← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 36999

السواك وسنن الفطرة - المقدم

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (72 стр.). Показаны 36–72 · переход к 41.

стр. 36

استحباب التوسيع على النفس في اللباس قال ﵌: (البذاذة من الإيمان) رواه أبو داود، وهو حديث صحيح. (البذاذة): هي رثاثة الهيئة، وليس معنى ذلك أن الإنسان يتكلف حتى يجعل هيئته رثة، لكن الإنسان ينبغي له أن يتواضع في لباسه، وأنواع العبودية تختلف وتتفاوت، فمثلاً: من وسّع الله عليه في الرزق، فلبس من محاسن الثياب بنيّة أن يتحدث بنعمة الله عليه، أو لبس ثياب الأغنياء وهو غني لا يتشبع ولا يكون كلابس ثوبي زور، وإنما هو غني يظهر الغنى حتى إذا رآه الفقراء يعرفون أن هذا غني فيسألونه، ويكون ذلك سبيلاً لتيسير تصدقه على الفقراء، فيعرف بمظهره حتى يأوي إليه الفقراء ويأخذون منه الصدقات، فهذه كلها نوايا حسنة، ولذلك قال النبي ﵊ لرجل رآه رث الهيئة: (هل آتاك الله مالاً؟ قال: نعم، قال: من أي المال؟ قال: من كل المال أعطاني الله. فقال له: من كان له مالاً فليُرَ عليه أثر نعمة الله وكرامته)، فمن شكر النعم أن يظهر الإنسان نعمة الله عليه بإظهار الثياب الحسنة، وهذه نية حسنة صالحة. ومن الممكن أن يتعبد الإنسان بصورة أخرى؛ لأن العبودية أنواع، وقد يُفتح لإنسان من العبادة ما لا يفتح لغيره، ولا يكون معنى ذلك هو التعارض والتضارب، فمثلاً: إنسان يقدر على شراء الثياب الحسنة، لكنه يتعمد ألا يلبسها؛ لأنه يستحضر قول النبي ﵌: (من ترك اللباس تواضعاً لله وهو يقدر عليه خيّره الله يوم القيامة من حلل الإيمان يلبس من أيها شاء) أو كما قال ﷺ . فهذا يفعل عبودية بالنية من نوع آخر؛ لأنه ينوي بذلك التواضع لله ، أو ينوي ألا يكسر قلوب الفقراء إذا رأوه بهذه الثياب، فالأمر يتفاوت، ولا يُفهم دائماً من مثل هذه الآداب أن فيها تضارب أو تعارض، بل يمكن للإنسان أن يجمع بين هذا وذاك على اختلاف الأحوال والأشخاص.

стр. 37

استحباب التيمن في سنن الفطرة وهذه الآداب التي ذكرناها سواء كان ذلك في قص الأظفار أو تسريح الشعر وترجيله، أو غير ذلك فنستصحب دائماً الأدب الشريف وهو أن يبدأ الإنسان بالميامن، كما جاء في حديث أم المؤمنين عائشة ﵂: (كان ﷺ يعجبه التيمن ما استطاع في ترجّله ووضوئه) رواه البخاري.

стр. 38

استحباب الاكتحال والادّهان قال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: يستحب أن يكتحل وتراً، ويدهن غباً، فينظر في المرآة ويتطيب، قال حنبل: رأيت أبا عبد الله وكانت له صينية فيها مرآة ومكحلة ومشط، فإذا فرغ من حزبه -أي: إذا فرغ من قراءة ورده من القرآن أو الأذكار- نظر في المرآة، واكتحل، وامتشط. والمقصود بقوله: رأيت أبا عبد الله: هو أحمد بن حنبل؛ لأنه إذا جاء ذكر أبا عبد الله في كتاب فقه حنبلي فالمقصود به: أحمد بن حنبل، وإذا كان في كتاب فقه شافعي ذكر هذه الكنية فالمقصود: الشافعي، وإذا كان في كتاب فقه مالكي فالمقصود: الإمام مالك؛ لأن أبا عبد الله هي كنية الأئمة الثلاثة، فالإمام مالك كنيته أبو عبد الله، والإمام الشافعي كذلك، والإمام أحمد كذلك، أما الإمام النعمان بن ثابت فكنيته: أبو حنيفة، ﵏ أجمعين، وأحياناً يأتي في بعض كتب الفقه عبارة: وذهب إلى هذا آباء عبد الله. يعني: الأئمة الثلاثة اختصاراً. وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (عليكم بالإثمد؛ فإنه يجلو البصر؛ وينبت الشعر)، والإثمد: نوع من الأحجار التي يصنع منها الكحل، حيث يُدَقّ ويضاف إليه بعض الأشياء ويكتحل به. وقد عثرت على عبارة للإمام القرطبي في تفسيره وهو يتكلم عن بعض هذه الآداب فيقول: وكذلك الكحل للرجال: منهم من يليق به، ومنهم من لا يليق به. وحكم هذه الأشياء شرعاً: أنها سنة مستحبة بلا شك. ما زلنا نبحث عن كلام لبعض أهل العلم في هذا، وما وقفت على غير عبارة الإمام القرطبي السابقة، ونحن نُقّر أن الاكتحال سنة ثابتة عن النبي ﷺ ، وكذلك اتخاذ الشعر سنة، والمهم في هذا الأمر هو النية، أي: أن ينوي الإنسان بذلك الاقتداء بالنبي ﷺ ، والآن يُستنكر إسدال الشعر غالباً؛ لأن الناس الآن تعوّدوا أن يروا إسدال الشعر من عادة النساء؛ بسبب تبرج كثير منهن، فيظهر من كان موفراً لشعره وفق السنة كأنه متشبهاً بالنساء، فلو لم يوفر شعره خشية التشبه بالنساء، مع كونه يريد أن يفعل هذه السنة، فهو يثاب عليها ولو لم يفعلها. وكذلك في الاكتحال، فإنه نظراً للبعد عن الآداب الشرعية، فقد أصبح الكحل في مجتمعاتنا كأنه خاص بالنساء، وربما لو اكتحل الإنسان في وسط هذه المجتمعات وهو يريد الأجر باتباعه لسنّة مستحبة، فقد يوصف بأنه متشبه بالنساء كما يفهم كثير من الجهال، فيمكن أن يؤجر الإنسان إذا ترك الكحل بنيّة أن يكف ألسنة المغتابين؛ لأنهم إذا رأوه فعل ذلك، فبالتالي اغتابوه ووقعوا في معصية لله؛ لجهلهم بأن هذا من الآداب الشرعية، ويرون مثل هذا الفعل مُزرياً به، فإذا ترك ذلك ليكفّهم عن الوقوع في النميمة فهو مأجور، وينبغي للإنسان أن يراعي أيضاً حال المجتمع الذي يعيش فيه. وفي بعض البلاد كالحجاز مثلاً تجد أن النساء عموماً محتجبات، والاكتحال عندهم شيء عادي، أما إذا وجد الإنسان أنه في مجتمع ربما يجلب عليه تطبيق السنة أشياء من المنكرات والفضائح التي تؤذيه أو تزري به، فإنه إن لم يفعل ذلك بنيّة كفّ الناس عن الوقوع فيه وغيبته، فلعله يؤجر في ذلك أيضاً كما سبق، ومع ذلك لا ننكر على من اكتحل بنية إحياء السنة أو تذكير الناس بها، فكلٌ بحسب نيته.

стр. 39

استحباب استعمال الطيب من الآداب الشرعية: التطيب، والطيب مندوب إليه شرعاً، بل يتأكد التعطر للمسلم في يوم الجمعة والعيدين، وعند الإحرام، وعند حضور صلاة الجماعة، وفي المحافل العامة، وأيضاً عند قراءة القرآن وحضور مجالس العلم والذكر، يقول أنس رضي الله ﵎ عنه: (كان لرسول الله ﷺ سكّة يتطيب منها)، والسكّة: طيب أسود يُخلط ويُعرك ويُترك، وتظهر رائحته كلما مضى عليه الزمن، والظاهر أن المراد بالسكّة هنا: وعاء الطيب. وعن ثمامة بن عبد الله قال: كان أنس بن مالك ﵁ لا يردّ الطيب. وقال أنس عن النبي ﷺ : (كان لا يرد الطيب)، وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (ثلاث لا تُردّ: الوسائد، والدهن، واللبن)، والمقصود بالدهن هنا: الطيب والروائح العطرة. فإذا كان الإنسان ضيفاً وقدّمت له وسادة فلا ينبغي له أن يرفضها، وكذلك إذا قُدّم له لبناً أو طيباً وأراد بعض العلماء أن ينظم معنى هذا الحديث في أبيات شعر، فنظمه وزاد عليه زيادة مشهورة بين الإخوة، وهي أن مما لا يرد أيضاً: اللحم، ويبدو أنهم اقتبسوها من أحاديث ضعيفة، فقال الناظم: قد جاء في سنة خير الورى صلى عليه الله طول الزمن ألا نرد الطيب والمتكى واللحم أيضاً يا أخي واللبن ومما ينبغي أن يراعى في التطيب: أن من الأدب التودد بين الزوجين بالتطيب، أو بين الإخوان، لكن من كان يعرف أن بعض أنواع الطيب قد تُحدث حساسية لبعض الناس أو تؤذيهم، فلا ينبغي له أن يتطيب بمثل هذه الأنواع؛ مراعاة لمشاعر الآخرين، المقصود من الطيب هو أن يتودد المسلم إلى إخوانه بأن تكون ريحه طيبة، كما في الحديث: (مثل الجليس الصالح كحامل المسك: إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحاً طيبة)، فإذا كانت هذه الرائحة تؤذي الجليس، فينبغي تجنبها. وعن أبي سعيد ﵁: (أن رسول الله ﷺ سُئل عن المسك، فقال: هو أطيب طيبكم) وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (غسل الجمعة واجب على كل محتلم، وأن يمس من الطيب ما يقدر عليه، وإن لم يجد طيباً فيأخذ من طيب أهله)، فهذه من الآداب المؤكدة يوم الجمعة، كالسواك والغسل والطيب، والمقصود بالمحتلم: هو كل بالغ. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (طيب الرجال ما ظهر ريحه وخفي لونه، وطيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه)، ولعل الإشارة في طيب النساء إلى الحناء أو الخضاب ونحوه. وعن أبي موسى ﵁ مرفوعاً إلى النبي ﷺ قال: (كل عين زانية، وإن المرأة إذا استعطرت فمرّت في المجلس فهي كذا وكذا) يعني: زاينة. فلا يجوز للمرأة أن تتطيب إلا أمام محارمها أو زوجها، أما أن تتطيب وتخرج، وترسل هذا الرسول الشيطاني وهو الطيب، فقد وصفها النبي ﵊ بهذا الوصف الشديد: (فهي كذا وكذا) يعني: زانية، وقال ﵊: (إذا شهدت إحداكن المسجد فلا تمس طيباً) والطيب يشمل البخور، ويعبّر عنه بالاستجمار، أي: من الجمرات التي تستعمل كطيب العود أو شيء من هذا. وعلى الرجل أن يجتنب الطيب في الإحرام كما هو معروف، والمرأة من باب أولى. وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (حُبّب إلي الطيب والنساء، وجُعلت قرة عيني في الصلاة)، فممّا حُبّب إلى النبي ﷺ : الطيب والنساء، فهذه الصفة ليست مذمومة مادامت تصادف حلالاً، بل هي تُحمد في الرجل، وقوله: (وجُعلت قرة عيني في الصلاة) هذه هي الرواية الصحيحة خلافاً لما يشيع على ألسنة كثير من الناس: (حُبب إلي من دنياكم ثلاث: النساء والطيب وقرة عيني في الصلاة)، فهل الصلاة من أمور الدنيا؟ ليست الصلاة من الدنيا، فهي من أكبر وظائف الدين، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: وكان النبي ﷺ يقول: (حُبّب إلي من دنياكم: النساء والطيب، ثم يقول: وجعلت قرة عيني في الصلاة) ولم يقل: (حبب إلي من دنياكم ثلاث) كما يرفعه بعض الناس، بل هكذا رواه الإمام أحمد والنسائي: أن المحبب إليه من الدنيا: النساء والطيب، وأما قرة العين فتحصل بحصول المطلوب، وذلك في الصلاة. وعن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: (كنت أطيب النبي ﷺ بأطيب ما يجد، حتى أجد وبيص الطيب في رأسه ولحيته) رواه البخاري، والوبيص هو: البريق واللمعان، وترجم الإمام ابن حجر ﵀: باب الطيب في اللحية والرأس -بالنسبة للرجل- ثم نقل عن الإمام ابن بطال قوله: يؤخذ منه: أن طيب الرجال لا يجعل في الوجه، بخلاف طيب النساء؛ لأنهن يطيبن وجوههن، ويتزينّ بذلك بخلاف الرجال، فإن تطيب الرجل في وجهه لا يشرع؛ لمنعه من التشبه بالنساء. انتهى كلام الإمام ابن بطال. فمفهوم هذا الحديث: أن طيب الرجل يكون في اللحية والرأس، ولا يكون في الوجه؛ فإن هذا من شأن النساء.

стр. 40

استحباب اتخاذ الشعر وقد أشرنا إليه، لكن نمرّ عليه مراً سريعاً، وسبق أن قلنا: إن سلخ الإنسان لشعره أفضل من إزالته، يقول أبو إسحاق سُئل أبو عبد الله عن الرجل يتخذ الشعر- يمكن أن تقول: الشَّعْر أو الشَّعَر بتسكين العين وفتحها- فقال: سنّة حسنة، لو أمكننا اتخذناه. فهو يشير إلى أن الإنسان عندما يتخذ شعراً فينبغي له أن يعتني به ولا يهمله. وقال الإمام أحمد: كان للنبي ﷺ جمّة. وقال: تسعة من أصحاب النبي ﷺ لهم شعر. وقال: عشرة لهم جُمم. وقال: في بعض الحديث: أن شعر النبي ﷺ كان إلى شحمة أذنيه، وفي بعض الحديث: إلى منكبيه. وروى البراء بن عازب ﵁ قال: (ما رأيت ذا لمة في حلة حمراء أحسن من رسول الله ﷺ ، له شعر يضرب منكبيه) متفق عليه. وعن أنس ﵁ قال (كان شعر رسول الله ﷺ إلى نصف أذنيه) وفي رواية: (إلى أنصاف أذنيه). وعن عائشة ﵂ قالت: (كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد، وكان له شعر فوق الجمّة ودون الوفرة)، والجمة: الشعر النازل إلى المنكبين, والوفرة: ما بلغ شحمة الأذن، فالمقصود: أن الشعر يكون فوق الجمة وأقل من الوفرة، ويستحب أن يكون شعر الإنسان على صفة شعر النبي ﵌، فإذا طال يكون إلى منكبيه، وإن قصر فإلى شحمة أذنيه، وإن طوّله فلا بأس، وعثمان ﵁ كان له عقيصتان. قال الإمام ابن مفلح ﵀: ولا بأس أن يجعله ذؤابة. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 41

السواك وسنن الفطرة [٤] من محاسن ديننا الإسلامي أن شرع الله لنا فيه أحكاماً تعتني ببدن الإنسان، كما شرع الأحكام التي تعتني بروحه، ورتب على ذلك الأجر العظيم، والثواب الجزيل. وإن مما يستحب للإنسان أن يفعله: اتخاذ الشعر وإكرامه وترجيله غبّاً، والحلق أو التقصير لشعر الرأس عند الحج والعمرة، والختان للذكر، والخفض للأنثى، وغير ذلك من سنن الفطرة التي تقوِّم شخصية المسلم، وتجعلها شخصية مثالية صالحة أن يحتذى بها، وهذا يدلنا على أهمية هذه الشعائر، وعظم ثوابها عند الله .

стр. 42

استحباب اتخاذ الشعر وإكرامه وفرقه الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتد، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده ورسوله. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم إنك حميد مجيد. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: من الآداب المستحبة: تطويل الشعر شيئاً يسيراً كما كان النبي ﷺ يفعل. ومن الأشياء المستحبة أيضاً لمن اتخذ شعراً: أن يفرق شعر رأسه نصفين من جانبي اليمين واليسار. وهذا التفريق -أو الفرق- هو ضد السدل، والسدل هو: الإرسال من سائر الجوانب، ويشمل فيما يشمل الإرسال على الجبين واتخاذه كالقصة، هذا من حيث اللغة. والفرق مستحب، والدليل هو حديث ابن عباس ﵄ قال: (كان النبي ﵌ يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه، وكان أهل الكتاب يسدلون أشعارهم، وكان المشركون يفرقون رءوسهم، فسدل النبي ﷺ ناصيته، ثم فرق بعد). متفق عليه. أي: أنه سَدَل أولاً، ثم كان آخر أمره أنه فرق شعره ﷺ . وعن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: (كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفارق النبي ﷺ وهو محرم) رواه البخاري، والوبيص: اللمعان وهذا الطيب باق من أثر التطيب عند الغسل قبل الإحرام، لكن بعد أن يحرم ويلبي فلا شك أنه لا يجوز له أن يمس الطيب. وكان النبي صلى الله عليه وآله سلم -كما جاء في حديث ابن عباس - قد أحب موافقة أهل الكتاب؛ لأن المشركين عَبَدة الأوثان وهم أبعد عن الحق من أهل الكتاب، فأهل الكتاب يؤمنون بالنبوة وبالألوهية وبالرسالات، فهناك فرق في الأحكام بين أهل الكتاب -وهم اليهود والنصارى- وبين المشركين الوثنيين، فأهل الكتاب مع كفرهم دينهم سماوي، وهم أقرب إلى أن يسلموا من المشركين الوثنيين الملاحدة، ولذلك يجوز نكاح نسائهم بشرط الإحصان، ويجوز أكل ذبائحهم أيضاً بشروط. وكان ﷺ يحب موافقتهم أيضاً ليتألفهم، فلما أسلم أهل الأوثان واستمر أهل الكتاب على كفرهم محصت المخالفة لأهل الكتاب، فكان فرق الرأس هو آخر ما كان عليه النبي ﵌. هناك أيضاً عدة أمور وافق فيها النبي ﵌ أهل الكتاب في بداية الأمر، ثم أمر بمخالفتهم كما في صيام يوم عاشوراء، وكما في استقبال بيت المقدس في الصلاة قبل التوجّه إلى الكعبة، وغير ذلك. وحديث ابن عباس ﵄ يدل على جواز الأمرين: السدل أو الفرق، لكن الأفضل هو الفرق؛ لأنه آخر الأمرين من النبي ﵌، وقد جاء في حديث ابن عباس (فرق الشعر من الفطرة)، وكان من شروط أمير المؤمنين عمر ﵁ على أهل الذمة: ألا يفرقوا شعورهم؛ لئلا يتشبهوا بالمسلمين. قال العلماء: ولأن الفرق أنظف، وأبعد عن مشابهة النساء.

стр. 43

فتوى شيخ الإسلام ابن تيمية في أنواع حلق الرأس وأحكامه ننقل ههنا فتوى لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، كما جاء في مجموع الفتاوى الجزء (٢١) صفحة (١١٥)، حيث سأله سائل عن بدعة من بدع الصوفية، وهي أنهم إذا أتاهم الرجل وتوّبوه فإنهم يأتون بحلاق -وهو حلاق مخصوص لمثل هذا- فيحلق له رأسه كشيء من مقدمات التوبة عندهم، وهذا من البدع التي ابتدعوها في التوبة. هذا السائل يسأل شيخ الإسلام عن هذا العمل، فيقول: ما تقول السادة العلماء ﵃ أجمعين، في أقوام يحلقون رءوسهم على أيدي الأشياخ وعند القبور التي يعظمونها، ويعدون ذلك قربة وعبادة، فهل هذا سنة أو بدعة؟ وهل حلق الرأس مطلقاً سنة أو بدعة؟ أفتونا مأجورين؟ فأجاب شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: الحمد لله رب العالمين. حلق الرأس على أربعة أنواع: أحدها: حلقه في الحج والعمرة، فهذا مما أمر به الله ورسوله ﵌، وهذا مشروع ثابت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، قال تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ﴾ [الفتح:٢٧]، وقد تواتر عن النبي ﵌ أنه حلق رأسه في حجّه وفي عُمَرِه، وكذلك أصحابه: منهم من حلق، ومنهم من قصر. والحلق أفضل من التقصير، ولهذا قال ﷺ : (اللهم اغفر للمحلقين، قالوا: يا رسول الله! والمقصرين؟ قال: اللهم اغفر للمحلقين، قالوا: يا رسول الله! والمقصرين؟ قال: اللهم اغفر للمحلقين، قالوا: يا رسول الله! والمقصرين؟ قال: والمقصرين). قلت: فهذا دليل على أفضلية الحلق لوجه الله ، وهو من أنواع العبودية والمناسك التي لا ينبغي أن تصرف إلا لله ، ومن صدق إيمانه ويقينه في ثواب الله وفَعَل ذلك، فينبغي له ألا يبالي باستنكار الجَهَلة لحلاقة شعر رأسه. يقول شيخ الإسلام: وقد أمر الصحابة الذين لم يسوقوا الهدي في حجة الوداع أن يقصروا رءوسهم للعمرة إذا طافوا بالبيت وبين الصفا والمروة، ثم يحلقوا إذا قضوا الحج، فجمع لهم بين التقصير أولاً، وبين الحلق ثانياً. والنوع الثاني: حلق الرأس للحاجة، مثل أن يحلقه للتداوي، فهذا أيضاً جائز بالكتاب والسنة والإجماع، فإن الله رخص للمحرم الذي لا يجوز له حلق رأسه أن يحلقه إذا كان به أذى، كما قال تعالى: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة:١٩٦]. وقد ثبت باتفاق المسلمين حديث كعب بن عجرة ﵁ لما مرّ به النبي ﷺ في عمرة الحديبية، والقمل ينهال من رأسه، فقال: (أيؤذيك هوامك؟ قال: نعم، فقال: احلق رأسك، وانسك شاة أو صُم ثلاثة أيام، أو أطعم فرقاً بين ستة مساكين)، وهذا الحديث متفق على صحته، متلقى بالقبول من جميع المسلمين. قلت: فمن كان في حالة النسك، وأصابه المرض، فقد أباح له الله سبحانه أن يحلق رأسه ويفتدي بما جاء في سورة البقرة (آية: ١٩٦). فهذا هو النوع الثاني الذي ذكره شيخ الإسلام، وهو حلق الرأس للحاجة كالتداوي، فهذا يدخل تحت قول النبي ﷺ : (تداووا عباد الله)، وهذا من التداوي، فلا بأس به. يقول شيخ الإسلام: النوع الثالث: حلقه على وجه التعبد والتدين والزهد في غير حج ولا عمرة، مثلما يأمر بعضُ الناس التائب إذا تاب بحلق رأسه، ومثل أن يجعل حلق الرأس شعار أهل النسك والدين، أو من تمام الزهد والعبادة، أو أن يجعل من يحلق رأسه أفضل ممن لم يحلقه، أو أَدْينَ أو أَزْهدَ، أو أن يقصّر من شعر التائب، كما يفعل بعض المنتسبين إلى المشيخة إذا توب أحداً أن يقص بعض شعره، ويعين الشيخ صاحب مقص وسجادة، فيجعل صلاته على السجادة، وقصَّهِ رءوس الناس من تمام المشيخة التي يصلح بها أن يكون قدوة يتوب التائبين، فهذا بدعة لم يأمر الله بها ولا رسوله ﷺ ، وليست واجبة ولا مستحبة عند أحد من أئمة الدين، ولا فَعَلها أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا شيوخ المسلمين المشهورين بالزهد والعبادة لا من الصحابة ولا من التابعين ولا تابعيهم ومن بعدهم، مثل الفضيل بن عياض وإبراهيم بن أدهم وأبي سليمان الداراني ومعروف الكرخي وأحمد بن أبي الحواري والسري السقطي والجنيد بن محمد وسهل بن عبد الله التستري، وأمثال هؤلاء، لم يكن هؤلاء يقصون شعر أحد إذا تاب، ولا يأمرون التائب أن يحلق رأسه. وقد أسلم على عهد النبي ﷺ جميع أهل الأرض -حيث أن أعظم التوبة هي التوبة من الكفر والدخول في الإسلام- ولم يكن يأمرهم بحلق رءوسهم إذا أسلموا، ولا قص النبي ﷺ رأس أحد، ولا كان يصلي على سجادة، بل كان يصلي إماماً بجميع المسلمين، يصلي على ما يصلون عليه، ويقعد على ما يقعدون عليه، لم يكن متميزاً عنهم بشيء يقعد عليه، لا سجادة ولا غيره، ولكن يسجد أحياناً على الخميرة، وهو شيء يصنع من الخوص الصغير، يسجد عليها أحياناً؛ لأن المسجد لم يكن مفروشاً، بل كانوا يصلون على الرمل والحصى. قلت: والآن يخصون الإمام بسجادة مليئة بأنواع الألوان والزخارف التي تشغل قلبه، هذه بدعة من البدع؛ لأنها مما لم يكن يفعله النبي ﷺ . يقول شيخ الإسلام: بل كانوا يُصلّون على الرمل والحصى، وكان أكثر الأوقات يسجد على الأرض، حتى يبين الطين في جبهته صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليماً. ومن اعتقد البدع التي ليست واجبة ولا مستحبة قربة وطاعة وطريقاً إلى الله، وجعلها من تمام الدين، ومما يؤمر به التائب والزاهد والعابد، فهو ضال خارج عن سبيل الرحمن، متّبع لخطوات الشيطان. قلت: فهذا فيما يتعلق بالنوع الثالث، وهو حلقه على وجه التعبد والتدين والزهد من غير حج ولا عمرة، فهذه بدعة وضلالة. يقول شيخ الإسلام: النوع الرابع: أن يحلق رأسه في غير النسك -يعني: لا في حج ولا عمرة- لغير حاجة ولا على وجه التقرب والتدين، فهذا فيه قولان للعلماء، هما روايتان عن أحمد: أحدهما: أنه مكروه، وهو مذهب مالك وغيره. قلت: بالنسبة للرواية الأولى عن الإمام أحمد -أي: أن هذا مكروه- فقد استدل لهذه الرواية بما روي أنه ﵌ قال في شأن الخوارج: (سيماهم التحليق)، فجعل التحليق علامة للخوارج، وكما في أثر عمر ﵁ حينما قال لـ صبيغ بن عسل: (لو وجدتك محلوقاً لضربت الذي فيه عيناك بالسيف)؛ لأنه لو كان محلوق الرأس، فهذا يدل على أنه من الخوارج، وكانت هذه عادتهم. ومن أدلّة من قالوا بالكراهة: ما جاء في حديث: (ليس منا من حلق)، إلى آخر الحديث. وقد أجاب بعض العلماء على الاستدلال بهذا الحديث بقولهم: سياق الحديث جاء في النهي عن الحلق عند المصيبة، سواء من الرجال أو النساء؛ لأن فيه إظهار للجزع. والرواية الثانية عن الإمام أحمد: أنه يباح حلق شعر الرأس في غير النسك من غير حاجة ولا على وجه التقرب والتدين. وهذا -والله أعلم- أقرب وأصح؛ لقول حافظ المغرب الإمام أبي عمر بن عبد البر رحمه الله تعالى: أجمع العلماء على إباحة حلق الرأس في غير حاجة. وكفى بهذا حجة. يقول شيخ الإسلام: والثاني: أنه مباح. وهو المعروف عند أصحاب أبي حنيفة والشافعي؛ لأن النبي ﷺ رأى غلاماً قد حلق بعض رأسه، فقال: (احلقوه كله، أو دعوه كله). قلت: فقوله: (احلقوه كله)، يدل على إباحة هذا الحلق. وأُتي -أي: النبي ﷺ بأولاد صغار بعد ثلاث، فحلق رءوسهم. قلت: يشير شيخ الإسلام هنا إلى ما صح عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب: (أن النبي ﷺ لما جاء نعي جعفر، أمهل آل جعفر ثلاثاً أن يأتيهم، ثم أتاهم فقال: لا تبكوا على أخي بعد اليوم. ثم قال: ادعوا بني أخي. فجيء بنا، قال: ادعوا لي الحالق. فأمر بنا، فحلق رءوسنا). وهذا أيضاً من الأدلة على إباحة الحلق في مثل هذه الحالة. وعن وائل بن حجر ﵁ قال: (أتيت النبي ﷺ ولي شعر طويل، فلما رآني النبي ﷺ قال: ذباب ذباب)، والذباب في مثل هذا السياق يراد به: الشؤم، يقال: رجل ذبابي. قال: (فرجعت فجزرته، ثم أتيته من الغد فقال: إني لم أعْنِك، وهذا أحسن)، أي: لم أكن أقصدك بقولي: ذباب ذباب. وقوله: (وهذا أحسن) أي: ما دام أنك قد حلقته فهذا أحسن مما كنت عليه. وهذا الحديث رواه أبو داود والإمام أحمد والبغوي في شرح السنة، وذكر محققه أن إسناده يقبل التحسين. وهناك فرق بين الحلق والقص، فإن الحلق يكون بالموس، وأما القصّ فيكون بالمقص أو بما دون ذلك مثل ماكنة الحلاقة المعروفة، والأفصح في لفظ المقص أن تقول: مقصّين؛ لأن المقص مكون من حدّين. يقول ابن قدامة: وأما استئصال الشعر بالمقراض فغير مكروه، رواية واحدة عن الإمام أحمد، قال أحمد: إنما كرهوا الحلق بالموس، وأما بالمقراض فليس به بأس؛ لأن أدلة الكراهة تختص بالحلق. فهذا خلاصة الكلام فيما يتعلق بأدلة هذا القول. يقول شيخ الإسلام مضيفاً إلى هذه الأدلة: ولأنه نهى عن القزع، والقزع: حلق

стр. 44

حكم حلق رأس المرأة وتقصيره من الأحكام التي تتعلق بزينة المرأة، ومما تمس الحاجة إلى معرفته: حكم حلق النساء لرءوسهن، أو قصّ شعورهن.

стр. 45

طول شعر المرأة من علامات جمالها من المعروف أن العرب كانوا يعدون طول شعر النساء من علامات الحسن والجمال، والشواهد اللغوية على ذلك كثيرة جداً، ونبتدئ منها بشاهدين: الأول قول الأعشى ميمون بن قيس: غرّاء فرعاء مصقولٌ عوارضها تمشي الهوينى كما يمشي القطا الوجل فقوله: فرعاء. يعني: إن فرعها وهو شعر رأسها تام في الطول والسواد. وقال آخر: بيضاء تسحر من قيام فرعها وتغيب فيه وهو وصف أسحم يعني: أن شعرها أسود طويل، فكأنها فيه نهار ساطع، وكأنه ليل عليها مُظلم. وهذه الشواهد تفيد أن نقص شعر المرأة بالقص -فضلاً عن الحلق- يُعتبر نقصاً في جمالها، وتشويهاً لها، وهو مثلة. نحتاج إلى التفريق بين القص والتقصير والحلق. فالقص يعني: أخذ الشعر بالمقص. وأصل القص: القطع. والتقصير: حلق شيء من الشعر دون أن يستأصله كله. أي: أنه يجعله قصيراً. أما الحلق فهو: إزالة الشعر تماماً بالموس. الوفرة: ما وصل من الشعر إلى شحمة الأذن. والجمّة: ما نزل عن شحمة الأذن، لكن لم يبلغ المنكبين. أما اللمة: فهي ما ألمّ بالمنكبين.

стр. 46

أقوال العلماء في حكم حلق المرأة لشعرها العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه يجوز أن تحلق المرأة شعر رأسها. واستدلوا بحديث يزيد بن الأصم في قصة زواج النبي ﵌ بـ ميمونة ﵂، يقول: (إن النبي ﷺ تزوجها حلالاً وبنى بها، وماتت بَسَرِف، فحضرت جنازتها، فدفناها في الظلة التي بنا بها فيها، فنزلنا قبرها أنا وابن عباس، فلما وضعناها في اللحد مال رأسها، فأخذت ردائي فوضعته تحت رأسها، فاجتذبه ابن عباس فألقاه، وكانت قد حلقت رأسها في الحج، فكان رأسها محجماً)، ففي هذه الرواية أن رأسها كان محجّماً -يعني: من الحجامة- وفي رواية أخرى عن يزيد بن الأصم (أن ميمونة حلقت رأسها في إحرامها فماتت ورأسها محمم) رواه ابن سعد وإسناده صحيح. ومعنى (رأسها محمم) يعني: مسوّد؛ بسبب نبات الشعر بعد الحلق. وجاء من حديث أنس ﵁ (أنه كان إذا حمم رأسه بمكة خرج واعتمر) يعني: كان يعتمر ويحلق، ثم ينتظر حتى ينبت شعره من جديد، ويصبح لونه مائلاً إلى السواد، فيعتمر مرة أخرى. وقد ردّ بعض العلماء على من استدل بحديث ميمونة ﵂، وقالو: لعلها لم يبلغها الحديث بأن المرأة لا تحلق رأسها في الحج، بل تقصّر فقط عند التحلل من الإحرام، وليس عليها أن تحلق، بل تجمع شعرها أو ضفائرها وتأخذ منها قدر الأُنملة، فهذا يكفيها في التحلل. فأصحاب القول الأول استدلوا بحديث ميمونة أنها حلقت رأسها في الإحرام، وهذا القول مرجوح بلا شك، ويؤول حديث ميمونة -إذا صح عنها- إما بأن هذا اجتهاد منها أخطأت فيه، وهذا احتمال بعيد، وإما أنها حلقت من أجل الحجامة؛ وذلك حتى تتمكن آلة الحجامة من الوصول إلى الموضع الذي احتجمت فيه، فيكون حلقها للتداوي. وهذا الاحتمال هو الأقرب. قال الشيخ الشنقيطي ﵀ على صحة الحديث: فإن الحلق المذكور كان لضرورة المرض؛ لتتمكن آلة الحجم من الرأس، فالضرورة يباح لها ما لا يباح لدونها، ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام:١١٩]. أما القول الثاني: أنه لا يجوز أن تحلق المرأة رأسها. واستدلوا بجملة أدلة: الدليل الأول: إجماع العلماء على عدم حلقهن في الحج، ولو كان الحلق جائزاً، فأولى المواضع التي يجوز فيها هو التحلل، أو قضاء التفث في الحج؛ لأن هذا نسك. قال ابن المنذر رحمه الله تعالى: أجمعوا على أنه لا حلق على النساء، وإنما عليهن التقصير، فيكره لهن الحلق؛ لأنه بدعة في حقهن، ولأنه مُثلة. أي: تشويه للهيئة. الدليل الثاني: هناك أحاديث جاءت بنهي النساء عن الحلق، وإن كانت آحاد هذه الأحاديث ضعيفة، لكن هذه الأحاديث يقوي بعضها بعضاً كما ذكر بعض العلماء. منها حديث علي ﵁: (نهى رسول الله ﷺ أن تحلق المرأة رأسها). وهناك أيضاً في نفس هذا الباب أحاديث عن عائشة وعثمان ﵄. وعن ابن عباس ﵄ مرفوعاً: (ليس على النساء الحلق، إنما على النساء التقصير) رواه أبو داود وحسّنه الحافظ ابن حجر في الفتح، وأيضاً حسّنه النووي. الدليل الثالث: أن هذا الفعل ليس من عمل المسلمين، وقد قال ﷺ : (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد). الدليل الرابع: أنه تشبه بالرجال، وهذا حرام، وقد ورد فيه اللعن. الدليل الخامس: أن الحلق مُثْلة، والمثلة لا تجوز، ولا يجوز أن يشوه الإنسان هيئته. القول الثالث: أن حلق رأس المرأة مكروه. وقد ذكر الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى كراهة حلق المرأة رأسها من غير ضرورة، واستدل بحديث أبي موسى ﵁: (برئ رسول الله ﷺ من الصالقة والحالقة)، والصالقة: هي المصوّتة التي تصوت صوتاً عالياً عند موت قريب لها. والحالقة: هي التي تحلق شعرها حزناً على الميت. يقول الحسن: هي مُثْلة، قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يُسأل عن المرأة تعجز عن شعرها وعن معالجته، أتأخذه على حديث ميمونة؟ قال: لأي شيء تأخذه؟ قيل له: لا تقدر على الدهن وما يصلحه، فتقع فيه الدواب؟ قال: إذا كان لضرورة فأرجو ألا يكون به بأس. فالذين قالوا بالكراهة صرفوا النهي الذي يقتضي التحريم إلى الكراهة، وعلّلوا ذلك بأن أحاديث النهي عن الحلق فيها اضطراب أو إرسال. وحديث: (بريء رسول الله ﵊ من الصالقة والحالقة)، ليس على إطلاقه، بل لكونها فعلت ذلك جزعاً واعتراضاً على حكم الله في موتِ عزيزٍ عليها، فلذلك لم يحمل هذا الحديث على النهي المطلق. وخلاصة الكلام: أنه يحرم على المرأة أن تحلق رأسها من غير ضرورة؛ لأنه مُثْلة، وتغيير لخلق الله، وتشبه بالرجال، فهذه كلها متحققة في الحلق, بجانب الأدلة التي سردناها.

стр. 47

حكم قص وتقصير شعر المرأة أما حكم قص المرأة لشعرها فهو من البلايا التي شاعت في هذا الزمان، بل من النساء من تبالغ في قصّ شعورهن حتى لا يفترقن عن الرجال! لكن في المسألة تفصيل: فذهب بعض العلماء إلى تحريم قص أو تقصير المرأة لشعرها، يقول الشيخ الشنقيطي رحمه الله تعالى: إن العرف الذي صار جارياً في كثير من البلاد بقطع المرأة شعر رأسها إلى قرب أصوله، بدعة إفرنجية مخالفة لما كان عليه نساء المسلمين، ونساء العرب من قبل. والكلام هنا في القص إذا لم يصل إلى حدّ اللمّة، واللمّة: ما ألمّ بالمنكبين من الشعر. أما القص إلى حد الوفرة فهذا غير جائز قطعاً. واستدل بعض العلماء على إباحة ذلك -أي: القصّ فوق اللمة- بما رواه مسلم عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: دخلت على عائشة ﵂ أنا وأخوها من الرضاعة، فسألها عن غسل النبي ﷺ من الجنابة، فذكرت له ذلك، ثم قال الرواي: وكان أزواج النبي ﷺ يأخذن من رءوسهن حتى تكون كالوفرة. قال النووي في شرح مسلم: يدل هذا الحديث على جواز تخفيف الشعر للنساء. وهذا المذهب ينتصر له الشيخ ناصر الدين الألباني رحمه الله تعالى. وبعض الناس استأنسوا لحكم التقصير في جواز ذلك في النسك، وأن المرأة ما دامت يجوز لها أن تقصر في النسك، فيجوز لها خارج النسك، وهذا استئناس وليس استدلالاً. وقد ردّ الشيخ الشنقيطي ﵀ عن استدلال بعض العلماء بهذا الحديث الذي فيه: أن أزواج النبي ﷺ كُنّ يأخذن من رءوسهن حتى تكون كالوفرة. حيث قال: إن هذا لا يحتمل أبداً أن يكون وَقَع في حياة النبي ﵊؛ لضرورة التزين للزوج، أما بعد وفاة النبي ﵌ فهنّ كُنّ تجملن له في حياته، ومن أجمل زينتهن شعرهن، أما بعد وفاته ﷺ فلهن حكمٌ خاص بهن لا تشاركهن فيه امرأة واحدة من نساء جميع أهل الأرض، وهي انقطاع أملهن انقطاعاً كلياً من التزويج، ويأسهن منه اليأس الذي لا يمكن أن يخالطه طمع، فهنّ كالمعتدات المحبوسات بسببه ﵌ إلى الموت؛ لقول الله : ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٣]. ثم قال: فمن قاس سائر النساء على أمهات المؤمنين في هذه المسألة فهذا قياس مع الفارق؛ لأن هذا حكم خاص بأمهات المؤمنين لا يدخل فيه غيرهن، فهذا اليأس قد يكون سبباً للترخيص في الإخلال بأشياء من الزينة لا تحل لغير ذلك السبب. ونفس التعليل ذكره أيضاً القاضي عياض ﵀ في هذا الحديث الذي رواه مسلم في أنّهن تركن التزيّن بعد وفاته ﵌. فإذا ترخصت المرأة، وأخذت بقول الفريق الذي يبيح القص، فلا تبالغ في القص حتى تقص مادون المنكبين، إلا إذا كان هناك عذر من مرض أو غير ذلك، والله تعالى أعلم.

стр. 48

الختان

стр. 49

حكم الختان للرجل والمرأة يقول في منار السبيل: والختان واجب على الذكر والأنثى. فهذا أحد المذاهب في حكم الختان، وهو هنا يوجبه على الذكر والأنثى، وهذه هي الرواية المعتمدة في المذهب الحنبلي. وعلّل الوجوب بقوله: لأنه من ملة إبراهيم ﵇، وفي الحديث (اختتن إبراهيم بعدما أتت عليه ثمانين سنة)، وهناك زيادة في الحديث: (بالقدّوم) أو (بالقدوم) بالتخفيف والتشديد للدّال، والأكثرون رووه بالتشديد -يعني: بالقدُّوم- فإما أن يكون اسم مكان بالشام أخذاً بالتخفيف، أو يكون بآلة النجار على القول بالتشديد، وقد قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل:١٢٣]، فنحن مأمورون باتباع إبراهيم ﵇ في ذلك، ولو لم يكن الختان واجباً عليه لما اختتن بعد أن بلغ عمره ثمانين سنة؛ لما في ذلك من المشقة. وقد صح في تفسير قوله ﵎: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة:١٢٤] أن هذه الكلمات هي عشر، خمس في الرأس وخمس في الجسد، وذكر منها بعض خصال الفطرة. فهذا من جملة ملّة إبراهيم ﵇ وسنته التي أُمرنا باتباعه فيها، فلا يغتر الإنسان بما صدر من بعض المعاصرين كالشيخ محمد عبده في كلامه عند تفسير هذه الآية، حيث قال: كيف يكون ابتلاء إبراهيم بمثل هذه الأحكام؟! فكأنه استنقصها ولم يعلم أن هذا من جملة ما ابتلاه الله وكلّفه به، ولا ينبغي أن يتعامل مع النصوص الشرعية بهذه الطريقة، وهذه المدرسة -كما تعلمون- ليست هذه أولى الزلات لها في التعامل مع النصوص الشرعية. وتكليف إبراهيم ﵇ بالختان وهو على رأس ثمانين سنة، أليس في هذا ابتلاء شديد من جملة ما ابتلاه الله به من الأحكام؟! وقال ﵊ لرجل أسلم: (ألق عنك شعر الكفر واختتن)، حسّنه الألباني وغيره، فهذا أمر وخطاب للواحد يشمل غيره، إلا إذا قام دليل على الخصوصية، وهنا لم يقم دليل على الخصوصية، فهو يشمل بعمومه جميع المكلفين. ومن الأدلة: قوله ﵌: (إذا التقى الختانان وجب الغسل)، حديث صحيح، فقالوا: هذا دليل على أن النساء كُنّ يختتن. وقال أحمد: كان ابن عباس ﵄ يشدّد في أمره، حتى قد روي عنه أنه لا حج له ولا صلاة. والأدلة التي أوردها القائلون بوجوب الختان يصح الاستدلال بها على وجوبه بالنسبة للرجل، أما في حق المرأة ففيه تفصيل. ومن أوضح الأدلة على جواز الختان في حق النساء على الأقل: قوله ﵊: (إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل). وقول الله : ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل:١٢٣]، هذا بالنسبة لختان الرجال، والآية فيها أمر باتباع إبراهيم ﵇ فيما فعل، ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام:٩٠]، فهذا يقتضي إيجاب كل فعل فَعَله إلا أذا أتى دليل يدل على أنه سنة في حقّنا كالسواك ونحوه. وكذلك حديث: (الفطرة خمس) وذكر منها (الختان). وقد تقدم قول القاضي أبو بكر بن العربي ﵀: عندي أن الخصال الخمس المذكورة في هذا الحديث كلها واجبة، فإن المرء لو تركها لم تبق صورته على صورة الآدميين، فكيف من جملة المسلمين؟! أيضاً مما يستدل به على الختان في حق المرأة حديث أم عطية ﵂، وفيه: أن النبي ﷺ قال لها: (لا تُنهكي؛ فإن ذلك أحظى للمرأة وأحب إلى البعل) وفي رواية: (أشمي ولا تنهكي). والحملة التي تُثار بين وقت وآخر ضد ختان النساء هي حملة غير منطقية وغير مقبولة؛ لأن القوم يغضّون الطرف عن هذه الضوابط التي ذكرها النبي ﷺ في هذا الأمر. فقوله: (أشمي) وقوله: (ولا تنهكي) هو عبارة عن وضع للضوابط؛ لتفادي الأخطاء التي قد تحدث وتسبب بعض المضار، فكلامهم في هذه القضية هو تحصيل حاصل، وكذلك كلامهم فيما يتعلق بالأضرار التي تحصل عن هذا الأمر، وهي أضرار توجد في أي عميلة جراحية، حتى ختان الذكور قد يترتب عليه الكثير من الأضرار إذا حصل خطأ ممن يمارس هذه العميلة؛ لأن الناس يكلوا هذا الأمر إلى من ليس لديهم علم بأمور الجراحة أو الطب، فيحصل تلوث في الجرح، أو نزيف، أو أي خطأ نتيجة الاعتماد على الجهال أو الجاهلات في القيام بهذه الأعمال. لكن هذا يُضبط بأن يشرف على هذا أهل الاختصاص وأهل الطب، ولا يقوم بهذا العمل إلا من شُهد له بالخبرة، سواء من الرجال أو النساء. وهذه الحملة يأتون بها إلينا من الغرب لأسباب معلومة، وإلا فليس الخطأ ناتج من تطبيق هذه السنة، وإنما من بعض من يتصدرون للقيام بهذه الأشياء دون علم. فقد يقال: إن الختان في حق الرجل واجب، أما في حق المرأة فهو مكرمة؛ لقول النبي ﷺ : (الفطرة خمس) وذكر منها: (الختان والفطرة). وهناك حديث رواه الإمام أحمد والبيهقي وفيه نظر من حيث الإسناد: (الختان سنّة للرجال، ومكرمة للنساء). والمرأة تختلف عن الرجل في أمر الختان، فيصعب القول بالوجوب على الفريقين؛ لأن مصلحتها في أمر الختان حالية، وليست ضرورية. وقد ثبت ختان الرجل كما جاء عن إبراهيم، ولم يثبت أن إبراهيم ﵇ أمر المرأة بالخفض، ولكن قد ثبت في السنة استحباب الخفض. والخلاصة: أنه واجب للذكور، ومكرمة للنساء.

стр. 50

وقت الختان يستحب الختان عند البلوغ، وقبله أفضل، فلو أن إنساناً أخر الختان إلى البلوغ، فهذا يكون هو وقت الوجوب، والأفضل أن يكون في وقت الاستحباب، أي: من اليوم السابع حتى البلوغ، فهذا وقت الاستحباب؛ لأنه كلما كان الطفل صغيراً، كلما كان التئام الجرح سريعاً، وأيضاً الإنسان قبل ذلك لا يكون مكلفاً. سئل ابن عباس ﵄: مثل من أنت حين قبض رسول الله ﷺ ؟ قال: أنا يومئذ مختون، وكانوا لا يختنون الرجل حتى يدرك. رواه البخاري. ونقل في الفروع عن الشيخ تقي الدين أنه قال: يجب إذا وجبت الطهارة والصلاة. لكن يستحب للولي أن يختن الصغير في صغره؛ فإنه أرفق به، كما ذكرنا أرفق به، وأسرع إلى شفاءه. الختان مستحب قبل البلوغ، ومع ذلك فالمستحب هنا أفضل من الفرض، وهناك أحكام قليلة يكون فيها المستحب أفضل من الواجب، وقد نظم الإمام السيوطي رحمه الله تعالى هذه الأشياء التي يكون فيها ثواب النافلة أعظم من ثواب الفرض، فقال ﵀: الفرض أفضل من تطوع عابدٍ حتى ولو قد جاء منه بأكثر إلا التطهر قبل وقت وابتداء بالسلام كذاك إبرا المعسر وكذا ختان المرء قبل بلوغه تمّم به عقد الإمام المكثرِ فأول شيء: التطهر قبل دخول الوقت؛ لأنه إذا دخل الوقت حينئذ يجب عليه أن يتطهر، لكن الوضوء قبل دخول الوقت هو الأفضل. الثاني: الابتداء بالسلام، فالذي يبدأ السلام له فضل على المسَّلم عليه؛ ويكون المسلَّم أولى بالله؛ لأن السلام اسم من أسماء الله ، وردّ السلام واجب: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء:٨٦]، والبداءة بالسلام مستحبة، ومع ذلك فهي أفضل من الردّ. الثالث: إبرا المعسر، يعني: إبراء المعسر، والعفو عنه في الدَّين، فهذا أفضل من إنظاره حتى يتيسر له القضاء. الرابع: هو الختان قبل البلوغ، والذي سبق بيانه.

стр. 51

السواك وسنن الفطرة [٥] علق الله الفلاح في الدنيا والآخرة بالتقوى، ومن تقوى الله تعظيم شعائره، وإن من الشعائر التي لازمها النبي ﷺ ، وأمر بها، وحث عليها: خصال الفطرة، وقد أكد على شيئين هما: حفّ الشارب، وإعفاء اللحية.

стр. 52

الأمر بإعفاء اللحية وحفّ الشارب عن ابن عمر ﵄ مرفوعاً: (خالفوا المشركين، احفوا الشوارب وأوفروا اللحى) هذا أمر من النبي ﵌ بإعفاء اللحية.

стр. 53

تقرير القاعدة الأصولية: ظاهر الأمر يفيد الوجوب هناك قاعدة أصولية معروفة، وهي: ظاهر الأمر الوجوب. والظاهر: أن تكون الصيغة محتملة احتمالاً راجحاً، واحتمالاً مرجوحاً. فالظاهر هو الاحتمال الراجح، والاحتمال المرجوح هو الذي إذا صِيْر إليه يسمى تأويلاً. فالتأويل: أن تصرف اللفظ عن الظاهر. لكن لا بد أن تكون هناك قرينة دلّت على ذلك، فظاهر الأمر الوجوب، كما قال الله : ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء:٢٣] هذا نص في دلالته على التحريم. وأمر رسول الله ﷺ ، بإعفاء اللحية، هذا أمر ظاهره الوجوب؛ لأن المعنى الراجح من الأمر هو الوجوب، والمرجوح هو الاستحباب، فلا يصرف اللفظ عن الظاهر -الذي هو الاحتمال الراجح- إلا بدليل يصرف إلى هذا التأويل. وهذه القاعدة يُحتاج إليها كثيراً، وعليها أدلة من العقل والنقل. أما من العقل: فمعلوم أن السيد إذا أمر عبده بأمر فلم يمتثل هذا العبد أمر سيده فإنه يُذَمّ، ويوصف بالعصيان. وأما النقل: فيقول الله لإبليس: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف:١٢]، كان الأمر ليس دالاً على الوجوب لقال له إبليس: الأمر ظاهره لا يدل على الوجوب! وأيضاً: ليس المراد هنا هو الاستفهام، لكن المراد هو الذم والعيب، وأنه لا عذر له بإخلاله بأمر الله بالسجود الذي جاء في قوله: ((اسْجُدُوا لِآدَمَ)) ولو لم يكن الأمر للوجوب لكان من الممكن له أن يعتذر قائلاً: إنك لم تلزمني بالسجود بهذه الصيغة. ويقول الله ﵎: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات:٤٨]، فهذا أمر، وقد أتى في سياق ذمّهم على ترك هذا الفعل لما قيل لهم: افعلوه. بصيغة الأمر، فلو كان الأمر يفيد الندب لما حصل هذا لهم الذم. أيضاً: يقول الله ﵎: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣] فقوله: ((يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ)) يعني: يعرضون عن أمره بترك مقتضاه. وفي قصة موسى ﵇ مع أخيه هارون ﵇: ﴿قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ [طه:٩٢ - ٩٣]، يعني: تركت مقتضى أمري. ويقول : (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ) [الجن:٢٣]. والأمر الذي أمره به موسى هو قوله: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي﴾ [الأعراف:١٤٢]، وهذا أمر مجرد عن القرائن، فكان ظاهره الوجوب، ولذلك وصف عدم فعله بالعصيان بقوله: ((أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي)). وقد استدل الأصوليون على هذه القاعدة بقوله ﵎: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ﴾ [الأحزاب:٣٦] أي: حكم ﴿إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦]. وأيضاً: يستدل بقول النبي عليه الصلاة السلام: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة)، و (لولا): تفيد انتفاء الشيء لوجود غيره، وهي هنا تفيد انتفاء الأمر لوجود المشقة، فهذا يدل على أنه لم يوجد الأمر بالسواك عند كل صلاة، والإجماع قائم على أن السواك مندوب؛ فلو لم يكن الأمر كذلك لأَمَر به النبي ﵊ سواء شقّ عليهم أو لم يشق. وكما في قصة بريرة لما أُعتقت وزوجها مغيث لا زال عبداً، فكان يتبعها في سكك المدينة وهو يبكي من شدة تعلّقه بها، وهي تأبى الرجوع إليه، فلما أراد النبي ﷺ منها أن تعود إلى زوجها قالت: (يا رسول الله! تأمرني؟ قال: إنما أشفع) فيفهم من هذا أن قولها للنبي ﵊: (أتأمرني؟) أي: إن كان أمراً فلا مناص من التزامه، وإن لم يكن أمراً فسوف تختار ما تريده، فقال النبي ﷺ (إنما أشفع) أي: إنما أنا مجرد شافع، ولا آمرك أمراً شرعياً. قالت: (فلا حاجة لي فيه)، فقال النبي ﵊: (ألا تعجبون من حب مغيث بريرة، وبغض بريرة مغيثاً؟!) أو كما قال ﵌. وهذه المقدمة -في معنى الأمر ومقتضاه- نحتاجها دائماً قبل أن نذكر أي أَمْر أَمَر به النبي ﵌، وأكثر الناس في هذا الزمان ربما لا يبالون بأوامر النبي عليه الصلاة السلام، فإذا أردنا إخبار الناس بأي حكم شرعي من السنّة -سواء في أي قضية تخص المسلمين أو المسلمات- فينبغي أن نصدرها بالقول: إن الدليل على وجود هذا الحكم هو كل آية في القرآن فيها الحث على طاعة النبي ﷺ .

стр. 54

أدلة وجوب إعفاء اللحية الدليل الأول على الترهيب من عدم امتثال إعفاء اللحية: هو كل آية في القرآن تُرهّب من معصية أمر رسول الله ﵌، فهذا هو أعظم الأدلة على وجوب امتثال أوامره. ثم تأتي أدلة خاصة في المسألة تتعلق بالمسائل التي نحن بصددها: روى ابن عمر ﵄ -كما في الصحيح-: (أن النبي ﷺ أمر بإحفاء الشوارب، وإعفاء اللحية). وقال ﵊: (أنهكوا الشوارب وأعفوا اللحى)، وفي الحديث الآخر: (جزوا الشوارب، وأعفوا اللحى، وخالفوا اليهود). فهذه كلها صيغ أمر ووردت بصيغ مختلفة جمعها الإمام النووي رحمه الله تعالى، فحصل منها خمس صيغ: (أعفوا)، (أوفوا)، (أرخوا)، (وفّروا)، وهذا كله للوجوب يفيد وجوب امتثال المأمور به؛ لأنه يثاب فاعله ويعاقب تاركه، وليست هناك قرينة تصرفه إلى الندب، ويجب القول: بأن حلق اللحية معصية صريحة لأمر رسول الله ﵌. وبعض الناس يفتشون في كتب الفقه عن أي شيء يسند موقفهم بعدما يكون موقفهم في النهاية هو الحاكم على اختياراتهم، فإذا ظفروا بشيء يضعف الحكم المشهور مالوا إليه، واعتصموا بأن خلاف الأمة رحمة، وأن لا إنكار في المسائل الخلافية، وأن هناك علماء قالوا كذا، وعلماء قالوا كذا، ويكون الهوى هو الحاكم في مثل هذه القضية!! والذي استطاعوا أن يظفروا به: هو خلاف الأصوليين في صيغة الأمر، هل هي تقتضي الوجوب؟ أم أنها تقتضي الندب؟ فاعتبروا هذا الخلاف بين العلماء في كتب الأصول مسوّغاً للفرار من الالتزام بإعفاء اللحية، وقالوا: هو سنة وليس واجباً. ولو سلّمنا لهم بأنها سنّة فلماذا يواظبون على تركها؟! هذا إذا لم يشنعوا على القائمين بفعلها والممتثلين لها! فهم يقولون بأفواههم: هي سنة. ومع ذلك ترى عامتهم معرضون عن هذه السنة! فيقولون: الأمر الغالب في قوله: (جزوا الشوارب وأعفوا اللحى) هذا أمر للندب، وطالما كان الحال كذلك فإن إباحة الحلق تؤخذ من جهة كون المندوب غير ممكن. فعلى هذا الكلام -وهو قولهم: الأمر للندب- يكون إعفاء اللحية وتقصيرها وتنميتها وتركها على حالها، هذا هو مقتضى كل هذه الروايات؛ لأن الأمر هو أمر بالإطالة لا بمطلق وجود اللحية، فمطلق وجود اللحية هو شيء مفروغ منه، كما سيأتي في الأدلة أن الذين كانوا يقصون اللحى ويقصرونها هم المجوس، كما يفعل كثير من الناس في هذا الزمان، فالمنهي عنه هو مخالفة المجوس بتوفير اللحية، لا مجرد وجود عينة رمزية تشير إلى وجود لحية في وجه الرجل. فحتى لو قالوا: إن الأمر على الندب، فيجب أن نبحث: ما هو الشيء المندوب والمستحب في الحديث؟ المستحب: هو الإطالة والتوفير فقط، أما أصل وجود اللحية فغير داخل في مثل هذا الاستدلال. فالإعفاء والإرخاء والإسدال والتوفير وترك اللحى على إطلاقها، الذي يقابل هذا كله: هو التقصير، لا الحلق والاستئصال. والعلماء يقولون: قد يأتي النهي أحياناً بصيغة الأمر؛ لأن النهي هو طلب الكف عن الفعل. وقد يرد النهي بصيغة الأمر، مثل قول النبي ﵊: (أعفوا)، يعني: اتركوها وأعفوها ولا تقصوها. فالنهي يستلزم اجتناب الحلق: ﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧]، وقال ﵊: (ما نهيتكم عنه فاجتنبوه)، فالشيء المعين إذا أمر به، كان ذلك الأمر نهياً عن الشيء المعين المضاد له، فإذا أُمرت بالحركة، فالأمر بالحركة يتضمن النهي عن السكون، وهذا حينما يكون المحل واحداً كذلك إذا كان المحل متعدداً، مثل الأمر بالقيام، فإنه يتضمن النهي عن القعود والاضطجاع والسجود وغير ذلك من الهيئات. فالكف عن المحل لازم للأمر لزوماً لا ينفك عنه، فلا يحصل الأمر إلا بالكف عما يضاده، لاستحالة اجتماع الضدين. وقد أتى ما يشعر بالنهي الصريح في حديث أبي ريحانة ﵁ قال: (نهى رسول الله ﷺ عن عشر: عن الوشر والوشم والنتف). يقول القاري في مرقاة المفاتيح: والنتف. أي: عن نتف النساء لشعورهن من وجوههن، أو نتف اللحية بأن ينتف البياض منهما، أو نتف الشعر عند المصيبة. فالعلماء لم يكونوا يتخيلون أن الناس سوف يتعدّون المخالفة إلى الإزالة الكاملة كما يحصل الآن، لكن حملوها على أنه نتف الشعر الأبيض من اللحية، حتى لا يظهر الشيب.

стр. 55

حلق اللحية مُثْلة إذا قلنا: إن حلق اللحية مُثلة -كما ذهب إلى ذلك الإمام مالك رحمه الله تعالى وغيره- فنستطيع أن نجزم بأن هناك نهياً صريحاً عن حلق اللحية باعتبارها مُثْلة، كما في حديث عبد الله بن يزيد الأنصاري ﵁ قال: (نهى رسول الله ﷺ عن النهبى والمثلة). وفي حديث سمرة بن جندب وعمران بن حصين ﵄ قالا: (ما خطبنا رسول الله ﷺ خطبة إلا أمرنا بالصدقة ونهانا عن المثلة). والمُثلة: التشويه بأي أسلوب، سواء كان بحلق الإنسان للحيته، أو بغير ذلك، ويشمل التمثيل بجثث القتلى في الحروب. وروى ابن عساكر عن عمر بن عبد العزيز ﵀ أنه قال: إن حلق اللحية مثلة، وإن رسول الله ﷺ نهى عن المثلة. فالأمر والنهي جاء في الأحاديث التي فيها أمر النبي ﵊ بإعفائها، ثم النهي كما في المثلة والنهي عن النتف، والنهي بصيغة الالتزام، فيلزم من الأمر بالشيء الكف عما يضاده.

стр. 56

الأمر بإعفاء اللحية مخالفة للكفار هناك قاعدة معروفة في الشريعة، وهي قاعدة مقررة وراسخة لم يتم التفصيل فيها، وهي: ترغيب الشرع في مخالفة الكفار، والتأكيد على ذلك في أبواب كثيرة جداً من العبادات أو العادات. والمقصود: النهي عن التشبه بالكفار فيما هو من خصائصهم، لكن الكفار يأكلون ونحن نأكل، وهم يركبون السيارات ونحن نركب، أليس هذا تشبهاً بالكفار؟! نقول: لا، إلا فيما يختص بلباس الكفار، مثل القسيس الذي يلبس الثياب المعروفة التي تختص بالكفار، فإذا لبسها المسلم ففي هذه الحالة يقع في قول النبي ﷺ : (من تشبه بقوم فهو منهم)، وقوله ﵊: (ليس منا من عمل بسنة غيرنا). فهذه القاعدة لها أدلة عظيمة وكثيرة أيضاً، لكن الدليل المباشر في هذه القضية هو ربط قضية تشبه الكفار بحلق اللحية، يقول النبي ﵌: (خالفوا المشركين: حفوا الشوارب وأوفوا اللحى). وذكر لرسول الله ﷺ المجوس، فقال: (إنهم يوفرون سبالهم ويحلقون لحالهم فخالفوهم). يقول الحافظ ابن حجر: فإنهم كانوا يقصون لحاهم، ومنهم من كان يحلقها. معنى ذلك: أن المجوس الذين أُمرنا بمخالفتهم كانوا طرفين: منهم من يحلقها، ومنهم من يقصرها ويقصها، فكيف تكون مخالفتهم؟ تكون بالإعفاء والتوفير، كما ثبت ذلك عن النبي ﵌. وفي حديث أبو أمامة، أن بعض مشيخة الأنصار قالوا: (يا رسول الله! إن أهل الكتاب يقصون عثانينهم) والعثانين: اللحى، والسبال: الشوارب، وهو لم يقل: يحلقون. بل قال: يقصون. (يا رسول الله! إن أهل الكتاب يقصون عثانينهم، ويوفرون سبالهم، فقال ﷺ : كفوا سبالكم، ووفروا عثانينكم، وخالفوا أهل الكتاب). وفي حديث أبي هريرة مرفوعاً: (إن أهل الشرك يعفون سبائلهم ويحفون لحاهم، فخالفوهم: اعفوا اللحى، واحفوا الشوارب). والتشبه في الظاهر يعكس ما في القلب والباطن من والمحبة، ولذلك نرى من أحب قوماً أُولع بالتشبه بهم في مظهرهم وملبسهم، فإنك ترى بعض الفنانين -ولو كان من أفسق الفساق أو من لاعبي الكرة أو شيء من هذا- يخترع تخليعة معينة في ملابسه أو هيئته أو شعره، فتجد من ينقادون وراءه انقياداً كلياً، وينظرون إلى هذا بعين الاستحسان والإقرار، ويغفلون عن أن الأولى بالمسلم أن يربط نفسه بمن جعله الله مثله الأعلى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١]. فمن تشبه بالكفار في حلق اللحى، فهذا يعني أنه استحسن بقلبه ما عليه هؤلاء الناس، وأنه لا يستحسن -بل يستقبح- ما كان عليه النبي ﵌ وأصحابه وجميع أئمة المسلمين وعامتهم في كل العصور، حتى أتى علينا هذا الزمان الذي فُتح علينا فيه باب الفتن، ولا سيما من اليهود والنصارى، كما أخبر النبي ﵌، ولم يعد المسلمون يحسّون بصدى قول النبي ﵌: (وخير الهدي هدي محمد ﵌. فإن رسول الله محمد ﵊ كانت له لحية عظيمة وجميلة، وكذلك الصحابة والسلف، والأئمة، ولم يوجد منهم من حلق لحيته في حياته مرة واحدة، بل إن بعض الأمراء ممن لم يكونوا متفقهين في الدين كانوا إذا أرادوا أن يؤدبوا أحداً من الرعية لخطأ ارتكبه، عاقبوه بحلق لحيته، ثم يركبونه على دابة؛ ليشهروا به بين الناس؛ فإن من الإهانة ومن العقوبة أن تُحلق لحيته، ويركب على دابة، ويطوفون به بين الناس وفي الأسواق، تعييراً له بهذا الهيئة المزرية. فالشاهد: أن هذا كان تعييراً عند الناس. وقال بعض العلماء: لا يجوز التعزير بحلق اللحية. ونهى العلماء عن أن يعزر الإمام أحداً من الرعية بحلق لحيته؛ لأن هذا حرام. وهناك طوائف من اليهود يتميزون جداً بزيهم الباطل، فلا يمكن أن تجد بينهم رجلاً حالقاً للحيته أو ليس في وجهه لحية، إلا الأمرد الصغير الذي لم تنبت لحيته، لكنك لا ترى أبداً يهودياً من هذه الطوائف يحلق لحيته وإن كانوا يوفرون سبالهم! فالمخالفة ليست في مجمل الأمر نفسه، بل في تفصيل هذا الأمر، فالقساوسة -مثلاً- يعفون لحاهم، واليهود يعفون لحاهم، والمسلمون يعفون لحاهم، لكن المخالفة تأتي في بعض الجزئيات والتفاصيل، وهو فيما يتعلق بقص الشارب، فهذا وجه المخالفة، وليست المخالفة في حلق اللحية كما قد يفهمه البعض.

стр. 57

حلق اللحية تشبه بالنساء كثير ممن يحلقون اللحى لا يلتفتون إلى هذا الأمر؛ بسبب تعودهم واستمرائهم لهذا الأمر، وربما كان هذا بسبب تضليل بعض شيوخ السوء وتشويشهم على الأحكام الشرعية في هذا الباب. وهذا الأمر هو: أن حلق اللحية فيه نوع من التشبه بالنساء، والرسول ﵊ يقول: (ليس منا من تشبه بالرجال من النساء، ولا من تشبه بالنساء من الرجال). وفي الحديث الآخر: (لعن رسول الله ﷺ الرجل يلبس لبسة المرأة، والمرأة تلبس لبسة الرجل). وتشبه الرجل بالمرأة أو العكس من الكبائر، فيحرم على الرجل أن يتشبه بالمرأة في أي شيء، سواء في الكلام في الحركة في الملابس في الهيئة، ونحو ذلك. وقد نص بعض العلماء على أن حلق اللحية فيه تشبه بالنساء، يقول الإمام الغزالي ﵀: وبها -يعني: باللحية- يتميز الرجال من النساء. وقال الإمام المحقق ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى: وأما شعر اللحية، ففيه منافع، منها: الزينة والوقار، والهيبة؛ ولهذا لا يرى على الصبيان والنساء من الهيبة والوقار ما يرى على ذوي اللحى، ومنها: التمييز بين الرجال والنساء. وقال الكاندهلوي: اللحية: هي المميزة بين الرجل والمرأة؛ إذ الشعور غير اللحية مشتركة بينه وبينها. فاللحية هي الفارق الأول والمميز الأكبر بين الرجل والمرأة، كما هو مشاهد ومعلوم للجميع. ولا شك أن الإنسان يستقبح ويستنكر أن المرأة تحلق شعر رأسها؛ لأن هذا شيء يستغرب ويستقبح، وهو مُثْلة. فينبغي أن يكون لديك نفس الشعور بالضبط إذا رأيت رجلاً قد حلق لحيته، لكن إنكار هذا المنكر لم يعد مصحوباً بالاستنكار المطلوب؛ لكثرة من يحلقون لحاهم، وكما قيل: كثرة المساس تُفقد الإحساس! فلم يعد في قلوبنا نفس هذا الشعور من الاستقباح لهذا المنكر. وقد جاء في قصة مصرع أبي جهل لعنه الله، قال النبي ﵇ للصحابة: (من ينظر إلى ما صنع أبو جهل، فانطلق ابن مسعود ﵁، فوجده قد ضربه ابنا عفراء حتى برد، قال: أأنت أبو جهل؟ فأخذ بلحيته). متفق عليه. أي: أن ابن مسعود أخذ بلحية أبي جهل لعنه الله. فالعرب ما كانت تحلق اللحى، حتى المشركين الذين بعث فيهم النبي ﵊ كانوا يعفون لحاهم، بل حتى أبو جهل وأبو لهب وغيرهم كانوا يعفون لحاهم قبل الإسلام؛ لأن اللحية من خصال الفطرة، وهي من علامات الرجولة، ولم تكن العرب تعرف حلق اللحية، وما تركت هذه الزينة لا في الجاهلية ولا في الإسلام، وأتى الإسلام فأقرهم عليها، بل وأمر بها أيضاً. وهناك أثر مروي عن عائشة -ولا أظنه صحيحاً- أنها كانت تقول: (سبحان من زين الرجال باللحى، والنساء بالذوائب)، والمعنى صحيح، فزينة الرجل غير زينة المرأة. ومما يناسب الإشارة إليه: أن الرجل خلقه الله ﵎ باللحية؛ لتظهر فيه الرجولة، والرجولة: هي عبارة عن مجموعة من السمات الظاهرة والباطنة كلما اجتمعت هذه السمات، كلما كانت الرجولة والفحولة أتم. فخصال الرجولة هي أثر من آثار هرمون الذكورة، وهذا الهرمون اسمه: (التستسترون)، وهناك أمراض قد تطرأ على بعض الرجال فينشأ عنها نقص في الرجولة، وهذه الأمراض تكون مصحوبة بسقوط شعر اللحية من الوجه، وهرمون الرجولة إذا حُقنت به أنثى فإنه يؤدي إلى ظهور بعض خصال الذكورة عليها، ومنها نمو اللحية في الوجه، وهذا هو المعروف في الطب، ومما يؤثر من الناحية الطبية: أن اللحية مختصة بالرجال، وأنها الفارق الواضح بين المرأة والرجل!

стр. 58

اللحية من النعم العظيمة التي أنعم الله بها على الرجال اللحية من نعم الله ﵎ العظيمة على الرجل، وهي مما زين الله به الرجل وأكرمه به، يقول الله : ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء:٧٠]. قال بعض العلماء: من تكريمه لبني آدم: خلقه لهم على أكمل الهيئات وأحسنها. وذكر بعض العلماء اللحية في تفسير هذه الآية كنوع من أنواع هذا التكريم، كما ذكر الإمام البغوي عند قوله تعالى: ((كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ)) قال: يعني: كرمنا الرجال باللحى، والنساء بالذوائب. وقال أبو حيان: وقيل: اللحية للرجل، والذؤابة للمرأة. وكذلك قال القرطبي. وتأمل هذه الآية: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ [البقرة:١٣٨]، وقال : ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [التغابن:٣]، ولهذا أحسن وأكمل صورة يظهر بها الإنسان هي التي خلقه الله عليها. ويقول ﵎: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين:٤]. ويقول : ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار:٦ - ٨]، وقال ﵊: (كل خلق الله حَسَن). وقد كان السلف ﵏ يعرفون هذه المعاني الواردة في مثل هذه الآيات، فلهذا كانوا يعظمون شأن اللحية، ويعتنون بها، يقول عمرو بن دينار: كان قيس بن سعد رجلاً ضخماً جسيماً، صغير الرأس، ليس له لحية، إذا ركب حماراً خطت رجلاه الأرض. قال الشيخ ابن فوزان حفظه الله: كان قيس بن سعد أشطاً، والأشط: الذي لا لحية له، وإذا كان الرجل دون البلوغ وليس له لحية فإنه يسمى أمرداً، لكن الذي بلغ وليس له لحية يسمى: أشطاً. قالت الأنصار: نعم السيد قيس، لبطولته وشهامته، ولكن لا لحية له، فو الله! لو كانت اللحية تُشترى بالدراهم لاشترينا له لحية ليكمل رجلاً. وكان الأحنف بن قيس سيد قومه، وكان أعور أحنف دميماً قصيراً كوسجاًً، والكوسج: الذي لا شعر على عارضيه، قال الأصمعي: قال عبد الملك بن عمير: قدم علينا الأحنف الكوفة مع مصعب، فما رأيت صفة تُذَمُّ إلا رأيتها فيه: كان ضئيلاً صعل الرأس -يعني: صغير الرأس- متراكب الأسنان، مائل الذقن، ناتئ الوجنة، باحق العين -أي: أعور العين- خفيف العارضين، أحنف الرجلين، فكان إذا تكلم جلّى عن نفسه. وقد وصف بعض بني تميم من رهط أو من قبيلة الأحنف بن قيس: فقال وددت أنا اشترينا للأحنف لحية بعشرين ألفاً، فلم يذكر حنفه ولا عوره، وذكر كراهية عدم اللحية؛ لأن من لا لحية له، يرى عند العقلاء ناقصاً. وقال أبو نعيم: حدثتنا أم داود الوابشية قالت: خاصمت إلى شريح وليس له لحية. ذكر عن شريح القاضي قال: وودت أن لي لحية بعشرة آلاف درهم. والمقصود من هذه الآثار كلها: أن اللحية نعمة جليلة تفضل الله بها على الرجال، فحلق هذه النعمة كفر بها في الحقيقة عند العقلاء، وانتكاس عن سنة مَنْ هديه خير الهدي ﵌، وانحطاط إلى مستوى الكفرة الغربيين وغيرهم من الذين زين لهم سوء أعمالهم، فرأوا أن التمدن والكمال في القضاء على أكبر الفوارق بين الرجل والمرأة، على حدّ قول الشاعر: يُقضى على المرء في أيام محنته حتى يرى حسناً ما ليس بالحَسَنِ

стр. 59

السواك وسنن الفطرة [٦] كثيراً ما يبحث الناس عن مبررات لمعاصيهم، ويحتجون لمخالفتهم بحجج واهية لا تسندها حجة، ويكفي في دحض شبه المتعلقين بسنية إعفاء اللحى الأمر باقتداء بالنبي ﷺ وبالأنبياء قبله والخلفاء من بعده، ولعل في الأضرار الصحية في حلقها رادعاً لأولئك.

стр. 60

خطاب الله لنبيه ﵊ ودخول الأمة معه الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ثم أما بعد: يقول الله : ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام:٩٠]، وإذا أتى أمر من الله في حق من هو قدوة فيتضمن ذلك أمر هؤلاء المقتدين بأن يستمعوا ويمتثلوا ذلك الأمر؛ فإن الله عندما ذكر في سورة الأنعام جملة عظيمة من الأنبياء في معرض الثناء عليهم، قال لنبينا ﵌ عقب ذلك: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام:٩٠]، فهذا أمر من الله لنبينا ﵊ أن يقتدي بالأنبياء، وهو أمر لنا؛ لأنه أسوة لنا كما قال : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١]، وقال ﵎: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١]، وقال : ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر:٧]، وقال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠]. فطاعة رسول الله ﷺ تعني طاعته في كل ما أمر به إلا ما قام فيه دليل على الخصوصية، وهذا واضح يمكن أن يستنبط من القرآن، فإنك إذا تأملت مثلاً قوله في أول سورة الطلاق: ﴿يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق:١]، فالخطاب بدأ أولاً للنبي ﷺ ، ثم بعد ذلك دخل فيه الخطاب لأمَّته ﵊؛ بدليل قوله: ((إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ))، فالخطاب هنا بالجمع في قوله: ((طَلَّقْتُمُ))، فهو موجّه لعموم الأمة، وهذا يدل على دخول النبي وأمته في هذا الحكم. ويقول في سورة التحريم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم:١]، ثم قال بعد ذلك: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم:٢]، فدلّ هذا على عموم حكم الخطاب هنا، وأنه ليس فقط في حق النبي ﵊، وإنما هو يشمل أمته تبعاً. وفي سورة الأحزاب يقول : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [الأحزاب:١]، ثم قال بعد ذلك في الآية الثانية: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [الأحزاب:٢] فدلّ هذا على دخول الأمة كلها في خطابه ﵌. ويقول : ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ﴾ [يونس:٦١]، ثم قال : ﴿وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا﴾ [يونس:٦١]. أما أصرح الأدلة في ذلك فإنها آية في سورة الروم وآية في سورة الأحزاب: فأما التي في سورة الروم: فهي قوله : ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ [الروم:٣٠]، ثم بعد ذلك قال: ((مُنِيبِينَ إِلَيْهِ))، فالخطاب أولاً للنبي عليه الصلاة السلام، ثم انتهى الكلام بقوله : ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ﴾ [الروم:٣١]، فدلّ هذا على دخول الأمة أيضاً في ذلك فصار المعنى: فأقم وجهك يا نبي الله للدين حنيفاً في حال كونكم منيبين إليه، فلو لم تدخل الأمة حكماً في الخطاب الخاص به ﷺ لقال: (منيباً إليه) لكنه قال: ((مُنِيبِينَ إِلَيْهِ)). أما آية الأحزاب: فهي قوله في قصة زينب بنت جحش ﵂: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب:٣٧]، وهذا خطاب خاص بالنبي ﷺ ، لكن الآية تصرح بشموله لجميع المؤمنين في قوله : ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ﴾ [الأحزاب:٣٧]، وقال : ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب:٥٠]، فلو كان الحكم خاصاً بالنبي ﵊ لما احتيج أن يقول: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب:٥٠]، لكن أتى بهذا القيد حتى يكون الحكم خاصاً به ﵊ وإلا لكان عاماً للجميع.

стр. 61

إعفاء اللحية اقتداءٌ بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام بعض الناس يقولون: هل يوجد دليل من القرآن على وجوب إعفاء اللحية؟ الدليل هو هذه الآية التي قدمناها في سورة الأنعام: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام:٩٠]. وأيضاً يقصّ الله في سورة طه قصة هارون عندما قال لموسى ﵇: ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ [طه:٩٤]. يقول الشيخ الشنقيطي رحمه الله تعالى: هذه الآية الكريمة بضميمة آية الأنعام إليها تدل على لزوم إعفاء اللحية، فهي دليل قرآني على إعفاء اللحية وعدم حلقها، وآية الأنعام المذكورة هي قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأنعام:٨٤]، إلى آخر الآية، ثم إنه تعالى قال بعد أن عد الأنبياء الكرام المذكورين: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام:٩٠]، فدلّ ذلك على أن هارون من الأنبياء الذين أُمر نبينا ﷺ بالاقتداء بهم، وأمره بذلك أمر لنا؛ لأنه كما ذكرنا أمر القدوة أمر لأتباعه. وفي صحيح البخاري أن مجاهداً سأل ابن عباس ﵄: (من أين أخذت السجدة في ص؟ قال: ما تقرأ ﴿وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص:٢٤]، فسجدها داود فسجدها رسول الله ﵌. وقال في رواية أخرى في لفظ البخاري: (فكان داود ممن أُمر نبيكم ﷺ أن يقتدى به، فسجدها داود فسجدها رسول الله ﷺ . فيفهم من هذا أن قوله: ((قَالَ يَبْنَؤُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي)) على أنها لحية كبيرة تمسك باليد، فلو كان هارون حالقاً لما أراد أخوه الأخذ بلحيته، وهذا يدل على أن إعفاء اللحية من سمت الأنبياء عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام. يقول الشنقيطي ﵀: ولعله من الذين مسخت ضمائرهم واضمحل ذوقهم، حتى صاروا يفرون من صفات الذكورية وشرف الرجولة إلى خنوثة الأنوثة، ويمثلون بوجوههم بحلق أذقانهم، ويتشبهون بالنساء حيث يحاولون القضاء على أعظم الفوارق الحسية بين الذكر والأنثى: وهو اللحية، وقد كان ﷺ كث اللحية، وهو أجمل الخلق وأحسنهم صورة، والرجال الذين أخذوا كنوز كسرى وقيصر وأذعنت لهم مشارق الأرض ومغاربها ليس فيهم حالق.

стр. 62

حلق اللحية رغبة عن سنّة النبي ﷺ ومخالفة لهديه وسمته إن حلق اللحية رغبة عن سنة النبي ﵌، يقول الله في حقه ﷺ : ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣]، وقال : ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧]، وقال ﵎: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [النساء:٨٠]، وقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١]. وقال ﷺ : (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)، وقال: (من رغب عن سنتي فليس مني)، وقال: (ليس منا من عمل بسنة غيرنا)، فمن سنته ﵌ -سواء السنة القولية أو الفعلية- إعفاء اللحية، يقول أنس ﵁: (كانت لحيته ﷺ قد ملأت من هاهنا إلى هاهنا، وأمر يده على عارضيه). وعن جابر بن سمرة ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ قد شمط مقدم رأسه ولحيته)، معنى شمط: ابتدأ ظهور شعيرات قليلة بيضاء، (وكان إذا ادهن لم يتبين)، فكان الطيب يخفي لون الشعيرات البيضاء القليلة، (وإذا شعث رأسه تبين) أي: إذا تفرق شعر رأسه بان الشيب، (وكان كثير شعر اللحية ﵌. وعن البراء بن عازب ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ كث اللحية). وعن علي ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ عظيم اللحية). وإذا كان المحب مولعاً أبداً باتباع حبيبه والاقتداء به، فماذا نقول لمن ظهرت عليهم آثار المعصية وشذوا عن الشرع المطهر ورفضوا إعفاء اللحية؟! نقول: حسابهم على الله، لكن ما بال هؤلاء يفرضون على كل من يحب رسول الله ﵊ أو يقتدي به في هذه السنة فلا يجدون علامة يؤذونه بها إلا أن يقولوا: هذا ملتحي! لأنه متمسك بسنة الرسول عليه الصلاة السلام. فتجد الإنسان يمتحن بسبب لحيته، وربما يفصل من العمل بسببها! ما الجريمة التي ارتكبها مثل هذا؟ لماذا لا تأخذونها من جانب الحرية الشخصية التي تتشدقون بها في تقليد الكفار؟ لماذا تعطى الحرية لكل فاسد وفاسق إلا المسلم المتبع لسنة رسول الله ﵌؟! فويل لهم مما يصنعون من الصدّ عن سبيل الله ﵎، وامتحان الناس بسبب حرصهم على اتباع رسول الله ﵌. فإذا ظهرت هذه الموضة أو فعلها بعض الممثلين أو لاعبو الكرة أو غيرهم، واقتدى بهم الشباب في ذلك، فهذا شيء جيد، وهذه عصرية وتنوّر وتقدم وحضارة، أما إذا فعلوها اقتداء بالرسول ﵊ نالوا الأذى والابتلاء بسبب ذلك! عن يزيد الفارسي قال: (قلت لـ ابن عباس ﵄: رأيت رسول الله ﷺ في النوم. قال ابن عباس: فإن رسول الله ﷺ كان يقول: (إن الشيطان لا يستطيع أن يتشبه بي، فمن رآني في النوم فقد رآني)، فهل تستطيع أن تنعت لنا هذا الرجل الذي رأيت؟ قال: نعم، رأيت رجلاً بين الرجلين، جسمه ولحمه أسمر إلى البياض، حسن المضحك، أكحل العينين، جميل دوائر الوجه، قد ملأت لحيته من هذه إلى هذه حتى كادت تملأ نحره. فقال ابن عباس ﵄: لو رأيته في اليقظة ما استطعت أن تنعته فوق هذا). وهذا الحديث فيه فائدة نذكرها وهي قوله ﵊: (من رآني في المنام فسيراني في اليقظة ولا يتمثل الشيطان بي)، فمن زعم أنه قد رأى النبي ﷺ في المنام، فلا يجزم بأن الذي رآه في المنام هو رسول الله ﷺ إلا إذا وافقت صفاته في المنام الصفةَ المحكية عنه في صفاته الخَلْقية ﵌. وعن أم معبد: ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ كثيف اللحية). وقال أبو معمر قلنا لـ خباب بن الأرت ﵁: (أكان رسول الله ﷺ يقرأ في الظهر والعصر؟ قال: نعم. فقلنا له: بم كنتم تعرفون قراءته؟! -يعني هذه صلاة سرية لا يسمع فيها صوت القراءة فبم كنتم تعرفون قراءته؟! -وفي رواية قال: من أين علمت؟ قال: باضطراب لحيته)، معنى ذلك: أنك إذا رأيت الإنسان من وراء ظهره، وكانت لحيته تتحرك، فهذا يعني أنها لحية كبيرة، حيث أنها تتحرك إذا حرك شفتيه بالقراءة. وفي قصة صلح الحديبية: (أن عروة بن مسعود جعل يكلم رسول الله ﷺ ، فكان كلّما كلّمه مدّ يده وأخذ بلحية النبي ﷺ -وكانت هذه عادة عند العرب- والمغيرة بن شعبة قائم على رأس رسول الله ﷺ ، ومعه السيف وعليه المغفر، فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية رسول الله ﷺ ضرب - المغيرة - يده بنعل السيف، وقال: أخّر يدك عن لحية رسول الله ﷺ ، يؤخذ من هذا أن لحيته ﷺ كانت عظيمة. وعن أنس ﵁: (أن النبي ﷺ كان إذا توضأ أخذ كفاً من ماء فأدخله تحت حنكه، فخلّل به لحيته وقال: هكذا أمرني ربي ، وتخليل اللحية بابٌ عَقَده الفقهاء في أبواب الوضوء، وعن عثمان ﵁: (أن النبي ﷺ كان يخلل لحيته).

стр. 63

إعفاء اللحية علامة على محبة النبي ﷺ وتوقيره كل ما سبق من الأحاديث -وغيرها كثير- تدل على عِظَم لحيته الشريفة ﷺ وطولها، فعجباً ممن يدعي أنه يحب رسول الله ﷺ ثم لا يعفي لحيته؟! فكأن المحبة عندهم شيء لا يكلف، وبعضهم يدعي محبة الرسول ﷺ ، وينكر عليك مثلاً إذا لم تصلّ على النبي ﵊ بعد الأذان، ويقول: أنت تبغض رسول الله ﵊، أنت لا تحب النبي، أنا أحب النبي وأنا أصلي عليه ﷺ ، ففي مثل هذه الأشياء يُعتبر الإنسان مأجوراً، أما من يفعلون كثيراً من البدع ويستدلون بمحبة رسول الله ﷺ ويتشدقون بها فإنما زيّن لهم سوء أعمالهم، فمن أحب رسول الله ﵊ أحب صورته وأبغض صورة أعدائه، ومن كان يصلي عليه مدّعياً محبته فعليه أن يعفي لحيته إن كان صادقاً في هذه المحبة. هذا كلّه بغضّ النظر عن حكم الوجوب، لكن هذه ثمرة المحبة، فالإنسان ينقاد لمن يحبه ظاهراً وباطناً، ويُرى ذلك في سلوكه، فيحب كل ما نُسب إلى محبوبه، كما يقول عنترة: وأهوى من الأسماء ما شابه اسمها أو مثله أو كان منه مقارباًً! فكل محبوب يحب ما كان منسوباً إلى حبيبه من الصورة والسيرة واللباس والهيئة، حتى يحب داره وجداره وكساءه ورداءه، كما يقول بعض الشعراء في ذلك: أمر على الديار ديار ليلى أقبل ذا الجدار وذا الجدارا وما حبُّ الديار شغفن قلبي ولكن حب من سكن الديارا فالذي يؤمن بالله وبرسوله ﵌ يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، هذه المحبة لا محالة إذا كانت صادقة يجد المحب نفسه مضطراً اضطراراً مدفوعاً بهذا الحب الصادق إلى اتباع رسول الله ﷺ في شئونه كلها، كما قال : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١]، فالذي يظهر اللحية تديناً بذلك وتشبهاً برسول الله ﷺ حقه أن يُعظّم ويُحترم ويُحب، لا أن يحارب ويُضطهد ويؤذى ويسجن. فإن لم تدفع المحبة صاحبها إلى الاتباع فهي دعوى وليست محبة صادقة، وفي مثل هذا يقول الشاعر: تعصي الإله وأنت تزعم حبه هذا لعمري في القياس شنيعُ لو كان حبك صادقاً لأطعته إن المحب لمن يحب مطيعُ. يقول بعض الصحابة ﵃: (بينما أنا أمشي بالمدينة، إذا إنسان خلفي يقول: ارفع إزارك؛ فإنه أتقى وأبقى)، أي: أتقى لله؛ لأنه تواضع، وأبقى للثوب حتى لا يتلف بجرَّه على الأرض، (فالتفتُّ، فإذا هو رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله! إنما هي بُردة مَلْحاء)، يعني: مُبتذلة لا اعتداد بشأنها ولا توجد شبهة في مثل هذه البردة القديمة أن تكون مَدّعاة للتكبر والخيلاء، وهذا تبرير لتساهله في طول هذه البردة، (فقال له النبي ﷺ : أما لك فيَّ أُسوة؟ فنظرتُ، فإذا إزاره إلى نصف ساقيه). معناها: أنه مع وجود هذا العذر الذي ذكره، وهو أن هذه البردة مبتذلة ولا يخشى أن تكون مدعاة للتكبر أو الخيلاء، لكن النبي ﵇ بيّن له أن الصواب هو التأسي به ﷺ ، فهو المحبوب عند الله في كل الشئون، وإن كان اتباعه في بعض الأمور غير واجب، ولكن المحب لا ينظر إلى الفرق بين الواجب والسنة، فيبادر بالاقتداء بالنبي ﷺ . بعض الناس يتساءل: هذا حرام أم مكروه؟ فإذا قيل له: مكروه. كان ذلك سبباً للتمادي فيه، سبحان الله! أتسأل: هل اللحية سنة حتى تجتنبها أم واجبة حتى تتبعها؟ فهل الصحابة كانوا يفعلون ذلك؟ فإذا كان الإنسان يريد أن يقتدي بمحبوبه فإن المحبة تدفعه لذلك، والمحب في شغل شاغل عن البحث في الفرض والسنة، فإذا فَعَله الرسول عليه الصلاة السلام كان الصحابة يقولون: سمعنا وأطعنا، ويقتدون به، وهنا مع ما ذكره ذلك الصحابي من العذر، وأن هذه البردة مبتذلة ورثّة، ولا يحتمل فيها الفخر ولا الخيلاء ولا التكبر، لكنه مع ذلك أرشده النبي ﵊ إلى ما ينبغي أن يفكر به أهل الاتباع وأهل المحبة. فالسؤال الآن موجه لحليق اللحية: ماذا يكون جوابك إذا قال لك رسول الله ﷺ أما لك فيَّ أسوة؟! بل ماذا يمكن أن يكون شعورك؟! تخيل أن الرسول عليه الصلاة السلام قد رآك، وإذا رأى وجهك لا لحية فيه أبغض هذا المنظر، وكَرِهَ النظر إليه، فحوّل وجهه غضباً وكراهية إلى الجهة الأخرى، وهو يقول لك: ما حملك على هذا؟ أو وهو يقول لك: ويلك! من أمرك بهذا؟ وهذا السؤال قد ورد عن النبي ﷺ أنه قاله لمن حلق لحيته، فقد روى ابن أبي شيبة: (أن رجلاً من المجوس جاء إلى النبي ﷺ وقد حلق لحيته وأطال شاربه، فقال له النبي ﷺ : ما هذا؟ قال: هذا ديننا، فقال رسول الله ﵌: لكن في ديننا أن نحفي الشوارب وأن نعفي اللحية). وهذه الحالة التي استنكرها الرسول ﷺ لعلّها أهون مما يحصل الآن من بعض الناس، حيث يحلقون اللحية والشارب، وهذا تشبه واضح بالنساء، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وأخرج الحارث بن أبي أسامة عن يحيى بن كثير قال: (أتى رجل من العجم المسجد وقد وفر شاربه وجزّ لحيته، فقال له رسول الله ﷺ : ما حملك على هذا؟ فقال: إن ربي أمرني بهذا -يشير إلى ربه كسرى- فقال رسول الله ﷺ : إن الله أمرني أن أوفّر لحيتي وأُحفي شاربي)، هذا واضح في أنه أمر من الله، فيضاف إلى الأدلة في قائمة الأمر بإعفاء اللحية. ولما كتب رسول الله ﷺ كتابه إلى كسرى يدعوه إلى الإسلام، وبعث به عبد الله بن حذافة ﵁، فدفعه عبد الله إلى عظيم البحرين، ودفعه عظيم البحرين إلى كسرى، فلما قرأه كسرى مزّقه، فدعا عليهم رسول الله ﷺ أن يُمزّقوا كل مُمزّق، فما قامت للفرس بعدها قائمة، ولم يكن للدولة الكسروية مُلْك بعد ذلك. ثم كتب كسرى بعد تمزيق الكتاب إلى باذان -وهو عامله على اليمن- أن ابعث إلى هذا الرجل الذي بالحجاز رجلين جَلْدين يأتيان به، فبعث باذان قهرمانه -وهو بابويه، وكان كاتباً حاسباً- مع رجل آخر من الفرس، فجاءا حتى قدما المدينة على رسول الله ﷺ ، ولما دخلا عليه ﷺ وقد حلقا لحاهما وأعفيا شواربهما كَرِهَ رسول الله ﷺ النظر إليهما، وقال: (ويلكما! من أمركما بهذا؟ قالا: أمرنا بهذا ربنا)، يعنيان: كسرى، فقال رسول الله ﷺ : (ولكن ربي أمرني بإعفاء لحيتي وقص شاربي) رواه ابن جرير الطبري عن يزيد بن أبي حبيب مرسلاً، وحسّنه الألباني. فأخبرهما النبي ﷺ بهذا الخبر الذي جاءه من السماء: (إن ربي قتل ربكما الليلة)، حيث عاجل الله كسرى -لعنه الله- بالعقوبة، وسلّط عليه ابنه شيرويه فقتله، فرجع الرسولان حتى قدما على باذان إلى آخر الحديث. فالذي يظهر من هذه القصة أن النبي ﵌ كره النظر إلى ذينك الرجلين، وهذا الموقف يُحرّض كل مؤمن على ألا يفعل فعلاً يؤذي رسول الله ﵌، سواء كان حلق اللحية أو غير ذلك مما يخالف السنة. فانظر إلى الجماعات الوطنية والأحزاب السياسية، تجد كل واحد من هؤلاء الأفراد يحرص على أن يرضي زعيم الحزب، وألا يؤذي شعوره أو يفعل شيئاً يكرهه، ويتبعه في سيرته وصورته ولباسه وهيئته، ولا يأتي بفعل يؤذيه. فالعجب من هؤلاء الذين يحلقون لحاهم؛ كيف يزعمون محبة رسول الله ﵌ ثم يأتون هذا الفعل الذي يتأذى منه النبي ﵌ ولا يجد أحدهم من ذلك حرجاً في نفسه؟! نذكر هنا قصة رجل من الشعراء يسمى: مرزا قتيل، كان يكتب شعراً في الحكمة والمعرفة، وهناك رجل إيراني كان يقرأ كتابات هذا الشاعر، فأُعجب به جداً، واعتقد في قلبه أن هذا الرجل الذي يكتب هذه الأشعار الدينية والمواعظ والحكم هو رجل عظيم جداً في دينه، فزكى روحه وجسده، فرحل إليه وسافر من بلده حتى يتشرف بلقائه، فلما وصل إلى بابه رآه يحلق لحيته، فقال مستنكراً ومتعجباً: يا سبحان الله! أتحلق لحيتك؟! فقال مرزا قتيل -تبعاً للفلسفة المنتشرة هذه الأيام-: نعم، أحلق لحيتي ولكن لا أجرح قلب أحد. يعني: أجرح وجهي بحلق اللحية، لكن لا أجرح قلب أحد!! وهذا إظهار للمعصية في ثوب مزين ومزخرف كما يفعل كثير من الناس اليوم؛ يقولون: أنتم تهتمون بالشعور ولا تهتمون بشعوري، يعني: تهتمون بالشعر وتجرحون شعور الناس. فردّ عليه هذا الرجل الإيراني العامي بالبداهة قائلاً: بلى، إنك تجرح قلب رسول الله ﷺ . وكلام هذا الرجل حق، كما رأينا في قصة هذين الفارسيين لما رآهما النبي ﷺ كره النظر إليهما، وآذاه منظرهما، وجرح ذلك قلبه حتى إنه حوّل وجهه عنهما وصرخ فيهما: (ويلكما! من أمركما بهذا؟). فلما سمع ذلك مرزا قتيل غُشي عليه، فلما أفاق قال بالفارسية شعراً معناه: جزاك الله خيراً، فقد فتحت عيني، وأوصلتني إلى روح قلبي.

стр. 64

إعفاء اللحية هو اتباع لهدي الخلفاء الراشدين المهديين كلنا يفتتح كلامه بهذه العبارة التي نحفظها ولا نلتفت إلى ما تتضمنه من المعاني: (إن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ . هذه الكلمة نقولها ووراءها من المعاني والأحكام الشيء الكثير، فمن اعتقد أن خير الهدي هو هدي محمد ﵊؛ كيف يصور لنفسه أن يحيد عن هذا الهدي؟! أما سنة الخلفاء الراشدين المهديين فقد جمعها الشيخ أبو محمد بديع الدين شاه الراشدي السندي حفظه الله تعالى، فقال: وقد ثبت عن الخلفاء الراشدين المهديين وغيرهم من الصحابة والتابعين أنهم كانوا ذوي لحى كبيرة، فكان أبو بكر الصديق كثُّ اللحية، وكان عمر كثّ اللحية، وكان عثمان كبير اللحية، وفي بعض الروايات كان كبير اللحية عظيمها، وعن السعدي: رأيت علياً ﵁، فكان عظيم اللحية، وقد أَخَذَتْ ما بين منكبيه. يقول أستاذنا الشيخ بديع الدين: فهؤلاء أعقل الأمة كلها بإجماع علمائها، ثم بعدهم الأتباع ما لا أحصي منهم. وقال رسول الله ﷺ : (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عَضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة)، والنواجذ: الأضراس، وهذه صيغة مبالغة، حيث أنه تشبيه بأن تمسك الشيء لا بأسنانك القواطع بل بالأضراس، يعني: تدخلها في فمك ولا تخرجها أبداً، وهذا يدل على شدة التمسك. ونشير هنا إلى قاعدة مهمة جداً ينبغي أن نستصحبها في هذا السياق، وهي التي استنبطها الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير قول الله : ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ [الأحقاف:١١]، أي: لو كان الإيمان والإسلام خيراً ما سبقونا إليه. يقول الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى: وأما أهل السنة والجماعة فيقولون في كل فعل وقول لم يثبت عن الصحابة ﵃: هو بدعة؛ وأنه لو كان خيراً لسبقونا إليه؛ لأنهم لم يتركوا خصلة من خصال الخير إلا وقد بادروا إليها. وهذه العبارة تُفحم كل من يحاجّ ويجادل في أمرٍ قد ثَبَت خلافُه عن رسول الله ﷺ وأصحابه، لا سيما الخلفاء الراشدين ﵃، فلا نقول كما قال الكفار: لو كان خيراً ما سبقونا إليه. بل نقول: لو كان خيراً لسبقونا إليه. وإنك لتعجب من قول بعض الناس مثل صاحب كتاب الحلال والحرام، حيث يقول: صحيح أنه لم يُنقل عن أحد من السلف حلق اللحية؛ ولعل ذلك لأنه لم تكن بهم حاجة لحلقها، وهي عادتهم!! فلا شك أن هذا تعليل ساقط، وكان الأولى به أن يستدل بعدم حلق أحد من السلف للحيته على عدم جواز ذلك عندهم، وأنهم ما فعلوا ذلك؛ لأنهم يعتقدون تحريمه وعدم جوازه.

стр. 65

نقل الإجماع على تحريم حلق اللحية يقول الإمام ابن حزم رحمه الله تعالى في مراتب الإجماع: واتفقوا على أن حلق جميع اللحية مُثْلة لا تجوز. قوله: واتفقوا، يعني: العلماء المجتهدون. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: يحرم حلق اللحية للأحاديث الصحيحة، ولم يُبحه أحد.

стр. 66

حكم نتف الشيب روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵃ أن النبي ﷺ قال: (لا تنتفوا الشيب؛ فإنه نور المسلم، ما من مسلم يشيب شيبة في الإسلام إلا كتب الله له بها حسنة، ورفعه بها درجة، وحط عنه بها خطيئة). قال النووي ﵀: يُكره نتف الشيب، ونقل عن الغزالي والبغوي وآخرين كراهته، ثم قال: ولو قيل يحرم للنهي الصريح الصحيح لم يبعد، ولا فرق بين نتفه من اللحية والرأس. وعن قتادة عن أنس بن مالك ﵁ قال: (يكره أن ينتف الرجل الشعرة البيضاء من لحيته ورأسه) فالذي يحلق لحيته قد كره الأسود فضلاً عن الأبيض الذي هو نور المسلم.

стр. 67

حكم من نتف لحية أخيه المسلم من الفوائد التي يناسب ذكرها أيضاً في هذا المقام: إذا تقاتل شخصان، فوصل بأحدهم الأمر إلى أن شد لحية الآخر ونزعها من الجذور ولم تعد تنبت. يقول العلماء: اللحية إذا جُني عليها فأُزيلت بالكلية ولم ينبت شعرها، فعلى الجاني دية كاملة كما لو قتل صاحبها. قال الإمام ابن مفلح ﵀: واحتمل أن يلزمه كمال الدية، قدمه في الرعاية والفروع؛ لأنه أذهب المقصود، أشبه ما لو أذهب ضوء العين.

стр. 68

إعفاء اللحية وقص الشارب من آكد خصال الفطرة الهيئة البشرية بكاملها هي من الفطرة، فكل ما خلقه الله على الإنسان هو من الفطرة التي فطرك الله عليها، إلا نوع واحد فقط: هو ما استثناه الشارع وأمر بإزالته، فحينئذٍ تصبح إزالته بأمر رسول الله ﷺ مُكمّلة للوضع الفطري البشري. وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (عشر من الفطرة: قصّ الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظافر، وغسل البراجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء -يعني: الاستنجاء- قال مصعب: ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة) وبعض العلماء قالوا: لا، بل هناك شيء آكد من المضمضة! وهو الختان. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: الفطرة فطرتان: فطرة في الخلقة، وفطرة في الدين. فالفطرة في الدين: هي التوحيد، وتغيير خلق الله هو مما ينافي التوحيد، ومما يأمر به الشيطان، كما قال تعالى عنه: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء:١١٩]، ومخالفة هذه الفطرة الخلقية بتجنب هذه الأفعال التي ذكرناها، وحلق اللحية تغيير لخلق الله . يقول ابن القيم: والفطرة فطرتان: فطرة تتعلق بالقلب: وهي معرفة الله، ومحبته، وإيثاره على ما سواه. وفطرة عملية: وهي هذه الخصال، فالأُولى تزكّي الروح وتطهر القلب، والثانية تطهر البدن، وكل منهما تمدّ الأخرى وتقويها، وكان رأس فطرة البدن: الختان. فمن يحلق لحيته كأنه يقول لإبليس: سمعنا وأطعنا، ويقول لرسول الله ﵊: سمعنا وعصينا. قد يقول قائل: هل من تغيير خلق الله أن يحلق الرجل رأسه عند التحلل من الإحرام؟! هذا تغيير لصورتنا الخلقية، لكنه ليس تغييراً مذموماً؛ لأن التغيير المذموم هو تغيير خلق الله بدون إذن من الشرع، واستعمال الشيء في غير ما خلقه الله له، فمادام أن الله قد شرعه دلّ هذا على أنه ليس من التغيير المنهي عنه، ولو كان كل تغيير يُعدّ تغييراً لخلق الله لقلنا: إن قطع يد السارق تعتبر تغييراً لخلق الله! لكن هذا حد من حدود الله التي أوجب علينا إقامتها، فالعبرة بما أمر به الشارع.

стр. 69

كيفية حفِّ الشارب يقول ابن عباس ﵄: (كان النبي ﷺ يقص أو يأخذ من شاربه، وكان إبراهيم خليل الرحمن يفعله)، فهذه من سنن الخليل عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. يقول القاري معلقاً على هذه العبارة: فالاقتداء بالحبيب بعد الخليل يورث الأجر الجليل والثواب الجزيل، والأولى أن يقول: فالاقتداء بالخليل بعد الخليل؛ لأن الخُلّة أعلى من المحبة، والنبي ﵊ قد اتخذه الله خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً. وقد وقع الخلاف في الإحفاء، هل المقصود به: استئصال الشارب تماماً؟ وهذا ذهب إليه بعض العلماء، فمنهم من يرى أن المقصود بالجزّ والحفّ: المبالغة في القص. سُئل الإمام مالك عمن يحفي شاربه، فقال: ينبغي أن يُضرب من صنع ذلك، فليس حديث النبي ﷺ كذلك، ولكن يبدي حرف الشفة والفم. هذا معنى قص الشارب، وهو: أن يأخذ فقط ما كان على طرف الشفة العليا، وقال لمن يحلق شاربه: هذه بدعة ظهرت في الناس. وكان عمر ﵁ إذا غضب فتل شاربه ونفخ، وهذا يدل على أنه لم يكن يحلق شاربه. وقال الحافظ: والمعروف عن عمر أنه كان يفتل شاربه، وأيضاً روي أن خمسة من الصحابة كانوا يأخذون شواربهم مع ترك الشفة. أي: يستأصلون ما زاد ونزل إلى حافة الشفة. وفي حديث زيد بن أرقم ﵁ -وهو حديث صحيح- قال رسول الله ﷺ : (من لم يأخذ من شاربه فليس منا) و (من) هنا تبعيضية، ومعناها: أن المطلوب أن يأخذ من شاربه، لا أن يأخذه ويستأصله كله. وعن جابر ﵄ قال: (ما كنا نُعفي السبال إلا في حج أو عمرة) أي: ما كانوا يتركون الشوارب ويطلقونها إلا في حج أو عمرة. وقال البخاري: (كان ابن عمر يحفي شاربه حتى ينظر إلى بياض الجلد، ويأخذ هذين)، والمقصود بـ (هذين): مواضع اتصال الشارب باللحية. وقال الغزالي: لا بأس بترك سباليه وهما طرفا الشارب، يترك أو يقص، وفعل ذلك عمر ﵁ وغيره، ولا بأس أيضاً بتقصيره فقد روي عن ابن عمر ﵄. من قال: إن السبالين -اللذان هما جانبا الشارب- من الشارب فإنه ذهب إلى أنه يشرع قصّهما معه، وقيل: بل هما من جملة شعر اللحية، ويا ليت هذا هو الخلاف الذي نحتمي به الآن! وعن الشعبي: أنه كان يقص شاربه حتى يظهر حرف الشفة العليا وما قاربه من أعلاه، ويأخذ ما يزيد مما فوق ذلك، وينزع ما قارب الشفة من جانبي الفم، ولا يزيد على ذلك. وقال مالك: يؤخذ من الشارب حتى يبدو طرف الشفة -وهو الإطار- ولا يجزه فيمثّل بنفسه. وقال القرطبي: القصّ: أن يأخذ ما طال على الشفة بحيث لا يؤذي عند الطعام، ولا يجتمع فيه الوسخ، وفيه حديث أن الرسول ﵊ أخذ من شارب المغيرة على قياسه، حيث يقول المغيرة: (وكان شاربي وفى، فقصّه لي على سواك، أو قال: أقصّه لك على سواك). واختلف العلماء في معنى: (على سواك) فبعض العلماء قالوا: يعني على أثر سواك، يعني: بعدما تسوك مباشرة قال له ذلك، والأرجح والله أعلم: أنه أخذ سواكاً فوضعه تحت الشعر، ثم قص ما جاوزه إلى السواك، وفي بعض الروايات: (فوضع السواك تحت الشارب وقص عليه). وأخرج البزار من حديث عائشة ﵂: (أن النبي ﷺ أبصر رجلاً وشاربه طويل، فقال: ائتوني بمقص وسواك، فجعل السواك على طرفه، ثم أخذ ما جاوره).

стр. 70

إعفاء اللحية وحكم أخذ ما زاد عن القبضة هناك خلاف في اللحية إذا طالت جداً وعرض الرجل نفسه بذلك للشهرة، فاجتهد بعض العلماء وذهب إلى أنه يأخذ منها، وهذا الأخذ مخالف لظاهر الحديث، لكن هذا قدر مختلف عليه، وقلّ ما نحتاج إليه هنا في مصر، وربما احتاج بعض الإخوة الباكستانيين أو غيرهم إلى مثل هذا؛ لأن شعورهم تطول جداً، وقد تصل اللحية إلى السرة مثلاً، فينطبق عليهم ذلك. وفي حديث ابن عمر ﵄ الذي رواه البخاري: (خالفوا المشركين، ووفروا اللحى، وأحفوا الشوارب) زاد البخاري بعد هذا الحديث: (وكان ابن عمر إذا حج أو اعتمر قبض على لحيته فما فضل أخذه). فهذا عُمدة من يجيزون الأخذ من اللحية، بل يجيز بعضهم تقصيصها جداً، بحيث تكون قريبة إلى الحلق! فنقول لهم: بيننا وبينكم حديث ابن عمر، لنفرض أن فعل ابن عمر جائز أو أن فعله هذا هو الأفضل والأصح، فلماذا لا تقتدون بـ ابن عمر؟! حيث أنك تجد منهم أحياناً من يقص لحيته جداً حتى تكون قريبة إلى الحلق، ويحتج بفعل ابن عمر! وابن عمر لم يكن يأخذ إلا ما زاد عن القبضة، وما كان يفعل ذلك إلا في حج أو عمرة، فأين هذا من ابن عمر! وهناك قصة لطيفة حكاها بعض العلماء عن هشام الكلبي قال: حفظت ما لم يحفظه أحد، ونسيت ما لم ينسه أحد؛ حفظت القرآن في ثلاثة أيام، وأردت أن أقطع من لحيتي ما زاد على القبضة، فنسيت فقطعت من أعلاها. قال الكرماني: لعل ابن عمر ﵄ أراد الجمع بين الحلق والتقصير في النسك، فحلق رأسه كله وقصر من لحيته ليدخل في عموم قوله تعالى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح:٢٧]، فحلق رأسه وقصّر من لحيته بأن أخذ ما زاد على القبضة. وإن كان بعض العلماء قالوا: الأظهر أن ابن عمر كان لا يرى تخصيص هذا بالنسك، بل كان يحمل الأمر بالإعفاء على غير الحالة التي تتشوه فيها الصورة بإفراط طول شعر اللحية أو عرضه، لكن سنة الرسول ﵊ أحق وأولى بالاتباع. وهناك خلاف بين العلماء في قضية معروفة، وهي: مخالفة رواية الراوي لرأيه أو فعله، فالذي روى هذا الحديث: (أعفوا اللحى) هو ابن عمر ﵄، وظاهر هذا الأمر أن تُترك اللحية على حالها، ولا يتعرض لها بالقص أو التقصير، وابن عمر كان إذا حج أو اعتمر قبض على لحيته فما زاد أخذه، وهنا خالف رأيه روايته، فمن قال من العلماء بمرجوحية فعل ابن عمر قال: إن الحديث الصحيح المعصوم لا يترك لمخالفة راويه وهو غير معصوم، إذ من الممكن أن ينسى الراوي الحديث، أو أنه لا يحضره وقت الفتيا، أو لا يتفطن لدلالته على المسألة التي خالفه فيها، أو يتأول فيه تأويلاً مرجوحاً، أو يكون في غيره ما يعارضه ولا يكون معارضاً له في الواقع إلى آخر هذه المعاذير. أما حديث: (كان يأخذ من لحيته من عرضها وطولها) فهو حديث موضوع، والكلام فيه يطول جداً، وقد أشرنا من قبل إلى الترغيب في تغيير الشيب، فإذا ظهر الشيب في رأس الإنسان فإنه يستحب له أن يغيره، لكن عليه أن يجتنب السواد، فيخضب بأي لون، سواءً اكان أصفر أو أحمر، ويكون أفضل ما يكون بالكتم أو الحناء، فهذا أفضل ما يغير به الشيب، وهذه من السنن المهجورة، إلا الخضاب بالسواد؛ لقول النبي ﵊: (غيّروا هذا الشيب وجنبوه السواد)، وقال ﵊: (يكون في آخر الزمان قوم يسوّدون أشعارهم، لا ينظر الله إليهم). أما كلام العلماء: فالمذاهب الأربعة في الحقيقة تكاد تكون متفقة على تحريم حلق اللحية، بل جاء في بعض كتب المالكية: قال العلماء: إن من تعمّد حلقها يُؤدَّب، ونظمها بعض العلماء فقال: يُمنع للرجل حلق لحيتهْ على الذي اعتُمد معْ عنفقتهْ إلا لعذرٍ كتداوٍ ووجبْ ذاك على المرأة فيما يُنتخبْ والحكم في الشارب حُكم ما ذُكْر ذكر ذا المعنى جميعاً فادّكرْ وفي الميسر الشهادة تُردّ به وتأديب ذوي العمد وردْ وهذا من نظم الشيخ حبيب محمد حبيب الله الشنقيطي رحمه الله تعالى أثناء تدريسه الكتاب: (الميسر على مختصر خليل حيث قام بنظم هذه الأبيات المذكورة. قوله: (يمنع للرجل حلق لحيته). يعني: يحرم على الرجل ويمنع من أن يحلق لحيته على المذهب المعتمد. (مع عنفقته): وهي هذا الشعر الدقيق الذي يكون أسفل الشفة السفلى. (إلا لعذر كتداوٍ) أي: إلا لعذر التداوي فهذا جائز. (ووجب ذاك على المرأة فيما ينتخب) أي: الذي انتخبه واختاره من القولين: أنه يجب على المرأة إذا ظهر لها لحية أو شارب أن تحلقهما، وهذا فيه خلاف ليس هذا محله. فلا نحتاج والحال كذلك إلى ذكر النقول عن المذاهب، وعن العلماء المعاصرين في تحريم حلق الرجل للحيته، وهناك فتوى في حكم إمامة الحليق، وهي فتوى نادرة لشيخ الأزهر في هذه القضية، فلتراجع.

стр. 71

الأضرار الصحية الناتجة عن حلق اللحية نشير إشارة سريعة إلى بعض الأضرار التي تنتج عن حلق اللحية: فمن حلق لحيته يعتبر معترض على خلق الله، ويرى أن الزينة في خلاف ما خلق الله، وأن تغيير خلق الله شيء أحسن. والإنسان حتى لو لم تظهر له الحكمة في كثير من الأشياء فينبغي أن يكون واثقاً بأن الله حكيم في خلقه صنعه، قد أتقن كل شيء، كما قال الله تعالى في سورة النمل: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل:٨٨] وقال موسى: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه:٥٠]. أما بالنسبة للشعر الذي أُمر الإنسان بإزالته كالإبط وغيره، فإن الغدد التي تحت هذا الشعر هي غدد عَرَقية ولست غدداً دهنية، فالحلق أو النتف في هذه الحالة ضروري لنشاط ونظافة هذه الغدد العرقية، وهذه الغدد العرقية الموجودة في هذين الموضعين تختلف تماماً عن الغدد الدهنية الموجودة في الوجه، فالغدد الموجودة في الوجه هي غدد دهنية، فهناك خلاف بينهما في التركيب والوظائف والمحتويات والإفرازات، فنتف شعر الإبط وحلق العانة يمنع حصول التهابات في الغدد العرقية لاسيما الالتهابات الصديدية، والإبط يُعتبر من أكثر المواضع تعرضاً لمرض القمال. فهناك فرق من الناحية الطبية والوظيفية بين الغدد العرقية الموجودة في هذين الموضعين والغدد الدهنية الموجودة في الوجه، وشعر اللحية له دور هام، فوجوده ينشط الغدد الدهنية الموجودة في الوجه، كما أن الشعر الطويل للّحية يعمل كدرنقة لتنشيط وحيوية هذه الغدد. وأيضاً: يترتب على حلق اللحية كثير من الأمراض مثل: التهاب الجريبات الناشئ عن الحلق، ويؤثر على الخلايا الملونة الموجودة في الجلد، والتي قد تصل إلى حصول بعض الأورام. ويؤدي حلق اللحية إلى الإصابة بالمرض المعروف بـ: حَبّ الشباب، ونسبة الإصابة بهذا المرض مرتفعة فيمن يحلقون لحاهم بالنسبة لغيرهم. وحلق اللحية يسبب تهيج الجلد، ويساعد على الإصابة بالأورام والأمراض الفيروسية فضلاً عن أمراض الصدفية والحزاز. أيضاً: حلق اللحية يؤدي إلى انسداد الغدد الدهنية؛ لأن قطع الشعر يترتب عليه انسداد الغدد الدهنية بفعل بقايا الشعر المقطوع. هناك إحصائيات مأخوذة من مراجع طبية محايدة لا دين لها، وبعض هذه المراجع تقول: نسبة الإصابة بالشلل عامة وشلل أعصاب الوجه خاصة مرتفعة في حالقي لحاهم عنها في غيرهم.

стр. 72

حكم الصلاة خلف من يحلق اللحية سُئلت لجنة الإفتاء في رئاسة إدارات البحوث العلمية في السعودية عن حكم الصلاة خلف الإمام حالق اللحية، بَينَّوا تؤجروا؟ فكان الجواب حلق اللحية حرام؛ لما رواه أحمد والبخاري ومسلم عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: (خالفوا المشركين، ووفّروا اللحى وأحفوا الشوارب)، ولما رواه أحمد ومسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (جزّوا الشوارب وأرخوا اللحى خالفوا المجوس)، والإصرار على حلقها من الكبائر. ولعلّي أوجه هذا الكلام الذي ذكره العلماء: وهو أن العبد إذا أذنب ذنباً كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب منها صُقل قلبه -يعني: جُلّي عنه- وإن زاد زادت، فذلك قوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين:١٤]. وقال الحسن البصري في تفسير هذه الآية: هو الذنب على الذنب حتى يعمى القلب فيموت. فما في شك أن الإنسان إذا أصرّ وداوم على حلق اللحية كلما نبتت حَلَقها قد ارتكب كبيرة من الكبائر، ومن تاب واستغفر وأعفى لحيته تاب الله عليه، لكن طالما أنه يتعاهدها دائماً بالحلق والانتهاك والاستمرار في ذلك فهذا من الران، حتى أنهم في الجيش أحياناً يوقف العسكر طابور، ثم يؤتى بورقة ويضعها على اللحية، فإذا أصدرت صوتاً فمعنى ذلك أنه لم يحسن ممارسة هذه المعصية! فيعاقب الجندي على ذلك، ولذا فإن البعض يصرّ على فعلها كل يوم أو ربما مرتين في اليوم! وقد روي عن ابن عباس أنه قال: كل ذنب أصر عليه العبد كبيرة. والعبارة مشهورة عن ابن عباس. وأيضاً: لا كبيرة مع استغفار ولا صغيرة مع إصرار، فهذا وجه قول العلماء هنا: الإصرار على حلقها من الكبائر، ثم يقولون: فيجب نصح حالقها والإنكار عليه، ويتأكد ذلك إذا كان في مركز قيادي ديني. وسوف نقف وقفة يسيرة على الفتيا السابقة فنقول: إمامة الصلاة هي من الأمانة، فإذا جاهر الإنسان بالمعصية كحلق اللحية، ولم يكن له عذر في ذلك، فهذا يدخل في قوله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال:٢٧]. فالعلماء يطلقون صفة الفسق على المجاهر بالمعصية الذي لا يبالي بمن يلومه، بل ربما يستصوبها ويستحسنها، فمن لا يتأدب بآداب الشريعة ولا يهتم بأمر دينه كيف يؤتمن على أعظم شعائر الدين؟! وفي تقديمه للإمامة تعظيم له وليس هو من أهل التعظيم، وتقديمه كقدوة، فإن هذا يحمل الناس على الاستهانة بالمعصية، فالأولى بالإمامة مع الشروط المنصوص عليها في السنة: أن تكون في الخيار المتصفون بالهيئة الشرعية ظاهراً، والإمام المصر على هذه المعصية أحرى به أن يتنحى لمن هو أقوم بحدود الشريعة.