قرأت في بعض الكتب واحد من الناس يقول كلاما صعب قليلا أن نقبله، يجب أن يكون لدينا نوع من الفلترة للكلام وليس كل الكلام نقبله لأنه أحيانا يكتب أناس غير متخصصين.
فمن ضمن المكافآت أن نضع الطالب مثلا في موضع المدرس بأن يكون مراقبا أثناء غياب المدرس، فالمدرس سيخرج من الفصل ولا يريد ضوضاء، فيوقف على التلاميذ أحدهم ليكون مراقبا عليهم، حتى إذا ما جاء يقول له: فلان وفلان وفلان عملوا الخطأ الفلاني مثلا.
هذه ممكن تكون مقبولة باعتبار أنه شيء في العلن واضحة جدا والتكليف واضح ويكون مقدمًا كما أن الألف مقدمة على باقي الحروف.
ذكريات مؤلمة (سلوك اليهود):
تذكرني بحاجة صعبة جدا أتذكر جيدا وأنا طالب في المدرسة سواء ابتدائي اعدادي ثانوي، شيء كان يتكرر تماما بنفس الصورة النمطية ولا أدري إن كان لازال يتكرر الآن أم لا، وأرجو ألا يكون.
ما الذي يحصل؟
أثناء الفصل يكون أحد التلاميذ عمل خطأ معين، أصدر صوتا، وهذه الأشياء تتكرر كثيرا، فيجيء المدرس فيقول: قولوا لي: من الذي عمل كذا.
فالأولاد لو كان فيهم شهامة وهكذا، يرفضون أن ينموا ويخبروا بزميلهم.
ما الذي كان يحصل؟
سلوك اليهود: العقاب الجماعي.
عقاب جماعي كل الفصل يقوم ويتذنب أو يضرب بالعصي أو نحو ذلك.
ما رأيكم أولا في الموقف؟
هل هؤلاء الأولاد مخطئين أم غير مخطئين؟
مخطئين لماذا؟
المفروض أن يقولوا حتى لا تعمم العقوبة.
هل هناك أي قول آخر؟
стр. 387
حتى يحاسب المخطئ.
على أي الأحوال أعتقد إن التصرف غير سليم، من المدرس أن يعمل عقاب جماعي على أنهم لم ينموا.
في خطبة باللغة الانجليزية رأيتها على اليوتيوب كان هناك موقف بالضبط مثل هذا الموقف، كان موقفا مؤثرا جدا من الناحية التربوية وكان أحدهم يدافع عن طالب ورفض أن ينم على زملائه، وكان سيعاقب بالحرمان من المنحة الدراسية بصورة معينة، فوقف شخص يدافع عنه دفاعا رائعا بصراحة.
وأخذ يقول: هل تريدون أن تخربوا هؤلاء الأطفال ويصبحوا نمامين، فهذا نوع من الرجولة أن يرفض أن ينم.
فهو المفروض أن يبحث عن المخطئ.
لكن لا يجوز له أن يعاقب عقابا جماعيا ولا أن يعاقب من عرف فلم يخطئ.
فهذا تدريب على النميمة.
فليبحث عن وسيلة أخرى للبحث عن الجاني، وأما أن يعمل عقاب جماعي فهذا ظلم، وأما أن يشجع التلاميذ إن لم تفتنوا على زملائكم تعاقبوا جميعا، فلا ليس هذا أسلوبا تربويا.
فبالعكس إذا كان هو شخص واحد كان المفروض أن يخبر ولم يخبر فهذا سلوك جيد أن يرفض أن ينم على زملائه أو على ..
الحقيقة هذه بعض الملاحظات فيما يتعلق على موضوع فقه إثابة الأطفال.
كان تبقى لنا الكلام في جزئية مهمة جدا وهي موضوع التشجيع التربوي.
قيمة التشجيع في تغيير مسار حياة الطفل.
التشجيع التربوي الإيجابي.
موضوع مهم جدا إن شاء الله تعالى نحاول أن نتناوله بالتفصيل فيما بعد.
نكتفي بهذا القدر أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم ..
سبحانك اللهم ربنا وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب إليك ..
стр. 388
الدرس التاسع
احذروا أعداء النجاح
стр. 389
إن الحمد لله .. نحمده ونستعينه ونستغفره .. ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ..
من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلا هادي له .. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله .. اللهم صل على محمد النبي وأزواجه أمهات المؤمنين وذريته وأهل بيته كما صليت على آل إبراهيم ..
أما بعد ..
فإن أصدق الحديث كتاب الله .. وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ . وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار .. ثم أما بعد ..
فقد تناولنا الأسبوع الماضي فقه إثابة الأطفال ومكافأتهم. وبينا دور هذه الإثابة في تحفيز الأطفال إلى تحسين سلوكياتهم. ذكرنا أنواعا كثيرة من الإثابة وقواعد أو ضوابط هذه الإثابة، وكان من ضمن ما ذكرناه: أن الإثابة المعنوية من أهم صورها المدح أو التشجيع .. التشجيع الذي هو أقوى سلاح يمكن أن يستعمل، بالذات مع نوعية معينة من الأطفال النوابغ والأذكياء أو الذين يفعل فيهم التشجيع مفعول السحر، بحيث إنه يغير مستقبل حياته كله.
التثبيط:
والعكس طبعا، التثبيط الذي يصدر من أعداء النجاح، لأن النجاح له أعداء، لا يتحملون أن ينجح غيرهم، ولذلك يحصل التثبيط، فإذا صادف التثبيط نفسا ضعيفة فإن هذا الشخص ينهار ويوأد ويخنق في مهده، بحيث إنه لا يكمل مسيرة النجاح.
التفاعل الفطري مع قضية التثبيط، في التشجيع في الغالب ينجح جدا معه.
لكن التثبيط يختلف بحسب نفسية هذا الطفل، ممكن تثبيط هناك طفل يأخذه بصورة فيها تحد ..
ليس طفلا طبعا ممكن حتى الكبار طبعا، حتى الكبار.
стр. 390
فإذا ثبط من أب أو مرب أو معلم أو صديق، فإن هذا التثبيط هو يتفاعل معه بطريقة إيجابية جدا، ويبدأ يأخذه بنوع من التحدي بحيث إن هذا التثبيط يكون سببا في إنجازه العظيم، وأن لا يكون شيئا مهما بعد ذلك.
وهناك من يتفاعل بطريقة سلبية جدا مع التثبيط وتحط همته وينسحب ويفشل.
والنماذج كثيرة ولا شك أن كلا منا يتذكر أو يقرأ أو يسمع كثيرا من هذه الحوادث وإن ممكن كلمة تشجيع تصنع في الإنسان صنع السحر.
وكذلك كلمة التثبيط قد يتفاعل معها بطريقة سلبية وتكون هي السبب في نهضته بنفسه.
نسلط الضوء في هذه الليلة على مبدأ التشجيع وأهميته سواء كان بالنسبة للصغار أو بالنسبة للكبار.
فموضوع التشجيع، موضوع رفع الإسلام قدره إلى حد عظيم جدا، إلى حد أن الشريعة الإسلامية جعلت التشجيع في بعض الظروف أخذ حكم الفريضة، فريضة التشجيع.
جعل الإسلام التشجيع في بعض الأحوال فريضة على الأشخاص غير القادرين على إقامة فروض الكفايات مثل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، طلب العلم، الولاية والإمامة.
وعبارة الفقهاء في مثل هذه الفروض، يقولون: إنها واجب على الكفاية.
فإن قام بها البعض سقط عن الآخرين، وإن لم يقم بها أحد أثموا جميعا.
يعني يأثم القادر ويأثم غير القادر.
يأثم القادر لأنه قصر.
طيب لماذا ياثم غير القادر؟
هل يأثم لأنه عاجز، أم يأثم لماذا؟
لأنه لم يشجع القادر.
стр. 391
لأن الناس واحد من اثنين بالنسبة لفروض الكفايات.
إما قادر فيأثم إذا قصر، وإما غير قادر، فبما أنه غير قادر والواجبات منوطة بالاستطاعة فهو غير آثم لأنه عاجز، لكنه يأثم لأنه لم يشجع القادر.
فانظر إلى الأهمية العظمى للتشجيع في الإسلام بحيث أنه يصل لحد أن يكون من الفروض.
يقول الإمام الشاطبي في الاعتصام: إن هذه الواجبات واجب على الكفاية، فإن قام بها البعض سقط الوجوب عن الآخرين، وإن لم يقم بها أحد أثموا جميعا، القادر لأنه قصر، وغير القادر لأنه قصر فيما يستطيعه، وهو التفتيش عن القادر وحثه على العمل.
وحثه وتشجيعه وإعانته على القيام به، بل إجباره على ذلك.
بل إجباره على ذلك.
والله أمر النبي ﷺ بهذا التشجيع كما قال ماذا؟
﴿وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
﴿وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١)، الذي هو هذا التشجيع.
تسابق المسلمون في شتى العصور على تشجيع الموهوبين وكبيري الهمة بكافة صور التشجيع، فكانوا ينفقون الأموال الجزيلة لنفقة النابغين من طلاب العلم.
الذين حبسوا أنفسهم على طلبه كي يغنوهم عن سؤال الناس، أو الاشتغال عن العلم بطلب المعاش.
هذا هو الإمام أبو حيان محمد بن يوسف الغلماطي، رحمه الله تعالى، قال فيه الصفني: لم أره قط إلا يسمع أو يكتب أو ينظر في كتاب. ولم أره على غير ذلك.
وكان له إقبال على أذكياء الطلبة يعظمهم وينوه بقدرهم.
стр. 392
فكان له خصيصة وهي أنه كان يفتش باستمرار على الطلبة الأذكياء فيعظمهم وينوه بقدرهم، يعني هذا نوع من التشجيع يفعل مفعوله في نفسية هؤلاء الطلبة، وبالتالي يشجعهم على التقدم والمزيد من الانتاج يعني ..
فانظر إلى قوله هنا وكان له إقبال على أذكياء الطلبة.
كما ذكرنا من قبل: من ضمن الاحتياجات النفسية لأي إنسان الحاجة إلى التقدير، وكلمة الشكر أو المديح هي تشبع هذه الحاجة الطبيعية، التي هي من حق كل إنسان، بل من احتياجاته الأساسية كما يحتاج إلى الطعام والشراب يحتاج إلى التقدير، أنه إذا أنجز شيئا فتبذل له كلمة طيبة، أو يدعى له بأن يجزيه الله خيرا ونحو ذلك.
كل هذا يشبع هذه الحاجة النفسية وهذا التشجيع لا علاقة له بالمديح المذموم كما سنتكلم إن شاء الله تعالى عن فقه المدح.
وكان المعلمون في الكتاتيب والمساجد وفي الأزهر الشريف إذا لمسوا في طفل النجابة والتعلم احتضنوه وساعدوه على طلب العلم، وزودوه بالمال من مالهم الخاص أو من الأوقاف.
كذا في طليعة المشجعين في العصور الإسلامية الزاهية الخلفاء والأمراء.
عبد الله بن عباس وأشياخ بدر ﵃ -
روى البخاري في صحيحه: «أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ كان يدخل عبد الله بن عباس ﵄ وهو غلام حدث، كان يدخله مع أشياخ بدر .. ».
كبار أشياخ بدر من الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
قال ابن عباس «فَكَأَنَّ بَعْضَهُمْ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ».
كل منا عنده أطفال فلماذا عمر بن الخطاب يحضر هذا الغلام الصغير في مجلس الكبار؟
стр. 393
وليس أي أشياخ، إنهم أشياخ بدر، الذين حضروا بدرا، لا شك أن هؤلاء لهم فضيلة ومنقبة عظمى بحضورهم موقعة بدر.
قال بعضهم: «لِمَ تُدْخِلُ هَذَا مَعَنَا وَلَنَا أَبْنَاءٌ مِثْلُهُ فَقَالَ أمير المؤمنين: إِنَّهُ مَنْ قَدْ عَلِمْتُمْ».
يعني هذا ابن عباس من آل بيت النبي ﷺ ، وابن عمه.
«دَعَاهُ ذَاتَ يَوْمٍ فَأَدْخَلَهُ مَعَهُمْ فَمَا رُئِيتُ أَنَّهُ دَعَانِي يَوْمَئِذٍ إِلَّا لِيُرِيَهُمْ».
الناس المحيطون شعروا أن هذه المرة بالذات عمر ﵁ استدعى عبد الله بن عباس، حتى يريهم من هو عبد الله بن عباس الذي يستصغرونه لصغر سنه.
يقول: " فَمَا رُئِيتُ أَنَّهُ دَعَانِي يَوْمَئِذٍ إِلَّا لِيُرِيَهُمْ، قَالَ مَا تَقُولُونَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ (١)؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ أُمِرْنَا أَنْ نَحْمَدَ اللَّهَ وَنَسْتَغْفِرَهُ إِذَا نُصِرْنَا وَفُتِحَ عَلَيْنَا وَسَكَتَ بَعْضُهُمْ فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا فَقَالَ لِي أَكَذَاكَ تَقُولُ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ فَقُلْتُ لَا"
طبعا انظر هنا إلى الشجاعة الأدبية: " فَقُلْتُ لَا " يخالف كل أشياخ بدر، يقول: لا ليس هذا هو تفسير الآية أو السورة.
«قُلْتُ لَا قَالَ فَمَا تَقُولُ قُلْتُ هُوَ أَجَلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَعْلَمَهُ لَهُ» يعني أن هذا نعي.
الله في هذه السورة الشريفة ينعي إلى رسول الله ﷺ نفسه.
«قَالَ فَمَا تَقُولُ قُلْتُ هُوَ أَجَلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَعْلَمَهُ لَهُ».
يعني يخبره أنه قد حان أجلك.
قال: «﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾، وذلك علامة أجلك أنك» أديت الأمانة وبلغت الرسالة وحان الآن وقت انتقالك إلى الرفيق الأعلى.
стр. 394
﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾، وذلك علامة أجلك، فاستعد للقاء الله بأن «﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾» فقال أمير المؤمنين عمر ﵁: «مَا أَعْلَمُ مِنْهَا إِلَّا مَا تَقُولُ» (١).
«مَا أَعْلَمُ مِنْهَا إِلَّا مَا تَقُولُ» يعني: أيده في هذا التفسير.
هكذا كان أمير المؤمنين رضي الله تعالى عنه يقوي ثقته بنفسه ويغذي همته ويربأ به عن احتقار الذات أو الشعور بالدونية والنقص.
لا تحقر نفسك:
وقد روى البخاري في صحيحه أيضا: أنه ﵁ سأل بعض الصحابة عن آية في القرآن الكريم، فلم يعرفوا الإجابة وكان بينهم عبد الله بن عباس وهو صغير السن، فقال: «فِي نَفْسِي مِنْهَا شَيْءٌ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ عُمَرُ يَا ابْنَ أَخِي قُلْ وَلَا تَحْقِرْ نَفْسَكَ» (٢) ..
انظر إلى هذه العبارة.
يعني: لا تستصغر نفسك وتستحي أن تتكلم في وجود هؤلاء الأكابر من الأشياخ ولكن لا تحقر نفسك.
فانتبه إلى كلمة: لا تحقر نفسك.
فعملية غرس موضوع احترام النفس أو معرفة قدر النفس
هذه علامة صحية جدا.
وكما قلت مرارا قضية تقدر الذات، لها طرفان، ووسط.
стр. 395
تقدير الذات:
طرف الغلو: وهو انتفاخ الذات. أو التطوس.
الإنسان الذي يرى نفسه أنه لا أحد مثله، الغرور وجنون العظمة، الذي يرى أنه هو في القمة وكل الناس تحت رجليه، فهذا الانتفاخ انتفاخ وهمي لأنه هنا يبالغ في تقدير ذاته، وهذا دائما مرتبط بأمراض، أو اضطرابات في الشخصية، كاضطراب الشخصية البارانوية أو التي هي جنون العظمة أو النرجسية.
تعرفون قصة النرجسية هذه، أسطورة يونانية، توجد أسطورة يونانية منها اشتقوا اسم مرض النرجسية.
كان هناك شاب أو فتى جميل الصورة جدا، فاضطلع على سطح البئر فرأى صورة جميلة لفتى مثله.
وكأنه يعني لم ير نفسه في المرآة أبدا من قبل.
فافتتن بهذه الصورة وأخذ يقترب منها حتى غاص في البئر وغرق، ثم نبتت من مياه هذا البئر زهرة النرجس، ومن أجل ذلك يسمونه نار سيسزم، أو ( narcissism) أو ( Narcissistic personality disorder) اضطراب الشخصية النرجسية.
وهذه الشخصية نراها كثيرا في المجتمع، وهي التي يقول: عند أول مشكلة مع أحد يقول له: (ألا تعرف مع من تتكلم؟) فهو يفترض في الناس الذي يتعاملون معه حتى ممن لا يعرفونه أنهم يجب أن يعظمونه.
ودائما ينفخ في نفسه وفوق طاقته.
стр. 396
والمشكلة في هذا الإنسان صاحب هذا الاضطراب أنه لا يشعر ولا يعترف بأن لديه مشكلة، فليس كأصحاب الأمراض الأخرى الذي يجري من أجل أن يبحث عن العلاج، بل هو يرى نفسه بأنه لا يوجد فيه أي عيب.
فهذا نموذج من تضخيم الذات، وكما الطاووس عندما ينتفخ ويغتر بنفسه، وهذا الجمال الذي في ريش الطاووس ناشء عن فقاعات غازية في ريشه، فمن أجل ذلك تعطيه الصورة التي نراها.
العُجب (نفخ الذات):
على الجهة الأخرى ..
فإذاً عملية نفخ الذات تكون أحيانا كثيرة مظهر من مظاهر المرض، اضطراب نفسي عدم استقرار أو خلل معين.
في الجهة الأخرى، هناك ضعف تقدير الذات، هذا إفراط وهذا تفريط.
فهو إنسان لا يرى في نفسه شيئا حسنا أبدا، عنده احتقار ذاتي، ويقدر نفسه بأقل مما تستحق، الثاني ..
هذا الذي يقول لك: أنا لا أنفع، والدنيا مظلمة والمستقبل مظلم وكل العالم سيء وأنا سيء ولن أنفع في حاجة ولا عندي كفاءة في شيء ..
وهذه المنظومة للمكتئب في الغالب.
أما استوائي القطبين، تجيئه أحيانا نوبات زهو وهوس فيرى نفسه نابليون وبونابرت وهتلر والمهدي .. إلى آخره.
وممكن نوبة تجيئة تحت خالص فيرى نفسه تحت خالص.
فالشاهد إنني أذكر هذه الأمثلة من أجل أن نعرف أن هناك طرفان ووسط.
الوسط شيء صحي جدا، وهو الإنسان الذي يعرف قدر نفسه.
стр. 397
يعرف قدر نفسه، يعني يعطي نفسه تقديرها الحقيقي لا يبالغ ولا يحط من قدرها.
وسبق أيضا أن تكلمنا في شيء من هذا، ممكن أن نراجع شيئا منه، لأن هذا الموضوع من الموضوعات المهمة جدا.
مثلا هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان وأم معاوية ﵃ أجمعين.
حين أتاها نعي يزيد بن أبي سفيان فأتى بعض المعزين يعزونها، فقالوا: إنا لنرجو أن يكون في معاوية خلف لليزيد، فغضبت هند أم معاوية، وقالت: أو مثل معاوية ..
وهو لا زال طفل صغير صبي.
وقالت: أو مثل معاوية يكون خلف لأحد، والله لو جمعت العرب من أقطارها ثم رمي به فيها، لخرج من أي أعرابها شاه.
وقيل لها ومعاوية رضيع بيديها، قيل: إن عاش معاوية ساد قومه، فردت وقالت: ثكلته إن لم يسد إلا قومه.
يموت أحسن إذا كان سيكون سيدا على قومه فقط.
فتخيلوا هذه الأم بهذه النفسية وهذا التخطيط البعيد، كيف ستربي ابنها، وقد نجحت بالفعل لأن معاوية كان من أسود الناس، وقطعا معاوية أعدل ملوك الإسلام على الإطلاق.
صحيح كل من كانوا قبله كانوا أفضل منه، لأنهم من كبار أئمة الإسلام أبي بكر وعمر والخلفاء الراشدون، ولكن هو أفضل من كل من جاء بعده، فأمير المؤمنين معاوية ﵁ كان مشهورا بالسيادة، ولذلك لما حكم فترة طويلة جدا في أهل الشام وكانوا يحبونه حبا جما، لأنه كان عنده عنصر السيادة كان رجلا سيدا
يعني يعدل بين الناس، وكان مشهورا بالحلم والسيادة ونحو ذلك.
فلما قالوا لها: إن عاش معاوية -وهو وليد- ساد قومه، قالت: ثكلته إن لم يسد إلا قومه.
стр. 398
قبل أن تكون ثقتها في مستقبل ابنها بهذه الصورة، هي كانت في ثقة وحسن تقدير لحسن تربيتها، لم تكن تحلم، بل كانت تعلم كيف تربيه وتنشؤه على هذا الأمر.
وكان أمير المؤمنين معاوية ﵁ يقول: «إني لآنف أن يكون في الأرض جهل لا يسعه حلمي وذنبٌ لا يسعه عفوي وحاجة لا يسعها جودي».
أفخر بيت في الشعر:
وقال الأخمص في الفخر:
مَا مِنْ مُصِيْبَةٍ نَكْبَةٍ أُرْمَى بِهَا ... إَلاّ تُشَرِّفُنِيْ وَتَرْفَعُ شَانِي
وإَذَا سَأَلْتَ عَنِ الكِرَامِ وَجَدْتَنِيْ ... كَالشَّمْسِ لاَ تَخْفَى بِكُلِّ مَكَان
فبعض المؤلفين، صاحب العقد الفريد، ادعى أن هذا أفخر بيت قالته العرب.
أعظم بيت في الفخر.
مَا مِنْ مُصِيْبَةٍ نَكْبَةٍ أُرْمَى بِهَا ... إَلاّ تُشَرِّفُنِيْ وَتَرْفَعُ شَانِي
وإَذَا سَأَلْتَ عَنِ الكِرَامِ وَجَدْتَنِيْ ... كَالشَّمْسِ لاَ تَخْفَى بِكُلِّ مَكَان
ما رأيكم؟
هل هذا أفخر بيت قالته العرب ..
أحسنت، أحسنت ..
بالعكس ..
الصحيح:
يوجد بيت فيه من الفخر ما لا يمكن أن يصل إليه إنسان على الإطلاق.
وهو بيت حسان بن ثابت رضي الله تعالى عنه، في قوله وهو يفتخر بانتمائه إلى الأنصار، فماذا يقول؟ وَيَوْمَ بَدْرٍ إِذْ يَرُدُّ وُجُوْهَهُمْ جِبْرِيْلُ تَحْتَ لِوَائِنَا وَمُحَمَّدُ .. ﷺ .
стр. 399
هل هناك فخر أكثر من هذا ..
وَيَوْمَ بَدْرٍ إِذْ يَرُدُّ وُجُوْهَهُمْ جِبْرِيْلُ تَحْتَ لِوَائِنَا وَمُحَمَّدُ .. ﷺ .
فهذا هو أفخر بيت قالته العرب.
هذا أعرابي يسكن البادية، وكان أعرابي معتزا بانتسابه للعروبة، وكان يصهر إليه الخلفاء، وخطب إليه عبد الملك بن مروان لأحد أولاده.
وطبعا كان الخلفاء بدأوا يتزوجون من نساء غير عربيات، فهذا الرجل الأعرابي لما خطب إليه أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان ابنته لأحد أولاده قال له: جنبني هجناء ولدك
يعني الذين أمهم غير عربية.
فعال نفسه في غير كبر ولا عجب ولا غرور.
وإذا عرف المرء قدر نفسه صانها عن الرذائل وحفظها من أن تهان، ونزهها عن دنايا الأمور وسفاسفها في السر والعلن، وجنبها مواطن الذل بأن يحملها ما لا تطيق أو يضعها فيما لا يليق بقدرها فتبقى نفسه في حصن حصين وعز منيع، لا تعط الدنية ولا ترضى بالنقص ولا تقنع بالدون.
ألم تر إلى شرف نفس الكريم ابن الكريم ابن الكريم، ابن الكريم، نبي الله يوسف بن يعقوب بن اسحاق ابن إبراهيم، عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام.
حين دعا ربه فقال: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ (١) فهذا هو شرف النفس، ومعرفة قدر النفس.
وذلك حينما قال: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾.
стр. 400
حتى حينما جاءه رسول الملك فرد عليه وقال: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (٥٠)﴾ (١) يوسف: ٥٠.
ولا عجب فإن من لا يصبر فيما له ألا يصبر فيه.
وهو الخروج من السجن.
مع توفر الدواعي على الخروج منه، فأولى به أن يصبر فيما يجب عليه أن يصبر فيه من الهم بامرأة العزيز.
قيل لرجل: لي حويجة.
تصغير حاجة، حاجة بسيطة.
كما أن كثيرا من الناس يأتي بدون فقه وبدون أدب مع العلماء الأفاضل الكبار، فيقول له: عند سؤال صغير.
ليس من الأدب أن تقول له هذا، يعني أنا انتقيت لك الحاجة التافهة لاسألك فيها.
قال له: لي حويجة.
فقال له: اطلب لها رجيلا.
على مقاسها.
وقيل لآخر: جئناك في حاجة لا ترزؤك.
يعني لن تصيبك في مالك ولا بشيء كثير يعني.
فقال لهم: هلا طلبتم لها سفاسف الناس.
وقيل لبعض العلماء: لي سؤال صغير.
فقال: اطلب له رجلا صغيرا.
стр. 401
ومن علو الهمة وشرف النفس ما روي عن قطب السخاء عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، فقد سألته امرأة فأعطاها مالا عظيما، فقيل له: إنها لا تعرفك، وكان يرضيها اليسير، فقال: إن كان يرضيها اليسير، فأنا لا ارضى إلا بالكثير، وإن كانت لا تعرفني فأنا أعرف نفسي.
وسأله سائل بينا يهم لركوب ناقته، فنزل له عنها وعما فوقها، وكان عليها أربعة آلاف درهم وسيف من سيوف علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه.
وعن سعيد بن عبد العزيز أن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما، سمع رجلا إلى جنبه يسأل الله أن يرزقه عشرة آلاف درهم، فانصرف فبعث بها إليه ..
وعن أبي سعيد عن شيخ له قال: رأيت ابن المبارك يعض يد خادم له.
-الإمام الكبير عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى، يحكي هذا الشيخ أنه رآه يعاقب هذا الخادم ويعض يديه.
فقلت له: تعض يد خادمك؟!
قال: كم آمره ألا يعد الدراهم على السؤَّال؟ أقول له: احث لهم حثوا.
-كثير جدا ما أمرته ألا يعد الدراهم لهم واحد اثنين ثلاثة .. وهكذا ..
ولكن احث لهم حثوا.
بيديه الاثنين يجمع المال ويعطي.
فهو يعاتبه على ذلك، أو يعاقبه على ذلك بالعض يعني.
يقول: رأيت ابن المبارك يعض يد خادم له.
فقلت له: تعض يد خادمك؟!
قال: كم آمره ألا يعد الدراهم على السؤَّال؟ -طالبي الصدقة- أقول له: احث لهم حثوا.
من شرف النفس ومعرفة قدرها قول الأبي وردي:
стр. 402
رأت أميمة أقماري وناظرها يعوم في الدمع منهلا نوادره
وما درت أن في أثنائها رجل ترخى على الأسد الضاري غدائره
في ملتقى أولاده صيد حمر مناصله بيض عشائره
إن رق بردي فليس السيف محت .. ابالغمد وهو موا .. الغرب ماكره
وهمتي في ضمير الدهر كاملة وسوف يظهر ما تخفي ضمائره
يقول الشافعي:
علَيَّ ثياب لو يُباع جميعها ... بِفَلْسٍ لكان الفَلْس منهن أكثرا
وفيهن نَفْسٌ لو يُقاس بمثلها ... نفوس الوَرَى كانت أجَلّ وأخطرا
وما ضَرّ نَصْل السّيف إخلاق غِمده ... إذا كان عَضْبا حيث أنفذته بَرى
يعني لو سيف حاد القطع، لكن موجود في غمد خلق قديم وبال، هل هذا يضر السيف؟
فنفس الشيء بالنسبة لملابس الإنسان، فالمهم ما هو بداخلها.
هكذا يقول الشافعي ..
هذا من الشافعي قطعا هو معرفة قدر النفس.
ولذلك الشافعي له تعبيرات عجيبة جدا في هذه النواحي.
مرة قال للشافعي: «ما رفعت أحد فوق قدره إلا نقص من قدري بمقدار ما رفعت من قدره».
-الإنسان لابد أن يراعي منزلة كل إنسان وينزل كل إنسان منزلته.
ما رفعت أحد فوق قدره إلا نقص من قدري بمقدار ما رفعت من قدره.
يقول الشافعي ﵀:
إذا المشكلات تصدين لي ... كشفت حقائقها بالنظر
لسان كشقشقة الأرحمي ... أو كالحسام اليماني الذكر
стр. 403
ولست بإمعة في الرجال ... أسائل هذا وذا ما الخبر
ولكنن مدره الأصغرين ... جلاب خير وفراج شر
وقال رحمه الله تعالى: وفضيلة البنان يظهر سرها من حكه لا من ملاحة نقشه، ومن الغباوة أن تعظم جاهل لثقال ملبسه ورونق رقشه، أو أن تهين مهذبا في نفسه لدروس بذته ورثة فرشه.
وقال أبو هلال العسكري ﵀:
جلوسي في سوق أبيع وأشتري ... دليل على أن الأنام رقود
ولا خير في قوم تذل كرامهم ... ويعظم فيهم نذلهم ويسود
ويهجوهم عني رثاثة كسوتي ... هجاء قبيحا ما عليه مزيد
مثلا بعض العلماء كره أن يتحول عن بلده مع إنه لا يحب الشهرة، كان يؤثر الخمول والانقباض عن الناس، لكن خشي أن يتحول عن بلده خشية أن يعامله من لا يعرف قدره بما لا يليق به.
كان الإمام سفيان الثوري رحمه الله تعالى شديد التواضع.
يعني حتى إنه كان يقول –وقد كثر الناس حوله في مكة- فقال مرة: ضاعت الأمة حين احتيج إلي. -من شدة تواضعه-
كان يقول أيضا: لو لم يأتني أصحاب الحديث لأتيتهم في بيوتهم.
وكان يقول: لو أني أعلم أن أحدا يطلب الحديث بنية لأتيته في بيته حتى أحدثه.
وكان لا يتصدر المجالس ولكنه كان يجلس بين عامة الناس، حتى قال علي بن ثابت: ما رأيت سفيان في صدر مجلس قط.
كان يقعد من الحائط إلى جنب الحائط ويجمع بين ركبتيه.
-فهذا الشخص الذي هو قمة في التواضع، يعني الإمام سفيان الثوري رحمه الله تعالى، فكان شديد التواضع لكن في غير ذل، ولا استصغار.
стр. 404
كان يقول ﵀: أحب أن أكون في موضع لا أعرف ولا أستذل.
يعني هم لأنهم بسبب أنهم لا يعرفونه ممكن أن يعامل بما لا يليق بقدره.
وقال ابن مهدي: سمعت سفيان الثوري يقول: وددت أني أخذت نعلي هذه ثم جلست حيث شئت لا يعرفني أحد، ثم قال: بعد أن لا أستذل.
يعني بشرط: ألا أستذل
ولشدة حذره من الذلة كان يسكن بين معارفه من الناس الذين يعرفون قدره، قال ﵀: لولا أن أستذل لسكنت بين قوم لا يعرفونني.
ولما قدم المدينة الخليفة المهدي أقبل الناس عليه مسلمين، فلما أخذوا مجالسهم جاء مالك –بعدما جلس الناس في المقاعد أو في الأماكن- فقالوا: اليوم يجلس مالك آخر الناس-الإمام مالك جاء متأخرا عن باقي الناس- فلما دنا ورأى زحام الناس وقف.
فأبى الإمام مالك أن يجلس فيما لا يليق بقدره.
فهذا ليس غرورا معرفة قدر النفس.
فلما رأى ازدحام الناس وقف وقال: يا أمير المؤمنين، أين يجلس شيخك مالك؟
فناداه المهدي: عندي يا أبا عبد الله.
فتخطى الناس حتى وصل إليه، فرفع المهدي ركبته اليمنى وأجلسه بجانبه.
بهذه العزة أجاب العالم الضرير المحدث معاوية محمد بن هارون الرشيد لما صب الماء على يديه.
-يعني الخليفة هارون الرشيد صب الماء على يدي معاوية.
وبعدما فرغ أخبره بأنه هو الذي صب الماء على يديه، فبماذا رد هذا الإمام؟
قال: إنما أكرمت العلم يا أمير المؤمنين.
стр. 405
الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى عزل نفسه عن القضاء بعض المرات ثم طلب ليولى، وقام السلطان الملك المنصور .. له واقفا لم أقبل.
فيترك لهم القضاء ويعتزل، فكان السلطان يترجاه أن يعود ثانية للقضاء.
فكان قادما ليولى من جديد فالسلطان بمجرد أن رآه من بعيد قام واقفا احتراما للإمام ..
السلطان المنصور .. وقف لما أقبل فصار يمشي قليلا قليلا
-تعمد ابن دقيق العيد أن يمشي بماذا؟
ببطء حتى يطيل وقوف الملك.
فصار يمشي قليلا قليلا ..
وهم يقولون له: السلطان واقف.
وهو يقول: أديني بمشي.
لأنه مصري، الإمام .. مصري، فكان يقول: أديني بمشي.
وجلس معه على الجوخ حتى لا يجلس دونه، يعني جلس بجواره حتى لا يجلس دونه، وقبل السلطان يده فقال: ابن دقيق العيد: تنتفع بهذا.
أيضا من أعظم ما يحمد لمكارم الأخلاق، يعني يقول ابن حزم: التي لم نسمع لها أختا.
أن أبي غالب تمام ابن غالب التيمي، ألف كتابا في اللغة يسمى تلقيح العين
فوجه إليه أبو الجيش ..
صاحب ..
أندلسية ومركوبا وأكسية، على أن يزيد في ترجمة الكتاب.
يعني يكتب اسم الكتاب وهو (تنقيح العين) ويضيف هكذا على الغلاف أنه مما ألفه أبو غالب لأبي الجيش مجاهد.
стр. 406
مما ألفه المؤلف نفسه لأبي الجيش مجاهد.
فرد الدنانير وغيرها ..
رجع له كل الهدايا التي أرسلها، وقال: كتاب ألفته لينتفع به الناس وأخلد فيه همتي أجعل في صدره اسم غيري وأصرف الفخر له، والله لو بذل لي الدنيا على ذلك ما فعلت ولا استجزت الكذب.
لأني لم أجمعه له خاصة بل لكل طالب.
يقول ابن حزم: فاعجب لهمة هذا الرئيس وعلوها واعجب لنفس هذا العالم ونزاهتها.
الحقيقة النماذج كثيرة جدا، من هذه النماذج مثلا: الإمام البخاري رحمه الله تعالى لما ترك البلد وكان سر ذلك أن خالد بن أحمد خليفة ابن طاهر سأله أن يحضر منزله فيقرأ التاريخ والجامع على أولاده، فامتنع الإمام البخاري من ذلك، وقال: لا يسعني أن أخص بالسماع قوما دون قوم آخرين.
فاستعان خالد بحريث بن أبي الورقاء وغيره من أهل بخارى، حتى تكلموا في مذهبه فنفاه عن البلد فدعا عليه.
من ذلك أيضا ما جاء في ترجمة الخطيب البغدادي: أنه دخل علي بعض العلوية، وفي كمي الدنانير –في جيبه دنانير- وقال للخطيب: فلان يسلم عليك ويقول لك: اصرف هذا في بعض مهماتك، فقال الخطيب: لا حاجة لي فيه وقطب وجهه، فقال العلوي: كأنك تستقله؟
ونفض الجيب أو الكم.
ونفض كمه على سجادة الخطيب، وطرح وكأنه يقول له: أتحسب أن ما أعطيه لك قليل.
وأخرج له الدنانير الذهبية على الحصيرة التي يجلس عليها، وقال له: هذه ثلاثمائة دينار.
فقام الخطيب محمرا وجهه وأخذ السجادة وصب الدنانير على الأرض وخرج من المسجد.
فقال أحد تلامذة الخطيب: ما أنسى عز خروج الخطيب وذل ذلك العلوي.
وهو قاعد على الأرض يلتقط الدنانير من شقوق الحصير ويجمعها.
стр. 407
يقول القاضي أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجورجاني: يقولون لي فيك انقباض وإنما رأوا رجلا عن موقف الذل أحجم أرى الناس من داماهمو هان عندهم ومن أكرمته عزة النفس أكرم، ولم أقض حق العلم إن كان كلما بدا طمع، صيرته لي سلما، وما زلت منحازا بعرضي جانبا من الذل أعتد الصيانة مغنما وما كل برق لاح لي يستفزني ولا كل من في الأرض أرباب منعم.
إذا قيلَ: هذا مَنهلٌ قلتُ: قد أَرى ... ولكنَّ نَفْسَ الحُرِّ تحتملُ الظَّما
ولم أبتذِل في خدمةِ العلم مُهجَتي ... لأَخدِمَ من لاقيتُ لكن لأُخدما
أَأَشقى به غَرْساً وأجنيهِ ذِلَّة؟! ... إذاً فاتِّباعُ الجهلِ قد كان أحزَما
ولو أنَّ أهلَ العِلمِ صانوه صانَهم ... ولو عظَّموهُ في النُّفوسِ تَعَظَّما
ولكن أذلوه فهانَ ودنّسوا ... مُحيّاهُ بالأطماعِ حتى تَجهَّما
وكان عطاء بن أبي رباح عبدا أسودا لامرأة من أهل مكة، وكان أنفه كأنه باقلاء.
-نبات كالبازلاء أو شيء كهذا.
وجاء سليمان بن عبد الملك أمير المؤمنين إلى عطاء هو وابناه، فجلسوا إليه
وهو يصلي، فلما صلى انفتل إليهم فما زالوا يسألونه عن مناسك الحج، وقد حول قفاه إليهم.
-هم يسألون وهو يجيبهم وقد أعطاهم يعني ظهره.
ثم قال سليمان لابنيه بعدما أخذا الفتاوى: قوما، فقاما.
فقال: يا ابني لا تنيا –لا تكسلا- بالعلم فإني لا أنسى ذلنا بين يدي هذا العبد الأسود.
الإمام العز الدين بن عبد السلام كان إذ قرأ القارئ عليه كتاب وانتهى إلى آخر باب من أبوابه لا يقف عليه، بل يأمره أن يقرأ من الباب الذي بعده، ولو سطرا.
ويقول: لا أشتهي أن أكون ممن يقف على الأبواب.
стр. 408
عالم آخر يشمت على الفقر والسؤال حتى لو فيه نيل العمياء، فينهى عن السؤال ومد اليد ولو للعمياء.
فمد اليد من العالم ذلة وانكسار نفس.
والعالم داعية الحق، فكسر نفسه بالسؤال إضعاف للحق الذي يدعو إليه.
يقول ذلك الفقير الشامخ الأبي: لا تمدن للعلياء منك يدا، حتى تقول لك العلياء: هات يدك.
وأنفذ الخليفة بمائة دينار إلى عالم، وقال لغلامه: إن قبل منك ذلك فأنت حر.
فحمل إليه فلم يقبل، فقال: اقبل ففيه عتقي.
فقال: إن كان فيه عتقك ففيه رقي.
تلا الشيخ سعيد الحلبي عالم الشام في عصره، كان في درسه مادا رجليه، فدخل عليه .. الشام إبراهيم باشا بن محمد علي صاحب مصر فلم يتحرك له ولم يقبض رجليه ولم يبدل قعدته فتألم الباشا، ولكنه كتم ألمه ولما خرج بعث إليه بصرة فيها ألف ليرة، فردها الشيخ وقال للرسول الذي جاءه بها: قل للباشا: إن الذي يمد رجليه لا يمد يده.
أما في الصغار: علامات شرف النفس ومعرفة قدرها، حتى في الصغار.
فقال وهو يجود بنفسه لابنه عبيد الله: ألا أوصي بك الأمير زيادا؟
يقول لابنه وهو يموت، وابنه صغير، يقول له: ألا أوصي بك الأمير زيادا؟
فقال: يا أبت إذا لم يكن للحي إلا وصية الميت فالحي هو الميت.
إذا كان الحي من غير الميت ليس له أي قيمة فكأنه ميت هو أيضا.
إذا لم يكن للحي إلا وصية الميت فالحي هو الميت.
وقال الشاعر في نحوه:
إذا ما الحي عاش بعظم ميت فذاك العظم حي وهو ميت
стр. 409
وقال معاوية لعمرو بن سعيد وهو صبي: إلى من أوصى بك أبوك؟
-يعني قبل أن يموت.
قال: إن أبي أوصى إلي ولم يوص بي.
قال: وبما أوصى إليك؟
قال: ألا يفقد إخوانه منه إلا وجهه.
-يعني يحسن إلى إخوان أبيه كما كان أبوه يحسن إليهم.
وكان الشيخ عبد الوهاب الفارسي ﵀ يسير يوما برفقة صديقه الشيخ محمد الجراح فصدمتهما سيارة، فسقط في حفرة وجرح.
ولما علم أن السائق كان سكرانا صفح عنه وامتنع من مقاضاته.
أنفة من أن يقف في موقف واحد مع سكران.
لأنه لو قاضوه سيقتضي الأمر أن يقف في صف واحد مع هذا الرجل، فأنفة من أن يستوي في مثل هذا الموقف مع واحد سكران، تنازل عن حقه.
إذاً هذه إشارة لنجدد العهد بهذا المعنى، معرفة قدر النفس.
الشاهد هنا من قول أمير المؤمنين لابن عباس: ..
لما قال: في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين.
قال عمر: يا ابن أخي قل ولا تحقر نفسك. فأجابه.
على هذا السنن صار ابن عباس منذ طفولته غير مبال بتثبيط من هو أقصر منه همة.
قال ﵁: لما قبض رسول الله ﷺ ، قلت لرجل من الأنصار: ..
-يعني هو صبي وهذا رجل كبير.
فقال: هلم فلنسأل أصحاب رسول الله ﷺ فإنهم اليوم كثير.
стр. 410
-إن سكتنا كما قبض رسول الله ﷺ فالصحابة أيضا سيموتون أو يتفرقون في البلاد، فيقول له: تعالى نلحق الصحابة موجودين كثير ..
هيا نسألهم ونتعلم منهم الحديث أو العلم.
فقال: واعجبا لك يا ابن عباس! أترى الناس يفتقرون إليك وفي الناس أصحاب من رسول الله ﷺ من فيهم.
-الناس تنتظرك أنت من أجل أن تتعلم؟!
فتركت ذاك.
-أعرض عن هذا المثبط.
قال: فتركت ذاك وأقبلت أسأل أصحاب رسول الله ﷺ ، وإن كان يبلغني الحديث عن الرجل فآتي بابه وهو قائل –وقت القيلولة نائم- فأتوسد ردائي على بابه، يسف الريح علي من التراب.
فيخرج فيراني فيقول: يا ابن عم رسول الله ﷺ ، ما جاء بك؟
هلا أرسلت إلي فآتيك؟
فأقول: لا، أنا أحق أن آتيك.
فأسأله عن الحديث.
فعاش هذا الرجل الأنصاري حتى رآني وقد اجتمع الناس حولي يسألونني.
فيقول: هذا الفتى كان أعقل مني.
فحيا هلا إن كنت ذا همة فقد
حذا بك حاذ الشوق فاطو المراحل.
ولا تنتظر بالسير رفقة قاعد ودعه
فإن العزم يكفيك حاملا
стр. 411
كان ابن شهاب رحمه الله تعالى يشجع الأولاد الصغار، ويقول لهم: لا تحتقروا أنفسكم لحداثة سنكم.
فإن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه كان إذا بدا به الأمر دعا الفتيان –الشباب- فاستشارهم يتبع حدة عقلهم.
من أسباب معالجة الهمة، دائما من يكبر في السن تضعف همته.
فهو كان يعلي هذا بأن يكثر الجلوس إلى الشباب واستشارتهم حتى تنتقل العدوى، ينتقل حماس الشباب إلى الشيوخ بالعدوى.
هناك عدوى نفسية.
كان إذا نزل به الأمر المعضل دعا الفتيان يتبع حدة عقولهم.
- ليعالج الهدوء الذي يحصل عند الشيوخ.
وكان الخليفة هارون الرشيد رحمه الله تعالى، يغدق العطايا والصلات لطلبة العلم والعلماء حتى قال ابن المبارك: فما رأيت عالما ولا قارئا للقرآن ولا سابقا للخيرات ولا حافظا للمحرمات في أيام بعد أيام رسول الله ﷺ وأيام الخلفاء والصحابة أكثر منهم في زمن الرشيد وأيامه.
-بسبب تشجيعه لأهل العلم.
لقد كان الغلام يجمع القرآن وهو ابن ثمان سنين ..
–يحفظ القرآن كله وابن ثمان سنين.
ولقد كان الغلام يستبحر العلم والفقه ويروي الحديث ويجمع الدواوين ويناظر المعلمين وهو ابن إحدى عشر سنة.
ولقد بلغ حب بعض الأمراء للعلم والعلماء إلى الحد الذي جعله يعتبر العلماء في رعايته الخاصة.
من هؤلاء الأمراء المعز بن .. أحد أمراء دولة الصنهجيين في المغرب الإسلامي.
стр. 412
كان لا يسمع بعالم جليل، إلا أحضره إلى حضرته.
وجعله من خاصته وبالغ في إكرامه وعول على أعرائه ومنحه أسمى الرواتب.
كذلك فعل الخليفة الموحلي الثالث .. المنصور يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن الذي أنشأ بيت الطلبة وأشرف عليه بنفسه.
وعندما بلغه حسد بعض حاشيته على موضع الطلبة النابغين عنده، فزع منهم وخاطبهم قائلا: يا معشر الموحدين أنتم قبائل فمن نابه منكم أمر فزع إلى قبيلته وهؤلاء الطلبة لا قبيلة لهم إلا أنا فمهما نابهم من أمر فأنا ملجأهم إلي فزعهم وإلي ينسبون.
بلغت عناية المنصور بالطبيب أبي بكر بن زهر، حدا عجيبا، فقد كان أبو بكر يقيم عند الخليفة مددا طويلة، ولا يرخص له بالسفر إلى أهله.
حتى قال شعرا في شوقه إلى ولده الصغير.
فلما سمع المنصور هذا الشعر.
أرسل المهندسين إلى أشبيلية -في الأندلس- وأمرهم ..
- هذا الأمير كان في مراقش، فأرسل المهندسين إلى وطن هذا الطبيب العالم أبي بكر بدون أن يشعر، بعث المهندسين إلى أشبيلية.
وأمرهم بدراسة بيت أبي بكر وحارته وتشييد مثله في مراكش، ففعلوا ما أمرهم.
-بنوا له المكان مثل المكان بالضبط ويبدو أنهم بنوا له أيضا الحارة على نفس النمط.
ونقلوا عيال أبي بكر إليه.
-فكانت نفس الحارة، المهندسين عملوا مثلها، والبيت الذي يسكن فيه بالضبط مثله، وأحضروا أهله وأولاده ووضعوهم في البيت.
فلما رآها أبو زهر اندهش وحصل عنده من السرور ما لا مزيد عنه ولا يستطيع التعبير عنه.
стр. 413
فهل سمع بمثل هذا في إكرام العلم والعلماء؟
وفي القرن، قامت محاولة ناجحة في عهد الخلافة العثمانية لتشجيع النابغين من جميع الأمصار والقرى وتوفير الرعاية التي جعلت كل نابغة يعطي ما عنده من علم وفن.
مما ساعد على ازدهار الدولة العثمانية حضاريا وعسكريا حتى باتت تهدد بغزو أوروبا.
-فعملية .. بالذات النابهين الذين هم المتفوقين والنوابغ والعباقرة.
هذا كانت في القرن السادس عشر الدولة العثمانية.
رعاية النابغين أهملت في أوروبا وأمريكا حتى بداية القرن العشرين.
لأن هذه المجتمعات في الغرب كانت تسيء فهم النابغين، لأن كان هناك كتاب لواحد اسمه نمروزوا، ألف كتابا اسمه ( Genius men) يعني الرجل العبقري.
فكان يتكلم عن العباقرة الذين هم مجانين.
وهناك كتاب ثاني اسمه ( Mad genius) يعني جنون العبقرية، لواحد اسمه ليسوار.
نشر الكتابان في لندن ونيويورك في أواخر القرن التاسع عشر، وأثبتا فيهم العلاقة الوثيقة بين العبقرية والجنون، وقدما البراهين على أن النابغين مجانين.
-هم العباقرة لهم بعض المشاكل النفسية، يكون لهم حاجات غريبة هكذا ..
لكن التعميم هنا خطأ، ليس كل عبقري، هناك ملامح هكذا يعني ..
ثم بدأت الفكرة العامة للنابغين تتحسن بعدما نُشر كتاب ( instructs the child genius) يعني الطفل النابغة يرشد، سنة ١٩٤٧.
أراد أن يمحو الفكرة القديمة على جنون العبقرية وقدم البرهين على أن الأطفال الأذكياء أصحاء نفسيا وجسميا واجتماعيا.
فبدأ يتكون رأي عام يحترم النابغين، ولا يصفهم بالجنون.
стр. 414
حتى منتصف القرن العشرين، كان الأمريكيون يعتبرون رعاية النابغين ترفا تربويا ولم يبذلوا جهودا جادة في الكشف عنهم إلا بعد أن أطلق الروس أول مركبة فضائية سنة ١٩٥٧م.
فطبعا الأمريكان ذهلوا من هذه المفاجأة وشعروا بتخلفهم بالنسبة للروس في هذا الموضوع، فشعروا بالخطر من تفوق الروس عليهم، فاتجهوا إلى رعاية النابغين واعتبروها مسألة حياة أو موت، وجندوا علماء التربية وعلم النفس والاجتماع وعقدوا المؤتمرات والندوات لتخطيط وتنظيم رعاية فئات النابغين وتشجيعها على إظهار نبوغها في جميع المجالات وأنشأت كل ولاية العديد من المعاهد والفصول
المتخصصة في رعاية النابغين في جميع المجالات، حتى بلغ عدد المعاهد حوالي سبعمائة معهد تشرف عليها حوالي ثلاثمائة جامعة في أمريكا.
كما أسهمت المؤسسات التجارية والصناعية والعلمية في تمويل برامج الكشف عن النابغين ورعايتهم.
-طبعا الآن موضوع النابغين ورعاية النابغين علم مستقل وفيه مؤلفات مصنفة فقط لرعاية النابغين، لأنهم أيضا يكون لهم معاناة اجتماعية من نوع خاص، يشعرون بالإحباط دائما لأن البعد شاسع بينهم وبين الناس دونهم.
يقول الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله تعالى: قرأت مرة أن مجلة انكليزية كبيرة سألت الأدباء على الأمر الذي يتوقف عليه نمو العلوم وازدهار الآداب.
وجعلت لمن يحسن الجواب جائزة قيمة، فكانت الجائزة لكاتبة مشهورة، قالت: إنه التشجيع.
-التشجيع، السؤال كان ماذا؟
ما هو الأمر الذي يتوقف عليه نمو العلوم وازدهار الآداب؟
فكانت أحسن إجابة قالتها هذه الأديبة، قالت: إنها التشجيع.
стр. 415
وقالت: إنها في تلك السن بعد تلك الشهرة والمكانة تدفعها كلمة التشجيع حتى تمضي إلى الأمام وتقعد بها كلمة التثبيط عن المسير.
ذكر الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله تعالى أثر التثبيط في خنق المواهب وحرمان الأمة من عبقرية أصحابها وإبداعهم.
-طبعا قبل أن نبعد عن موضوع أمريكا، طبعا الذهاب إلى أمريكا التي تعتبر أصعب بلد أو من البلاد التي يصعب جدا الحصول على تأشيرة دخول فيها، لكن إذا كان القادمين إليها نوابغ فالأمريكان هم الذين يلحون عليهم ويسهلون لهم جميع الأمور، خاصة لو واحد متخصص في العلوم النووية أو الطبية أو أي نوع من العلوم الحديثة المؤثرة فطبعا يهتمون جدا بالنوابغ.
وهناك لو واحد مثلا أنهى دراسته ويريد أن يرجع، يظلوا يغرونه إغراءات شديدة جدا حتى يبقى، كل أنواع الامتيازات ببذخ شديد ينفقون عليهم حتى يرضوا بالبقاء هناك.
فهي قائمة على استنزاف أو سرقة العقول المهاجرة وبالذات من العالم الإسلامي.
لماذا؟
لأنهم قدروا قيمة هذا الأمر، وهو التشجيع ورعاية هؤلاء المتميزين.
الشيخ علي الطنطاوي يقول ..
هو كان هناك عائلات معينة في الشام تحتكر الوظائف العلمية.
وكان أعضاء هذه العائلات يخافون جدا من أن يتفوق أي أحد في العلوم الشرعية فيتحول احتكار المناصب العلمية إلى غيرهم.
فيقول الشيخ: إن الشيخ محمد أمين بن عابدين، لما نشأ وعجز المثبطون منه الميل إلى العلم.
-المثبطون الذين ينتمون لهذه العائلات التي تحتكر المناصب العلمية، فشعروا أن هذا الفتى نابغة ويحب العلم جدا ومتفوق.
стр. 416
أعداء النجاح.
وعرفوا فيه الذكاء المتوقد والعقل الراجح، خافوا منه.
-خافوا منه في المستقبل أنه هو الذي ينبغ يعني.
فذهبوا يقنعون أباه وكان أبوه امرء تاجرا ..
- فقالوا له: ابنك هذا سيضيع مستقبله في العلم، فليكن امتدادا لك في التجارة ويكسب أموالا وهكذا ..
حتى يبعدونه عن طريق المزاحمة في العلم.
فكان أبوه امرء تاجرا ليسلك به طريق التجارة، .. في العلم.
فجعلوا يراسلونه ويرسلون إليه الرسل ويكتبون إليه الكتب.
ويستعينون عليه بأصحابه وخلصائه، ولكن الله أراد بالمسلمين خيرا، فثبت الوالد فكان من هذا، الولد المبارك ابن عابدين صاحب الحاشية.
-أوسع كتاب في فروع الفقه الحنفي.
يقول: بل أرادوا أن يصرفوا أستاذنا العلامة محمد بن كرد علي ..
-العلامة الكبير رحمه الله تعالى.
عن العلم فبعثوا إليه بشقيقين من آل ( .. ) ..
-والشيخ يضع نقاط حتى لا يسمهم.
يقول: .. بشقيقين قد ماتا، فلست أسميهما على الرغم من أنهما قطعا عن العلم أكثر من أربعين طالبا.
-نجحوا في تثبيط أكثر من أربعين طالبا من طلاب العلم حتى ينصرفوا عن طلب العلم حتى لا يزاحموهم في المناصب العلمية.
стр. 417
فما زالا بأبيه -والد محمد كرد علي- ولم يكن أبوه من أهل العلم، فلم يزالا بأبيه ينصحانه أن يقطعه عن العلم ويعلمه مهنة يتكسب بها، فما في العلم نفع ولا منه فائدة.
ويلحان عليه و ..
حتى ضجر فصرفهما، فكان من ولده هذا الأستاذ كرد علي أبو النهضة الفكرية في الشام وقائده ووزير معارف سورية الأسبق ومفخرتها، والذي من مصنفاته خطط الشام وغرائب الغرب والقديم والحديث والمحاضرات وغائب الأندلس وحاضرها والإدارة الإسلامية والإسلام والحضارة العربية والمقتبس.
ومن مصنفاته المجمع العلمي العربي بدمشق، ومن مصنفاته الشعراء والكتاب من الشباب.
ولعل في الناس كثيرين كانوا لولا الإحتكار والتثبيط كابن عابدين وكردي علي، وهذا هو العلامة الشيخ سليم البخاري رحمه الله تعالى فما له مصنف رسالة فما فوقها، على جلالة قدره وكثرة علمه وقوة قلمه وشدة بيانه.
-لم يترك رسالة واحدة ولا أي مؤلف.
وسبب ذلك أنه صنف لأول عهده بالطلب رسالة صغيرة في المنطق كتبها بلغة سهلة عذبة، تنفي عن هذا العلم تعقيد العبارة وصعوبة الفهم وعرضها على شيخه فسخر منه وأنبه، وقال له: أيها المغرور، أبلغ من قدرك أن تصنف وأنت .. وأنت .. وأنت .. ثم أخذ الرسالة فسجر بها المدفأة.
-حرقها في المدفأة.
فكانت هي أول مصنفات العلامة البخاري وآخرها.
-وقصة الشيخ الألباني معروفة جدا في سبب تأليف كتاب (تحذير الساجد) لما الشيخ احتقره جدا، ولكن الشيخ تفاعل بطريقة إيجابية جدا وتحدى، وظل يضيف إلى الكتاب حتى خرج كتابه الرائع: (تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد).
стр. 418
يقول العلامة علي الطنطاوي، العلامة الأديب ﵀: وأول من سن سنة التشجيع في بلدنا هو العلامة مرب الجيل الشيخ طاهر الجزائري رحمه الله تعالى، الفيلسوف المؤرخ الجدلي الذي من آثاره: (المدارس الابتدائية النظامية في الشام).
-طالب كان له شخصية مميزة جدا، تكلمنا عنه من قبل؟، جئنا بسيرته في أثناء دروس (رجل لكل العصور).
فما كانت علاقته بابن تميمة؟ ماذا فعل مع شيخ الإسلام؟
ماذا كان يفعل من أجل أن ينشر كتب شيخ الإسلام ابن تيمية؟
يشتريها غالية جدا، ثم يعطيها لمحلات الكتب بسعر رخيص جدا حتى يسهل انتشارها بين الناس.
فكان له دورا كبيرا جدا في نشر كتب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.
يقول: كان هذا أول من سن سنة التشجيع في بلدنا.
-وهو العلامة طاهر الجزائري ﵀.
ما هي آثار طاهر الجزائري؟
هو الذي عمل المدارس الابتدائية النظامية في الشام، والمكتبة الظاهرية.
والأستاذ محمد علي كرد علي بك من تلامذته، وخالي الشيخ محب الدين الخطيب -خال الشيخ علي الطنطاوي ﵀.
هذا أيضا من آثار وبركات الشيخ طاهر الجزائري ﵀.
مما كتب في ذم التثبيط ..
-طاهر الجزائري يذم عملية التثبيط أعداء النجاح.
стр. 419
يقول: وقد عجبت من أولئك الذين يسعون في تثبيط الهمم في هذا الوقت الذي يتنبه فيه الغافل.
وكان الأجدر بهم أن يشفقوا على أنفسهم ويشتغلوا بما يعود عليهم وعلى غيرهم بالنفع، ولا يرى أحد من المثبطين قديما أو حديثا أتى بأمر مهم، فينبغي للجرائد الكبيرة أن تكثر من التنبيه على خطر هذه العادة والتحذير منها ليخلص منها من لم .. وينتبه الناس لأربابها، ليخلصوا من ضررهم.
كان الشيخ في حياته يشجع كل عامل ولا يثني أحد عن غاية صالحة، حتى لقد أخبرني أحد المقربين منه أنه قال له ..
-الشيخ طاهر الجزائري قال له: إذا جاءك من يريد تعلم النحو في ثلاثة أيام فلا تقل له أن هذا غير ممكن، فتفل عزيمته وتكسر همته، ولكن أقبله وحبب إليه النحو فلعله إذا أنس به واظب على قراءته.
فهنا نرى يعني هذا النموذج الرائع من الشيخ طاهر الجزائري رحمه الله تعالى.
يقول للمربي أو للمعلم: إذا جاءك من يريد تعلم النحو في ثلاثة أيام ..
فلو واحد لا يفهم في التربية ماذا سيقول له؟
أي ثلاثة ايام، إن أقل شيء ثلاث سنوات.
إلى آخره.
هو يقول: لا، بمجرد أن لديه روح المبادرة والحرص على التعلم فلا تقل له: لا، لا يكفي، ولكن ابتدأ في تعليمه.
إذا جاءك من يريد تعلم النحو في ثلاثة أيام فلا تقل له أن هذا غير ممكن، فتفل عزيمته وتكسر همته، ولكن أقبله وحبب إليه النحو فلعله إذا أنس به واظب على قراءته.
стр. 420
-هكذا يكون التشجيع، بخلاف طبعا سلوك بعض المربين أو المدرسين، مثلا: إن الطفل يأتي للمدرس وقد رسم شيئا معينا أو كتب شيئا معينا، أحدهم يفعل أي شيء ويقول: شعر.
فإذا به يرمي له به، ويقول له: ما هذا الكذا الذي عملته؟
ويرمي الكراسة أو يمزقها أو يسخر منه.
فطبعا هذا يدرج في أعداء النجاح، لكن الصحيح إننا لابد من التشجيع والتقبل على ما في انجازه من عيوب، لأن البدايات دائما تكون ضعيفة لكنه ينمو مع الوقت.
يقول: أيضا التشجيع هو كما لو أنك تمشي في طريق مظلم أو في مكان مظلم وتريد أن تكتشف معالمه، فالتشجيع مثل الضوء أو المصباح الذي نستعمله لتكتشف المواهب المخبوءة.
المواهب المكنوزة المخبوءة.
فالتشجيع يفتح الطريق للعبقرية المخبوءة حتى تظهر وتثمر ثمرها وتؤتي أكلها.
ورب ولد من أولاد الصناع أو التجار يكون إذا شجع وأخذ بيده عالما من أساتذة العلماء أو أديبا من أعاظم الأدباء.
في علماء القرن الماضي في الشام، من ارتقى بالجد والدأب والتشجيع من منوال الحياكة إلى منصب الأستاذ وكرسي التدريس تحت القبة ..
هذا يذكرنا باثنين من الأقباط في مصر، كانا في تاريخ الحملة الفرنسية تقريبا، الاثنين أسلما وأحدهما صار مفتيا ثم شيخا للأزهر، والآخر صار شيخا للأزهر.
اثنان من الأقباط.
-والشيخ محمد نجيب المطيعي رحمه الله تعالى العلامة الفقيه الكبير المحدث الشافعي، صاحب تكملة المجموع، أيضا رأس .. كان قبطيا وأسلم، وسبب هدايته للإسلام مكتبة أبيه، لأن أباه كان عنده
стр. 421
مكتبة ضخمة جدا، وكان مما تحتويه الكتب الإسلامية، فهو اهتدى على يد هذه الكتب التي كانت في بيت أبيه.
ورغم أن أباه كان من أهل الثراء والجاه من أهل الصعيد، لكنه ووجه بحرب شديدة جدا لما أسلم وطرد من البيت، ورجل عصامي بمعنى الكلمة.
ومن يذكر الشيخ المطيعي رحمه الله تعالى كان مميزا جدا ..
أولا كان في لغته قمة في الفصاحة، قمة في الفصاحة، وكان له دروس كثيرة وله تلامذة كثر يعني في العالم كله، رحمه الله تعالى.
فالشاهد إن الإسلام المفروض أنه يعطي كل الناس الفرصة، فتخيل اثنان من الأقباط يرتقيان في العلم بالإسلام إلى الحد الذي يجعل كلا منهما شيخا للأزهر في الوقعت الذي كانت مشيخة الأزهر هذه، يعني حاجة، قمة القمم في العلم.
رحم الله هذه الأيام.
يحكي هنا عن واحد كان خياطا، اسمه محمد إسماعيل.
يقول: نشأ هذا الشيخ الحائك عاميا لكنه محب للعلم ..
محب للعلماء فكان يحضر مجالسهم ويجلس في حلقهم للتبرك والسماع، وكان يواظب على الدرس، لا يفوته الجلوس في الصف الأول.
فجعل الشيخ يؤنسه ..
-العالم الكبير الذي كان يعطي الدرس كان يتلطف به ويؤنسه.
يؤنسه ويلطف به، لمايرى من دوامه وتبكيره ويسأل عنه إذا غاب، فشد ذلك من عزمه، واشترى الكتب يحيي ليله باستعادة الدرس واستعان على ذلك بالنابهين من الطلبة، واستمر على ذلك دهرا حتى أتقن علوم الآلة ..
стр. 422
- (اللغة والنحو الصرف والبيان وأصول الفقه ومصطلح الحديث .. إلى غير ذلك، كل علوم الآلة).
وصار واحد زمنه في الفقه والأصول، وهو عاكف على مهنته لم يتركها وصار الناس يأتونه في محله يسألونه عن مشكلات المسائل وعويصات الوقائع، فيجيبهم بما يعجز عنه فحولة العلماء، وانقطع الناس عن المفتي من آل العمادي.
-الناس بدأت تترك المفتي الرسمي وتذهب لهذا الشيخ، فساء ذلك العماديين وآلمهم
فتربصوا بالشيخ وأضمروا له الشر، ولكنهم لم يجدوا له سبيلا، فقد كان يحيا من عمله ويحيا الناس من علمه.
كان يمر كل يوم بدار العماديين بقيمورية، وهو على إتان -حمارة- له بيضاء.
فيسلم .. السلام .. فمر يوما كما كان يمر، فوجد على الباب أخا للمفتي فرد ﵇، وقال له ساخرا: إلى أين يا شيخ، أذاهب أن إلى استانبول لتأتي بولاية الإفتاء، وضحك وضحك من حوله.
-يسخرون منه، أين تذهب يا شيخ؟ أتذهب إلى استانبول عاصمة الخلافة، أتذهب لتجيء من هناك منشورا بأن تكون أنت المفتي في البلد، وهذا كان أخو المفتي العمادي.
يقول: إلى أين يا شيخ؟ أذاهب أنت إلى استانبول لتجيء
أما الشيخ فلم يزد على أن قال له: إن شاء الله.
وصار في طريقه، حتى إذا ابتعد عنهم دار في الأزقة حتى عاد إلى داره، فودع أهله وأعطاهم نفقاتهم، وسافر، وما زال يفارق بلدا ويستقبل بلدا حتى دخل القسطنطينية فنزل في دار قريب من دار المشيخة -وهو شيخ الإسلام العثماني- وكان يجلس على الباب يطالع في كتاب أو يكتب في صحيفة، فيعرف الناس من زيه أنه عربي فيحترمونه ويجلونه ولم يكن الترك قد جنوا الجنة الكبرى بعد.
-القوميات، وهذا الكلام الذي يضيع كثيرا.
стр. 423
فكانوا يعظمون العربي لأنه من أمة الرسول الأعظم ﷺ الذي اهتدوا به وصاروا به وبقومه ناسا.
واتصلت أسباب الشيخ بأسباب طائفة منهم، فكانوا يجلسون معه يحدثونه، فقال رجل منهم: إن السلطان سأل المشيخة عن قضية حيرت علماءها ولم يجدوا لها جوابا، والسلطان يستحثهم وهم حائرون، فهل لك في أن تراها لعل الله يفتح عليك بالجواب؟
فقال: نعم.
فقال: سر معي إلى المشيخة.
قال: باسم الله
ودخلوا على ناموس المشيخة (السكرتير).
فسأله الشيخ اسماعيل عن المسألة، فرفع بصره فقلب بصره فيه بازدراء، ولم تكن هيئة الشيخ بالتي ترضي، ثم ألقاها إليه وانصرف إلى عمله، فأخذ الشيخ نظارته فوضعها على عينه فقرأ المسألة، ثم أخرج من منطقته -هذه الدواة النحاسية الطويلة التي كان يستعملها العلماء وطلبة العلم للكتابة وللدفاع عن النفس- فاستخرج منها قصبة فبراها، وأخذ المقطع فقطعها، وجلس يكتب الجواب بخط نسخي جميل.
حتى سود عشر صفحات ما رجع في كلمة منها إلى كتاب.
ودفعها إلى الناموس ودفع إليه عنوان منزله وذهب، فلما حملها الناموس إلى شيخ الإسلام وقرأها، كاد يقضي أن يموت دهشة وسرورا، وقال له: ويحك، من كتب هذا الجواب؟
قال: شيخ شامي من صفته كيت وكيت.
قال: علي به.
فدعوه، وجعلوا يعلمونه كيف يسلم على شيخ الإسلام.
стр. 424
-الأتراك إذاً في الاهتمام بهذه المظاهر وإقامة الرسول والصور وكيف يسلم وينحني ويعمل، يعني كانوا يشغلون أنفسهم جدا بهذه الأشياء.
فدعوه وجعلوا يعلمونه كيف يسلم على شيخ الإسلام، وأن عليه أن يشير بالتحية واضعا يده على صدره منحنيا ثم يمشي متباطئا حتى يقوم بين يديه إلى غير ذلك من هذه الأعمال الطويلة، التي نسيها الشيخ ولم يحفظ منها شيئا.
ودخل على شيخ الإسلام فقال له: السلام عليكم ورحمة الله، وذهب فجلس في أقرب المجالس إليه، وعجب الحاضرون من عمله، لكن شيخ الإسلام سر بهذه التحية الإسلامية، وأقبل عليه يسأله: حتى قال له: سلني حاجتك؟
فقال: إفتاء الشام وتدريس القبة.
-أي يدرس في مسجد القبة ويكون مفتيا للشام.
وهو الشيء الذي كان العماديين يسخرون منه.
قال: إفتاء الشام وتدريس القبة.
قال: هما لك، فاغد علي غدا.
فلما كان من الغد ذهب إليه فأعطاه فرمان التولية وكيسا فيه ألف دينار.
وعاد الشيخ إلى دمشق فركب أتانه ودار حتى مر بدار العماديين ..
-وهو راجع بالحمارة البيضاء -الإتان- فمر على نفس مكان العماديين ..
فإذا صاحبنا على الباب فسخر منه كما سخر، وقال: من أين يا شيخ؟
فقال الشيخ: من هنا، من استانبول، أتيت بتولية الافتاء كما أمرتني.
ثم ذهب إلى القصر الوالي بالفرمان وسلم الشيخ عمله في حفلة حافلة.
همم الرجال إذا مضت لم يثنها خ ..
стр. 425
من .. الشيخ علي كسبر، وقد كان خياطا في سوق الاسكية على باب الجامع الأموي، فكان إذا فرغ من عمله ذهب فجلس في الحلقة التي تحت القبة فاستمع إلى الشيخ حتى يقوم فيلحق به فيخدمه، وكان الشيخ يعطف عليه لما يرى من خدمته إياه فيشجعه ويحثه على القراءة.
فقرأ ودأب على المطالعة حتى صار يقرأ بين يدي الشيخ في الحلقة، ولبث على ذلك أمدا، وهو لا يفارق دكانه ولا يدع عمله حتى صار مقدما في كافة العلوم فلما مات الشيخ حضر في الحلقة الوالي والأعيان والكبراء ليحضروا أول درس للمدرس الجديد، فافتقدوا المع .. فلم يجدوه، ففتشوا عليه فإذا هو في دكانه يخيط، فجاءوا به، فقرأ الدرس وشرحه شرحا أعجب به الحاضرون وطربوا له، فعين مدرسا ولبث خمسة عشر عاما يدرس تحت قبة ال .. وبقيت الخطبة في أحفاده إلى اليوم.
-من العلماء في الحقيقة من كان يحرص حرصا شديدا على التفتيش عن النابغين ورعايتهم ولعل أشهر شخص ..
تعرفون من؟
-أحد الطلبة: ..
-فضيلة الشيخ: الإمام أبو حنيفة أحسنت.
المتنبي شاعر العرب الفحل الذي نشأ في أسرة فقيرة غير متعلمة، لكن الله قيض له فرصة التعليم المجاني في كتاب خاص بأبناء أشراف الكوفة، وشجعه أصحاب المكتبات على قراءة الكتب دون مقابل.
يروى أن وراقا كان يلازمه، قال: كان اليوم عندي -يعني المتنبي- وقد أحضر رجلا كتابا في ثلاثين ورقة لبيعه فنظر أبو الطيب فيه طويلا، فقلت له: ما هذا؟
أريد بيعه وقد قطعتني عن ذلك.
-يعني هو ماذا فعل؟