون، وإنما بعثت معلماً فجلس معهم)]. وهذا ضعيف من أجل داود بن الزبرقان وشيخه بكر بن خنيس، وكذلك عبد الرحمن بن زياد كل هؤلاء ضعفاء، والذين يقرءون القرآن هم يتعلمون العلم وليسوا خارجين عن العلم، فكل من الحلقتين سواء، فالذين يقرءون القرآن والذين يتعلمون العلم هم حلقة واحدة. قال في تخريجه: إسناده ضعيف جداً؛ داود بن الزبرقان الرقاشي البصري متروك وكذبه الأزدي، وبكر بن خنيس ضعيف عندنا وإن قال الحافظ ابن حجر في التقريب: صدوق له أغلاط. وقال في تخريج الحديث الذي قبله: إسناده ضعيف لضعف علي بن يزيد الألهاني، قال: يحيى بن معين: علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة هي ضعاف كلها. والعالم الذي يتقن صلاته يقدم للإمامة بالناس، ومن كان قارئاً للقرآن ويعلم صحة صلاته يقدم، وإذا كان يجهل كثيراً من أحكام الصلاة يقدم العالم، والقراء كانوا هم العلماء؛ فقد كان القارئ هو العالم وهو الفقيه، قارئ وفقيه، ثم وجد في العصور المتأخرة قراء ليسوا فقهاء.

стр. 230

تبليغ العلم قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب من بلغ علماً. حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير وعلي بن محمد قالا: حدثنا محمد بن فضيل حدثنا ليث بن أبي سليم عن يحيى بن عباد أبي هبيرة الأنصاري عن أبيه عن زيد بن ثابت قال: قال رسول الله ﷺ : (نضر الله امرأً سمع مقالتي فبلغها، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه) زاد فيه علي بن محمد: (ثلاث لا يُغل أو لا يَغل عليهن قلب امرئ مسلم: إخلاص العمل لله، والنصح لأئمة المسلمين، ولزوم جماعتهم)]. وهذا الحديث ضعيف من أجل ليث بن أبي سليم، لكن الحديث له شواهد في الصحيح، وفيه الدعاء لمن بلغ عن النبي ﷺ ، فإن النبي ﷺ دعا له وقال: (نضر الله امرأً سمع مقالتي فأداها كما سمعها) دعا له بالنضرة وهي: حسن الوجه وجماله، وقال: (فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه)، وهذا صحيح؛ فقد يبلغ الإنسان غيره فيفهم هذا المبلغ ما لا يفهمه الذي بلغه؛ لأنه أفقه منه. وقوله: (ثلاث لا يُغل عليهن قلب مسلم)، يروى (يَغل) يعني: من الخيانة، ويروى (يُغل) بمعنى: الحقد، يعني: لا يحقد الإنسان وهو متصف بهذه الصفات الثلاث: إخلاص العمل لله، والنصح لأئمة المسلمين، ولزوم جماعتهم. يعني: لا يخون الإنسان وفيه هذه الثلاث: إخلاص العمل لله، والنصح لولاة الأمور، ولزوم الجماعة، أو لا يحقد وهو متصف بهذه الصفات، والحديث ضعيف، لكن المعنى صحيح له شواهد. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير حدثنا أبي عن محمد بن إسحاق عن عبد السلام عن الزهري عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه ﵁ قال: (قام رسول الله ﷺ بالخيف من مني، فقال: نضر الله امرأً سمع مقالتي فبلغها، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه)]. قال في تخريجه: إسناده ضعيف لضعف عبد السلام بن أبي الجنوب، ولكنه يتصل بالإسناد الذي بعده. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا علي بن محمد حدثنا خالي يعلى ح وحدثنا هشام بن عمار حدثنا سعيد بن يحيى قالا: حدثنا محمد بن إسحاق عن الزهري عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه ﵁ عن النبي ﷺ بنحوه]. وهذا سند لا بأس به، فيصح الحديث في دعاء النبي ﷺ لمن بلغ سنته ﵊ وشرعه ودينه. وفيه: بيان أن المبلغ قد يكون أفقه من المبلغ. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن بشار ومحمد بن الوليد قالا: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن سماك عن عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه ﵁: أن النبي ﷺ قال: (نضر الله امرأً سمع منا حديثاً فبلغه؛ فرب مبلغ أحفظ من سامع)]. قال في تخريجه: إسناده حسن من أجل سماك بن حرب الجهني الكوفي وهو صدوق وقد تغير. وكل هذه الأسانيد يشد بعضها بعضاً، والحديث ثابت. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن بشار حدثنا يحيى بن سعيد القطان أملاه علينا حدثنا قرة بن خالد حدثنا محمد بن سيرين عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه وعن رجل آخر هو أفضل في نفسي من عبد الرحمن عن أبي بكرة ﵁ قال: (خطب رسول الله ﷺ يوم النحر فقال: ليبلغ الشاهد الغائب، فإنه رب مبلغ يبلغه أوعى له من سامع)]. وإذا بلغ فقد امتثل لأمر الرسول ﷺ ؛ فهو مثاب وله أيضاً أجر من بلغ، ففيه: فضل من بلغ علماً؛ فإنه أولاً امتثل لأمر الرسول ﵊. وثانياً: أن الرسول ﷺ دعا له بنضرة الوجه فقال: (نضر الله امرأً). وثالثاً: أن له أجر من بلغ. فهذه الأمور يحصل عليها من بلغ علماً: أولاً: يحصل على دعوة النبي ﷺ بنضارة الوجه. ثانياً: امتثل أمر النبي ﷺ في التبليغ. ثالثاً: له أجر من بلغ واستفاد. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو أسامة ح وحدثنا إسحاق بن منصور أنبأنا النضر بن شميل عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده معاوية القشيري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ألا ليبلغ الشاهد الغائب)]. وهذا أمر: (ليبلغ الشاهد الغائب)، والشاهد: الحاضر الذي حضر وسمع كلام النبي ﷺ ، فالحاضر يبلغ الغائب، وهكذا في المواعظ والمحاضرات والدروس العلمية الشاهد عليه أن يبلغ الغائب، إذا ذهب إلى أهله أو بيته أو زملائه أو جيرانه يبلغهم ما استفاد؛ امتثالاً لقوله: (ليبلغ الشاهد الغائب)، فيبلغ الحاضر من لم يحضر. الحديث لا بأس بسنده؛ بهز بن حكيم حسن الحديث. قال في تخريجه: حسن، وبهز بن حكيم عندنا ثقة، ورواية بهز بن حكيم عن أبيه عن جده صححها ابن معين وأبو داود إذا كان الراوي بهز ثقة، ووهنها أبو حاتم الرازي والصواب: تحسين هذا الإسناد؛ لأن حكيم بن معاوية والد بهز لا يرتقي حديثه إلى مرتبة الصحيح.

стр. 231

شرح حديث: (ليبلغ شاهدكم غائبكم) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أحمد بن عبدة أنبأنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي حدثني قدامة بن موسى عن محمد بن الحصين التميمي عن أبي علقمة مولى ابن عباس ﵄ عن يسار مولى ابن عمر عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: (ليبلغ شاهدكم غائبكم)]. هذا إسناد ضعيف، فإن محمداً بن الحصين التميمي مجهول، ويكون شاهداً لما سبق.

стр. 232

شرح حديث: (نضر الله عبداً سمع مقالتي فوعاها) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن إبراهيم الدمشقي حدثنا مبشر بن إسماعيل الحلبي عن معان بن رفاعة عن عبد الوهاب بن بخت المكي عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : (نضر الله عبداً سمع مقالتي فوعاها، ثم بلغها عني؛ فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه)]. هذا الحديث إسناده ضعيف جداً؛ لأن محمداً بن إبراهيم الدمشقي شيخ ابن ماجة منكر الحديث، اتهمه الحاكم بالوضع، وقال الدارقطني: كذاب، لكن لفظ الحديث ثابت.

стр. 233

شرح سنن ابن ماجه_ المقدمة [١٦] إذا رأيت الرجل حريصاً على غلق أبواب الشر، مفتاحاً لأبواب الخير، مع وجود أصل طيب شرعي، فاشهد له بالإيمان وصلاح الحال، فهو ينفق ماله في وجوه البر، ويسعى في التعليم والتعلم؛ لأنه يعلم أن العلم شرف لصاحبه، وأن طالب العلم هو وصية رسول الله ﷺ ، من أجل ذلك كان حرياً بمن هذه صفاته أن يتبعه عمله إلى قبره، وأن يشفع له عند الله .

стр. 234

ما جاء فيمن كان مفتاحاً للخير

стр. 235

شرح حديث (إن من الناس مفاتيح للخير) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب من كان مفتاحاً للخير. حدثنا الحسين بن الحسن المروزي أنبأنا محمد بن أبي عدي حدثنا محمد بن أبي حميد حدثنا حفص بن عبيد الله بن أنس عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن من الناس مفاتيح للخير مغاليق للشر، وإن من الناس مفاتيح للشر مغاليق للخير، فطوبى لمن جعل الله مفاتيح الخير على يديه، وويل لمن جعل الله مفاتيح الشر على يديه)]. هذا الحديث ضعيف؛ لأجل محمد بن أبي حميد فهو متروك، ومتهم بالكذب. قال البوصيري: (هذا إسناد ضعيف من أجل محمد بن أبي حميد فإنه متروك ولم يترك). ولم يترك، أي: لا يرى أنه يصل إلى درجة أنه متروك وضعيف. ولا شك أن العلماء والأخيار الذين نفع الله بهم البلاد والعباد ونشروا العلم، وكذلك الدعاة والمصلحون وأهل الأموال الذين ينفقون أموالهم في المشاريع الخيرية، والذين ينفعون الناس بشفاعاتهم ووجاهتهم تكون أعمالهم قدوة للناس فهم مفاتيح للخير، ومغاليق للشر. وهذا الحديث لا يستشهد به لأنه شديد الضعف.

стр. 236

شرح حديث (إن هذا الخير خزائن) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا هارون بن سعيد الأيلي أبو جعفر حدثنا عبد الله بن وهب أخبرني عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبي حازم عن سهل بن سعد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إن هذا الخير خزائن، ولتلك الخزائن مفاتيح، فطوبى لعبد جعله الله مفتاحاً للخير مغلاقاً للشر، وويل لعبد جعله الله مفتاحاً للشر مغلاقاً للخير)]. وهذا الحديث ضعيف أيضاً؛ لأن فيه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وهو يضعف في الحديث، من الثامنة، وله إخوان كلهم ضعفاء، أشدهم ضعفاً عبد الرحمن، ولكن هذا الحديث أقل ضعفاً من الحديث السابق، لأن الأول فيه متروك. وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم لم يصل إلى درجة الترك، وروايته معتبرة في الشواهد، وعليه فكلا الحديثين يشد أحدهما الآخر ويتقوى به، وكل واحد منهما حسن لغيره، كما قال الشيخ ناصر ﵀.

стр. 237

ما جاء في ثواب معلم الناس الخير

стр. 238

شرح حديث: (إنه ليستغفر للعالم من في السموات ومن في الأرض) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ثواب معلم الناس الخير]. حدثنا هشام بن عمار حدثنا حفص بن عمر عن عثمان بن عطاء عن أبيه عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إنه ليستغفر للعالم من في السموات ومن في الأرض، حتى الحيتان في البحر). وهذا الحديث ضعيف من أجل عثمان بن عطاء بن أبي مسلم الخراساني، ولكن معناه صحيح، وإذا كانت الملائكة تستغفر لعموم المؤمنين فمعلم الناس من باب أولى، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُم وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [غافر:٧ - ٩]. والحديث صححه العلامة الألباني ﵀ متناً من أجل الشواهد والآية القرآنية التي هي الدعاء للمؤمنين، فكأنه يرى أن السند فيه ضعف، لكن المتن موافق للدعاء في الآية.

стр. 239

شرح حديث: (من علَّم علماً فله أجر من عمل به) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أحمد بن عيسى المصري حدثنا عبد الله بن وهب عن يحيى بن أيوب عن سهل بن معاذ بن أنس عن أبيه ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من علم علماً فله أجر من عمل به، لا ينقص من أجر العامل)]. وهذا السند ضعيف؛ من أجل سهل بن معاذ بن أنس، لكن المتن صحيح، فمن علم علماً فله أجر من عمل به، ويشهد له حديث: (من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة)، وحديث الإمام علي ﵁ لما بعثه النبي ﷺ إلى خيبر قال: (فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خيرٌ لك من حمر النعم). ويحيى بن أيوب قيل: إنه لم يدرك سهلاً بن معاذ، وهذه هي العلة الثانية، وهي: الانقطاع.

стр. 240

شرح حديث: (خير ما يخلف الرجل من بعده ثلاث) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا إسماعيل بن أبي كريمة الحراني حدثنا محمد بن سلمة عن أبي عبد الرحيم حدثني زيد بن أبي أنيسة عن زيد بن أسلم عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (خير ما يخلف الرجل من بعده ثلاث: ولد صالح يدعو له، وصدقة تجري يبلغه أجرها، وعلم يعمل به من بعده). هذا الحديث لا بأس بسنده، ويشهد له حديث أبي هريرة عند مسلم: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له)، وهو في معناه، فدل هذان الحديثان وأمثالهما على أن الإنسان بعد موته ينتفع بما تسبب به في الحياة وبما يهدى أيضاً إليه من ثواب أعمال صالحة أو دعاء من الأحياء. والصدقة الجارية: هي الأوقاف التي يوقفها الإنسان في حياته كمسجد يبنيه، أو نخل يوقفها، أو مصاحف، أو غير ذلك من كتب العلم يطبعها ويجعلها وقفاً على طلبة العلم، أو دورات مياه يصلحها للناس؛ كل هذا من الصدقة الجارية. (أو علم ينتفع به) يشمل الكتب التي ألفها، والطلاب الذين درسهم وما أشبه ذلك من العلم الذي ينتفع به بعد موته. (أو ولد صالح يدعو له)، أي: ولد صالح رباه وعلمه، ونشأه فدعا له، وكذلك ينتفع بما يهدى إليه من صدقات الأحياء بعد موته، والأوقاف التي يوقفها الأحياء له، والدعوات التي يدعون له، كل ذلك ينتفع به. وكذلك الاستغفار يعتبر نوعاً من أنواع الدعاء الذي ينفع الحي والميت. وأما قراءة القرآن ففيه خلاف بين أهل العلم، وكذلك التسبيح، والتهليل، وصلاة ركعتين ينوي ثوابها للميت، ويصوم وينوي ثواب صيامه للميت، ويطوف بالبيت وينوي ثواب الطواف للميت، فهذا فيه خلاف بين العلماء، ولم يأت فيه نص، إنما النص ورد في أربعة أشياء: (يتبع الميت أربعة أشياء: الدعاء، والصدقة، والحج، والعمرة). فبعض العلماء قاس عليها الصلاة والصيام وقراءة القرآن والتسبيح يُنوى ثوابها للميت، وذهب إلى هذا الحنابلة وجماعة من أهل العلم، فقالوا: كل قربة فعلها وجعل ثوابها لمسلم حي أو ميت نفعته. هذا هو القول الأول. والقول الثاني: أن العبادات توقيفية، وأن هذا خاص بما جاءت به النصوص، والنصوص إنما جاءت في أربعة أنواع: الدعاء والصدقة والحج والعمرة، وهذا هو الأرجح، ويلحق بذلك الصيام الذي يقضى عن الميت، إذا مات وعليه صيام من رمضان أو نذر أو كفارة يقضى عنه وينفعه؛ لما ثبت في صحيح البخاري عن عائشة ﵂ أن النبي الله ﷺ قال: (من مات وعليه صيام صام عنه وليه) يعني: عليه صوم واجب سواء كان من رمضان، أو كفارة، أو نذر. وإذا صنع طعاماً وأهدى ثوابه للميت فلا بأس وفي أي وقت، ويتحرى الإنسان الذي هو أنفع للفقير، والصواب: أنه يقتصر على الأربع التي وردت: الدعاء، والصدقة، والحج، والعمرة، وكذلك قضاء الصوم الواجب على الميت، أما أن يصلي عن الميت ركعتين، أو يسبح، أو يطوف بالبيت وينوي ثوابها للميت فليس عليه دليل، لكن يصوم لنفسه، ويدعو للميت، ويصلي لنفسه ويدعو للميت، ويطوف بالبيت لنفسه ويدعو للميت. وليس هناك وقت محدد للصدقة، فقد كان الناس قديماً أيام المجاعة يخصصون يومي الإثنين والخميس، لأنهما يومان تعرض فيهما الأعمال على الله، ولكن الأولى أن الإنسان يتحرى الأنفع للفقير. وبعض الناس يتصدق في المقبرة، والأولى عدم التمادي في مثل هذا؛ لأنه قد يتوسع بعض الناس في ذلك. لكن لو اشتد العطش مثلاً واحتاج الناس إلى شراب وأتى إنسان بشيء ليس معتاداً فلا بأس، أما كونه يعتاد هذا ويتوسع الناس فيه فلا، وقد توسع بعضهم في هذا حتى إنه يأتي بعصير وقد يأتي بحلويات، فهذا مما لا ينبغي. والطواف المستقل إذا أهدي للميت فليس عليه دليل، ويستثنى من ذلك الحج والعمرة المستقلان، وبعض العلماء كالحنابلة وغيرهم قاسوا الطواف عليه، فقالوا: كل قربة تنفع الميت، كالطواف بالبيت، والتسبيح والتهليل، وصلاة ركعتين أو أكثر، وآخرون من أهل العلم اقتصروا على ما جاءت به النصوص، وهذا هو الأرجح. أما الضحية فلا يشترط فيها كونها صدقة؛ لأنها نوع من الصدقة، أما إذا كانت وصية فلا بأس، وإذا كانت غير وصية فالأولى أن يشرك في الأموال. أما صدقة التطوع، فأمرها عام وواسع، لكن الزكاة خاصة بالأصناف الثمانية.

стр. 241

شرح حديث: (إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته) قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال أبو الحسن: وحدثنا أبو حاتم محمد بن يزيد بن سنان الرهاوي حدثنا يزيد بن سنان يعني: أباه حدثني زيد بن أبي أنيسة عن فليح بن سليمان عن زيد بن أسلم عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه ﵁ قال: (سمعت رسول الله ﷺ فذكر نحوه]. وأبو الحسن القطان هو: راوي سنن ابن ماجة. قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن يحيى حدثنا محمد بن وهب بن عطية حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا مرزوق بن أبي الهذيل حدثني الزهري حدثني أبو عبد الله الأغر عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته علماً علمه ونشره، وولداً صالحاً تركه. ومصحفاً ورثه، أو مسجداً بناه، أو بيتاً لابن السبيل بناه، أو نهراً أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته يلحقه من بعد موته). وهذا الحديث ضعيف؛ لأجل مرزوق بن أبي هذيل، ولكن هذه الأمور التي ذكرها يغني عنها حديث أبي هريرة: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له) رواه الإمام مسلم في صحيحه. قوله ﷺ : [(وولداً صالحاً تركه)]. كذلك (ولد صالح يدعو له)، كما في حديث أبي هريرة عند مسلم. قوله ﷺ : [(ومصحفاً ورثه)]. هذا أيضاً من الصدقة الجارية، طبع كتاباً أو مصحفاً على نفقته فهو من العلم الذي ينتفع به. وقوله ﷺ : [(أو مسجداً بناه)]. كذلك هذا من الصدقة الجارية. وقوله ﷺ : [(أو بيتاً لابن السبيل بناه)]. كذلك هذا من الصدقة الجارية. [(أو نهراً أجراه)]. وكذلك هذا من الصدقة الجارية. [(أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته)]. وهي التي مضت في حياته. [(يلحقه من بعد موته)]. كل هذه الألفاظ صحيحة وإن كان السند فيه ضعف. ومن معاني: (مصحفاً ورثه) أن يأتي بمصحف ويوقفه للمسجد. والصدقة حال الصحة والحياة أفضل، يقول النبي في صحيح البخاري لما سئل: (أن تصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل الغنى، ولا تمهل -أي: لا تؤخر- حتى إذا بلغت -يعني: الروح- الحلقوم قلت: لفلان كذا، ولفلان كذا، وقد كان لفلان)، فأفضل الصدقة ما كان في زمن الصحة والشح، (وأنت صحيح شحيح، تخشى الفقر وتأمل الغنى) بخلاف ما إذا كان الإنسان مريضاً، وبسبب مرضه رخص عنده المال، بخلاف وقت الصحة يكون المال غال ونفيس؛ فإن تصدق في هذه الحالة كان أفضل. ومعلوم أن النية تسبق العمل، فمن تصدق بشيء فهو على حسب نيته، فمن وضع مصحفاً في المسجد بنية الوقف فهو كذلك، وإن وضعه بنية أخذه فلا بأس بذلك، ومن تصدق بصدقة ينوي بها نفسه كتبت له، وإن نوى بها الميت فهي للميت، ولا يصح أن يتصدق بها على نفسه ثم ينوي بها للميت، فإذا سبقت النية العمل انتهى الأمر. والاستغفار يصح، ويصل إلى الميت، أما التسبيح فما عليه دليل. وابن خزيمة ﵀ حسن الحديث، وهو يتساهل، لكن يحتمل أنه ترجح عنده التحسين للشواهد، ولحديث أبي هريرة عند مسلم.

стр. 242

شرح حديث: (أفضل الصدقة أن يتعلم المرء المسلم علماً ثم يعلمه أخاه المسلم) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا يعقوب بن حميد بن كاسب المدني حدثني إسحاق بن إبراهيم عن صفوان بن سليم عن عبيد الله بن طلحة عن الحسن البصري عن أبي هريرة ﵁ قال: أن النبي ﷺ قال: (أفضل الصدقة أن يتعلم المرء المسلم علماً، ثم يعلمه أخاه المسلم)]. وهذا ضعيف؛ لأجل يعقوب بن حميد شيخ ابن ماجة ﵀، وكذا فيه انقطاع فـ الحسن لم يسمع من أبي هريرة، ويعقوب روى عن إسحاق بن إبراهيم وهو كذلك ضعيف، فيكون فيه ثلاث علل: يعقوب شيخ المؤلف، وشيخ شيخه، والانقطاع بين الحسن وأبي هريرة، ونشر العلم معلومة فضائله في النصوص الأخرى.

стр. 243

من كره أن يوطأ عقباه

стр. 244

شرح حديث: (ما رئي رسول الله ﷺ يأكل متكئاً) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب من كره أن يوطأ عقباه. حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا سويد بن عمرو عن حماد بن سلمة عن ثابت عن شعيب بن عبد الله بن عمرو، عن أبيه ﵁ قال: (ما رئي رسول الله ﷺ يأكل متكئاً قط، ولا يطأ عقبيه رجلان). قال أبو الحسن: وحدثنا حازم بن يحيى حدثنا إبراهيم بن الحجاج السامي حدثنا حماد بن سلمة. قال أبو الحسن: وحدثنا إبراهيم بن نصر الهمداني -صاحب القفيز- حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد بن سلمة]. وهذا لا بأس بسنده، وفيه: أن النبي ﷺ كان لا يأكل متكئاً، والأولى للإنسان ألا يأكل متكئاً. (ولا يطأ عقبيه رجلان) يعني: لا يمشون خلفه ﵊، خشية لما قد يقع في نفس الإنسان من الكبر، ولهذا ينبغي للإخوان ألا يمشوا خلف طالب العلم أو غيره، وإنما يكونوا أمامه أو عن يمينه أو عن شماله، وإذا كانوا أكثر من اثنين فمن باب أولى. وقوله: (لا يأكل متكئاً). هذا جاء من فعله ﵊ (لا يأكل متكئاً)، ولا شك أن الأولى ترك هذا، أما كيفية الاتكاء، وهل يتكئ على يده اليسرى أم اليمنى؟ وما حكمه؟ فـ الخطابي فسر الاتكاء: أن يكون متربعاً، وهذا ليس اتكاء، وفي كتاب الأطعمة للإمام البخاري ﵀ ذكر هذا، والحافظ ابن حجر نقل كلام العلماء في كيفية الأكل متكئاً وحكمه، وأنه للكراهة.

стр. 245

شرح حديث تقديم النبي ﷺ للصحابة أمامه قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن يحيى حدثنا أبو المغيرة حدثنا معان بن رفاعة حدثني علي بن يزيد قال: سمعت القاسم بن عبد الرحمن يحدث عن أبي أمامة ﵁ قال: (مر النبي ﷺ في يوم شديد الحر نحو بقيع الغرقد، وكان الناس يمشون خلفه، فلما سمع صوت النعال وقر ذلك في نفسه، فجلس حتى قدمهم أمامه؛ لئلا يقع في نفسه شيء من الكبر)]. وهذا ضعيف جداً من أجل علي بن يزيد الألهاني والقاسم، وأيضاً من نكارته أنه قال: (لئلا يقع في نفسه شيء من الكبر)؛ ما الذي أعلمه بالذي وقع في نفس النبي ﷺ إلا إذا كان أخبره؟! ولكن هذا ضعيف، والعمدة على الحديث الأول: (كان النبي ﷺ من فعله أنه لا يطأ عقبه اثنان) يعني: لا يمشي خلفه اثنان، فالأولى عدم المشي في الخلف.

стр. 246

شرح حديث: (كان النبي ﷺ إذا مشى مشى أصحابه أمامه) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا علي بن محمد حدثنا وكيع عن سفيان عن الأسود بن قيس عن نبيح العنزي عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: (كان النبي ﷺ إذا مشى مشى أصحابه أمامه، وتركوا ظهره للملائكة)]. وهذا لا بأس بسنده، وفيه: أن أصحابه يمشون أمامه أو عن يمينه أو عن شماله، ولا يمشون خلفه.

стр. 247

الوصاة بطلبة العلم

стр. 248

شرح حديث: (سيأتيكم أقوام يطلبون العلم) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الوصاة بطلبة العلم. حدثنا محمد بن الحارث بن راشد المصري حدثنا الحكم بن عبدة عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري ﵁، عن رسول الله ﷺ أنه قال: (سيأتيكم أقوام يطلبون العلم، فإذا رأيتموهم فقولوا لهم: مرحباً مرحباً بوصية رسول الله ﷺ واقنوهم)، قلت للحكم: ما اقنوهم؟ قال: علموهم]. وهذا الحديث ضعيف من أجل أبي هارون العبدي وهو ضعيف، ولا يحتج به في أن النبي ﷺ وصى بطلبة العلم، لكن ينبغي إكرامهم والإحسان إليهم والاهتمام بهم أولى من غيرهم، ويجب على المؤمن أن يكرم أخاه المؤمن، وأن يلقاه بالبشر والإحسان، وطلبة العلم في الدرجة الأولى من الإكرام.

стр. 249

شرح حديث: (سيأتيكم أقوام من بعدي يطلبون العلم فرحبوا بهم) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عبد الله بن عامر بن زرارة حدثنا المعلى بن هلال عن إسماعيل قال: دخلنا على الحسن نعوده حتى ملأنا البيت، فقبض رجليه، ثم قال: دخلنا على أبي هريرة ﵁ نعوده حتى ملأنا البيت، فقبض رجليه، ثم قال: (دخلنا على رسول الله ﷺ حتى ملأنا البيت، وهو مضطجع لجنبه، فلما رآنا قبض رجليه، ثم قال: إنه سيأتيكم أقوام من بعدي يطلبون العلم فرحبوا بهم وحيوهم وعلموهم)، قال: فأدركنا والله أقواماً ما رحبوا بنا ولا حيونا ولا علمونا، إلا بعد أن كنا نذهب إليهم فيجفونا]. وهذا ضعيف جداً؛ لأجل المعلى بن هلال فقد قيل: إنه ضعيف الحديث، وبعضهم حكم عليه بالوضع، ومما يدل أيضاً على ضعفه ونكارته: أن الحسن قال: أدركنا أقواماً يجفوننا، والذي أدركهم هم الصحابة، والصحابة لا يمكن أن يجفوهم، وإن كان بعضهم قد يحمله على أنه أدرك صغار الصحابة، لكنه أدرك بعض الصحابة، وإن كان لم يدرك أبا هريرة، والعناية بطلبة العلم معلومة من النصوص الأخرى.

стр. 250

شرح حديث (إن الناس لكم تبع) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا علي بن محمد حدثنا عمرو بن محمد العنقزي أنبأنا سفيان عن أبي هارون العبدي قال: كنا إذا أتينا أبا سعيد الخدري ﵁ قال: مرحباً بوصية رسول الله ﷺ ، إن رسول الله ﷺ قال لنا: (إن الناس لكم تبع، وإنهم سيأتونكم من أقطار الأرض يتفقهون في الدين، فإذا جاءوكم فاستوصوا بهم خيراً)]. وهذا الحديث ضعيف من أجل أبي هارون العبدي كما سبق، ولا تصح الوصية من النبي لطلبة العلم، لكن العناية بهم معروفة؛ فهم أولى الناس بها.
следующие страницы →