Полный текст (182 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
لماذا نصلي؟ [١]
للصلاة مكانة وخصائص متميزة منها: أنها أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين، وهي عمود دين الإسلام، وأكثر العبادات ذكراً في القرآن، وآخر وصايا الرسول ﷺ العدنان، وقد سماها الله تعالى إيماناً، وجعلها النبي ﷺ إيماناً، وقد فُرضت على جميع الأنبياء والمرسلين وأتباعهم، فهي أم العبادات، ولها خصائص كثيرة تبين مدى مكانتها الصلاة عند الله .
стр. 2
الصلاة أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين
الحمد لله حق حمده، والصلاة والسلام على محمد رسوله وعبده، وعلى آله وصحبه من بعده.
أما بعد: فنجدد العهد بموضوع هو في غاية الأهمية، وهو لا ينفصل عما نحن فيه وعما نعايشه من أحداث، ألا وهو موضوع الصلاة ومكانتها وخصائصها وآثارها على المسلمين أفراداً وأمة، وهذا من باب قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى:٩]، وقد بين تعالى من ينتفع بالذكرى حين قال : ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات:٥٥].
فللصلاة مكانة متميزة ينبغي أن نستصحبها في كل أحوالنا، وأن نجتهد في إصلاح صلاتنا، فإن ذلك أحد مفاتيح استحقاق نصر الله ﵎؛ وذلك لأن الصلاة هي آكد أركان الإسلام بعد الشهادتين، وهي أفضل الأعمال بعدهما؛ لكونها وضعت على أكمل وجوه العبادة وأحسنها؛ ولأنها تجمع متفرق العبودية، وتتضمن أقسامها، وهي أول ما اشترطه رسول الله ﷺ بعد التوحيد، وهي رأس العبادات البدنية، وهي دين الأمة ضرورة، ولم تخل منها شريعة مرسل، وهي فرض عين بالكتاب والسنة والإجماع، فرضها الله ليلة المعراج على نبيه ﷺ في السماء، وذلك بخلاف سائر الشرائع.
إن من خصائص الصلاة أنها فرضت على هذه الأمة ليلة المعراج في السماء، فدل ذلك على عظم حرمتها، وتأكد وجوبها على كل مسلم مكلف، ولا تسقط عنه بحال من الأحوال، ما عدا الحائض والنفساء بخلاف غيرها من الأركان.
ومع هذه المكانة العظيمة للصلاة شاع في عصرنا -عصر الغربة الثانية- تهاون الناس بها، وتفريطهم في حقها، مع انهماكهم في صنوف اللهو واللعب، وتهالكهم على جيفة الدنيا وحطامها، فمن ثم تمس الحاجة إلى أن نجدد ذكرى، ونحدث عهداً، بعظيم قدرها وجسامة خطرها، ونتكلم على خصائص الصلاة وأهميتها.
نبدأ ببيان أن الصلاة هي أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين، إذ يقول الله في المشركين: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة:١١] قوله: (فإن تابوا) يعني: إن تابوا من الشرك ودخلوا في الإسلام والتزموا أحكامه أما بدون ذلك فلا أخوة.
وقال ﷺ : (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان) متفق عليه.
وقال ﵌ لـ معاذ ﵁ لما بعثه إلى اليمن: (إنك تقدم على قوم أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله ، فإذا عرفوا الله فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم) إلى آخر الحديث المتفق عليه.
قوله ﷺ : (إنك تقدم على قوم أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله أي: أول شيء هو توحيد الله ﵎.
وفي لفظ لهذا الحديث: (فليكن أول ما تدعوهم إليه إلى أن يوحدوا الله).
فقوله هنا في هذه الرواية: (فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله أي: عبادة الله وحده لا شريك له، كما في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] أي: ليعبدوني وحدي لا يشركوا بي شيئاً، وهذا هو معنى لا إله إلا الله.
قوله: (فإذا عرفوا الله) يعني: بالتوحيد.
قوله: (فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم) فالصلاة صلة بين العبد وبين الرب ﵎، وهي صلة فريدة لا نظير لها ولا مثيل لها، لا يدركها ولا يفقهها إلا من عرف صفة العبد وصفة الرب، والصلات بين طرفين تابعة لصفات كل منهما، ونابعة منها، ولذلك لهجت الكتب السماوية بذكر الصفات قبل أن تحدد الصلات، وتدعو إلى العبادات، وتسن الفرائض وتحث على الطاعات، فمن ثم دائماً تسبق العقيدة العمل والعبادة؛ لأن العقيدة لها الأولوية المطلقة.
قوله: (فإذا هم عرفوا الله -أو وحدوا الله- فأخبرهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات) فالأولوية للتوحيد، يليه العبادة، وفي رأس العبادة تكون الصلاة.
كذلك دعا الرسل إلى توحيد الله في أسمائه وصفاته وأفعاله، وإلى تنزيهه وتقديسه ومعرفته المعرفة الصحيحة قبل أن يدعو إلى أي شيء آخر، والقرآن الكريم نفسه أكبر شاهد على ذلك، إذ كان مفتاح دعوة جميع الرسل: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [المؤمنون:٣٢] هذا فيما يتعلق بالعلاقة بين الصفات والصلات.
فلابد لكل امرئ أن يعرف قدر نفسه، فالعبد يعرف نفسه أنه عبد ذليل ضعيف محتاج إلى الله ﵎.
كذلك ينبغي على العبد أن يعرف ربه، فإذا عرف ربه وعرف نفسه هنا تقوم الصلة بين رب وبين عبد، بين خالق ومخلوق، بين غني وفقير وهكذا.
قال ﵌: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله) متفق عليه.
قوله: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله) كلمة الشهادة لا تكون إلا على شيء قام عليه بينة ودليل حسي، والشخص لا يشهد مثلاً في محكمة أو في القضاء إلا على شيء رآه أو سمعه أو شهده وحضره، فأنت حينما تقول: لا إله إلا الله فأنت لا تقولها تقليداً، وإنما تبنيها على أدلة، وتشهد بأن هذه الأدلة تثبت لك أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله.
من المؤلم جداً أننا نستغرق أحياناً في بعض القضايا الفكرية أو السياسية إلى آخره، ونغفل أموراً هي في غاية الأهمية بالنسبة للمسلم، للأسف الشديد أنك قد تسأل بعض الناس، وقد يكون ملتزماً أو طالب علم: كيف تثبت مثلاً نبوة محمد رسول الله ﷺ ؟ أو كيف تثبت أن القرآن معجزة؟ فلا يستطيع أن يجيب! هذه الأمور في غاية الأهمية، وهي أساسيات العقيدة التي ينبغي أن نصرف إليها جل وقتنا، وألا ننشغل عنها بغيرها.
قوله: (فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله) أي: سأقبل منهم الظاهر أما ما في الباطن فهذا إلى الله ﵎.
عن أبي سعيد ﵁: (أن رسول الله ﵌ لما قسم الغنائم، قال رجل: يا رسول الله! اتق الله، فقال ﷺ : ويلك! ألست أحق أهل الأرض أن أتقي الله؟! فقال خالد بن الوليد ﵁: ألا أضرب عنقه يا رسول الله؟! -لأن هذه الكلمة لا تصدر إلا من منافق- فقال ﷺ : لا، لعله أن يكون يصلي) متفق عليه، فالصلاة تعصم دم الشخص وماله ما دام يقيمها.
إن الصلاة مانعة وحائلة دون الخروج على أمراء الجور والظلم، حتى الأمير الجائر أو الظالم ما دام يقيم الصلاة في نفسه ويقيمها في الناس فحينئذٍ لا يجوز الخروج عليه، قال ﵌: (يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون، فمن كره فقد برئ، ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضي وتابع، قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: لا، ما صلوا) رواه مسلم.
وفي حديث آخر: (قلنا: يا رسول الله! أفلا ننابذهم -أي: نقاتلهم-؟ قال: لا، ما أقاموا فيكم الصلاة) رواه مسلم أيضاً.
هذا فيما يتعلق بكون الصلاة أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين على الإطلاق.
стр. 3
الصلاة عمود دين الإسلام
إن الصلاة أهم أمور الدين، فهي أجل مباني الدين بعد التوحيد، ومحلها في الدين محل الرأس من الجسد، فكما أنه لا حياة لمن لا رأس له، كذلك لا دين لمن لا صلاة له.
كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ يكتب إلى الآفاق: (إن أهم أموركم عندي الصلاة، فمن حفظها فقد حفظ دينه، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع، ولا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة).
إذاً: فالصلاة هي مقياس تعظيم الإسلام في قلبك.
قوله: (إن أهم أموركم عندي الصلاة فمن حفظها فقد حفظ دينه) هذه قاعدة: من حفظ الصلاة فهو لما سواها أحفظ، وهذا أمر واقع ندركه بالحس، فمن كان يحافظ على الصلوات الخمس في جماعة، ويؤدي حقوقها وخشوعها، فهل يعرف أحد منكم شخصاً يقيم الصلاة بهذه الصورة ثم إذا أتى رمضان مثلاً يفطر عمداً؟! هذا لا يكاد يقع أبداً، ولا يتصور أن مسلماً يحافظ على الصلاة ويتهاون في صيام رمضان، لكن ممكن أن نجد معظم الناس يجتهدون جداً في الصيام في رمضان، لكنهم يضيعون الصلاة.
إذاً: من حافظ على الصلاة فهو لما سواها أحفظ؛ لأنه من حافظ على الصلاة وأداها خمس مرات في اليوم والليلة، فبلا شك أن شهراً في السنة كرمضان سيكون أسهل عليه، وكذلك الزكاة، وكذلك غيرها من الواجبات.
فهذه القاعدة مهمة جداً، فمن أراد أن يستقيم على دينه، وتسهل عليه أمور الطاعات؛ فليحافظ على الصلاة، فإن القاعدة: أن من حافظ عليها فهو لما سواها أحفظ، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع؛ لأن من هانت عليه صلاته لن يعز عليه شيء.
فقول عمر: (إن أهم أموركم عندي الصلاة فمن حفظها فقد حفظ دينه، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع، ولا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة) يعني: أن الصلاة عون على باقي أركان الدين؛ لأنها تذكر العبد جلالة الربوبية، وذلة العبودية، وأمر الثواب والعقاب، فعند ذلك يسهل عليه الانقياد للطاعة، ولذلك قال ﵎: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة:٤٥] أي: استعينوا بالصبر والصلاة على كل شيء مما يلم بالمرء، فإنه محتاج إلى أن يستعين عليه بالصبر والصلاة.
يقول ﵌: (رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله)، فالصلاة قوام الدين الذي يقوم به كما يقوم الخباء على عموده، وهل يرفع الخباء ألف وتد إن لم يكن له عماد في الوسط؟ لا يمكن أبداً، فكذلك الصلاة.
وعن المسور بن مخرمة ﵁ قال: (دخلت على عمر بن الخطاب ﵁ وهو مسجى -يعني: بعدما طعن ﵁ فقلت: كيف ترونه؟ قالوا: كما ترى، قلت: أيقظوه بالصلاة) يعني: كان أمير المؤمنين في حالة إغماء من شدة النزيف الذي حصل له؛ لأن الرواية بينت أنه طعن في مقتل، طعن في المعدة، وكان النزيف شديداً جداً، والدليل أنهم لما سقوه لبناً خرج مع الدم، ولما كان في هذه الحالة قال لهم المسور: (أيقظوه بالصلاة؛ فإنكم لن توقظوه بشيء أفزع له من الصلاة، فقالوا: الصلاة يا أمير المؤمنين، فقال: ها الله إذاً، ولا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة، فصلى وإن جرحه ليثعب دماً رضي الله تعالى عنه) يعني: يتفجر منه الدم ويسيل، وهذا الأثر صحيح.
стр. 4
اقتران الصلاة بالفرائض والعبادات في الغالب
إن من خصائص الصلاة أنها توءم الفرائض والأركان، وتعتبر الصلاة قاسماً مشتركاً، وغالباً ما تذكر مع العبادات الأخرى، فهي توءم لكل العبادات، وهي أكثر العبادات ذكراً في القرآن الكريم، تارة تخص بالذكر منفردة كما في قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود:١١٤].
وتارة تقرن بالصبر كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة:١٥٣].
وتارة تقرن بالزكاة كقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٤٣].
وتارة تقرن بالجهاد كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمُ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج:٧٧ - ٧٨].
وعن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله ﷺ قال: (ثلاث أحلف عليهن: لا يجعل الله تعالى من له سهم في الإسلام كمن لا سهم له، وأسهم الإسلام ثلاثة: الصلاة، والصوم، والزكاة).
وما ذكر الله الصلاة مقرونة بغيرها من الفرائض إلا قدم الصلاة عليها، ولا يمكن أبداً أن تأتي الصلاة متأخرة عن الفرائض، فإذا أتت مقترنة بعبادة أو فريضة من الفرائض فلابد أن تقدم الصلاة عليها.
وقد ذكرت الصلاة في مفتتح أعمال البر وخواتيمها، كما ترى في صدر سورة المؤمنين: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون:١ - ٢] إلى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المؤمنون:٩]، وكذلك في سورة المعارج: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا * إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾ [المعارج:١٩ - ٢٢]، الذين هم كذا وكذا وكذا، ثم قال بعد ذلك: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المعارج:٣٤].
стр. 5
الصلاة أم العبادات
الصلاة أم العبادات، فقد كلف الله العبد أن تستحوذ الصلاة على كل كيانه ظاهراً وباطناً، وأن تستغرق قلبه ولسانه وجوارحه، يقول تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨] يعني: خاشعين مخبتين.
وقال ﷺ : (إن في الصلاة لشغلاً) متفق عليه.
وهذا الحديث وتلك الآية أصل في الاستدلال في باب ما يحرم على المصلي وما يجوز له أن يفعله في الصلاة، فكل ما يتعارض مع حال المصلي الخاشع القانت فلا يجوز فعله في الصلاة، وقد تكلم العلماء عن عدد الحركات التي يجوز أن يأتي بها المصلي في الصلاة، والحد الأدنى الذي لا يبطل الصلاة، فقال بعضهم: إذا كان المصلي يتحرك في الصلاة بحيث إذا نظرت له تظن أنه لا يصلي، فهذا يتصادم تماماً مع قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨]، وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون:٢]، وقوله ﷺ : (إن في الصلاة لشغلاً)، فلا يجوز الانشغال بما يضاد الصلاة، كما يفعل بعض الناس في بعض البلاد كأنه يجتهد في أن يبطل صلاته، أو على الأقل ينقص أجرها، تجد منهم من يفك الساعة ويركبها، وآخر يخرج النقود من جيبه ويعدها، وثالث يفك (الزراير) ويردها، هذا يحصل في بعض البلدان للأسف الشديد، فهل هذا يعد مصلياً؟ فأهم ما يستدل به في هذا الباب هو قوله تعالى: (وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ)؛ لأن هذا يتنافى مع حال المصلي، وقوله ﵊: (إن في الصلاة لشغلاً)، وهذا هو الدليل على أنه يحرم على المصلي أن يأكل، أو أن يشرب، أو أن يلتفت، أو أن يتحرك، بخلاف غير الصلاة من العبادات؛ لأن العبادات الأخرى قد تفرض على بعض الجوارح دون البعض الآخر، أما الصلاة فيجب أن تستحوذ على كل الكيان الظاهر والباطن، ولابد أن تستغرق القلب واللسان والجوارح، بحيث تكون كلك لله في داخل الصلاة.
مثلاً: الصائم يجوز له أن يتكلم، وأن يتحرك، وأن ينام، ويجوز للمجاهد أن يلتفت، وأن يتكلم، ويجوز للحاج أن يأكل ويشرب أثناء تلبسه بهذه العبادة، أما الصلاة ففيها ألوان العبودية الشاملة للقلب والعقل والبدن واللسان، فللسان الشهادتان، والتكبير، والتعوذ، والبسملة، وتلاوة القرآن، والتسبيح، والتحميد، والاستغفار، والأدعية.
وللجوارح قيام، وركوع، وسجود، واعتدال، وخفض، ورفع، وقعود.
وللعقل: تفكر، وتدبر، وتفهم، وتفقه.
وللقلب: خشوع، ورقة، وخوف، وطمع، والتذاذ، وضراعة، وبكاء.
يقول الإمام المحقق ابن القيم رحمه الله تعالى: ولما كانت الصلاة مشتملة على القراءة والذكر والدعاء، وهي جامعة لأجزاء العبودية على أتم الوجوه، كانت أفضل من كلٍ من القراءة والذكر والدعاء بمفرده؛ لجمعها ذلك كله مع عبودية سائر الأعضاء.
فأفضل أحوال الإنسان أن يكون مصلياً صلاة كاملة، مستحوذة على كل كيانه قلباً وقالباً ظاهراً وباطناً.
стр. 6
الصلاة أمر الله الذي يجب طاعته والمبادرة إلى امتثاله
يقول تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة:٥].
وقال : ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [إبراهيم:٣١] يعني: قل لهم: أقيموا الصلاة؛ لأن من شأن المؤمن أن يستجيب ويسمع ويطيع.
وقال ﵎: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة:٤٣] هذا أمر.
وقال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨].
وعن الحارث الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ : (أن يحيى ﵇ قال لبني إسرائيل وقد جمعهم: إن الله ﵎ أمرني بخمس كلمات أن أعملهن وآمركم أن تعملوا بهن إلى أن قال: وإن الله أمركم بالصلاة، فإذا صليتم فلا تلتفتوا؛ فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده في صلاته ما لم يلتفت) وهذا حديث صحيح.
قوله: (وإن الله أمركم بالصلاة، فإذا صليتم فلا تلتفتوا) أي: لا تلتفت يمنة ويسرة في الصلاة، ولا يجوز أيضاً النظر في السماء، بل قد توعد النبي ﷺ من ينظر إلى السماء في الصلاة أن يتخطف الله بصره.
وقال الله : ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب:٣٦] فمن أمر الله الذي أمر به الصلاة، فهي أمر الله وأمر رسول الله ﷺ ، وقد قال ﵊: (وجعل الذل والصغار على من خالف أمري).
стр. 7
الصلاة آخر وصية للرسول ﷺ
إن مما يبين أهمية الصلاة وعظم مكانها أنها كانت الوصية الأخيرة لرسول الله ﵌، فقد اقتصر النبي ﵌ في رمقه الأخير ساعة وداعه الدنيا على الوصية بها وبالرقيق، فعن علي ﵁ قال: (كان آخر كلام النبي ﷺ : الصلاة الصلاة، وما ملكت أيمانكم) وهذا حديث صحيح.
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: (كانت آخر وصية رسول الله ﷺ وهو يغرغر بها لسانه -يعني: أثناء خروج روحه الشريفة إلى الرفيق الأعلى ﵌ الصلاة، الصلاة، واتقوا الله فيما ملكت أيمانكم).
ولا شك أن هذه الوصية للأمة في آخر لحظات حياته المباركة ﷺ مما يبين أهمية الصلاة.
قوله: (الصلاة الصلاة) يعني: الزموا الصلاة، وحافظوا على الصلاة.
قوله: (وما ملكت أيمانكم) يعني: يوصي ﷺ بالعبيد.
стр. 8
الصلاة ميزان عمل المسلم ومقياس إيمانه
إن من خصائص الصلاة أنها مرآة عمل المسلم، وميزان تعظيم الدين في قلب المؤمن، وميزان الأعمال، فالصلاة يتابع بها الإنسان زيادة إيمانه ونقصانه، كما يتابع الطبيب بمقياس الحرارة أو (الترمومتر) حرارة المريض، فيكون دليلاً على ارتفاع حرارته ونقصها، وكذلك يستطيع الإنسان أن يعاير إيمانه زيادة ونقصاناً عن طريق مكانة الصلاة في حياته وفي قلبه.
عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: (أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة، فإن صلحت صلح له سائر عمله، وإن فسدت فسد سائر عمله) أي: أن الناس يتفاضلون في الصلاة قبل أن يتفاضلوا في غيرها، فإذا أردت أن تفاضل بين شخص وآخر فلا تفاضل بين شكل وشكل، ومظهر ومظهر وملبس وملبس، وعلم وعلم، وذكاء، وذكاء ونسب ونسب؛ لكن إذا أردت أن تقيس الناس بالمقياس الصحيح، وأن تحكم على دين الرجل ومكانته في الإسلام، فإنما يقاس الإنسان بمحافظته على الصلاة قبل أي مقياس آخر، وليس امتياز هؤلاء الرجال الذين خلد التاريخ ذكرهم، وكان لهم فضل على الأقران والمعاصرين، وكان لهم لسان صدق في الآخرين، إلا لامتيازهم في هذه الصلاة، وتفوقهم فيها على معاصريهم وأترابهم، وبلوغهم فيها درجة الإحسان، ووصولهم فيها إلى أسمى مكان.
على الجانب الآخر فإن كل مستخف بالصلاة مستهين بها فهو مستخف بالإسلام مستهين به؛ لأن حظ المرء من الإسلام على قدر حظه من الصلاة، فكما يمتاز الإنسان بمكانة معينة وبلسان صدق، فلن تجد شخصاً من هؤلاء الأبطال أو العلماء أو المجاهدين إلا وكان قمة في المحافظة على الصلاة وأداء حقوقها، لكن انظر إلى الملاحدة أو العلمانيين أو الزنادقة الذين يطعنون في الدين، انظر إلى واحد منهم ستجده مضيعاً للصلاة أو مستهزئاً بها أو طاعناً في الدين، فما دام عنده آفة في الصلاة فلابد أن يكون مستخفاً مستهتراً بدين الإسلام، فحظ المرء من الإسلام على قدر حظه من الصلاة.
فإذا أردت أن تعرف قدر رغبتك في الإسلام وحبك للإسلام واعتزازك بالإسلام ففتش عن رغبتك في الصلاة، فإن قدر الإسلام في قلبك كقدر الصلاة في قلبك، وإذا أردت أن تقيس إيمان عبد فانظر إلى مدى تعظيمه للصلاة، يقول النبي ﵌: (من أراد أن يعلم ما له عند الله فلينظر ما لله عنده) هناك وسيلة تستأنس بها لتعرف ما الذي هو مدخر لك عند الله ، فإذا أردت أن تعرف منزلتك أو ثوابك أو عقابك عند الله فانظر ما لله عندك، كيف تفعل أنت مع الفرائض، وفي الواجبات، وسائر حقوق الله ﵎؟! فإن الجزاء من جنس العمل.
وعن الحسن قال: يا ابن آدم! أي شيء يعز عليك من دينك إذا هانت عليك صلاتك؟! من هانت عليه الصلاة لا يمكن أن يعز عليه شيء، ومن هانت عليه الصلاة فهو إنسان لا خير فيه؛ لأنه مضيع حق ربه، فاسق قد خان أول منعم عليه وهو الله ﵎، وضيع حقه، وضيع أهم عبادة في الإسلام، فهل يؤمن هذا الفاسق أن يكون صديقاً وفياً أو حميماً؟! كلا، فمن هانت عليه الصلاة لا تثق به ولا تأمنه أبداً؛ لأن من خان أول منعم عليه حقيق به أن يخونك ولا يفي لك.
стр. 9
الصلاة فرضت على جميع الأنبياء والمرسلين وأتباعهم
ليست هذه المكانة للصلاة من خصائص الإسلام الخاص الذي جاء به نبينا محمد ﵌، وإنما هي من خصائص دين الإسلام عامة، باعتباره الدين الوحيد الذي نزل من السماء، فالسماء لم ينزل منها إلا دين واحد، ولذلك من الخطأ الشديد استعمال تعبير الأديان السماوية، فهذا تعبير باطل غير صحيح، ومن العقيدة الإسلامية أن تؤمن أن جميع الأنبياء أتوا بدين واحد وهو دين الإسلام، وإنما طرأ التحريف على بعض الأديان لسبب أو لآخر، لكن جميع الأنبياء أتوا بدين واحد، والقاسم المشترك في رسالتهم هو لا إله إلا الله، وكل أمة من الأمم السابقة كانت كلمة النجاة لا إله إلا الله، مثلاً: في عهد موسى: لا إله إلا الله، موسى رسول الله، في عهد نوح: لا إله إلا الله، نوح رسول الله، أما في هذه الرسالة الخاتمة فكلمة النجاة إلى الأبد هي: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، فجميع الشرائع السماوية السابقة تضمنت إيجاب وفرضية الصلاة؛ لأنه لا يصلح دين بدون صلاة، فالصلاة أقدم عبادة؛ ولأنها من مستلزمات الإيمان لم تخل منها شريعة من الشرائع، ولم تنسخ الصلاة أبداً فيما نسخ من الشرائع السابقة، قد يكون هناك تغيير في شكل الصلاة أو في أوقاتها، لكن أصل فرضية الصلاة لا يمكن أن ينسخ؛ إذ لا خير في دين لا صلاة فيه، ولهذا حث عليها جميع رسل الله وأنبيائه عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام.
فقد قص رب العزة عن إبراهيم ﵇ دعاءه: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾ [إبراهيم:٤٠] فهذا إبراهيم ﵇ كان يقيم الصلاة.
ونوه جل وعلا بشأن إسماعيل عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام فقال مادحاً إسماعيل ومثنياً عليه: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ [مريم:٥٥].
وقال ﵎ مخاطباً موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه:١٤].
ونادت الملائكة مريم أم عيسى ﵇: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران:٤٣].
وقال عيسى ﵇ وهو يحدث بنعمة ربه ﵎ عليه: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم:٣١].
وأخذ الله الميثاق على بني إسرائيل فجعل إقامة الصلاة من أهم مواد هذا الميثاق: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٨٣].
وقال جل وعلا مخاطباً خاتم النبيين ﵌: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه:١٣٢].
وقال رسول الله ﷺ : (إنا معشر الأنبياء أمرنا أن نضع أيماننا على شمائلنا في الصلاة) وهذا جزء من حديث صحيح، وهو يدل على أن جميع الأنبياء أمروا بالصلاة.
стр. 10
الصلاة شعار دار الإسلام
كما أنه من لا صلاة له فلا دين له كذلك لا يمكن أن تكون هناك دار أو بلد يحكم عليها بالإسلام إلا إذا كانت الصلاة سمة مميزة لأهلها، وهكذا يرتفع حكم الكفر عن الشخص بالصلاة لقول النبي ﷺ : (من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فذاكم المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله، فلا تخفروا الله في ذمته) رواه البخاري.
وقول النبي ﷺ : (من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا) أي: لا يكون المرء مسلماً إلا بهذه العلامات وهي: أنه يصلي صلاتنا، ويستقبل قبلتنا، فلو صلى الرجل صلاتنا، لكنه صلى إلى الشرق، فهو لم يستقبل قبلتنا، فيفهم من هذا الحديث أنه لا يكون مسلماً حتى يصلي إلى قبلة المسلمين، فكيف إذا كان الشخص قد ترك الصلاة بالكلية؟! قوله: (فذاكم المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله، فلا تخفروا الله في ذمته) يعني: هذا الشخص في حماية الله وفي أمان الله؛ لأنه يأتي بهذه الأشياء، فاحترموا هذه الحماية، ولا تتعدوا عليها.
فإذا كان يرتفع حكم الكفر عن الشخص؛ بسبب أدائه الصلاة، فكذلك يرتفع حكم الكفر عن الدولة بظهور شعائر الإسلام وأحكامه في هذه الدولة وفي مقدمتها الصلاة، فبظهور الصلاة كظاهرة عامة في المجتمع أو في الدولة تثبت لها الهوية الإسلامية، فإذا لم يسمع الأذان في بلد ولم توجد المساجد فهذا دليل على أن الدار دار كفر، وإذا سمع الأذان ووجدت المساجد حتى غدت مظهراً من مظاهر الدار فهي دار إسلام.
ولا يعترض على هذا بأنه مثلاً: يوجد في نيويورك أكثر من مائة مسجد، فهل معنى ذلك أنها صارت دار إسلام؟ لا؛ لأن من رأى المظهر العام للمجتمع هناك لا يحكم بأن ذاك المجتمع مسلم.
إذاً: إذا كانت المساجد سمة مميزة لتلك الدار فهي دار إسلام، ولذلك تجد في ديار المسلمين مساجد في كل مكان ظاهرة، والأذان مرتفع، ففي هذه الحالة تصبح دار إسلام، فإذا لم يسمع الأذان في بلد ولم توجد المساجد، فهذا دليل على أن الدار دار كفر.
عن أنس بن مالك ﵁ (أن النبي ﷺ كان إذا غزى بنا قوماً لم يكن يغزو بنا حتى يصبح وينظر، فإن سمع أذاناً كف عنهم، وإن لم يسمع أذاناً أغار عليهم) رواه البخاري.
وعن عصام المزني ﵁ قال: (كان النبي ﷺ إذا بعث السرية يقول: إذا رأيتم مسجداً أو سمعتم منادياً فلا تقتلوا أحداً) يعني: لأن هؤلاء القوم مسلمون، بدليل الصلاة والأذان.
стр. 11
تسمية الله الصلاة إيماناً
إن الله سمى الصلاة إيماناً في القرآن الكريم، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة:١٤٣]، لأنه لما حولت القبلة إلى المسجد الحرام تساءل المسلمون: ماذا عن الصلاة التي صليناها إلى قبلة بيت المقدس؟ فطمأنهم الله أنهم ما داموا في الحالين مطيعين لأمر الله فلن تحبط صلاتهم التي صلوها إلى بيت المقدس، وأنه سوف يحفظ لهم ثوابها، فهذا معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة:١٤٣] يعني: صلاتكم إلى بيت المقدس.
كذلك جعل رسول الله ﵌ الصلاة إيماناً في قوله: (آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع: آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وأن تؤدوا خمس ما غنمتم) متفق عليه.
الشاهد هنا أن النبي ﷺ جعل الصلاة من الإيمان بالله وحده، وهذا دليل واضح جداً على أن العمل داخل في مسمى الإيمان، وأن الإيمان ليس مجرد التصديق، بل لابد معه من العمل.
فقوله: (أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة) يعني: إقامة الصلاة إيمان وشعبة من شعب الإيمان؛ لأن كل شعبة من شعب الإيمان تسمى إيماناً، فمثلاً قوله ﷺ الله عليه وسلم: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت) هذا العمل أطلق عليه إيمان، وهكذا قوله ﵊: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه) إذاًَ: شعبة الإيمان يجوز أن تسمى إيماناً، وإن كانت جزءاً من الإيمان، كذلك شعبة الكفر يجوز أن تسمى كفراً وإن كان كفراً أصغر.
يقول الإمام البيهقي ﵀: وليس من العبادات بعد الإيمان الرافع للكفر عبادة سماها الله إيماناً وسمى رسول الله ﷺ تركها كفراً إلا الصلاة.
وقال أيضاً: وقد ذكر الله ﷻ الإيمان والصلاة ولم يذكر معها غيرها، دلالة بذلك على اختصاص الصلاة بالإيمان.
ودلالة على أن هناك صلة وثيقة بين الصلاة وبين الإيمان، فالصلاة نفسها إيمان كما سماها تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة:١٤٣] يعني: صلاتكم، وقال ﵎: ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى﴾ [القيامة:٣١] نفى عنه التصديق الذي هو الإيمان، ونفى عنه أيضاً الصلاة، فتوجد علاقة بين الصلاة والإيمان وثيقة وخاصة، فقوله : (فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى) أي: فلا هو صدق رسول الله ﷺ فآمن به، ولا صلى.
وقال ﵎: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات:٤٨]، ثم قال: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [المرسلات:٥٠] فربط بين الصلاة وبين الإيمان، يعني: إذا كانوا لا يصلون فكيف يؤمنون؟! فوبخهم سبحانه على ترك الصلاة كما وبخهم على ترك الإيمان.
وقد ذكر الله ﷻ الصلاة وحدها دلالة بذلك على أنها عماد الدين، وما ذكر عملاً آخر إلا الصلاة، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [الأنعام:٩٢] فانظر الربط بين الإيمان وبين الصلاة.
стр. 12
الصلاة براءة من النفاق ومن النار
كما أن الصلاة إيمان فالصلاة أيضاً على الجانب الآخرة براءة من النفاق، فقد وصف الله المنافقين بأنهم كسالى عند قيامهم للصلاة، وأنهم يراءون الناس بها، يقول : ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء:١٤٢]، ويقول النبي ﵌: (من صلى لله أربعين يوماً في جماعة يدرك التكبيرة الأولى كتب له براءتان: براءة من النار، وبراءة من النفاق).
وعن أبي سعيد ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (يكشف ربنا عن ساقه فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة -وهذا من أحاديث الصفات، فنثبتها بلا تكييف وبلا تعطيل، بل كما يليق بالله ﷻ ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياءً وسمعة، فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقاً واحداً) أي: كلما حاول المنافق يوم القيامة أن يسجد يعود ظهره طبقاً واحداً، وهذا الحديث أخرجه البخاري.
إذاً: السجود هو الذي ميز بين المؤمنين وبين المنافقين، وفي ذلك يقول ﵎: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ [القلم:٤٢ - ٤٣] أي: كانوا يدعون إلى السجود بالأذان في الدنيا، وذلك أن المؤمنين لما نظروا إلى ربهم خروا له سجداً، ودعي المنافقون إلى السجود فأرادوه فلم يستطيعوا، وحيل بينهم وبين ذلك عقوبة لهم؛ لأنهم كانوا يتركون السجود لله في الدنيا.
стр. 13
الصلاة سبيل المؤمنين وشعار حزب الله وأوليائه المفلحين
إن الصلاة سبيل المؤمنين، وشعار حزب الله المفلحين، وأوليائه المرحومين، فمن لم يصل فهو من حزب الشيطان الخاسرين، وهو عدو الله ورسوله والمؤمنين؛ لأن ولي الله لابد أن يكون مقيماً للصلاة، يقول تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:٧١].
وعن إبراهيم ومجاهد في تفسير قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ [الكهف:٢٨] قالا: الصلوات الخمس.
وعن عمرو بن مرة الجهني ﵁ قال: (جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! أرأيت إن شهدت أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، وصليت الصلوات الخمس، وأديت الزكاة، وصمت رمضان وقمته، فممن أنا؟ قال: من الصديقين والشهداء).
فهؤلاء المصلون هم أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وهم الذين تبكي لفراقهم السماء والأرض إذا أفضوا إلى ربهم، وهؤلاء هم الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، الذين افترض الله علينا أن نسأله في اليوم والليلة سبع عشرة مرة أن يهدينا صراطهم، حيث قال : ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٦ - ٧].
إن الشريعة الغراء ندبتنا إلى أن ننظر دائماً إلى من هو فوقنا في الدين وفي العبادة، كما روي عن النبي ﵊ أنه قال: (انظروا إلى من هو أسفل منكم في الدنيا، وإلى من فوقكم في الدين).
وقال الله ﵎: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف:٢٠٥] وفي هذه الآية ما يقوي دواعي الذكر، وينهض الهمم إليه، ثم ذكر أمراً يقوي دواعي الذكر وينهض الهمم إليه بأن مدح الملائكة بقوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف:٢٠٦] والمقصود من هذه الإشارة أنه أمر أولاً بالذكر، ثم ختم السورة بذكر حال الملائكة، واجتهادهم في ذكر الله ﵎؛ لأجل الاقتداء بهم فيما ذكر عنهم؛ لأنه إذا كان حال أولئك -وهم في أعلى مقامات القرب والعصمة- يجتهدون في العبادة بهذه الصورة، فكيف ينبغي أن يكون غيرهم؟ إذاً: ينبغي لنا أن نستحضر حال هؤلاء الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، واجتهادهم في الصلاة؛ كي تنهض هممنا إلى الاقتداء بهم.
стр. 14
الصلاة هي القاسم المشترك بين سائر الكائنات
إن الصلاة هي القاسم المشترك بين عبودية الكائنات كلها، يقول الله : ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ [النور:٤١]، فتأملوا هذه الآية الكريمة، أي: قد علم كل مصل ومسبح من الكائنات صلاة نفسه وتسبيحه الذي كلفه.
يقول الزمخشري: ولا يبعد أن يلهم الله الطير دعاءه وتسبيحه كما ألهمها سائر العلوم الدقيقة التي لا يكاد العقلاء يهتدون إليها.
يعني: نحن نرى بالأدلة الحسية أن كل هذه الكائنات قد هداها الله إلى أمور عجيبة جداً، سواء الحيوان أو النبات أو كذا وكذا، تجد أن الله هداها إلى أنواع عجيبة من الهداية، وقد ناقشنا هذا الموضوع بالتفصيل عندما تدارسنا قضية القضاء والقدر، وناقشنا نوعاً من أنواع الهداية التي هي الهداية العامة، وهي هداية كل مخلوق إلى ما يصلحه ويجلب له النفع ويدفع عنه الضر.
يقول : ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه:٥٠] فهذا الطفل عندما يخرج من بطن أمه فوراً تراه يلتقم موضع الرضاع بمنتهى الإتقان، مع أنها عملية ليست سهلة، بل هي عملية معقدة، من الذي هداه إلى كيفية هذا الالتقام؟! والقصص كثيرة جداً في هذا الموضوع، والخوض فيها يجعلنا نخرج عن موضوعنا الأساسي، فمن الذي ألهم النحل لتفاصيل الحياة العجيبة؟! ومن الذي ألهم النمل هذه العجائب؟! ومن الذي ألهم الطيور العجائب التي نعرفها؟! إن الذي ألهمها هذه الأشياء التي تفعلها هو الله ، وأذكر بعض الأمثلة التي ذكرها ابن القيم في كتابه (شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل)، ذكر أن نملة كانت تريد أن تدخل في إناء فيه عسل، لكن صاحب هذا العسل وضعه في إناء آخر فيه ماء؛ حتى لا تستطيع النملة الوصول إليه، فماذا فعلت هذه النملة؟ صعدت النملة على الجدار، ثم صعدت على السقف حتى صارت موازية للإناء الذي فيه العسل ثم أسقطت نفسها عمودياً على العسل! ومن الأمثلة أيضاً: أن فأراً كان يشرب زيتاً من برميل ثم نقص ذلك الزيت، فكان إذا وقف على حافة البرميل لا يستطيع أن يشرب من ذلك الزيت لبعده، ويخاف أن يقع في البرميل فيغرق في الزيت، فماذا يفعل؟ قام الفأر وملأ فمه ماءً ثم وضع الماء في الزيت حتى يرتفع الزيت ويطفو على الماء فلما اقترب منه الزيت شرب منه.
من علّمه ذلك؟! إنه الله، فهذه هي الهداية العامة، فالله هدى كل مخلوق إلى ما يصلحه، ولو حاولت أن تقتل صرصوراً فانظر كيف يحاول الهروب منك وإنقاذ حياته؟! هل عنده عقل؟ لا ليس عنده عقل، لكن الله ألهمه ما يدفع به الشر عن نفسه.
والنماذج في هذا كثيرة جداً، والعلوم الحديثة أَثْرَت المكتبات باكتشافات في غاية الروعة فيما يتعلق بالهداية العامة، من الذي يلهم هذه الكائنات تلك العلوم الدقيقة التي لا يكاد العقلاء يهتدون إليها؟ إنه الله .
إذاً: فهل يبعد مع هذا أن يلهمها الله كيف تصلي له وكيف تسبحه؟! هذا بلا شك لا يمكن استبعاده، فظاهر الآية أن الطير تسبح وتصلي صلاة وتسبيحاً يعلمها الله ونحن لا نعلمها، ولذلك قال ﵎: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء:٤٤].
كذلك من عبودية الكائنات قوله ﵎: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن:٦]، وقوله : ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ [سبأ:١٠]، كان داود ﵇ ينشد الأذكار فتردد الجبال والطيور وهذه الكائنات خلفه ﵇ هذا الذكر.
كذلك أيضاً الصلاة واجبة على الجن، فالجن مكلفون بالصلاة كالآدميين، يقول الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: الجن مأمورون بالأصول والفروع بحسبهم، فإنهم ليسوا مماثلين للإنس في الحد والحقيقة، فلا يكون ما أمروا به وما نهوا عنه مساوياً ما على الأنس في الحد، لكنهم مشاركون الأنس في جنس التكليف بالأمر والنهي، والتحليل والتحريم.
الملائكة أيضاً يصلون، فقد قال تعالى في حقهم: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت:٣٨]، وقال أيضاً حاكياً قولهم: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾ [الصافات:١٦٥] أي: عند الله يقفون صفوفاً.
وقال ﷺ لأصحابه: (ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها؟ -ثم ذكر كيفية اصطفافهم فقال-: يتمون الصف الأول فالأول، ويتراصون في الصف) رواه البخاري.
وقد ميز الله هذه الأمة وفضلها على بقية الأمم، بأن جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة كما في الحديث الشريف الذي في صحيح مسلم عن النبي ﵊ قال: (جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة).
وعن حكيم بن حزام ﵁ قال: (بينما رسول الله ﷺ في أصحابه إذ قال لهم: أتسمعون ما أسمع؟ قالوا: ما نسمع من شيء، قال: إني لأسمع أطيط السماء، ولا تلام أن تئط وما فيها موضع شبر إلا وعليه ملك ساجد أو قائم) حديث صحيح.
وقال ﷺ : (إني لأرى ما لا ترون، وأسمع مالا تسمعون، أطت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته لله ساجداً).
وفي حديث الإسراء قال ﷺ : (فرفع لي البيت المعمور، فسألت جبريل فقال: هذا البيت المعمور يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك إذا خرجوا لم يعودوا إليه آخر ما عليهم) رواه البخاري.
وقال ﷺ : (نزل علي جبريل فأمني فصليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه، يحسب بأصابعه خمس صلوات) رواه البخاري.
وقال ﵊ في مشاركة الملائكة للمؤمنين في الصلاة: (إذا أمن الإمام فأمنوا؛ فإن من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه) رواه البخاري.
وكذا الملائكة تحضر مع المؤمنين صلاة الجمعة، يقول ﷺ : (إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من أبواب المسجد الملائكة يكتبون الأول فالأول، فإذا جلس الإمام طووا الصحف، وجاءوا يستمعون الذكر).
стр. 15
الصلاة خير موضوع وضعه الله وشرعه
إن الصلاة خير موضوع يشتغل به الإنسان على الإطلاق، يقول رسول الله ﷺ : (الصلاة خير موضوع، فمن استطاع أن يستكثر فليستكثر) حديث حسن.
يعني: الصلاة أفضل ما وضعه الله وشرعه من العبادات، ففرضها أفضل الفروض، ونفلها أفضل النوافل.
يقول ﷺ : (أفضل الأعمال الصلاة لوقتها) رواه مسلم.
وقال ﷺ : (استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولن يحافظ على الوضوء إلا مؤمن) حديث صحيح.
قوله: (استقيموا ولن تحصوا) يعني: لن تحصوا ثواب الاستقامة؛ لأن ثوابها عظيم، يقول : ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم:٣٤] أو (استقيموا ولن تحصوا) يعني: لن تطيقوا أداء التقوى والاستقامة حق الأداء، لكن عليكم بما يسهل عليكم من هذه الأمور.
قوله: (واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة) أي: لا يمكن أن يعمل الإنسان عملاً خيراً من الصلاة.
قوله: (ولن يحافظ على الوضوء إلا مؤمن) أي: لما كانت الصلاة هي خير الأعمال ربطها بمفتاح الصلاة وشرطها وهو الطهور.
وعن معدان بن أبي طلحة اليعمري قال: (لقيت ثوبان مولى رسول الله ﷺ فقلت: أخبرني بعمل أعمله يدخلني الله به الجنة، أو قال: قلت: أخبرني بأحب الأعمال إلى الله، فسكت، ثم سألته، فسكت، ثم سألته الثالثة، فقال: سألت عن ذلك رسول الله ﷺ فقال: عليك بكثرة السجود لله؛ فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة، وحط عنك بها خطيئة) رواه مسلم.
وعن أبي هريرة ﵁: (أن رسول الله ﷺ مر بقبر فقال: من صاحب هذا القبر؟ فقالوا: فلان، فقال ﷺ : ركعتان إلى هذا أحب إليه من بقية دنياكم) يعني: هذا الشخص المدفون الآن في القبر لو خير بين أن يعود إلى الدنيا ويركع ركعتين نافلتين خفيفتين ويدخل القبر بعدها، بحيث يضاف ثوابهما إلى ميزان حسناته، لو خير بين هذا وبين أن يعود إلى الدنيا ويستمتع بكل ما تبقى على الدنيا من نعيم إلى أن تقوم القيامة، فإنه قطعاً وجزماً سيختار ثواب الركعتين القصيرتين الخفيفتين.
وفي رواية: (ركعتان خفيفتان بما تحقرون وتنفلون يزيدهما هذا في عمله أحب إليه من بقية دنياكم) أي: لو خير بين أن يصلي ركعتين خفيفتين جداً مما يحتقرهما الناس من النوافل ويدخل القبر بعدها، وبين أن يعود إلى الدنيا ويستمتع بكل ما على الدنيا بلا استثناء إلى أن تقوم القيامة؛ لفضل ولآثر أداء هاتين الركعتين وزيادتهما في ميزان حسناته.
стр. 16
معنى الاستكثار من الصلاة
نريد أن ننبه بالنسبة لقول الرسول ﵊: (الصلاة خير موضوع، فمن استطاع أن يستكثر فليستكثر)، وكذلك قوله: (عليك بكثرة السجود لله) أن المقصود بالكثرة هنا النوافل، أما الفرائض فلابد من أدائها كما هي بدون زيادة ولا نقصان، فلا يمكن أن يزيد الإنسان في صلاة الصبح أو غيرها؛ لأن عدد الفرائض ثابت، لكن المقصود بهذا النوافل، والنوافل على نوعين: الأول: تنفل مطلق.
الثاني: تنفل مقيد.
والتنفل المقيد هو السنن الرواتب وغير الرواتب، مثل: راتبة الوتر، أو سنة الفجر ونحو ذلك، فهذه مقيدة مقيد بعدد معين مثل ركعتين قبل الظهر وركعتين بعدها، أو أربع ركعات قبلها وأربع بعدها، أو أربع قبلها وركعتين بعدها، أو ركعتين قبلها وأربع بعدها، هذه كلها في صلاة الظهر، وكذلك في العصر أربع قبلها، وكذلك قبل المغرب صلاة ركعتين، وركعتين بعد المغرب، وركعتين سنة العشاء بعدها وهكذا، فهذه نوافل مقيدة بعدد.
أما التنقل المطلق فشرطه أن يؤدى في أوقات غير أوقات النهي عن الصلاة، فممكن للإنسان أن يزيد ما شاء، ويصلي ما فتح الله عليه.
إذاً: المقصود من الاستكثار هو الاستكثار من النوافل بنوعيها، فلا يفهم من الحديث كما يفهمه بعض المبتدعة، أن قوله: (فمن استطاع أن يستكثر فليستكثر) يعني: له أن أن يخترع صلوات لم تثبت في الشرع؛ لأن المقصود النوافل بنوعيها، لا كما قام أحد المبتدعة واخترع صلاة سماها: صلاة بر الوالدين، والثاني اخترع صلاة مؤنس القبر، فهذه فهذا بدعة وضلالة، ومعلوم ما ورد في البدع والضلالات من الزجر، يقول ﵊: (كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار) لكن تصلي بما ثبت، أو تتنفل تنفلاً مطلقاً ركعتين ركعتين مثلاً، وتزيد ما شئت من العدد، فهذا مستحب، ولك أن تزيد ما استطعت؛ لقوله ﷺ فيما يريوه عن ربه ﵎:: (ولا يزال العبد يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به) إلى آخر الحديث القدسي.
كان ثابت بن أسلم رحمه الله تعالى يقول: الصلاة خدمة الله في الأرض، ولو كان شيء أفضل منها لما قال الله ﵎ ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾ [آل عمران:٣٩].
стр. 17
لماذا نصلي؟ [٢]
إن للصلاة خصائص ومزايا كثيرة منها: أنها حفظ وحماية وحراسة للعبد المؤدي لها بشروطها وأركانها وواجباتها ومستحباتها، فهي حفظ له في نفسه وعرضه وماله، وهي حفظ له في دينه وإيمانه، وهي كذلك ملجأ المؤمن ومفزعه عند الكربات والشدائد، وهي أيضاً مفتاح الهداية للعالمين.
стр. 18
الصلاة حفظ وحماية وحراسة للعبد في الدنيا والآخرة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
وبعد: فإن الصلاة تحفظ العبد المؤدي لها من البلايا والمحن، يقول الله ﵎: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة:٤٥]، وهي أيضاً تحفظ العبد من عذاب النار يوم القيامة، وأدلة هذا كثيرة، وأشهرها الحديث الذي فيه أن الملائكة يبحثون في النار عمن يستحقون الخروج من النار وعدم الخلود فيها، فيعرفون أهل الكبائر بعلامة الصلاة؛ لأن الله حرم على النار أن تأكل أثر السجود.
إذاً: المصلي في حماية الله ﵎ وحراسته كما بينا، فإن الله ﵎ قال في الحديث القدسي: (يا ابن آدم اكفني أول النهار أربع ركعات أكفك آخره أو أكفك بهن آخر يومك).
والمراد: صلاة الضحى أربع ركعات في أول النهار، والجائزة قوله: (أكفك بهن آخر اليوم) أي: أحفظك طوال هذا اليوم حتى آخره.
كذلك يقول ﵌: (من صلى الصبح فهو في ذمة الله، فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء، فإنه من يطلبه من ذمته بشيء يدركه، ثم يكبه على وجهه في نار جهنم) رواه مسلم.
قوله: (من صلى الصبح فهو في ذمة الله) أي: في حراسة الله وفي خفارة الله وفي حمايته وحفظه وكلئه.
قوله: (فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء) يعني: أن الذي يصلي صلاة الصبح هو في جوار الله، فإياكم أن تخرقوا هذا الجوار، فتؤذوا أو تعتدوا على من هو في حماية الله.
وفي عرف الناس إذا دخل رجل في جوار رجل وفي حمايته، فإذا حصل عدوان على المستجير به الذي دخل في حمايته فإنه يعتبر عدواناً على المجير.
فهنا يخبر النبي ﷺ أن من صلى الصبح فهو في ذمة الله وفي جوار الله وفي حماية الله، فإياكم أن تؤذوا من هو في ذمة الله.
قوله: (فإنه من يطلبه من ذمته بشيء يدركه ثم يكبه على وجهه في نار جهنم) أي: فمن لم يراع حرمة هذه الصيانة وهذه الحراسة الربانية فقد عرض نفسه للخطر الذي توعده الله ﵎ به، وهو أن يخلع عنه رداء عونه وتأييده، بحيث لا يبقى له أي ملاذ أو ملجأ، وسيجد نفسه يواجه الشيطان بمفرده بعد أن خذله الله تعالى، ولذلك يقول بعض الصالحين: والله ما عدا عليك العدو إلا بعد أن تخلى عنك المولى، فلا تظنن أن العدو غلب، ولكن الحافظ أعرض عن حفظك.
ويقول ﵌ في رواية أخرى: (من صلى الصبح فهو في ذمة الله، فانظر يا ابن آدم لا يطلبنك الله من ذمته بشيء) وفيه وعيد لمن آذى المؤمن الذي يصلي الفجر؛ لأنه انتهك حرمة من هو في جوار الله وحمايته، وقد قال ﵎ في الحديث القدسي: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب)، ولا شك أن ولي الله لابد أن يكون مصلياً، كما أنه لابد أن يكون مسلماً.
وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (ست مجالس المؤمن ضامن على الله تعالى ما كان في شيء منها، فذكر منها: في مسجد جماعة، وعند مريض، أو في جنازة، أو في بيته، أو عند إمام) إلى آخر الحديث، إي: إذا وجد الإنسان في أي من هذه المجالس فهو في ضمان الله وحراسته وحفظه.
وقال ﷺ : (ثلاثة كلهم ضامن على الله، إن عاش رزق وكفي، وإن مات أدخله الله الجنة -وذكر منهم-: من خرج إلى المسجد) فالخارج إلى المسجد عنده ضمانة من الله، إن مد الله له في الأجل رزق وكفي، وإن مات أدخله الله الجنة.
فذكر في هذا الحديث: (ومن خرج إلى المسجد فهو ضامن على الله).
وفي الحديث المشهور عن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﵌ قال له: (احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك) وفي رواية: (احفظ الله تجده أمامك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة).
قوله: (احفظ الله) يعني: احفظ حدود الله وحقوق الله، واحفظ أوامره بالامتثال، ونواهيه بالاجتناب.
ويقول ﵎: ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾ [ق:٣٢].
(أَوَّابٍ) يئوب ويرجع إلى الله ، (حَفِيظٍ) أي: حافظ لأوامر الله ، وحافظ لذنوبه كي يتوب منها ويستغفر منها باستمرار.
ومن أعظم ما يجب حفظه من أوامر الله الصلاة، كما قال الله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة:٢٣٨].
ومدح الله المحافظين عليها بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المعارج:٣٤].
ونلاحظ في سورة المؤمنون وفي سورة المعارج حينما ذكر الله صفات المؤمنين المتقين الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون، أنه جعل أول صفة وآخر صفة المحافظة على الصلاة، فكأن هذا هو السياج الذي يحوط كل الأعمال الصالحة.
وقال ﵌: (من حافظ عليها كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة).
وقال ﷺ في الصلوات أيضاً: (من حافظ عليهن كن له نوراً وبرهاناً ونجاةً يوم القيامة).
وقال ﵌: (لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن).
إذاً: من حفظ حدود الله وراعى حقوقه حفظه الله؛ فإن الجزاء من جنس العمل.
стр. 19
أنواع حفظ الله للعبد الصالح
الحفظ يدخل فيه نوعان: الأول: حفظه له في مصالح دنياه.
الثاني وهو أشرف النوعين: حفظه إياه في دينه وإيمانه.
أما الحفظ الأول: فهو حفظ الله العبد في مصالح دنياه كحفظه في بدنه وولده وأهله وماله، قال الله : ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد:١١] يعني: كل إنسان له معقبات -وهم ملائكة- من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله.
قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: (هم الملائكة يحفظونه بأمر الله، فإذا جاء القدر تخلوا عنه حتى يصيبه ما قدره الله له).
ومن دعاء النبي ﵌: (ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا).
قوله: (واجعله الوارث منا) هذه مبالغة في حفظ الحواس لتبقى سليمة معافاة ليس فقط إلى حين الموت، لكن تبقى سليمة حتى بعد الموت، كأن صحتك وسمعك وبصرك وقوتك بعد موتك تبقى سليمة وترثك، فهذه من المبالغة في سؤال حفظ الله العبد من الآفات.
وكان من دعائه ﵌ الذي كان يكرره صباح مساء: (اللهم احفظني من بين يدي ومن خلفي، وعن يميني وعن شمالي، ومن فوقي، وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي).
ومن حَفِظ الله في صباه وقوته حفظه الله في حال كبره وضعف قوته، ومتعه في سمعه وبصره وحوله وقوته وعقله، وقد يحفظ الله العبد بصلاحه بعد موته في ذريته، فإذا كان العبد صالحاً محافظاً على الصلاة وعلى أوامر الله ﵎؛ فإن الله يحفظه في ذريته، ليس فقط في حياته، بل وبعد مماته.
فمن أراد أن يحفظ الله ذريته من بعده إذا خشي الموت أو غير ذلك؛ فأعظم ذخيرة يدخرها لهم هي أن يتقي الله في حال حياته، وذلك بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، فهذه هي أعظم وثيقة تأمين على الأولاد والذرية، وهي ليست المال، وليست العقارات، وليست أمور الدنيا، ولكن حفظهم بتقوى الله سبحانه، يقول : ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً﴾ [النساء:٩].
قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى: ما من مؤمن يموت إلا حفظه الله تعالى في عقبه وعقب عقبه.
يعني: أولاده وأولاد أولاده.
وقال ابن المنكدر رحمه الله تعالى: إن الله ليحفظ للرجل الصالح ولده وولد ولده، والدويرات التي حوله، فما يزالون في حفظ من الله وستر.
يعني: بركة الصالح تتعدى المكان وتتعدى الزمان، تتعدى الزمان حيث تمتد إلى ولده وولد ولده فيحفظون؛ لأن أباهم كان رجلاً صالحاً، وتتعدى المكان حيث تمتد إلى الدويرات التي حوله وجيرانه فما يزالون في حفظ من الله وستر ببركته.
وقال سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى لابنه: لأزيدن في صلاتي من أجلك، رجاء أن أحفظ فيك، ثم تلى هذه الآية: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً﴾ [الكهف:٨٢].
ومن عجيب حفظ الله ﵎ لمن حفظه أن يجعل الحيوانات المؤذية بالطبع حافظة له من الأذى، مثال ذلك: قصة سفينة ﵁ وهو من أصحاب النبي ﵌، وهو مولى رسول الله ﷺ ، ركب سفينة ﵁ البحر فانكسر به المركب وخرج إلى جزيرة، فلما خرج إلى هذه الجزيرة رأى الأسد، فجعل ينادي الأسد بكنيته: يا أبا الحارث! أنا صاحب رسول الله ﵌، فجعل الأسد يمشي معه حتى دله على الطريق، فلما أوصله الأسد إلى رأس الطريق جعل يهمهم كأنه يودعه ثم رجع عنه وهذا الأثر رواه الطبراني والحاكم وصححه ووافقه الذهبي.
فالأسد من أعظم ما يضرب به المثل في الإهلاك، فانظر كيف حفظ الله هذا العبد الصالح من أصحاب النبي ﵊ من هذا الأسد الذي هو مؤذ بطبعه، والأذى كامن فيه، ومع ذلك حفظه الله من هذا الشر، أما من ضيع أمر الله فإن الله ﵎ يضيعه، حتى يدخل عليه الضرر والأذى ممن كان يرجو نفعه، يقول الفضيل رحمه الله تعالى: إني لأعصي الله فأعرف ذلك في خلق خادمي ودابتي.
يعني: إذا عصيت الله عرفت شؤم المعصية في الاعوجاج الذي يصيب دابتي، بحيث لا تنقاد له، وكذلك الخادم يفعل خلاف ما يأمره به سيده.
هذا ما يتعلق بالنوع الأول من حفظ الله العبد، وهو حفظه في نفسه وفي ماله وفي ذريته وسائر شئونه.
النوع الثاني: حفظ الله العبد في دينه وإيمانه، فيحفظه في حياته من الشبهات المضلة، ومن الشهوات المحرمة، ويحفظ عليه دينه حتى يتوفاه على الإيمان، ويرزقه حسن الخاتمة.
كان ﵌ يقول عند نومه: (إن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين).
وعلم عمر رضي الله تعالى عنه أن يدعو الله بهذا الدعاء: (اللهم احفظني بالإسلام قائماً، واحفظني بالإسلام قاعداً، واحفظني بالإسلام راقداً، ولا تشمت بي عدواً حاسداً).
وكان ﵌ إذا ودع من أراد سفراً قال له: (استودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك)، وكان يقول: (إن الله إذا استودع شيئاً حفظه)، فهو كان يقول هذا حتى يحفظ الله على هذا العبد دينه وأمانته وخواتيم عمله.
وقول النبي ﵌: (احفظ الله تجده تجاهك) وفي رواية: (أمامك) معناه: أن من حفظ حدود الله وراعى حقوقه وجد الله معه في كل أحواله حيث توجه، يحوطه وينصره ويحفظه ويسدده، فإن الله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٨].
قال قتادة: من يتق الله يكن معه، ومن يكن الله معه، فمعه الفئة التي لا تغلب، والحارس الذي لا ينام، والهادي الذي لا يضل.
стр. 20
الصلاة ملجأ المؤمن عند النوازل والكربات
إن من فضائل الصلاة أنها ملجأ المؤمن في الكربات، فإذا ألمت بالمسلم الكربات أو نزلت به النوازل فالصلاة ملجأ له، وليس هذا إلا للمؤمن؛ لأن الله ﵎ قال: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة:٤٥] أي: يستثقلها عامة الناس ما عدا الخاشعين ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة:٤٦].
في الصلاة استجابة لغريزة البشر النوعية، غريزة الافتقار والضعف والطلب، فالإنسان من حيث هو إنسان فيه هذه الغريزة أو هذه الفطرة، فالإنسان مهما نال من الأماني أو من الأشياء التي يحس أنه مفتقر إليها، فإنه يشعر أن الفقر مازال صفة لازمة له، فهو لا يستقر قلبه ولا يطمئن ولا يشعر بالغنى إلا إذا ظفر بمحبوبه الأعلى وهو الله ، قال ابن القيم رحمه الله تعالى: لقد كان يسبي القلب في كل وليلة ثمانون بل تسعون نفساً وأرجح يهيم بهذا ثم يألف غيره ويسلوهم من فوره حين يصبح فلما دعا قلبي هواك أجابه فلست أراه عن خبائك يبرح فالشاهد أن القلب لا يمكن أن يسكن ويستقر إلا إذا وصل إلى الله ، واستغنى بالله عما عداه، أما ما دون ذلك فلا يقنع؛ لأنه سريع التحول والبحث، ففطرة الإنسان أنه دائماً يشعر بالافتقار إلى من يحتمي به ويلجأ إليه، يقول : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر:١٥].
ولذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى بيتاً في نفس هذا المعنى: والفقر لي وصف ذات لازم أبداً كما الغنى أبداً وصف له ذاتي أي: كما أن من صفاته الذاتية الغنى أبداً، كذلك العبد من صفاته الذاتية من حيث لا يمكن أن يكون إنساناً إلا إذا كانت فيه هذه الصفة وهي الفقر أبداً.
فالإنسان كما ذكرنا فيه غريزة الاحتياج والافتقار والضعف والطلب ممن هو أغنى منه، أو ممن هو أقوى منه فهو يطلب منه الحماية والمال والرزق والعافية والأمان وغير ذلك، فالصلاة نفسها هي عبارة عن استجابة لهذه الغريزة الفطرية الموجودة في الإنسان.
стр. 21
حب الالتجاء والاعتصام بالله غريزة وفطرة إنسانية
من أعراض هذه الغريزة حب الالتجاء، فالإنسان يحب أن يلتجىء، وتلاحظون أن التجار يحاولون أن يعزفوا على هذا الوتر في قلب كل إنسان، فيتكلمون على التأمين، ويقولون: هو حصن حصين وأمان الملايين؛ لأنهم يعلمون أن هذه الغريزة موجودة في كل إنسان، من الشعور بالخوف من المستقبل، والقلق والخوف من الفقر وعلى الأولاد، فلذلك يحاولون أن يستثمروا هذه الفطرة بأن يخدعوا الناس بها، وأنهم سيلبون طلبهم.
إذاً: الإنسان عنده غريزة الالتجاء والاعتصام والاحتماء والدعاء والمناجاة، والاطراح على عتبة القوي الغني الجواد الكريم الرءوف الرحيم، اللطيف الودود المعطي المانع السميع المجيب.
فالصلاة أقرب إلى المؤمن وأكثر إيواءً، وسنذكر إن شاء الله بعض عجائب الصلاة، وهي كثير من القصص وسنقتصر على نماذج قليلة.
هناك أناس من الكفار ولدوا كفاراً وما رأوا الصلاة من قبل، وبعضهم كان يفعل بعض أفعال الصلاة باجتهاد منه، كمن يصاب مثلاً: بمرض نفسي واكتئاب أو غيره، فلا يجد راحته إلا في وضع السجود، ولا يعرف أن هذا جزء من صلاة المسلمين، فهو ما رأى مسلماً يصلي، فلما رأى هذا السجود فوقف مندهشاً مذهولاً فسأل: ماهذا؟ فقيل: هذه صلاتنا، فهو عرف بالفطرة أن هذا السجود تعبير عن الالتجاء والاعتصام والاحتماء وتلبية لنداء هذه الفطرة، وهي فطرة الاحتياج إلى الله .
إذاً: الصلاة أقرب إلى المؤمن، وأكثر إيواءً وأسرع نجدة وإسعافاً، وأتقى وأحنى وأعطف على العبد المؤمن من حجر الأم الحنون على الطفل الشريد اليتيم الضائع الضعيف العاجز، فهذا الطفل كلما هدد أو أصابه الروع أو الفزع أو مسه الجوع أو العطش آوى إلى أمه، فرمى نفسه في أحضانها أو تشبث بأذيالها، كذلك الصلاة هي أبلغ من هذا بالنسبة للمؤمن، فهي معقل المسلم وملجؤه الذي يأوي إليه، والعروة الوثقى التي يعتصم بها، وهي الحبل الموجود بينه وبين ربه الذي يتعلق به، وهي غذاء الروح، وبلسم الجروح، ودواء النفوس، وإغاثة الملهوف، وأمان الخائف وقوة الضعيف، وسلاح الأعزل، وقد قال الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:١٥٣].
وقال أيضاً: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة:٤٥ - ٤٦].
يقول ابن كثير رحمه الله تعالى: استعينوا على طلب الآخرة بالصبر على الفرائض والصلاة.
وقال أيضاً: إن الصلاة من أكبر العون على الثبات في الأمر.
стр. 22
فزع النبي ﵊ إلى الصلاة عند الشدائد والنوازل
قال جل وعلا مخاطباً خليله محمداً ﷺ ، وكما لفتنا النظر من قبل أن الأليق والأنسب ألا ننقص النبي ﷺ حقه، فأغلب الناس حينما يذكرون مثل هذا يقولون: خاطب حبيبه، فكيف نصفه بالمحبة وهو قد حباه الله بما هو أرقى وأرفع وأعلى من المحبة، وهي الخلة؟! قال ﵊: (إن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً)، فينبغي إذا أردنا التعبير عن محبة الله لنبيه ﵊ أن نصفه بخليله؛ لأنها أعلى درجات المحبة.
قال مخاطباً خليله محمداً ﵌: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنْ السَّاجِدِينَ * وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٧ - ٩٩].
هذه الآية فيها إشارة إلى النجاة من أذى أعداء الدين وأعداء الدعوة، فقوله: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ) يعني: مما يؤذونه به، يقول : ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنْ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيراً﴾ [آل عمران:١٨٦].
إذاً: هذا ليس جديداً على المؤمنين، هذا سبق الإعلام به والتحذير منه.
وقوله: (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنْ السَّاجِدِينَ) عبر هنا عن الصلاة بالسجود، كما تقول: صليت ركعة، والركعة فيها قيام وركوع وسجودين وجلسة وتشهد، فهو تعبير عن الكل بالجزء، وهذا مثله، (وَكُنْ مِنْ السَّاجِدِينَ).
وقوله: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) فإن في ذلك شرحاً للصدر، وتفريجاً للكربة، وهكذا كان هديه العملي ﵌، فقد كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة؛ لأنها الملجأ والمأوى والملاذ، قال حذيفة رضي الله تعالى عنه: (رجعت إلى النبي ﷺ ليلة الأحزاب وهو مشتمل في شملة يصلي، وكان رسول الله ﷺ إذا حزبه أمر صلى).
وقال أمير المؤمنين علي رضي الله تعالى عنه: (لقد رأيتنا ليلة بدر وما فينا إلا نائم، غير رسول الله ﷺ يصلي ويدعو حتى أصبح).
وعن ثابت ﵁: قال: (كان النبي ﷺ إذا أصابته خصاصة نادى أهله صلوا صلوا)، قال ثابت: وكان الأنبياء إذا نزل بهم أمر فزعوا إلى الصلاة).
وروي عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه قال: (كان النبي ﷺ إذا كان ليلة ريح شديدة يفزع إلى المسجد حتى تسكن الريح).
كذلك كان إذا حدث في السماء حدث من خسوف شمس أو قمر فإن مفزعه إلى الصلاة حتى ينجلي، فهذا هو شأن القلب الحي.
نحن في هذا الزمان ابتلينا بجاهلية العلم، وقديماً كان عندهم جاهلية الجهل، أما الآن فعندنا جاهلية العلم، نقصد العلوم التجريبية التي استعملت في التمويه على الناس وصرفهم بعيداً عن حقائق الأمور، فهي جاهلية مغطاة بثوب العلم، إذا حصل كسوف أو خسوف أو زلزال أو غير ذلك من هذه الأشياء يقولون: هذه ظواهر طبيعية! ويشغلون الناس بقوة الزلزال كم درجته، والشروح الطويلة في طبقات الأرض وتكوينها، وغير هذه الاصطلاحات المعروفة، وإذا حصل بركان يظلون ينشغلون بتحليل البركان وصفاته كنوع من التحليل، وكدراسة وصفية لمثل هذه الظواهر فقط، وكل بركان نزل على الناس فأحرقهم وكل زلزال واقع عليهم فأهلكهم فهذه أشياء تقع في الوجود بأسباب يسببها الله ، لكن هذه الأسباب لا تنفي أنها نذير من الله ، وبسبب هذه التحليلات العلمية يحرم الناس من الاعتراف بهذه البلايا وهذه المصائب، بسبب هذا الحجاب الذي يوضع على أعينهم، فهم يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا، وينشغلون بظاهر الأمور دون النفاذ إلى بواطنها وما ورائها من الحكم، لذلك كان ﷺ إذا وقعت ريح شديدة أو رأى سحباً في السماء يظل يخرج ويدخل ويتغير شكله ﵊، فإذا سأله الصحابة عن ذلك قال: (وما يؤمنني أن تكون فيها عذاب من الله ؟! وقد رأى قوم مثل هذا فقالوا: هذا عارض ممطرنا، ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الأحقاف:٢٤])، فقد كان النبي ﵊ دائم الوجل والخوف والفزع من عقوبة الله ﵎.
стр. 23
فزع الصحابة والتابعين إلى الصلاة والمساجد عند النوازل والشدائد
لقد كان شأن الصحابة الأبرار رضي الله تعالى عنهم أجمعين الفزع عند النوازل والكربات إلى الصلاة، فعن النضر قال: (كانت ظلمة على عهد أنس فأتيته فقلت: يا أبا حمزة! هل كان هذا يصيبكم على عهد رسول الله ﷺ ؟ فقال: معاذ الله! إن كانت الريح لتشتد فنبادر إلى المسجد مخافة أن تكون القيامة) هكذا كان شأن الصحابة؛ لأنهم تعلموا من النبي ﵊ أن يفزعوا إلى الصلاة.
كذلك كان شأن التابعين لهم بإحسان في كل جيل فالصلاة كانت بالنسبة لهم كالسيف أو السلاح في يد الجندي، فالجندي إذا أصابه أي فزع يفزع إلى السلاح؛ كي يحمي به نفسه أو من يحرسه، فكذلك المؤمن إذا نزلت به ملمة يفزع إلى الصلاة.
والغني إذا احتاج يفزع إلى أن يسحب من حسابه أو من ماله حتى يسد حاجته، بل الطفل الصغير يبكي ويصرخ حتى يستعطف أمه لتحن عليه وترحمه، والسلف كانوا أكثر إدلالاً وثقة بصلاتهم، وأقوى اعتماداً عليها من كل ذلك، وأصبح ذلك طبيعة لهم لا تفارقهم، فإذا فزعوا أو أثيروا أو داهمهم عدو أو تأخر عليهم فتح أو التبس عليهم أمر؛ التجئوا إلى الصلاة وفزعوا إليها.
كانت هذه أيضاً سيرة أعلام وأئمة المسلمين وقادتهم في كل عصر ومصر، فهذا صلاح الدين الأيوبي إذا راجعتم سيرته تجدون فزعه إلى الصلاة وذكر الله وقراءة القرآن.
وهكذا من تتبع معارك المسلمين وجهادهم ومواقفهم تجد فزعهم دائماً إلى الصلاة، ولعل هذا من حكمة تشريع صلاة الخوف حتى في أثناء الجهاد، حتى يبقى هناك المدد متصلاً مع الله خلال هذه الصلاة.
حكي عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أنه كان إذا أشكلت عليه آية، أو استصعب عليه علم عمد إلى بعض المساجد المهجورة، فقام يصلي، ويعفر وجهه بالتراب، ويطيل السجود، ويقول: يا معلم إبراهيم، علمني، ويا مفهم سليمان! فهمني، أخذاً من قوله تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء:٧٩].
وكان شديد الابتهال عظيم التذلل لله ﵎، ويفتخر بأنه سائل مستجد عريق في الشحاذة منه سبحانه، وقد ورثها أباً عن جد، فقد سمع شيخ الإسلام رحمه الله تعالى ينشد في بعض مناجاته ودعواته: أنا المكدي وابن المكدي وهكذا كان أبي وجدي يعني: أنني عريق في التسول من الله، عريق في الشحاذة والسؤال والافتراش على عتبته، أسأله وأتذلل إليه تبارك تعالى أن يقضي حاجتي.
стр. 24
ارتباط الصلاة بالحاجات والأحداث
إن الصلاة ليست مقصورة على فريضة تؤدى في وقتها، ويتخلى بها المسلم عما أوجبه الله عليه من فضل، ولكنها جنة المسلم، فأنت لا تصلي بمجرد أن تستريح منها، كلا، بل أنت ينبغي أن تصلي؛ لأنها سلاحك وجنتك، والمفتاح الدائم الذي يفتح به كل فضل، ويكشف به كل هم وغم.
فهناك صلاة للخوف، وصلاة للاستسقاء إذا انقطع المطر، فالصلاة مرتبطة بالحاجات، ومرتبطة بتفريج الكربات، كذلك إذا وقعت في معصية فإنك تفزع إلى الصلاة؛ كي تمحى عنك هذه الخطيئة، فعن أبي بكر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : (ما من عبد يذنب ذنباً فيتوضأ فيحسن الطهور، ثم يقوم فيصلي ركعتين، ثم يستغفر الله لذلك الذنب إلا غفر الله له، ثم تلا قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٥])، وهذه صلاة التوبة يفزع إليها العبد إذا افترسه الشيطان وأوقعه في معصية.
كذلك للخسوف وللكسوف صلاة، فالصلاة لها ارتباط بالحدث، فينبغي الفزع إلى هذه الصلوات الموظفة في أوقات معينة، يقول النبي ﷺ : (إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكنهما آيتان من آيات الله يخوف الله بهما عباده، فإذا رأيتم ذلك فصلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم) والغاية أن ينجلي وينكشف هذا الغم.
وفي رواية: (فادعوا الله وكبروا وصلوا وتصدقوا).
إذا أراد العبد أن تقضى له حاجة أو تفرج عنه كربة فبإمكانه أن يقدم بين يدي دعائه صلاة ركعتين، ليس هذا اعتماداً على الحديث الضعيف الوارد في شأن صلاة الحاجة؛ لأنه لا يصح؛ لكن لأن هناك ما يدل على أن من آداب الدعاء تقديم عمل صالح بين يدي الدعاء.
وآداب الدعاء كثيرة منها: أن تتصدق قبل أن تدعو أو تقرأ قرآناً أو تختمه، أو تصوم وعند الإفطار تدعو أو غير ذلك، كذلك يمكن أن تصلي ركعتين قبل أن تدعو، باعتبار أن من آداب الدعاء تقديم عمل صالح بين يديه، ويستدل لهذا أيضاً بحديث عثمان بن حنيف ﵁: (أن رجلاً ضرير البصر أتى النبي ﷺ فقال: ادع الله أن يعافيني فقال: إن شئت أخرت لك وهو خير، وإن شئت دعوت، فقال: ادع، فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويصلي ركعتين ويدعو).
إلى آخر الحديث.
فهذا فيه إشارة لهذا المعنى، وأنه قبل أن يدعو يصلي ركعتين.
والمداومة على تعمير بيوت الله بالصلاة وبالذكر من أسباب قضاء الحاجات، فعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: (إن للمساجد أوتاداً هم أوتادها، لهم جلساء من الملائكة، فإن غابوا سألوا عنهم، وإن كانوا مرضى عادوهم، وإن كانوا في حاجة أعانوهم) وهذا الحديث صححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، وذلك كله ببركة محافظتهم على صلاة الجماعة.
стр. 25
الصلاة مفتاح هداية للعالمين
إن من فضائل الصلاة أنها مفتاح هداية لكثير من الكافرين، نحن نعرف أن كل نسيج هو عبارة عن خيط، وهذا الخيط منه يصنع النسيج، كذلك كل قصة إيمان أو إسلام لكافر نجد أن الصلاة هي الخيط الأول الذي أوصله إلى الإسلام، ولذلك ينبغي أن تتحدث مع أي إنسان -حتى ولو كان ممعناً في الكفر والإلحاد- عن الصلاة؛ لأنك لا تعرف طبيعة تربة قلبه، هل هذه التربة خصبة أم تربة سبخة؟ لكن عليك أن تضع البذرة فقط، ومالك وشأنها، ولا يخصك بعد ذلك هل البذرة تنمو أم لا تنمو؟ فأغلب قصص الاهتداء والإيمان والاستقامة إنما تبدأ ببذرة، فقد تجد إنساناً يلقي كلمة ويمضي، ثم إن هذه الكلمة تثير بركاناً في نفسية من سمعها، حتى وإن لم يظهر ذلك، فإذا سمع من غيرك أيضاً ربما أثرت، وهكذا إلى أن ينتهي به الأمر إلى الإسلام والهداية والاستقامة، فما عليك إلا أن تضع البذرة؛ لأن الهدى هدى الله، يهدي من يشاء ويضل من يشاء، فأنت فقط مطالب بأن تضع البذرة في التربة وعلى الله نماؤها.
وهذه البذرة الأولى أو هذا الخيط الأول يختلف اختلافاً كثيراً، وهذا الموضوع في حد ذاته يحتاج كلاماً مفصلاً، وهو بحث شيق، ونرجو أن تأتي فرصة له فيما بعد.
стр. 26
نماذج من قصص المهتدين إلى الإسلام بسبب آيات وأحاديث وغيرها
إن الإنسان عندما يطالع قصص المهتدين إلى الإسلام يجد أشياءً عجيبة، فمن أعاجيب ما قرأت قريباً عن رجل إنجليزي كان سبب إسلامه شيئاً غريباً جداً، لقد كان يعيش في باكستان، وكان له أصدقاء في العمل من المسلمين، ففي يوم من الأيام صنع له أحد أصدقائه المسلمين وليمة، فكان سبب إسلامه لذة طعم الطعام الذي قدم إليه، وقال: إن أمة تملك هذا المذاق الطيب في الطعام لابد أن تكون على حق! ونحن في هذه الحالة لا نقول: إن هذا صدفة، ولعله بعد أن تلذذ بالطعام اطلع على مظاهر الجمال والروعة في دين الله ﵎.
وامرأة كافرة كانت من أعتى الكفار في بلاد الغرب، أسلمت بمجرد أنها اطلعت على كتاب يبحث عن موقف الإسلام من قضية الاختلاط الحر بين الرجال والنساء، فكان فيه كلام طيب، فأعجبت جداً بهذا الكلام وأسلمت بسبب ذلك! وهذا رجل كان عالماً من علماء الموسيقى، وكان متخصصاً في الأصوات، وأسلم حينما عرف أن القرآن فيه آية تقول: ﴿إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان:١٩]، فقال: هذه لا يمكن أن يقولها إلا الخالق؛ لأن هذا الصوت هو من أشد الأصوات نشازاً، ولا يعرف ذلك إلا قليل.
стр. 27
نماذج ممن اهتدوا إلى الإسلام بسبب الصلاة
إن نسبة عظيمة جداً من حالات الاهتداء إلى الإسلام كان الخيط الأول أو البذرة الأولى فيها رؤية المسلمين وهم يصلون، فمجرد هذه النظرة كانت بداية الكثيرين ممن أسلموا؛ لأنهم محرومون من هذه الشعيرة العظيمة التي تدعو الفطرة إليها، فربما يكون عندهم شيء يسير من هذه الفطرة والحاجة والفقر إلى من يعتصمون به، لكن كيف يعبرون عن هذه الحاجة؟! وكيف يصلون ما بينهم وبين الله ﵎ إلا من خلال الصلاة؟! فنذكر بعض النماذج عمن اهتدوا إلى الإسلام، وكان الخيط الأول في هدايتهم أنهم رأوا مسلماً يصلي، ولذلك نلاحظ إخواننا في جماعة التبليغ يهتمون جداً بهذا الأمر؛ لأنهم يدركون هذه الحقيقة، فهم في المطارات والهيئات الحكومية في العالم وفي زحمة الجوازات وغير ذلك في أي مكان؛ تجد الواحد منهم يؤذن ويصلي حتى يقيم الحجة على الكفار، وحتى يوقظ فيهم الشعور بالحرمان من هذه النعمة؛ لأننا -نحن المسلمين- إذا لم نعش روح الصلاة، ونحس بروح الصلاة، ونقيمها حق إقامتها؛ تصبح عادة مع الوقت، فالنعمة تبقى معنا ونحن لا نشعر بقيمتها، لكن إذا نظر إليها محروم منها فإنها تقع في قلبه موقعاً عظيماً.
نبدأ أولاً بشهادة لرجل غير مسلم، وله كتب ومقالات عجيبة في إنصاف الإسلام والدفاع عنه، إنه تومس أرلون، وهو مشهور، وله كتاب (العقيدة الإسلامية) وغيرها من الكتب القيمة جداً في الدعوة إلى الإسلام، ومن أروع الكتب التي تتكلم عن التاريخ الإسلامي والدعوة الإسلامية هو هذا الكتاب.
يقول في كتابه (العقيدة الإسلامية): إن دين المسلم يتمثل دائماً في مخيلته وفي الصلوات اليومية، ويتجلى هذا الدين في طريقة نسكية خاشعة مؤثرة، لا تستطيع أن تترك العابد والمشاهد كليهما غير متأثرين.
يعني: لا يمكن للصلاة أن تترك الشخص الذي يصليها أو الذي ينظر إليه دون أن يتأثر بمنظر الصلاة! ويحدثنا إخواننا الذين يطالعون وسائل الإعلام الغربية: أن الإعلام الغربي بصفته تابع لليهود إذا جاء منظر المسلمين وهم يصلون فهم يأتون بالصورة بطريقة غير كاملة، تجد أنهم يقرنون الصورة بشيء يلفت انتباه النظر بعيداً عن روعة الصلاة ولذة الصلاة، مثل صورة رأيتها في بعض المجلات لبعض الشباب المسلمين أيام الانتفاضة وهم ساجدون في الشارع، والجنود اليهود يقفون أمامهم في الصفوف بمنتهى الاستكبار والصلف، رافعين الأسلحة، وينظرون إليهم في سخرية، والمهم أنهم لا يأتون بصورة الصلاة كاملة؛ لأن المعروف والمجرب أن الكافر إذا اطلع على صفة الصلاة كاملة، يشعر بالفقر وبالحرمان، ويشعر بانجذاب إليها، وبعضهم صرح أنه لما رأى منظر المصلين وهم يصلون قال: لا يمكن أن يعبد الله بطريقة أحسن من هذه! فلأنهم يدركون هذا المعنى فهم يحرصون دائماً على تشويه صورة المصلين، فلا يأتون بصورة الصلاة كاملة، وقد رأيت ذلك بنفسي في فيلم تسجيلي يسمى (سيف الإسلام)، حيث أتوا بالمصلين وهم يصلون في صورة أناس واقفين ويرفعون أيديهم، أهذه هي الصلاة فقط؟ كذلك الأذان لا يمكن أن يأتي الإعلام الغربي بالأذان كاملاً؛ لأن كثيراً من الناس انجذبوا إلى الإسلام بمجرد سماعهم صوت الأذان، وزاد انجذابهم عندما عرفوا معاني هذا الأذان.
يقول تومس أرلون أيضاً في كتابه (العقيد الإسلامية): هذا الفرض المنظم من عبادة الله، هو من أعظم الأمارات المميزة للمسلمين عن غيرهم في حياتهم الدينية، فكثيراً ما لاحظ السائحون وغيرهم في بلاد المشرق ما لكيفية أدائه من التأثير في النفوس.
وإليك ما قاله الأسقف لوفر واك يقول: لا يستطيع أحد يخالط المسلمين لأول مرة إلا يدهش ويتأثر بمظهر عقيدته، فإنك حيثما كنت سواء أوجدته في شارع مطروق، أم في محطة سكة حديدية، أم في حقل، كان أكثر ما تألف عينك مشاهدته أن ترى رجلاً ليس عليه أدنى مسحة للرياء، ولا أقل شائبة من حب الظهور، يذر عمله الذي يشغله كائناً ما كان، وينطلق في سكون وتواضع لأداء صلاته في وقتها المحدد.
ثم يقول: ولننتقل من صلاة الفرد إلى صلاة الجماعة، فنقول: إنه لا يتأتى لأحد يرى -ولو مرة في حياته- ما يقرب من خمسة عشر ألف مصل في ساحة المسجد الجامع بمدينة دلهي بالهند يوم الجمعة الأخيرة من شهر رمضان، وكلهم مستغرقون في صلاتهم، وقد بدت عليهم أكبر شعائر التعظيم والخشية في كل حركة من حركاتهم.
ثم يقول: إنه لا يتأتى لأحد يرى ذلك المشهد ألا يبلغ تأثره به أعماق قلبه، وألا يلحظ ببصره القوة التي تمتاز بها هذه الطريقة من العبادة عن غيرها.
ثم يقول: كما أن توقيت الأذان اليومي للصلاة في أوقات معينة، حينما يرن به صوت المؤذن في أبكر البكور قبل الإفطار، وعند الظهيرة والناس مضطربون ومصطخبون في أعمالهم، وعند المساء، هذا الأذان الذي يحصل في هذه الأوقات على تلك الصورة كل يوم مشحون هو الآخر بذلك الجلال عينه.
وينقل عن رينان إيرنس رنن -وهو فيلسوف فرنسي مشهور جداً- قوله: ما دخلت مسجداً قط دون أن تهزني عاطفة حارة! أو بعبارة أخرى: دون أن يصيبني أسف محقق على أنني لم أكن مسلماً.
نقول: ما منعك من الإسلام؟! وقد كان مشهد الصلاة من الأسباب المساعدة على دخول رجل يهودي من أهل الإسكندرية في الإسلام، كما حكى هو عن نفسه إذ قال: كنت مريضاً مرضاً شديداً فتمثل لي في أثنائه أن هاتفاً يهتف ويهيب بي أن أعلن إسلامي، ولما دخلت المسجد ورأيت المسلمين مصطفين للصلاة وقوفاً كالملائكة، سمعت في نفسي صوتاً يناديني بقوله: هذه هي الجماعة التي أنبأ بها الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
ثم يقول: ولما رأيت الخطيب يتقدم للخطبة، وعليه رداء أسود؛ وقع في نفسي وجدان الرهبة والخشية، ولما ختم خطبته بالآية الكريمة التي يقول الله تعالى فيها: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:٩٠] وأقيمت بعد ذلك الصلاة، آنست من نفسي أنها سمت سمواً كبيراً، فقد بدت لي صفوف المسلمين كأنها صفوف الملائكة، -وهو لا يعرف الحديث (ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها) - وأن الله سبحانه قد تجلى عليهم في ركوعهم وسجودهم، وسمعت في نفسي منادياً يناديني بقوله: إن الله سبحانه إذا كان قد خاطب شعب إسرائيل مرتين في جميع القرون الخالية، فلا جرم أنه يخاطب هذه الجماعة في كل وقت من أوقات صلاتها، واقتنعت في نفسي بأني ما خلقت إلا لكي أكون مسلماً.
هناك أيضاً قصة فيها ذكر سبب إسلام أحد اليهود: كان هناك محام منذ زمن في مصر، وكان من أشهر المحامين على الإطلاق في مصر، وهو زكي عريبي، وكان عميد اليهود في مصر، يحكي الدكتور عيسى عبده رحمه الله تعالى في كتاب له بعنوان (لماذا أسلموا؟) عن حالة هذا المحامي اليهودي وما الذي أداه إلى الإسلام، يقول: كان زكي عريبي يتحرق شوقاً إلى الإسلام كلما رأى مسجداً، أو وقعت عيناه على رجل يصلي لله في خشوع، ويبتهل إليه في خضوع، وكان قلبه ينشرح حين تقع في أذنيه كلمات الأذان تدعو الناس إلى عبادة الواحد الديان، وكان هناك سؤال يتردد في نفسه، ويلح على عقله دائماً وهو: لماذا لا يعتنق الإسلام؟ وكان هذا الخاطر يعلو صوته في داخله، ويهزه من أعماقه كلما رأى بين الحقول رجلاً متواضعاً من زارعي الأرض يقف بين يدي الله مؤدياً صلاته في المصلى الصغير على شاطئ الترعة، فكان يود لو كان يصلي مثل صلاته، ويناجي مثل مناجاته، وهي قصة طويلة انتهت بإعلانه إسلامه، وكان عمره خمساً وستين سنة.
ورجل ألماني رأى مسلماً ساجداً فتعجب أشد العجب من هذه الحركة، مما حدا به أن ينتظر حتى ينتهي ذلك المسلم من صلاته، فلما انتهى تقدم إليه وسأله عن معنى هذه الحركات، وبخاصة ما يتعلق بالسجود، فبين له ذلك المسلم معنى الصلاة وحكمتها وآثارها، فأصيب وهو يستمع إلى الشرح بما يشبه الذهول الممزوج بالفرحة، وكأنه قد وقع على ما كان يبحث عنه منذ سنين، وبين للمسلم سبب تعجبه، وهو أنه أصيب بمرض نفسي وضيق دائم، وأنه ما أن يلصق جبهته بالأرض حتى يشعر بالراحة، وكلما عاوده ذلك الضيق النفسي عاد لإلصاق جبهته بالأرض ليجد راحته، حتى رأى ذلك المسلم فعرف سر تلك الراحة التي كان يشعر بها، فاصطحبه ذلك المسلم إلى المركز الإسلامي في ميونيخ حيث شرح له المسلمون هناك الإسلام، وإثر ذلك أعلن شهادة التوحيد، ودخل في الإسلام.
وهذا رجل ثري جداً من أثرياء الهندوك في الهند، ويدعى كوك هلال جابا وصار اسمه بعد إسلامه خالد لطيف جابا وكان سياسياً وصحافياً ومؤلفاً مشهوراً في الهند، يحكي عن الإشعاعات النورانية الأولى التي أشرقت في قلبه، مبيناً أن مصدرها كان هو مشهد المسلمين وهم يصلون، يقول: كنت كلما مررت بأحد المساجد للمسلمين في الهند أفعم قلبي بالإحساس بعظمة هذا المكان وقدسيته، وكنت أشعر دوماً أن المؤذن وهو ينادي إلى الصلاة كأنه يقصدني أنا بالذات في ندائه ذلك، وكأن هاتفاً من داخله يجيبه قائلاً: هيا بنا إلى الصلاة، هيا بنا إلى الفلاح، كان قلبي يريد الانضمام إلى جماعة المؤمنين في المسجد، وكان النداء والدافع قوياً إلى درجة أني لم أتمالك نفسي من الدخول إلى المسجد، والوقوف في صف المسلمين، والحقيقة أنني لم أستطع مقاومة ذلك، وظللت أفعله فترة طويلة من الزمن! يعني: قبل أن يدخل الإسلام كان ينجذب إلى المسجد، ولا يستريح إلا إذا دخل في الصفوف وصلى معهم.
وهذه الأخت الفلبينية جميلة لاما، والتي كانت قد ربيت تربية كاثولوكية صارمة، ثم أشرق قلبها بنور ربها فأسلمت له وجهها، تحكي عن بعض التجارب التي مرت بها، وكانت عبارة عن إرهاصات سبقت إسلامها فتقول في قصة طويلة: والغريب أنني كنت أستيقظ عند الفجر، وتحدوني رغبة قوية للصلاة! يعني: كأن الإنسان خلق ليصلي.
ويوجد بحث لم يتيسر لي أن أحضره في مجلة طبية إنجليزية، يتحدث الباحث وهو كافر لا علاقة له بالإسلام، ولا عنده خبر به والله أعلم، يتحدث
стр. 28
لماذا نصلي؟ [٣]
لقد اختلف العلماء في حكم تارك الصلاة تكاسلاً لا جحوداً وإنكاراً، فمنهم من قال: إنه كافر خارج من الملة، ومنهم من قال: إنه كافر غير خارج من الملة، فجدير بالمسلم أن يحافظ على الصلوات الخمس حيث ينادى بهن، حتى لا يكون عرضة لعذاب الله وغضبه.
وللمحافظة على الصلوات فوائد كثيرة، ومصالح عظيمة، من أهمها: أنها سبب لدخول الجنة ورؤية الله فيها، وبالمحافظة على الصلاة يرتفع حكم الكفر عن الشخص والبلد.
стр. 29
ارتفاع حكم الكفر عن الشخص والدار بإقامة الصلاة والأذان
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل على محمد النبي وأزواجه أمهات المؤمنين وذريته وأهل بيته، كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
روى البخاري عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: (إن النبي ﷺ كان إذا غزا بنا قوماً لم يكن يغزو بنا حتى يصبح وينظر، فإن سمع أذاناً كف عنهم، وإن لم يسمع أذاناً أغار عليهم).
من فوائد هذا الحديث: أن وصف الكفر يرتفع عن البلاد أو الدولة أو الدار بظهور شعائر الإسلام وأحكامه، وفي مقدمة هذه الأحكام إقامة الصلاة، كما أن الصلاة تثبت الهوية الإسلامية للشخص على مستوى الأفراد، ويرتفع حكم الكفر عن الشخص بإقامته الصلاة لقول النبي ﵌: (من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا؛ فذاكم المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله ﷺ ، فلا تخفروا الله في ذمته).
وهذا نهي عن أن يتعرض لمسلم يصلي صلاتنا ويستقبل قبلتنا ويتلبس بهذه الشعائر الإسلامية، فبالتلبس بهذه الشعائر يرتفع وصف الكفر عن الفرد، فإذا رأيت رجلاً نصرانياً مثلاً أو يهودياً يصلي فهذه علامة واضحة على أنه قد دخل في دين الإسلام، وأنه صار من أهل الإسلام، باعتبار أن الصلاة أبرز وأخطر وأهم شعائر الإسلام الظاهرة، فهي التي تثبت الهوية الإسلامية للدار، فإذا لم يسمع الأذان في بلد ولم توجد فيه المساجد، فهذا دليل على أن هذه الدار دار كفر، وإذا سمع الأذان ووجدت المساجد حتى غدت مظهراً من مظاهر الدار فهي دار إسلام، وسبق أن ناقشنا ذلك بالتفصيل عند دراستنا لكتاب (الغلو في الدين)، وقلنا: إن الأرجح والأقرب أن العامل الأساسي الذي تصنف الدار على أساسه هو إقامة الصلاة، لهذه الأحاديث التي ذكرناها، وإذا قلنا: إذا وجدت المساجد صارت دار الإسلام، وإذا رفع الأذان صارت دار إسلام، فليس معنى هذا مجرد وجود المساجد، لكن المقصود أن يصبح الأذان والصلاة من الشعائر الظاهرة في المجتمع، وهذه مسألة نسبية، فقد توجد قرية صغيرة في صحراء أو في أي منطقة ريفية، وعدد السكان فيها قليل جداً فيوجد فيها مسجد واحد فقط أو مسجدان، فيحكم عليها بأنها دار إسلام، لكن مدينة كبيرة مثل: نيويورك أو غيرها من المدن الضخمة جداً، فيوجد مثلاً في نيويورك حوالى سبعين مسجداً، لكن بالنسبة لحجم المدينة وضخامتها، لا يرفع الأذان، وليس وجود المساجد مظهراً وسمة عامة تصبغ المجتمع بصبغة الإسلام بأذان وإقامة الصلاة، فبالتالي لا يكفي أن نحكم بأنها دار إسلام مع وجود هذا العدد الكبير من المساجد، بل تبقى دار كفر؛ لأن الصلاة والمساجد والأذان ليست من الشعائر الظاهرة التي تصبغ هذا المجتمع بهذه الشعائر، والدليل على هذا حديث أنس رضي الله تعالى عنه السابق: (كان النبي ﷺ إذا غزا بنا قوماً لم يكن يغزو بنا حتى يصبح وينظر، فإن سمع أذاناً كف عنهم).
لأن هذا يدل على أنهم مسلمون، وأن هذه بلاد إسلام، قال: (وإن لم يسمع أذاناً أغار عليهم).
وروي عن عصام المزني ﵁ قال: (كان النبي ﷺ إذا بعث السرية يقول: إذا رأيتم مسجداً أو سمعتم منادياً؛ فلا تقتلوا أحداً).
إذاً: من خصائص الصلاة ومناقب الصلاة: أن الصلاة شعار دار الإسلام.
стр. 30
اقتران الصلاة في القرآن والسنة بالإيمان
إن من فضائل الصلاة: أن الصلاة إيمان، فقد سمى الله ﵎ الصلاة إيماناً في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة:١٤٣].
يعني: صلاتكم إلى بيت المقدس، كذلك أيضاً جعل رسول الله ﷺ الصلاة إيماناً فقال: (آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع: آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وأن تؤدوا خمس ما غنمتم) متفق عليه.
فدل على أن الصلاة من الإيمان.
يقول الإمام الحافظ البيهقي رحمه الله تعالى: وليس من العبادات بعد الإيمان الرافع للكفر عبادة سماها الله إيماناً، وسمى رسول الله ﷺ تركها كفراً إلا الصلاة.
وقال البيهقي رحمه الله تعالى أيضاً: وقد ذكر الله ﷻ الإيمان والصلاة فلم يذكر معها غيرها، دلالة بذلك على اختصاص الصلاة بالإيمان، فقال ﵎: ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى * وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [القيامة:٣١ - ٣٢].
فهو لم يقل مثلاً: فلا صدق ولا صلى ولا صام ولا زكى ولا حج، لكن بصفة أساسية قرن الصلاة مع الإيمان والعقيدة والتصديق.
فقوله: (فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى) (وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى) يعني: فلا هو صدق برسول الله ﷺ فآمن به ولا هو صلى.
وقال أيضاً: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ [المرسلات:٤٨]، ثم قال: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [المرسلات:٥٠].
فهنا قرن بين عدم الركوع وبين الكفر، إذ لو كانوا مؤمنين لركعوا وصلوا لله ﵎.
يقول البيهقي: فوبخهم على ترك الصلاة كما وبخهم على ترك الإيمان، وقد ذكر الله ﷻ الصلاة وحدها دلالة بذلك على أنها عماد الدين؛ لأنه قرنها بالإيمان، ومثله قوله ﵎: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [الأنعام:٩٢].
انظر كيف قرن الإيمان بالصلاة؛ فدل على خطورة الصلاة، وكما أن الصلاة إيمان فترك الصلاة كفر، فقد قال الله تعالى في حق المشركين: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة:١١].
قوله: (إِنْ تَابُوا) يعني: إن تابوا من شركهم، وأقاموا الصلاة معتقدين وجوبها آتين بأركانها، وآتوا الزكاة المفروضة؛ فإخوانكم في دين الإسلام، هذا منطوق الآية، ومفهومها أن من أصر على شركه، وعلى ترك الصلاة، وترك الزكاة، ولم يتب ويدخل في الإسلام؛ فليس من إخواننا في دين الإسلام.
стр. 31
حكم تارك الصلاة وأقوال أهل العلم في ذلك
يقول النبي ﵌: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله) متفق عليه.
يعني: هذا أقبله منهم في الظاهر، والله هو الذي يحاسبهم فيما يبطنون، ويعلم هل هم صادقون أم منافقون؟ وعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة) رواه مسلم.
وقال النبي ﷺ : (بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة).
وهذا أيضاً في مسلم.
وفي لفظ: (ليس بين العبد وبين الكفر إلا ترك الصلاة).
وقال ﷺ : (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر).
كذلك جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿لا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنْ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً﴾ [مريم:٨٧] قيل: الصلاة، وإن كان هذا القول ليس مشهوراً في كتب التفسير.
وعن محجن بن الأدرع الأسلمي ﵁ (أنه كان في مجلس مع النبي ﷺ فأذن للصلاة، فقام النبي ﷺ ، ثم رجع ومحجن في مجلسه، فقال له ﵊: ما منعك أن تصلي؟ ألست برجل مسلم؟ قال: بلى، ولكني صليت في أهلي، فقال له النبي ﷺ : إذا جئت فصل مع الناس وإن كنت قد صليت) وقوله ﷺ : (ما منعك أن تصلي؟ ألست برجل مسلم؟) معناه: أنك لو كنت مسلماً لصليت.
стр. 32
أقوال الصحابة في أهمية الصلاة وحكم تركها
عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: (أما إنه لا حظ لأحد في الإسلام أضاع الصلاة) وروي عنه بلفظ: (لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة).
وعن عبد الله بن شقيق رضي الله تعالى عنه قال: (كان أصحاب رسول الله ﷺ لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر غير الصلاة) وهذا صحيح.
يعني: كان مستقراً عند الصحابة أن الشخص الذي لا يصلي لا أمل له في النجاة، وهو مستحق أن يعذبه الله ﵎ على ترك الصلاة كما سنبين إن شاء الله تعالى، فكان الصحابة عموماً قد استقر في قلوبهم أن غير المصلي لا نجاة له؛ ولذا كانوا يلغزون بذلك، فيقول الدينوري: (كان أبو هريرة رضي الله تعالى عنه إذا جلس مع أصحابه يقول لهم: حدثوني عن رجل دخل الجنة لم يصل قط).
فهذا لغز لا يتصور، فنجاة غير المصلي شيء على خلاف الأصل، إذ لا مطمع له ولا مطمح في النجاة.
قال: فسكت الصحابة؛ لأنهم لا يتصورون أن ينجو غير المصلي، فيقول أبو هريرة ﵁: هو أخو بني عبد الأشهل عمرو بن أقيش ﵁، وكان له رباً في الجاهلية، فكره أن يسلم حتى يأخذه، فجاء يوم أحد، فقال: أين بنو عمي؟ قالوا: بأحد، قال: أين فلان؟ قالوا: بأحد، قال: فأين فلان؟ قالوا: بأحد، فلبس لأمته -لباس الحرب- وركب فرسه، ثم توجه قبلهم، فلما رآه المسلمون توقعوا منه شراً؛ لأنهم لم يكونوا علموا أنه دخل في الإسلام، فلما رآه المسلمون مقبلاً عليهم، قالوا: إليك عنا يا عمرو -يعني: ابتعد عنا- قال: إني قد آمنت، فقاتل حتى جرح، فحمل إلى أهله جريحاً، فجاءه سعد بن معاذ ﵁، فقال لأخته: سليه أقاتلت حمية لقومك أو غضباً لهم أم غضباً لله ؟ فقال: بل غضباً لله ولرسوله ﷺ ، فمات فدخل الجنة، وما صلى لله صلاة).
وهذا؛ لأنه أسلم ولم يأت عليه وقت صلاة، بل شارك في الجهاد فقتل، فهو لم يمتنع عن أداء الصلاة، ولو حضر وقت الصلاة لوجب عليه أن يصلي.
وصح عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه قال: (لا إيمان لمن لا صلاة له، ولا صلاة لمن لا وضوء له) يعني: كأن الصلاة شرط في صحة الإيمان، كما أن الوضوء شرط في صحة الصلاة.
стр. 33
أقوال التابعين ومن بعدهم في حكم تارك الصلاة
يقول إبراهيم النخعي رحمه الله تعالى: من ترك الصلاة فقد كفر.
ويقول أيوب السختياني: ترك الصلاة كفر لا يختلف فيه، يعني: لا يختلف في وصفه بأنه كفر.
وقال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: أخشى ألا يحل للرجل أن يقيم مع امرأة لا تصلي، ولا تغتسل من الجنابة، ولا تتعلم القرآن.
وقال ابن الجوزي رحمه الله تعالى: والعلماء لهم اصطلاح في تارك الصلاة الذي لا عذر له، يقولون: تارك الصلاة على صحة البدن لا تجوز شهادته، ولا يحل لمسلم أن يؤاكله، ولا يزوجه ابنته، ولا يدخل معه تحت سقف.
стр. 34
خلاف العلماء في حكم تارك الصلاة
هناك خلاف بين العلماء هل ترك الصلاة كفر أكبر يخرج من الملة أم هو كفر عملي من الكبائر العظام، لكنه لا يخرجه من الملة، ولا ينزع عنه صفة الإسلام؟ إن العلماء لهم تنبيه مهم جداً يذكرونه في مثل هذا الباب، سواء في باب وعيد قاتل النفس، أو حكم ترك الصلاة أو غير ذلك من الذنوب والكبائر العظام المهلكة، وهذا التنبيه هو: أنه لا ينبغي أن يتعرض لهذه النصوص بالتأويل، خاصة في غير مجلس علم، كأن يكون أمام عموم الناس كالخطب على المنابر، فعليك أن تأتي بالنصوص على وجهها، وأن تتركها تفعل فعلها، وتقع موقعها من القلوب، وهو الترهيب من مواقعة هذه الذنوب، والترغيب في التوبة منها، فلا ينبغي أن تقول: أنا أكتم العلم، فلا بد أن أفصل المسائل كلها، وأقول للناس كل الحقائق إلى غير ذلك، فهذا يقال في مجالس طلبة العلم والفقه، أما مع عموم الناس فلا ينبغي الإفاضة في ذكر تأويلات العلماء في مثل هذه الأشياء، فإذا أتيت بقوله ﷺ : (لعن الله النامصة والمتنمصة) فلا تقل: هي فلانة بنت فلان التي تنمصت، وهي ملعونة؛ لأنك لا تدري لعلها تتوب، أو كانت جاهلة بالحكم، أو تفعل حسنات ماحية، فأنت لا تدري كيف تكون العاقبة، لكن عليك أن تأتي بالنصوص على عمومها، وتقول: من فعل كذا فهو كذا، أو لعن الله من فعل كذا، ومن فعل كذا فقد كفر، حتى لو كنت تعرف أن هذا كفر عملي لا يخرج من الملة، ففي مقام الدعوة العامة لا تؤوله، وكذلك في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ [النساء:٩٣] إلى آخره، فقد نهى العلماء عن التعرض لتأويل هذا النص، لكن اترك النص يفعل فعله، ويقع موقعه من قلب المستمع؛ لعله ينزجر عن الكبيرة، لأن كثرة الكلام في العذر بالجهل والعذر بالإكراه، وكثرة تأويل مثل هذه النصوص ممن لا يطيقون حمل هذه المعاني؛ يجعلهم يضعونها في غير موضعها؛ ولذلك فإن مقام الدعوة غير مقام التنظير والتأصيل والتقعيد؛ لأن التأصيل والتقعيد يكون في مجالس العلم بين العلماء، أما أمام العوام فيخشى أن يقع فيما حذر منه ابن مسعود رضي الله تعالى عنه بقوله: (ما أنت بمحدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم، إلا كان لبعضهم فتنة).
وقال علي ﵁: (حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟).
فإذاً: ينبغي أن يخاطب الناس على قدر عقولهم؛ لأن بعض العوام إذا قلت له: الشيء الفلاني مكروه، المكروه عنده مباح، ويتمادى في فعله، كذلك إذا أولت مثل هذه النصوص، فإنها تضعف تأثيرها في قلبه؛ لقصر عقله، وقلة باعه في العلم، على أي حال تارك الصلاة يسمى كافراً قطعاً بلا خلاف؛ لأنه هكذا سماه رسول الله ﵌، لكن الخلاف في هذا الكفر الذي يوصف به تارك الصلاة، هل هو كفر أكبر أم كفر أصغر؟ نحن في هذا المقام نتجنب ذكر التفاصيل واختلاف العلماء في حكم تارك الصلاة، وفي نوع هذا الكفر الثابت وصفه لتارك الصلاة تكاسلاً مع اعتقاده وجوبها، وإلا فلو جحد فهو كافر، لكن نحن نهمس فقط في أذن تارك الصلاة الذي لا ندري كيف يتمتع بنعم الله ، ويدعي الانتساب للإسلام ومع ذلك لا يصلي؟!! كيف يكون في هذا خير؟!! نقول لتارك الصلاة: هل تقبل ويرضيك أن يكون انتسابك إلى ملة الإسلام، وإلى دين التوحيد، وإلى أمة محمد ﵌ محل خلاف بين العلماء؟! ففريق من العلماء يقول: إنك كافر مشرك حلال الدم والمال، وإنك لا تستحق الحياة، بل على ولي أمر المسلمين أن يقتلك ردة على ترك الصلاة، وإنه لا يجوز لك أن تتزوج من مسلمة، ولا تصلح ولياً شرعياً لأولادك، وإنك لا ترثهم ولا يرثونك، وإنك لا تغسل ولا يصلى عليك ولا تدفن في مقابر المسلمين، وإنك مستحق للخلود في جهنم مع فرعون وهامان وقارون وأبي بن خلف وأبي جهل وسائر أعداء الدين، فهذا الفريق الأول من العلماء يرى هذا الرأي في تارك الصلاة.
الفريق الآخر يقول: بل تارك الصلاة فاسق عاص فاجر مجرم، يجب قتله حداً إن أصر على ترك الصلاة.
فهل تقبل أن يكون انتماؤك إلى الدين أو إلى الإسلام أو إلى أمة محمد ﵊ مسألة خلافية بين العلماء يتنازعون فيها؟ لا شك أن هذه دناءة ما بعدها دناءة أن يجعل الإنسان إسلامه وانتماءه للإسلام محل خلاف؛ فمن أجل ذلك يقول بعض العلماء: يا تاركاً لصلاته إن الصلاة لتشتكي وتقول في أوقاتها الله يلعن تاركي
стр. 35
أقوال أهل العلم في حكم تارك الصلاة
إن ترك الصلاة من أكبر الكبائر الموبقة، قال الإمام محمد بن نصر المروزي رحمه الله تعالى: سمعت إسحاق يقول: صح عن النبي ﷺ : (أن تارك الصلاة كافر) وكذلك كان رأي أهل العلم من لدن النبي ﷺ أن تارك الصلاة عمداً من غير عذر حتى يذهب وقتها كافر.
وقال الإمام ابن حزم رحمه الله تعالى: لا ذنب بعد الشرك أعظم من ترك الصلاة حتى يخرج وقتها، وقتل مؤمن بغير حق.
ويقول الشيخ المحقق ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى: لا يختلف المسلمون أن ترك الصلاة المفروضة عمداً من أعظم الذنوب وأكبر الكبائر، وأن إثمه عند الله أعظم من إثم قتل النفس وأخذ الأموال، ومن إثم الزنا والسرقة وشرب الخمر، وأنه متعرض لعقوبة الله وسخطه وخزيه في الدنيا والآخرة.
قد يتأفف تارك الصلاة من أن يفعل فاحشة الزنا مثلاً، أو أن يسرق، أو أن يرابي، أو يقذف المحصنات، أو يقتل النفس، أو يسرق الأموال، أو يشرب الخمر، ولا يدري المسكين أن ترك الصلاة أخطر وأشد إهلاكاً له من هذه الكبائر، فترك الصلاة أكبر وزراً بعد الشرك بالله ﵎.
وقال الإمام الذهبي رحمه الله تعالى: فمؤخر الصلاة عن وقتها صاحب كبيرة، وتاركها بالكلية -يعني: تارك الصلاة الواحدة بالكلية- كمن زنى وسرق؛ لأن ترك كل صلاة أو تفويتها كبيرة، فإن فعل ذلك مرات فهو من أهل الكبائر إلا أن يتوب، فإن لازم ترك الصلاة فهو من الأخسرين الأشقياء المجرمين.
стр. 36
تنزيه الصلاة لمن أداها عن وصف النفاق
إذا كانت الصلاة إيماناً، وترك الصلاة كفراً، وهي تبرئ الإنسان وتنزهه عن وصف الكفر، فهي كذلك تنزهه عن وصف النفاق، فقد جاءت نصوص كثيرة تدل على هذا.
منها: قول النبي ﵌: (من صلى لله أربعين يوماً في جماعة يدرك التكبيرة الأولى، كتب له براءتان: براءة من النار، وبراءة من النفاق) حديث حسن.
ونحن نتكلم عن جنس الصلاة سواء كانت نافلة أم فريضة، فالصلاة تكون سبباً في البراءة من النفاق، وسبباً في البراءة من النار.
وعن أبي سعيد ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (يكشف ربنا عن ساقه فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياء وسمعة، فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقاً واحداً) أخرجه البخاري.
إذاً: السجود يميز الله به يوم القيامة بين المؤمن وبين المنافق.
стр. 37
حال المنافقين مع الصلاة
لقد بين الله ﵎ ورسوله ﷺ أن ترك الصلاة نفاق، يقول تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء:١٤٢] قوله: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ) أي: يظهرون الإسلام، وقوله: (وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى) أي: أنهم كانوا يصلون، لكن يقومون إلى الصلاة وهم كسالى، وقوله: (يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا) يعني: يصلون مراءاة، وهم متكاسلون متثاقلون لا يرجون ثواباً، ولا يعتقدون على تركها عقاباً.
روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: (يكره أن يقوم الرجل إلى الصلاة وهو كسلان، لكن يقوم إليها طلق الوجه، عظيم الرغبة، شديد الفرح، فإنه يناجي الله، وإن الله تجاهه يغفر له، ويجيبه إذا دعاه).
ونحن نلاحظ حين تقام الصلاة أن بعض الناس يتأخرون ويتثاقلون عنها، كأنه يحمل جبلاً فوق رأسه إلى أن يصل إلى الصف، وهذا مخالف للآداب الشرعية، بل هذه الصفة من صفات المنافقين، فإنهم إذا قاموا للصلاة قاموا كسالى، وعلام يكسل وهو يقبل على هذه النفحات؟ والرسول ﷺ نص على نفس هذا المعنى في قوله: (احضروا الذكر وادنوا من الإمام، فإن الرجل لا يزال يتباعد حتى يؤخر في الجنة وإن دخلها).
قوله: (احضروا الذكر وادنوا من الإمام) أي: السنة الاقتراب من الإمام، وكلما اقتربت من الإمام فإن ذلك أفضل.
قوله: (فإن الرجل لا يزال يتباعد حتى يؤخر في الجنة وإن دخلها) أي: حتى لو استحق دخول الجنة، لكنه كما تعمد التأخر عن صفوف الصلاة نتيجة التكاسل فإنه وإن دخل الجنة سيؤخر في منزلته ومرتبته.
قوله: (حتى يؤخر في الجنة وإن دخلها) يعني: من يتأخر يؤخره الله، والجزاء من جنس العمل.
وقال في شأن المنافقين أيضاً: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى﴾ [التوبة:٥٤] قوله: (وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى) قال ابن عباس: (إن كان في جماعة صلى، وإن انفرد لم يصل) يعني: شأن المنافق إن كان في جماعة من الناس يرونه فإنه يصلي مراءة لهم، وإن انفرد ولم يطلع عليه أحد من البشر لم يصل.
فهذا المنافق هو الذي لا يرجو على الصلاة ثواباً، ولا يخشى في تركها عقاباً؛ لأن النفاق يورث الكسل في العبادة لا محالة، وإنما يدفعهم إلى الصلاة الرغبة في إرضاء الناس، والتظاهر بالإيمان فراراً من الذم، وسعياً إلى الكسب والمغنم، وهم إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى، ولا يؤدونها بخشوع وحضور قلب، بل يؤدونها وهم شاردون عن الخالق إلى المخلوق كما قال ﵎ في شأنهم: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون:٤ - ٧].
قوله: (الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ): يقول ابن كثير: إما عن وقتها الأول فيؤخرونها إلى آخره دائماً أو غالباً، وإما عن أدائها بأركانها وشروطها على الوجه المأمور به، وإما عن الخشوع فيها والتدبر لمعانيها، فاللفظ يشمل ذلك كله، ولكن من اتصف بشيء من ذلك فله قسط من هذه الآية، ومن اتصف بجميع ذلك فقد تم له نصيبه منها، وكمل له النفاق العملي.
يعني: هؤلاء المنافقون الذين يقول الله فيهم: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون:٤] هم مصلون، لكن ما صفة صلاتهم؟ ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون:٥] وهذا فيمن يضيع وقتها، فكيف بمن يهجرها كلها ويتركها بالكلية؟! يقول ابن مسعود رضي الله تعالى عنه في شأن صلاة الجماعة: (ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان يؤتى بالرجل، يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف) رواه مسلم.
قوله: (ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق) أي: مغموز ومشهور بالنفاق.
قوله: (ولقد كان يؤتى بالرجل يهادى بين الرجلين) يعني: أن الرجل من الصحابة إذا كان مريضاً شديد المرض قد عذره الله ، لكن قلبه لم يطق أن يتخلف عن صلاة الجماعة، فكان يأتي إلى المسجد مستنداً على رجلين يمشي بينهما يتمايل من شدة الضعف، وهؤلاء هم المؤمنون الخلص، عذر الله أبدانهم فلم تطق قلوبهم.
وعن ابن عمر ﵄ قال: (كنا إذا فقدنا الرجل في الفجر والعشاء أسأنا به الظن) يعني: أن يكون من المنافقين.
وقال ﷺ في موقف المنافقين من صلاة العشاء: (ولو علم أحدهم أنه يجد عظماً سميناً لشهدها) رواه مسلم.
يعني: من صفات المنافقين أنهم يبحثون عن الأمور المادية والأمور الدنيوية؛ لأن الدنيا تدفعهم وتؤزهم أزاً.
لو أن محلاً من المحلات التجارية أعلن عن تخفيض بنسبة (٩٠%) مثلاً ماذا تتوقعون أن يحصل في اليوم التالي؟ ستجد الناس يتسارعون للشراء من هذا المحل، فكذلك بين النبي ﵌ موقف المنافقين من الصلاة، بحيث لو قيل لهم: إن من أتى المسجد في صلاة العشاء سيجد عظماً سميناً؛ لما تخلف منهم أحد؛ من أجل أن ينال هذا العظم السمين.
إذاً: المنافقون لو لاح لهم شيء من الدنيا لبادروا إليه، فهذا شأنهم ودأبهم، إن قلت: حيّ على الشهوات طاروا إليها خفافاً وثقالاً، وإن قلت حيّ على الصلاة قاموا إليها كسالى، لهم في المعاصي وثبات، وفي الطاعة سكون وثبات.
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: (أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً) قوله: (لو يعلمون ما فيهما) يعني: لو عندهم يقين، لكن ليس عندهم يقين، فالدافع غير موجود؛ لأنه ليس عندهم تصديق ولا يقين بهذا الوعد، وهو ثواب الصلاة.
قوله: (لأتوهما ولو حبواً) يعني: يحبو كما يحبو الصبي.
يقول ﷺ : (ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلاً فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار) متفق عليه.
يعني: أن تارك صلاة الجماعة يستحق أن يعاقب بتحريق بيته عليه، لكن المانع من ذلك هو ما فيه من الأطفال والذرية كما جاء في رواية ضعيفة، فحتى لا يتعدى الضرر إلى من لا يستحق العقوبة ممن لا تجب عليه صلاة الجماعة من الأطفال والنساء والصبيان فمن أجل ذلك فقط امتنع النبي ﵊ من تحريق بيوت هؤلاء المتخلفين عن صلاة الجماعة، أو بعبارة أخرى أنه هم أن يفعل ذلك ولم يفعل؛ لأن صلاة الجماعة واجبة عليه، فلو استخلف رجلاً لفاتته الجماعة الأولى، ولأجل ذلك لم يفعل.
وقول النبي ﵌: (أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر) يفهم من هذا أنهم يشهدون غيرهما من الصلاة؛ لأنهم في النهار لا يستطيعون التستر والتخلف، أما الفجر والعشاء فكل منهما صلاة ليلية، والمساجد ما كانت مضاءة بهذه الصورة فيما مضى، فالمنافق يتستر وراء ظلام الليل في الفجر والعشاء؛ لأن الناس لا يرونه في الظلام غالباً، أما في النهار فإنه يرائي بالصلاة؛ كي يحقن دمه وماله، ويأخذ حكم الإسلام، فمن أجل ذلك كانوا يشهدون الصلوات النهارية، أما صلاة الفجر والعشاء فكانوا يتثاقلون عنهما، فكيف بمن يدعي الإسلام والإيمان ولا يشهد الصلوات الخمس كلها في الجماعة، فظاهر المنافقين في عهد النبوة كان أحسن حالاً من ظاهر هؤلاء المسلمين اليوم الذين لا يشهدون صلاة الجماعة! يقول القرطبي رحمه الله تعالى معلقاً على قول النبي ﵌: (أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً): وذلك لأن صلاة العشاء تأتي وقد أتعبهم عمل النهار، فيثقل عليهم القيام إليها، وصلاة الصبح تأتي والنوم أحب إليهم من مفروح به، ولولا السيف ما قاموا.
انتهى كلام القرطبي.
ما أصدق قول رسول ﷺ في حق هؤلاء المنافقين: (إن الله يبغض كل جعظري جواظ) الجعظري هو: الفظ الغليظ المتكبر، والجواظ هو: الجموع المنوع.
(إن الله يبغض كل جعظري جواظ صخاب في الأسواق) سخاب بالسين أو بالصاد: ذو الصخب والجلبة، يرفع صوته بالبضاعة كما يفعل بعض الناس، فهذا ليس من أدب المسلم أن يكون كثير الصخب والجلبة والزعق.
ثم يقول ﵊: (جيفة بالليل حمار بالنهار) قوله: (جيفة بالليل) أي: لا يذكر الله ، لا يصلي فجراً ولا عشاء ولا غيرهما.
قوله: (حمار بالنهار) يعني: يسعى في طلب الدنيا كالحمار طول النهار، ثم قال: (عالم بأمر الدنيا، جاهل بأمر الآخرة).
والحقيقة أن المنافق الذي هو جيفة بالليل أخف حالاً من الشخص الذي يسهر الليل أمام الأفلام والمسرحيات والأغاني والحفلات؛ لأن هذا إن كان ظالماً فالعوام يقولون: نوم الظالم عبادة؛ لأنه إذا نام يكون قليل الشر والمعاصي، فالمنافق الذي ينام بالليل يكون أخف من حال هذا الذي هو مستيقظ بالليل في معصية الله ﵎.
فالمنافقون خشب بالليل، صخب بالنهار، إذا جن عليهم الليل سقطوا نياماً كأنهم خشب، لا يذكرون الله تعالى ولا يصلون، فإذا أصبحوا تصاخبوا على الدنيا شحاً وحرصاً؛ ولهذا قال في حق الواحد منهم: (جيفة بالليل، حمار بالنهار) أي: أنه كالجيفة؛ لأنه يعمل طوال النهار لدنياه، وينام طول الليل كالج
стр. 38
المحافظة على الصلوات سبيل المؤمنين وشعار حزب الله المفلحين
إن الصلاة سبيل المؤمنين، وشعار حزب الله المفلحين وأوليائه المرحومين، ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:١١٥] فالصلاة معلم أساسي ورئيسي من معالم سبيل المؤمنين، فلا يتصور أن مؤمناً لا يصلي، هذا شيء غير وارد؛ فلذلك من الشعائر الظاهرة لأهل الإيمان وأولياء الله وحزب الله المحافظة على الصلاة، فمن لم يصل فهو ليس من حزب الله، إنما هو من حزب الشيطان الخاسرين، وهو عدو الله ورسوله والمؤمنين؛ لأن ولي الله لا بد أن يكون مقيماً للصلاة؛ لأنه لا يتوقع أبداً ولا يتصور أن ولياً من أولياء الله يستحق صفة الولاية ثم هو لا يصلي، بل قطعاً الذي لا يصلي بدون عذر وعمداً أنه من أولياء الشيطان، وهو من حزب الشيطان الخاسرين، يقول تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:٧١].
وعن إبراهيم ومجاهد في تفسير قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ [الكهف:٢٨] (بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ) قالا: الصلوات الخمس.
وعن عمرو بن مرة الجهني رضي الله تعالى عنها قال: (جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! أرأيت إن شهدت أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، وصليت الصلوات الخمس، وأديت الزكاة، وصمت رمضان وقمته، فممن أنا؟ قال: من الصديقين والشهداء) فهؤلاء المصلون هم أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، قال الله عنهم: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٢ - ٦٣].
إذاً: كل من آمن واتقى فهو ولي من أولياء الله، وليست الولاية حكراً على طبقة خاصة، كما يزعم بعض الصوفية أن الولاية متوارثة لطبقات معينة، بل ولاية الله باب مفتوح لكل الناس، فكل واحد إما أنه ولي لله أو ولي للشيطان، ولا يوجد وسط، لكن المسلمون يتفاوتون في درجة الولاية.
فالناس ينقسمون إلى قسمين: أولياء الله وهم المسلمون، وأعداء الله وهم الكفار.
في مصر لما يذكر أولياء الله الصالحين تذهب الأذهان إلى الموتى، قال الشيخ أبو بكر الجزائري حفظه الله حين زارنا قبل سنوات بعيدة: أنتم هنا في مصر عندكم أولياء الله الصالحين، لقد تبادر إلى أذهانكم الموتى، أليس عندكم أولياء لله أحياء؟! ثم قال مخاطباً الإخوة: كلكم أولياء الله ما دمتم تصلون وتتقون.
إذاً: ولاية الله باب مفتوح لكل من على وجه الأرض وأراد أن يصير ولياً من أولياء الله ﵎، حتى لو كان شمعون بيريز وغيره من الكفار، فالباب مفتوح أمامهم على مصراعيه، فمن أراد أن يكون ولياً لله فهذا أمر سهل جداً، يقول : ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [يونس:٦٣ - ٦٤].
وأذكر أن الشيخ الجزائري قال: لو أني نزلت من مطار القاهرة وقلت لصاحب (التكسي): أريد أن أزور أولياء الله في القاهرة، فماذا سيفعل؟ سيطوف بي على جميع المقابر والأضرحة قبر الحسين والسيدة زينب والسيدة نفيسة إلى آخر هؤلاء الأولياء.
يعني: أن هذا المعنى فعلاً راسخ في قلوب الناس، لكن الصحيح والذي ينبغي أن ننبه الناس إليه أن باب الولاء مفتوح لكل من على وجه الأرض، فكل إنسان يستطيع أن يكون ولياً من أولياء الله، وذلك بأن ينضم إلى حزب الله ﵎.
إذاً: هؤلاء المصلون هم أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وهم الذين تبكي لفراقهم السماء والأرض إذا أفضوا إلى ربهم.
وهؤلاء هم الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، الذين افترض الله وأوجب علينا أن نسأله أن يهدينا إلى صراطهم، يقول : ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧] نسأله ذلك سبع عشرة مرة في اليوم والليلة على الأقل في الصلوات الخمس.
стр. 39
ترك الصلاة شعار أصحاب سقر الخالدين في الجحيم
إذا كانت الصلاة سبيل المؤمنين، وشعار حزب الله المفلحين وأوليائه المرحومين، فإن ترك الصلاة شعار أصحاب سقر الخالدين في الجحيم، يقول الله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ * لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ * عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر:٢٧ - ٣٠]، وقال أيضاً ﵎: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ * فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ [المدثر:٣٨ - ٤٢] انظر حيثيات الحكم عليهم بدخول سقر ﴿قَالُوا﴾ [المدثر:٤٣] باعترافهم هم ﴿لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ [المدثر:٤٣ - ٤٥] إلى آخر الآيات.
فتارك الصلاة في سقر، والمستكبرون عن الركوع لله ، والمستهترون بمواقيت الصلاة لهم الويل، يقول : ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات:٤٨ - ٤٩].
كذلك قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون:٤ - ٥] وهم المستهترون بوقت الصلاة.
والمضيعون الصلاة المفرطون فيها لهم الغي كما قال تعالى بعدما ذكر أولياءه من الأنبياء الصالحين: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم:٥٩]، فنقول لتارك الصلاة: أليس إقامة خمس صلوات في اليوم والليلة -التي لها من الفضائل ما لا يحصى- أهون من شرب الصديد، ومقطعات الحديد، ومعاناة العذاب الشديد؟!
стр. 40
الصلاة نور وبرهان ووضاءة للمؤمن في الدنيا والآخرة
إن الصلاة نور وبرهان ووضاءة، الصلاة نور يزيل ظلام الزيغ والباطل، وهي نور بكل معنى كلمة النور، نور تنور وجه صاحبها في الدنيا، وتكسوه جمالاً وبهاءً كما هو محسوس، وتنير قلبه؛ لأنها تشرق فيه أنوار المعارف، وتنير ظلمة قبره كما قال أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه: (صلوا ركعتين في ظلم الليل لظلمة القبر)، وقد قال النبي ﵌: (إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإن الله ينورها بصلاتي عليهم) أو كما قال ﷺ .
كما أن هذا النور يتلألأ على جبين المصلي يوم القيامة، يقول ﷺ : (والصلاة نور، والصدقة برهان) رواه مسلم، وهي نور في الدنيا، نور في القلب، ثم يشرق على الوجه، ونور في القبر، ونور يوم القيامة، ونور في الجنة؛ فلذلك عمم وقال: (والصلاة نور)، وقوله: (والصدقة برهان) أي: دليل وحجة وبرهان على إيمان صاحبها.
والصلاة وضاءة للوجه وإشراق له، يقول ﵎: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح:٢٩] أي: التواضع والسكينة والإخبات والخشوع في وجوههم من أثر السجود.
قال بعض المفسرين: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح:٢٩] قال: الصلاة تحسن وجوههم.
ومن رزق فراسة رأى هذا النور على وجه المصلي، بينما يرى الظلام والسواد على وجه تارك الصلاة والعياذ بالله.
وقال الحسن: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح:٢٩] أي: السمت الحسن.
يعني: أن الصلاة تحسن صورته وسمته ووجهه.
وعن منصور عن مجاهد قال: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ﴾ [الفتح:٢٩] يعني: الخشوع، فالتواضع خلق المصلي، وغير المصلي مستكبر، قال : ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات:٤٨] يستكبرون عن الركوع لله ، ولما فسر مجاهد قوله تعالى: (سِيمَاهُمْ) بالخشوع، قال منصور لـ مجاهد: ما كنت أراه إلا هذا الأثر في الوجه، فقال: ربما كان بين عيني من هو أقسى قلباً من فرعون.
فلا يعجز أحد -حتى لو كان منافقاً- أن يضغط بشدة على الحصير حتى تحصل له هذه العلامة؛ فهذه السيما في الخشوع، بحيث يتوارى الخيلاء والكبرياء، ويحل محلها التواضع النبيل، والشفافية الصافية، والوضاءة الهادئة، والذبول الخفيف الذي يزيد وجه المؤمن المصلي وضاءة وصباحة ونبلاً، فيبدو المصلي نتيجة الخشوع والخوف والرجاء والحمد والتسبيح كأنه إنسان جاء من الآخرة؛ ليحدث الناس بما شاهد هنالك، أو كإنسان انفلت من جيل الأوائل وقفز ليعيش بيننا في عصرنا.
وعن بريدة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : (بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة) صدق الصادق المصدوق ﷺ فهو حينما يبشر فقطعاً سيقع؛ لأنه كما قال الله: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤].
قوله: (بشر المشاءين) أتى بصيغة المبالغة، يعني: المحافظين على ذلك.
قوله: (بشر المشاءين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة) لأن الجزاء من جنس العمل، فكما عانيت هذه الظلمة في الخروج إلى المسجد؛ تعظيماً لصلاة الجماعة؛ يكافئك الله بالنور التام يوم القيامة.
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: (إن الله ليضيء للذين يتخللون إلى المساجد في الظلم بنور ساطع يوم القيامة).
وعن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ : (أنه ذكر الصلاة يوماً فقال: من حافظ عليها كانت له نوراً وبرهاناً ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نور ولا برهان ولا نجاة، وكان يوم القيامة مع قارون وهامان وفرعون وأبي بن خلف) بئست الصحبة، بدل أن يصاحب الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين يكون في صحبة هؤلاء المجرمين الأشقياء قارون وهامان وفرعون وأبي بن خلف.
وقال ﷺ : (ما من أمتي من أحد إلا وأنا أعرفه يوم القيامة، قالوا: وكيف تعرفهم -يا رسول الله- في كثرة الخلائق؟!) يعني: كيف تعرفهم يوم القيامة في هذا الزحام الشديد، فجميع الأمم سيحشرون في أرض واحدة، ومع ذلك كله سيعرفك النبي ﵊ يوم القيامة في وسط هذا الزحام، ويعرف أنك من أمته الذين آمنوا به ولم يروه.
يقول ﷺ (ما من أمتي من أحد إلا وأنا أعرفه يوم القيامة، قالوا: وكيف تعرفهم -يا رسول الله- في كثرة الخلائق؟! قال: أرأيت لو دخلت صيرة -يعني: حظيرة تتخذ للدواب- فيها خيل دهم -يعني: سود، والبهيم في الأصل من لا يخالط لونه لون سواه- قال: وفيها -يعني: وفي هذه الحظيرة فرس واحد فقط- أغر محجل -وأصل الغرة بياض في وجه الفرس- أما كنت تعرفه منها؟ قال: بلى، قال: فإن أمتي يومئذ غر من السجود، محجلون من الوضوء).
следующие страницы →