مكتبة ضخمة جدا، وكان مما تحتويه الكتب الإسلامية، فهو اهتدى على يد هذه الكتب التي كانت في بيت أبيه.
ورغم أن أباه كان من أهل الثراء والجاه من أهل الصعيد، لكنه ووجه بحرب شديدة جدا لما أسلم وطرد من البيت، ورجل عصامي بمعنى الكلمة.
ومن يذكر الشيخ المطيعي رحمه الله تعالى كان مميزا جدا ..
أولا كان في لغته قمة في الفصاحة، قمة في الفصاحة، وكان له دروس كثيرة وله تلامذة كثر يعني في العالم كله، رحمه الله تعالى.
فالشاهد إن الإسلام المفروض أنه يعطي كل الناس الفرصة، فتخيل اثنان من الأقباط يرتقيان في العلم بالإسلام إلى الحد الذي يجعل كلا منهما شيخا للأزهر في الوقعت الذي كانت مشيخة الأزهر هذه، يعني حاجة، قمة القمم في العلم.
رحم الله هذه الأيام.
يحكي هنا عن واحد كان خياطا، اسمه محمد إسماعيل.
يقول: نشأ هذا الشيخ الحائك عاميا لكنه محب للعلم ..
محب للعلماء فكان يحضر مجالسهم ويجلس في حلقهم للتبرك والسماع، وكان يواظب على الدرس، لا يفوته الجلوس في الصف الأول.
فجعل الشيخ يؤنسه ..
-العالم الكبير الذي كان يعطي الدرس كان يتلطف به ويؤنسه.
يؤنسه ويلطف به، لمايرى من دوامه وتبكيره ويسأل عنه إذا غاب، فشد ذلك من عزمه، واشترى الكتب يحيي ليله باستعادة الدرس واستعان على ذلك بالنابهين من الطلبة، واستمر على ذلك دهرا حتى أتقن علوم الآلة ..
стр. 422
- (اللغة والنحو الصرف والبيان وأصول الفقه ومصطلح الحديث .. إلى غير ذلك، كل علوم الآلة).
وصار واحد زمنه في الفقه والأصول، وهو عاكف على مهنته لم يتركها وصار الناس يأتونه في محله يسألونه عن مشكلات المسائل وعويصات الوقائع، فيجيبهم بما يعجز عنه فحولة العلماء، وانقطع الناس عن المفتي من آل العمادي.
-الناس بدأت تترك المفتي الرسمي وتذهب لهذا الشيخ، فساء ذلك العماديين وآلمهم
فتربصوا بالشيخ وأضمروا له الشر، ولكنهم لم يجدوا له سبيلا، فقد كان يحيا من عمله ويحيا الناس من علمه.
كان يمر كل يوم بدار العماديين بقيمورية، وهو على إتان -حمارة- له بيضاء.
فيسلم .. السلام .. فمر يوما كما كان يمر، فوجد على الباب أخا للمفتي فرد ﵇، وقال له ساخرا: إلى أين يا شيخ، أذاهب أن إلى استانبول لتأتي بولاية الإفتاء، وضحك وضحك من حوله.
-يسخرون منه، أين تذهب يا شيخ؟ أتذهب إلى استانبول عاصمة الخلافة، أتذهب لتجيء من هناك منشورا بأن تكون أنت المفتي في البلد، وهذا كان أخو المفتي العمادي.
يقول: إلى أين يا شيخ؟ أذاهب أنت إلى استانبول لتجيء
أما الشيخ فلم يزد على أن قال له: إن شاء الله.
وصار في طريقه، حتى إذا ابتعد عنهم دار في الأزقة حتى عاد إلى داره، فودع أهله وأعطاهم نفقاتهم، وسافر، وما زال يفارق بلدا ويستقبل بلدا حتى دخل القسطنطينية فنزل في دار قريب من دار المشيخة -وهو شيخ الإسلام العثماني- وكان يجلس على الباب يطالع في كتاب أو يكتب في صحيفة، فيعرف الناس من زيه أنه عربي فيحترمونه ويجلونه ولم يكن الترك قد جنوا الجنة الكبرى بعد.
-القوميات، وهذا الكلام الذي يضيع كثيرا.
стр. 423
فكانوا يعظمون العربي لأنه من أمة الرسول الأعظم ﷺ الذي اهتدوا به وصاروا به وبقومه ناسا.
واتصلت أسباب الشيخ بأسباب طائفة منهم، فكانوا يجلسون معه يحدثونه، فقال رجل منهم: إن السلطان سأل المشيخة عن قضية حيرت علماءها ولم يجدوا لها جوابا، والسلطان يستحثهم وهم حائرون، فهل لك في أن تراها لعل الله يفتح عليك بالجواب؟
فقال: نعم.
فقال: سر معي إلى المشيخة.
قال: باسم الله
ودخلوا على ناموس المشيخة (السكرتير).
فسأله الشيخ اسماعيل عن المسألة، فرفع بصره فقلب بصره فيه بازدراء، ولم تكن هيئة الشيخ بالتي ترضي، ثم ألقاها إليه وانصرف إلى عمله، فأخذ الشيخ نظارته فوضعها على عينه فقرأ المسألة، ثم أخرج من منطقته -هذه الدواة النحاسية الطويلة التي كان يستعملها العلماء وطلبة العلم للكتابة وللدفاع عن النفس- فاستخرج منها قصبة فبراها، وأخذ المقطع فقطعها، وجلس يكتب الجواب بخط نسخي جميل.
حتى سود عشر صفحات ما رجع في كلمة منها إلى كتاب.
ودفعها إلى الناموس ودفع إليه عنوان منزله وذهب، فلما حملها الناموس إلى شيخ الإسلام وقرأها، كاد يقضي أن يموت دهشة وسرورا، وقال له: ويحك، من كتب هذا الجواب؟
قال: شيخ شامي من صفته كيت وكيت.
قال: علي به.
فدعوه، وجعلوا يعلمونه كيف يسلم على شيخ الإسلام.
стр. 424
-الأتراك إذاً في الاهتمام بهذه المظاهر وإقامة الرسول والصور وكيف يسلم وينحني ويعمل، يعني كانوا يشغلون أنفسهم جدا بهذه الأشياء.
فدعوه وجعلوا يعلمونه كيف يسلم على شيخ الإسلام، وأن عليه أن يشير بالتحية واضعا يده على صدره منحنيا ثم يمشي متباطئا حتى يقوم بين يديه إلى غير ذلك من هذه الأعمال الطويلة، التي نسيها الشيخ ولم يحفظ منها شيئا.
ودخل على شيخ الإسلام فقال له: السلام عليكم ورحمة الله، وذهب فجلس في أقرب المجالس إليه، وعجب الحاضرون من عمله، لكن شيخ الإسلام سر بهذه التحية الإسلامية، وأقبل عليه يسأله: حتى قال له: سلني حاجتك؟
فقال: إفتاء الشام وتدريس القبة.
-أي يدرس في مسجد القبة ويكون مفتيا للشام.
وهو الشيء الذي كان العماديين يسخرون منه.
قال: إفتاء الشام وتدريس القبة.
قال: هما لك، فاغد علي غدا.
فلما كان من الغد ذهب إليه فأعطاه فرمان التولية وكيسا فيه ألف دينار.
وعاد الشيخ إلى دمشق فركب أتانه ودار حتى مر بدار العماديين ..
-وهو راجع بالحمارة البيضاء -الإتان- فمر على نفس مكان العماديين ..
فإذا صاحبنا على الباب فسخر منه كما سخر، وقال: من أين يا شيخ؟
فقال الشيخ: من هنا، من استانبول، أتيت بتولية الافتاء كما أمرتني.
ثم ذهب إلى القصر الوالي بالفرمان وسلم الشيخ عمله في حفلة حافلة.
همم الرجال إذا مضت لم يثنها خ ..
стр. 425
من .. الشيخ علي كسبر، وقد كان خياطا في سوق الاسكية على باب الجامع الأموي، فكان إذا فرغ من عمله ذهب فجلس في الحلقة التي تحت القبة فاستمع إلى الشيخ حتى يقوم فيلحق به فيخدمه، وكان الشيخ يعطف عليه لما يرى من خدمته إياه فيشجعه ويحثه على القراءة.
فقرأ ودأب على المطالعة حتى صار يقرأ بين يدي الشيخ في الحلقة، ولبث على ذلك أمدا، وهو لا يفارق دكانه ولا يدع عمله حتى صار مقدما في كافة العلوم فلما مات الشيخ حضر في الحلقة الوالي والأعيان والكبراء ليحضروا أول درس للمدرس الجديد، فافتقدوا المع .. فلم يجدوه، ففتشوا عليه فإذا هو في دكانه يخيط، فجاءوا به، فقرأ الدرس وشرحه شرحا أعجب به الحاضرون وطربوا له، فعين مدرسا ولبث خمسة عشر عاما يدرس تحت قبة ال .. وبقيت الخطبة في أحفاده إلى اليوم.
-من العلماء في الحقيقة من كان يحرص حرصا شديدا على التفتيش عن النابغين ورعايتهم ولعل أشهر شخص ..
تعرفون من؟
-أحد الطلبة: ..
-فضيلة الشيخ: الإمام أبو حنيفة أحسنت.
المتنبي شاعر العرب الفحل الذي نشأ في أسرة فقيرة غير متعلمة، لكن الله قيض له فرصة التعليم المجاني في كتاب خاص بأبناء أشراف الكوفة، وشجعه أصحاب المكتبات على قراءة الكتب دون مقابل.
يروى أن وراقا كان يلازمه، قال: كان اليوم عندي -يعني المتنبي- وقد أحضر رجلا كتابا في ثلاثين ورقة لبيعه فنظر أبو الطيب فيه طويلا، فقلت له: ما هذا؟
أريد بيعه وقد قطعتني عن ذلك.
-يعني هو ماذا فعل؟
стр. 426
الرجل جاء بكتاب من ثلاثين ورقة وسيبيعه لصاحب المكتبة، فهو داخل فأخذ المتنبي منه الكتاب من الشغف يعني، وهو كان جالسا فأخذ منه الكتاب الذي يريد بيعه وأخذ يتصفحه، فالرجل الذي جاء بالكتاب قال له: عطلتني أنا جئت بالكتاب لأبيعه، أنت أخذته مني هذه المدة وعطلتني.
فقال له: ما هذا؟ أريد بيعه وقد قطعتني عن ذلك، فإن كنت تريد حفظه فهذا يكون في شهر إن شاء الله.
-تريد أن تحفظه، فتحتاج إلى شهر إن شاء الله، أستقعدني شهر أنتظرك؟
فقال المتنبي: إن كنت حفظته.
-هذه الدقائق التي نظر فيها في الكتاب يتصفحه.
قال الرجل: أهب لك الكتاب.
قال: اسمعها مني.
يقول: فأخذت الدفتر من يده وأقبل يتلوه حتى انتهى إلى آخره.
-سمع له الكتاب كله.
من أشهر من كان يعنى بالتفتيش عن النابهين ويستن .. من ظروفهم القاسية، ويأخذ بأيديهم في طلب العلم الإمام أبو حنيفة النعمان رحمه الله تعالى، وقد حرص الإمام أبو حنيفة عندما تولى حلقة الدرس بعد شيخه حماد على رعاية تلاميذه النابغين، فقد كان يواسيهم من ماله الخاص ويعينهم على نوائب الدهر.
حتى أنه كان يزوج من كان في حاجة إلى الزواج وليس عنده مؤنته.
ويرسل لكل تلميذ حاجته، فقال شريك لأحد تلامذته: كان يغني من يعلمه وينفق عليه وعلى عياله، فإذا تعلم قال له: لقد وصلت إلى الغنى الأكبر، بمعرفة الحلال من الحرام.
стр. 427
وكان ينظر إلى نفوس تلاميذه ويتعاهدها بالرعاية والنصحية، فإذا وجد من أحدهم إحساسا بالعلم يمازجه الغرور أزال عنه الغرور ببعض الاختبارات التي تثبت له أنه ما زال في حاجة إلى مزيد من العلم.
ذكر الكرداني في مناقبه بسنده إلى أبي يوسف رحمه الله تعالى قال: كنت أطلب الحديث وأنا مقل المال.
-الإمام الكبير صاحب أبي حنيفة، أبو يوسف.
يقول: كنت أطلب الحديث وأنا مقل المال، فجاء إلي أبي وأنا عند الإمام.
فقال لي: يا بني لا تمدن رجلك معه.
-سيضيعك أبو حنيفة فلا تجلس هنا معه، سيضيع مستقبلك، باللغة الحديثة يعني.
فقال له: يا بني لا تمدن رجلك معه فإن خبزه مشوي، وأنت محتاج.
فقعدت عن كثير من الطلب ..
- فأبوه تسبب في أن أخل بطلب العلم وكسبه.
يقول: واخترت طاعة والدي، فسأل عني الإمام وتفقدني وقال حين رآني: ما خلفك عنا؟ قلت: طلب المعاش. فلما رجع الناس وأردت الإنصراف دفع لي صرة فيها مائة درهم. فقال: فقال أنفق هذا، فإذا تم فأعلمني.
-بعدما تستنفد هذه النفقة.
فأعلمني والزم الحلقة.
فلما مضت مدة دفع إلي مائة أخرى، وكلما تنفد كان يعطيني بلا إعلام كأنه كان يخبر بنفادها، حتى بلغت حاجتي من العلم، أحسن الله مكافأته وغفر له.
-انتهى كلام الإمام أبي يوسف رحمه الله تعالى.
стр. 428
وذكر الكردني أيضا أن الحسن بن زياد كان فقيرا، وكان يلازم الإمام أبا حنيفة، وكان أبوه يقول له: لنا بنات وليس لنا ابن غيرك فاشتغل بهن.
فلما بلغ الخبر الإمام أجرى عليه رزقا، وقال: الزم الفقه، فإني ما رأيت فقيها معسرا قط.
وربما لمح أبو حنيفة شخصا عال الهمة تلوح من محياه النبوغ، فضن بموهبته أن تنفق في طلب الدنيا وشجعه على طلب العلم.
قال أبو حنيفة ﵀: مررت يوما على الشعبي وهو جالس فدعاني، فقال: إلام تختلف؟
فقلت: أختلف إلى فلان.
-يقصد واحدا تاجرا في السوق أو شيئا من هذا.
فقال: لم أعن من السوق، عنيت الاختلاف إلى العلماء؟
-لمن تحضر من العلماء؟
فقلت له: أنا قليل الاختلاف إليهم.
فقال: لا تفعل وعليك بالنظر في العلم ومجالسة العلماء فإني أرى فيك يقظة وحركة.
قال: فوقع في قلبي من قوله، فتركت الاختلاف ..
-يعني إلى السوق.
وأخذت من العلم، فنفعني الله تعالى بقوله.
-فهذا موقف الإمام أبي حنيفة نفسه، انظر إلى هذه النصحية كيف أثرت فيه.
وعن .. أحد شيوخ الإمام البخاري ﵀.
قال: كنت أتجر فقدمت على أبي حنيفة، فقال: يا مكي، أراك تتجر، التجارة إذا كانت بغير علم دخل فيها فساد كثير، فلما لا تتعلم العلم ولما لا تكتب؟
فلم يزل بي حتى أخذت في العلم وكتابته وتعلمه.
стр. 429
فرزقني الله منه شيئا كثيرا.
فلا أزال أدعو لأبي حنيفة في دبر كل صلاة وعندما ذكرته، لأن الله ببركته فتح لي باب العلم.
ربما كان لتجربة الإمام أبي حنيفة مع شيخه الإمام حماد أثر عظيم في مسلكه هذا.
لأن الإمام حمادا اكتشف نبوغ أبي حنيفة وعلو همته فخصه برعايته، وقربه من مجلسه مؤملا أن يكون حسنة من حسناته يهديها إلى الأمة.
انخرط أبو حنيفة النعمان في التعليم على يد شيخه حماد بالمسجد الجامع بالكوفة، وعندما لمس فيه النجابة وسرعة الحفظ وسلامة التفكير أجلسه بإزائه، واحترم رأيه، وشجعه على الاستقلال بالرأي والاجتهاد ولم يتبرم من كثرة أسئلته واستفساراته، لما فيها من عمق ودقة.
فمما يروى أن أبا حنيفة انصرف من مجلس حماد، بعد أن سأله عدة أسئلة، وألح في الجدل حتى احمر وجه حماد.
-احمر وجه الشيخ الذي قال لجاره واصفا صلاح تلميذه: هذا على ما ترى منه ..
-انظر إلى كثرة الأسئلة التي يسألها.
هذا على ما ترى منه -من كثرة انشغاله بالعلم- يقوم الليل كله ويحيه.
واستمر أبو حنيفة مع أستاذه ثمانية عشر سنة ولم يستقل بالدرس والتمحيص إلا بعد وفاة حماد.
ربما كانت نصيحة عابرة فيها تشجيع من عالم مخلص بداية نقطة تحول في حياة أحد النابغين إلى انتفاع عموم الأمة به.
فذلك الإمام الذي لقي نابغة كبير الهمة وقد جاور في الحرم المكي الشريف وخلى مكانه في التعليم والدعوة في بلده، فأرشده إلى تصحيح مساره بقوله: ليس هذا مكانك.
-لأن الذي يجاور في الحرم الشريف هذا يكون نفعه لازما، أما إذا كان شخص ينتفع به كل الناس، فهذا يجب أن يكون نفعه متعديا يعود إلى بلده ويشتغل بالتعليم والدعوة أولى.
стр. 430
فقال له: ليس هذا مكانك.
وكان سبب أخذ الإمام الشافعي في العلم، ما حكاه مصعب بن عبد الله الزبيري، قال: كان الشافعي رحمه الله تعالى في ابتداء أمره يطلب الشعر وأيام العرب والأدب، ثم أخذ في الفقه بعده، وكان سبب أخذه في العلم: أنه كان يوما يسير على دابة له، وخلفه كاتب لأبي .. تمثل الشافعي ..
-وهو أبوه الذي هو عبد الله بن الزبيري.
تمثل الشافعي ببيت شعر فقرعه كاتب أبي بصوته ثم قال له: مثلك يذهب بمروءته في مثل هذا، أين أنت من الفقه؟
-يعني أتضيع عمرك في الشعر وأنت رجل شريف من قريش؟
لأن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى يعتبر ابن عم النبي ﷺ الأعلى وهو طالبي من قريش، شريف من قريش.
فقرعه بالصوت، فقال: مثلك يذهب بمروءته في مثل هذا؟
مع كون الشافعي كان حجة في اللغة العربية ﵀، وهو القائل:
ولولا أن الشعر بالفضلاء يزري به لقال الناس أشعر من لبيب
يعني الشافعي لو استمر في الشعر لكان تفوق جدا على أصحاب المعلقات السبع، لكنه ترك الإكثار من الشعر مروءة.
قال له: مثلك يذهب بمروءته في مثل هذا؟!
أين أنت من الفقه؟
فهزه ذلك.
اهتز لذلك.
اهتز الشافعي بهذا الموقف.
стр. 431
فقصد مجالسة الزنجي مسلم بن خالد، وكان مفتي مكة، ثم قدم علينا فلزم مالك بن أنس.
﵀.
وقال الشافعي: كنت أنظر في الشعر، فارتقيت عقبة بمنة، فإذا صوت من خلفي: عليك بالفقه.
-لا يبعد أن يكون هذا من التحديث أو الإلهام يعني.
قال الشافعي: خرجت أطلب النحو والأدب، فلقيني مسلم بن خالد الزنجي فقال: يا فتى من أين أنت؟
قلت: من أهل مكة.
قال: من أين.
قلت: شعب بالخيف
قال: من أي قبيلة أنت؟
قلت: من عبد مناف.
قال: بخ بخ، لقد شرفك الدنيا والآخرة.
ألا فعلت فهمك في هذا الفقه، فكان أحسن بك؟
ثم رحل الشافعي من مكة إلى المدينة قاصدا الأخذ عن أبي عبد الله مالك بن أنس رحمه الله تعالى.
وفي رحلته مصنف مشهور مسموع.
-ما هو؟ ما اسمه؟
رحلة الشافعي.
فلما قدم عليه قرأ عليه الموطأ حفظا، فأعجبته قراءته ولازمه، وقال له مالك: اتق الله واجتنب المعاصي فإنه سيكون لك شأن.
стр. 432
وفي رواية أخرى أنه قال له: إن الله قد ألقى على قلبك نورا فلا تطفه بالمعاصي.
وكان للشافعي ﵀ حين أتى مالكا ثلاث عشرة سنة، ثم ولي باليمن.
وقد أمره بالإفتاء شيخه أبو خالد مسلم بن خالد الزنجي إمام أهل مكة ومفتيها، وقال له: أفتِ.
-كم كان عمر الشافعي.
خمس عشرة سنة.
قال له مسلم بن خالد شيخه: أفت يا أبا عبد الله، فقد والله آن لك أن تفتي.
وكان للشافعي إذاك خمس عشرة سنة.
وأقاويل أهل عصره في هذا كثيرة مشهورة، وأخذ عن الشافعي العلم في سن الحداثة مع توفر العلماء في ذلك العصر، وهذا من الدلائل الصريحة لعظم .. وعلو مكانته، وهذا كله من المشهور المعروف في كتب مناقبه وغيرها.
فحكى ابن العلامة القرآني الإمام محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى: أن أمارات النبوغ وعلو الهمة، لما لاحت على والده في طفولته قال له شيخه: يا بني إن العلماء يقولون: إن من وجد من نفسه استعدادا وموهبة تؤهله للإمامة تعين عليه طلبها.
-تصير واجبا في حقه، وتعين عليه.
وإن طلب الإمامة في الدين متعين عليك، فلا تضيع نفسك.
*ومن عجيب النماذج الناجحة لزراعة النجم عن طريق التشجيع، أن هناك كلمة مشهورة عن نيلسون تشرشل رئيس وزراء بريطانيا المعروف، كان يتكلم عن كلمة التشجيع كيف يكون لها مفعول السحر في نفس الإنسان، وكان يقول: إن أفضل طريقة لإحداث الشخص الذي تريد أن تزرع فيه الثقة أن تقول له: إن المهمة الفلانية أنت أهل لها، وأنا واثق من إنك قادر على إنجازها.
فهذه صورة للتشجيع، يعني لا تجعله يستصعب شيئا ..
стр. 433
وسوف ينجح.
طيب إذا فشل، قل له: إن الفشل خطوة في طريق النجاح.
اي استمر.
مثل ما واحد يقطع مثلا مسافة جري حول مكان معين مسافة مستديرة، وبدأ الجري.
هو أخذ التراك، كما يقولون.
لكن لو تعثر في الطريق، بعدما قطع مثلا نصف كيلو أو شيئا من هذا، أخلاص هكذا، كل حاجة أحبطت؟ أم يكمل؟
فالتعثر خطوة في طريق النجاح.
لابد إن .. مرة واحد قال ماذا؟
من الناس الناجحين جدا.
قال: لقد فشلت وفشلت وفشلت، ولذلك نجحت أخيرا، لأن الفشل يعطي الناس دروسا وعبرا.
من الفشل فيما يأتي.
وليس الناس الذين يبحثون عن شيء يتكئ عليه ليبرر الفشل والاستسلام.
فلابد عند التعامل مع ..
والذين يربيهم الإنسان أن يزرع فيه الثقة أنه سيكون منه شيئا كبيرا، بدون أن يصيبه الغرور يعني، لكن الشرارة التي يحتاجها في البداية حتى ينطلق.
-من أعظم الأمثلة على ذلك بجانب ما ذكرنا من قبل، الشيخ: آق شمس الدين.
آق شمس الدين، أيعرفه أحد؟
هذا مرب السلطان محمد الفاتح العثماني رحمه الله تعالى.
стр. 434
هذا الشيخ نفسه، .. قبل أن يولد تشرشل يعني، لكن نفس الوصية.
هذا ابن السلطان، وفي يوم من الأيام سيكون السلطان، فماذا فعل كي يحدث تغييرا كبيرا في الأمة، ركز على هذا الطفل، وكان هو الذي يربيه، فكان بين وقت وآخر يأخذ هذا الطفل ويمشي به، يمر به على الساحل، الذي هو جزء من استانبول الذي يقع في قارة آسيا، ويشير إلى الجهة الأخرى من القسطنطينية.
يشير إلى أسواره، وكانت القسطنطينية طبعا محصنة تحصينا شديدا جدا، فيشير إلى أسوار القسطنطينية التي تلوح من بعد شامخة .. ثم يقول له: أترى إلى هذه المدينة التي تلوح في الأفق؟ إنها القسطنطينية. وقد أخبرنا رسول الله ﷺ : أن رجلا من أمتي سيفتحها بجيشه. ويضمها إلى أمة التوحيد، فقال ﷺ : «لَتُفْتَحَنَّ الْقُسْطَنْطِينِيَّةُ فَلَنِعْمَ الْأَمِيرُ أَمِيرُهَا وَلَنِعْمَ الْجَيْشُ ذَلِكَ الْجَيْشُ» (١) ..
ومازال يكرر هذه الإشارة على مسمع الأمير الصبي إلى أن نبت شجرة الهمة في نفسه، وترعرعت في قلبه، فعقد العزم على أن يجتهد ليكون هو ذلك الفاتح الذي يبشر به الصادق المصدوق ﷺ .
فقد كان والده السلطان مراد الثاني العثماني منذ صغره يستصحبه معه، بين حين وآخر إلى بعض المعارك، ليعتاد مشاهدة الحرب والطعان ومناظر الجنود في تحركاتهم واستعداداتهم ونزالهم، وليتعلم قيادة الجيش وفنون القتال عمليا، حتى إذا ما ولي السلطنة وخاض غمار المعارك خاضها عن دراية وخبرة.
ولما جاء اليوم الموعود شرع السلطان محمد الفاتح في مفاوضة .. القسطنطين ليسلمه القسطنطينية فلما بلغه رفض الامبراطور تسليم المدينة، قال ﵀: «حسنا عن قريب سيكون لي في القسطنطينية عرش أو يكون لي فيها قبر».
-انظر إلى الهمة.
стр. 435
مثل الملك عبد العزيز ﵀ لما بعث ابنه فيصل لفتح منطقة عسير في الجنوب، قال له: اذهب إلى عسير فإما أن تعود منتصرا وإما ألا تعود.
انظر إلى الخيارات.
وهذا له نظائر كثيرة في التاريخ يكون لها أثر على نفوس الناس.
الإمبراطور رفض أن يسلم المدينة، قال: «حسنا عن قريب سيكون لي في القسطنطينية عرش أو يكون لي فيها قبر».
وقد كان له الإثنان، أولا العرش لما فتحها، ثم إن قبره موجود للأسف الشديد في مسجد محمد الفاتح لما حصلت الصلاة على الشهداء في داخل مسجد السلطان محمد.
لأن هؤلاء الأتراك والصوفية فيهم منتشرة، ونحن نأخذ القصة هكذا على بعضها يعني بدون تشريح، حتى تحصل العبرة.
حاصر السلطان محمد الفاتح أنعم به من فاتح القسطنطينية واحد وخمسين يوما تعددت خلالها المعارك العنيفة، وبعدها سقطت المدينة الحصينة التي استعصت على الفاتحين قبله على يد بطل شاب له من العمر ثلاث وعشرون سنة.
-حينما فتح القسطنطينية كان له ثلاثة وعشرين سنة، وحقق هذا الفاتح البطل للمسلمين أملا غاليا ظل يراودهم ثمانية قرون حاولوا تحقيقه مرارا فلم يفلحوا وكأن القدر كان قد ادخر هذا الشرف لهذا البطل المغوار.
على أي الأحوال هذه كانت بعض النبذ تتعلق بالتشجيع وأثره في التربية أو في تغيير السلوك إلى أحسن، وكذلك أثر التثبيط في خنق المواهب.
فلنكن جميعا من أهل التشجيع لهؤلاء البراعم، ولنحذر أن نكون من أعداء النجاح ..
أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم ..