← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 36999

السواك وسنن الفطرة - المقدم

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (72 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

السواك وسنن الفطرة [١] لقد جمعت الشريعة الإسلامية من كل شيء أحسنه، وحوت من الآداب والشمائل ما لم يجتمع في غيرها من الشرائع، وإن من محاسن الشريعة الإسلامية: اعتناؤها بنظافة الفرد المسلم باطناً وظاهراً، والتأكيد على كل ما يجعل مظهره مثالياً، ومن هذا الأمر بسنن الفطرة، كالسواك، حيث أوصى النبي ﷺ بالمداومة عليه.

стр. 2

السنن والآداب مظهر من مظاهر تكريم الإسلام للإنسان إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: فقد روى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﵌ أنه قال: (الفطرة خمس: الختان، والاستحداد، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، وقص الشارب)، رواه البخاري ومسلم، والإمام مالك في موطئه، والترمذي، وأبو داود، والنسائي. وفي رواية: (خمس من الفطرة: الختان، والاستحداد، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، وقص الشارب). وروي عن النبي ﵌ من طريق زكريا بن أبي زائدة عن مصعب بن شيبة عن طلق بن حبيب عن ابن الزبير عن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظافر، وغسل البراجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء)، وانتقاص الماء: هو الاستنجاء. قال زكريا: قال: مصعب: ونسيت العاشرة، إلا أن تكون المضمضة. وبعض العلماء قالوا: لعل هذه التي نسيها هي الختان؛ لأنها أولى، وقول النبي ﷺ : (خمس من الفطرة) يوضح معنى قوله: (الفطرة خمس). وهذا يعني أن الفطرة لا تنحصر في خمس أو عشر، فهذه هي بعض خصال الفطرة، وحديثنا على خصال الفطرة لا يقتصر على مجرد أبواب من الفقه، وإنما هي إطلالة على مظاهر تكريم الإسلام لهذا الإنسان. وإذا تأملت نظرة الإسلام إلى الإنسان وتكريمه واحترامه، تجد فيها مصداق قوله ﵎: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء:٧٠]، فما هو في الحقيقة إلا مظهر من مظاهر تكريم الإسلام للإنسان، وتعظيم حرمته، ورفع شأنه ومكانته. وهذه الآداب والسنن كانت تنتشر مع الإسلام حيثما انتشر وسطع نوره في آفاق الدنيا، كما هو الحال في أوروبا؛ حيث إن الأوروبيين لم يكونوا يعرفون عادة الاستحمام الذي يعتبر شيئاً طبيعياً جداً عند المسلمين، ولم يكن الأوربيون يظنون أن الإنسان يمكن أن يستحم في بيته. فتزامن انتشار عادة الاستحمام في الغربيين مع الوجود الإسلامي في الأندلس -تلك الجنة المفقودة- لما كان الطلاب الأوربيون يفدون إلى الأندلس ليتعلموا من المسلمين، كانوا يقتبسون منهم من الفضائل هذه العادات وهذه النظافة، فهم يعترفون بهذا، وكثيراً ما يتحدثون، بل حتى هذا الزمان الذي نعيش فيه أجريت عدة إحصائيات ودراسات في فرنسا، فوجدوا أن أغلب الفرنسيين لا يستحمّون مرة واحدة في العام، ثم قال الباحث -وهو كافر مشرك-: إن هذا هو سر تفوق الفرنسيين في صناعة العطور، حتى يكتموا بها رائحتهم الخبيثة؛ التي تتراكم خلال سنة كاملة. حتى أنك إذا نظرت في الأحواض عندهم في كثير من البلاد -كألمانياً مثلاً أو غيرها- تجد أن الحوض عبارة عن خلاط ماء لا يختلط فيه الماء الساخن بالبارد، لكن الحوض يكون فيه سدادة، ثم ماسورة مستقلة للماء البارد، وماسورة مستقلة للماء الساخن. وقد تستغرب كيف تستعمل هذا الماء؟ حتى إن الإنسان أحياناً يحار كيف يتوضأ؟ لأنك إذا استعملت الماء البارد يكون بارداً جداً، وإذا استعملت الماء الساخن يكون ساخناً جداً، وكلاهما لا تستطيع أن تستعمله، فهم يفعلون ذلك؛ لأن النظافة عندهم هي أن أحدهم في الصباح إذا أراد أن يغسل وجهه يملأ الحوض بالماء، ويخلطه في نفس الحوض، ثم يغسل وجهه فيه، وانتهى كل شيء!! هذه هي النظافة عندهم، بل يسخرون أحياناً من المسلمين لما هم عليه من آداب التخلي والاستنجاء والتنظف التي لا يعرفون لها معنى. وهذا من مظاهر تكريم الإسلام للإنسان، وهذا السلوك الذي عليه الأوروبيون أو الغربيون الكفار ربما يكون صدىً لكلام أسلافهم الذين مضوا من قبل، وقد تكرر تصادم الديانة النصرانية المحرفة مع الفطرة، وكيف أنهم حمّلوا أنفسهم ما لا يحتملون، حتى أنهم صاروا يتعبدون بأن يأتي أحدهم إلى بئر ماؤه مالح ويمكث فيه ستة أشهر أو سنة، وهو يظن أن هذه عبادة، أو يحمل أحدهم ثقلاً كبيراً جداً من الحديد ويقف على رجل واحدة، وإذا أراد أن ينام يسند ظهره إلى حائط! كل هذا من تعذيب النفس الذي كان عندهم، وهذه صورة من صور التعبد التي كانت عندهم، كما اقتبسه منهم بعض الصوفية الجهلاء، فيقول أحدهم متحدثاً عن واحد من أشهر رهبانهم: إنه لم يقترف إثم غسل رجليه طول عمره! وكان بعض هؤلاء الرهبان يتحسر على عدم اتباع سيرة أسلافه الذين مضوا، فيقول: لقد أتى علينا زمان كنا نتأثم أن يغسل أحدنا ثوبه أو رجليه -ثم يقول متحسراً متأسفاً- وها نحن الآن ندخل الحمامات. فهو يندم على هذا، ويعتبره من مظاهر الانحراف عن الجادة! الشاهد: أن هذه السنن والآداب من مظاهر تكريم الإسلام للإنسان. إذا تأملت الإسلام من أي زاوية فإنك تجد عظمة لا مثيل لها، وتجد الأدلة قاطعة على أن هذا دين الله، ولا يمكن أن يأتي دين بأفضل مما جاء به هذا الدين، فضلاً عن أدلة صدق النبوة الكثيرة، وأدلة إعجاز القرآن وغير ذلك، لكن حتى هذه الأحكام الجزئية تجد أنها متفقة تماماً مع الفطرة، ولو تُرك الإنسان لفطرته التي فطره الله عليها فإنه سيهتدي بهذه الفطرة إلى هذه السنن، ولو لم يتعرض الإنسان لمؤثرات البيئة من حوله كتقليد الآباء والأجداد وغيرهم ممن حوله لو خُلّى عن هذه المؤثرات البيئية المنحرفة، وبقي على فطرته التي فطره الله عليها حتى لو لم يطلع على هذه الشرائع يجد بمقتضى هذه الفطرة أنه ينبغي أن يقص أظافره، ويعفي لحيته، فإن استقرت فطرته اهتدى لهذه الأشياء حتى لو لم يدله عليها أحد، إلا أن تغير هذه الفطرة السوية سببه مؤثرات البيئة الفاسدة من حوله. إذا تأملت الإسلام من أي النواحي فإنك تجد فيه هذه العظمة، وتجد هذه النظافة وهذا التكريم للإنسان، وهذا هو معنى التكريم؛ لأن الإنسان له قيمة وحرمة عظيمة في الإسلام، فالهيئة البشرية الكاملة هي الفطرة التي فطر الله الناس عليها، فكل ما خلقه الله ﵎ في جسد الإنسان هو فطرة الله ﵎، ما عدا ما أمر الشرع بإزالته فإن إزالته هو الفطرة، وما شرع إلا لحكم عظيمة يعلمها الله ﵎، فحينئذٍ الأصل أن كل هيئة خلق عليها الإنسان هي فطرة الله التي فطره عليها، فينبغي أن يحافظ عليها ولا يغيرها. هذه الفطرة تشمل جانبين: الجانب الحسي البدني، والجانب القلبي الذي يشتمل على: العقيدة والتوحيد. فإن الإنسان إذا خلا عن مؤثرات البيئة الفاسدة فإنه يهتدي بقلبه إلى توحيد الله ﵎؛ لأنه مفطور على التوحيد والإقرار بالله ؛ ولذلك فإن أقوى وأسهل دليل نستطيع أن نقيمه على وجود الله ﵎ هو الفطرة؛ بحيث أن الإنسان سوي الفطرة لا يحتاج أبداً لهذا السؤال، ويجد أن قلبه يقرّ بذلك ويسلم به ويوقن به دون أن يخوض في المباحث الكلامية أو الفلسفية، فالإنسان بفطرته يهتدي إلى التوحيد، وبفطرته يهتدي إلى هذه الصورة السوية للكمال البشري، وهي الصورة التي خلقه الله عليها، إلا ما أمر الشرع بإزالته فإن إزالته هو من الفطرة.

стр. 3

معنى الفطرة ذكر العلماء أن أصل الفطر: الشَّقّ طولاً. ويطلق أيضاً على الاختراع. قال أبو أسامة: أصل الفطرة: الخلقة المبتدئة، ومن ذلك قوله ﵎: ﴿فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الأنعام:١٤]، أي: الذي ابتدأ خلقهن. وقوله ﵊: (كل مولود يولد على الفطرة) يعني: على ما ابتدأ الله خلقه عليه، وفي هذا إشارة إلى قول الله : ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم:٣٠]. فالمعنى: أن كل أحد لو تُرك كما كان وقت ولادته لأداه نظره إلى الدين الحق وهو التوحيد، ويؤيده أيضاً قوله ﵎: ((فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ)). وإليه الإشارة أيضاً في حديث عقبة الذي ختنه النبي ﷺ حيث قال: (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه)، فدل على أن الإسلام هو دين الفطرة؛ لأنه لم يقل: أو يسلّمانه، وهذا يعني أن الأصل في الإنسان أنه يولد مسلماً مهيئاً لقبول دعوة التوحيد. قال بعض العلماء: إن الفطرة تعني أحياناً: السنّة، أي: سُنّة الأنبياء عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، والتي أمرنا أن نقتدي بهم فيها.

стр. 4

حكم سنن الفطرة يقول الإمام أبو بكر بن العربي رحمه الله تعالى في شرحه على الموطأ: عندي أن الخصال المذكورة في هذا الحديث كلها واجبة؛ فإن المرء لو تركها لم تبق صورته على صورة الآدميين، فكيف من جملة المسلمين؟! فهذا مذهب الإمام أبو بكر العربي، وهو حق؛ فلو تخيلت إنساناً مكث سنوات طويلة دون أن يقلم أظفاره، تخيل إنساناً أو امرأة بمثل هذه المخالب! ولا تسمى أظافر في هذه الحالة، بل هذه كمخالب الوحوش والأسود الجارحة أو الحيوانات المفترسة! ثم تأتي أحياناً المرأة فوق ذلك وتخضبها أيضاً بالأحمر، فكأنها لوثت بدماء الفريسة! وهذا شيء تنفر منه الفطرة، فكيف ترى النساء مثل هذه القبائح على أنها أموراً جميلة؟! يُقضى على المرء في أيام محنته حتى يرى حسناً ما ليس بالحسنِ تخيل إنساناً ترك شاربه حتى يطول وينسدل إلى كتفيه كما ترى في المناظر القبيحة لبعض أئمة الكفر، ونحو هذه الأشياء لو تخيل الإنسان أنه لم يتناوله بهذا التنظيم الإسلامي لما بقيت صورته على صورة الآدميين، فكيف يكون من جملة المسلمين أهل النظافة والعفاف والتقى؟! لكن بعض العلماء تعقبوا قول القاضي أبو بكر بن العربي، فقالوا: ليست كل هذه الخصال واجبة لكن المطلوب من هذه الأشياء تحسين الخلقة والنظافة. فما كان من الفطرة ومن باب تحسين الخلقة فلا يحتاج إلى أن يأمر به الشارع ويوجبه على الإنسان، فمجرد الندب والإرشاد إليها كافٍ؛ لأن الإنسان بمقتضى فطرته يؤدي هذه الأشياء. وقال الإمام أبو سليمان الخطابي رحمه الله تعالى: ذهب أكثر العلماء إلى أنها -أي: الفطرة-: السنّة. ومعناه: أنها من سنن الأنبياء عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، وقيل: هي الدين. وقال السيوطي رحمه الله تعالى: وأحسن ما قيل في تفسير الفطرة: أنها السنة القديمة التي اختارها الأنبياء، واتفقت عليها الشرائع، فكأنها أمر جبلي فطروا عليه. وهذا أحسن ما قيل في تفسير الفطرة. وقال الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى في معنى الفطرة: هي ما جبل الله الخلق عليه، وجَبَلَ طباعهم على فعله، وهي كراهة ما في جسده مما هو ليس من زينته، يعني: أن الإنسان يكره أشياء في جسده تنافي الزينة، وتنافي النظافة والتطيب.

стр. 5

أقسام الفطرة يقول الإمام المحقّق شمس الدين ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى: والفطرة فطرتان: فطرة تتعلق بالقلب، وهي معرفة الله، ومحبته وإيثاره على ما سواه. وفطرة عملية، وهي هذه الخصال؛ فالفطرة الأولى تزكي الروح، وتطهر القلب، والثانية تطهر البدن، وكل منهما تمد الأخرى وتقويها، وكان رأس فطرة البدن الختان. ويقول الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: فيتعلق بخصال الفطرة مصالح دينية ودنيوية تدرك بالتتبع، منها: تحسين الهيئة، وتنظيف البدن جملة وتفصيلاً والاحتياط للطهارتين، والإحسان إلى المخالط والمقارن بكف ما يتأذى به من رائحة كريهة، ومخالفة شعار الكفار من المجوس واليهود والنصارى وعُبّاد الأوثان، وامتثال أمر الشارع، والمحافظة على ما أشار إليه قوله تعالى: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [غافر:٦٤]، لما في المحافظة على هذه الخصال من مناسبة ذلك، وكأنه قيل: قد حُسّنت صوركم -أي: أن الله خلقنا وحسّن صورنا- فلا تشوهوها بما يقبحها، أو حافظوا على ما يستمر من حسنها. وفي المحافظة عليها محافظة على المروءة وعلى التآلف المطلوب؛ لأن الإنسان إذا بدا في الهيئة الجميلة كان ذلك أدعى لانبساط النفس إليه، فيقبل قوله، ويحمد رأيه، والعكس بالعكس.

стр. 6

السواك قال في منار السبيل: (باب السواك). الباب لغة: المدخل إلى الشيء والطريق الموصل إليه، واصطلاحاً: اسم لجملة من العلم، تحته فصول ومسائل متفرعة. قوله: (باب السواك) أي: باب السواك وما ألحق به من الادهان والتطيب وخصال الفطرة، وكلمة (السواك) تطلق على معنيين: الأول: تطلق على الفعل نفسه، فيقال: التسوك، أو الاستياك، أو الاستنان. الثاني: تطلق على الآلة نفسها، فيقال: سواك أو مسواك.

стр. 7

حكم السواك قال: (يسن بعود رطب لا يتفتت) قوله: (يسن) فيها حكم السواك وأنه سنة مؤكدة مطلقاً. وقوله: (بعود رطب). الرطب: ضد اليابس، وهو العود الأخضر، فهو يكون أبلغ وأجود في الإنقاء، قال العلماء: وأجود ما يستعمل إذا كان مبلولاً بماء الورد، ثم بالماء من أراك أو زيتون أو عرجون أو غيرها. وفي الحديث: (كان النبي ﷺ يستاك بعود أراك). أراك: واحدته: أراكه، بالهاء. يقول الألباني عن هذا الحديث: لم أجده بهذا اللفظ، لكنه في حديث ابن مسعود ﵁: (كنت أجتني لرسول ﷺ سواكاً من الأراك)، وحديث ابن مسعود هنا يغني عن الحديث المذكور قبله. وهو مسنون مطلقاً؛ لقوله ﷺ : (السواك مطهرة للفم مرضاة للرب). لك أن تقول: مَطهرة أو مِطهرة، بفتح الميم أو بكسرها، وهذا الحديث صحيح، رواه الإمام أحمد. قال في الشرح: ولا نعلم في استحبابه خلافاً، ولا نعلم أحداً قال بوجوبه إلا إسحاق، وداود والإمام النووي ﵀ يقول: هذا النقل عن إسحاق غير معروف، ولا يصح عنه. فلا يصح عن إسحاق أنه قال بوجوب السواك، واستدل داود بأنه مأمور به أي: أن داود الظاهري ﵀ يرى أن السواك واجب؛ لأنه مأمور به، وظاهر الأمر الوجوب. وأدلّة الأمر بالسواك مصروفة عن ظاهرها الذي يقتضي الوجوب إلى الاستحباب، والدليل الصارف عن الظاهر هو قوله ﵌: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة). متفق عليه، وفي الحديث: (أنه ﷺ أمر بالوضوء عند كل صلاة طاهراً كان أو غير طاهر، فلما شق ذلك عليه أمر بالسواك عند كل صلاة)، وهذا الحديث حسنه الألباني، وهذا الحديث مصروف عن ظاهره وهو الوجوب إلى الاستحباب بدليل قوله في الحديث الآخر: (لولا أن أشق على أمتي)؛ لأنه لو كان واجباً لأمرهم به، فلما لم يأمرهم دلّ على أنه مستحب فقط. يكره التسوك للصائم من بعد الزوال حتى تغرب الشمس، وينبغي أن نفهم معنى قوله: (حتى تغرب الشمس) حيث قيدها بهذه العبارة؛ وذلك إبقاءً على رائحة خلوف فم الصائم التي هي أطيب عند الله من ريح المسك، وأنه أثر عبادة مستطاب، فلم تستحب إزالته كدم الشهداء. لكن هذا القول مرجوح، والراجح خلافه؛ لأن السواك مرضاة للرب، وهي أطيب من ريح المسك، وعموم النصوص الآمرة بالسواك لم تخص وقتاً دون وقت؛ لأن مصدر خلوف فم الصائم هو المعدة وليس الأسنان، فسواء تسوّك أم لم يتسوك، فإن الخلوف لا يزيله التسوك، بل يبقى ما دام الإنسان جائعاً. وقد وقع الخلاف في حصول السواك بغير العود، فكل ما يحصل به الإنقاء يُعدّ سواكاً وأفضله عود الأراك المشهور، لكن من استاك بغير عود وحصل الإنقاء فإنه يعتبر سواكاً، سواء كان التسوك بفرشاة أو بغيرها مما يمكن به الإنقاء. ويتأكد السواك عند الوضوء، أي: في حالة المضمضة، وحتى لو تيمم فينبغي له أن يستاك، وحتى لو كان فاقداً الطهرين -التيمم وبالماء- فإنه أيضاً يستاك. وينبغي التسوك عند أي صلاة فرضاً كانت أو نفلاً، وإن لم يتغير الفم؛ لقوله ﷺ : (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة). وفي رواية: (لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء). فقوله: (مع كل وضوء)، فيه دليل على أن الاستياك سنة من سنن الوضوء، لا أنه سنة مستقلة عن الوضوء، كما هو واضح من قوله: (مع كل وضوء)، لكنه في غير الوضوء يعتبر سنة مستقلة بذاتها.

стр. 8

الأحاديث الواردة في فضل السواك قبل أن نمضي في دراسة هذا المتن أو النص الذي ذكره الشارح نمر سريعاً على بعض الفضائل والتنبيهات التي تتعلق بالسواك. السواك سنة من السنن المؤكدة عن النبي ﵌ -وإن كان بعض العلماء قال بوجوبه- ومما ثبت من فضيلة السواك حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء). والسواك: يطلق على الآلة نفسها وهي العود الذي يستعمل، أو على الفعل، فيقول ﵊: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة). قوله: (لأمرتهم) يدل على أنه لو أمر به لوجب، فيؤخذ من هذا دليل على صحة القاعدة: أن ظاهر الأمر يقتضي الوجوب. فالأصل في أمر النبي ﷺ -على الأرجح- أنه يجب التزامه. وعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع الوضوء عند كل صلاة)، رواه ابن حبان. وفي حديث ابن حبيب بلفظ: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة كما يتوضأون). وعن ابن عباس ﵄ قال: (كان رسول الله ﷺ يصلي بالليل ركعتين ركعتين، ثم ينصرف فيستاك)، وعن ابن عباس ﵄ أيضاً: (أنه بات عند نبي الله ﵌ ذات ليلة، فقام نبي الله ﷺ من آخر الليل، فخرج فنظر في السماء، ثم تلى هذه الآية في آل عمران: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران:١٩٠] حتى بلغ: ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٩١]، ثم رجع إلى البيت فتسوك، فتوضأ، ثم قام فصلى، ثم اضطجع، ثم قام فخرج، فنظر إلى السماء، فتلى هذه الآية، ثم رجع فتسوك فتوضأ، ثم قام فصلى) رواه مسلم. وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لقد أكثرت عليكم في السواك). رواه البخاري. وعن أسماء بنت زيد بن الخطاب أن عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر حدثها أن رسول الله ﵌ (أمر بالوضوء لكل صلاة طاهراً كان أو غير طاهر، فلما شق ذلك عليه أمر بالسواك لكل صلاة)، فكأن هذا كان أولاً للوجوب، ثم صار للاستحباب. وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (فضل الصلاة التي يستاك لها على الصلاة التي لا يستاك لها سبعين ضعفاً). وهذا الحديث ضعيف لا يصح عن النبي ﵌. وفي صحيح مسلم قول النبي ﷺ : (لولا أن أشق على المؤمنين لأمرتهم بتأخير العِشاء، والسواك عند كل صلاة). وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ (كان إذا دخل بيته بدأ بالسواك)، رواه مسلم. وعن المقداد بن شريح عن أبيه قال: قلت لـ عائشة: بأي شيء كان النبي ﷺ يبدأ إذا دخل البيت؟ قالت: بالسواك. فينبغي للإنسان متى اتضح وثبت له شيء من هدي النبي ﵌ أن يستحضر النية حالاً ويمتثل هذا الحكم ما استطاع إليه سبيلاً. وعن زيد بن خالد الجهني قال: (ما كان رسول الله ﷺ يخرج من بيته لشيء من الصلوات حتى يستاك). وهذه سنة النبي ﷺ أنه حينما يدخل بيته يبدأ بالسواك، وحينما يخرج للصلاة أيضاً يبدأ بالسواك. وعن عمران ﵁ عن النبي ﷺ : (أنه كان لا ينام إلا والسواك عنده، فإذا استيقظ بدأ بالسواك). هذه الأحاديث كلها تشير إلى مواضع استحباب السواك، وهي: إذا دخل البيت، وإذا انصرف من البيت -خاصة إلى الصلاة- وإذا نهض من نومه، وإذا أراد أن يصلي، وأيضاً مع الوضوء، وهكذا. وفي حديث عائشة: (كان لا يستيقظ من ليل أو نهار إلا تسوّك قبل أن يتوضأ). وعن عامر بن ربيعة ﵁ قال: (رأيت رسول الله ﷺ ما لا أحصي يستاك وهو صائم)، قال الحافظ ابن حجر: رواه أصحاب السنن، وابن خزيمة، وعلقه البخاري وقال: إسناده حسن. وقوله: (ما لا أحصي) أي: مرات كثيرة أحصيها، وهذا الحديث مهم جداً أن نحفظه.

стр. 9

حكم التسوك بعد الزوال عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك) متفق عليه. والخلوف هو: تغير رائحة فم الصائم. وهذا الحديث يستدل به بعض العلماء على كراهة السواك بعد الزوال، واستدلوا أيضاً بحديث علي ﵁ مرفوعاً: (إذا صمتم فاستاكوا بالغداة، ولا تستاكوا بالعشي)، وهذا هو أول دليل يُستدل به على كراهة السواك للصائم بعد الزوال، والحديث أخرجه البيهقي، وهو ضعيف، وذكر الألباني أن بعض علماء الحديث له تتمة: (فإنه ليس من صائم تيبس شفتاه بالعشي إلا كانت نوراً بين عينيه يوم القيامة)، وهذه الرواية أيضاً ضعيفة. أيضاً: استدل الشافعية والحنابلة بدليل آخر ذكرناه آنفاً، وهو حديث أبي هريرة ﵁: (لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك)، فقالوا: إن الاستياك بعد الزوال يزيل خلوف فم الصائم، (وخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك)، لأنه أثر عبادة مستطاب فلم تستحب إزالته، كما هو الحال في دم الشهداء، حيث أن الشهيد لا يُغسّل حتى لا يُزال عنه هذا الدم؛ لأنه يبعث يوم القيامة: اللون لون الدم، والريح ريح المسك، فهذا أثر من آثار العبادة، وهو أثر مستطاب، فينبغي أن يحافظ عليه؛ لأن الله يحب هذا الأثر من آثار العبادة. أما الحنابلة فذكروا في بعض المواضع أن السواك إنما استحب لإزالة رائحة الفم، وقد قال ﷺ : (لخلوف فم الصائم عند الله أطيب من رائحة المسك)، رواه الترمذي وحسّنه. قال الحنابلة والشافعية: وإزالة المستطاب مكروه، فشعث الإحرام من المستحب أن يفرق، وأن يأتي الحجاج إلى الله في يوم عرفة شُعثاً غُبراً، قد تغبروا بالتراب، وانشغلوا عن تحسين هيئتهم بذكر الله ﵎ وعبادته، فالإنسان يكون في هيئة المسكنة والتواضع، ويأتي التراب الشديد فيعلو عليه من أثر السفر، ومن أثر مشقة التزام الإحرام وغير ذلك. يتكلم العلماء أحياناً على هذه الآثار، ويذكروا أن آثار العبادة إنما يكون مشهوداً لها بالفضل أو مشهوداً لها بالطيب، فمما يشهد له بالفضل: بلل الوضوء الذي على الإنسان، وأثر التيمم، وشعث المحرم، ويذكرون أحياناً ما يصيب العالم عندما يكتب الكتب والمصنفات من الحبر، فيكون لهذا المداد فضل، كما في بعض الأحاديث الضعيفة: (مداد العلماء خير من دماء الشهداء)، فهذه كلها آثار عبادة، لكن هذا مشهود له بالفضل لا بالطيب كما هو الحال في دم الشهيد وخلوف فم الصائم. يقول الشافعي: ثبت أن دم الشهيد لا يُزال، بل يُترك للمحافظة عليه، مع أن غسل الميت والصلاة عليه واجبة، وهي فرض كفاية، فإذا ترك من أجله واجبان دل على رجحانه عليهما؛ لكونه مشهوداً له بالطيب، فيترك السواك أيضاً الذي هو سنة من أجل الإبقاء على المستطاب من خلوف فم الصائم فيكون أولى ألا يزال بعد الزوال حتى تبقى هذه الرائحة عند الغروب. أيضاً في حديث علي: (إذا صُمتم فاستاكوا بالغداة، ولا تستاكوا بالعشي)، قال الحافظ ابن حجر: إسناده ضعيف. وهذه المسألة -والله أعلم- من المسائل الحنبلية المرجوحة، قال الشيخ عبد الرحمن بن القاسم النجدي - أحد علماء الحنابلة وهو الذي جمع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية - يقول عن الحديث السابق: ولا يعارض به ما تواتر من الأحاديث المطلقة، وعن أحمد: يُسنّ مطلقاً -أي: هناك رواية عن الإمام أحمد أن السواك يُسنّ مطلقاً- اختاره الشيخ وتلميذه وغيرهما -أي: شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم - واستظهره في الفروع، وقال الزركشي: هو أظهر دليلاً. وهو قول أكثر العلماء، وهو المختار. ولحديث عامر: (رأيته ما لا أحصي يستاك وهو صائم)، فهو مذهب جمهور الأئمة، وأكثر الأحاديث الواردة فيه تدل على استحبابه للصائم بعد الزوال كما يستحب قبله، والإطلاق في سائرها يدل عليه، ولم يثبت في كراهته شيء، والخلوف ليس في محل السواك، إنما هو من أبخرة المعدة، ومرضاة الرب أطيب من ريح المسك، والقياس يقول بموجبه. حكاه الشيخ وغيره. يعني: أن الحديث فيه: (السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب)، وفي حديث أبي هريرة: (لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك)، مرضاة الرب أطيب من ريح المسك. هذا ما ذكره بعض علماء الحنابلة، وحديث عامر بن ربيعة: (رأيت رسول الله ﷺ ما لا أحصي يتسوك وهو صائم)، حسنه الترمذي، لكن ضعفه الألباني، وإن كان قد حسّنه الحافظ ابن حجر في التلخيص وضعّفه في موضع آخر، وقال الإمام الترمذي عقب هذا الحديث: إن الشافعي لم ير في السواك بأساً للصائم أول النهار وآخره، وكرهه أحمد وإسحاق آخر النهار. والذي يظهر في هذه المسألة أن الراجح هو: استحباب السواك للصائم عند كل صلاة، وعند كل وضوء، وفي كل وقت ولو بعد الزوال؛ لعموم هذه الأحاديث التي لم تخص وقتاً من الأوقات.

стр. 10

مواضع استحباب السواك من مواضع استحباب السواك: قبل قراءة القرآن؛ للحديث الذي صححه الألباني عن علي رضي الله ﵎ عنه قال: (أمرنا بالسواك، وقال: إن العبد إذا قام يصلي أتاه الملك، فقام خلفه يستمع القرآن، ويدنو فلا يزال يسمع ويدنو حتى يضع فاه على فيه، فلا يقرأ آية إلا كانت في جوف الملك). وأيضاً عن علي ﵁ قال: إن أفواهكم طرق للقرآن فطيبوها بالسواك. يعني: أنه يجري في أفواهكم كلام الله ، حينما تتلونه. وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (السواك مطهرة للفم مرضاة للرب). وعن أبي موسى ﵁ قال: (أتيت النبي ﷺ وهو يستاك بسواك رطب. قال: وطرف السواك على لسانه). لأنه يحب الاستياك على اللسان أيضاً، (وهو يقول: أُع أُع والسواك في فيه كأنه يتهوع)، وهذا التهوع يكون إذا أدخل الإنسان السواك إلى داخل فمه لتنظيف أسنانه أو لسانه. وروى مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (غسل يوم الجمعة على كل محتلم وسواك). المحتلم: هو البالغ، (وسواك): مقصوده: ما قدر عليه؛ لأن من آداب يوم الجمعة أن يستاك ويتطيب. وعن ابن عمر ﵄ أن النبي ﵌ قال: (أراني في المنام أتسوك بسواك، فجاءني رجلان أحدهما أكبر من الآخر)، أي: أتم من الآخر، (فناولت السواك الأصغر منهما، فقيل لي: كبّر فدفعته إلى الأكبر منهما). وعن عائشة ﵂ قالت: (دخل عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ﵄ على النبي ﷺ وأنا مسندته إلى صدري) -وهذا كان في مرض النبي ﵊ الذي توفي فيه- (ومع عبد الرحمن سواك رطب يستن به). أي: يستاك به. (فأبر رسول الله ﷺ بصره). أي: نظر إلى السواك (ففهمت أنه يريد السواك، فأخذت السواك فقضمته ورطّبته، ثم رفعته إلى النبي ﷺ فاستن به، فما رأيت رسول الله ﷺ استن أحسن منه، فما غدا أن فرغ رسول الله ﷺ ، أي: مجرد أن فرغ من الاستياك رفع يده -أي: إصبعه- ثم قال: (إلى الرفيق الأعلى، إلى الرفيق الأعلى، إلى الرفيق الأعلى، ثم قضى ﵌. فهذا كان من آخر الأشياء التي حافظ عليها الرسول ﵊ قبل أن ينتقل إلى الرفيق الأعلى، وقوله: (إلى الرفيق الأعلى) معناه: أنه خُيّر في هذه اللحظة كما هي سنة الله مع الأنبياء أنهم يخيرون قبل موتهم بين الموت وبين البقاء في الدنيا، أو بين الانتقال إلى جوار الله وبين البقاء، فعندما خُيّر ﵊ كان ينطق بالجواب ويقول: (إلى الرفيق الأعلى، إلى الرفيق الأعلى). أي: اختار الرفيق الأعلى، والرفيق الأعلى إما أنه الله، وإما أنه هو المقصود بقوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء:٦٩] والله أعلم! وفي الرواية الأخرى تقول: (مات بين حاقنتي وذاقنتي) الذاقنة: رأس الحلقوم أو طرفه الناتئ. وفي لفظ: (فرأيته ينظر إليه)، أي: إلى السواك، (وعرفت أنه يحب السواك، فقلت: آخذه لك؟ فأشار برأسه أن نعم. فأخذت السواك) إلى آخر الحديث. إذا أراد الإنسان أن يصلي صلاة ذات تسليمات كالتراويح والضحى، أو أربع ركعات كسنّة الظهر أو العصر، والتهجد ونحو ذلك، استحب له أن يستاك لكل ركعتين، لقوله ﷺ : (لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة) أو (مع كل صلاة). صححه النووي، وهذا يعم جميع الصلوات، سواءً كانت الصلاة فرضاً أو نفلاً.

стр. 11

حكم الاستياك بالأصبع ونحوها يقول الإمام النووي ﵀ في حكم الاستياك بالإصبع -وهذا يكون عند فقد السواك-: وأما الإصبع فإن كانت لينة لم يحصل بها السواك بلا خلاف، وإن كانت خشنة ففيها أَوجه: الصحيح المشهور لا يحصل؛ لأنها لا تسمى سواكاً، ولا هي في معناه بخلاف الأشنان -وهو شجر ينبت في الأرض الرملية، يستعمل هو أو رماده في غسل الثياب والأيدي -فإنه وإن لم يسم سواكاً فهو في معناه، وبهذا قطع المصنف والجمهور. قال النووي: والثاني يحصل بحصول المقصود. يعني: أن الاستياك يحصل بالإصبع إذا كانت الإصبع خشنة، فيحصل بها أجر الاستياك، والثالث: إن لم يقدر على عود ونحوه حصل وإلا فلا. أحياناً يتكلم العلماء على استعمال الإصبع كسواك، وإنما يكون ذلك بالإصبع الخشن، وليست الناعمة. ثم الإصبع الخشن فيه خلاف على ثلاثة أقوال: أنه لا يحصل به ثواب السواك؛ لأنه الإصبع لا يسمى سواكاً، ولا هو في معنى السواك. القوال الثاني: أنه يحصل به. القول الثالث: بأنه إن عجز عن غيره حصل له ثواب السواك، وإلا فلا.

стр. 12

كيفية التسوك يستدل العلماء ببعض الأحاديث على كيفية الاستياك، وهو حديث: (استاكوا عرضاً، وادهنوا غباً، واكتحلوا وتراً). يقول الإمام النووي رحمه الله تعالى: هذا الحديث غير معروف. وقال الإمام أبو عمرو بن الصلاح: بحثت عنه فلم أجد له أصلاً -يعني: سنداً- ولا ذكراً في شيء من كتب الحديث. ومع هذا فإن هذا الحديث مع ضعفه يرشد إلى طريقة معينة في استعمال السواك توافق ما يرشد إليه أطباء الأسنان، وهو أن الاستياك يكون عرضاً، أي: إلى أعلى وإلى أسفل، ومعنى: (عرضاً)، أي: العرض بالنسبة للفم، وليس العرض بالنسبة للأسنان. والاستياك يكون على أسنانه ولثته، واللثة: هي ما حول الأسنان من اللحم. وقال بعضهم: إن اللثة هي اللحم الذي تنبت فيه الأسنان، فأما اللحم الذي يتخلل الأسنان فهو عمر، جمعه عمور، يقول الشاعر: زال الشباب وأخلف العمرُ وتغير الإخوان والدهرُ يعني: سقطت أسنانه وظهر العمر. واستعمال السواك بهذه الطريقة لا يعرض اللثة إلى الإدماء، أي: لا يحصل نزيف دم، بعكس ما إذا استاك بغير تلك الصفة، حيث أنه قد تجرح اللثة، لكن هذا الاستعمال هو الذي يكون على الأسنان فقط، وسواء استعمل السواك أو الفرشة فإنها تكون على الأسنان واللثة؛ لأنها لما تدلك اللثة نفسها، وهذا نوع من المساج ينشط الدورة الدموية في اللثة، فلذلك الإنسان يستاك على اللثة، وعلى الأسنان. الشاهد من هذا الكلام: أن الحديث فيه أدب حتى وإن لم يصح، لكنه يوافق ما يوصي به أطباء الأسنان، من أن الإنسان يستاك عرضاً، أي: باتجاه عمودي من أعلى إلى أسفل والعكس. أيضاً: ينبغي للمسلم أن يستاك على لسانه؛ لأنه قد ورد في بعض الأحاديث كحديث أبي موسى حينما رأى النبي ﷺ وهو يستاك على لسانه، حيث قال أبو موسى: (فرأيته يستاك على لسانه). بعض الشافعية يقولون بأن الإنسان عند الاستياك ينوي به الإتيان بالسنة؛ لأن السواك مما يُتعبد به، ويبدأ بجانب فمه الأيمن من الثنايا إلى الأضراس، وليس من الأضراس إلى الثنايا كما يصنع بعض الناس حينما يريدون أن يكوّنوا صفاً أو صفوفاً خلف الإمام، فيمشي البعض حتى يصل إلى طرف اليمين في أقصى الصف ويصلي هناك، وتأتي أحياناً مجموعة أخرى فتصلي خلف الإمام، فاليمين يبدأ من خلف الإمام، وإنما اختار النبي ﷺ هذا المكان لأولي الأحلام والنهى بقوله: (ليليني منكم أولو الأحلام والنهى)؛ لأن هذا يكون أقرب إلى متابعة الإمام وسماع القرآن، خصوصاً إذا كان المسجد واسعاً، فاليمين يبدأ من خلف الإمام، وينبغي أن يكون هناك اتزان، فيأتي واحد يميناً وواحد شمالاً وهكذا. الشاهد: أن في السواك تيمناً، وأنك تبدأ من الثنايا ثم تتجه يميناً جهة الأضراس، ثم أيضاً الجنب الأيسر من الوسط إلى جهة الأضراس، والله أعلم!

стр. 13

الاستياك باليد اليسرى مذهب الحنابلة: يصححون أن الاستياك يكون باليسرى، قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: ما علمت إماماً خالف في الاستياك باليسرى؛ لأن الاستياك شُرع لإزالة ما في داخل الفم، وهذه العلة متفق عليها. وبعض الناس قد ينتقدون شيخ الإسلام ابن تيمية لهذه المسألة، ولكنه قالها عن علم، فهم يستدلون بعموم الحديث في استحباب التيمن في كل شيء، ففي الحديث (كان ﷺ يجعل يده اليمنى لترجله وتنعله وطهوره)، وهذا من الطهور، وأما استعمال اليد الشمال فلأن الاستياك إزالة للأذى أو لخلوف الفم ونحوه، فمن أجل ذلك قالوا: يستحب أن يستاك بيده اليسرى، لكن -والله أعلم- الأقرب أن الإنسان يستاك باليمنى. ومن الآداب أن السواك يغسل بالماء إذا أراد الإنسان أن يستعمله؛ لأن وجود الماء على السواك يحلل المواد النافعة التي يحتويها عود الأراك، فيترتب عليها الفوائد التي سنذكرها إن شاء الله. تقول أم المؤمنين عائشة ﵂: (كان رسول الله ﷺ يعطيني السواك أغسله، فأبدأ به فأستاك، ثم أغسله ثم أدفعه إليه)، رواه أبو داود.

стр. 14

آكدية سنة السواك مما ينبغي الحرص عليه: أن يُعوّد الصبيان والأطفال على استعمال السواك، فيستحب أن يعود الصبي السواك؛ ليألفه كسائر العبادات، فرشة الأسنان تعتبر سواكاً، لكن السواك أفضل منها، وسنذكر وجوه هذه الأفضلية -إن شاء الله- وأي آلة تزيل رائحة الفم وتنظف الأسنان فهي سواك، مثل قطعة الليف، حتى أنهم يختلفون في الإصبع كما ذكرنا، فلا شك حينها في أن فرشاة الأسنان نوع من أنواع السواك، لكن أفضل السواك هو عود الأراك، وبالمقارنة ستجد أن السواك أفضل بكثير جداً من فرشاة الأسنان. والحقيقة أن قضية الاستياك وآكدية سنته انعكست في سلوك الصحابة رضي الله ﵎ عنهم، حتى روي كما في لفظ الإمام الزيلعي، وعزاه إلى أبي داود والترمذي وصححه: أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يروحون والسواك على آذانهم، أي: كموضع القلم من أذن الخطاط، قال أبو سلمة: رأيت زيداً يجلس في المسجد، وإن السواك من أذنه موضع القلم من أذن الكاتب، وكلما قام إلى الصلاة استاك. وقال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: (السواك يزيد في الحفظ ويذهب البلغم) وفي حديث ابن مسعود أيضاً: (كنت أجتني لرسول الله ﷺ سواكاً من أراك). وقال أبو هريرة بعدما سمع كلام رسول الله ﷺ في السواك قال: (لقد كنت أستن قبل أن أنام، وبعدما أستيقظ، وقبلما آكل، وبعدما آكل حين سمعت رسول الله ﷺ يقول ما قال)، (أستن). يعني: أستاك.

стр. 15

السواك بين الحديث والدراسات الطبية يوجد بعض الدراسات نذكرها ولا نقول: إنها تدعم اعتقادنا في السواك، فيكفينا ما ثبت من حب رسول الله ﷺ للسواك، وحثه عليه، لكن لا بأس بالاستئناس بالعقول البشرية، وما وصلت إليه البحوث الحديثة في هذا الباب. فهذا أحد الأساتذة في بعض الرسائل الجامعية عن السواك في كلية طب الأسنان يقول: توصي بعض الجامعات بإجراء مساج بالإصبع للثة، لتحريك الدم في النسج اللثوية، وهذا واضح جداً في حالة استخدام السواك، فالسواك يستعمل كمساج للّثة. وباقر العطار دكتور في جامعة دمشق يقول: لقد بلغني من الدكتور الأيوبي أن الأستاذ حلباوي وكيل شركة معاجين الأسنان تفكر شركته في إنتاج معجون سوف يسمونه المسواكين، وبالفعل هذا مشهور جداً وموجود في أوروبا وأمريكا، واعتقد أن اسمه كوالي مسواك. وهناك نوع آخر من معجون الأسنان اسمه (مسواك)، وهو مشهور جداً، وموجود في كل مكان. وفي مجلة (طبيبك) مقال فيه توصية من مجمع معالجة الأسنان التابع لجمعية أطباء الأسنان الأمريكية باستعمال مادة بيكربونات الصوديوم لمعالجة الأسنان، وهذه من مكونات السواك. وكتب أحد الدكاترة في السواك قائلاً: لو نظرنا إلى السواك لوجدنا أنه يتركب كيميائياً من ألياف السليلوز وعد أنواعاً كثيرة من المكونات ليس هناك داعٍ للتفصيل فيها الآن. وهناك مقال في إحدى المجلات تحت عنوان: سواك الأراك يغزو أسواق الإنجليز. وشجرة الأراك يسميها الغربيون شجرة محمد ﵊. تقول المجلة: سواك الأراك يغزو أسواق الإنجليز، وأتبعت ذلك بثلاثة عناوين: العنوان الأول: أطباء الأسنان في لندن يعترفون بالسواك؛ لأثره الفعال في نظافة الأسنان، وبأثره السحري في تفادي كثيراً من العلل والأمراض. العنوان الثاني: عود الأراك يباع بجنيه إسترليني في محلات النباتات المجففة في إنجلترا. العنوان الثالث: معهد علم الجراثيم والأوبئة في ألمانيا الديمقراطية يقول: إن مادة السواك لها تأثير فعال مثل تأثير بعض المضادات الحيوية سواءً بسواء. ويقول اسمه روادت وهو من علماء الغرب، وهو عالم بعلومه هو، فكلمة (عالم) عند الإطلاق تنصرف إلى علماء الشرع الشريف؛ حتى لا يلتبس الأمر، أما هذا فهو مدير علم الجراثيم والأوبئة في جامعة رستك بألمانيا الشرقية، يقول في مجلة (المجلة) الألمانية: إن هناك حِكَماً كثيرة في استخدام العرب للمسواك بعد بلّه بالماء؛ لأن استعماله جافاً لا ينجح؛ لما يحويه من مادة مضادة للجراثيم، ولو استعمل جافاً فهناك اللعاب الذي يمكنه حل هذه المادة الموجودة فيه. وآخر أيضاً اسمه الدكتور مني يقول: إن تآكل أنسجة الأسنان الصلبة يكون جسيماً إذا كانت الفرشاة جافة، أما إذا كانت مبللة فيكون الضرر بسيطاً. لذلك يستحب تبليل السواك. والدكتور كلك كيزين يقول: إن السواك يحتوي على مادة تمنع تسوس الأسنان، قال هذا أمام مؤتمر (٥٢) للجمعية الدولية لأبحاث الأسنان في أطلنطا الأمريكية، ويقول: إنه لاحظ أن الذين يستعملون السواك يتمتعون بأسنان سليمة، وإن بعض الشركات في بريطانيا والهند تصنع معاجين أسنان تدخل بها مواد مأخوذة من السواك. أيضاً أجرت جمعية طب الأسنان الأمريكية (إي بي إيه) لجيش الولايات المتحدة الأمريكية تجارب أثبتت فيها فاعلية وتفوق الشعيرات المكونة لمادة السواك، وأعلنت مجلة أطباء الأسنان الأمريكية سنة (١٩٦٠م) أن أغلبية المعاجين المستعملة في الولايات المتحدة غير طبية، وبالمسواك كميات من البلورات الصلبة التي تعتبر كمادة منظفة تحك القلح -وهي الصفرة التي تتكون على الأسنان- وهي موجودة في السواك بنسبة عالية تبلغ ٤% وكذلك في السواك أملاح أخرى لها فعاليتها. ووجدت جامعة مينيسوتا في أمريكا في أبحاثها أن المسلمين الزنوج الذين يستعملون المسواك سليمو الأسنان واللثة إذا ما قورنوا بمن يستعملون الفرشاة. ومن مميزات السواك: أنه يرضي الرب، وهو سنة من سنن الفطرة، وسنة من سنن النبي ﷺ ، وهو يطهر مجاري الكلام عند تلاوة القرآن، وكذلك تحبه الملائكة.

стр. 16

مقارنة بين السواك وفرشاة الأسنان لن نطيل بذكر مكونات السواك؛ لأنها كثيرة جداً، لكن سنعقد هذه المقارنة بين السواك وفرشاة الأسنان، لإثبات أفضلية السواك على فرشاة الأسنان. السواك يعتبر الفرشاة الطبيعية المثالية المزودة طبيعياً بمواد مطهرة ومنظفة، ولا تحتاج أن تضع عليه معجوناً. السواك يعتبر منظفاً آلياً يقوم بطرح الفضلات من بين الأسنان، فهو أيضاً منظف مكنيكي من حيث الحركة نفسها، فهي تساعد على تنظيف ما بين الأسنان. السواك مزود بألياف طبيعية غزيرة وقوية لا تنكسر تحت الضغط بل لينة، فتتخذ الشكل المناسب لتدخل بين الأسنان وفي الشقوق، فتزيح منها الفضلات دون أن تؤذي اللثة. السواك منظف كيماوي مستمر؛ لأن الفرشاة بعد عشرين دقيقة فقط من استعمال معجون الأسنان يعود مقوي الجراثيم إلى الفم بحالته الأولى بمفرده بالوظيفة الميكانيكية والكيميائية، والفرشاة تحتاج في كل مرة إلى معجون. ومعظم معاجين الأسنان عبارة عن مواد صابونية فقط، وإنما السواك به مادة تستعمل لعلاج الالتهابات اللثوية؛ لأن أطباء الأسنان يصفون لبعض الناس الذين يشكون من التهابات في اللثة وصفة عبارة عن هذه المادة بصورة حمض وهي بنسبة مقدارها ٢٠% ونسبة ٨٠% مواد أخرى ثم يدلك به اللثة، ويكون طعمه لاذعاً غير مقبول، وهذه المادة موجودة في السواك بنسبة أعلى بكثير من نسبة عشرين في المائة، وطعم هذه المادة في السواك مقبول، ينفرد بها السواك بميزة رائعة. يتعذر استعمال الفرشاة والمعجون في كل وقت، بالمقارنة بإمكانية حمل السواك في كل مكان، فالسواك يحمله الإنسان في جيبه في أي مكان، في الصلاة عند الوضوء عند النوم في أي مكان تستطيع أن تحمل السواك وتستعمله، بخلاف الفرشاة فإنك لا تستعملها في غير البيت، وحتى يكون هناك ماء ومعجون فإنك تنظف بها. الفرشاة قد تستعمل لعدة شهور، أما المسواك ففي كل أسبوع تستعمل سواكاً جديداً، حتى على الأقل تقطع الجزء المستعمل وتستعمل الجزء الجديد، بحيث تكون فيه مواد جديدة لم تتحلل وتستعمل. تستطيع التحكم في قُطْر المسواك، فمن الممكن أن يكون قطر المسواك رفيعاً أو سميكاً، وكذا الطول والقصر، والصلابة والليونة، كل هذا حسب رغبتك وإرادتك. للسواك طعم مميز يسبب زيادة في إفراز اللعاب، مما يساعد على زيادة الدفاع العضوي للفم ولثته. توجد في السواك مادة عطرية زيتية يطيب بها فم المتسوكين، وتغطي على رائحة الفم الكريهة إن وجدت، وتكسب الأفواه رائحة زكية عطرة. أيضاً: عدم الاعتناء بالفرشاة بعد الاستعمال يسبب معظم أمراض الأسنان.

стр. 17

الأوقات التي يستحب فيها استخدام السواك الأوقات هي: عند الوضوء، وعند الصلاة، سواء كان التطهر بماء يتوضأ أو تيمم فإنه يستاك، وكذا عند قراءة القرآن، وعند الاستيقاظ من النوم، وعند تغير الفم. وتغيير الفم يكون بأشياء إذا مكث ساعات لا يأكل فيها ولا يشرب، فقد تتغير رائحة فمه، وأيضاً إذا أكل شيئاً له رائحة كريهة، وكذا طول السكوت، وكثرة الصمت. ومن الأوقات التي يستحب فيها السواك: عند دخول المنزل والخروج منه، وعند الاحتضار كما فعل النبي ﵌، وعند اصفرار الأسنان، وأيضاً للمفطر والصائم على السواء، وكذلك يوم الجمعة. هذا ما توفر من التنبيهات التي تتعلق بحكم السواك. نسأل الله أن ينفعنا بما علّمنا أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

стр. 18

السواك وسنن الفطرة [٢] من الأمور التي اعتنى بها الشارع الحكيم: بيان سنن الفطرة، وأحكام حلق الشعر وتقصيره، وحثه على الاحتفاظ بالشيب وعدم نتفه، بل وخضابه بغير السواد، وخص الشعر بمزيد أحكام لأنه أكثر السنن ظهوراً للعيان.

стр. 19

الاستحداد وتقليم الأظافر وسننهما المهجورة الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه أجمعين. أما بعد: يقول الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: الاستحداد: استفعال، من استعمال الحديدة، وهو مستحب؛ لأنه من الفطرة، ويفحش بتركه، فاستُحبّت إزالته، وبأي شيء أزاله صاحبه فلا بأس؛ لأن المقصود إزالته. وقال أيضاً: ونتف الإبط سنة؛ لأنه من الفطرة ويفحش بتركه، وإن أزال الشعر بالحلق والنورة جاز، ونتفه أفضل؛ لموافقته الخبر. يستحب تقليم الأظفار؛ لأنه من الفطرة، ويتفاحش بتركه، وربما حكّ به الوسخ فيجتمع تحتها من المواضع المنتنة، فتصير رائحة ذلك في رءوس الأصابع، وربما منع وصول الطهارة إلى ما تحته. أيضاً: يستحب غسل رءوس الأصابع بعد قص الأظافر، كما في حديث عائشة: (إن غسل البراجم من الفطرة)، ويحتمل أن البراجم يدخل فيها رءوس الأصابع بعد إزالة الأظافر، أو العُقَد التي تكون في ظهور الأصابع. ومن الآداب المهجورة: دفن ما قلّم من أظفاره أو أزال من شعره؛ فإنه مستحب، والإنسان المسلم له حرمة عظيمة في الإسلام، فكل ما انفصل عن الآدمي تكون له هذه الحرمة، حتى إن العلماء ليذكرون أن من بُترت ساقه فإن هذه الساق لا ينبغي أن تُحرق أو تُرمى في أي مكان، بل لابد لهذا العضو أن يغسل، ويُصلى عليه، ويُدفن في المقابر. فكذلك ما انفصل عن الإنسان وهو حيّ -سواء كان من شعره أو أظفاره- فينبغي له أن يدفنه أيضاً في التراب، وهذا أفضل ما يفعله بأجزاء بدنه إذا انفصلت عنه وهو حي، فهو من الآداب المستحبة لأجل تكريم الإنسان. وبعض العلماء يستدل بقوله ﵎: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا﴾ [المرسلات:٢٥] * ﴿أَحْيَاءً ?وَأَمْوَاتًا﴾ [المرسلات:٢٦] والكفت: هو الضم. أي: فالأرض تضمّكم، ﴿أَحْيَاءً ?وَأَمْوَاتًا﴾ [المرسلات:٢٦]، فكأن من استدل بهذا الاستدلال يشير إلى أن الأرض تضم الأجزاء المنفصلة عن أبدانكم حتى وأنتم أحياء، والله أعلم. يقول الإمام ابن قدامة: يستحب دفن ما قلّم من أظفاره أو أزال من شعره؛ لما روى الخلال بإسناده عن ميل بنت مشرح الأشعرية قالت: (رأيت أبي يقلّم أظفاره ويدفنها، ويقول: رأيت رسول الله ﷺ يفعل ذلك). وقد نستغرب لهذا الحكم أو نستصعبه، ولكن يتأكد كل واحد منا أنه إذا حاول تنفيذ ذلك، فسيشعر بهذا النوع من العبودية، ويشعر بمعنى تكريم الإسلام لهذا الإنسان، فإذا جربت بأن تدفن ما ينفصل عن جسدك من الشعر أو من الأظفار فسوف تدرك معنى هذا الأدب الشرعي. وعن ابن جريج عن النبي ﷺ قال: (كان يعجبه دفن الدم)، ولم يحقق الحديث كما هو غالب أحاديث المغني، وقال مهنأ سألت أحمد -أي: الإمام أحمد - عن الرجل يأخذ من شعره وأظفاره أيدفنه أم يلقيه؟ قال: يدفنه، قلت: بلغك فيه شيء -أي: هل عندك فيه حديث أو أثر-؟ قال: كان ابن عمر ﵄ يدفنه، وروينا عن النبي ﷺ : (أنه أمر بدفن الشعر والأظفار، وقال: لا يتلاعب به سحرة بني آدم). وهذا أيضاً لم يحققه، ولا أحسبه صحيحاً.

стр. 20

أحكام الشعر

стр. 21

استحباب اتخاذ الجمة إن اتخاذ الشعر أفضل من إزالته وقد سئل الإمام أحمد عن الرجل يتخذ الشعر؟ أي: ينمي شعره، فقال: سنّة حسنة، لو أمكننا اتخذناه. لا للرجل من لحية، وإلا كانت صورته صورة النساء، خاصة في المجتمعات التي تنتشر فيها النساء المتبرجات. ولا بأس أن يرسل شعره، وإن قصر فإلى شحمة الأذن أو إلى المنكبين إذا أطاله، بل يشير هنا الإمام أحمد إلى أنه سنّة حسنة، لكن يُشترط أن ينوي بذلك الاقتداء بالنبي ﷺ ، لا الاقتداء بالخنافس وغيرهم! وقال الإمام أحمد: كان للنبي ﷺ جمة، والجمة: هي الشعر الذي يصل إلى شحمة الأذن، وقال: تسعة من أصحاب النبي ﵌ لهم شعر. وقال: عشرة لهم جمم. وجاء في بعض الأحاديث: (إن شعر النبي ﷺ كان إلى شحمة أذنيه)، وفي بعض الأحاديث: (إلى منكبيه). وروى البراء بن عازب ﵁ قال: (ما رأيت ذا لمة في حلة حمراء أحسن من رسول الله ﷺ ، له شعر يضرب منكبيه)، متفق عليه. وروى ابن عمر عن النبي ﷺ قال: (رأيت ابن مريم له لمة)، اللمة: شعر يضرب المنكبين يصل إلى الكتف. قال الخلال: سألت ثعلب -يعني: ثعلباً - عن اللمّة؟ قال: ما ألمّت بالأذن، والجمّة ما طالت. لكنه قد جاءت في حديث البراء بن عازب صفة شعر النبي ﷺ ، حيث يدل ذلك على أن اللمة تضرب المنكبين. قال ابن قدامة: ويستحب أن يكون شعر الإنسان على صفة شعر النبي ﷺ إذا طال فإلى منكبيه، وإن قصر فإلى شحمة أذنيه، وإن طوله فلا بأس، وقد نص عليه الإمام أحمد. وقال: أبو عبيدة كانت له عقيصتان، وعثمان كانت له عقيصتان، وقال وائل بن حجر ﵁: (أتيت رسول الله ﷺ ولي شعر طويل، فلما رآني قال: ذباب ذباب. فرجعت فجزرته -أي: قطعته- ثم أتيته من الغد، فقال: لم أعْنِك)، أي: لم أقصدك، هذا حديث حسن رواه ابن ماجة.

стр. 22

استحباب ترجيل الشعر ودهنه وتطييبه يستحب ترجيل الشعر وإكرامه، وترجيل الشعر تسريحه وإكرامه، فالإنسان حين يتخذ شعراً يكرم هذا الشعر ولا يشوه منظره بكثرة الشعر وهو لا يعتني به، وربما دبّت فيه الحشرات والهوام، فهذا من الآداب الشرعية. قال ﵊: (من كان له شعر فليكرمه). وقد يشكل على بعض الناس بعض الأحاديث في هذا الباب، كحديث (نهى عن الترجّل إلا غبّاً)، وحديث: (نهى النبي ﷺ عن الإرفاه، قيل: وما الإرفاه؟ قال: كثرة التدهن والتنعم)، وفي بعض الأحاديث: (إياي والتنعم؛ فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين) فيحمل ذلك على من جعل الشعر شغله الشاغل، فليس له مشغلة سوى النظر في المرآة ودهن شعره وتسريحه كما هي عادة النساء، فلا يليق بالرجل أن يكون هذا هو شغله الشاغل، فالإنسان مأمور بإكرام شعره إن كان له شعر، وإن كان لا يعتني بشعره فالأفضل أن يقصره. وقال النبي ﵊: (تحت كل شعرة جنابة) فإذا تطهر المسلم فلابد أن يروي أصول الشعر؛ ليصل الماء إلى أصل كل شعرة في بدنه، يقول علي بن أبي طالب بعدما روى هذا الحديث: فمن ثمّ عاديت شعري. فكان يزيل شعر رأسه حتى يحتاط لقول النبي ﵊: (تحت كل شعرة جنابة). والغبّ كما في الحديث -وهو ضعيف-: (ادّهنوا غباً) أي: أن تدهن شعرك ببعض الزيوت، ثم تتركه حتى يجف، ثم بعد يوم أو يومين تدهنه مرة ثانية. ومن التنبيهات التي تتعلق بهذا الباب: أن من السنّة تطييب الشعر بالطيب كما في الحديث: (حُبّب إلي من دنياكم النساء والطيب)، لكن الرجل يتطيب في شعره ولحيته فقط، ولا يضع الطيب على جبهته ولا على خده، فهذا طيب النساء لحديث عائشة أم المؤمنين ﵂ (أنها كانت تطيب الرسول ﷺ في شعره ولحيته)، فالذي يليق بالرجل أن يتطيب في شعره ولحيته، ولا يضع الطيب على جبهته أو خده. ويستحب فرق الشعر من وسط الرأس؛ اقتداءً بالنبي ﵌، فإنه فرق شعره مخالفةً لأهل الكتاب، وكان من شروط أمير المؤمنين عمر على أهل الذمة: ألّا يفرقوا شعورهم؛ حتى لا يتشبهوا بالمسلمين.

стр. 23

استحباب خضاب الشيب بغير السواد يُسنّ خضاب الشيب بالصفرة أو الحمرة، وليس بالسواد، وخضاب الشعر يعتبر من السنن المهجورة بسبب ضغط المجتمع؛ لأن المجتمع غالباً يكون منحرفاً عن الشرع، يستنكر على الإنسان إذا خضب لحيته مثلاً بالحناء، ويظن كثير من الناس أن من خضب شعره قد ارتكب شيئاً من شأن النساء، أو أنه يتصابى، إلى غير ذلك من الحجج السقيمة الواهية، وهم بهذا يهجرون سنة النبي ﵌، بل ويحذرون منها، وقد رغب النبي ﵊ في أن يغيّر الشيب بأي لون ما عدا اللون الأسود فإنه نهى عنه وأمر باجتنابه، لكن ما عدا ذلك يستحب للإنسان أن يغير الشيب في رأسه ولحيته بأي لون، وأفضله الكتم، والكتم هو نوع من الحناء. فمن السنن المؤكدة تغيير الشيب بالصفرة أو الحمرة، لا بالسواد. يقول الإمام ابن قدامة: ويستحب خضاب الشيب بغير السواد، قال أحمد: إني لأرى الشيخ المخضوب فأفرح به. وذاكر -أي: ناقش- الإمام أحمد رجلاً لم يكن يخضب الشيب، فقال: لم لا تختضب؟ قال: أستحيي، قال: سبحان الله! سنة رسول الله ﷺ -أي: هل تستحي من سنة رسول الله ﷺ ؟ -قال المروزي: قلت: يحكى عن بشر بن الحارث أنه قال: قال لي ابن داود: خضبت؟ قلت: أنا لا أتفرغ لغسلها فكيف أتفرغ لخضابها؟ فقال أحمد: أنا أُنكر أن يكون بشر كشف عمله. ثم قال: قال النبي ﷺ : (غيروا الشيب)، وأبو بكر وعمر خضبا، والمهاجرون كذلك، فهؤلاء لم يتفرغوا لغسلها؟! والنبي ﷺ قد أمر بالخضاب، فمن لم يكن على ما كان عليه رسول الله ﷺ فليس من الدين في شيء. يقول: يستحب الخضاب بالحناء والكتم، لما روى الخلال وابن ماجة بإسنادهما عن عثمان بن عبد الله بن موهب قال: دخلت على أم سلمة ﵂، فأخرجت إلينا شعراً من شعر رسول الله ﷺ مخضوباً بالحناء والكَتَم. الكتم يقال: هو نبات يخرج باليمن، والصبغ به يجعل الشعر أسود ضارباً إلى الحمرة، والصبغ به وبالحناء معاً يخرج بين السواد والحمرة. يقول: وخضب أبو بكر بالحناء والكَتَم ولا بأس بالورفة والزعفران؛ لأن أبا مالك الأشجعي قال: كان خضابنا مع رسول الله ﷺ الورفة والزعفران. وعن الحكم بن عمرو الهتاري قال: دخلت أنا وأخي رافع على أمير المؤمنين عمر وأنا مخضوب بالحناء وأخي مخضوب بالصفرة، فقال لي عمر بن الخطاب: هذا خضاب الإسلام، وقال لأخي رافع: هذا خضاب الإيمان؛ أي: لأنه خضب بالصفرة، والصفرة أفضل من الحناء. والخضاب يكون في الشعر فقط؛ لأن الرجل إذا خضب يقصد الشيب في شعره ولحيته، لكن ليس بالسواد إلا في حالة واحدة فقط، حيث اجتهد بعض العلماء فقالوا: يستحب لمن شابَ شعر رأسه ولحيته في حالة الجهاد -أي: في قتال الأعداء- أن يخضب بالسواد؛ لإرهاب الأعداء، وإظهار أن في المسلمين الفتوّة والشباب، وأنهم ليسوا كباراً في السن، والله أعلم. ولا يجوز للرجل بحال من الأحوال أن يخضب اليدين والرجلين، كما جاء في بعض الأحاديث: (هذا فعل المخنثين)، وإن كان الحديث ضعيفاً، لكن هذا من شأن النساء، وقد استثنى بعض العلماء حالة التداوي، لكن الأصل أن هذا من التشبه بالنساء، وقد (لعن النبي ﷺ المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال). ويُكره الخضاب بالسواد، قيل لـ أبي عبد الله: تكره الخضاب بالسواد؟ قال: إي والله. قال: وجاء أبو بكر بأبيه ﵄ إلى رسول الله ﷺ ورأسه ولحيته كالثغامة بياضاً -الثغامة نبات شديد البياض- فقال رسول الله ﷺ : (غيّروهما، وجنبوه السواد)، أي: غيروا لون رأسه ولحيته. وروى أبو داود بإسناده عن ابن عباس ﵄ مرفوعاً: (يكون قوم في آخر الزمان يخضبون بالسواد كحواصل الحمام، لا يريحون رائحة الجنة). ورخص فيه إسحاق: للمرأة أن تتزين به لزوجها، لكن يتضح هنا بإطلاق الأدلة أنه لم يستثنِ المرأة في شيء من ذلك، فيجوز للمرأة أن تغير الشيب، لكن ليس بالسواد.

стр. 24

أحكام حلق شعر الرأس اختلفت الرواية عن الإمام أحمد في حكم حلق الرأس، فجاء عنه: أنه مكروه؛ لما روي عن النبي ﷺ أنه قال في الخوارج: (سيماهم التحليق) أي أن الإمام أحمد كره حلق الرأس إطلاقاً، قال: إنه يكون في هذه الحالة تشبه بالخوارج؛ لأن النبي ﷺ جعله علامة للخوارج حينما قال فيهم: (سيماهم التحليق)، وهذا يحتمل أنهم يتعبدون بحلق الرأس. وقال عمر لـ صبيغ: لو وجدتك محلوقاً لضربت الذي فيه عيناك بالسيف. قوله: (الذي فيه عيناك) أي: وجهك، وصبيغ بن عسل هو رجل من أهل العراق، كان يكثر السؤال عن المتشابهات، فبلغ ذلك أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، فأتاه يوماً فسأله عن بعض الآيات المتشابهات في القرآن، فقال له: من أنت؟ قال: أنا عبد الله: صبيغ، قال: وأنا عبد الله: عمر، فقام بالدَّرّة، وظل يضربه حتى أوجعه، ثم حبسه إلى أن برئ، ثم أتى به مرة ثانية وعاقبه، ثم تركه حتى برئ، ثم أتى به بعد ذلك أيضاً ليعاقبه، فقال له صبيغ: يا أمير المؤمنين! إن كنت تريد شفائي فقد والله برئتُ، وإن كنت تريد قتلي فاقتلني قتلاً جميلاً. فتركه أمير المؤمنين ﵁، وأمر الناس بمقاطعته، وألّا يكلمه أحد، فشقّ ذلك عليه، وأُرسل إلى أمير المؤمنين فيه: أنه قد حسنت توبته، فأذن له حينئذٍ في مخاطبة الناس. هذا خبره مختصراً. وقد قال أمير المؤمنين عمر ﵁ عندما قابل صبيغاً: لو وجدتك محلوقاً لضربت الذي فيه عيناك بالسيف. لأنه لو كان محلوقاً إذاً لكانت هذه قرينة تدل على أنه من الخوارج الأشرار الذين أمر الرسول ﷺ بقتلهم، وقال فيهم: (طوبى لمن قتلهم أو قتلوه). وروي عن النبي ﷺ أنه قال: (لا توضع النواصي إلا في حج أو عمرة) رواه الدارقطني في الأفراد. وفي بعض الأحاديث: (ليس منا من حلق)، وقال ابن عباس: الذي يحلق رأسه في المصر -يعني: في حالة الإقامة في بلده- شيطان. أما في حجة أو عمرة فهذا مستحب. وقال أحمد: كانوا يكرهون ذلك. فكل هذه الأدلة استدل بها الإمام أحمد على كراهة حلق واستئصال شعر الرأس. وفي رواية عن الإمام أحمد: لا يكره حلق الرأس، لكن تركه أفضل. قال: حنبل بن إسحاق: كنت أنا وأبي نحلق رءوسنا في حياة أبي عبد الله، فيرانا ونحن نحلق، فلا ينهانا، وكان هو يأخذ رأسه بالجلمين، ولا يحفيه، ويأخذه وسطاً. أي: كما نفعله نحن الآن بأن يأخذه بالوسط، فلا يستئصله ولا يكثره. وروى ابن عمر ﵄: (أن رسول الله ﷺ رأى غلاماً قد حلق بعض رأسه وترك بعضه، فنهاه عن ذلك) رواه مسلم. وهذا الفعل اسمه: القزع، وفي لفظ قال: (احلقه كله أو دعه كله). وروي عن عبد الله بن جعفر ﵄: (أن النبي ﷺ لما جاء نعي جعفر أمهل آل جعفر ثلاثة أن يأتيهم، ثم أتاهم فقال: لا تبكوا على أخي بعد اليوم، ثم قال: ادعو بني أخي، فجيء بنا، قال: ادعو لي الحالق، فأمر بنا فحلق رءوسنا). ولأنه لا يكره استئصال الشعر بالمقراض. ولقول النبي ﷺ : (ليس منا من حلق)، يعني: أن يحلق الإنسان شعره بسبب نزول المصيبة، وأحياناً قد يكون الأمر بالعكس، فعندما تأتي المصيبة يترك بعض الناس شعره لنزول المصيبة به. وبعض الناس قد يموت قريب له أو عزيز عليه، فتجده يعفي لحيته، فهذا يدخل فيما نهى عنه النبي ﷺ من نشر الشعر لحزن أو جزع من قضاء الله؛ لأن هذا الذي أعفى لحيته في المصيبة ما فعل ذلك لوجه الله، ولا امتثالاً لأمره، بل جزعاً فقط، والجزع محرم، ثم إن هذا الذي يترك لحيته ينبغي عليه أن يعفيها، لكن ليس في المصيبة فقط، بل في كل حال من الأحوال؛ لأن النبي ﵊ أمر ببقائها وإعفائها، والشرع حرم حلقها. ولا ينبغي أن يجمع بين هذين الأمرين: أولاً: أنه ينشر شعره في حال المصيبة فإذا مضت عاد إلى معصية حلق شعره، وفي الحديث: (ليس منا من حلق أو صلق أو خرق). قوله: (حلق) أي: يحلق شعره عند المصيبة جزعاً، (أو صلق) والصالقة: هي التي تصوت صوتاً عالياً عند وقوع المعصية، (أو خرق)، يعني: مزّق -والعياذ بالله- ثيابه؛ جزعاً لقضاء الله ! قال ابن عبد البر: وقد أجمع العلماء على إباحة الحلق، وكفى بهذا حجة -أي: حلق شعر الرأس للرجل فقط- وأما استئصال الشعر بالمقراض فغير مكروه رواية واحدة، قال أحمد: إنما كرهوا الحلق بالموس، وأما بالمقراض فليس فيه بأس؛ لأن أدلة الكراهة تختص بالحلق.

стр. 25

أحوال حلق شعر الرأس أما الكلام في حكم حلق شعر الرأس فله أحوال نوردها باختصار: الحالة الأولى: إن كان في حج أو عمرة فهو مستحب؛ لأن النبي ﷺ : دعا للمحلقين فقال: (اللهم اغفر للمحلقين. قالوا: وللمقصرين؟ قال: اللهم اغفر للمحلقين. قالوا: وللمقصرين؟ قال: اللهم اغفر للمحلقين. قالوا: وللمقصرين؟ فقال: وللمقصرين)، فلم يدعُ للمقصرين إلا بعدما دعا للمحلقين ثلاثاً، وفي هذا فضيلة عظيمة للتحليق على التقصير، والحلق والتقصير عبادة، والعبادة لا تنبغي إلا لله، فلا ينبغي أن يحلق الإنسان شعر رأسه أو شاربه أو عانته تعبداً إلا لله ﵎. فمن الناس من يحجون إلى قبر البدوي والدسوقي ويفعلون الموالد الشركية ويحلقون رءوس أولادهم كما يفعل في الحج والعمرة والعياذ بالله! وهذا الحلق نوع من أنواع الضلالات والشركيات التي يرتكبونها في شركياتهم، حيث أن الحلق فيه تذلل لله ﵎، ولذلك فإن بعض القادة العسكريين الظَلَمة حينما يريدون أن يعاقبوا جندياً أو يذلوه يقومون بحلق شعر رأسه، وفي السجون كذلك، وهذا لا ينبغي أن يكون إلا لله ﵎. فإن كان الحلق في حج أو عمرة فهو مستحب، أو كان لحاجة كالتداوي من مرض ما، فإنه يكون جائزاً ومباحاً. أما إذا لم يحلق الإنسان شعر رأسه في الحج أو العمرة، أو لحاجة كالتداوي، وإنما حلق رأسه لغير هذه الأسباب بنية التعبد والتزهد والتزين والتقرب به إلى الله، فهذه بدعة وضلالة، وهذه ظاهرة في الخوارج لعنهم الله. وحلق شعر الرأس في غير النسك، ولغير حاجة فيه قولان للعلماء: القول الأول: أنه مكروه. القول الثاني: أنه مباح. فالذين قالوا: مباح. هم أصحاب أبي حنيفة والشافعي، والذين قالوا: مكروه. مالك وغيره، وعلّلو ذلك بقولهم: لأنه شعار المبتدعة؛ ولأن الخوارج كانوا يفعلونه، صحيح أنه تشبه بالخوارج ولا ينوي التعبد بذلك، لكنه في الظاهر يتشبه بهم، فهذا شعار معروف لهم، وإذا اشتهر شعار معين يدل على فرقة معينة من الفرق الضالّة، فينبغي للإنسان ألا يتلبس بهذا الشعار. مثال: فرقة الفرماوية: وهي فرقة ضالة، وهم يتعبدون بارتداء اللون الأخضر، ولعل من ابتلي بهم وعايشهم فإنه يعرف منهم هذا، فإن اللون الأخضر يعتبر عندهم لون مقدس، فتجد عندهم لون القميص أخضر، والعمامة خضراء، وسبحان الله- كثير منهم عيونهم خضراء!! أما حلق بعض الرأس فمكروه، كما يفعل كثير من الناس في الصعيد مثلاً، أو في بعض الأرياف، أو كما يفعل بعض المسلمين الأفغان للأسف حينما يحجون أو يعتمرون، وإذا مكث أحدهم في مكة مدة، فإنه يحلق بعض رأسه، ولا يحلق رأسه كله في الحج أو العمرة، بل كلما اعتمر عُمرة فإنه يحلق جزءاً من شعر رأسه ويترك الجزء الآخر، وفي العمرة التي بعدها يحلق جزءاً آخر، وهكذا يتابع بين العمرات بحيث يحلق في كل مرة جزءاً من شعر رأسه، وهذا هو عين القزع الذي نهى عنه النبي ﵌، كما في حديث ابن عمر: (أن النبي ﵌ رأى غلاماً قد حلق رأسه وترك بعضه فنهاهم عن ذلك)، وفي لفظ: (احلقه كله أو دعه كله). ورواه أيضاً أبو داود، ولفظه: (أن النبي ﷺ نهى عن القزع، وقال: احلقه كله أو دعه كله)، وأيضاً في شروط عمر ﵁ على أهل الذمة: أن يحلقوا مقدم رءوسهم ليتميزوا بذلك عن المسلمين، فمن فعله من المسلمين كان متشبهاً بهم.

стр. 26

حكم حلق شعر رأس المرأة لا تختلف الرواية عن الإمام أحمد في كراهة حلق المرأة رأسها من غير ضرورة، فمن المعروف أن شعر المرأة من الزينة، حتى عند العرب في الجاهلية، وأشعارهم في ذلك مشهورة، فليس من التزين بالنسبة للمرأة أن تكفّ شعرها من غير ضرورة. قال أبو موسى: (برئ رسول الله ﷺ من الصالقة والحالقة) متفق عليه. والصالقة: هي المرأة التي تصوّت صوتاً عالياً إذا مات لها ميت. والحالقة: التي تحلق رأسها جزعاً عند المصيبة. وهذا موجود في بعض بلاد الجنوب، فإنهم للأسف يفعلون كثيراً من هذه الكبائر والمخالفات عند المصائب والمآثم. وروى الخلال بإسناده عن قتادة عن عكرمة قال: (نهى النبي ﷺ أن تحلق المرأة رأسها)، وقال الحسن: هي مُثلة. أي: تشويه لخلقة المرأة. وقد جاء عن أم المؤمنين ميمونة ﵂ أنها اجتهدت فأخطأت، حيث حلقت رأسها في الحج، وهذا مخالف للسنة كما ذكرنا. وذهب بعض العلماء إلى أن هذا حكم عام، وذهب بعض العلماء إلى أن هذا خاص بزوجات الرسول ﵊؛ لأن أمهات المؤمنين يحرم عليهن النكاح بعد موت النبي ﷺ ، كما قال الله : (وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٣]. فلأجل ذلك رُخّص لهن في الحلق، أما غيرهن فيحتمل أن تتزوج وبالتالي فلا يجوز لها أن تزيل الشعر الذي يعتبر من الزينة اللازمة في المرأة. يقول الأثرم: سمعت أبا عبد الله يُسأل عن المرأة تعجز عن شعرها وعن معالجته -أي: تعجز عن أن تعالج شعر رأسها وتسرحه وتهتم به- أتأخذه على حديث ميمونة؟ قال: لأي شيء تأخذه؟ قيل له: لا تقدر على الدهن وما يصلحه وتقع فيه الدواب. قال: إذا كان لضرورة فأرجو ألا يكون به بأس. والمرأة المسلمة التي تترخص وتأخذ باجتهاد بعض العلماء الذين يبيحون لها أن تأخذ من شعر رأسها، فإن كان للتداوي فهذا شيء ليس فيه كلام، لكن إن كان للزينة فأولاً: لا ينبغي لها أن تأخذه أخذاً قريباً من أخذ الرجل لشعر رأسه، لأنها حينئذ تصبح متشبهة بالرجال. ثانياً: لا تنوي بذلك الفعل أن تتشبه بالكافرات أو الفاجرات.

стр. 27

حكم نتف أو حلق الشيب وحلق القفا يكره مس الشيب، وإذا كان الشيب يكره أن ينتفه الإنسان من رأسه أو لحيته، فكيف بمن يستأصل لحيته بسائرها؟ وقد جاء في نتف الشيب عن عمرو بن سعيد قال: (نهى رسول الله ﷺ عن مس الشيب وقال: إنه نور الإسلام). وعن طارق بن حبيب: (أن حجاماً أخذ من شارب النبي ﷺ ، فرأى شيبة في لحيته فأمسك النبي ﷺ يده، وقال: من شاب شيبة في الإسلام كانت له نوراً يوم القيامة)، رواه الخلال في جامِعِه. قال ابن قدامة: ويكره حلق القفا لمن لم يحلق رأسه ولم يحتج إليه، قال المروزي: سألت أبا عبد الله عن حلق القفا؟ فقال: هو من فعل المجوس: (ومن تشبه بقوم فهو منهم)، وقال: لا بأس أن يحلق قفاه وقت الحجامة. وكلمة (الحلق) تطلق على إزالة الشعر تماماً بالموس. وقال المروزي: سألت أبا عبد الله عن الحلق؟ فقال: ليس به بأس للنساء وأكرهه للرجال. والحلق في الوجه يعني: إزالة الشعر من الوجه في غير اللحية ولا الشارب ولا الحاجبين، فلا يكون على الخد أو الذقن، فهذا كرهه الإمام أحمد للرجال. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.

стр. 28

السواك وسنن الفطرة [٣] من الآداب الشرعية التي ينبغي للمسلم أن يمتثلها ويعتني بها: قص الأظفار، وعليه أن يراعي مدة القص، وعدم الاستقصاء في الحضر، مع العلم أن بعض أهل العلم استثنى الغزو للاستفادة منها. ومن الآداب أيضاً استحباب التنظف والتطيب والتجمل، وكذلك الاكتحال، دون الخروج عن حد الاقتصاد في ذلك إلى حد المغالاة والترفه والتنعم الزائدين؛ فإن خير الأمور أوسطها، والميزان في ذلك هو ما كان عليه النبي ﷺ ، وعلمه لأمته.

стр. 29

أحكام قص الأظفار الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فإن من الآداب التي نبّه عليها الشارع الحكيم: استحباب الاستقصاء في إزالة الأظفار إلى حد لا يدخل منه ضرر عليها، فيجتهد الإنسان في تقليم الأظفار، ويستقصي في ذلك، لكن بشرط ألا يؤذي الأصبع أو يدميه.

стр. 30

وقت وحدّ قص الأظفار قص الأظافر سنة مستحبة؛ لأنه من الفطرة، ويتفاحش بتركه، وربما حك به الوسخ فيجتمع تحتها من المواضع المنتنة فتصير رائحة ذلك في رءوس الأصابع، وهناك بعض الروايات في كيفية قص الأظفار، ويكون ذلك في يوم الخميس أو الجمعة أو غيرها، ولم يثبت توقيت تقليم الأظفار بيوم معين، فغالب العلماء يفضلون أن يكون ذلك يوم الجمعة؛ باعتباره يوم العيد الأسبوعي، وكذلك غيره من سنن الفطرة، لكن لا دليل يخصص لفعل هذه الأشياء وقتاً معيناً أو محدداً، فمتى استحقت الأظافر القص فعلى الإنسان أن يفعل. يقول الإمام النووي رحمه الله تعالى: ينبغي أن يختلف ذلك باختلاف الأحوال والأشخاص، والضابط هو الحاجة في هذا وفي جميع خصال الفطرة المذكورة، لكن الحد الأقصى أربعون يوماً. يقول الترمذي الحكيم: فأما قص الأظفار؛ فمن أجل أنه يخدش ويخمش ويضر، وهو مجتمع الوسخ، وربما أجنب ولا يصل الماء إلى البشرة من أجل الوسخ، فلا يزال جنباً، ومن أجنب فبقي موضع إبرة من جسده بعد الغسل غير مغسول فهو جنب على حاله حتى يعمّ الغسل جسده كله؛ فلذلك ندبهم إلى قص الأظفار. وبعدما يقص الإنسان أظفاره، يستحب له حينئذٍ أن يغسل رءوس الأصابع تكميلاً لنظافتها، وحمل بعض العلماء حديث عائشة ﵂ في غسل البراجم أن المراد به: غسل رءوس الأصابع، ويحتمل أن البراجم هي هذه العقد التي في الأصبع. كما قال الإمام الخطابي ﵀: البراجم: العقد التي في رءوس الأصابع، والرواجب: ما بين البراجم؛ لأنه ربما تجتمع الفضلات فيها أحياناً، وغسل البراجم سنة مستقلة وليست بواجبة. والحديث الذي جاء في غسل البراجم وأنه من خصال الفطرة، أخذ منه بعض العلماء استحباب غسل التعرجات التي تظهر عند فرد الأصابع، وألحقوا بذلك ما يجتمع من الوسخ في معاطف الأذن وقعر الصماخ، فيزيله بالمسح ونحوه.

стр. 31

استحباب ترك الأظفار في حال السفر والغزو يسنّ ألا يحيف على الأظفار في التقليم عند الغزو والسفر، فقد ذكر العلماء أن من كان في حالة سفر أو غزو وجهاد، فلا ينبغي له أن يستقصي في قص الأظافر؛ لأنه ربما احتاج إلى فك حبل مثلاً أو شيء معين، فتكون أظافره طويلة طولاً يسيراً بحيث يستطيع أن يمسك بها ويفك به ما يحتاج إليه، وذكر بعض العلماء أنه قد يستخدم الأظافر في قتال العدو عند فقد السلاح، وعن عمر ﵁ قال: وفّروا الأظفار في أرض العدو؛ فإنه سلاح. قالوا: والسفر في معناه.

стр. 32

حكم تطويل المرأة لأظفارها وصبغها بالمناكير أما ما تفعله بعض النساء الفاسقات من تدميم أظفارهن بالصبغ الأحمر، الذي يسمى: المانوكير، وإطالة أظفارهن إلى حدّ يشبه الوحش، فهذا كله من المنكرات التي تدل على فساد في الذوق وفساد في الفطرة، ولا أدري كيف يرون هذا جمالاً؟! إذ كيف يصبح شكل امرأة تطيل أظافرها كالوحوش، وتصبغها أيضاً بلون الدم كأنها تلطّخت بدم الفريسة؟! فسبحان الله! هذا انتكاس في الذوق والفطرة، فضلاً عن مخالفته للآداب الشرعية، فضلاً عن أنه لا يصح أن تعلن عن نفسها أنها لا دين لها ولا خلق ولا تقوى ولا خوف ولا استحياء من الله، فهي لا تصلي؛ لأن هذا الطلاء يكون حائلاً وحاجزاً بين الماء وبين البشرة على أظافرها، فهل يعقل أن تظل كل يوم تستعمل المزيلات المعروفة مثل الأسيتون أو غيره؟! وغالب هؤلاء النساء لا دين لهن، ولا خوف لديهن من عقاب الله ﵎، ويظهرن هذه الزينة القبيحة الدميمة، ويرين هذه الأشياء جمالاً، فهذا منكر مذموم؛ لأن فيه تغييراً لخلق الله ﵎، وهذا الفعل يستلزم اللعن كما جاء في الحديث قول النبي ﵊: (لعن الله الواشمات والمستوشمات) إلى أن قال ﵊: (المتفلّجات بالحُسْن المغيرات لخلق الله). أيضاً: لأن في هذا الفعل السيئ القبيح تشبهاً بالكافرات الفاجرات، وقد قال ﵌: (من تشبه بقوم فهو منه)، وقال ﵊: (ليس منّا من عمل بسنة غيرنا). وأيضاً: لأن هذه منافاة للفطرة السليمة، التي هي: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم:٣٠] وقد قال ﵊: (الفطرة خمس) وذكر منها: (وتقليم الأظفار)، وفي حديث أنس ﵁ قال: (وقّت لنا في قص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة ألا نترك أكثر من أربعين ليلة) رواه مسلم وغيره. ولذلك يقول بعض الشعراء مخاطباً مثل هذه النساء الفاسقات: قل للجميلة؛ وأنا أغيّر هذا اللفظ وأقول: قل للجهولة أرسلت أظفارها إني لخوفٍ كدتُ أمضي هارباً إن المخالب للوحوش نخالها فمتى رأينا للظباء مخالباً؟!! بالأمس أنتِ قصصتِ شعركِ غيْلةً وأزحتِ عن وضع الطبيعة حاجباً وغداً نراكِ نقلتِ ثغركِ للقفا وأزحتِ أنفكِ رغم أنفكِ جانباً مَن علّم الحسناء أن جمالها في أن تخالف خلقها وتجانبا؟! إن الجمال من الطبيعة رسمُه إن شذّ خطٌّ منه لم يك صائباً فهذا شيء يستقبح، ومن الانتكاس في الذوق والفطرة أن يرى الناس هذا الخبث والدمامة جمالاً، فهو جمالٌ عند من لا دين له ولا خلق.

стр. 33

استحباب دفن الأظافر بعد تقليمها هذا أدب شرعي مهجور، ومن تمكن من أداء هذا الأدب فسوف يذوق حلاوته ويجد له طعماً عظيماً، ويتملكه الإحساس بتكريم الإنسان، كما في قول الله ﵎: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء:٧٠]، هذا الأدب الذي قد يستغربه كثير من الناس في هذا الزمان، وهو: أنه يستحب للإنسان دفن ما قلّم من أظفاره أو أزال من شعره، وكل ما ينفصل عن بدن الإنسان في حياته فمن الأدب أن يدفنه في التراب. يقول مهنأ: سألت أحمد عن الرجل يأخذ من شعره وأظفاره أيدفنه أم يلقيه؟ قال: يدفنه، قلت: بلغك فيه شيء؟ قال: كان ابن عمر يدفنه. وقال القرطبي ﵀: جسد المؤمن ذو حرمة، فما سقط منه وزال عنه فيحق عليه أن يدفنه. لأن الإنسان لو مات فإنه يدفن، فإذا مات بعضه فكذلك أيضاً تقام حرمته بدفنه، كي لا يتفرق ولا يقع في النار أو في مزابل قذرة، وبالذات المسلم الذي كرمه الله بصفة الإسلام إلى جانب صفة الإنسانية، فينبغي له ألا يلقي هذه الأشياء التي انفصلت عن جسده في الأماكن القذرة أو المهينة، وإنما يدفنها كما يُدفن بدنه عند موته. وحكى السفاريني عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى في قول الله ﵎: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا * أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ [المرسلات:٢٥ - ٢٦] قال: يلقون فيها الدم والشعر والأظافر وهم أحياء، وتدفنون فيها موتاكم. وإذا راجعت تفسير هذه الآية فإنك تجد أن هذا القول مشهور في تفسيرها، ويذكره المفسرون ضمن عدة أوجه في تفسير هذه الآية: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا﴾ [المرسلات:٢٥] والكفت: الضم والجمع، أي: تضمكم وتجمعكم، وفي الحديث: (نهى عن الكفت في الصلاة)، والكفت: الضم، أي: يضم ثيابه، وهذا الفعل مكروه في الصلاة. ولا أدري لماذا يقوم كثير من الإخوة بارك الله فيهم أحياناً باختراع عمل ليس له أصل؟ ثم نجد كثيراً من الناس يقلدونه تقليداً تلقائياً، حتى ينتشر هذا الفعل ويشيع، مع أنه لا يعرف لهذا الفعل دليل ولا أصل، فما ندري من أين أتت لبعض المصلين فكرة أنه إذا كان يرتدي سروالاً طويلاً يتجاوز الكعبين، فإذا أراد أن يصلي أخذ يشمر ويكفت السروال؛ لأنه يخاف من قول النبي ﵊: (إن الله لا يقبل صلاة المسبل) أو (لا ينظر الله إلى مسبل)، فهو يريد ألا يقع في هذا الوعيد، فيصبح حاله كالمستجير من الرمضاء بالنار؛ لأنه فرّ من وعيد الإسبال فوقع في الكفت، والرسول ﵊ نهى عن الكفت، فلا يصح لك أن تصلي وأنت مشمّر أكمامك، بل إنك إذا شرعت في الصلاة عليك أن تفك هذا التشمير، كما قال ﵊ للرجل الذي سجد وشعره معقود: (دعه يسجد معك) فكذلك من صور كفت الثياب في الصلاة ما يفعله هؤلاء الإخوة الذين يتناقلون هذه العادة بعضهم عن بعض، ولا يُعرف لها أصل، والذي قادنا إلى هذا الاستطراد هو معنى كلمة: الكفت، أي: الضم، ومنها التشمير في الصلاة. قال القرطبي رحمه الله تعالى: قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا﴾ [المرسلات:٢٥] أي: ضامّة تضم الأحياء على ظهورها والأموات في بطنها، وهذا يدل على وجوب مواراة الميت ودفنه، ودفن شعره وسائر ما يزيله عنه، يقال: كفتُّ الشيء أكفته: إذا جمعُته وضممْتُه، والكفت: الضم والجمع، وقال أبو عبيد: ((كِفَاتًا)) أوعية. ثم قال القرطبي: وقيل: هي كِفات للأحياء، يعني: دفن ما يخرج من الإنسان من الفضلات في الأرض، إذ لا ضمّ في كون الناس عليها، والضمّ يشير إلى الاحتفاف من جميع الوجوه. الاحتفاف: أي أنها تحف بالشيء وتضمه، وكان بعض السلف يأتي المقابر فيقول: هذه كفات الأموات. ويأتي المنازل والبيوت فيقول: هذه كفات الأحياء. والإمام القرطبي ﵀ يعرض قول من قال: إنها لا تسمى كفاتاً إلا إذا احتفت بالشيء وضمّته ضمّاً كاملاً، وهذا لا يكون إلا في الدفن. وهنا مسألة تعرض لها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وهي تتعلق بحكم إزالة الإنسان لشيء من جسده وهو جنب، فقد سُئل رحمه الله تعالى عن الرجل إذا كان جُنُباً وقصّ ظفره أو شاربه، أو مشط رأسه، هل عليه شيء في ذلك؟ فأجاب: قد ثبت عن النبي ﵌ من حديث حذيفة ومن حديث أبي هريرة ﵄ أنه لما ذكر له الجنب قال: (إن المؤمن لا ينجس)، وفي صحيح الحاكم زيادة: (حياً ولا ميتاً)، وما أعلم على كراهية إزالة شعر الجنب وظفره دليلاً شرعياً، بل قد قال النبي ﷺ للذي أسلم: (ألق عنك شعر الكفر واختتن)، فأمر الذي أسلم أن يغتسل، ولم يأمره بتأخير الاختتان وإزالة الشعر عن الاغتسال، فإطلاق كلامه يقتضي جواز الأمرين، حيث قال له: (ألق عنك شعر الكفر واختتن)، وكذلك تؤمر الحائض بالامتشاط في غسلها، مع أن الامتشاط يذهب ببعض الشعر، والله أعلم. اهـ.

стр. 34

من سنن الفطرة

стр. 35

استحباب الترجل والنظر في المرآة من الآداب: أنه عند النظر في المرآة ينبغي قول: (اللهم كما حسنت خلقي فحسن خلقي) وفي زيادة: (وحرم وجهي على النار)، وهذا الدعاء من الأدعية المسبقة وليس من الأدعية الموظفة، إذ أنه غير مرتبط بوظيفة المرآة، فمن الممكن أن يقوله الإنسان إذا نظر إلى المرأة، أو قد يقوله في أي وقت آخر؛ لأنه ينبغي له في أي وقت أن يدعو الله ﵎ بهذا الدعاء، حيث أنه دعاء مطلق كسائر الأدعية، وهذا الحديث صححه الشيخ الألباني ﵀، وذكر أنه يقال مطلقاً دون قيد النظر في المرآة، وأما الزيادة: (وحرَّم وجهي على النار) فهي ضعيفة. ولا ينبغي النظر في المرآة كما يفعل ذلك أصحاب رياضة النيوزا، لكن يكون النظر في المرآة بقصد تحسين الهيئة، كإصلاح الشعر أو اللحية أو نحو ذلك، ويستحب تسريح الشعر وترجيله وإكرامه؛ لحديث أبي هريرة ﵁ عند أبي داود: وفيه قول النبي ﷺ : (من كان له شعر فليكرمه)، سواء في ذلك شعر اللحية أم شعر الرأس. وجاء عن عطاء بن يسار حديث مرسل، وهو مشتهر على ألسنة الناس: (كان رسول الله ﷺ في المسجد، فدخل رجل ثائر الرأس واللحية، فأشار ﷺ بيده كأنه يأمره بإصلاح شعره ولحيته، ففعل ثم رجع، فقال رسول الله ﷺ : أليس هذا خيراً من أن يأتي أحدكم وهو ثائر الرأس كأنه شيطان) رواه الإمام مالك في الموطأ مرسلاً؛ لأن عطاء بن يسار من التابعين، فهو بهذا الإسناد ضعيف، لكن قال الحافظ ابن عبد البر رحمه الله تعالى: جاء موصولاً بمعناه عن جابر وغيره. ونص الحديث الذي جاء بنفس المعنى عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: (أتانا رسول الله ﷺ فرأى رجلاً شعثاً قد تفرق شعره، فقال: أما كان هذا يجد ما يسكّن به شعره. ورأى رجلاً عليه ثياب وسخة فقال: أما كان هذا يجد ماء يغسل ثوبه)، قال الإمام النووي: رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم. وعن سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى قال: إن الله طيب يحب الطيب، نظيف يحب النظافة، كريم يحب الكرم، جواد يحب الجود، فنظفوا -أراه قال:- أفنيتكم ولا تشبهوا باليهود. قال الراوي الذي سمع من سعيد بن المسيب: فذكرت ذلك لـ مهاجر بن مسمار، فقال: حدثنيه عامر بن سعد عن أبيه عن النبي ﷺ ، إلا أنه قال: (نظفوا أفنيتكم) أخرجه الترمذي وقال: غريب. وحسّنه الألباني بشواهده. والشاهد فيه قوله: (نظيف يحب النظافة)، فإكرام الشعر يكون بالتسريح أو بصونه من الوسخ والقذر، فعلى الإنسان أن يتعاهد شعره بالتنظيف والإدّهان بالزيوت، وأحياناً يعبّر بالدهن عن الطيب، لكن ينبغي أن نتذكر أدباً مهماً، وهو أن الإنسان لا ينبغي له أن يواظب على دهن شعر رأسه وتسريحه حتى يكون شغله الشاغل، أو يكثر ويبالغ في ذلك، (فقد نهى النبي ﷺ عن الإرفاه، قيل: وما الإرفاه؟ قال: كثرة التدهن والتنعم) والإرفاه أيضاً كما في الحديث الآخر: (هو الترجل كل يوم) وفي الحديث الآخر: (نهى ﷺ عن الترجل إلا غِبّاً)، وأصل الغبّ في اللغة كما في الحديث: (زر غباً تزدد حباً) أي: أن الإنسان لا ينبغي له أن يواظب كل يوم أو كل وقت على زيارة إخوانه، بل يغيب ثم يزور، وكذلك هنا: (نهى عن الترجل إلا غباً) يعني: أن يفعل يوماً ويترك يوماً، لكن قال العلماء: ليس المراد خصوصية الفعل يوماً والترك يوماً، وإنما المقصود: أن الإنسان لا يواظب على ذلك بحيث يكون شغله الشاغل ووظيفته الدائمة.

стр. 36

استحباب التوسيع على النفس في اللباس قال ﵌: (البذاذة من الإيمان) رواه أبو داود، وهو حديث صحيح. (البذاذة): هي رثاثة الهيئة، وليس معنى ذلك أن الإنسان يتكلف حتى يجعل هيئته رثة، لكن الإنسان ينبغي له أن يتواضع في لباسه، وأنواع العبودية تختلف وتتفاوت، فمثلاً: من وسّع الله عليه في الرزق، فلبس من محاسن الثياب بنيّة أن يتحدث بنعمة الله عليه، أو لبس ثياب الأغنياء وهو غني لا يتشبع ولا يكون كلابس ثوبي زور، وإنما هو غني يظهر الغنى حتى إذا رآه الفقراء يعرفون أن هذا غني فيسألونه، ويكون ذلك سبيلاً لتيسير تصدقه على الفقراء، فيعرف بمظهره حتى يأوي إليه الفقراء ويأخذون منه الصدقات، فهذه كلها نوايا حسنة، ولذلك قال النبي ﵊ لرجل رآه رث الهيئة: (هل آتاك الله مالاً؟ قال: نعم، قال: من أي المال؟ قال: من كل المال أعطاني الله. فقال له: من كان له مالاً فليُرَ عليه أثر نعمة الله وكرامته)، فمن شكر النعم أن يظهر الإنسان نعمة الله عليه بإظهار الثياب الحسنة، وهذه نية حسنة صالحة. ومن الممكن أن يتعبد الإنسان بصورة أخرى؛ لأن العبودية أنواع، وقد يُفتح لإنسان من العبادة ما لا يفتح لغيره، ولا يكون معنى ذلك هو التعارض والتضارب، فمثلاً: إنسان يقدر على شراء الثياب الحسنة، لكنه يتعمد ألا يلبسها؛ لأنه يستحضر قول النبي ﵌: (من ترك اللباس تواضعاً لله وهو يقدر عليه خيّره الله يوم القيامة من حلل الإيمان يلبس من أيها شاء) أو كما قال ﷺ . فهذا يفعل عبودية بالنية من نوع آخر؛ لأنه ينوي بذلك التواضع لله ، أو ينوي ألا يكسر قلوب الفقراء إذا رأوه بهذه الثياب، فالأمر يتفاوت، ولا يُفهم دائماً من مثل هذه الآداب أن فيها تضارب أو تعارض، بل يمكن للإنسان أن يجمع بين هذا وذاك على اختلاف الأحوال والأشخاص.

стр. 37

استحباب التيمن في سنن الفطرة وهذه الآداب التي ذكرناها سواء كان ذلك في قص الأظفار أو تسريح الشعر وترجيله، أو غير ذلك فنستصحب دائماً الأدب الشريف وهو أن يبدأ الإنسان بالميامن، كما جاء في حديث أم المؤمنين عائشة ﵂: (كان ﷺ يعجبه التيمن ما استطاع في ترجّله ووضوئه) رواه البخاري.

стр. 38

استحباب الاكتحال والادّهان قال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: يستحب أن يكتحل وتراً، ويدهن غباً، فينظر في المرآة ويتطيب، قال حنبل: رأيت أبا عبد الله وكانت له صينية فيها مرآة ومكحلة ومشط، فإذا فرغ من حزبه -أي: إذا فرغ من قراءة ورده من القرآن أو الأذكار- نظر في المرآة، واكتحل، وامتشط. والمقصود بقوله: رأيت أبا عبد الله: هو أحمد بن حنبل؛ لأنه إذا جاء ذكر أبا عبد الله في كتاب فقه حنبلي فالمقصود به: أحمد بن حنبل، وإذا كان في كتاب فقه شافعي ذكر هذه الكنية فالمقصود: الشافعي، وإذا كان في كتاب فقه مالكي فالمقصود: الإمام مالك؛ لأن أبا عبد الله هي كنية الأئمة الثلاثة، فالإمام مالك كنيته أبو عبد الله، والإمام الشافعي كذلك، والإمام أحمد كذلك، أما الإمام النعمان بن ثابت فكنيته: أبو حنيفة، ﵏ أجمعين، وأحياناً يأتي في بعض كتب الفقه عبارة: وذهب إلى هذا آباء عبد الله. يعني: الأئمة الثلاثة اختصاراً. وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (عليكم بالإثمد؛ فإنه يجلو البصر؛ وينبت الشعر)، والإثمد: نوع من الأحجار التي يصنع منها الكحل، حيث يُدَقّ ويضاف إليه بعض الأشياء ويكتحل به. وقد عثرت على عبارة للإمام القرطبي في تفسيره وهو يتكلم عن بعض هذه الآداب فيقول: وكذلك الكحل للرجال: منهم من يليق به، ومنهم من لا يليق به. وحكم هذه الأشياء شرعاً: أنها سنة مستحبة بلا شك. ما زلنا نبحث عن كلام لبعض أهل العلم في هذا، وما وقفت على غير عبارة الإمام القرطبي السابقة، ونحن نُقّر أن الاكتحال سنة ثابتة عن النبي ﷺ ، وكذلك اتخاذ الشعر سنة، والمهم في هذا الأمر هو النية، أي: أن ينوي الإنسان بذلك الاقتداء بالنبي ﷺ ، والآن يُستنكر إسدال الشعر غالباً؛ لأن الناس الآن تعوّدوا أن يروا إسدال الشعر من عادة النساء؛ بسبب تبرج كثير منهن، فيظهر من كان موفراً لشعره وفق السنة كأنه متشبهاً بالنساء، فلو لم يوفر شعره خشية التشبه بالنساء، مع كونه يريد أن يفعل هذه السنة، فهو يثاب عليها ولو لم يفعلها. وكذلك في الاكتحال، فإنه نظراً للبعد عن الآداب الشرعية، فقد أصبح الكحل في مجتمعاتنا كأنه خاص بالنساء، وربما لو اكتحل الإنسان في وسط هذه المجتمعات وهو يريد الأجر باتباعه لسنّة مستحبة، فقد يوصف بأنه متشبه بالنساء كما يفهم كثير من الجهال، فيمكن أن يؤجر الإنسان إذا ترك الكحل بنيّة أن يكف ألسنة المغتابين؛ لأنهم إذا رأوه فعل ذلك، فبالتالي اغتابوه ووقعوا في معصية لله؛ لجهلهم بأن هذا من الآداب الشرعية، ويرون مثل هذا الفعل مُزرياً به، فإذا ترك ذلك ليكفّهم عن الوقوع في النميمة فهو مأجور، وينبغي للإنسان أن يراعي أيضاً حال المجتمع الذي يعيش فيه. وفي بعض البلاد كالحجاز مثلاً تجد أن النساء عموماً محتجبات، والاكتحال عندهم شيء عادي، أما إذا وجد الإنسان أنه في مجتمع ربما يجلب عليه تطبيق السنة أشياء من المنكرات والفضائح التي تؤذيه أو تزري به، فإنه إن لم يفعل ذلك بنيّة كفّ الناس عن الوقوع فيه وغيبته، فلعله يؤجر في ذلك أيضاً كما سبق، ومع ذلك لا ننكر على من اكتحل بنية إحياء السنة أو تذكير الناس بها، فكلٌ بحسب نيته.

стр. 39

استحباب استعمال الطيب من الآداب الشرعية: التطيب، والطيب مندوب إليه شرعاً، بل يتأكد التعطر للمسلم في يوم الجمعة والعيدين، وعند الإحرام، وعند حضور صلاة الجماعة، وفي المحافل العامة، وأيضاً عند قراءة القرآن وحضور مجالس العلم والذكر، يقول أنس رضي الله ﵎ عنه: (كان لرسول الله ﷺ سكّة يتطيب منها)، والسكّة: طيب أسود يُخلط ويُعرك ويُترك، وتظهر رائحته كلما مضى عليه الزمن، والظاهر أن المراد بالسكّة هنا: وعاء الطيب. وعن ثمامة بن عبد الله قال: كان أنس بن مالك ﵁ لا يردّ الطيب. وقال أنس عن النبي ﷺ : (كان لا يرد الطيب)، وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (ثلاث لا تُردّ: الوسائد، والدهن، واللبن)، والمقصود بالدهن هنا: الطيب والروائح العطرة. فإذا كان الإنسان ضيفاً وقدّمت له وسادة فلا ينبغي له أن يرفضها، وكذلك إذا قُدّم له لبناً أو طيباً وأراد بعض العلماء أن ينظم معنى هذا الحديث في أبيات شعر، فنظمه وزاد عليه زيادة مشهورة بين الإخوة، وهي أن مما لا يرد أيضاً: اللحم، ويبدو أنهم اقتبسوها من أحاديث ضعيفة، فقال الناظم: قد جاء في سنة خير الورى صلى عليه الله طول الزمن ألا نرد الطيب والمتكى واللحم أيضاً يا أخي واللبن ومما ينبغي أن يراعى في التطيب: أن من الأدب التودد بين الزوجين بالتطيب، أو بين الإخوان، لكن من كان يعرف أن بعض أنواع الطيب قد تُحدث حساسية لبعض الناس أو تؤذيهم، فلا ينبغي له أن يتطيب بمثل هذه الأنواع؛ مراعاة لمشاعر الآخرين، المقصود من الطيب هو أن يتودد المسلم إلى إخوانه بأن تكون ريحه طيبة، كما في الحديث: (مثل الجليس الصالح كحامل المسك: إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحاً طيبة)، فإذا كانت هذه الرائحة تؤذي الجليس، فينبغي تجنبها. وعن أبي سعيد ﵁: (أن رسول الله ﷺ سُئل عن المسك، فقال: هو أطيب طيبكم) وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (غسل الجمعة واجب على كل محتلم، وأن يمس من الطيب ما يقدر عليه، وإن لم يجد طيباً فيأخذ من طيب أهله)، فهذه من الآداب المؤكدة يوم الجمعة، كالسواك والغسل والطيب، والمقصود بالمحتلم: هو كل بالغ. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (طيب الرجال ما ظهر ريحه وخفي لونه، وطيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه)، ولعل الإشارة في طيب النساء إلى الحناء أو الخضاب ونحوه. وعن أبي موسى ﵁ مرفوعاً إلى النبي ﷺ قال: (كل عين زانية، وإن المرأة إذا استعطرت فمرّت في المجلس فهي كذا وكذا) يعني: زاينة. فلا يجوز للمرأة أن تتطيب إلا أمام محارمها أو زوجها، أما أن تتطيب وتخرج، وترسل هذا الرسول الشيطاني وهو الطيب، فقد وصفها النبي ﵊ بهذا الوصف الشديد: (فهي كذا وكذا) يعني: زانية، وقال ﵊: (إذا شهدت إحداكن المسجد فلا تمس طيباً) والطيب يشمل البخور، ويعبّر عنه بالاستجمار، أي: من الجمرات التي تستعمل كطيب العود أو شيء من هذا. وعلى الرجل أن يجتنب الطيب في الإحرام كما هو معروف، والمرأة من باب أولى. وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (حُبّب إلي الطيب والنساء، وجُعلت قرة عيني في الصلاة)، فممّا حُبّب إلى النبي ﷺ : الطيب والنساء، فهذه الصفة ليست مذمومة مادامت تصادف حلالاً، بل هي تُحمد في الرجل، وقوله: (وجُعلت قرة عيني في الصلاة) هذه هي الرواية الصحيحة خلافاً لما يشيع على ألسنة كثير من الناس: (حُبب إلي من دنياكم ثلاث: النساء والطيب وقرة عيني في الصلاة)، فهل الصلاة من أمور الدنيا؟ ليست الصلاة من الدنيا، فهي من أكبر وظائف الدين، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: وكان النبي ﷺ يقول: (حُبّب إلي من دنياكم: النساء والطيب، ثم يقول: وجعلت قرة عيني في الصلاة) ولم يقل: (حبب إلي من دنياكم ثلاث) كما يرفعه بعض الناس، بل هكذا رواه الإمام أحمد والنسائي: أن المحبب إليه من الدنيا: النساء والطيب، وأما قرة العين فتحصل بحصول المطلوب، وذلك في الصلاة. وعن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: (كنت أطيب النبي ﷺ بأطيب ما يجد، حتى أجد وبيص الطيب في رأسه ولحيته) رواه البخاري، والوبيص هو: البريق واللمعان، وترجم الإمام ابن حجر ﵀: باب الطيب في اللحية والرأس -بالنسبة للرجل- ثم نقل عن الإمام ابن بطال قوله: يؤخذ منه: أن طيب الرجال لا يجعل في الوجه، بخلاف طيب النساء؛ لأنهن يطيبن وجوههن، ويتزينّ بذلك بخلاف الرجال، فإن تطيب الرجل في وجهه لا يشرع؛ لمنعه من التشبه بالنساء. انتهى كلام الإمام ابن بطال. فمفهوم هذا الحديث: أن طيب الرجل يكون في اللحية والرأس، ولا يكون في الوجه؛ فإن هذا من شأن النساء.

стр. 40

استحباب اتخاذ الشعر وقد أشرنا إليه، لكن نمرّ عليه مراً سريعاً، وسبق أن قلنا: إن سلخ الإنسان لشعره أفضل من إزالته، يقول أبو إسحاق سُئل أبو عبد الله عن الرجل يتخذ الشعر- يمكن أن تقول: الشَّعْر أو الشَّعَر بتسكين العين وفتحها- فقال: سنّة حسنة، لو أمكننا اتخذناه. فهو يشير إلى أن الإنسان عندما يتخذ شعراً فينبغي له أن يعتني به ولا يهمله. وقال الإمام أحمد: كان للنبي ﷺ جمّة. وقال: تسعة من أصحاب النبي ﷺ لهم شعر. وقال: عشرة لهم جُمم. وقال: في بعض الحديث: أن شعر النبي ﷺ كان إلى شحمة أذنيه، وفي بعض الحديث: إلى منكبيه. وروى البراء بن عازب ﵁ قال: (ما رأيت ذا لمة في حلة حمراء أحسن من رسول الله ﷺ ، له شعر يضرب منكبيه) متفق عليه. وعن أنس ﵁ قال (كان شعر رسول الله ﷺ إلى نصف أذنيه) وفي رواية: (إلى أنصاف أذنيه). وعن عائشة ﵂ قالت: (كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد، وكان له شعر فوق الجمّة ودون الوفرة)، والجمة: الشعر النازل إلى المنكبين, والوفرة: ما بلغ شحمة الأذن، فالمقصود: أن الشعر يكون فوق الجمة وأقل من الوفرة، ويستحب أن يكون شعر الإنسان على صفة شعر النبي ﵌، فإذا طال يكون إلى منكبيه، وإن قصر فإلى شحمة أذنيه، وإن طوّله فلا بأس، وعثمان ﵁ كان له عقيصتان. قال الإمام ابن مفلح ﵀: ولا بأس أن يجعله ذؤابة. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
следующие страницы →