← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 37000

محو الأمية التربوية

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (435 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

عادة مص الأصابع عند الأطفال السؤال كيف يمكن منع الطفل من إدمان عادة مص الأصابع؟ الجواب المشكلة في الحقيقة تكثر عند بعض الأسر في بعض أطفالهم، فنلقي الضوء عليها في دقائق معدودة. أولا: ً بالنسبة لعادة مص الأصابع عند الأطفال تكون في فترة معينة سلوكاً عادياً ينبغي تقبله، لكن هذه العادة تنتهي ما بين ١٨ - ٢٤ شهراً في الوضع الطبيعي العادي، أي: إلى سنة ونصف أو إلى سنتين، وقد لا تختفي تماماً إلا عند ثلاث سنوات. وإذا استمر الطفل في مص إصبعه بعد السنة الرابعة ولكن عند اقتراب وقت النوم فهذه ليست مشكلة ولا تستدعي القلق على الإطلاق. مما ينبغي أن ندركه أن موضوع مص الأصابع بالنسبة للأطفال علاجه ينبني على معرفة السبب؛ لأن بعض الأطفال يمص أصابعه بطريقة تنتهي بتشويه الإصبع، فالعلاج أساسه هو معرفة سبب هذه العادة، وبالتالي إذا عرفنا السبب نزيله دون اضطراب أو قلق. أحد الأسباب لوجود هذه الظاهرة عند الطفل هو سلوك الوالدين، وظروف البيئة المحيطة بالطفل، وسلوك الوالدين يشمل سلوكهما مع أشقائه، وسلوكهما مع الطفل نفسه، كأن يحصل تمييز بين الأولاد والبنات، بحيث يفضل الولد على البنت، فتبدأ البنت تبالغ في مص الإصبع نتيجة التوتر الذي تعانيه، فسلوك الأبوين أو ظروف البيئة تكون هي السبب في هذا الأمر. لكن لا بد أن نفهم أن مص الطفل لأصابعه هي وسيلة لتخفيف حالة توتر يعيشه، فقد يكون عنده نوع من التوتر والقلق، ولجوءه لمص الأصابع هو وسيلة ليخفف حالة التوتر التي يعيشها إما مؤقتاً أو دائماً. ويوجد شيء يشبهه عند الكبار وهو السجائر، فبعض الناس إذا تضايق فزع إلى السجائر حتى يذهب التوتر الذي عنده، أو يكون لتخفيف حالة إحباط، يعني: هذا الطفل يشعر أنه لا يستطيع أن يحقق ما يريده، فيمكن أن يحصل له إحباط، فيبدأ يفزع إلى هذه العادة، أو يكون بسبب الغيرة؛ كأن يكون له أخ جديد أو أخت جديدة فينصرف عنه الاهتمام، ويصير الطفل المولود الجديد هو بؤرة الاهتمام، فيبدأ يفزع إلى هذه العادة، أو يمكن أن يكون بسبب التعب أو شعور الطفل بالوحدة فيلجئه إلى هذا الشيء. كيف نتعامل مع هذه الحالة؟ أهم شيء أن نتجنب مسالك معينة يسلكها الآباء أو المربون، أولها: التوبيخ، فيجب أن يتجنب توبيخه بكثرة على هذه العادة؛ لأن ذلك غير مجدٍ، بل يزيد الحالة سوءاً. كذلك من الخطأ أننا كلما رأيناه يضع إصبعه في فمه نشد يده، ونبعد إصبعه عن فمه، هذا علاج غير صحيح، أو بعض الناس يلفون يدي الطفل بشاش، أو يلبسونه قفازاً، أو يربطون يديه، وللأسف هناك سلوكيات أخرى وحشية، فبعض الناس يضعون على إصبعه مادة مقززة كالفلفل أو الشطة أو الصَّبِر المر جداً، وهذا سلوك غير صحيح، فعملية التوبيخ أو إبعاد الإصبع عن الفم أو ربطها أو وضع قفاز أو مادة منفرة عليها؛ كل هذه الأشياء تدفعه إلى الاستمرار، وتزيد شعوره بالإحباط. كذلك من الوسائل التي ينبغي سلوكها في هذه الحالة: أن يوفَّر لهذا الطفل نشاط حر محبب إلى نفسه، يعني: اشغله بنشاط حر هو يحبه، كنوع معين من الألعاب أو الترفيه؛ لأن هذا النشاط الحر سوف يمتص طاقته، أو تمكنه من مخالطة أطفال آخرين مثله حتى تنمو شخصيته. كذلك ينبغي ألا يظهر المربي القلق الشديد أمام الطفل بسبب هذا الموضوع، وكلما حضر عنده ضيف حكى قصته، فيقوم هذا الضيف بالتعليق، فالطفل يشعر عندها بأنه ينظر إليه نظرة توبيخية، فالإنسان لا يظهر القلق الشديد بسبب هذا الموضوع أمام الطفل؛ لأنك إذا أشعرته بالقلق والتوتر فسوف يزيد من هذه العادة ولن يتوقف! والطفل عامة كلما زادت ثقته بنفسه وشعر بالاطمئنان قل عدد مرات مص الأصابع. ومن السلوكيات الخاطئة مقارنته بغيره: سواء أكان هذا الغير أصدقاءه أو زملاءه أو إخوانه كأن يقال له: كل إخوانك جيدون، ولا أحد منهم يعمل هذا العمل، لماذا أنت فقط تمص أصابعك؟! إلى آخره، فهذه المقارنة سلوك غير صحيح؛ لأنها تسبب إحباطاً، بينما أنت قصدك الخير عندما تقول له: إخوانك جيدون فكن جيداً مثلهم، لكن هذا يسبب له إحباطاً، فالصحيح أن يبرز للطفل الجوانب المشرقة في شخصيته، يعني: كل واحد يختصه الله بشيء دون الآخر، ففلان اختصه الله بكذا، فتأتي للصفة الجيدة، وتدعم هذا الطفل وتشيد بها؛ حتى تدعم ثقته بنفسه. كذلك النقد المستمر والمتواصل -وبالذات إذا اقترن بعبارات التحقير- هذا سلوك خطير، يعني: أنت عندما تتعامل مع الطفل فإنك لا تتعامل مع ندٍّ لك، وذكرت من قبل أن رجلاً ألف كتاباً مفيداً جداً اسمه: (طفلك ليس أنت)، مع العلم أن هذا الرجل ليس مسلماً، فمشكلة كثير من الآباء أنه عندما يتعامل مع الطفل يتصور أنه عنده نفس العقل والتجارب والخبرات والمقاييس، فعندما يأتي يضربه يضربه بعنف شديد، وكأنه أمام شخص مكافئ له، وحتى الضرب تكلمنا بالتفصيل عنه قبل هذا، وبينا أنه لا يكون إلا بشروط منها: ألا تضرب الطفل وأنت تريد أن تتشفى منه؛ لأن هذا من الظلم، أن تأتي إلى طفل صغير فتضربه هذا الضرب الوحشي، كما يحصل أحياناً من بعض الناس، فهذا الفعل يدل على وجود خلل في تفكير هذا الرجل الذي يتشفى، فهو يخرج شحنة الغضب عن طريق الضرب، ولا يهدأ حتى يشفي صدره تماماً من غلِّه من هذا الطفل، طبعاً هذا السلوك من الجاهلية -في الحقيقة- وليس من الإسلام. الشاهد: لا تتعامل معه كأنه مثلك تماماً، بل انظر إليه كما كان ينظر إليك أبوك أو أمك وأنت في تلك السن، فأنت في تلك السن لم تكن تفهم أن هذا الشيء غلط. إذاً: لا بد من تجنب النقد المستمر والتحقير، وكل العبارات العامة التي فيها حكم بالإعدام للشخصية، كأن تقول: أنت لست نافعاً لا أمل فيك ستظل طوال عمرك غبياً إلى آخر هذه العبارات، أو كما نسمع أشياء عجيبة عن بعض المدرسين الذين ليس لهم مكان في التربية على الإطلاق، فيقول بعضهم لبعض تلاميذه: (لما تفلح تعال قابلني) إلى آخر هذه العبارات الفظيعة. فكونك تصدر حكماً عاماً على الطفل هذه إساءة شديدة له، وتُوجد عنده شعوراً بالمرارة والعجز وعدم الكفاءة. وكذلك ينبغي أن تحمي الطفل من سخرية أقرانه الآخرين، بحيث لا يهزءون به بسبب هذه العادة، لأن هذه السخرية سوف تعمِّق العادة عنده أكثر فأكثر. يمكن كذلك أن تطلب من الطفل أن يساعدك في عمل شيء معين، ويكون هذا الشيء محتاجاً إلى أن يستعمل يديه كلتيهما، فتحاول أن تلهيه عن عادة المص بأن تشغل يديه، أو تحضر له ألعاباً معينة لا تعمل إلا باليدين. كذلك يفضل أن يهمل هذا الموضوع، ولا يتكلم فيه أمامه، ولا ينبه إلى شيء يذكره بإصعبه، ومع ذلك فيمكن للإنسان -بصورة عرضية عابرة- أن يذكره بلطف: أنه سوف يكبر، ويُقلع عن هذه العادة، ولا يلفت نظره إليها ليزيد من انتباهه نحوها. من أهم الأسباب التي تلجئ الطفل إلى مص الأصابع بعد السن المذكورة -التي تصل إلى خمس أو ست سنوات- شعوره بالحرمان العاطفي، فيحتاج عندها إلى جرعة زائدة من حب وحنان الأبوين، والطفل بطبيعته يكتشف إذا كان محبوباً أم لا، أو كان مرغوباً فيه أم لا، ويعرف من يحبه ومن يتظاهر أنه يحبه، فلا بد أن يؤمن شعور الطفل بالحب والأمان، وقد ذكرنا من قبل أنه ليس من الحكمة أبداً أن تقول له: إذا فعلت الشيء الفلاني أنا لن أحبك، لكن قل: لن أعطيك المصروف، هذا عقاب لكن لا تهدده بالحب، ولا تجعل الحب موضوع تهديد، بل لا بد أن تقول: أنا أحبك، لكن لا أحب التصرفات الفلانية، أو لو عمل الشيء الفلاني فلا تهدده بأنك لن تحبه إذا فعل كذا، لا بد أن يؤمن له الشعور بالحب والشعور بالأمان، بعض الناس طفله لا يريد أن يصعد في (المصعد الكهربائي) فيقول له: هل ستأتي أم أذهب وأقفل عليك الباب؟ هذا خطر، فهذا يفقده الشعور بالأمان، أو إذا أخذه معه إلى السوق أو إلى محل معين فقام الطفل بتصرف غير مرغوب، فيقول: إذا لم تسمع كلامي سأتركك هنا وأذهب، وهذا خطأ كبير؛ لأنك هكذا ستهدد شعوره بالأمان، فهو سيتسائل: لو تركني وحدي ماذا أفعل؟ لكن ممكن تقول له: إذا لم تترك هذا السلوك سنلغي هذه الفسحة ونعود إلى البيت، فهكذا لم تهدد شعوره بالأمان، وفي نفس الوقت تزجره عن التمادي في هذا السلوك. أحياناً يقوم الأب أو الأم بالحديث عن الأزمة المادية والفقر والديون والهموم أمام الطفل، بينما ينبغي أن يعزل الطفل عن الشعور بالهم مبكراً بقدر المستطاع؛ لأن هذا يمثل عبئاً عليه، وكذلك معايشة المشاكل والصراعات بين الأبوين والتي تهدد بقاءه في الأسرة إلى آخر هذه الأشياء، إذا شهد الطفل مثل هذه الصراعات فإن ذلك يهدد شعوره بالأمان، وهذه طبعاً لها عواقبها الوخيمة فيما بعد. فلا بد أن يشعر الطفل أنه محبوب ومرغوب فيه، وأن الذين حوله يحبونه، هذا أمر مهم جداً، وسبق أن قلت من قبل: إن الرضاعة ليس المقصود منها أن يغذى بدن الطفل فقط، لكن حكمة الله اقتضت أن الرضاعة الطبيعية تتم بطريقة فيها جرعة من الحنان بجانب جرعة الطعام الذي ينشأ عليه، فنفسه تحتاج إلى الحنان، والمفروض على الأم أن تضمه إليها عند الرضاعة، ولا تأتي إليه وهو يبكي وتعطيه ثديها فقط؛ لأنه حينها سيشعر بأنه قد أخطأ عندما بكى، وهذا نوع من الحرمان من وجبة الحنان التي كان يأخذها كل فترة أو كل مرة يرضع فيها. الطفل لا بد أن يشعر أن الذين حوله يرغبون فيه ويحبونه، فلا تأتي الأم -كما يحصل من بعض الأمهات الجاهلات- وتقول: حاولت بكل الطرق والوسائل إجهاض هذا الطفل والتخلص منه، لكن جاء غصباً عني، فماذا يكون شعور الطفل إذا علم أنه غير مرغوب فيه؟! هل يكون عنده إدراك ويعرف أن هؤلاء الأبناء رزق من عند الله، وأنه هو الذي خلقهم؟ لن يفهم ذلك، بل سيفهم أنه فرض عليهم فرضاً، وأنهم غير راغبين فيه، حتى لو جدلاً وجد هذا الشعور السيئ فلا ينبغي إظهاره أبداً، بل بالعكس يجب أن يؤمن الطفل، فإذا وفرت جرعة الحنان الكافية طبعاً هذا سيؤثر في استقراره فيما بعد، وفي عافيته من الآفات النفسية والسلوكية، ويوفر كثيراً من العناء.

стр. 107

كيفية التعامل مع نوبات الغضب عند الطفل في سنواته الأولى السؤال ما هي أسباب حصول نوبات من الغضب عند الطفل؟ وكيف يتم التعامل معها؟ الجواب الموضوع الذي نتكلم عنه، وهو: ما يسمى بنوبات الغضب، وبالذات في السن التي هي بين سنة إلى سنة ونصف تقريباً، هذه النوبات تكون ناتجة عن أن الطفل يريد شيئاً معيناً، فإذا لم يحقق له هذا الشيء يصرخ ويرمي بنفسه على الأرض، ويغضب وتستمر هذه النوبة مدة معينة، فمن المظاهر الشائعة عند الأطفال في هذه السن -ما بين سنة إلى سنة ونصف أو ما بعد ذلك- نوبات الغضب، وهذه النوبات ليس شرطاً أن الطفل الصغير يستطيع أن يتحكم بها، حتى إن طفلاً يقول لأمه: يا أمي! أنا حينما أظل أبكي وأصرخ، أريد أن أوقف بكائي لكن لا أستطيع، فهذه النوبات شيء طبيعي وعام عند جميع الأطفال في هذه السن، ولا تعتبر ذات صفة مرضية إلا إذا كانت عنيفة متكررة بشكل زائد، يعني: معدلها كبير وشديد، وتمتد فترة طويلة نسبياً، في هذه الحالة فقط تعتبر غير طبيعية، لكن في فترة السنة والسنة ونصف يمكن أن تكون نوبات الغضب شيئاً طبيعياً في بداية هذه المرحلة؛ بسبب ظروف تتعلق بشخصية الطفل من ناحية، وتتعلق بعلاقته بالأبوين من ناحية أخرى، فأما ما يتعلق بالطفل فإن هناك ظروفاً تدفعه إلى هذا السلوك الذي نعده في الأصل طبيعياً، حيث تدفع الطفل في هذه المرحلة دوافع بدائية قوية، وأقول: بدائية لأنه لم يتعلم بعد كيف يتحكم بهذه الدوافع، وبالتالي تزداد حساسيته لأي شيء يعوقه عن إشباع حاجاته ورغباته التي يرغب فيها، فنجد أبسط المواقف يمكن أن تثير لدى الطفل نوبات الغضب، فطفل السنتين -مثلاً- الذي يعجز عن الوصول إلى رف مرتفع قليلاً، والذي يوجد عليه الحلوى أو الأشياء التي يحبها، وفي نفس الوقت لا يستطيع أن يعبر عن احتياجاته في كلمات، أو أمه لا تدرك بالضبط ماذا يريد، فمثل هذا الطفل يواجه موقفاً لا قِبَلَ له بتحمله، فهو كل شيء يريده لابد أن يتحقق، وهو لا يستطيع أن يعبر عن حاجته بالكلام، أو الذين حوله لا يفهمون ماذا يريد، لكن أحسَّ بالعجز عن إشباع إحدى هذه الحاجات. فمثل هذا الطفل لا يكون قادراً على ضبط انفعالاته، فلذلك تجد الاستجابة المباشرة لمثل هذا الموقف هي نوبة من الغضب الشديد، والأمثلة كثيرة ومتكررة بين الأطفال في هذه السن، وقد يكون هذا الشيء تافهاً بالنسبة للكبير وعقليته ونضجه، لكن الطفل لا ينظر له على أنه تافه، فمثلاً: الأكل الذي يقدم له هو يريد أن يكون أول واحد يوضع له الأكل، فلابد أن يكون هو أول واحد يأكل هذا الطعام، فإذا وضع الطعام لشخص آخر يرمي بنفسه على الأرض ويصرخ ويبكي إلى آخره، أو مثلاً: يريد هو أن يتناول الطعام بنفسه ولا يريد أن يساعده أحد، أو يريد أن يفتح الباب بنفسه، فالوالدان إذا لم يتفهما حقيقة مشاعر الطفل في هذه المواقف فقد يزيدان الطين بلة، يعني: يساعدان في تدعيم هذه المشكلة إذا لم يتفهما الأسباب التي تدفع الطفل إلى هذه الأفعال. وفي الحقيقة مهما حاول الأبوان أن يتفهما الظروف التي تعرض الطفل للضيق، ومهما حاولا أن يساعداه على الاستقلال، أو القيام بأعمال جديدة، ومهما ساعداه على أن يعبر عن رغباته، لكن في الواقع يصعب عليهما أن يتقبلا منه الغضب والعدوانية، حينئذ يواجهان بواجب تربوي هام، وهو كيف يمكن تحويل هذه المشاعر العدوانية من الطفل إلى قنوات أكثر تقبلاً؟ وكيف يساعدانه على ضبط نفسه؟ هنا أمور لا بد من الانتباه الشديد إليها: أولها: أن العقاب قد يؤدي إلى عكس المطلوب، وبالذات العقاب البدني في مثل هذه الحالة قد يزيد المشكلة، ولا يحلها، فمحاولات إسكات الطفل في أثناء النوبة لا جدوى منها؛ لأنها عبارة عن نوبة مثل نوبة المصدوع، فتستمر هذه الثورة إلى أن تأخذ وقتها، فلابد لك أيها الوالد أن تستسلم له، فالشدة والعنف لا يفيدان على الإطلاق في مثل هذه الحالة، بل يؤديان إلى عكس المطلوب، والشدة معه في أثناء النوبة تجعل مدتها تطول أكثر؛ لأن الطفل أثناء هذه النوبة ليس عنده أي استعداد للاقتناع، بل ليس عنده استعداد للاستماع لوجهة نظر أو نصيحة أو تهديد، فلا يمكن أن يفيد العقاب أو التهديد أو العنف في أثناء النوبة!! أيضاً إذا صرخت في وجه الطفل أو ضربته لإسكاته، فإن العنف والضرب يزيد من سوء الحالة، وستطول مدة النوبة، ويكون الطفل غير مستعد لأن يسمع نصائح ولا نقداً ولا أي شيء، هو دخل فيها فلابد أن يكملها. بعض الناس قد يصرخ في الطفل، أو يشتد عليه لغرض أن يسكت، وهذا ليس فقط لا يفيد، لكنه يأتي بضرر إضافي، حيث إنه يجعل من الوالدين قدوة سيئة سيتعلم منهما الطفل عكس المطلوب، فالشدة والعنف مع الطفل تأتي بعكس المطلوب؛ لأننا قلنا: ليس هناك حصة اسمها التربية، فالطفل يتعلم الذي يراه طريقة الكلام طريقة الأكل طريقة التعامل مع الآخرين طريقة الرد على الهاتف طريقة التفاعل مع الأحداث، فهو ينظر إلى فعلك ويفعل مثلك، حتى الصلاة يتعلمها بالتقليد والمحاكاة، فالأب والأم هما أسوة وقدوة، وأي خلل في سلوكهما ينغرس في الطفل! وأذكر طفلاً كان في أثناء النوم يصرخ ويبكي ويقول: رأيت أسداً ضخماً جداً مثل الذي رأيته في حديقة الحيوانات، والأسد هذا فتح فمه وأسنانه ظاهرة ويريد أن يأكلني!! فقال له والده: كيف عرفت أن صوته مثل صوت الأسد الحقيقي؟ قال: لأن صوته مثل صوتك يا بابا لما تصرخ، فانظر كيف ترجم عملية الانفعال أمامه، فأنت تعطيه القدوة في كيفية التصرف إذا غضب، فهو يعلم أن الحل أنه يصرخ ويشتد ويغلط؛ لأنه يتعلم نفس السلوك من القدوة. فإذاً: مواجهة نوبة الغضب بنفس الأسلوب من العنف والشتيمة والتهديد هذا لن يأتي بفائدة تذكر، فالطفل يكون غير مستعد لأن يسمع أي شيء يحجزه عن هذا السلوك، وفي نفس الوقت يعطيه نموذجاً للقدوة السيئة التي يتطبع بها ويتقمصها. كذلك: لا يجب فرض القيود الكثيرة على حركة الطفل وتصرفاته وانفعالاته، يعني: أعطه شيئاً من الحرية والانطلاق، بعيداً عن الكبت والتقييد والتعليمات المشددة في كل شيء. كذلك: وجود التنافس بين الإخوة، وتفضيل بعض الأولاد على بعض، فهذه الظروف المنزلية تتسبب في أن يعاق الطفل عن إشباع احتياجاته الأساسية، وعدم إشباع هذه الأساسيات يؤدي إلى حالة توتر، وحالة التوتر تؤدي إلى وقوع نوبات الغضب التي تحدثنا عنها. إذاً: كيف يكون التصرف دون ضرب ولا شتم ولا كذا وكذا؟ في هذه الحالة الكبار لا بد أن يواجهوا نوبات الغضب، بأن يظلوا هادئين بقدر الإمكان، لا تغضب أنت أيضاً وتزيد المشكلة، الأب لابد أن يكون هادئاً جداً بقدر ما يستطيع، ويقترب من الطفل ويتحدث إليه بصوت رقيق هادئ جداً -لأن هذا الصوت يمكن أن يكون له أثر في تهدئة هذا الطفل- ثم يحمل الطفل بحزم وحنان معاً حتى لو كان يقاوم ويرفس بيديه ورجليه، فيمكن أن يحمل بحزم، بحيث تقيد حركة يديه، وفي نفس الوقت يمكن أن ينقل إلى حجرة أخرى ويوضع فيها، يبقى هناك حتى تنتهي نوبة الغضب؛ لأنه قد تكون نظرات من هم السبب في أن يتمادى؛ لأنه يريد أن يثبت الاحتجاج، لكن لو أنهم تظاهروا بأنهم لم يلاحظوا أنه وقع فإنه سيسكت، أما إذا لاحظ اهتمامهم فإنه يتمادى في البكاء. يمكن أن ينقل إلى حجرة أخرى ويبقى فيها حتى تنتهي هذه النوبة، لكن لا بد أن يفهم أن هذا الإجراء ليس عقاباً، لا تقل له: سأحبسك في الغرفة، بل خذه -بعدما تكلمه بهدوء- إلى غرفة أخرى، لكن ليس على سبيل العقاب. ولو تساءلت: لماذا يجب علي أن أتبع معه هذا الإجراء؟ فأجيبك ببساطة: لأنه لا يوجد شيء آخر تقدر على فعله، ولا يوجد حل آخر غير أنك تأخذه إلى حجرة أخرى يبقى فيها حتى تنتهي هذه النوبة. فإذاً: نوبات الغضب لا يصح أن تواجه بغضب مماثل ولا تواجه بعقاب. أيضاً: هناك أمر مهم جداً، وهو: أنه لا يسمح للطفل أبداً بأن يحصل على أي مطلب عن طريق نوبات الغضب، لابد أن يفهم أن هذه النوبات لا تكون إنجازاً، وليست ميزة له، يعني: حين بكى وعمل ضجة، وحصل على ما يريد، فإن ذلك سيجعله يتمادى في هذه الأشياء، فلابد أن نحسسه أن هذا الفعل لا يؤدي إلى حصوله على ما يريد، وأنه لو أراد شيئاً فإن عليه أن يطلبه بهدوء وأدب، وعندها يمكن أن يحصل على ذلك الشيء، فضروري جداً ألا يحصل على أي مطالب عن طريق نوبات الغضب، فالنوبات التي تكون قابلة للعلاج بسرعة هي النوبات التي تمر دون مكافأة إلى أن تزول تدريجياً. فالمهم أن يطيل الآباء صبرهم، وإن شاء الله يصلون في النهاية إلى نتيجة محققة وكما قلنا: هذه فترة وستمر بسلام. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين.

стр. 108

أطفالنا والصلاة لما كانت الصلاة عماد الدين حث الشرع على أن يتعلمها الأطفال منذ صغرهم، بل يضربوا عليها وهم لم يبلغوا بعد سن التكليف، وهو آخر أسلوب يستخدم معهم كي يصلوا، وإنما يستخدم للتوجيه والتربية لا من أجل الانتقام والعقاب. ولكن قبل العقاب هناك التعليم عن طريق التوجيه بالقدوة الحسنة من الوالدين، والترغيب في الصلاة بالثواب عليها والتشجيع، فيتحرى الأب أن يغرس في الطفل معانيها الجميلة، ويربط المسجد والصلاة بكل ما يحبه الطفل ويهواه.

стр. 109

طرق وأساليب تربية الأطفال على الصلاة

стр. 110

برمجة حياة الطفل ومواعيده بأوقات الصلاة وربطها بما يحبه كذلك على الأب أن يقرن الأمور المحببة بالصلاة حتى يتعود الطفل ويبرمج حياته على مواعيد الصلاة، مثلاً: بعد صلاة العصر نزهة، أو يشتري له هدية أو لعبة يحبها، فلا تقول له مثلا: ً الساعة السادسة سآخذك وسأعمل كذا، إنما تقول له: بعدما نصلي العصر أو بعدما نصلي المغرب سنعمل كذا، اربط -دائماً- وحدد المواعيد، واضبطها بالصلاة لكي تكون جزءاً أساسياً في الجدول اليومي بالنسبة إليه؛ لأنه إذا عرف أنه بعد الصلاة سيخرج يتنزه فسيتحفز لذلك ويستعد للصلاة في وقتها لاقترانها بأمر محبوب لديه. كذلك يرتب جميع مواعيده مع أولاده بأوقات الصلاة؛ فيتعلمون تنظيم الوقت بناء على أوقات الصلاة. كذلك يذكرهم بين الحين والحين بفضائل الصلاة من القرآن الكريم والسنة الشريفة؛ حتى يكتمل تصورهم الفكري عن الصلاة ومنزلتها في الدين. يعود الصبي خاصة بعد سن العاشرة على أداء السنن الرواتب مع الصلوات المفروضة، ويحرص على قيام الليل ولو جزءاً يسيراً، فيعلن الأب لأولاده أنه سيقوم ليصلي في الليل وقت كذا وكذا، ثم يتركهم يتنافسون في الاستيقاظ في ذلك الوقت، دون أن يوقظهم الأب لتقوى إرادتهم ويعتادوا من قبل أنفسهم، ويخفف بهم في الصلاة، ومن نعس منهم أمره بالنوم رفقاً به.

стр. 111

متابعة انتظام الطفل في الصلاة وتشجيعه كذلك ينبغي متابعته في مدى انتظامه للصلاة، وتكرار الأمر بها دون ملل، فإذا شغل الأب أو غاب وكّل من يقوم بمتابعته. مثاله: لو أن الطفل له لعبة محببة إليه جداً وتريد أن تأمره بالصلاة، فكيف تأمره؟! قل له: صل لكي تلعب. وعلى كل حال: في هذه الحالة لو شددته من اللعب إلى الصلاة فقد يشعر أنه حرم مما كان يفضله، أو ربما يعاندك، وهو لا يعاندك لأنه لا يريد أن يصلي، لكن لأنه يتمتع باللعب، فالحل في هذه الحالة أن تعمل حسابك قبل موعد الصلاة بعشر دقائق، وتخبره بأن الصلاة ما بقي على وقتها إلا عشر دقائق. فأنت لا تحرمه من اللعب أو تقطعه عن اللعب إلى الصلاة، لكن تأتي إليه قبل موعد الصلاة، وتقول له: بقي على الأذان ربع ساعة أو عشر دقائق؛ أي: فاللعب في هذه الفترة حتى إذا سمعنا الأذان فعليك أن تقوم وتتوضأ وتصلي، فنراعي مثل هذه الأمور. فإذا شغل الأب أو غاب لأي سبب من الأسباب فإنه يوكل من يقوم بمتابعته من الذين في المنزل ويأمرون الطفل بالصلاة خلال فترة غيابه أو شغله، روي عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: (حافظوا على أبنائكم في الصلاة، وعودوهم الخير، فإن الخير عادة)، الحل هو التربية بالعادة، ولا نبخل بمكافئته أحياناً لانتظامه في الصلاة، لكن لا يواظب على ذلك حتى لا نعلمه على أن التعامل تعامل مادي حتى في العبادة، بل نربطه بالثواب له من عند الله . وأيضاً المديح له والثناء والتشجيع من الأبوين مثلاً، فلا بأس بمكافئته أحياناً لانتظامه في الصلاة، وإذا حصل منه خطأ فقل له: كنت سوف أحاسبك على هذا الخطأ، لكن لأنك تحافظ على الصلاة فسوف أعفو عنك هذه المرة. هذا نوع أيضاً من المكافئة. على كل الأحوال بالنسبة للمكافئات المادية لا يواظب المربي على ذلك، وفي نفس الوقت إذا أعطى هدية مادية من وقت إلى آخر ينوعها.

стр. 112

التساهل مع الطفل في شروط الصلاة كذلك لا يشتد الأب مع الطفل قبل سن التمييز في أمر الطهارة للصلاة وستر العورة، بمعنى: ممكن أن الطفل يأتي إلى الصلاة حتى في سن السابعة أو فما فوق وهو مقصر في بعض أركان وشروط الصلاة خصوصاً في ستر العورة؛ لأن صلاته تصح، ومعلوم حديث الصبي الذي كان يصلي بالناس، فاشتكى النساء وقلن: استروا عنا عورة صاحبكم. فقد كان أثناء الصلاة ينكشف منه شيء، فالشاهد أن صلاته كانت صحيحة. فإذاً: لا بأس بالتساهل في تحصيل شروط الصلاة في مراحل التدريب الأولى، كأن يسجد في أي الأحوال أو في أي الأوضاع، فهذا فيه نوع من التدريب، يعني: لا تتشدد معه قبل سن التمييز في أمر الطهارة للصلاة وستر العورة، بل اتركه يقلدك كيفما كان، ولا تكفه عن التقليد؛ لأن زجره في هذه السن وهو غير مكلف ينفره من الصلاة.

стр. 113

عدم تصيد الأخطاء للطفل الذي يواظب على الصلاة الأمر الآخر: الطفل الذي يصلي لا نتصيد له الأخطاء، وكلما غلط غلطاً تقول له: أنت تصلي وتعمل كذا، أو: أنت تصلي ولا تسمع كلام أمك إلى آخره. هذا سوف يكرهه في الصلاة، وسيحتسب الصلاة عبئاً شديداً عليه فينفر منها، والنبي ﷺ يقول: (إن منكم لمنفرين، بشروا ولا تنفروا). فبالعكس نتغاضى عن أخطائه؛ لأنه من حقه أن يخطئ في هذا السن، ويتعلم من التجربة والخطأ، ويمكن تحويل العبارة بطريقة أكثر إيجابية، واستبدال هذا التوبيخ المباشر الذي قد يشعره بأن الصلاة عبء عليه، وأنه إذا تخلص من الصلاة سوف يتخلص من كل هذا التوبيخ؛ لأن الذي لا يصلي لا يعاتب. وهذا يحدث أيضاً مع البنات في موضوع الحجاب فيقولون لها: أنت محجبة وتفعلين كذا. والصحيح أن يقال لها: أنت محجبة ومؤدبة ومهذبة، والذي يليق بك أن تفعلي كذا وكذا، بدون إظهار النقد الهدام.

стр. 114

تهيئة الطفل لاستقبال الصلاة بعد سن السابعة هناك مناسبة: وهي بلوغ الطفل سن السابعة من العمر في التقويم الهجري، وهنا يجب على الأب أن يأمره بالصلاة، لقول النبي ﷺ : (مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين)، وأيضاً يأمره بتحصيل شروطها كالطهارة وستر العورة. مع العلم أن التدريب المبكر على الصلاة بلطف وبرفق مع الاستمرار يجعل الصلاة في حياة هذا الطفل جزءاً من كيانه لا يمكن أن ينفصل عنه أبداً، فإذا أحكمنا غرس الشعور بأن الصلاة جزء من شخصيته وهويته وكيانه؛ كان هذا أدعى إلى أن يتمسك بها حينما تجب عليه ولا يضيعها. وعند إكمال سن السابعة لا ينبغي أن يمر هذا التاريخ مروراً عابراً، ونحن وإن كنا ضد الاحتفال بعيد الميلاد؛ لأن هذه بدعة ليس لها علاقة بالإسلام، لكن سن السابعة نحن لا نسميه عيد ميلاد، لأن سن السابعة له مناسبة شرعية مهمة جداً، وهي أنه سوف يبدأ بأمره بالصلاة، فيجب على الأب أن يأمره بالصلاة، وهي غير واجبة على الطفل، فبالتالي يجب أن يسلط الضوء على هذا التاريخ، ويعد للطفل مقدمات؛ كأن يقول له: بقي لك أربعة أشهر وتبدأ تصلي مثل الكبار، فتضع له في الكلام شيئاً مغرياً، وأن أملاً كبيراً سيتحقق، وأن فلاناً إذا أكمل السابعة سيحافظ على الصلاة باستمرار ويواظب عليها. فالمطلوب تعميق هذا الحدث الهام، لأننا نريده أن يعلم أن ما قبله مفصول عما بعده، وأنه الآن يستقبل مرحلة جديدة؛ فلابد أن يهيئ نفسه لها مسبقاً، ولكن ليس على أنها مسئولية ستلقى على كتفه وعبء عليه، ولكن لأنه سيكبر، فتقول له: كم سنك الآن؟ فيقول لك: ست سنوات! فتقول: عندما تبلغ سبعاً ستصبح رجلاً إن شاء الله، فنربطها بشيء يكون له أمل وطموح هو متطلع إليه بلهف. فإذاً: لا ينبغي أن يمر تاريخ إتمامه سن السابعة مروراً عابراً، بل لابد أن يعمق هذا الحدث الهام من خلال إعلامه قبلها بأنه مقبل على أمر عظيم، وهو اقتراب نوعي لأمره بالصلاة، فإذا بلغ السابعة فصلى أول فرض جمع له أبوه بعض أصدقائه وإخوته في حفل صغير ابتهاجاً بهذه المناسبة الطيبة، وكذلك يأتي له والده بمنبه لمواعيد الصلاة، أو تقويم حتى يعرف مواعيد الأذان، أو يأتي بأي نوع من أنواع الهدايا لمثل هذه المناسبة، أو حلوى يحبها، وكل صديق يحضر له هدية بسيطة، فيحس أن المناسبة عظيمة جداً، لا احتفال بعيد ميلاد، لأن هذا تضخيم للأمر العظيم، والمهم الذي هو مقبل عليه، وهو بداية التحول إلى أداء الصلاة، أو مثلاً يقدم له ساعة لكي يعلم بها مواعيد الصلاة.

стр. 115

أسلوب التعليم النظري والعملي للصلاة على الأب أن يعلم ولده الوضوء والطهارة بالشرح النظري، ثم بالتدريب العملي المتكرر، مع تبسيط الأمر بقدر المستطاع، فلا تكثر عليه من الأدعية أو السنن في المراحل الأولى، ولكن بنوع من التبسيط الشديد في العبارة، فيعلمه الوضوء والطهارة بالشرح النظري، ثم بعد ذلك بالتدريب العملي المتكرر، فيمثل نموذجاً للوضوء أمامه ويجعله يكرر ذلك خطوة خطوة كما يفعل هو في الوضوء، ويسمح له بالتطبيق أمامه، فإن أخطأ في عمله علمه ووجهه بلطف وبدون تعنيف، فإذا أتقن الوضوء مدحه واحتضنه وقبله مشعراً إياه برضاه عنه، وهذا نوع من المثوبة المعنوية (المدح بالثناء عليه)، ولا يشترط أن يكون الثواب دائماً بالحلوى والنقود، لكن ممكن بأن يظهر الرضا عنه وتقديره لما صنع بغيرها. كذلك يعلمه فضائل الوضوء ويحفزه على الحرص على تحصيل ثوابه. ويلاحظ أننا نهتم كثيراً بأمور الترهيب مع الطفل، وإن كان ولا بد من الترهيب فيكون الترهيب بصورة عامة دون أن تقول له مثلا: ً إذا لم تصل فسوف تدخل النار، وسوف يعذبك الله بكذا وكذا، لكن قل: من لا يصلي يعاقبه الله؛ لأن الأول كذب، والطفل إذا لم يصل فلن يدخل النار، لأنه غير مكلف، فلينتبه إلى مثل هذا.

стр. 116

أسلوب التربية بالعادة كذلك يتم تعليمه الصلاة منذ السن الباكرة دون توجيه مباشر، بل يكرر الأب صلاة النوافل في المنزل على مشهد من أولاده، وهم سوف يتأثرون بما يرونه أعمق الأثر، إذا رأوا أباهم يمرغ وجهه لله ساجداً، قائماً خاشعاً، قد استغرقته الصلاة وصرفته تماماً عما حوله؛ لأن الطفل مع الوقت يلاحظ ويستنتج أن الذي يدخل في الصلاة لا يجوز أن يكلمه أحد، ولا أن يأكل أو يشرب؛ لأن الصلاة قد استحوذت على كل كيانه. الشاهد: أن الطفل سوف يعلم من هذا المشهد أن أباه متى ما دخل في الصلاة فإنه لن يستجيب له، وكذلك أمه. وكذلك صلاة الأب خاشعاً لله وهذا مما يؤثر فيه أعمق الأثر, ومن شأنه أن يغرس في نفوس الأطفال عظمة الله . وهذه هي التربية بالعادة، فهم يتعرفون على أعمال الصلاة ويحبونها بالعادة. مثلاً: حينما ينام تلقنه بعض أذكار المساء، وحينما يأتي الصباح تلقنه بعض أذكار الصباح، ومن ثمَّ تتحول إلى عادة يواظب عليها، وهذا مما يعينه فيما بعد على الاستقامة على هذه الأمور الشرعية.

стр. 117

الدعاء من وسائل التربية على الصلاة كذلك من الأسباب التي ينبغي أن لا نغفل عنها عند تربية الأطفال على المحافظة على الصلاة: أن يستعين الإنسان بدعاء الله ، وأن يتأسى بإبراهيم ﵇ لما كان يقول في دعائه: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾ [إبراهيم:٤٠]، ينبغي للإنسان أن يلهج بهذا الدعاء في كل مناسبة، ويتحرى أوقات الإجابة؛ لأن الدعاء بلا شك من أنجح وأقوى أسباب حصول المقاصد.

стр. 118

استخدام العقاب في الحث على الصلاة على الأب أو المربي أن يعلم أن العقاب البدني بشروطه هو الوسيلة الأخيرة للتربية، كي لا يتعود عليه الطفل، وبالتالي لا يجدي استعماله فيما بعد، فمسألة العقاب البدني بالنسبة للطفل موضوع شائك للغاية، ويساء فهمه، وبالتالي تطبيقه عند كثير من الناس، وله ضوابط إن شاء الله سنتكلم عنها فيما بعد، وأرجو أن يكون ذلك في أقرب وقت ممكن، ونحاول أن نفرده من بعد ضمن الموضوعات التربوية المهمة؛ لأن دفع المضار مقدم على جلب المنافع، فموضوع الضرب يحصل نتيجة الجهل الواقع في الناس بموضوع التربية، ومن الناس من يتصور أنه إذا لم يضرب أنه من الممكن أن يضيع سُنة ويقع منه تقصير، حيث لم يضرب الأطفال؟! نعم. ليس هناك نزاع على الإطلاق في أهمية وضرورة مبدأ الثواب والعقاب في التربية، أي أن مبدأ الثواب والعقاب مبدأ أساسي مهم، لكن أنواع الثواب أو أنواع العقاب تعتبر مسألة أخرى؛ إذ ليس من شرط العقاب أن يكون بالضرب. والضرب له شروط كثيرة، لكن متى شرع الضرب؟ قال ﵊: (مروا أولادكم بالصلاة لسبع سنين، واضربوهم عليها لعشر سنين)، فإذا كانت الصلاة التي مقامها في الإسلام عالٍ, وشأنها هذا الشأن العظيم، لا يضرب عليها الطفل إلا بعد بلوغ العاشرة، فكيف بغيرها؟ وهل هناك شيء أهم من الصلاة؟ سنرى بعض الآباء القساة الغلاظ القلوب يضربون الأطفال ضرباً مبرحاً على أتفه الأشياء، والشيء الغريب والخطيئة المتكررة في التربية أن كثيراً من المربين لا يتفطن إلى حقيقة هي: أن طفلك ليس أنت، فلا يجعل الإنسان عقله بعقل الطفل، وإلا فإنه إنما يضرب بعنف لأنه خرج الضرب عن كونه نوعاً من أنواع العلاج الضرب شرع بشروط كعلاج، لكن إذا كان سيتحول إلى داء لا دواء فلا داعي له، لأنه له هدف تربوي؛ ولذلك لا يجوز للإنسان أن يضرب وهو غضبان، والشرع الشريف والآداب الشرعية لا تبيح لك ضرب الطفل وأنت غضبان، بل عليك أن تتريث حتى تذهب سورة غضبك, وتقرر الضرب وأنت هادئ؛ لأنك عند الهدوء سيكون الهدف من الضرب هو التقويم والعلاج، لكن في حالة الغضب سيكون الهدف هو إفراغ شحنة الغضب في ضرب الطفل، ولن يتوقف الضرب حتى تهدأ النفس وتخرج شحنة الغضب، فبالتالي ليس هذا هو الضرب المشروع أو المقصود بتربية الطفل. إذاً: فقد خرج إلى كونه وسيلة عقاب وانتقام للنفس وإخراج شحنة الغضب، وليس هناك تكافؤ بين الطفل الصغير والإنسان الضخم كبير العضلات والقوة، لذلك فإن الضرب لابد أن يصدر من الإنسان وهو في غاية الهدوء والاتزان، ثم يقرر أن الضرب في مصلحة، وبالتالي سيكون ضرباً رفيقاً لا كضرب العبيد، كما يحصل من بعض الجفاة. فعلى كل الأحوال قضية الثواب والعقاب لا مناص منها في العملية التربوية؛ لأنها وسيلة من وسائل التربية، لكن معنى العقاب أشمل من أن يكون بالضرب، ووسائل العقاب كثيرة متعددة، كما أن العقاب لابد وأن يكون متناسباً مع حجم الخطأ، فلا يكون عقاباً شديداً على خطأ تافه. كما أنه لابد أن يعرف المربي أن العقاب البدني إنما هو الوسيلة الأخيرة للعقاب، وآخر مرحلة من مراحل العقاب؛ لأن الطفل إذا ما اعتاد أن الأب دائماً يستعمل ضده سلاح الضرب فسوف يفقد هذا السلاح تأثيره، ويفقد الطفل الإحساس بالضرب، ويشعر أن كرامته قد أهدرت منذ زمن، ومن المؤكد أن الضرب عند الناس المتهورين يرتبط بالتحقير والشتم والسب ونحو هذه الألفاظ، والطفل إذا ما تأثر بهذه الأشياء فلن يفيد حينها استعمال الضرب معه فيما بعد وسيفقد تأثيره معه، لكن كلما كان نادراً ومنضبطاً كلما أتى بالتأثير.

стр. 119

تعليم الأطفال الصلاة عن طريق القدوة الحسنة الحمد لله حق حمده، والصلاة والسلام على محمد رسوله وعبده، وعلى آله وصحبه من بعده. ثم أما بعد: فمن أنواع البناء التربوي للأطفال: البناء العبادي، أي: بناؤهم في ناحية العبادة، وأهم العبادة بلا شك هو ركن الصلاة، فالأطفال يعتقدون أن كل ما يفعله الكبار صحيح، ويرون آباءهم أكمل الناس وأفضلهم، ولذلك يحاكونهم ويقتدون بهم، ففي السن المبكرة لا يكتفي الأطفال بمجرد تلقين معلومات لا يكون لها أثر مثلما يكون الأثر عن طريق القدوة العملية؛ لأن الفترات الأولى للطفل يتأثر فيها بالتفكير المادي أو الحسي، فهو يتأثر بالأمور المحسوسة ويعيها جيداً. مثال: إذا حدثت طفلاً عمره ثلاث سنين لا تستطيع أن تكلمه عن المعاني المجردة: الجمال والعدل والسماحة والكرم وهكذا؛ لأن هذه لا يدركها الطفل لأنها معانٍ مجردة، لكنه يدرك الأمور المحسوسة ويتأثر بها جداً. فموضوع القدوة في حياة الطفل يعتبر من أخطر وسائل التربية وأشدها أثراً على الإطلاق؛ ففي السن المبكرة لا يتأثر الأطفال بالتلقين -الكلام الشفوي- إذا لم توجد أمامهم القدوة الصالحة التي تترجم بصورة عملية المعاني المجربة، ولذلك فإن أفضل وأعمق طريقة تؤثر في حفر قيمة الصلاة في نفوس الأبناء، هي أن يروا أبويهم يحافظان على الصلاة أمامهم باستمرار، أما الأب فبصلاة النافلة في البيت، وأما الأم فالفريضة، وإذا صلى الوالد دون أن يأمر الأطفال الصغار -ممن دون السابعة بالتحديد- فسوف يجد الأب أن الطفلة تذهب بجوار الذي يصلي وتقوم بتقليده، وتقلده في الحركات بطريقة سائدة معروفة، تنظر إليه وهو يسجد وتنظر كيف يصلي حتى تقلده في الحركات، فهو لم يدعوها أصلاً للصلاة لكن الطفل يتقمص فعل الأب، والتقمص يعتبر من أعلى مراتب التقليد، بل أعمق وأقوى صور التقليد والمحاكاة هي التقمص، فهو يتوحد مع أبيه أو يتقمصه ويفعل ما يراه بطريقة عملية. وكما تكلمنا من قبل مراراً أن موضوع التربية لا يكون بأن يقول الأب لأولاده: تعالوا معنا الآن إلى حصة تربية، ثم يعطيهم محاضرات! لأن التربية عملية مستمرة خلال الأربع والعشرين ساعة في كل سلوك يفعله الآباء بالذات، فعندما يقول الأب مثلاً لابنه: إذا اتصل أحد يريدني فقل: أبي غير موجود. فهذه تربية على الكذب واستباحة له، وأن الكذب يعتبر طريقة مقبولة للتخلص من الحرج، أو واحد يطرق الباب فتقول: قل له أبي غير موجود، فيقول: أبي يقول لك إنه غير موجود، فالطفل بهذه الطريقة يتشرب الكذب، وأنت بهذا تعلمه كيف يستطيع التخلص من المواقف بالكذب، أو إذا كان الأب يخون الأمانة، أو يكيد لزملائه ثم يحكي ذلك في البيت والطفل يسمعه كل هذه وسائل تربية تترك بصمات عميقة الأثر مدى الحياة في ذلك الطفل. فإذاً: مجرد التلقين بالكلام والوعظ الشفهي بالنسبة للأطفال لا يؤثر فيهم ما لم توجد أمامهم صورة عملية، يسمونها: (كونتريك سنجل)، أي: تفكير متحجر، ليس هو تفكير المعاني المجردة، وإنما هو التفكير الحسي، ولابد من وجود شيء حسي وليس شيئاً معنوياً فقط مثل قيم الجمال، والتسامح والعدالة والنزاهة، لأن الطفل في غفلة عن مثل هذه المعاني، لكنه لا بد أن يوجه بشيء حسي، فإنه يجسد الصورة التي يتوحد معها هذا الطفل. إذاً: محافظة الأب أو الأم على الصلاة تؤثر في الأطفال أعمق الأثر، وتحفر الصلاة في وجدانهم حفراً.

стр. 120

علاج تقصير الطفل في الصلاة إذا قصر الولد في الصلاة بعد العاشرة وجب على الأب وعظه وتذكيره بالنصوص الشرعية في الصلاة، فإذا استمر في تهاونه أغلظ له في القول وعنفه، ولا يكلمه ولا يخالطه ولا يمازحه، ويحرمه من بعض الأشياء المحببة لديه؛ فإذا فشل العقاب النفسي يلجأ الأب إلى العقاب البدني بشروطه؛ لقول النبي ﷺ : (واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين). فالمربي يقدم أسلوب الترغيب والإثابة والتشجيع، ويتجاهل تقصير الطفل في بعض الأوقات، مع حسن الإشارة والتلميح دون التصريح، فإن أصر عاتبه سراً، ويعبس في وجهه، فإن أصر عاتبه جهراً أمام أسرته أو رفاقه بدون شتم أو سب أو تحقير، وهذا شيء غير مسموح به على الإطلاق، فإذا انتقدت فانتقد الموقف أو التصرف، لكن لا تختم على الطفل بأنه فاشل مثلاً ولا أمل فيه، فهذا تحقير للذات، وتحطيم لقدرات الطفل، لكن تنتقد التصرف فقط لا أن تنتقد ذاته هو، أو تحقرها وتوبخها بصورة عامة. فإن تمادى رغم ذلك يهدده بالضرب ويعلق عصاً صغيرة بحيث يراها، فإن لم تنفع هذه الوسائل يلجأ إلى الضرب لكن بالشروط الآتية: أولاً: لا يضرب بأي حال قبل سن العاشرة. ثانياً: أن يعلم المربي أن الضرب وسيلة علاج وإصلاح، وليست لإهانته وتحقيره وتشويه نفسيته، وليس الضرب وسيلة انتقامية يقصد بها تفريغ شحنة غضب المربي وإراحة نفسه، ولكنه ضرورة تربوية استثنائية لمصلحة الطفل، وعليه فلا يقدم المربي على عقوبة الضرب وهو غضبان ثائر. ثالثاً: أن لا يكون الضرب شديداً مبرحاً، ويستعمل فيه عصا معتدلة الحجم والرطوبة، ولا يزيد على ثلاث ضربات، وللوالد أن يزيد إلى عشر كحد أقصى، وأن يتوقى ضرب الوجه والمواضع الحساسة من البدن, ولا يكرره في الموضع الواحد بل يفرقه، ويترك بين الضربتين زمناً يذهب فيه ألم الأولى. كذلك يكون الضرب على تقصير حقيقي لا على شبهة أو سوء ظن، وأن يتناسب العقاب مع حجم الخطأ ونوعه، وأن يتوقف عن الضرب إذا ذكر الغلام الله واستغاث به. أحد الإخوة أراه اليوم شاباً يافعاً، لما كان صغيراً جداً في بداية نطقه حصل أن ضربه والده، وكنت ذكرت في محاضرة حضرها هذا الأب مع ابنه: أن الطفل لا يضرب إذا ذكر الله، فأتاني الوالد بعد المحاضرة وقال لي: جزاك الله خيراً يا شيخ، فسمع هذا الأمر الأولاد معه، وهو يظن أنهم لا يفهمون وهم يفهمون جيداً، فكان كلما ضربه أبوه يذكر الله أثناء الضرب، فكان يستغل هذه الأشياء، فجاء أبوه يشتكي إليّ أنه من حين سمع قولي: إذا ذكر الله يوقف الضرب فيذكر الله ويستغيث بالله أثناء الضرب لكي أتوقف. وهنا لابد أن نزرع في الطفل تعظيم اسم الله ، فمن تعظيم اسم الله أنه إذا ذكر اسم الله يتوقف الأب عن الضرب؛ فيرتبط ذكر اسم الله بالرحمة، والعفو وتوقف الأذية؛ فهذا شيء سيحبب إليه ذكر الله . كذلك لا يكرر العقاب؛ لأن العقاب الذي يتكرر سيفقد فاعليته كسلاح، فلا يكرر العقاب بقدر الإمكان حتى لا تفقد العقوبة قيمتها فلا يبالي بها الطفل، لكن القاعدة: أن الإنسان متى استطاع أن ينجز ما يريد بالرفق فلا يعدل عن الرفق تماماً. وهذا شيء مطلوب، فإن الطفل الراقي المحافظ على كرامته يكون الكلام أشد عليه من الضرب، فنتركه يحافظ على كرامته ولا نهدرها، فالضرب شيء استثنائي، وبشروط كثيرة سنفصل فيها إن شاء الله فيما بعد. لنفترض أيضاً أن الأب قصر في أمره بالصلاة في سن السابعة وتجاوز السابعة والثامنة والتاسعة وجاءت العاشرة؛ فإذا بلغ عشر سنين ولم يكن قد أمره بالصلاة هل يبدأ بالضرب؟ لا يبدأ بالضرب، فإذا كان قد قصر في أمره بالصلاة بعد السابعة، فلا يستعمل معه العقاب البدني مباشرة بعد العاشرة وقد قصر في تعويده بل يتدرج معه ويمرنه ويعوده عليها من جديد.

стр. 121

آداب إدخال الأطفال المساجد وتحبيبها إليهم لابد من تعويد الطفل على صلاة الجماعة منذ الصغر لكي يتعلق قلبه بالمساجد، وهناك يتعرف على العلماء ويمارس عملياً آداب الإصغاء في مجالس العلم. هذا وإن الحرص على مشاركة الكبار في أفعالهم ميل طبيعي عند الطفل؛ فليستثمر في هذا الموضع، لكن ينبغي أن يكون الطفل عارفاً بآداب المسجد، ويحافظ على المسجد من التلويث أو النجاسة أو اللغو والتراب ونحو هذه الأشياء. نعم هناك أحاديث تدل على أن الأطفال كانوا يتواجدون في المسجد، لكن أطفال الصحابة ما أظن أنهم كانوا مثل أطفالنا، فالذي يعرف آداب المسجد هو الذي يأتي إلا لضرورة استثنائية، لكن لا يجوز أن نحول المسجد إلى دار حضانة، نسمع فيه الصراخ والصياح وصور لا تنتهي من القذارة وتلويث المسجد، وهذا نوع من التعسف في استعمال حق إدخال الأطفال في المساجد، فنكون بهذا قد بدأنا من حيث انتهى الشرع. أعني أن الرخصة تتوقف عند حد معين، ونحن نأتي عند الحد الأقصى ونجعلها نقطة انطلاق إلى الإفراط في استعمال هذا الحق، فالأطفال يجب أن يكونوا معروفين بعدم اللعب أو من النوع الذي يسبب ضوضاء وأذية للمصلين، أو يعبث في أجهزة المسجد أو نحو ذلك، فلا بد أن يلقن أولاً آداب المسجد؛ فإن اطمأن إلى ذلك أحضره إلى المسجد. كذلك قبل أن يحضره إلى المسجد يهيئه؛ لأن الطفل يظل عنده نوع من الخوف الاجتماعي، ويخاف أن يلاقي الناس بمكان واسع مثل المسجد، فربما يحصل له نوع من الخوف ويبكي ويصرخ، فلابد أن يحصل نوع من التهيئة قبل أن نذهب به إلى المسجد، ويوصف له المسجد على أنه بيت الله ، ومكان واسع وجميل، ونظيف وله رائحة طيبة، وفيه كذا وكذا تصف له المسجد، وتقرن لون المسجد بكل شيء جميل، وبأشياء محببة إليه، مثلاً: اشتر حلوى من جنب المسجد، فأدخل كلمة المسجد واقرنها بالحاجات التي يحبها. مثلاً: وأنت تمشي تقول له: انظر إلى هذا المبنى الجميل، هذا هو المسجد، وأنا قريباً سوف آخذك معي لتصلي فيه، هذا نوع من التدرج قبل أن يأتي إلى المسجد. كذلك يمكن تهيئة جو المسجد قبل اصطحابه، فلا مانع أبداً أن يتفق مع الإمام والمؤذن وبعض المصلين من الجيران لترتيب الوضع؛ لأنهم أطفال اليوم ورجال الغد، ويبدأ التربية من هذه السن الباكرة؛ فهي أعمق أنواع التربية، فما دمنا محتاجين إليهم فنتذلل إليهم ونتحايل عليهم ونحاول أن نكسبهم، لأنهم هم المستقبل، فصغار اليوم سيصبحون كبار الغد؛ لأن الأمة محتاجة إلى هؤلاء الأطفال، لأنهم هم المستقبل حقيقة، فبالتالي ما المانع أن يحصل هذا التواطؤ بين الأب والإمام والمؤذنين وبعض المصلين أنه إذا حضر معي هذا الطفل فإنهم يحتفون به، ويلاطفوه، وكذا بعض الناس من كبار السن نلاحظ أن عندهم ذوقاً، فدائماً يكون معهم (شكولاته أو حلويات) للأطفال، فعندما يرى أحدهم الطفل في المسجد يعطيه حلوى، فهذا نوع من التلطف المراد في أهل المسجد، فيتواصوا أنه إذا حضر الطفل لاطفوه ليحس بالأنس فيطمئن إلى أهل المسجد ورواده؛ لأن الاهتمام به في أول مرة يدخل فيها المسجد سوف يوقع في نفسه شأن تعظيم الصلاة. كذلك إذا كان الإمام ممن يطيل الصلاة إطالة تخالف السنة ينبه على عدم الإطالة. كذلك يربط الطفل في المسجد بحلق تحفيظ القرآن الكريم، وتجويده بالتعاون مع إمام المسجد؛ لأن المساجد الآن هي الحصن الأخير الذي حفظه الله من كل سوء، والذي يمكن أن نصحح فيه الأخطاء التربوية في السهام الموجهة للأطفال والأبناء في المدارس والإعلام والمجتمع إلى آخره. كذلك يهتم بترسيخ ارتباطه بالمسجد وأهله عن طريق ممارسة أنشطة نافعة ومسلية للأطفال. كذلك يعظم دائماً أمامه صلاة الجمعة ويحدثه عن آدابها، وأحكامها، وضرورة احترامها وتوقيرها، لكن لا يحمله ما لا يطيق من أمر صلاة الجمعة؛ لأن صلاة الجمعة تطول فيها الخطبة والصلاة؛ فممكن مع الوقت أن يمل الطفل، وقد يصعب عليه أن يحافظ على الطهارة فهو يريد أن يلعب. وللأسف الشديد في هذا الزمان يندر جداً أن نرى من يتمسك بالسنة، حتى الذين ينتمون إلى السنة والسلفية فالسنة ينبغي احترامها، ومن السنة تقصير الخطبة وإطالة الصلاة، والذي يحصل الآن للأسف الشديد أن تتحول الخطبة وكأنها محاضرة طويلة فيها مشقة فعلاً على الناس، فخطبة الجمعة لابد أن يشتهر ويتميز الخطيب بأنه يقصر الخطبة ويطيل الصلاة، فإذا فعل ذلك عرف الناس أن هذه هي السنة، وليست السنة أن تطيل الخطبة كما يحصل ويشق على المصلين. روي أن أبا هريرة ﵁ دخل مرة المسجد يوم الجمعة فوجد غلاماً، فقال له: يا غلام! اذهب للعب، قال: إنما جئت إلى المسجد، قال: يا غلام اذهب للعب! قال: إنما جئت إلى المسجد، قال: فتقعد حتى يخرج الإمام قال: نعم، يعني: بدأ بالتخفيف لكيلا يكلفه بصلاة الجمعة دون سن العاشرة بل يرغبه ولا يرهبه، فإن أقبل عليها وإلا تركه وشأنه مرفهاً حتى يبلغ العاشرة أو ما قبلها بقليل فيبدأ معه بالإلزام. كذلك يتحرى الأب اختيار الخطيب؛ لأنه بخطبته ومسلكه عميق التأثير في أخلاق الأولاد خاصة إذا فهموا الخطبة وعقلوها، ولا بأس أن يسألهم بعد الخطبة عن موضوع الخطبة، وما استخلصوه من الفوائد، ويحثهم قبل الدخول على حسن الإنصات، ويبين لهم أنه سوف يسألهم عن مضمون الخطبة بعد الصلاة؛ لاستدعاء تركيزهم أثناء الخطبة. إذاً: هذا فيما يتعلق بتنبيهات بشأن تربية الأبناء على المحافظة على الصلاة؛ لأن الأطفال كما ذكرنا هم مستقبل الأمة المتمثل في هؤلاء الأبناء وأفلاذ الأكباد. يقول الشاعر: لا بد من صنع الرجال ومثله صنع السلاح وصناعة الأطفال علم قد تكفله أولو الصلاح من لم يلقن أصله من أهله فقد النجاح لا يصنع الأطفال إلا في مساجدنا الفساح في روضة القرآن في ظل الأحاديث الصحاح شعب بغير عقيدة ورق يذريه الرياح من خان حي على الصلاة يخون حي على الكفاح وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 122

الأسئلة

стр. 123

كيفية الصلح بين الزوجين ونصحهما السؤال شخص يعيش مع زوجته وهو في حالة خصام معها أكثر من عام، فماذا نقدم لهما من نصح، وهل هناك آثار تترتب على هذا الخصام؟ الجواب لا شك أن هذا وضع لا يرضاه شرعنا الشريف بحال من الأحوال، وهذا نوع من الطلاق يسمى الطلاق النفسي، وهذا ليس تعبيراً شرعياً لكنه تعبير طبي، فالطلاق النفسي بين الزوجين يحصل أحياناً بأن تبقى المرأة على ذمته وبينهما هذا الانفصام. الشرع الشريف لا يمكن أن يقر هذا الحال؛ لأن الله قال: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٢٦ - ٢٢٧] فهذه الآية الكريمة في حق من يولي أي: يحلف أنه لا يقرب امرأته أبداً، ويهجرها. فالشرع الشريف حكم في مثل هذا: (لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ)، فليس في الشريعة ما يخول لك أن تترك المرأة معلقة بهذه الطريقة، وإنما ينظر أربعة أشهر من حين حلفه، فإن رجع وفاء وكفرَّ عن يمينه انتهى الأمر، لكن إن أصر على التمادي لا يسمح له، ولكن: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٢٦ - ٢٢٧]. لكن الإنسان في مثل هذه الحالات لا يبادر بالكلام، لأنه لا يجوز لإنسان أن يعطي نصيحة في خصومة بين طرفين دون أن يسمع حقيقة الأمور؛ لأن البيوت أسرار، فمهما بذل الناس فهم لا يعرفون الغيب، أو لا يطلعون على أسرار البيت، فالإنسان إذا تعجل وانتقد موقف أحد الطرفين دون أن يسمع التفاصيل؛ فربما يفاجأ بأشياء لم تكن في الحسبان، فمثل هذه الأحوال الخاصة التي تخص الأسر ينبغي أن تكتم أسرارها وتلعق جراحها، فلا يتكلم أحد بما لا يعنيه ولا يخوض في حقوق الناس، ولا يظلم هذا ولا ذاك حتى يسمع كل الحقيقة، ثم يتحدث إن كان أهلاً لذلك أو إذا طلب منه أن يحكم، لكن خلاف ذلك لا يجوز للإنسان، لأنه يخوض فيما لا يعنيه، وحل هذه المسألة هو الحكم فيها أمام القاضي الشرعي أو من يصلح بين الناس، والله أعلم.

стр. 124

كيفية حماية الزوجين من السحر السؤال سؤال عن حماية الزوجين من السحر؛ خصوصاً في أول ليلة زواج؟ الجواب الإنسان عموماً يواجه أمثال هذه الأمور بالأذكار والمعوذات والأدعية والرقى الشرعية المعروفة، وأذكار الصباح والمساء أيضاً، وأيضاً التصبح بأكل سبع تمرات، ويفضل أن تكون من عجو المدينة. والحقيقة أن الكثير من الحالات المشار إليها هي في الحقيقة ليست عن سحر، ونحن نستسهل جداً اتهام الناس بالسحر، وكل شيء نرجعه إلى السحر، وهذا نوع من الغلو موجود في كثير من الإخوة. المقصود من أي مشكلة تعرض أن نتعامل معها بالأسباب العادية؛ فأحياناً يكون الداء هو الوهم والشك، أو عوامل نفسية أخرى، فينبغي الأخذ بالأسباب الطبيعة في جانب، والمضي في الرقى الشرعية؛ لأنه لا سبيل إلى التعاون مع السحر فهو كفر وضلال مبين، فلا يواجه السحر إلا بالأذكار والأدعية الشرعية، وبجانب ذلك الأخذ بالأسباب: بأن يتوجه إلى الطبيب النفسي، والغالب أنها تحل إن شاء الله تعالى بالأسباب العادية، والذي يحصل هو غلو وتنطع كبير في اتهام الناس بأنهم صنعوا سحراً ونحو ذلك. ومن ذلك أنه كلما خطبت فتاة تفشل الخطبة، ثم يقال: هذا سحر لكي تفشل الخطبة، فنسبوا المشكلة إلى فعل الآخرين، وهذا يجعل الإنسان لا يمشي في الطريق الصحيح للعلاج، فلابد أن يفتش الإنسان في نفسه لينظر ما الذي يجعل الخطبة تنفسخ، أو ربما هي تقوم بأفعال معينة كي لا يتم الزواج، وهناك قصص كثيرة في مثل هذا، فقد يكون هناك شيء من صنعها هي، أو ربما هي تخرج في كل شخص علة معينة، أو أهلها يتصرفون تصرفات معينة فبالتالي ينفر عنهم الناس، وكلما أخطأنا في التشخيص فإننا نمضي بعيداً جداً عن طريق العلاج الحقيقي، لكن عندما نواجه المشاكل بطريقة موضوعية نستطيع أن نختصر الطريق، ونحل المشكلة بالفعل، والله تعالى أعلم. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 125

سن الزواج للذكر والأنثى السؤال هل لا بد من بلوغ سن معين للشاب والفتاة كي يتم الزواج، أم يكفي بلوغهما؟ الجواب لا يكفي البلوغ، وإنما لابد معه من النضج؛ لأن في الزواج تحمل مسئولية كبيرة بالنسبة للطرفين، وفي نفس الوقت موضوع النضج الاجتماعي يتفاوت أحياناً من مجتمع إلى مجتمع، من ثقافة إلى ثقافة، ومن شرط إلى شرط، فمن الناس من يتسم بنضج اجتماعي مبكر جداً فهذا لا بأس بزواجه، وفي بعض المجتمعات يربى الأولاد من الطفولة الباكرة على تحمل المسئولية في الصحارى والمزارع ونحو ذلك، ويكون منتجاً من صغره بحيث إنه لا توجد عنده فترة الطفولة الاقتصادية الموجودة في المدن حيث تطول فترة التعليم في الطفولة الاقتصادية، ويظل عبئاً من الناحية المادية، والبنت تؤخر الزواج. والثقافة لها أثر على النضج والاستقلالية فهذه مسألة نسبية، لكن على أي الأحوال ما قلته ليس من عندي ولكن من القرآن الكريم: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء:٦] فتأمل كلمة: (بَلَغُوا النِّكَاحَ) والتي تعبر عن القدرة على الإنجاب، (حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ) ثم قال: (فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا)، فهذا يدل على أن ليس كل من بلغ ونما جسده يكون قد تم عقله وشخصيته ونضجه الاجتماعي؛ بحيث يتحمل مسئولية خطيرة مثل مسألة الزواج، فالقدرة على الإنجاب والنضج الانفعالي والعاطفي والعقلي والشخصية شيء آخر، إذ لابد من التأكد منه كما قال الله : ((فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ)) لكن قد يبلغ النكاح ولكنه ما زال متأخراً في النضج، وبالتالي لا يزوج حتى لا يسفه إذا مكن من هذا المال. والنبي ﷺ قال: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج) ولم يقل: من احتاج إلى الزواج فليتزوج؛ لأن كل الناس محتاجون إليه، لكنه قال: (من استطاع منكم الباءة فليتزوج)، فالزواج لا ينظر إليه على أنه حل لمشكلة. إذاً: لابد أن يكون قادراً ومستطيعاً لكل أنواع الاستطاعة، فهو دلالة على الاستطاعة كما قلت من قبل: مثل رسالة (الدكتوراه) لا تعطى لمن يرغب فيها؛ لأن كل الناس ترغب فيها، لكن تعطى لمن يستحقها، فالزواج له ارتباط شديد بكل أنواع الاستطاعة.

стр. 126

وجوب بر الوالدين السؤال شخص ملتزم ومتعبد ويفعل الخير، لكنه يكره أبويه ويحب موتهما، ولا يعرف هل يدعو عليهما أم لا، ويذكر بعض الأخطاء التربوية التي ارتكبها الأبوان في الصغر من تمييز إخوته عليه إلى آخره، وأن أباه وأمه لم يربوهم كما ينبغي؟ الجواب هذا نوع من العقوق؛ لأن بر الوالدين واجب بالعقل، ثم جاءت الشريعة بنصوص قاطعة في وجوب بر الوالدين، وأجل ما يؤكد ذلك قول الله : ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ [لقمان:١٤] إلى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان:١٥]. فقوله تعالى: (وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا) وارد مع هذين الأبوين اللذين يدعوانه إلى الشرك، بل يجاهدانه على أن يشرك بالله، ومع ذلك قال: (وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا)، فلا طاعة لمخلوق في معصية الله، لكن مع ذلك أمر بمصاحبة أمثال هذين الوالدين بالمعروف؛ فهل ما فعله أبواك يصل إلى حد أن يجاهداك على الشرك، حتى تصل إلى هذه الدرجة من العقوق؟ هذا أولاً. ثانياً: صحيح أنك تتحدث على النواحي التربوية كثيراً لأهميتها وفائدتها، فحتى لو كان قد أخطأ الأب أو الأم في أسلوب تربية الطفل فإنه لا يسقط حقه في البر؛ لأنه أحسن إليك الإحسان الذي لا يمكن أن تجازيه عليه، وهو أنه تسبب في وجودك في هذه الحياة، فهذه نعمة وإحسان لا تقدر على الوفاء به مع ما فعل. ثالثاً: الإنسان لا يعيش تأثير الماضي دائماً، وهناك من يحصر نفسه في الماضي، ويحب تحويل مآسي الماضي إلى حاضر يؤرقه ليل نهار، وأنه ضحية الماضي، فنقول له: دعنا في الحاضر وفي المكان الذي نحن فيه، لا ترجع إلى الوراء، وما مضى فات ومات، واندفن واندثر، فلا تتفرج إلى الماضي وأن أباك فعل كذا، وأمك فعلت كذا، وأنت ناقم عليهما، ففي الغالب أن الأب والأم اللذين يسيئان إلى طفلهما لا يقصدان أي نوع من أنواع الإساءة فعلاً، وهو صادر عن جهل، ولعل جهلهما يشفع لهما، لذا لا تتسرع بالانتقام ممن أحسن إليك أعظم الإحسان وهو أنه كان سبباً في وجودك، فهذا شعور غير سوي، فالأب والأم لا يأخذ الإنسان حقه منهما، أو يرفع قضية على أبيه ويقاضيه. وهناك حدود للتعامل مع الأبوين؛ إذ ينبغي مراعاتهما، ولا داعي أن ينجر الإنسان وراء الماضي ويعيش أسيراً لأخطاء الماضي، بحيث يعجز عن أن يواجه مسئوليات الحياة الآن. ويبدوا أن هذا السائل خائف من شؤم عقوق الوالدين، فإنه يقول في سؤاله: إنه يتمنى أن لا ينجب أطفالاً. وسأل أكثر من مرة عن حكم منع الحمل نهائياً، لماذا؟ لأنك خائف أن هذا السلوك يتكرر منه بعد ذلك، إذاً: فأحسن إلى والديك تجد عاقبة ذلك في ذريتك، والله تعالى أعلم.

стр. 127

أحلام اليقظة السؤال شخص يسأل عن موضوع أحلام اليقظة؟ الجواب أحلام اليقظة ظاهرة وواضحة جداً في سن المراهقة، وأحلام اليقظة في حد ذاتها ليست ضارة، لكن الغلو فيها هو الضار؛ لأنه يستهلك الوقت، وسن المراهقة من الثانية عشرة وحتى الثامنة عشرة أو العشرين، وذلك شيء طبيعي، لأن الإنسان مقبل على الحياة وفي شبابه، وجسمه وعقله ينمو، وإمكانياته تنمو، ويتطلع دائماً للمستقبل، فهو دائماً يخطط للمستقبل، يقول: سوف أفعل كذا ثم بعد كذا أفعل كذا إلى آخره. فكون الإنسان يحلم أحلام يقظة ويؤمل في المستقبل في أمور حسنة لكي يفعلها في أمر دين أو دنيا، لا بأس بذلك، وهذا شيء طبيعي، وشيء مستحسن لو أن هذه الآمال تحفزك على الإنتاج، وتعطيك طاقة على أن تنجح وتتخرج وتدخل كلية كذا. لكن إن كانت الأحلام هروباً من تحمل المسئولية، والغرق في الأوهام، ففي هذه الحالة تكون القصة قريبة من قصة ذلك الرجل الذي أتى بجرة العسل وعلقها على الحائط وهو ممسك بالعصا ويقول: أبيع هذا العسل وأكسب منه كذا، ثم آتي بالمال وأشتري منه كذا وكذا إلى مشروعات متسلسلة يلد بعضها بعضاً، إلى أن قال: ثم أتزوج، ويرزقني الله ولداً، ثم هذا الولد آخذه بالأدب وأكون حازماً في تربيته، فإذا عصاني قلت له كذا، وأضربه بهذه العصا، ورفع العصا فكسر جرة العسل وسال العسل على الأرض. فالاستغراق في أحلام اليقظة صفة غير حميدة أو وضع غير حسن؛ لأنه استهلاك للوقت بصورة غير سوية، لكن إذا كان المستقبل يحفزك على العمل، وبالمعدل المعقول فلا بأس، أما إضاعة ساعات أو ساعة في أحلام يقظة. فهذا هروب من الواقع فليراجع نفسه.

стр. 128

التشجيع وأثره في التربية التشجيع سبب في نمو وازدهار الدول؛ إذ به تبرز المواهب، وهو أمر مندوب في الشرع استخدمه النبي ﷺ مع أصحابه رضوان الله عليهم، وآثاره ملموسة مشاهدة أمام كل من يستخدمه، ونتائجه أكثر من العمل بدون تشجيع، فكيف بالتثبيط الذي هو على العكس تماماً؟!

стр. 129

أثر البيئة المشجعة على الشخص الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: فقد روى البخاري بسنده عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: (كان الرجل في حياة النبي ﷺ إذا رأى رؤيا قصها على رسول الله ﷺ ؛ فتمنيت أن أرى رؤيا فأقصها على رسول الله ﷺ ، وكنت غلاماً شاباً، وكنت أنام في المسجد على عهد رسول الله ﷺ ، فرأيت في النوم كأن ملكين أخذا بي فذهبا بي إلى النار، فإذا هي مطوية كطي البئر، وإذا فيها أناس قد عرفتهم، فجعلت أقول: أعوذ بالله من النار، قال: فلقينا ملك آخر، فقال لي: لم ترع، وقصصتها على حفصة، فقصتها حفصة على رسول الله ﷺ ، فقال ﷺ : نِعْم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل، فكان بعد لا ينام من الليل إلا قليلاً). الشاهد هنا من رواية هذا الحديث: ثناء رسول الله ﷺ على ذلك الغلام ابن عمر، وتشجعيه عن طريق هذا الثناء، وهذا التشجيع أثمر استقامته على قيام الليل بعد ذلك، فيقول: (نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل) فرغبه في قيام الليل، وأنه يكون سبباً للنجاة من عذاب النار الذي أريه في منامه، فكان عبد الله بن عمر منذ أن قال النبي ﷺ هذه المقالة لا ينام من الليل إلا قليلاً.

стр. 130

التشجيع في طلب العلم من أسوأ الأشياء أن يصاحب الطالب شخص دائماً يأخذه إلى أسفل إما من أصحاب السوء الكسالى، أو من المثبطين الذين يحاولون تحطيم طاقاته وتحقيره وتعجيزه، يقول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لما قبض رسول الله ﷺ قلت لرجل من الأنصار: قد قبض الرسول ﵊، فهيا نذهب إلى مجالس علماء الصحابة وفقهائهم كي نستفيد ونتعلم؛ لأن هذا هو المتاح الآن بعد وفاة النبي ﵊، فقال له صاحبه هذا: واعجباً لك يا ابن عباس! أترى الناس يفتقرون إليك وفي الناس من أصحاب رسول الله ﷺ من فيهم، يعني: أنت غلام صبي صغير تذهب تتعلم لكي تحمل العلم للناس، هل الناس يحتاجون إلى مثلك، وأنت صبي صغير، وأنت ترى في القوم عمر وأبا بكر ومعاذاً وغيرهم من الصحابة. فقال له صاحبه: واعجباً لك يا ابن عباس! أترى الناس يفتقرون إليك وفي الناس من أصحاب رسول الله ﷺ من فيهم، قال: فتركت ذاك، أي: أهملت هذا الكلام ولم أرعه، ولم يبال بهذه الكلمة المثبطة، انظر كيف التعامل مع التثبيط، قال: فتركت ذاك وأقبلت على أصحاب رسول الله ﷺ ، وإن كان يبلغني الحديث عن الرجل فآتي بابه، وهو قائل -نائم في وقت القيلولة- فأتوسد ردائي على بابه يسف الريح عليّ من التراب، فيخرج فيراني فيقول: يا ابن عم رسول الله ﷺ ما جاء بك؟! هلا أرسلت إليّ فآتيك، فأقول: لا، أنا أحق أن آتيك، فأسأله عن الحديث، فعاش هذا الرجل الأنصاري حتى رآني وقد اجتمع الناس حولي يسألونني! صاحبه الأول الذي كان يثبطه رآه قد صار إماماً، والناس ملتفون حوله يتعلمون منه، قال: فعاش هذا الرجل الأنصاري حتى رآني وقد اجتمع الناس حولي يسألونني فيقول: هذا الفتى كان أعقل مني، يقول الشاعر: فحي هلا إن كنت ذا همة فقد حدا بك حادي الشوق تطوي المراحلا ولا تنتظر في السير رفقة قاعد ودعه فإن العزم يكفيك حاملا وهذا ابن شهاب رحمه الله تعالى كان يشجع الأولاد الصغار فيقول: لا تحتقروا أنفسكم لحداثة سنكم؛ فإن عمر بن الخطاب كان إذا نزل به الأمر المعضل دعا الفتيان فاستشارهم يتبع حدة عقولهم. وكان الخليفة هارون الرشيد ﵀ يغدق العطايا والصلات لطلبة العلم والعلماء حتى قال ابن المبارك: فما رأيت عالماً، ولا قارئاً للقرآن، ولا سابقاً للخيرات، ولا حافظاً للمحرمات في أيام بعد أيام رسول الله ﷺ وأيام الخلفاء والصحابة أكثر منهم في زمن الرشيد وأيامه، لقد كان الغلام يجمع القرآن وهو ابن ثمان سنين، ولقد كان الغلام يستبحر في الفقه والعلم، ويروي الحديث، ويجمع الدواوين، ويناظر المعلمين وهو ابن إحدى عشرة سنة، كل هذا بسبب تشجيع الخليفة هارون الرشيد للعلم ولطلبة العلم. وبلغ حب بعض الأمراء للعلم والعلماء إلى الحد الذي جعله يعتبر العلماء في رعايته الخاصة، ومن هؤلاء الأمراء: المعز بن باديس، أحد أمراء دولة الصنهاجيين في المغرب الإسلامي، كان لا يسمع بعالم جليل إلا أحضره إلى حضرته وجعله من خاصته، وبالغ في إكرامه، وعول على آرائه، ومنحه أسمى الرواتب. كذلك فعل الخليفة الموحدي الثالث المنصور يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن الذي أنشأ بيت الطلبة، وأشرف عليه بنفسه، وعندما بلغه حسد بعض حاشيته على موضع الطلبة النابغين منهم، أي: سمع أن بعض الناس في الحاشية يتداولون كلاماً بينهم مفاده: كيف يغدق هذا الإغداق والعطاء على طلبة العلم النابغين؟ ففزع منهم وخاطبهم قائلاً: يا معشر الموحدين! أنتم قبائل، فمن نابه منكم أمر فزع إلى قبيلته -أي: من احتاج منكم رجع إلى قبيلته- وهؤلاء الطلبة لا قبيلة لهم إلا أنا، فمهما نابهم من أمر فأنا ملجؤهم، إليّ فزعهم وإليّ ينسبون. وبلغت عناية المنصور بالطبيب أبي بكر بن زهر حداً عجيباً، فقد كان أبو بكر يقيم عند الخليفة مدداً طويلة، ولا يرخص له بالسفر إلى أهله، حتى قال شعراً في شوقه إلى ولده الصغير، فلما سمع المنصور هذا الشعر أرسل المهندسين إلى إشبيلية وأمرهم بدراسة بيت أبي بكر وحارته، وتشييد مثله في مراكش، ففعلوا ما أمرهم به، وبنى له شارعاً، وفيه بيوت مشابهة للشارع الذي كان هو ساكن فيه، وبنى له بيتاً مثل بيته تماماً، فنقلوا عيال أبي بكر إليه، فلما رآه ابن زهر اندهش وحصل عنده من السرور ما لا مزيد عليه، ولا يستطاع التعبير عنه! فهل سمع بمثل هذا في إكرام العلم والعلماء؟! فالإسلام حليف العلم في كل العصور، ليس فقط علوم الشرع الشريف لكن حتى العلوم الحديثة، فإن العلم -بالذات في هذا العصر- أقوى مؤيد لدين الإسلام؛ لأن العلم منحاز بكل قوته إلى الإسلام، وقد تكلمنا مراراً على كتاب موريس بوكاي الذي فصل فيه الكلام على هذه الحقيقة. في القرن السادس عشر قامت محاولة ناجحة في عهد الخلافة العثمانية لتجميع النابغين من جميع الأمصار والقرى، وتوفير الرعاية التي جعلت كل نابغة يعطي ما عنده من فن وعلم، مما ساعد على ازدهار الدولة العثمانية حضارياً وعسكرياً حتى صارت تهدد بغزو أوروبا. يحكي الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله تعالى قصة يقول: قرأت مرة أن مجلة إنكليزية كبيرة سألت الأدباء عن الأمر الذي يتوقف عليه نمو العلوم وازدهار الآداب؟ وجعلت لمن يحسن الجواب جائزة قيمة، فكانت الجائزة لكاتبة مشهورة قالت: إنه التشجيع، وقالت: إنها في تلك السن -بعد تلك الشهرة والمكانة- تدفعها كلمة التشجيع لتمضي إلى الأمام، وتقعد بها كلمة التثبيط عن المسير، أي: مهما بلغ الإنسان من مكانة في علم أو عمل أو نحو ذلك، فإن كلمة التشجيع لها أثر طيب جداً، فليس التشجيع فقط مع الصغار، ولذلك كان من الذوق إذا أحسن إليك شخص لابد أن تعبر عن شكرك له، وقد وصل الأمر إلى أن الرسول ﵊ قال: (من لم يشكر الناس لم يشكر الله)، ومن لم يشكر الله فقد كفر بالنعمة. فالإنسان يشكر لمن يعلم أنه أحسن إليه، نجد بعض الناس عنده هواية إذا قرأ كتاباً، وكان الكتاب حافلاً بالفوائد، وربما تكون فيه غلطة أو خطأ أو تقصير أو مسألة فيها نظر في أثناء الكتاب قام يشنع عليه، وهذه مدرسة قد ابتلينا بها في هذا العصر، أصحابها كالذباب لا يقع إلا على تلك الأشياء، فهو يترك كل الأشياء النظيفة وكل الفوائد ويركز اهتمامه فقط على الأخطاء، وكأن هذا الشخص لا يساوي إلا هذا الخطأ. هذا من الجحود، وهذا ليس من الإنصاف، كيف والله حتى مع أهل الكتاب يقول: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ [آل عمران:٧٥] فحتى مع هؤلاء لابد من الإنصاف. الشاهد: أن هذا الجحود صار الآن ظاهراً في مدارس معينة أو مدرسة محددة كل وظيفتها النظر فقط إلى القمامة، والبحث فقط في القمامة، لكن كل الحدائق الخضراء والبساتين والزهور والرياحين والأشياء الجميلة يتركونها، لا يعمدون إلا إلى القمامة، يتقصدون أخطاء الناس ويتصيدون الزلات، قال السلف قديماً: (إن المنافق يطلب الزلات، والمؤمن يطلب المعاذير)، لن أفصل في هذا حتى لا نخرج عن موضوعنا، لكن لعلها عبرة لهواة التفتيش في القمامة. إذا وجدت هفوة في كتاب فينبغي أن تقول: لقد استفدت من كتابك في كذا وكذا، لكن هناك نظر في المسألة الفلانية حبذا لو راجعتها، ربما يكون فاتك تحقيقها، أو نحو هذا الكلام اللطيف، لكن، الغلظة والشدة منهج وأسلوب حياة طغى -للأسف الشديد- على كثير من هؤلاء الناس.

стр. 131

التشجيع في الإسلام إن التشجيع رفع الإسلام شأنه إلى حد أنه جعله فريضة على غير القادر على إقامة فروض الكفاية، مثل: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الجهاد، طلب العلم، الولاية، الإمامة، فأمثال هذه الفروض من فروض الكفاية يقول فيها العلماء: إنها واجبة على الكفاية، إن قام بها البعض سقط الوجوب عن الآخرين، وإن لم يقم بها أحد أثموا جميعاً، يأثم القادر لأنه قصر، ويأثم غير القادر لأنه قصر فيما يستطيعه، وغير القادر على أداء هذه الفروض الكفائية يأثم أيضاً، لماذا؟ لأنه قصر فيما يستطيعه، وما الذي يستطيعه؟! يستطيع التفتيش عن القادر، وحمله على العمل، وحثه وتشجيعه وإعانته على القيام به، بل إجباره على ذلك. فإذا: ً إذا لم يقم الفرض الكفائي يأثم القادر وغير القادر؛ يأثم القادر لأنه قادر ولم يفعل، وغير القادر لأنه لم يشجع القادر، قال الله: ﴿وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء:٨٤]، والتحريض هو نوع من الأنواع وأسلوب من الأساليب. حتى عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى كان يعطي بعض الموظفين أموالاً ويعطيهم أشياء من الدنيا كي ينصاعوا للإصلاحات التي كان عزم عليها في ذلك الوقت. وسأذكر أسلوب التربية عند عمرو بن العاص الذي كل أهل الأرض في كفة، وأهل مصر في موقفهم مع عمرو بن العاص في كفة أخرى، لماذا؟ لأن لـ عمرو بن العاص دين في أعناق مصر لا يستطيعون سداده، ولو عملوا عليه ليلاً ونهاراً؛ فـ عمرو بن العاص هو الذي بسببه أشرق نور الإسلام في مصر بعد الوثنية والنصرانية والفساد كله، أشرقت هذه البلاد بنور الإسلام، ومنها انطلق غرباً وجنوباً ببركة جهاد عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه ومن معه من الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين. ولما فتحت مصر كانت العاصمة الإسكندرية، ولا تزال آثار سور عمرو بن العاص موجودة، حتى السور الذي كان بناه للإحاطة بالإسكندرية ما زال موجوداً. الشاهد: أن عمرو بن العاص له منة أخرى علينا فوق أنه كان سبباً في دخول أهل مصر إلى الإسلام؛ فقد صبغ لساننا باللسان العربي ولله الحمد، وفتح الله على يديه على أهل مصر بلغة القرآن الكريم، لكن عمرو بن العاص كان عالماً بشخصية الموظفين المصريين، فمنع تعيين أي موظف في الدولة الإسلامية لما فتحها -حتى من الأقباط- إلا إذا كان يتقن اللغة العربية، فبالتالي في سنوات معدودات تم -ولله الحمد- تعليم أهل مصر لغة القرآن الكريم، بينما نرى تقصير الدولة العثمانية عندما حكمت العالم الإسلامي قرابة سبعة قرون، وما عربت نفسها وللأسف الشديد، بل كانت الكتب تترجم بلغة تركيا. فالشاهد: أسلوب التربية الذي سلكه عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه. وقد سلك المسلمون في شتى العصور أسلوب تشجيع الموهوبين وكبيري الهمة بكافة صور التشجيع، وكانوا ينفقون الأموال الجزيلة لنفقة النابغين من طلاب العلم الذين أوقفوا أنفسهم على طلب العلم؛ كي يغنوهم عن سؤال الناس أو الاشتغال عن العلم بطلب المعاش. الإمام أبو حيان محمد بن يوسف الغرناطي يقول فيه الصفدي: لم أره قط إلا يصنع أو يكتب أو ينظر في كتاب، ولم أره على غير ذلك، وكان له إقبال على أذكياء الطلبة يعظمهم وينوه بقدرهم، وكان المعلمون في الكتاتيب والمساجد وفي الأزهر الشريف إذا لمسوا في طفل النجابة وسرعة التعلم احتضنوه، وساعدوه على طلب العلم، وزودوه بالمال من مالهم الخاص أو من أموال الأوقاف. وفي طليعة المشجعين لطلبة العلم الخلفاء والأمراء، روى البخاري في صحيحه أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ كان يدخل ابن عباس ﵄ وهو غلام حدث مع أشياخ بدر، قال ابن عباس: فكأن بعضهم وجد في نفسه، وقالوا: لم لا نأت بأولادنا الصغار ونجلسهم معك؟ فلماذا تدخل ابن عباس وهو صغير في مجلس الكبار من الأشياخ الذين حضروا غزوة بدر؟ فقال بعضهم: لم تدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر: إنه من حيث علمتم، أي: أنه من أهل البيت، وابن عم النبي ﵊، وهو الذي دعا له النبي ﷺ فقال: (اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل)، فدعاه ذات يوم فأدخله معهم، يقول ابن عباس: فما رأيت أنه دعاني يومئذ إلا ليريهم، فهم ابن عباس وتفطن إلى أنه هذه المرة استدعاه خصيصاً كي يري هؤلاء القوم منزلة ابن عباس، فقال: ما تقولون في قول الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر:١]، فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم فلم يقل شيئاً، فقال لي: أكذاك تقول يا ابن عباس؟ فقلت: لا، قال: فما تقول؟ قلت: هو أجل رسول الله ﷺ أعلمه له، أي: هذه السورة فيها نعي رسول الله ﷺ إلى ذاته الشريفة، قال: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر:١] وذلك علامة أجلك، فقد أديت الرسالة، ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر:٣] أي: تأهب للقاء الله ، واختم حياتك بالتسبيح بحمد الله والاستغفار، فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تقول. فانظروا عمر ﵄ كيف أراد أن يقوي ثقته، وينمي همته، ويربأ فيها عن احتقار الذّات، أو الشعور بالدونية والنقص. وروى البخاري في الصحيح أيضاً أن عمر رضي الله تعالى عنه سأل بعض الصحابة عن آية في القرآن الكريم، فلم يعرفوا الإجابة، وكان بينهم عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما وهو صغير السن، فقال ابن عباس في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين! هذا وهو صبي صغير، والكبار لم يعرفوا، قال عمر: يا ابن أخي! قل، ولا تحقر نفسك، فأجابه ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، فانظر عبارة: (يا ابن أخي قل، ولا تحقر نفسك). هذه من الأسس التربوية المهمة جداً، فبعض الناس يتصور أن عمر بن الخطاب بالقوة والشدة في الدين والبأس سوف يتعامل مع الطفل بما يرعبه، لكن لا، انظر كيف كانوا كلهم أساتذة في التربية رضي الله تعالى عنهم؟! قال عمر: يا ابن أخي! قل، ولا تحقر نفسك، فمن ثم سار ابن عباس على هذه السنن منذ طفولته غير مبال بتثبيط من هو أقصر منه همة.

стр. 132

تشجيع النفس عند تثبيط الآخرين الناس يختلفون في التأثير بالتشجيع والتثبيط والتخذيل، فأحياناً يتعرض الإنسان لتخذيل أو تثبيط ربما يتفاعل معه بطريقة سلبية أو يتفاعل معه بطريقة إيجابية، قد يكون الشخص ضعيف الشخصية جداً بحيث إنه ينهار تماماً، وربما غير مسار حياته كله؛ بسبب عبارة تخذيل، أو مدرس حط من قدره أو احتقره، وهذه طريقة سلبية في التفاعل مع التخذيل، وهناك طريقة إيجابية يكون فيها ارتقاء الإنسان بسبب التخذيل، ويتفاعل معه بالعكس بتحدي. أذكر أن مدرسة كانت تنتقد إحدى الطالبات في الثانوية، وكلما تقابلها تقول لها العبارة المعروفة: قابليني لو أفلحت بنفس هذه الأساليب الشيطانية المدمرة، حتى أنها كانت متربصة بها وهي داخلة الامتحان، وتتوعدها وتقول لها: تعالي قابليني لو نجحت حتى من الثانوية العامة، فكيف تفاعلت تلك الطالبة مع هذا التخذيل والتحطيم من المدرسة الجاهلة التي تحتاج إلى تربية؟ أخذت الموضوع بتحدي، فاجتهدت جداً في الدراسة، ودخلت نفس الكلية ونفس التخصص والمادة التي كانت المدرسة تتحداها فيها، وتفوقت إلى أعلى ما يمكن من المراتب في هذا العلم، وكان السبب التفاعل الإيجابي مع التثبيط، بتحدي وليس بخضوع واستسلام وتخاذل، فالإنسان يحاول دائماً أنه يحول الظروف إلى صالحه، هذا هو الإنسان العاقل؛ لأن الظروف لا تستطيع أنت تغييرها، فحاول أن تحولها إلى صالحك. كان بعض الأكابر له مملوك سيئ الخلق فض غليظ لا يناسبه طبعه، فقيل له: لم لا تتخلص منه فإنه مؤذ وسيئ الطبع، وفيه نفور شديد؟ لماذا أنت متمسك به، ويمكن أن تبيعه وتتخلص من هذا العبد الغليظ؟ فقال: إني أدرس عليه مكارم الأخلاق؛ فأنا أروض أخلاقي وأتدرب على الصبر والتحمل، وكيف أحسن خلقي حتى مع من يؤذونني أو أبغضهم أو يبغضونني؛ فانظر كيف حول الظروف إلى صالحه! وهذا شيء حقيقي فعلاً؛ فإن الإنسان لولا المخالطة لن يتعلم ولن يستفيد، والإنسان المعزول تماماً عن الناس لا يكون عنده كفاءة في التعامل مع المسئوليات أو إدارة الأمور أو التكيف مع المحيطين به، فالاختلاط بالناس فيه فوائد مع ما فيهم من الأذى؛ فلا بد أن يعود الاختلاط بهم على الإنسان بفائدة؛ لأنه يرى الأخلاق السيئة في صورتها السيئة، فحينما يتمرن على مصاحبة مثل هذا المملوك السيئ الخلق، ومعاشرته والصبر عليه والتحمل، لا شك أن هذا سوف يقوي من إمكاناته الشخصية. يقول الإمام ابن حزم رحمه الله تعالى: ولكل شيء فائدة، ولقد انتفعت بمحك أهل الجهل منفعة عظيمة، يقول: احتكاكي بالجهال استفدت منه، وتعرفون أنه عانى من هؤلاء الناس معاناة شديدة حتى أحرقوا كتبه، وآذوه أذى شديداً، يقول: احتكاكي بالجهال والباغين نفعني منفعة عظيمة، ولقد انتفعت بمحك أهل الجهل منفعة عظيمة، وهي أنه توقد طبعي، واحتدم خاطري، وحمي فطري، وتهيج نشاطي؛ فكان ذلك سبباً إلى تواليف لي عظيمة، ولولا استثارتهم نشاطي واقتداحهم كامني ما انبعثت لتلك التواليف، يعني: الصراعات الفكرية، وصراعه مع المقلدين وغيرهم جعله يقرأ ويصنف مما أنتج هذه التصانيف الرائعة التي صنفها، ودائماً الحسود أو المؤذي إذا تفاعل معه الشخص المبغي عليه أو المجني عليه بالحسد أو الأذى تفاعلاً إيجابياً تحصل له الثمرة الإيجابية، فهناك بعض الأشعار في شأن الحسد لها نفس هذا المعنى، يقول بعضهم: يقابلني السفيه بكل قبح فأكره أن أكون له مجيبا يزيد سفاهة وأزيد حلما كعود زاده الإحراق طيبا عود البخور كلما ازداد إحراقه كلما شاعت رائحته أكثر وأكثر، فكذلك الإنسان عليه أن يحول التخذيل أو التثبيط أو العوامل البيئية من حوله إلى عوامل إيجابية. أذكر قصة للأديب المعروف عباس محمود العقاد، وكلما ذكرت اسم العقاد أتحسر في الحقيقة على العقاد، فقد كان من الأذكياء، ولكنه للأسف الشديد ضيع عمره في أنواع من المعارف والعلوم غير المثمرة إلا قليلاً مما خدم به المصنفات الإسلامية كالعبقريات ونحوها. لكن على أي الأحوال هو أنموذج من نماذج التعامل مع التثبيط بطريقة إيجابية، فالذي يثبطك ادخل معه في التحدي، وتحداه وحول النتيجة التي يريدها منك إلى نتيجة إيجابية. يقول العقاد: استفدت في مرحلة التعليم الابتدائي من أستاذين اثنين على اختلاف بينهما في طريق الإفادة؛ فإن الأستاذ الأول كان يقصد أن يفيدني لأنه كان يشجعني، والآخر أفادني على غير قصد منه، فحمدت العاقبة على الحالين، وكان أحد الأستاذين هو الشيخ فخر الدين محمد التشناوي، وكان يميل إلى التجديد والابتكار في التعبير، ويمنح أحسن الدرجات للتلميذ المتصرف في مناحي الكلام، وأقلها للتعبير الذي يؤخذ من نماذج الكتب، والذي يكتب موضوع إنشاء يعطيه أقل، والذي يبتكر من عنده تعبيرات وإنشاءات فهذا يعطيه درجة أعلى، وكانت دروسه تلتهب حماسة ووطنية، ولها تأثيرها البليغ في نفوس التلاميذ خصوصاً في زمن كانت تئن فيها البلاد من وطأة الاحتلال. أما الأستاذ الثاني فمدرس الحساب، فقد كان يؤمن بالخرافات وشفاعات الأولياء، وكان محدود الفهم في دروسه، ولاسيما المسائل العقلية في دروس الحساب، وبعد أن ذكر بعض المواقف مع ذلك الأستاذ قال: ولكن الدرس الأكبر الذي أحسبه أكبر ما استفدته من جميع الدروس في صباي كان بسبب مسألة حسابية من تلك المسائل العقلية، كنت شديد الولع بهذه المسائل، لا أدع مسألة منها دون حل مهما يبلغ إعضالها، وكان الأستاذ يحفظ منها عدداً كبيراً محلولاً في دفتره، يعيده على التلاميذ في كل سنة، والمدرس كان يحفظ المسائل مثل اسمه، وقلما يزيد عليها شيئاً من عنده، وعرضت في بعض الحصص مسألة ليست موجودة في دفتر المدرس، فعانينا حلها في الحصة على غير جدوى، ووجب في هذه الحالة أن يحلها الأستاذ لتلاميذه فلم يفعل، وقال على سبيل التخلص: إنما عرضتها عليكم امتحاناً لكم؛ لتعرفوا الفرق بين مسائل الحساب ومسائل الجبر؛ لأنها تشتمل على مجهولين، لم أصدق صاحبنا، ولم أكف عن المحاولة في بيتي، فقضيت ليلة ليلاء حتى الفجر، وأنا أقوم وأقعد عند اللوحة السوداء حتى امتلأت من الجانبين بالأرقام، وجاء الفرج قبل مطلع النهار، فإذا بالمسألة محلولة، وإذا بالمراجعة تثبت لي صحة الحل، فأحفظ سلسلة النتائج وأعيدها لأستطيع بيانها في المدرسة دون ارتباك أو نسيان، فقلت: لقد حللت المسألة، قال الأستاذ: أية مسألة؟ قلت: المسألة التي عجزنا عن حلها في الحصة الماضية، قال: أو صحيح؟! تفضل أرنا همتك يا شاطر، وحاول أن يقاطعني مرة بعد مرة، ولكن سلسلة النتائج قد انطبعت في ذهني لشدة ما شغلتني، ومن طول ما راجعتها، وكررت مراجعتها وانتظرت ما يقول، فإذا الأستاذ ينظر إليّ شزراً وهو يقول: لقد أضعت وقتك على غير طائل؛ لأنها مسألة لن تعرض لكم في امتحان، وإذا بالتلاميذ على نفحة الأستاذ قائلين: ضيعت وقتنا، ما الفائدة من كل هذا العناء؟ ثم عقب العقاد على هذا الحدث بقوله: كانت هذه الصدمة خليقة بأن تكسرني كسراً لو أن اجتهادي كان محل شك عندي، أو عند الأستاذ أو عند الزملاء، أما وهو حقيقة لا شك فيها، فإن الصدمة لم تكسرني، بل نفعتني أكبر نفع حمدته في حياتي، وصح قول القائل: كل ما لم يقتلني يزيدني قوة؛ لأني لم أحفل بعدها بإنكار زميل ولا رئيس، وعلمت أن الفضل قيمته فيه لا فيما يقال عنه أياً كان القائلون. فلا شك أن هذا درس وعبرة فيها فوائد جمة، فهو نموذج من نماذج التعامل مع التثبيط بطريقة إيجابية؛ لأنه واثق من موقفه، ولا يشك في أنه اجتهد وأنجز إنجازاً له قيمة، وأن زملاءه كانوا منافقين يداهنون المدرس، وأن المدرس لم يكن منصفاً في رده وما قصده، لكن مع ذلك انظر كيف تفاعل مع هذه المسألة؟! يحضرني أيضاً قصة العلامة الألباني رحمه الله تعالى، وهي: أنه لما كان في مقتبل صباه نشط لتحقيق مسألة حكم بناء المساجد على القبور، وحكم الصلاة في المساجد المبنية على القبور، خاصة أضرحة الأولياء، فالعلامة الألباني رحمه الله تعالى جمع الأقوال من مكتبة أبيه في البيت، وأبوه كان حنفياً، فرجع إلى كثير من مراجع الأحناف وعمل بحثاً قيماً انتهى به إلى أن الصلاة في هذه الأماكن مكروهة كراهة تحريمية، ثم ذهب وكله نشاط وهمة وأمل في سماع كلمة ثناء من شيخه الشيخ البرهاني، فعرض عليه البحث، وكان ذلك في الأيام الأخيرة من رمضان في تلك السنة، فقال له: بعد العيد إن شاء الله نتقابل وأكون قد قرأت البحث فلما قابله بعد العيد سأله عن البحث، فقال: لقد أضعت وقتك في غير فائدة، فإنك ما رجعت للمراجع المعتبرة عند أهل العلم، فيقول الشيخ الألباني رحمه الله تعالى: فاستنكرت هذا التعليق، وأيقنت أن هذا الشيخ لم يقرأ البحث أصلاً؛ لأنه سرد أسماء كثيرة من المراجع أكثر بكثير مما ذكره شيخه، قال: فدفعني هذا إلى المزيد من البحث، ومن التحري في المسألة إلى أن خرج الكتاب المشهور المبارك: تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد، فالشاهد: أن الموقف كان تفاعلاً مع المثبط بطريقة إيجابية، فالذي يثبطك تحداه؛ لأن المثبط واحد من اثنين: إما أنه جاهل في التربية، وإما أنه حاقد يريد أن يحطم نفسية هذا الطالب، ويسيء إليه، وللأسف الشديد، ففي الحالتين لا يمكن أن يكون مستحقاً بأن يتأثر من كلامه؛ لأنه لا يقبل موقف الحاسد أو الحاقد أو الذي يريد به سوء، وأيضاً الجاهل لا يؤخذ منه ولا يبنى على موقفه.

стр. 133

أثر ثناء النبي ﷺ على ابن عمر

стр. 134

عامة الخلق جبلوا على حب التشجيع حديثنا اليوم عن التشجيع والثناء والتحفيز بالنسبة للأطفال أو طلبة العلم أو الناس عموماً، فللمدح والثناء أثر فعال في استنهاض الهمم والإنجاز العظيم، فكلمات الثناء والامتنان، والتعبير عن الشكر تقوم بالإشعاع بالطاقة وإطلاقها، بوسعك أن تمدح جسداً ضعيفاً ليتحول بمديحك أو ثنائك أو تشجيعك إلى قوة، وأن تمدح قلباً يملؤه الخوف ليتحول إلى السكينة والاطمئنان والثقة، وتتحول الأعصاب المحطمة إلى ثبات وقوة، والمشروع الفاشل إلى نجاح وازدهار. إن عامة الخلق جبلوا على حب الثناء والتأثر والسعادة به، حتى إن مدربي الحيوانات يقومون بتدليل ومكافئة الحيوانات التي يرعونها بتقديم الحلوى أو أي شيء تحبه اعترافاً وثناء على طاعتها لهم، كذلك الأطفال يشعرون بالمرح والسرور عندما يثنى عليهم ويمدحون، حتى يقال: إن القدرة نفسها تنمو بصورة أفضل لأولئك الذين يعشقونها، فالثناء والتشجيع يعطي المرء طاقة وحيوية، خاصة إذا تلقى هذا الثناء من إنسان يعرفه أو يعبر له عن شكره بما قام به من عمل؛ فيشعر بالرضا والانبساط. نحن الآن على مشارف العام الدراسي الجديد، وتنبيهنا للمدرسين على وجه الخصوص، ثم للمربين عموماً وفي مقدمتهم الآباء والأمهات، فينبغي أن نتعامل مع أطفالنا من منطلق هذا التحفيز والتشجيع والمديح والثناء الصادق الذي يرفع معنوياتهم، ويشحن الطاقة الجسمية والمعنوية لديهم كي تتحول إلى سلوك وعمل، وتنمي فيهم القدرة على تحمل المسئوليات. شخص يدعى الدكتور هنري بوذرد كان يعمل مدرساً في إحدى المدارس في (نيوجرسي)، فاخترع جهازاً لقياس الإعياء والتعب، وكان الأطفال هم موضع الاختبار، وعندما كانوا يتلقون كلمات الثناء والإعجاب والتشجيع كان يظهر الجهاز ارتفاعاً مفاجئاً يعبر عنه بوجود طاقة إضافية، وكانت طاقتهم تزداد بمجرد أن يسمعوا هذه الكلمات، وعندما كانوا يتعرضون للنقد واللوم والتوبيخ كانت تندفع طاقتهم الجسمانية إلى الهبوط بصورة مفاجئة، ورغم عجز العلم عن تفسير قوة الثناء بدليل مادي أو حسي إلا أنه استطاع أن يقوم بقياس أثر الثناء والتشجيع على طاقة الإنتاج. بعض الأطفال كان يوماً يقول وهو محبط وحزين: إنني إذا ارتكبت أخطاء أرى الجميع ينتقدونني، وإذا أنجزت إنجازاً قيماً لا أسمع كلمة ثناء من أحد! فكان هذا سبباً من أسباب إحباطه، وكثير من الناس يتعمد هذه الطريقة ويقول: لكي نربيه ويصير رجلاً يتحمل المسئولية؛ لا نمدحه، لكن فقط نوبخه ونعنفه، فبعض الناس يركزون فقط على السلبيات والنقد، ويطلقون على الأطفال أحياناً وابلاً من السباب والشتائم، وينبغي أن نشبع جوع هؤلاء الأطفال إلى المديح وإلى الثناء، وأن نحفظ لهم كرامتهم، ونعطيهم المزيد من الاحترام والثقة، والفرصة للعطاء والإنتاج لما يناط بهم من مسئوليات؛ فيصبحون بذلك أكثر إيجابية وتعاوناً مع الآخرين.

стр. 135

شروط التشجيع أهم شرط في المديح: أن يكون صادقاً بدون مداهنة أو كذب، وهذا هو الذي يترك أثراً إيجابياً في نفس الطفل، وإذا مدح الطفل بمجازفة وبكذب فإنه يكتشف ذلك، ويعرف أن هذا كذب، فالثناء ينبغي أن ينصب على الفعل، لا أن تمدح الطفل نفسه كما سنبين إن شاء الله تعالى، لا تقل له مثلاً: أنت أبرع طفل في العالم، أنت أجمل طفلة في العالم أو نحو هذه الأشياء، وإنما تقول له: أداؤك في هذا الامتحان كان أداء جيداً وموفقاً، وتحسنت كثيراً، فتمدح السلوك وليس الشخص نفسه، حتى يحصل الربط الإيجابي، ويكون أقوى وأقدر على التغيير في سلوكه، وقد رأينا في حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما كيف مدحه النبي ﷺ بهذه الطريقة الرائعة: (نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل)، فتأثر ابن عمر بهذه العبارة جداً إلى حد أنه كان بعدها لا ينام من الليل إلا قليلاً ينبغي أن ينصب الثناء على الفعل، وعلى السلوك الحسن الإيجابي، وليس على الشخص نفسه، فمثلاً بدل أن تقول له: أنت طالب مجتهد يا فلان، قل له: الامتحان الأخير الذي حصلت فيه على هذه الدرجة في اللغة العربية كان ممتازاً، أو النتيجة كانت ممتازة، أو أداؤك كان ممتازاً، ولا تقل له: أنت ممتاز؛ لماذا؟ حتى نلفت نظره دائماً إلى السلوك نفسه، وليس إلى شخصه. مثلاً: بنت ساعدت أمها في ترتيب غرفة من غرف البيت، فالصواب أن يقال لها: كان عملك في إنجاز هذا الأمر رائعاً، ويشجعها بكلام ينصب على مدح السلوك، لكن لا نقول لها: أنت أفضل البنات يا فلانة، أو أنت أفضل بنت في العالم إلى آخر هذا، فنركز على السلوك نفسه لنلفت نظره، وليربط بين المديح والثناء، وبين السلوك الإيجابي كي يحدث تغييراً في سلوكه؛ لأن الثناء المطلق لا يؤثر نفس التأثير، فينبغي أن يكون محدداً لكي يعرف أنه لما عمل الشيء الفلاني مدح، وشيء محدد هو الذي استجلب له المدح والثناء؛ ولذلك ينبغي أن تكون المكافئة أو التشجيع عقب الفعل مباشرة، فعندما يحفظ السورة ويسمعها تسميعاً جيداً؛ فوراً يعطى الجائزة، والجائزة لا يشترط أن تكون مادية بل يمكن أن تكون مدحاً وثناء أو أن يحتضنه، أو يلعب معه، أو أي شيء آخر. ولا يشترط أن الجائزة دائماً تكون جزاءً مادياً، كذلك العقاب يكون عقب الفعل مباشرة، ولا يؤجل ولا يسوف؛ لأنه إذا عوقب بعد فترة، أو بعد مضي يوم أو يومين مثلاً، أو إذا جوزي بعد مضي يوم سيختلط الأمر، والمفروض أن يعاقب عليه مباشرة، وهو في أثناء أو هذه المهلة يمكن يكون قد ارتكب سلوكيات خاطئة أخرى، فهو لا يعرف على ماذا يعاتب؟ إذاً: العقوبة لابد أن تكون عقب الفعل مباشرة، وكذلك الجزاء والثواب والتشجيع، وعندها سنجد أن الطفل سوف يحاول الإكثار من هذا السلوك الذي جلب له المديح أو الثناء والإعجاب والتقدير، ولو أننا ركزنا على مدح ذاته هو وليس إنجازاته أو سلوكياته فهذا سوف يزيد من أنانيته، ويزيد من حبه لنفسه، وربما أشعره بالغرور والتعالي؛ ولذلك نرى كثيراً من المتفوقين يتراجعون في مستواهم الدراسي، أو ينحرفون عن السلوك القويم بسبب المبالغة في مدحهم بمدح عام مطلق يملؤهم غروراً وكبراً، فلابد أن يتسم الثناء والمدح بالموضوعية، ولا يبالغ المربي فيه، حتى لا يفقد قيمته؛ لأنه إذا كان مبالغاً فيه، أو فيه كذب، فإن الطفل سوف يدرك جيداً هل كان المدح صادقاً ومعقولاً وموضوعياً أم فيه مجازفة وغلو ومبالغة، فيستخدم المربي الاعتدال وفي ظروف ملائمة، تشجعه على الأداء وتنمي لديه الحافز الداخلي، وتساهم في بناء شخصيته وتطويرها نحو الأفضل. نذكر كلاماً متعلقاً بنفس هذا الموضوع من كتاب: (مبدأ الرفق في التعامل مع المتعلمين) لمؤلفه صالح بن سليمان البقعاوي يقول: إن من الأسس النافعة في التعليم والتربية: الثناء على الطالب ومدحه ليزداد اهتماماً ونشاطاً في الخير والإقبال على العلم والتزود منه، والمدح والثناء الحسن لا يكلف المعلم شيئاً، ولا يحقر بسببه شيئاً، بل الفائدة متحققة من استعماله، وحينما نقرأ سير علماء الأمة وصلحائها نجد المدح والثناء والتشجيع للطلبة على كسب العلم وتحصيله.

стр. 136

أمثلة من التشجيع الفعال كان الإمام أحمد دائماً يمدح بقي بن مخلد أمام باقي الحاضرين، ويقول: هذا يقع عليه اسم طالب العلم، أي أنه يستحق أن يتشرف بلقب طالب علم؛ لأن قصة بقي بن مخلد في غاية الروعة، رحل من الأندلس إلى بغداد ليسمع مباشرة من الإمام أحمد ﵀، وكان الإمام أحمد محددة إقامته في تلك الفترة، وممنوع من مخالطة الناس، فاحتال بعد الاتفاق مع الإمام أحمد على أن يرتدي ملابس المتسولين، ويأتي كل ليلة ليسأل الصدقة، ثم يدخل في الممر كأنه ينتظر أن يؤتى له بالطعام أو الصدقة، ففي أثناء تلك الفترة يخرج إليه الإمام أحمد ويحدثه كل يوم بحديث، فلما انقشعت المحنة كان الإمام أحمد يعظمه جداً، وكان يقول في مجلسه: هذا يقع عليه اسم طالب العلم. وكان الإمام البخاري رحمه الله تعالى يفعل ذلك -أي: التشجيع- مع الوراق، فقد كان يملي عليه الإمام الأحاديث وهو يكتب في الورق، فكان يكثر جداً من الإملاء، فيخشى أن يمل الرجل رغم أنه كان يأخذ أجراً على هذا، فكان يلاطفه ويواسيه ويشجعه بالاستمرار كي لا يمل، يقول الوراق: (فأملى عليّ يوماً -أي: الإمام البخاري - أحاديث كثيرة فخاف مللي، فقال: طب نفساً فإن أهل الملاهي مع ملاهيهم، وأهل الصناعات في صناعاتهم، والتجار في تجاراتهم، وأنت مع النبي ﷺ وأصحابه)، يقول له: طب نفساً، وهذا تشجيع وثناء عليه، وتسلية له ومواساة على هذه المشقة التي يتحملها، طب نفساً، فإن أهل الملاهي مع ملاهيهم، ذهب كل مع من يحب، أهل الملاهي يجلسون مع الملاهي، وأهل الصناعات في صناعاتهم في طلب الدنيا، والتجار في تجاراتهم، وأنت لست مع الملاهي ولا مع الصناع ولا مع التجار، وإنما أنت مع النبي ﷺ وأصحابه. أهل الحديث هم أهل النبي وإن لم يصحبوا نفسه أنفاسه صحبوا فـ البخاري علم أن التشجيع والثناء والمواساة والمدح يجعل هذا الرجل ينجو من الملل أو الضجر، ويتلقى هذه التكاليف بصدر رحب. الإمام مالك رحمه الله تعالى كتب رسالة إلى إمام مصر الليث بن سعد، فيها الثناء والمدح له، ومما قال فيها: وأنت في إمامتك، وفضلك ومنزلتك من أهل بلدك، وحاجة من قبلك إليك، واعتمادهم على ما جاءهم منك. فالإمام مالك يهيئ الليث بالثناء عليه ومدحه قبل أن ينصحه؛ لأنه نصحه بعد ذلك، وبقصد النصيحة دخل من هذا المدخل. الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى دخل في يوم مطير على تلاميذه، وكان يخشى عليهم من خوف الملل أو الضجر من طول الوقت، فأقبل أبو حنيفة رحمه الله تعالى عليهم بوجه بشوش وقال لهم: أنتم مسار قلبي وجلاء حزني. ودخل الإمام الشافعي يوماً على الإمام أحمد بن حنبل فقال: يا أبا عبد الله! كنت اليوم مع أهل العراق في مسألة كذا وكذا، كنت أناقشهم أو أناظرهم في مسألة فقهية فلو كان معي حديث عن رسول الله ﷺ ، فدفع إليه أحمد ثلاثة أحاديث، فقال: جزاك الله خيراً، مع أن الشافعي شيخ الإمام أحمد، لكنه مع ذلك أتاه وطلب منه هذه الأحاديث، وأظهر الافتقار لما معه من العلم والحديث. حتى أهل الخير من أهل الهمة مهما بلغ أحدهم من المنزلة يحتاجون إلى التشجيع ليفعل فيهم أثره. مر رجل مع صاحب له بجوار بيت أبي حنيفة ليلاً، فسمع أحدهما يقول لصاحبه: هذا أبو حنيفة لا يكاد ينام من الليل، يعني: يقوم الليل كله، فقال أبو حنيفة لنفسه: والله لا يُتحدث عني بما لا أفعل، فمن ساعتها بدأ يواظب على قيام معظم الليل رضي الله تعالى عنه. كان رجل من أهل الأذى للناس، وكان له منصب معين يتمكن منه من أذية الناس، فقابله شخص بالثناء عليه، وبأنه سمع شكره مستفيضاً، ووصفه بالجميل، ومدحه بالرفق؛ فكان ذلك سبباً إلى أن منع ذلك الفاسق عن كثير من شره وأذاه للناس، فممكن أن تمدح الظالم للحد من شره، لكن تمدحه بصدق دون أن تغره بما هو فيه من ظلم فيتمادى في ظلم الناس، ودون أن تداهنه وتكذب في مدحه، لكن ممكن أن تأتي بشيء من الخير الذي تراه فيه، كأن تقول له: أنت من أسرة طيبة، وأناس أفاضل معروفون بحب الخير، فهذا ليس كذباً، إن كان هو بالفعل هكذا، لكن هو الفرع الخبيث في هذه الشجرة، فالشر ينقمع في نفسه، ويكف عن أذية الناس. فالبيئة المشجعة حول الإنسان دائماً ما تحفزه على المزيد من الإنتاج.

стр. 137

أثر التثبيط في خنق المواهب تكلم الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله تعالى عن أثر التثبيط في خنق المواهب، وحرمان الأمة من عبقرية أصحابها وإبداعهم، وهو يقصد بالمثبطين هنا بعض أبناء العائلات التي احتكرت الوظائف العلمية، فكانوا يخشون أن تتحول عنهم إلى غيرهم، فكلما رأوا طالب علم مجد ونابغة من غير هذه العائلات يخذلونه ويثبطونه إلى أن يترك طلب العلم، لكي يبقى العلم حكراً على هذه العائلات وهذه الأسر. يقول الشيخ: إن الشيخ محمد أمين بن عابدين لما نشأ، وآنس المثبطون منه الميل إلى العلم، وعرفوا فيه الذكاء المتوقد، والعقل الراجح؛ خافوا منه، فذهبوا يقنعون أباه -وكان أبوه تاجراً- ليسلك به سبيل التجارة، ويتنكب به طريق العلم، وجعلوا يكلمونه ويرسلون إليه الرسل، ويكتبون إليه الكتب، ويستعينون عليه بأصحابه وخلطائه، ولكن الله أراد بالمسلمين خيراً، فثبت الوالد، فكان من هذا الولد المبارك ابن عابدين صاحب الحاشية، وهو أوسع كتاب في فروع الفقه الحنفي. يقول الشيخ: بل أرادوا أن يصرفوا عن العلم أستاذنا العلامة محمد بن كرد علي -وهذا إمام من أئمة السلفية الكبار- فبعثوا إليه بشقيقين من آل فلان، شقيقان قد ماتا فلست أسميهما، على رغم أنهما قطعا عن العلم أكثر من أربعين طالباً، صرفوهم عن العلم إلى الاشتغال بالدنيا لهذا السبب، فما زالا بأبيه ينصحانه أن يقطعه عن العلم، ويعلمه مهنة يتكسب منها، فما في العلم نفع ولا منه فائدة، يلحان عليه ويلازمانه حتى ضجر فصرفهما، فننبغ ولده هذا الأستاذ كرد علي حتى صار صاحب النهضة الفكرية في الشام، وقائدها، ووزير معارف سوريا الأسبق، ومفخرتها، والذي من مصنفاته: خطب الشام، وغرائب الغرب، والقديم والحديث، والمحاضرات، وغابر الأندلس وحاضرها، والإدارة الإسلامية، والإسلام والحضارة العربية، والمقتبس، ومن مصنفاته: المجمع العلمي العربي بدمشق، ومن مصنفاته: هؤلاء الشعراء والكتاب من الشباب. ولعل في الناس كثير كانوا -لولا الاحتقار والتثبيط- كـ ابن عابدين وكـ كرد علي. وها هو العلامة الشيخ سليم البخاري رحمه الله تعالى مات وما له مصنف على جلالة قدره، وكثرة علمه، وقوة قلمه، وشدة بيانه، وسبب ذلك: أنه صنف لأول عهده بالطلب رسالة صغيرة في المنطق، كتبها بلغة سهلة عذبة، تنفي عن هذا العلم تعقيد العبارة، وصعوبة الفهم، وعرضها على شيخه؛ فسخر منه، وأنبه، وقال له: أيها المغرور! أبلغ من قدرك أن تصنف؟ وأنت وأنت -يعيره- ثم أخذ الرسالة فسجر بها المدفئة، فكانت هي أول مصنفات العلامة سليم البخاري وآخرها! يقول: وأول من سن سنة التشجيع في بلدنا هو العلامة مربي الجيل الشيخ طاهر الجزائري ﵀، نسبة إلى الجزائر في العراق، الفيلسوف المؤرخ الجدلي الذي من آثاره المدارس الابتدائية النظامية في الشام، والمكتبة الظاهرية، والأستاذ محمد كردي علي بيك كان من تلامذته، وخالي الأستاذ محب الدين الخطيب - محب الدين الخطيب خال الشيخ علي الطنطاوي ﵀ ومما كتب الشيخ طاهر الجزائري في ذم التثبيط ﵀ يقول: وقد عجبت من أولئك الذين يسعون في تثبيط الهمم في هذا الوقت الذي يتنبه فيه الغافل، وكان الأجدر بهم أن يشفقوا على أنفسهم، ويشتغلوا بما يعود عليهم وعلى غيرهم بالنفع، ولم ير أحداً من المثبطين قديماً أو حديثاً أتى بأمر مهم، فينبغي للجرائد الكبيرة أن تكثر من التنبيه على ضرر هذه العادة، والتحذير منها؛ ليخلص منها من لم تستحكم فيه، وينتبه الناس لأربابها ليخلصوا من ضررهم. وكان الشيخ في حياته يشجع كل عامل، وهذا من السنة، فالرسول ﵊ لما رآهم عند بئر زمزم يصبون الماء قال لهم: (هكذا فاعملوا بارك الله لكم، وجزاكم الله خيراً) أو كما قال، والشاهد التشجيع والثناء على من يفعل خيراً بالخير، وكان الشيخ لا يثني أحداً عن غاية صالحة؛ حتى لقد أخبرني أحد المقربين منه أنه قال له: إذا جاءك من يريد تعلم النحو في ثلاثة أيام فلا تقل له: إن هذا غير ممكن -انظر إلى هذا الأسلوب التربوي- لا تقل له: هذا غير ممكن؛ فتفل عزيمته، وتكسر همته، ولكن أقرئه، وحبب إليه النحو، فلعله إذا أنس به واظب على قراءته.

стр. 138

أثر التشجيع في ولادة المواهب والعبقريات إن التشجيع يفتح الطريق للعبقريات المخبوءة حتى تظهر وتثمر ثمارها، وتؤتي أكلها، ورب ولد من أولاد الصناع أو التجار يكون إذا شجع وأخذ بيده عالماً من أكابر العلماء، أو أديباً من أعاظم الأدباء، وفي علماء القرن الماضي في الشام من ارتقى بالجد والدأب والتشجيع من منوال الحياكة إلى منصب الإفتاء وكرسي التدريس تحت القبة. نشأ الشيخ محمد بن إسماعيل الحائك خياطاً عامياً، ولكنه كان محباً للعلم وللعلماء، فكان يحضر مجالسهم، ويجلس في حلقهم للتبرك والسماع، وكان يواظب على الدرس، ولا يفوته الجلوس في الصف الأول، فجعل الشيخ يؤنسه ويلطف به لما يرى من دوامه وتبكيره، ويسأل عنه إذا غاب، فشد ذلك من عزمه، فالشيخ يؤنسه لأنه يأتي مبكراً، ويجلس في أول الصف، حتى إذا غاب يسأل عنه الشيخ، فهذا أثر فيه تأثيراً شديداً؛ لأنه صار محل اهتمام هذا الشيخ، فاشترى الكتب وصار يحيي ليله في مطالعة الدرس، ويستعين على ذلك بالنابهين من الطلبة، واستمر على ذلك دهراً حتى أتقن علوم الآلة، وصار واحد زمانه في الفقه والأصول، وهو عاكف على مهنته لم يتركها، وصار الناس يأتونه في محله يسألونه عن مشكلات المسائل والوقائع فيجيبهم بما يعجز عنه فحول العلماء، فانقطع الناس عن المفتي من آل العمادي، فساء ذلك العماديين وآلمهم، فتربصوا بالشيخ وأضمروا له الشر، ولكنهم لم يجدوا إليه سبيلاً، فقد كان يحيى من عمله، ويحيى الناس بعلمه، كان يشتغل بالخياطة وفي نفس الوقت يفيد الناس، وكان يمر كل يوم في دار العماديين الذين كانوا محتكرين الفتوى في القيمرية وهو على أتان -وهي الحمارة- له بيضاء، فيسلم فيردون ﵇، فمر يوماً كما كان يمر فوجد على الباب أخاً للمفتي فرد ﵇، وقال له ساخراً: إلى أين يا شيخ؟ أذاهب أنت إلى اسطنبول لتأتي بولاية الإفتاء؟! يسخر منه، لأنه في السابق كان يعين المفتي بمرسوم من اسطنبول، وضحك من حوله، أما الشيخ فلم يزد على أن قال: إن شاء الله، وسار في طريقه حتى إذا ابتعد عنه سار في الأزقة، حتى عاد إلى داره فودع أهله وأعطاهم نفقتهم، وسافر إلى مكان مجهول، وما زال يفارق بلداً ويستقبل بلداً، حتى دخل القسطنطينية، فنزل في خان قريب من دار المشيخة، وكان يجلس على الباب يطالع في كتاب أو يكتب في صحيفة، فيعرف الناس من زيه أنه عربي، فيحترمونه ويجلونه، ولم يكن الترك قد جنَّوا الجنة الكبرى بعد، فكانوا يعظمون العربي؛ لأنه من أمة الرسول الأعظم ﷺ الذي اهتدوا به، وصاروا به وبقومه ناساً، واتصلت أسباب الشيخ بأسباب طائفة منهم، فكانوا يجلسون إليه يحدثونه، فقال له يوماً رجل منهم: إن السلطان سأل دار المشيخة عن قضية حيرت علماءها ولم يدروا لها جواباً، والسلطان يستحثهم وهم حائرون، فهل لك في أن تراها لعل الله يفتح عليك بالجواب، قال: نعم، قال: سر معي إلى المشيخة، قال: باسم الله، ودخلوا على ناموس المشيخة -الذي يسمى الآن السكرتير- فسأله الشيخ إسماعيل عن المسألة، فرفع رأسه فقلب بصره فيه بازدراء؛ لأنه يلبس ملابس رثة، وكأنه يقول: هذا الفقير جاء يريد الجواب عن السؤال الذي عجز عنه شيوخ الإسلام في دار الخلافة! ولم تكن هيئة الشيخ بالتي ترضي، ثم ألقاها إليه الموظف وانصرف إلى عمله، فأخرج الشيخ نظارته، فوضعها على عينه، فقرأ المسألة، ثم أخرج من منطقته الدواة النحاسية الطويلة التي كان يستعملها العلماء وطلبة العلم للكتابة، والدفاع عن النفس -القلم كان كبيراً قوياً يستعمل في الكتابة وفي الدفاع عن النفس- فاستخرج منها قصبة فبراها، وأخذ المقطع فقطعها، وجلس يكتب الجواب بخط نسخي جميل، حتى سود عشر صفحات ما رجع في كلمة منها إلى كتاب، بل من ذاكرته، ودفعها إلى الناموس، ودفع إليه عنوان منزله وذهب، فلما حملها الناموس إلى شيخ الإسلام وقرأها كاد يقضي دهشة وسروراً، وقال له: ويحك! من كتب هذا الجواب؟ قال: شيخ شامي من صفته كيت وكيت، قال: علي به، فدعوه وجعلوا يعلمونه كيف يسلم على شيخ الإسلام، وأن عليه أن يشير بالتحية واضعاً يده على صدره منحنياً، ثم يمشي متباطئاً حتى يقوم بين يديه، إلى غير ذلك من هذه الأعمال الطويلة التي نسيها الشيخ ولم يحفظ منها شيئاً، ودخل على شيخ الإسلام فقال له: السلام عليكم ورحمة الله، وذهب فجلس في أقرب المجالس إليه، وعجب الحاضرون من عمله! ولكن شيخ الإسلام سر بهذه التحية الإسلامية، وأقبل عليه يسأله، حتى قال له: سلني حاجتك؟ قال: إفتاء الشام وتدريس القبة، قال: هما لك، فاغد علي غداً، فلما كان من الغد ذهب إليه وأعطاه فرمان التولية، ومعه ألف دينار، وعاد الشيخ إلى دمشق، فركب أتانة وسار حتى مر بدار العماديين، فإذا بأخي المفتي الذي كان يسخر منه على الباب فسخر منه كما سخر، وقال: من أين يا شيخ؟ فقال الشيخ: من اسطنبول، أتيت بتولية الإفتاء كما أمرتني، ثم ذهب إلى القصر فقابل الوالي بالفرمان، وسلم الشيخ عمله في حفلة حافلة. همم الرجال إذا مضت لم يثنها خدع الثناء ولا عواد الذام أي: أن الهمم العالية لا يثنيها ولا يثبطها ولا يحبطها خدع الثناء، فالمدح لا يغرها، حتى تصل مرحلة الانتفاع، (ولا عواد الذام)، يعني: ولا نوائب الذي يعيب ويحتقر. ومن هذا الباب: قصة الشيخ علي كزبر! وقد كان خياطاً في سوق المسكية على باب الجامع الأموي، فكان إذا فرغ من عمله ذهب فجلس في الحلقة التي تحت القبة فاستمع إلى الشيخ حتى يقوم فيلحق به ويخدمه، وكان الشيخ يعطف عليه لما يرى من خدمته إياه، فيشجعه ويحثه على القراءة، فقرأ ودأب على المطالعة حتى صار يقرأ بين يدي الشيخ في الحلقة، ولبث على ذلك أمداً وهو لا يفارق دكانه ولا يدع عمله، حتى صار مقدماً في كافة العلوم، فلما مات الشيخ حضر في الحلقة الوالي والأعيان والكبراء ليحضروا أول درس للمدرس الجديد؛ فافتقدوا المعيد فلم يجدوه، ففتشوا عليه فإذا هو في دكانه يخيط، فجاءوا به فقرأ الدرس وشرحه شرحاً أعجب الحاضرون وطربوا له، فعين مدرساً، ولبث خمسة عشر عاماً يدرس تحت قبة النسر، وبقيت الخطبة في أحفاده إلى اليوم. وكان هذا مروراً عابراً مختصراً؛ لأن الكلام في هذا الموضوع أوسع من هذا بكثير، لكن أردت أن أعجل بهذه الوصية قبل أن يبدأ العام الدراسي؛ لأننا نسمع بمذابح ومجازر لهمة الأطفال، وبالتحقير والتشنيع، وإن شاء الله عما قريب أرجو أن نصل بهذه النصيحة إلى المدرسين حتى يتقوا الله في مستقبل المسلمين المتمثل في أبنائهم وطلابهم. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم. سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

стр. 139

[القسم الثاني] ضرورة محو الأمية التربوية «بر الأولاد» لفضيلة الشيخ محمد بن إسماعيل المقدَّم ﷺ -

стр. 140

الدرس الأول «طفلك ليس ملكك»

стр. 141

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فهو المهتد ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله اللهم صل على محمد النبي وأزواجه أمهات المؤمنين وذرياته وأهل بيته كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد،، أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد،، نعود لمدارسة مفصلة إن شاء الله وتكون هذه المرة مستوعبة كل جوانبها يمكن كانت أول محاضرة من حوالي اثنتي عشرة سنة؛ فللأسف الشديد ما أخذت حقها، وإن كان أحد الإخوة أرسل لي سؤالاً مرعبًا يقول لي فيه إيه موضوع ضرب الأطفال هذا الذي تريد أن تتكلم فيه؟ هناك حاجات أهم بكثير. موضوع ضرب الأطفال ليس القضية الأساسية بل هو موضوع من ضمن قضايا كثيرة في التربية لكن كان هذا الكلام يشير بفظاعة وهول ما نحن فيه من عدم إدراك خطورة قضية التربية. حينما عثرت تلك المرأة الأسيرة على ولدها الذي كان قد ضل عنها فلما وجدته ألصقته بها وأخذت تحتضنه وتقبله فقال النبي ﷺ في هذا الموقف بالذات وفي تلك اللحظة قال ﷺ : «أَتُرَوْنَ هَذِهِ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ قُلْنَا لَا وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لَا تَطْرَحَهُ فَقَالَ للهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا» (١) فبين لهم أن الله أرحم بعباده من هذه الأم بولدها.

стр. 142

الشاهد هنا في قوله: «أَتُرَوْنَ هَذِهِ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ»؛ لا يوجد أب يريد أن يطرح أبناءه في النار لكن في الواقع هناك من يلقي أولاده ليس في نار الدنيا، وإنما في نار جهنم بأن يفرط في تربيتهم لإنقاذهم من النار وفي ذلك يقول الله ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ (١). فهدف التربية الإسلامية يختلف تمامًا عن جميع أنواع التربية الأخرى؛ فجميع تعريفات التربية في المفهوم الغربي تلتقي حول إعداد الطفل ليكون قادرًا على تحقيق رغباته الدنيوية أن يعيش متكيفًا مع المجتمع من حوله وأن يحقق ما يصبوا إليه لا تُذكر فيها الآخرة على الإطلاق السلام النفسي الاستقرار التكيف إلى آخره لكن في دائرة الحياة الدنيا، الأمر الذي يختلف تمامًا مع الهدف الإسلامي من التربية؛ فالهدف الإسلامي من التربية أن يكون الأبناء عبيدًا لله متحررين من عبودية غيره لأن هذا هو الغاية من الخلق ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧)﴾ (٢). وأول أمر في القرآن الكريم ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾ (٣) ويقول الله : ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ (٤).

стр. 143

قضية التربية قضية هي أخطر القضايا على الإطلاق في المنظور الإسلامي هي قضية القضايا إن جاز لنا التعبير. جاء في الحديث قول النبي ﷺ «أَلاَ لاَ يَجْنِى وَالِدٌ عَلَى وَلَدٍ» (١) كما رواه الدارقطني؛ فالإرشاد إن الأب لا يجني على ولده قوله مثلاً ﷺ «كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَعُوْلُ» (٢) التضييع ليس فقط بالقوت والأموال والتقصير في هذه الناحية لكن أيضًا التضييع أعم و «كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَعُوْلُ» كما قال النبي ﷺ . صورت آيات كثيرة من القرآن الكريم خطورة موضوع التربية وإن الأطفال هم في الحقيقة هم مستقبل الأمة حينما يقول عباد الرحمن في دعائهم ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (٧٤)﴾ (٣). المسلمون اهتموا بذلك، فالتراث الإسلامي حافل بقضايا تربوية في غاية الأهمية يكفي أنك حينما تَدْرُس أي قضية من القضايا التربوية ثم تقف على آثار علمائنا من السلف والخلف ونصوصهم فيها تجدها أروع بكثير جدًا مما يدندن حوله الباحثون العصريون سواء من الغربيين أو غيرهم ليصلوا في النهاية إلى ما لخصه العالم المسلم في جمل يسيرة جدًا، لكنها في غاية القوة؛ لأن التربية كانت شيء ممارس بطريقة عملية بعد ما رباهم الكتاب والسنة والصحابة ﵃. وصل الأمر إلى أن بعض من المحسنين المسلمين كان يبذل أموالاً وقفًا على الأطفال الذين تضيع نقودهم مثلاً الأطفال الذين راحوا يشتروا حاجة أو العبيد أو الخدم راح يشتري حاجة ووقعت منه

стр. 144

الفلوس أو ضاعت أو سرقت حتى يجبروا كسره ومصيبته ويؤمنه من العقوبة الشديدة في مثل هذا فأوقفوا الأموال إن الأطفال الذين يضيع منهم شيء فهذه الأموال وقف على هؤلاء الأطفال. الاهتمام بالتربية اهتمام للجيل القادم وبالأطفال في الإسلام لا نظير له على الإطلاق يبدأ مبكرًا جدًا يبدأ أساسًا من اختيار الزوجة التي ستكون أمًا لهؤلاء الأولاد هذه الدلالة الحقيقية، يبدأ حتى عند التقاء الزوجين باحتياط حتى لا يضر الشيطان هذا المولود أو هذا الجنين إذا خُلِّقَ. يقول النبي ﷺ «مَا يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ أَنْ يَقُولَ حِينَ يُجَامِعُ أَهْلَهُ: بِسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا» (١). فهذا إجراء تربوي، إجراء وقائي يبدأ مبكرًا جدًا «اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا». ولقد تكلمنا من قبل ومنذ زمن على خريطة الأمية التربوية وذكرنا أن الناس يتداعون وكل مكان لمحو الأمية أمية القراءة والكتابة، لكن أقل الناس هم الذين يعترفون بوجود أمية تربوية فضلاً عن أن يفكروا في محو هذه الأمية التربوية، مع أن الفارق خطير جدًا بين أمية القراءة والكتابة وبين الأمية التربوية؛ فأمية القراءة والكتابة تتفشى في طبقات خاصة من الناس -طبقات معينة من الناس أو أنواع معينة من الناس-، أما الأمية التربوية فلا يسلم منها تقريبًا كل فئات المجتمع؛ فتجد الأمية التربوية في ساسة وأساتذة جامعة ومعلمين وآباء وأمهات فيه أشياء كثيرة جدًا تجد تَفَشِّي ظاهرة الأمية التربوية. ولو ذهبنا نعدد أخطاء المعلمين مثلاً أو غيرهم في هذه الناحية وما يترتب عليه من مشاكل نفسية في غاية الخطورة؛ فإننا عندنا رصيد كبير في مثل هذا الأمر.

стр. 145

أمية القراءة والكتابة شيء ظاهر يسهل التعامل معه ولكن الأمية التربوية مختفية؛ لأن المحضن الأساسي للتربية هو البيت وما أحد يتدخل في البيت ممكن يكون رجلاً فقيرًا بسيطًا تربويًا، وممكن يكون لا يقرأ ولا يكتب لكنه يتعامل مع أولاده بطريقة سوية تخرجهم أصحاء نفسيين، لكن واحد ممكن يكون في أعلى درجات التعليم ويكون أيضًا أميًا في التربية فأيضًا يحصل الخلل في حياة أولاده. أنا لست أدعي أننا نمحو الأمية التربوية لكن الهدف من العنوان «محو الأمية التربوية» هو تسليط الضوء على هذه القضية والتداعي من أجل محاربتها ومحوها ومثل هذه القضية قضية «محو الأمية التربوية» قضية ليست محاضرة ولا اثنين ولا مائة حتى تعالجها لكنها تحتاج زمنًا طويلاً وجهودًا مكثفة. المقصود بمحو الأمية التربوية بيان أهمية وضرورة محو الأمية التربوية حتى تنتقل القضية إلى دائرة الاهتمام فيسلط الضوء عليها وتُعطى القدر الذي تستحقه. توجد عقبات في تناول هذه القضية في الحقيقة بالذات في المساجد لأن المساجد تتواجد فيها جميع المراحل العمرية من الرجال والنساء فطبعًا هذا يؤدي إلى أنه لا يتناسب مع تنوع مستويات الحديث وتعدد الآراء إن فيه كلام يقال مثلاً للمراهقين فقط وفيه كلام يقال للآباء وفيه كلام يقال للأطفال وهكذا كل فئة لها ما يناسبها لكن هذه أحد العوائق نجتهد في محاولة التغلب عليها وإن كان العالم الآن أصبح مفتوحًا وكل أحد يطّلع على كل شيء كما تعلمون. والمحور الأساسي المطلوب هنا في هذه القضية هو أهم شريحتين في الأمة الأطفال والشباب لماذا؟ لأن الأطفال بصفة أساسية ثم يليهم الشباب هم الطائفتان القابلان للتوجيه؛ لأن الأطفال عجينة فيمكن تشكيلها، ممكن مبكرًا جدًا أن نقيهما الكثير من الأخطار والأمراض والاضطرابات وهذه الأشياء؛ فلأنه عجينه كل ما يكون الإنسان ينتبه إليهم مبكرًا كلما يوفر المشاكل فيما بعد لكن الشباب بعد ١٨ سنة لا نسميها تربية لكن نسميها علاج أو تكوين، لكن التربية تكون في الفترة أساسًا الست سنوات
следующие страницы →