Полный текст (182 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
تنزيه الصلاة لمن أداها عن وصف النفاق
إذا كانت الصلاة إيماناً، وترك الصلاة كفراً، وهي تبرئ الإنسان وتنزهه عن وصف الكفر، فهي كذلك تنزهه عن وصف النفاق، فقد جاءت نصوص كثيرة تدل على هذا.
منها: قول النبي ﵌: (من صلى لله أربعين يوماً في جماعة يدرك التكبيرة الأولى، كتب له براءتان: براءة من النار، وبراءة من النفاق) حديث حسن.
ونحن نتكلم عن جنس الصلاة سواء كانت نافلة أم فريضة، فالصلاة تكون سبباً في البراءة من النفاق، وسبباً في البراءة من النار.
وعن أبي سعيد ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (يكشف ربنا عن ساقه فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياء وسمعة، فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقاً واحداً) أخرجه البخاري.
إذاً: السجود يميز الله به يوم القيامة بين المؤمن وبين المنافق.
стр. 37
حال المنافقين مع الصلاة
لقد بين الله ﵎ ورسوله ﷺ أن ترك الصلاة نفاق، يقول تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء:١٤٢] قوله: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ) أي: يظهرون الإسلام، وقوله: (وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى) أي: أنهم كانوا يصلون، لكن يقومون إلى الصلاة وهم كسالى، وقوله: (يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا) يعني: يصلون مراءاة، وهم متكاسلون متثاقلون لا يرجون ثواباً، ولا يعتقدون على تركها عقاباً.
روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: (يكره أن يقوم الرجل إلى الصلاة وهو كسلان، لكن يقوم إليها طلق الوجه، عظيم الرغبة، شديد الفرح، فإنه يناجي الله، وإن الله تجاهه يغفر له، ويجيبه إذا دعاه).
ونحن نلاحظ حين تقام الصلاة أن بعض الناس يتأخرون ويتثاقلون عنها، كأنه يحمل جبلاً فوق رأسه إلى أن يصل إلى الصف، وهذا مخالف للآداب الشرعية، بل هذه الصفة من صفات المنافقين، فإنهم إذا قاموا للصلاة قاموا كسالى، وعلام يكسل وهو يقبل على هذه النفحات؟ والرسول ﷺ نص على نفس هذا المعنى في قوله: (احضروا الذكر وادنوا من الإمام، فإن الرجل لا يزال يتباعد حتى يؤخر في الجنة وإن دخلها).
قوله: (احضروا الذكر وادنوا من الإمام) أي: السنة الاقتراب من الإمام، وكلما اقتربت من الإمام فإن ذلك أفضل.
قوله: (فإن الرجل لا يزال يتباعد حتى يؤخر في الجنة وإن دخلها) أي: حتى لو استحق دخول الجنة، لكنه كما تعمد التأخر عن صفوف الصلاة نتيجة التكاسل فإنه وإن دخل الجنة سيؤخر في منزلته ومرتبته.
قوله: (حتى يؤخر في الجنة وإن دخلها) يعني: من يتأخر يؤخره الله، والجزاء من جنس العمل.
وقال في شأن المنافقين أيضاً: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى﴾ [التوبة:٥٤] قوله: (وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى) قال ابن عباس: (إن كان في جماعة صلى، وإن انفرد لم يصل) يعني: شأن المنافق إن كان في جماعة من الناس يرونه فإنه يصلي مراءة لهم، وإن انفرد ولم يطلع عليه أحد من البشر لم يصل.
فهذا المنافق هو الذي لا يرجو على الصلاة ثواباً، ولا يخشى في تركها عقاباً؛ لأن النفاق يورث الكسل في العبادة لا محالة، وإنما يدفعهم إلى الصلاة الرغبة في إرضاء الناس، والتظاهر بالإيمان فراراً من الذم، وسعياً إلى الكسب والمغنم، وهم إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى، ولا يؤدونها بخشوع وحضور قلب، بل يؤدونها وهم شاردون عن الخالق إلى المخلوق كما قال ﵎ في شأنهم: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون:٤ - ٧].
قوله: (الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ): يقول ابن كثير: إما عن وقتها الأول فيؤخرونها إلى آخره دائماً أو غالباً، وإما عن أدائها بأركانها وشروطها على الوجه المأمور به، وإما عن الخشوع فيها والتدبر لمعانيها، فاللفظ يشمل ذلك كله، ولكن من اتصف بشيء من ذلك فله قسط من هذه الآية، ومن اتصف بجميع ذلك فقد تم له نصيبه منها، وكمل له النفاق العملي.
يعني: هؤلاء المنافقون الذين يقول الله فيهم: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون:٤] هم مصلون، لكن ما صفة صلاتهم؟ ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون:٥] وهذا فيمن يضيع وقتها، فكيف بمن يهجرها كلها ويتركها بالكلية؟! يقول ابن مسعود رضي الله تعالى عنه في شأن صلاة الجماعة: (ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان يؤتى بالرجل، يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف) رواه مسلم.
قوله: (ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق) أي: مغموز ومشهور بالنفاق.
قوله: (ولقد كان يؤتى بالرجل يهادى بين الرجلين) يعني: أن الرجل من الصحابة إذا كان مريضاً شديد المرض قد عذره الله ، لكن قلبه لم يطق أن يتخلف عن صلاة الجماعة، فكان يأتي إلى المسجد مستنداً على رجلين يمشي بينهما يتمايل من شدة الضعف، وهؤلاء هم المؤمنون الخلص، عذر الله أبدانهم فلم تطق قلوبهم.
وعن ابن عمر ﵄ قال: (كنا إذا فقدنا الرجل في الفجر والعشاء أسأنا به الظن) يعني: أن يكون من المنافقين.
وقال ﷺ في موقف المنافقين من صلاة العشاء: (ولو علم أحدهم أنه يجد عظماً سميناً لشهدها) رواه مسلم.
يعني: من صفات المنافقين أنهم يبحثون عن الأمور المادية والأمور الدنيوية؛ لأن الدنيا تدفعهم وتؤزهم أزاً.
لو أن محلاً من المحلات التجارية أعلن عن تخفيض بنسبة (٩٠%) مثلاً ماذا تتوقعون أن يحصل في اليوم التالي؟ ستجد الناس يتسارعون للشراء من هذا المحل، فكذلك بين النبي ﵌ موقف المنافقين من الصلاة، بحيث لو قيل لهم: إن من أتى المسجد في صلاة العشاء سيجد عظماً سميناً؛ لما تخلف منهم أحد؛ من أجل أن ينال هذا العظم السمين.
إذاً: المنافقون لو لاح لهم شيء من الدنيا لبادروا إليه، فهذا شأنهم ودأبهم، إن قلت: حيّ على الشهوات طاروا إليها خفافاً وثقالاً، وإن قلت حيّ على الصلاة قاموا إليها كسالى، لهم في المعاصي وثبات، وفي الطاعة سكون وثبات.
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: (أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً) قوله: (لو يعلمون ما فيهما) يعني: لو عندهم يقين، لكن ليس عندهم يقين، فالدافع غير موجود؛ لأنه ليس عندهم تصديق ولا يقين بهذا الوعد، وهو ثواب الصلاة.
قوله: (لأتوهما ولو حبواً) يعني: يحبو كما يحبو الصبي.
يقول ﷺ : (ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلاً فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار) متفق عليه.
يعني: أن تارك صلاة الجماعة يستحق أن يعاقب بتحريق بيته عليه، لكن المانع من ذلك هو ما فيه من الأطفال والذرية كما جاء في رواية ضعيفة، فحتى لا يتعدى الضرر إلى من لا يستحق العقوبة ممن لا تجب عليه صلاة الجماعة من الأطفال والنساء والصبيان فمن أجل ذلك فقط امتنع النبي ﵊ من تحريق بيوت هؤلاء المتخلفين عن صلاة الجماعة، أو بعبارة أخرى أنه هم أن يفعل ذلك ولم يفعل؛ لأن صلاة الجماعة واجبة عليه، فلو استخلف رجلاً لفاتته الجماعة الأولى، ولأجل ذلك لم يفعل.
وقول النبي ﵌: (أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر) يفهم من هذا أنهم يشهدون غيرهما من الصلاة؛ لأنهم في النهار لا يستطيعون التستر والتخلف، أما الفجر والعشاء فكل منهما صلاة ليلية، والمساجد ما كانت مضاءة بهذه الصورة فيما مضى، فالمنافق يتستر وراء ظلام الليل في الفجر والعشاء؛ لأن الناس لا يرونه في الظلام غالباً، أما في النهار فإنه يرائي بالصلاة؛ كي يحقن دمه وماله، ويأخذ حكم الإسلام، فمن أجل ذلك كانوا يشهدون الصلوات النهارية، أما صلاة الفجر والعشاء فكانوا يتثاقلون عنهما، فكيف بمن يدعي الإسلام والإيمان ولا يشهد الصلوات الخمس كلها في الجماعة، فظاهر المنافقين في عهد النبوة كان أحسن حالاً من ظاهر هؤلاء المسلمين اليوم الذين لا يشهدون صلاة الجماعة! يقول القرطبي رحمه الله تعالى معلقاً على قول النبي ﵌: (أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً): وذلك لأن صلاة العشاء تأتي وقد أتعبهم عمل النهار، فيثقل عليهم القيام إليها، وصلاة الصبح تأتي والنوم أحب إليهم من مفروح به، ولولا السيف ما قاموا.
انتهى كلام القرطبي.
ما أصدق قول رسول ﷺ في حق هؤلاء المنافقين: (إن الله يبغض كل جعظري جواظ) الجعظري هو: الفظ الغليظ المتكبر، والجواظ هو: الجموع المنوع.
(إن الله يبغض كل جعظري جواظ صخاب في الأسواق) سخاب بالسين أو بالصاد: ذو الصخب والجلبة، يرفع صوته بالبضاعة كما يفعل بعض الناس، فهذا ليس من أدب المسلم أن يكون كثير الصخب والجلبة والزعق.
ثم يقول ﵊: (جيفة بالليل حمار بالنهار) قوله: (جيفة بالليل) أي: لا يذكر الله ، لا يصلي فجراً ولا عشاء ولا غيرهما.
قوله: (حمار بالنهار) يعني: يسعى في طلب الدنيا كالحمار طول النهار، ثم قال: (عالم بأمر الدنيا، جاهل بأمر الآخرة).
والحقيقة أن المنافق الذي هو جيفة بالليل أخف حالاً من الشخص الذي يسهر الليل أمام الأفلام والمسرحيات والأغاني والحفلات؛ لأن هذا إن كان ظالماً فالعوام يقولون: نوم الظالم عبادة؛ لأنه إذا نام يكون قليل الشر والمعاصي، فالمنافق الذي ينام بالليل يكون أخف من حال هذا الذي هو مستيقظ بالليل في معصية الله ﵎.
فالمنافقون خشب بالليل، صخب بالنهار، إذا جن عليهم الليل سقطوا نياماً كأنهم خشب، لا يذكرون الله تعالى ولا يصلون، فإذا أصبحوا تصاخبوا على الدنيا شحاً وحرصاً؛ ولهذا قال في حق الواحد منهم: (جيفة بالليل، حمار بالنهار) أي: أنه كالجيفة؛ لأنه يعمل طوال النهار لدنياه، وينام طول الليل كالج
стр. 38
المحافظة على الصلوات سبيل المؤمنين وشعار حزب الله المفلحين
إن الصلاة سبيل المؤمنين، وشعار حزب الله المفلحين وأوليائه المرحومين، ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:١١٥] فالصلاة معلم أساسي ورئيسي من معالم سبيل المؤمنين، فلا يتصور أن مؤمناً لا يصلي، هذا شيء غير وارد؛ فلذلك من الشعائر الظاهرة لأهل الإيمان وأولياء الله وحزب الله المحافظة على الصلاة، فمن لم يصل فهو ليس من حزب الله، إنما هو من حزب الشيطان الخاسرين، وهو عدو الله ورسوله والمؤمنين؛ لأن ولي الله لا بد أن يكون مقيماً للصلاة؛ لأنه لا يتوقع أبداً ولا يتصور أن ولياً من أولياء الله يستحق صفة الولاية ثم هو لا يصلي، بل قطعاً الذي لا يصلي بدون عذر وعمداً أنه من أولياء الشيطان، وهو من حزب الشيطان الخاسرين، يقول تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:٧١].
وعن إبراهيم ومجاهد في تفسير قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ [الكهف:٢٨] (بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ) قالا: الصلوات الخمس.
وعن عمرو بن مرة الجهني رضي الله تعالى عنها قال: (جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! أرأيت إن شهدت أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، وصليت الصلوات الخمس، وأديت الزكاة، وصمت رمضان وقمته، فممن أنا؟ قال: من الصديقين والشهداء) فهؤلاء المصلون هم أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، قال الله عنهم: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٢ - ٦٣].
إذاً: كل من آمن واتقى فهو ولي من أولياء الله، وليست الولاية حكراً على طبقة خاصة، كما يزعم بعض الصوفية أن الولاية متوارثة لطبقات معينة، بل ولاية الله باب مفتوح لكل الناس، فكل واحد إما أنه ولي لله أو ولي للشيطان، ولا يوجد وسط، لكن المسلمون يتفاوتون في درجة الولاية.
فالناس ينقسمون إلى قسمين: أولياء الله وهم المسلمون، وأعداء الله وهم الكفار.
في مصر لما يذكر أولياء الله الصالحين تذهب الأذهان إلى الموتى، قال الشيخ أبو بكر الجزائري حفظه الله حين زارنا قبل سنوات بعيدة: أنتم هنا في مصر عندكم أولياء الله الصالحين، لقد تبادر إلى أذهانكم الموتى، أليس عندكم أولياء لله أحياء؟! ثم قال مخاطباً الإخوة: كلكم أولياء الله ما دمتم تصلون وتتقون.
إذاً: ولاية الله باب مفتوح لكل من على وجه الأرض وأراد أن يصير ولياً من أولياء الله ﵎، حتى لو كان شمعون بيريز وغيره من الكفار، فالباب مفتوح أمامهم على مصراعيه، فمن أراد أن يكون ولياً لله فهذا أمر سهل جداً، يقول : ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [يونس:٦٣ - ٦٤].
وأذكر أن الشيخ الجزائري قال: لو أني نزلت من مطار القاهرة وقلت لصاحب (التكسي): أريد أن أزور أولياء الله في القاهرة، فماذا سيفعل؟ سيطوف بي على جميع المقابر والأضرحة قبر الحسين والسيدة زينب والسيدة نفيسة إلى آخر هؤلاء الأولياء.
يعني: أن هذا المعنى فعلاً راسخ في قلوب الناس، لكن الصحيح والذي ينبغي أن ننبه الناس إليه أن باب الولاء مفتوح لكل من على وجه الأرض، فكل إنسان يستطيع أن يكون ولياً من أولياء الله، وذلك بأن ينضم إلى حزب الله ﵎.
إذاً: هؤلاء المصلون هم أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وهم الذين تبكي لفراقهم السماء والأرض إذا أفضوا إلى ربهم.
وهؤلاء هم الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، الذين افترض الله وأوجب علينا أن نسأله أن يهدينا إلى صراطهم، يقول : ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧] نسأله ذلك سبع عشرة مرة في اليوم والليلة على الأقل في الصلوات الخمس.
стр. 39
ترك الصلاة شعار أصحاب سقر الخالدين في الجحيم
إذا كانت الصلاة سبيل المؤمنين، وشعار حزب الله المفلحين وأوليائه المرحومين، فإن ترك الصلاة شعار أصحاب سقر الخالدين في الجحيم، يقول الله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ * لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ * عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر:٢٧ - ٣٠]، وقال أيضاً ﵎: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ * فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ [المدثر:٣٨ - ٤٢] انظر حيثيات الحكم عليهم بدخول سقر ﴿قَالُوا﴾ [المدثر:٤٣] باعترافهم هم ﴿لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ [المدثر:٤٣ - ٤٥] إلى آخر الآيات.
فتارك الصلاة في سقر، والمستكبرون عن الركوع لله ، والمستهترون بمواقيت الصلاة لهم الويل، يقول : ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات:٤٨ - ٤٩].
كذلك قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون:٤ - ٥] وهم المستهترون بوقت الصلاة.
والمضيعون الصلاة المفرطون فيها لهم الغي كما قال تعالى بعدما ذكر أولياءه من الأنبياء الصالحين: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم:٥٩]، فنقول لتارك الصلاة: أليس إقامة خمس صلوات في اليوم والليلة -التي لها من الفضائل ما لا يحصى- أهون من شرب الصديد، ومقطعات الحديد، ومعاناة العذاب الشديد؟!
стр. 40
الصلاة نور وبرهان ووضاءة للمؤمن في الدنيا والآخرة
إن الصلاة نور وبرهان ووضاءة، الصلاة نور يزيل ظلام الزيغ والباطل، وهي نور بكل معنى كلمة النور، نور تنور وجه صاحبها في الدنيا، وتكسوه جمالاً وبهاءً كما هو محسوس، وتنير قلبه؛ لأنها تشرق فيه أنوار المعارف، وتنير ظلمة قبره كما قال أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه: (صلوا ركعتين في ظلم الليل لظلمة القبر)، وقد قال النبي ﵌: (إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإن الله ينورها بصلاتي عليهم) أو كما قال ﷺ .
كما أن هذا النور يتلألأ على جبين المصلي يوم القيامة، يقول ﷺ : (والصلاة نور، والصدقة برهان) رواه مسلم، وهي نور في الدنيا، نور في القلب، ثم يشرق على الوجه، ونور في القبر، ونور يوم القيامة، ونور في الجنة؛ فلذلك عمم وقال: (والصلاة نور)، وقوله: (والصدقة برهان) أي: دليل وحجة وبرهان على إيمان صاحبها.
والصلاة وضاءة للوجه وإشراق له، يقول ﵎: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح:٢٩] أي: التواضع والسكينة والإخبات والخشوع في وجوههم من أثر السجود.
قال بعض المفسرين: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح:٢٩] قال: الصلاة تحسن وجوههم.
ومن رزق فراسة رأى هذا النور على وجه المصلي، بينما يرى الظلام والسواد على وجه تارك الصلاة والعياذ بالله.
وقال الحسن: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح:٢٩] أي: السمت الحسن.
يعني: أن الصلاة تحسن صورته وسمته ووجهه.
وعن منصور عن مجاهد قال: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ﴾ [الفتح:٢٩] يعني: الخشوع، فالتواضع خلق المصلي، وغير المصلي مستكبر، قال : ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات:٤٨] يستكبرون عن الركوع لله ، ولما فسر مجاهد قوله تعالى: (سِيمَاهُمْ) بالخشوع، قال منصور لـ مجاهد: ما كنت أراه إلا هذا الأثر في الوجه، فقال: ربما كان بين عيني من هو أقسى قلباً من فرعون.
فلا يعجز أحد -حتى لو كان منافقاً- أن يضغط بشدة على الحصير حتى تحصل له هذه العلامة؛ فهذه السيما في الخشوع، بحيث يتوارى الخيلاء والكبرياء، ويحل محلها التواضع النبيل، والشفافية الصافية، والوضاءة الهادئة، والذبول الخفيف الذي يزيد وجه المؤمن المصلي وضاءة وصباحة ونبلاً، فيبدو المصلي نتيجة الخشوع والخوف والرجاء والحمد والتسبيح كأنه إنسان جاء من الآخرة؛ ليحدث الناس بما شاهد هنالك، أو كإنسان انفلت من جيل الأوائل وقفز ليعيش بيننا في عصرنا.
وعن بريدة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : (بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة) صدق الصادق المصدوق ﷺ فهو حينما يبشر فقطعاً سيقع؛ لأنه كما قال الله: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤].
قوله: (بشر المشاءين) أتى بصيغة المبالغة، يعني: المحافظين على ذلك.
قوله: (بشر المشاءين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة) لأن الجزاء من جنس العمل، فكما عانيت هذه الظلمة في الخروج إلى المسجد؛ تعظيماً لصلاة الجماعة؛ يكافئك الله بالنور التام يوم القيامة.
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: (إن الله ليضيء للذين يتخللون إلى المساجد في الظلم بنور ساطع يوم القيامة).
وعن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ : (أنه ذكر الصلاة يوماً فقال: من حافظ عليها كانت له نوراً وبرهاناً ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نور ولا برهان ولا نجاة، وكان يوم القيامة مع قارون وهامان وفرعون وأبي بن خلف) بئست الصحبة، بدل أن يصاحب الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين يكون في صحبة هؤلاء المجرمين الأشقياء قارون وهامان وفرعون وأبي بن خلف.
وقال ﷺ : (ما من أمتي من أحد إلا وأنا أعرفه يوم القيامة، قالوا: وكيف تعرفهم -يا رسول الله- في كثرة الخلائق؟!) يعني: كيف تعرفهم يوم القيامة في هذا الزحام الشديد، فجميع الأمم سيحشرون في أرض واحدة، ومع ذلك كله سيعرفك النبي ﵊ يوم القيامة في وسط هذا الزحام، ويعرف أنك من أمته الذين آمنوا به ولم يروه.
يقول ﷺ (ما من أمتي من أحد إلا وأنا أعرفه يوم القيامة، قالوا: وكيف تعرفهم -يا رسول الله- في كثرة الخلائق؟! قال: أرأيت لو دخلت صيرة -يعني: حظيرة تتخذ للدواب- فيها خيل دهم -يعني: سود، والبهيم في الأصل من لا يخالط لونه لون سواه- قال: وفيها -يعني: وفي هذه الحظيرة فرس واحد فقط- أغر محجل -وأصل الغرة بياض في وجه الفرس- أما كنت تعرفه منها؟ قال: بلى، قال: فإن أمتي يومئذ غر من السجود، محجلون من الوضوء).
стр. 41
ترك الصلاة سواد وظلمة وهلكة في الدنيا والآخرة
إذا كانت الصلاة نوراً وبرهاناً فإن ترك الصلاة سواداً وظلمة وهلكة في الدنيا والآخرة؛ لأن ترك الصلاة يظلم القلب، ويسود الوجه؛ لأن الطاعة نور والمعصية ظلمة، وكلما قويت الظلمة ازدادت الحيرة، حتى يقع تاركها في الضلالات وهو لا يشعر، كأعمى خرج في ظلمة وحده.
وتقوى هذه الظلمة مع الإصرار على ترك الصلاة والعياذ بالله في قلبه، حتى تظهر وتعلو وتطفح وتفيض على الوجه والعين، فيصير سواداً يدركه أهل البصائر، وتحصل حين ذلك الوحشة بينه وبين الناس لاسيما أهل الخير، فيجد وحشة بينه وبينهم، وكلما قويت تلك الوحشة بعد منهم وحرم بركة النفع بهم، وقرب من حزب الشيطان بقدر ما بعد من حزب الرحمن، إلى أن ينتهي به الحال في المآل إلى أن يقترن بصحبة السوء، وعصبة الأشرار يوم العرض على الملك الجبار ﴿أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المجادلة:١٩].
وعن عبد الله بن عمرو ﵄ الله عنهما، أن رسول الله ﷺ قال: (من حافظ على الصلاة كانت له نوراً وبرهاناً ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نور ولا برهان ولا نجاة يوم القيامة، وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبي بن خلف) يعني: يتباعد عن المؤمنين ويحشر مع أعداء الله .
يقول بعض أهل العلم: وإنما يحشر تارك الصلاة مع هؤلاء الأربعة؛ لأنه إنما يشتغل عن الصلاة بماله أو بملكه أو بوزارته أو تجارته، فإن اشتغل بماله عن الصلاة حشر مع قارون، وإن اشتغل بملكه حشر مع فرعون، وإن اشتغل بوزارته حشر مع هامان وزير فرعون، وإن اشتغل بتجارته حشر مع أبي بن خلف تاجر الكفار بمكة، فما أنقص عقل من باع مرافقة الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين بمرافقة الذين غضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيراً.
стр. 42
ترك الصلاة مصيبة وبلاء ومحبط للعمل
إن ترك الصلاة مصيبة وبلاء، وأي مصيبة، يقول ﵌: (من فاتته الصلاة فكأنما وتر أهله وماله) هذه الرواية موجودة في صحيح ابن حبان وغيره مطلقة، لم ينص على صلاة العصر كما هو معروف في الرواية المشهورة.
قوله: (من فاتته الصلاة فكأنما وتر أهله وماله) يعني: أصيب في أهله وماله، وهذا مثل قوله ﵎: ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٥] ومعنى (وتر) أي: نقص وسلب، فبقي وتراً بلا أهل ولا مال، فليحذر الإنسان من فوات الصلاة كحذره من ذهاب أهله وماله.
وفي لفظ عند عبد الرزاق: (لأن يوتر أحدكم أهله وماله، خير له من أن يفوته وقت صلاة) يعني: لو أن رجلاً رجع إلى بيته فوجد البيت قد سقط وانهار على ماله وأهله، فكم ستكون مصيبته؟! لكن الذي فاتته صلاة واحدة فمصيبته أشد من مصيبة هذا الإنسان.
وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله) متفق عليه.
وإذا صحت رواية عبد الرزاق: (لأن يوتر أحدكم أهله وماله خير له من أن يفوته وقت صلاة) فهي تدل على أن قوله ﵊: (من فاتته الصلاة فكأنما وتر أهله وماله) عام أريد به الخصوص، وهو خصوص صلاة العصر، والذي خصه هذه الرواية: (الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله).
الموتور: هو من أخذ أهله وماله وهو ينظر إليهم، فهذا أشد في غمه، فمن يكون حاضراً وماله يحترق مثلاً، وأهله يحترقون أجمعين فهو أشد غماً، فمن فاتته الصلاة أشبه هذا الموتور؛ لاجتماع غم الإثم ونكد المعصية نفسها، وهي ترك الصلاة أو تفويت الصلاة حتى خرج وقتها، وكذلك غم فقد الثواب كما يجتمع على الموتور غمان: غم السلب، وغم الطلب بالثأر.
وعن بريدة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من ترك الصلاة حبط عمله) رواه البخاري.
стр. 43
ترك الصلاة سبب تنغيص العيش وفقدان الإحساس بالذنوب والعذاب في الآخرة
لقد توعد الله من أعرض عن ذكره فقال : ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٤] فليبشر تارك الصلاة بمحاربة الله إياه، بتنغيص عيشه، وتكدير قلبه، وتشتيت همه، وتفريق شمله، وحضور فقره، وفساد أحواله، ولعذاب الآخرة أشد وأخزى.
قد يقول قائل: نحن نرى تارك الصلاة غادياً رائحاً لا يحس بعظم وزره وشناعة فعله، ولا يشعر بعقوبة الله تعالى إياه، ولا يشعر بأنه مبتلى بهذه المصيبة، فما سبب ذلك؟! السبب هو ما قاله الشاعر: ما لجرح بميت إيلام الميت إذا وخزته بسكين هل يتألم؟! إذاً: السبب أنه فقد الإحساس بالمصيبة، فهو في مصيبة ومع ذلك لا يحس؛ لأن الإحساس من نعم الله للعبد، بل الإحساس في البدن يحميك من الأخطار، فلو أمسكت شيئاً فجأة وكان هذا الشيء حاراً جداً، ففي الحال هذا الإحساس بالحرارة يجعلك تبعد يديك فوراً عنه، وإذا لمست مسماراً فبسرعة تحاول أن تهرب منه، حتى لا يتوغل في جلدك مثلاً، وهكذا؛ لذلك مريض السرطان الذي يهمل علاجه يفقد إحساسه مع الوقت، فبالتالي يسهل جداً إدخال زجاجة أو مسمار في جسمه دون إحساس، ويتطور الأمر في النهاية إلى أن يحصل له بتر في الساق؛ والسبب أنه لا يوجد لديه إحساس.
فإذاً: الشخص الذي ليس عنده إحساس بالمصيبة تتراكم وتتكاثر عليه الذنوب إلى أن تهلكه وهو لا يشعر، فالإحساس في القلب مهم جداً، ولذلك أعطانا النبي ﵌ هذا المقياس فقال: (إذا سرتك حسنتك، وساءتك سيئتك، فأنت مؤمن) يعني: إذا كان في قلبك الإحساس فأنت بخير، أما من كان بخلاف ذلك ممن زين له سوء عمله فرآه حسناً، فكيف سيتوب وهو يرى أن عمله سيقربه إلى الله؟! ولذلك فإن المبتدع أسوأ حالاً من العاصي المرتكب للكبائر؛ لأن العاصي إذا فعل شيئاً من المحرمات فإنه يعتقد أن هذا حرام، والهوى غلبه، والشيطان صور له المعصية وزينها، لكن المبتدع هل يرجى له توبة؟ لا يرجى له توبة إلا أن يشاء الله؛ لأنه زين له سوء عمله، ويرى عمله المبتدع حسناً يقربه إلى الله، فلذلك لا يتوب.
الشاهد من الكلام: أن عقوبات الله تتنوع وتتلون، وبعضها أخطر من بعض، فهناك عقوبات كونية قدرية كالزلازل والخسف والصواعق وغير ذلك، وهناك عقوبات شرعية إرادية كقطع يد السارق وجلد الزاني ورجمه إلى آخره.
стр. 44
ترك الصلاة سبب للحرمان من رؤية الله في الجنة
عن جرير بن عبد الله البجلي رضي الله تعالى عنه أنه قال: (كنا عند النبي ﷺ فنظر إلى القمر ليلة البدر، فقال: إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته -أو لا تضارون في رؤيته-، فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، فافعلوا، ثم قرأ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق:٣٩]) متفق عليه.
قوله: (كنا عند النبي ﷺ فنظر إلى القمر ليلة البدر) يعني: حين استتم القمر بدراً.
قوله: (إنكم سترون ربكم كما سترون هذا القمر) هنا ليس تشبيهاً للمرئي بالمرئي معاذ الله، لكن المقصود تشبيه الرؤية بالرؤية، ووجه الشبه هو شدة الوضوح، يعني: إذا كانت السماء صحواً ليس دونها سحاب، وإذا كان القمر بدراً مكتملاً ليس هلالاً دقيقاً لا يرى إلا بصعوبة؛ فلا شك أن رؤية القمر في هذه الحالة تكون واضحة تماماً، فوجه الشبه بين الطرفين هو شدة وضوح الرؤية في كل منهما.
زاد ذلك المعنى وضوحاً قوله ﷺ : (كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته) قوله: (لا تضامون) بتشديد الميم وتخفيفها، فعلى معنى التشديد: (لا تضامّون) يعني: لا ينضم بعضكم إلى بعض وتزدحمون وقت النظر إليه؛ لأن الناس إذا كانوا يتراءون الهلال في أول ليلة متوقعة من الشهر، فإنهم يحتاجون إلى أن ينضم بعضهم إلى بعض، وأن يزدحم بعضهم إلى بعض؛ لأن الرؤية غير واضحة، أما رؤية الله فهي كرؤية القمر في الصورة التي ذكرنا واضحة، لا تحتاجون إلى أن ينضم بعضكم إلى بعض، ولا أن تزدحموا وقت النظر إليه.
أما على رواية التخفيف: (لا تضامُون) يعني: لا ينالكم ضيم في رؤيته؛ لأن الضيم: هو الظلم، فلا يقع الضيم بأن يرى بعضهم دون بعض، فيظلم أو يحرم الذي لا يرى، فالمؤمنون ينظرون إلى ربهم ﵎ يوم القيامة أو في الجنة جميعهم يستوون في رؤيته، ليس بعضهم يرى دون البعض الآخر، ولا شك أن التشبيه هنا غير تام، بل التشبيه هنا في مطلق الرؤية، وفي شدة وضوح الرؤية، بما يليق بالله ﵎، لكن قطعاً هي رؤية حقيقة كما قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢].
ورؤية أهل الجنة لربهم ﵎ هي الغاية العظمى التي شمر إليها المشمرون، وتنافس عليها المتنافسون، وتسابق فيها المتسابقون، ولمثلها فليعمل العاملون، إذا نالها أهل الجنة نسوا ما هم فيه من النعيم.
أما من حرم وحجب عن الرؤية من أهل النار، فهذا الحرمان أشد عليهم من عذاب الجحيم، قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥].
عن الحسن رحمه الله تعالى قال: لو علم العابدون أنهم لا يرون ربهم يوم القيامة لماتوا.
يعني: حزناً وكمداً.
وفي رواية عنه: لو علم العابدون أنهم لا يرون ربهم يوم القيامة لذابت أنفسهم.
وعن نافع -وكان من عباد الجزيرة- أنه كان يقول: ليت ربي جعل ثوابي من عملي نظرة مني إليه، ثم يقول لي: يا نافع كن تراباً.
стр. 45
المحافظة على الصلاة سبب في رؤية الله ﵎ في الجنة
إن المحافظة على الصلاة بقالبها وروحها والإكثار من النوافل لها من التأثير ما لا يعرف لغيرها من الأعمال في صفاء القلب، وذكاء النفس، وطهارة الوجدان، وسمو الروح.
والصلاة تؤهل النفس لتلقي التجليات الأخروية، واستقبال النفحات الإلهية، فالمحافظة على الصلاة بكل أنواعها أحد المؤهلات التي تؤهل لرؤية الله ﵎ في جنة الرضوان، وقد ربط النبي ﵌ بين رؤية الرب ﵎ وبين الصلاة، وخص بالذكر صلاتين مخصوصتين، يقول ﵊: (إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة أي: لا تضيعوا أو تفرطوا أو تفوتكم- قبل طلوع الشمس -وهي صلاة الفجر- وقبل غروبها -وهي صلاة العصر- فافعلوا، ثم قرأ قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق:٣٩]) والحديث في أعلى درجات الصحة متفق عليه.
وعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: (إن في الجنة لسوقاً يأتونها كل جمعة، فتهب ريح الشمال فتحثو في وجوههم وثيابهم؛ فيزدادون حسناً وجمالاً، فيرجعون إلى أهليهم وقد ازدادوا حسناً وجمالاً، فيقول لهم أهلوهم: والله لقد ازددتم بعدنا حسناً وجمالاً، فيقولون: وأنتم والله لقد ازددتم بعدنا حسناً وجمالاً) رواه مسلم.
وذلك لأن أهل الجنة يجتمعون في يوم الجمعة الذي يسمى في الجنة يوم المزيد، وقد روي في بعض الأحاديث: (أن الله تعالى يتجلى لهم فيه، ويحاضر كلاً منهم محاضرة).
стр. 46
خاتمة موجزة عن فضائل وخصائص الصلاة وحكم تاركها
تضييع الصلاة أمر خطير جداً، فالصلاة هي أعظم الأركان بعد الشهادتين، وهي من أهم أمور الدين، وهي توءم الفرائض والأركان، وهي أم العبادات، وهي أمر وتكليف من الله ، وقد كانت الوصية الأخيرة لرسول الله ﵌ قبل أن يفارق الدنيا، وهي مرآة عمل المسلم وميزان تعظيم الدين في قلب المؤمن، وهي دعامة جميع الشرائع السماوية، لم تخل منها شريعة نبي مرسل، وهي شعار دار الإسلام، وهي إيمان، وبراءة من النفاق، وهي سبيل المؤمنين، وشعار حزب الله المفلحين، وأوليائه المرحومين، وهي خير موضوع، وهي زلفى وقربى إلى الله ، وهي مدرسة خلقية، وراحة وسعادة وقرة عين، ونور وبرهان وضياء، وشكر نعم الله وتعالى، وتحرير للبشرية، وناهية عن المنكرات، وعاصمة من الشهوات، وكفارة للسيئات، وماحية للخطيئات، وملجأ المؤمن في الكربات، وهي حفظ وحماية، ومجلبة للرزق، ومفتاح هداية لكثير من غير المسلمين حيث اهتدوا بسبب رؤية الصلاة وتأملهم فيها.
وترك الصلاة كفر، وترك الصلاة من أكبر الكبائر الموبقة، وترك الصلاة نفاق، وترك الصلاة سواد وظلمة وهلكة في الدنيا والآخرة، وترك الصلاة من أسباب سوء الخاتمة والعياذ بالله، وترك الصلاة من أسباب عذاب القبر، وترك الصلاة شعار أصحاب سقر، وترك الصلاة سبب للغرق في الشهوات وترك الصلاة مصيبة وبلاء.
стр. 47
الصلاة أول الإسلام وآخره
من فضائل الصلاة أنها أول الإسلام وآخره، فهي أول فروض الإسلام بعد الشهادتين كما سبق بيان ذلك، كما أنها أول ما نسأل عنه من حقوق الله يوم القيامة، فعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله الصلاة، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر، وإن انتقص من فريضة قال الرب: انظروا هل لعبدي من تطوع، فيكمل بها ما انتقص من الفريضة، ثم يكون سائر عمله على ذلك) إن الصلاة أول ما نسأل عنه من حقوق الله يوم القيامة، أما أول ما نسأل عنه من حقوق المخلوقين فكما ورد عن النبي ﷺ أنه قال: (أول ما يقضى فيه بين العباد يوم القيامة الدماء) يعني: القتل وإراقة الدماء.
إذاً: لا تعارض بين هذا وذاك؛ لأن الصلاة كما ذكرنا هي أول ما نسأل عنه من حقوق الله ، والدماء أول ما نحاسب عليه من حقوق البشر، وهو حفظ دمائهم من أن تراق وتسفك هدراً.
أيضاً الصلاة آخر ما يفقد من الدين، فعن زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : (أول ما يرفع من الناس الأمانة، وآخر ما يبقى من دينهم الصلاة، ورب مصل لا خلاق له عند الله تعالى) يعني: لا نصيب له ولا ثواب.
وعن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : (لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة، فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها، فأولهن نقضاً الحكم، وآخرهن الصلاة).
إذاً: ليس بعد الصلاة إسلام ولا دين؛ لأن هذا آخر شيء يفقد في الإسلام، فمعناه: إذا ضاعت الصلاة فلا يبقى إسلام ولا دين؛ لأن الصلاة هي أول الإسلام وآخره، وما ذهب أوله وآخره فقد ذهب جميعه، فمن لا تعرف عنهم الصلاة لا يعرف فيهم الإسلام.
стр. 48
الصلاة من سنن الهدى
إن الصلاة من سنن الهدى خاصة إذا أديت في جماعة، فقد قال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: (إن رسول الله ﷺ علمنا سنن الهدى، وإن من سنن الهدى الصلاة في المسجد الذي يؤذن فيه) رواه مسلم.
وعنه رضي الله تعالى عنه قال: (من سره أن يلقى الله غداً مسلماً، فليحافظ على هؤلاء الصلوات الخمس حيث ينادى بهن، فإنهن من سنن الهدى، وإن الله شرع لنبيكم سنن الهدى، ولعمري لو أنكم صليتم في بيوتكم لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان يؤتى بالرجل يهادى بين الرجلين حتى يدخل في الصف) المقصود بقوله: (من سنن الهدى) يعني: طريقة رسول الله ﵌ التي كان عليها، وشريعته التي شرعها لأمته، وليس المقصود من كلمة سنن الهدى السنة التي لا حرج على من تركها، فمن شاء فعلها ومن شاء تركها؛ لأن المستحب أو المندوب أو النوافل من تركها لا يطلق عليه وصف الضلالة، فدل هنا على أن المقصود بسنن الهدى يعني: طريقة رسول الله ﵌.
стр. 49
اشتراك الكائنات في التعبد لله بالصلاة
إن الصلاة هي القاسم المشترك بين عبودية الكائنات، فإن الله قال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ [النور:٤١] فكل من هؤلاء المذكورين قد علم صلاته وتسبيحه التي علمه الله إياها.
يقول الزمخشري: ولا يبعد أن يلهم الله الطير دعاءه وتسبيحه، كما ألهمها سائر العلوم الدقيقة التي لا يكاد العقلاء يهتدون إليها.
فكل الكائنات هداها الله كما قال الله : ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى:٢ - ٣]، وقال سبحانه: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه:٥٠] ونحن نلاحظ أن الله هدى هذه الكائنات إلى ما يصلحها ويفيدها، وأمدها بأنواع من العلوم التي تنبهر العقول البشرية إزاءها بلا شك، وهذا معروف الآن في العلوم والاكتشافات الحديثة، ففيها ما يبهر العقول ويذهل النفوس من عجائب خلق الله ، كما نرى في النحل والنمل وفي كل ما خلق الله ، نلاحظ كيف أن الله ألهم هذه المخلوقات من العلوم ما تنبهر به العقول، فهل يبعد عند العاقل أن الذي ألهمها كل هذه العلوم لا يلهمها كيف تسبحه وكيف تذكره ﵎؟! فالموج يسبح، والطيور تسبح، والأسماك تسبح، وكل ما خلق الله يسبح كما قال الله : ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء:٤٤].
نحن الآن نناقش أن الصلاة عبودية جميع الكائنات، بل هي قاسم مشترك بين عبودية جميع الكائنات، فكل الكائنات تصلي وتسبح الله ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ [النور:٤١] وكذلك الجن باعتبارهم أحد الثقلين مكلفون قطعاً بالصلاة كالآدميين؛ لأنهم داخلون في قول الله : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦].
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: الجن مأمورون بالأصول والفروع بحسبهم، فإنهم ليسوا مماثلين للإنس في الحد والحقيقة، فلا يكون ما أمروا به وما نهوا عنه مساوياً ما على الإنس في الحد، لكنهم مشاركون الإنس في جنس التكليف بالأمر والنهي والتحليل والتحريم.
يعني: هم يشتركون معنا في جنس التكليف، أما كيفيته فالله أعلم بهذه الكيفية.
كذلك أيضاً الملائكة يصلون؛ لأن الله قال في حقهم: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت:٣٨]، وقال أيضاً حاكياً عن الملائكة أنهم قالوا: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾ [الصافات:١٦٥] يعني: في صلاتهم.
والشريعة الغراء ندبتنا إلى النظر إلى من هو فوقنا في العبادة وفي الدين، ولا ننظر إلى من هو أعلى منا في الدنيا؛ كي نقتدي به، فقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: (انظروا إلى من هو أسفل منكم في الدنيا، وفوقكم في الدين) وقال : ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف:٢٠٥]، وبعدما أمر الله بالذكر الدائم وفي كل الأحوال ذكر ما يقوي دواعي الذكر، وما ينهض الهمم إليه بمدح الملائكة الذين يسبحون الليل والنهار ولا يفترون، فقال بعدها مباشرة ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف:٢٠٦] والمقصود أنه ينبغي لكم الاقتداء بهم فيما ذكر عنهم؛ لأنه إذا كان هذا حال الملائكة في عبادة الله وهم في أعلى مقامات القرب والعصمة، فكيف ينبغي أن يكون غيرهم؟! وقال ﵌ لأصحابه: (ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها) ثم ذكر كيفية الاصطفاف فقال: (يتمون الصف الأول فالأول، ويتراصون في الصف) رواه البخاري.
أيضاً مما فضلت عليه هذه الأمة المحمدية على من عداها من الأمم قوله ﵊ -كما في صحيح مسلم:- (جعلت صفوفنا في الصلاة كصفوف الملائكة).
وعن حكيم بن حزام رضي الله تعالى عنه قال: (بينما رسول الله ﷺ في أصحابه إذ قال لهم: أتسمعون ما أسمع؟ قالوا: ما نسمع من شيء، قال: إني لأسمع أطيط السماء، وما تلام أن تئط -وهذا الأطيط من شدة الثقل الذي تحمله- وما فيها موضع شبر إلا وعليه ملك ساجد أو قائم) فهذا يدل على أن الملائكة أيضاً يصلون كما يصلي البشر.
وقال ﵌: (إني لأرى ما لاترون، وأسمع ما لا تسمعون، أطت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته لله ساجداً).
وفي حديث الإسراء قال ﵌: (فرفع لي البيت المعمور، فسألت جبريل فقال: هذا البيت المعمور يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك، إذا خرجوا لم يعودوا إليه آخر ما عليهم) رواه البخاري.
سبعون ألف ملك يومياً يصلون في البيت المعمور في السماء، ثم لا يعودون إليه أبداً! وقال ﷺ : (نزل علي جبريل فأمني، فصليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه، يحسب بأصابعه خمس صلوات) رواه البخاري.
كذلك الملائكة يشاركون المؤمنين في الصلاة، فقد قال ﷺ : (إذا أمن الإمام فأمنوا، فإن من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه) رواه البخاري.
وكذا يحضرون مع المؤمنين صلاة الجمعة، فقد قال ﷺ : (إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من أبواب المسجد الملائكة يكتبون الأول فالأول، فإذا جلس الإمام طووا الصحف، وجاءوا يستمعون الذكر) رواه البخاري.
стр. 50
لماذا نصلي؟ [٤]
إن من خصائص الصلاة أنها منحة ربانية، فقد أخذها النبي ﷺ عن الله مباشرة بدون واسطة، وذلك حين عُرج به إلى السماء.
ومن خصائصها: أنها إغاظة ومراغمة لأعداء الله من شياطين الجن والإنس.
ومن خصائصها: أنها سبب النصر والتمكين في الدنيا، والفلاح والفوز في الآخرة، وهي سبب من أسباب النجاة من عذاب القبر.
стр. 51
الصلاة منحة ربانية فرضت بدون واسطة
الحمد لله حق حمده، والصلاة والسلام على محمد رسوله وعبده، وعلى آله وصحبه.
أما بعد: فإن الصلاة منحة ربانية تميزت عما عداها من الفرائض بخصائص لا تحصى، فقد تولى الله إيجابها بنفسه؛ تعظيماً لشأنها وتنويهاً بقدرها، وأخذها المصطفى عن الله مباشرة بدون واسطة جبريل ﵇ ليلة الإسراء، فكانت المنحة الربانية التي منحها الله نبيه وخليله ﷺ ليلة الوصل الأعظم؛ مكافأة له على ما قام به من العبودية الصادقة لربه بما لم يسبقه إليه سابق ولم يلحقه لاحق ﷺ .
стр. 52
الصلاة إغاظة للكافرين ومراغمة لأعداء الدين
من خصائص الصلاة أنها إغاظة للكافرين، ومراغمة لأعداء الدين، ولا شيء أحب إلى الله من مراغمة أوليائه لأعدائه وإغاظتهم إياهم، ومن أجل ذلك قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ [النساء:١٠٠] يعني: يجد في الأرض مكاناً يهاجر إليه، ويستطيع أن يقيم فيه دينه، ويغيظ أعداء الله سواء الشيطان أو أولياء الشيطان.
وقال في شأن المؤمنين: ﴿وَلا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [التوبة:١٢٠] فقوله هنا: (ولا يطئون موطئاً يغيظ الكفار) داخل في قوله: (إلا كتب لهم به عمل صالح) فدل على أن الله يحب أن يصدر من المؤمن الأعمال والمواقف التي تغيظ أعداء الدين، وتملأ قلوبهم غيظاً.
ووصف الله خليله محمداً ﷺ وصحابته رضوان الله تعالى عليهم بأنهم كزرع أغاظ الكفار، حيث يقول سبحانه: ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح:٢٩].
فمغايظة الكفار غاية محبوبة للرب مطلوبة له، فموافقته فيها من كمال العبودية.
كذلك شرع النبي ﷺ للمصلي إذا سها في صلاته أن يسجد سجدتين، وقال فيما رواه مسلم وغيره: (إن كانت صلاته تامة كانتا ترغيماً للشيطان) يعني: إن كان في صلاته نقص حصل نتيجة السهو فهاتان السجدتان تجبران هذا النقص، وإن لم يكن فيها نقص، وإنما احتاط، ففي هذه الحالة تكون السجدتان ترغيماً للشيطان، وإغاظة لإبليس، وسمى ﷺ هاتين السجدتين: المرغمتين.
فمن تعبد الله بمراغمة عدوه فقد أخذ من الصديقية بسهم وافر، وعلى قدر محبة العبد لربه وموالاته له ومعاداته لعدوه يكون نصيبه من هذه المراغمة، ولذلك حمد التبختر بين الصفين؛ لأجل عبودية المراغمة والمغايظة للكفار، مع أن هناك نصوصاً كثيرة تحرم التبختر والخيلاء، لكن استثنيت حالات معينة أبيح فيها التبختر والخيلاء بين الصفين، فإن كان جيش المسلمين يقف في مواجهة جيش الكافرين فيجوز للفارس المسلم أن يتبختر على فرسه، ويظهر العزة والكبرياء لأجل إغاظة الكفار.
وكذلك أجاز بعض العلماء صبغ الشعر بالسواد في حالة الحرب، فأجازوا للشيوخ الذين اشتعلت رءوسهم شيباً أن يصبغوا بالسواد؛ حتى إذا ما رآهم المشركون حسبوهم جميعاً شباباً فيهم قوة وبأس، وبالتالي يخافونهم ويرهبونهم.
إذاًَ: من أجل إقامة عبودية المراغمة لأعداء الله حُمِدَ التبختر بين الصفين كما قال النبي ﷺ : (هذه مشية يبغضها الله إلا في مثل هذا الموطن).
كذلك إذا كان الإنسان يتصدق في السر فيجوز له أن يختال ويتبختر على الشيطان؛ لأن في ذلك إرغاماً لعدو الله، وبذل محبوبه من نفسه وماله لله ، وهذا الباب من العبودية لا يعرفه إلا القليل من الناس، يقول ابن القيم في مدارج السالكين رحمه الله تعالى: ومن ذاق طعمه ولذته بكى على أيامه الأول.
فالمقيم الصلاة إذا علم أن الشيطان تغيظه الصلاة لراغمه ولزاد في إغاظته بالمحافظة عليها وإقامة حدودها، فأحدثت له هذه المراغمة عبوديةً أخرى، ولذلك نجد أن الشيطان حريص أشد الحرص على أن يصد الناس عن الصلاة، وكيف لا تغيظه الصلاة وكيف لا ترغم أنفه الصلاة وهي تعصم من يقيمها من الشرك، ومن عبادة الشيطان من دون الرحمن؟!! عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم) رواه مسلم.
يعني: أن المسلمين في جزيرة العرب معصومون من أن يقعوا في الشرك، ولم يذكر المسلمين بصفة عامة، لكن قال: (المصلون) وقوله: (إن الشيطان قد أيس) أي: لم يبق عنده أمل في إغوائهم؛ لشدة تمسكهم بالتوحيد.
قوله: (قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم) أي: لكن سيفلح في التحريش بينهم وإثارة الضغينة والأحقاد بينهم.
الشاهد قوله: (المصلون) فهي إشارة إلى أن الصلاة عصمة من الشرك.
إذاً: الصلاة إغاظة للشيطان، ولذلك الشيطان يحرص جداً على أن يصد الناس عن الصلاة؛ لأن الصلاة تغيظه جداً، فإذا أقمت الصلاة وحافظت عليها فهذا يغيظ عدو الله، ومن أشرف أنواع العبودية إغاظة أعداء الله ﵎.
стр. 53
كيد الشيطان وجنوده بمن يغيظهم من المؤمنين
يقول : ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ﴾ [المائدة:٩١] فهدف الشيطان من الخمر والميسر أن يصد الناس عن ذكر الله وعن الصلاة، مع أن الصلاة داخلة في ذكر الله، لكنه خص بعد تعميم.
إذاً: كل ما يشغل عن الصلاة فإنما هو من تسويل الشيطان، وكم يغتاظ الشيطان إذا رأى العبد يسجد بين يدي الله فيحقد عليه، ويعلن له العداوة.
عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا قرأ ابن آدم السجدة -يعني: آية فيها السجدة- فسجد اعتزل الشيطان يبكي، يقول: يا ويلي! أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار) رواه مسلم.
ولذلك يحذرنا ﵎ من الشيطان بقوله: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف:٢٧] يعني: الشيطان يحسدكم ويريد أن يضلكم كما فعل بالأبوين.
ونحن في هذا الزمان نرى كم نجح الشيطان في أن يفي بعهده الذي عاهد الله عليه، فقد عاهد الله وحلف وقال: ﴿قال فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص:٨٢ - ٨٣] فحلف بعزة الله ووفى للأسف الشديد، وآية ذلك ما نراه الآن من تضييع الصلاة في مجتمع المسلمين، إلا من رحم الله ﵎، مع أن قد أخذ علينا العهد كما في قوله : ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [المائدة:٧] ومع ذلك نحن لا نسمع ولا نطيع، ويوجد فينا هذا التفريط المعروف في شأن الصلاة.
إذا نجا الإنسان من تسويل إبليس له أن يترك الصلاة رأساً، وهزمه الإنسان في هذه المعركة، واستطاع أن يراغمه وأن يغيظه بإقامة الصلاة، فهل ييئس الشيطان عند ذلك؟ لا ييئس، لابد أن يظفر منه بشيء، فماذا يفعل؟ يجتهد في إفساد الصلاة وتقليل أجرها، فإذا لم يستطع الشيطان أن يصرفه عن الصلاة كلها فإنه يحاول أن يفسد عليه الصلاة، أو يقلل ثوابه الذي يحصله من الصلاة.
جاء أحد الصحابة إلى رسول الله ﷺ يقول له: (إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي يلبسها عليّ، فقال له رسول الله ﷺ : ذاك شيطان يقال له: خنزب -يعني شيطان متخصص في إفساد الصلاة- فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه، واتفل على يسارك ثلاثاً، قال: ففعلت ذلك فأذهبه الله عني) رواه مسلم.
فإذا دخل العبد في صلاته أجلب عليه الشيطان يوسوس له ويشغله عن طاعة الله، ويذكره بأمور الدنيا، فقد قال رسول الله ﷺ : (إن الشيطان إذا سمع النداء بالصلاة أحال له ضراط؛ حتى لا يسمع صوته) فهو يكره الصلاة، ويكره كل ما يرتبط بالصلاة، حتى إنه إذا سمع صوت الأذان هرب؛ لأنه لا يطيق أن يتحمل نداء التوحيد ودعوة الحق: الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، فهو يكره هذه الكلمات، ويكره الأذان، فلذلك مجرد أن يشرع المؤذن في الأذان يهرب الشيطان.
إذاً: من عرض له الشيطان وأراد أن ينجو منه فليؤذن حتى في غير وقت الصلاة، وإذا كنت في مكان وأحسست أن شيطاناً يحاول أن يؤذيك فاجهر بالأذان، فإنه ينصرف عنك؛ لأنه يكره أن تأتيه بما يبغضه وبما ينفره، ولا يستطيع أن يبقى معك إذا أذنت.
قوله: (إن الشيطان إذا سمع النداء بالصلاة أحال) يعني: ذهب هارباً.
(وله ضراط؛ حتى لا يسمع صوته) يعني: يصدر ذلك الصوت الخبيث حتى لا يتمكن بسببه من سماع صوت دعوة الحق والأذان.
ثم يقول ﷺ : (فإذا سكت المؤذن رجع فوسوس) رجع ليوسوس في المصلين.
ثم يقول: (فإذا سمع الإقامة هرب) ولا يستطيع سماع الإقامة؛ لأنها تشتمل على نفس النداء الشريف، وهذا الحديث رواه مسلم.
وفي رواية متفق عليها: (فإذا قضي التثويب -يعني: الإقامة- أقبل حتى يخطر بين المرء ونفسه -يعني: حتى يشغله عما هو فيه- يقول له: اذكر كذا، اذكر كذا، لما لم يذكر من قبل، حتى يظل الرجل ما يدري كم صلى) وهذا للأسف الشديد لا يكاد يسلم منه أحد، فصدق الصادق المصدوق ﵌ فيما يبلغنا عن الله ﵎ من الهدى والوحي.
ولذلك نجد بعض الناس إذا نسي من أمور الدنيا شيئاً ثم دخل في الصلاة تتوافد عليه الوساوس من كل اتجاه، ويظل يتذكر كل ما نسي، ولا تنتهي مشاكل الدنيا إلا إذا سلَّم! فهذا دليل صريح على أن الشيطان كان يشغلك، وهذه المشاغل لا تأتيك إلا ما بين تكبيرة الإحرام وبين السلام، فإذا سلمت ذهبت عنك، ومعنى هذا أن هناك مؤامرة من إبليس، فهو يريد أن يصدك عن التدبر في صلاتك والانتفاع بها.
فإذا عجز الشيطان بنفسه عن صد العبد عن الصلاة أجلب عليه بخيله ورجله، فتراه يستعين بجنوده، وسلطهم عليك، وسلط عليك حزبه وأهله بأنواع التسليط، وكلما جد المسلم في إقامة الصلاة جد الشيطان في إغراء السفهاء به، فمنهم من يقول له: يا سيدنا الشيخ! خذني على جناحك إلى آخر هذه العبارات التي فيها سخرية من المصلين، والتي تسمعونها من السفهاء.
إن هؤلاء رسل الشيطان فهو يستعين بهم؛ كي يفتنوك عن الصلاة، مثل هذه العبارات التي أراد بها السفهاء الاستهزاء والتحقير من شأن الصلاة.
واعلم أن هذا جندي من جنود إبليس، فبعد أن فشل هو بنفسه في أن يصدك عن الصلاة، يظاهر ويستعين بجنوده، ويسلط عليك أذى الخلق، فكلما جد العبد في إقامة الصلاة جد الشيطان في إغراء السفهاء به، فتارة يسخرون منه وتارة يهزءون كما قال : ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا﴾ [المائدة:٥٨] أليس هذا هو شأن المنافقين منذ زمان الرسول ﵊ إلى أن يشاء الله ؟ نعم هذا شأن المنافقين فتارة يسخرون منه، وتارة يهزءون به، وأخرى يتغامزون، ﴿أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المجادلة:١٩].
стр. 54
تغيظ الكافرين من المتمسكين بالدين
إن إقامة الصلاة والإعلان بها يصبغ المجتمع بصبغة الله، ويظهر شعائر الإسلام، ويجسد اعتزاز المسلمين بإسلامهم، ويغيظ أعداء الدين الذين يزعجهم رجوع الناس إلى ربهم، واشتغالهم بشعائر دينهم.
كذلك لا شك أن محافظة المسلمين على الصلاة تعمير للمساجد، فإذا أذن المؤذن ترى الناس يتوجهون فوراً إلى المساجد؛ ليعمروها بهذه الشعائر الظاهرة، وتصبغ المجتمع بصبغة الإسلام، وليس في ذلك فقط إغاظة لإبليس وجنوده، لكن إغاظة أيضاً للكافرين الذين يعيشون وسط المسلمين، فالصلاة إظهار لعزة الإسلام في وسط هؤلاء الكافرين.
ولذلك نلاحظ أن الكافرين يحبون السفيه الفاسق الذي لا يبالي بتضييع الصلاة، فيقربونه إليهم، أما المتمسك بدينه فيتخذونه عدواً، فإذا رأى الكافر عليك علامات التمسك بالدين أو إقامة الصلاة يبغضك، ويظهر هذا بصورة أو بأخرى، أما الفاسق السفيه فهو أقرب إلى قلبه؛ لأنهم في الهوى سواء.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله ﷺ : (ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدتكم على السلام والتأمين) أي: على سنة السلام فيما بينكم، والتأمين في الصلاة، وقد ظهر من اليهود هذا الحسد، فحسدهم لأهل الإيمان معروف في كثير من المواقف، فإذا كان هذا في السلام والتأمين، فكيف بما عدا التأمين من إعلان الأذان ومن تعمير المساجد ومن تراص المصلين راكعين، ساجدين، خاشعين؟! وقد ذكرنا لكم كلمة رينان إرنس الفيلسوف الفرنسي الشهير حيث قال: ما دخلت مسجداً قط دون أن يصيبني أسف محقق على أني لم أكن مسلماً.
أي: أنه ما دخل مسجداً ورأى منظر المسلمين في صلاة الجماعة، إلا وشعر بأسف شديد على أنه ليس مسلماً.
стр. 55
تارك الصلاة استحوذ عليه الشيطان
إذا كانت الصلاة فيها مراغمة للشيطان، فإن ترك الصلاة سبب لاستحواذ الشيطان على العبد، قال الله : ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ * حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ * وَلَنْ يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف:٣٦ - ٣٩].
فالصلاة أشرف صورة لذكر الرحمن؛ لأن الصلاة اجتمعت فيها كل العبادات القلبية والبدنية والقولية، اجتمع فيها الذكر بكل أنواعه، وأشرفه قراءة القرآن الكريم في القيام، وفيها الركوع والسجود والخشوع، وأحوال القلب كلها تجتمع في الصلاة، فهي أولى ما يطلق عليه ذكر الله ﵎، وهي خير موضوع كما أسلفنا.
يقول تعالى: (ومن يعش عن ذكر الرحمن) أي: من يغفل ويعرض عن ذكر الرحمن يعاقبه الله بأن يقيض له شيطاناً فهو له قرين.
قوله: (وإنهم) أي: الشياطين (ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون.
حتى إذا جاءنا قال: يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين، ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون).
فمن يضيع الصلاة يضيعه الله ويخذله ويعاقبه بأن يقيض له شيطاناً يقارنه فلا يفارقه لا في الإقامة ولا في المسير، ويكون مولاه وعشيره، فبئس المولى وبئس العشير، فيتخذ قلبه المريض وطناً، ويعده مسكناً، إذا تصبح بطلعته حياه وقال: حييت من قرين، لا يفلح في دنياه ولا في أخراه، وكأن القرين يخاطب هذا المنحرف معتزاً به؛ لأنه يضيع الصلاة، فإذا رأى محياه وطلعته كأنه يخاطبه كما قال بعض العلماء قائلاً له: قرينك في الدنيا وفي الحشر بعدها فأنت قرين لي بكل مكان فإن كنت في دار الشقاء فإنني وأنت جميعاً في شقاً وهوان وعن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : (ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان، فعليكم بالجماعة، فإنما يأكل الذئب القاصية من الغنم).
قوله: (ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة) ما هي العقوبة؟ (إلا استحوذ عليهم الشيطان) سيطر عليهم الشيطان.
قوله: (فعليكم بالجماعة) يعني: صلاة الجماعة.
قوله: (فإنما يأكل الذئب القاصية) أي: الذئب إذا أراد أن يفترس الشاه لا يفترسها وهي في القطيع، وإنما يترقب ويتربص حتى إذا شذت واحدة وانفردت؛ فإنه يستحوذ عليها ويفترسها.
فبين ﵌ أن الشيطان ذئب الإنسان، وهو أعدى عدو الله، وكما أن الطائر كلما علا بعد عن الآفات، وكلما نزل احتوشته الآفات، فكذلك الشاة كلما كانت أقرب من الراعي كانت أسلم من الذئب، وكلما بعدت عن الراعي كانت أقرب إلى الهلاك، فأحمى ما تكون الشاة إذا قربت من الراعي.
قوله: (وإنما يأخذ الذئب القاصية من الغنم) أي: البعيدة من الراعي.
قال بعض السلف: رأيت العبد ملقى بين الله سبحانه وبين الشيطان، فإن أعرض الله عنه تولاه الشيطان، وإن تولاه الله لم يقدر عليه الشيطان.
стр. 56
التخلص من عقد الشيطان على قافية العبد عند النوم
لقد بين ﵌ مظهراً من مظاهر كيد الشيطان لصد المؤمن عن ذكر الله وعن الصلاة، ودلنا على ما يحبط هذا الكيد، فعن أبي هريرة رضي تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: (يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد، يضرب على كل عقدة: عليك ليل طويل فارقد، فإن استيقظ فذكر الله تعالى انحلت عقدة، فإن توضأ انحلت عقدة، فإن صلى انحلت عقده كلها، فأصبح نشيطاً طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان) متفق عليه.
فهذه صورة من صور كيد الشيطان؛ كي يصد الناس عن ذكر الله وعن الصلاة.
قوله: (يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد) الأقرب -والله تعالى أعلم- أن ظاهر الحديث أن الشيطان يمارس نوعاً من السحر في الحقيقة؛ لأن الله وصف السواحر بقوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق:٤]، فالساحرة تعقد عقدة وتنفث فيها بالكلام الذي تقوله، وتنفث فيها حتى تجتمع نيتها الخبيثة مع ريقها الخبيث مع كلامها الخبيث مع فعلها الخبيث، فالشيطان هو أصل الخبث كله، فهو يفعل هذا النوع من السحر في حق الإنسان إذا نام؛ كي يمنعه من القيام للصلاة والعبادة والذكر.
قوله: (يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد، يضرب على كل عقدة: عليك ليل طويل فارقد، فإن استيقظ فذكر الله تعالى انحلت عقدة) يعني: إذا استيقظ الإنسان وشعر بهذا الثقل فليعرف سببه الذي أخبرنا به الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، ويتذكر أن هذا الثقل إنما بسبب العقد الشيطانية، فهو يريد أن يشغلك عن الصلاة ويعطلك.
كذلك تذكر العلاج الذي وصفه لك الصادق المصدوق ﵌، فاستعمل العلاج خطوة خطوة.
الخطوة الأولى في العلاج المرتب: أول ما تستيقظ أن تذكر الله ﵎، تلفظ بأذكار الاستيقاظ من النوم، فإذا ذكرت الله انحلت العقدة الأولى عنك.
الخطوة الثانية: أن تتوضأ، فإذا توضأت انحلت العقدة الثانية.
الخطوة الثالثة: أن تصلي لله ، فإذا صليت قيام ليل أو صلاة سنة أو غير ذلك انحلت العقد كلها، فأصبحت نشيطاً طيب النفس، وإن لم تمتثل هذه الخطوات في العلاج أصبحت خبيث النفس كسلان والعياذ بالله.
فالذي خذل يعمل فيه هذا السحر الشيطاني، والذي وفق يصرف عنه، ومما يؤيد هذا التفسير بأنه نوع من السحر يفعله الشيطان، قول النبي ﵌ في رواية جابر رضي الله تعالى عنه: (ما من ذكر ولا أنثى إلا على رأسه جرير معقود حين يرقد بالليل) قوله: (جرير) يعني: حبل.
إذاً: الذي ينام عن الصلاة قد استسلم لعقد الشيطان ووسوسته، حتى صار عدوه مستحوذاً على نفسه، ومسيطراً عليه.
عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: (ذكر عند النبي ﷺ رجل فقيل: ما زال نائماً حتى أصبح، ما قام إلى الصلاة، فقال: ذاك رجل بال الشيطان في أذنه) رواه البخاري.
وفي رواية ابن حبان: (نام عن الفريضة، فقال النبي ﷺ : بال الشيطان في أذنه) ولك أن تتخيل عدو بهذه الدرجة من الكيد والمعاداة، حيث يجعل هذا الإنسان الذي غفل عن الصلاة كالكنيف المعد للبول وللغائط، وهل هناك استخفاف وإهانة أشد من ذلك؟! وقول النبي ﵊: (بال الشيطان في أذنه) على حقيقته، أما كيف؟ فلا ندري، ولا يقاس بما عليه نحن البشر من الأمور الحسية؛ لأن الشيطان بالنسبة إلينا غير ما نتصور، لكن الخلاصة أنه بال في أذنه، وكيف يبول؟! الله تعالى أعلم.
فمعنى الحديث: أن الشيطان استحوذ عليه واستخف به حتى اتخذه كالكنيف المعد للبول، إذ من عادة المستخف بالشيء أن يبول عليه.
стр. 57
ترك الصلاة خيانة للأمانة التي حملها الإنسان
إن ترك الصلاة خيانة للأمانة، فإن الله ﵎ يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال:٢٧]، والمعاصي كلها خيانة لله ، ولا شك أن رأسها وأولها ترك الصلاة، يقول ﵎: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء:٥٨]، وقال أيضاً: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب:٧٢] أي: التكاليف الشرعية.
وقال في وصف المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ [المؤمنون:٨].
والأمانة من حيث معناها هي أوسع من مجرد حفظ الودائع، وأغلب الناس إذا سمعوا كلمة الأمانة، تنصرف أذهانهم إلى حفظ الودائع، فصار معنى الأمانة ضيقاً محدوداً، فالأمانة أوسع من هذا المعنى الضيق الذي يظنه الناس؛ لأن الأمانة هي التكاليف الشرعية التي ائتمن الله عباده عليها، فأمرهم بها بحيث إذا فعلوها أثيبوا، وإن تركوها عوقبوا.
قال أبو العالية: الأمانة ما أمروا به أو نهوا عنه.
ولاشك أن الصلاة من أعظم الأمانات التي كلفنا الله بحفظها، فمن ضيعها فقد خان الله ونقض عهده، كما قال : ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [المائدة:٧]، وقال ﷺ : (لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له).
وكان ﷺ إذا ودع رجلاً قال: (أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك) قوله: (أمانتك) أي: كل الأمانات وليس فقط شيئاً محدوداً؛ وذلك لأن السفر مظنة للمشقة، فربما كانت المشقة سبباً للتقصير والإخلال، ولذلك كان النبي ﷺ يستودع الله من صاحبه إذا ودعه هذه الثلاث: دينك، وأمانتك، وخواتيم عملك.
стр. 58
ترك الصلاة جناية وظلم للأنبياء والملائكة والصالحين
إن ترك الصلاة جناية على الأنبياء والملائكة وعلى سائر عباد الله الصالحين؛ لأن المصلي يجب عليه في التشهد أن يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، قال ﷺ : (إذا قال المصلي: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين بلغت كل عبد لله صالح في السماء والأرض) متفق عليه.
الشاهد قوله: (بلغت كل عبد لله صالح في السماء والأرض) فمن ترك الصلاة فقد عطل هذه التحية الطيبة أن تبلغ أولياء الله وعباده الصالحين في السماء والأرض.
стр. 59
ترك الصلاة تعرض لعقوبة الله في الدارين
إن ترك الصلاة تعرض لعقوبة الله ﵎ في الدارين، فقد روي عن معاذ رضي الله تعالى عنه قال: (أوصاني رسول الله ﷺ فقال: لا تشرك بالله شيئاً وإن قتلت وحرقت، ولا تعقن والديك وإن أمراك أن تخرج من أهلك ومالك، ولا تتركن صلاة مكتوبة متعمداً؛ فإن من ترك صلاة مكتوبة متعمداً فقد برئت منه ذمة الله) وهذا الحديث حسن لغيره.
قوله: (من ترك الصلاة المكتوبة متعمداً فقد برئت منه ذمة الله) يعني: لا يبقى في أمان وأمن من الله في الدنيا؛ لأنه يستحق التعزير والملامة، وإذا أصر فيستحق القتل، وفي الآخرة يستحق عقوبة الآخرة.
يقول ابن حجر: هذه كناية عن سقوط احترامه؛ لأنه بذلك الترك عرض نفسه للعقوبة بالحبس عند جماعة من العلماء، ولقتله حداً لا كفراً بشرط إخراجها عن وقتها الضروري، وأمره بها في الوقت عند أئمتنا، ولقتله كفراً فلا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين عند أحمد وآخرين، على الخلاف الذي سبق أن تكلمنا عليه.
стр. 60
الصلاة سبب النصر والتمكين في الدنيا والفلاح في الآخرة
إن من فضائل الصلاة أنها سبب للنصر والتمكين والفلاح في الدنيا والآخرة، يقول الله : ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون:١ - ٢] إلى قوله : ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المؤمنون:٩] يعني: جعل الصلاة سياجاً لكل أعمال هؤلاء المؤمنين، بدأ بالصلاة وختم بالصلاة كأنها السياج، كذلك تكرر نفس الشيء في سورة المعارج أيضاً.
تأملوا كلمة: (أفلح) أي: أن الصلاة سبب الفلاح والنصر والتمكين.
وقال الله أيضاً: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى:١٤ - ١٥]، وسمى الصلاة فلاحاً، فجعل النداء إليها نداءً إلى الفلاح، حي على الصلاة، حي على الفلاح: والفلاح هو الفوز بالمراد، والبقاء في الخير.
وبالصلاة يستمنح ويستنزل نصر الله ﵎، يقول : ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة:٤٥]، فإن أردت النصر والفلاح والفوز والتمكين فلابد من الاستعانة بالصلاة، وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال:٤٥].
ولعل في تشريع صلاة الخوف حالة الالتحام المسلح ما يشير إلى أثر الصلاة في استجلاب نصر الله ﵎، يعني: المسلمون لا يستغنون عن الصلاة باعتبارها سبباً في الفلاح والنصر والتمكين ومعية الله، حتى في أثناء الكفاح المسلح مع الأعداء، فتجب عليهم الصلاة بحسب استطاعتهم كما هو معروف في صلاة الخوف.
وعن سعد رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : (إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها، بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم).
إذاً: هذه الصلاة التي يصليها هؤلاء الضعفاء والفقراء والمساكين والنساء وغيرهم تكون سبباً في نزول نصر الله ، رأفة ورحمة بسائر الأمة.
وفي البخاري يقول ﵊: (إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها، بدعوتهم وصلاتهم) ولم يذكر (وإخلاصهم) في رواية البخاري.
وقال رجل للحسن: أوصني، فقال: أعز أمر الله يعزك الله.
وقال تعالى: ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧] ونصرة الله بإقامة شرائع دينه وخاصة الصلاة.
وقال : ﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ﴾ [المائدة:١٢] يعني: إني معكم بالنصر والتأييد إن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة، ومن كان الله معه فقد تولاه، والله لا يعز من عاداه، ولا يذل من والاه، بل الذل حليف من حاربه وعصاه قال ﷺ : (وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري).
وعباد الله الذين سيعاقب الله بهم أعداءه، ويعذبهم بأيديهم، هم الذين يقيمون الصلاة ويستمدون منها زاداً ووقوداً في جهادهم، يقول ﵎: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا﴾ [الإسراء:٥]، هل يتصور أن عباداً لنا يكونون ممن لا يصلون؟! لا يمكن أبداً أن يكون ولياً من أولياء الله لا يصلي؛ لأن الذي لا يصلي عدو لله وليس ولياً من أولياء الله، إنما ينصر الله أولياءه الذين تولوه ، أما تارك الصلاة فهذا عدو بغيض إلى الله وإلى المؤمنين.
فالذين يهزمون أعداء الدين -وخاصة اليهود لعنهم الله- لابد أن يكونوا متصفين بهذه الصفة: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا﴾ [الإسراء:٥]، انظر إلى الاختصاص: (عباداً لنا) ما صفتهم؟: ﴿أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [الإسراء:٥] يعني: يجمعون بين أمرين: بين إقامة العبودية وبين القوة المادية، البأس الشديد.
وبهذه العبودية يتعرف عليهم كل شيء، حتى الحجر في آخر الزمان سيتعرف على المسلم الذي يتصف بصفة العبودية، وأشرف العبودية الصلاة بلا شك، قال النبي ﵌: (لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود، وحتى يقول الحجر والشجر: يا مسلم! يا عبد الله! هذا يهودي خلفي تعال فاقتله، إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود) رواه مسلم.
فانظر كيف أن الحجر سيعرف المسلم بهذه الصفة، لن يقول له: يا فلسطي! لأن هذه هي النسبة الصحيحة، وليس فلسطيني، ولن يقول له: يا قومي! يا اشتراكي! يا عربي! يا مصري! يا سوداني! هو لا يعرف هذه المقاييس، وإنما سيناديه بهذه الخصلة: (يا مسلم! يا عبد الله! هذا يهودي خلفي) إلى آخر الحديث.
وإذا فتح الله على عباده المصلين يكون أول شيء يهتمون به هو إقامة الصلاة، يقول : ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [الحج:٤١]، فأول علامات المسلمين إذا مكنوا أن يقيموا الصلاة، وإقامة الصلاة ليست مجرد أن يصلوا في أنفسهم، فإنهم قطعاً من قبل كانوا مصلين، لكن إذا صارت لهم الدولة والسطوة والقوة والغلبة فأهم شيء عندهم أن يقيموا الصلاة في الناس، ويحاسبونهم على تضييع الصلاة، ويحرضونهم على ذلك، ويوظفون الموظفين لمراقبة الناس في شأن الصلاة، وتكون ولاية خاصة اسمها ولاية الصلاة، كما كان في الدولة الإسلامية مثل: وزارة المالية، ووزارة الخارجية، ووزارة الداخلية، هناك أيضاً وزارة اسمها وزارة الصلاة، ولها هيئة وموظفون يتابعون الناس، يقولون لمن تخلف عنها: لماذا تخلفت عن الصلاة؟ أأنت معذور أم لا؟ والذي يترك الصلاة يقولون له: لماذا تترك الصلاة؟ ويرفع به إلى القضاء الشرعي ويبلغ عنه كأي مجرم في المجتمع الإسلامي، فهذا معنى قوله: (أقاموا الصلاة).
ولذلك يقول تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ﴾ [الحج:٤١] حتى وإن كان التمكين أمراً نسبياً، فالمسلم في أي موقع هو فيه فعليه أن يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، سواء كان مديراً في مصنع، أو صاحب محل عنده عمال، أو مدير مستشفى، أو ناظر مدرسة، وهكذا، (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته)، فليس التمكين مقصوراً على أعلى درجات التمكين وهي إقامة الخلافة، وإنما التمكين قد يكون أحياناً نسبياً، فـ (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته) فالأب في البيت مسئول أن يقيم الصلاة في ذريته وفي أهله، ويراقب نساءه وأولاده، ويطمئن على إقامتهم للصلاة.
كذلك في كل مرفق إذا مُكِنَ للمسلم فيه حتى وإن كان نسبياً فعلى قدر طاقته عليه أن يطبق هذه الآية: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [الحج:٤١].
стр. 61
الصلاة سبب من أسباب النجاة من عذاب القبر
لقد ذكرنا من قبل أن ترك الصلاة سبب من أسباب عذاب القبر والعياذ بالله، وعلى الجهة المقابلة فإن الصلاة نجاة من عذاب القبر، فطاعة الله هي خير ما يقدمه الإنسان ويدخره في قبره، يقول : ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ [الروم:٤٤]، قال مجاهد: (يمهدون) يعني: في القبر، يعني: يدخر هذا العمل الصالح في القبر، والقبر صندوق العمل.
عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : (يتبع الميت ثلاثة، فيرجع اثنان ويبقى واحد، يتبعه: أهله، وماله، وعمله، فيرجع أهله وماله ويبقى عمله) متفق عليه.
ووصف لنا الصادق المصدوق تفاصيل ما يجري في أول لقاء يتم في القبر بين المؤمن وبين عمله الصالح، وكيف أن عملك الصالح سيجسد لك في أجمل وأحسن وأبهى صورة، ويظل قريناً لك في القبر منذ أول لقاء بينك وبينه عندما تنزل في القبر، ففي حديث البراء الطويل قال ﵌ في شأن المؤمن: (ويأتيه من روحها وطيبها -يعني: من ريح وطيب الجنة- ويفسح له في قبره مد بصره، قال: ويأتيه رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرك، أبشر برضوان من الله، وجنات فيها نعيم مقيم، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول له: وأنت فبشرك الله بخير، من أنت، فوجهك الوجه الذي يجيء بالخير؟ فيقول: أنا عملك الصالح، فوالله ما علمتك إلا كنت سريعاً في طاعة الله، بطيئاً في معصية الله، فجزاك الله خيراً، ثم يفتح له باب إلى الجنة) إلى آخر الحديث.
يعني: إذا رأيت في نفسك تكاسلاً أو تقصيراً فذكر نفسك بهذا الموقف وبهذه اللحظة.
إذاً: أول ليلة ستبيتها في القبر سيزورك فيها عملك، فإن كنت صالحاً قال لك: (أنا عملك الصالح، فوالله ما علمتك إلا كنت سريعاً في طاعة الله) أي: مبادراً إلى طاعة الله.
إذا تذكرت هذا الشيء فإنك إذا سمعت الأذان تجري إلى الصلاة، وغيرها من الأعمال الصالحات.
وتأتي الصلاة في مقدمة الأعمال الصالحة التي تحفظ صاحبها من عذاب القبر، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الميت إذا وضع في قبره، فإنه يسمع خفق نعالهم حين يولون عنه، فإن كان مؤمناً كانت الصلاة عند رأسه، وكان الصيام عن يمينه، وكانت الزكاة عن يساره، وكان فعل الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف والإحسان إلى الناس عند رجليه، فيؤتى من قبل رأسه -يعني: يأتيه العذاب من قبل الرأس- فتقول الصلاة: ما قبلي مدخل يعني: لا توجد ثغرة كي ينفذ منها العذاب إلى هذا الرجل- ثم يؤتى عن يمينه فيقول الصيام: ما قبلي مدخل، ثم يؤتى عن يساره، فتقول الزكاة: ما قبلي مدخل، ثم يؤتى من قبل رجليه فيقول فعل الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف إلى الناس: ما قبلي مدخل) وهذا حديث حسن.
стр. 62
الصلاة أمنية الأموات والمعذبين
الصلاة أمنية الأموات والمعذبين، فعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: (مر النبي ﵌ على قبر دفن حديثاً فقال: ركعتان خفيفتان مما تحقرون وتنفلون يزيدهما هذا في عمله أحب إليه من بقية دنياكم).
قوله: (ركعتان خفيفتان مما تحقرون وتنفلون) أي: مما تزهدون فيهما.
قوله: (أحب إلى هذا) يعني: لو أنه خيِّر بين أن يرجع إلى الدنيا من جديد، ويعطى كل ما بقي من الدنيا من الكنوز والأموال إلى أن تقوم الساعة ويصير ملكاً له، وبين أن يعود إلى الدنيا ويركع ركعتين خفيفتين من النوافل الخفيفة مما يحتقرها الناس ويزهدون في ثوابهما؛ لاختار قطعاً وجزماً أن يصلي هاتين الركعتين؛ لأنه عاين ثواب مثل هذه العبادة الجليلة.
ومما ينفع في مثل هذا الموطن أن يتذكر الإنسان حبيباً إليه، أباه، أخاه، صديقه، قريبه الذي مات، ويتخيل أن هذا فلان ابن فلان بشحمه ولحمه، فلو خير هذا الخيار لقطع جزماً بأنه سيختار أن يصلي هاتين الركعتين ثم يدفن ثانية، من أجل أن يزيد في ثوابه هاتين الركعتين.
قال إبراهيم بن يزيد العبدي: أتاني رياح القيسي فقال: يا أبا إسحاق! انطلق بنا إلى أهل الآخرة نحدث بقربهم عهداً، فانطلقت معه، فأتى إلى المقابر، فجلسنا إلى بعض تلك القبور فقال: يا أبا إسحاق ما ترى هذا متمنياً لو مني؟ قلت: أن يرد والله إلى الدنيا، فيستمتع من طاعة الله ويصلح، قال: فها هي الفرصة ما زالت معنا، فهذا مات ونحن ما زلنا، ثم نهض فجد واجتهد فلم يلبث يسيراً حتى مات رحمه الله تعالى.
فالموت هو الفيصل بين هذه الدار وبين دار القرار، وهو الحد الفارق بين دار الامتحان وبين دار ظهور النتائج، فليس بعده لأحد من مستعتب ولا اعتبار، ولا يمكن الزيادة في الحسنات بعد الموت ولا النقص من السيئات، ولا حيلة ولا افتداء ولا درهم ولا دينار، قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠].
وقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المنافقون:٩ - ١١].
تخيلوا أن عامة المسلمين الذين ماتوا من قبل سمعوا هذا الكلام كثيراً، سمعوه في القرآن، وسمعوه في الدروس، وقرءوه في الكتب، فمن انتفع لما سمع هذا الكلام وأصلح حاله؛ فاز فوزاً عظيماً، ومن مرت عليه مرور الكرام ندم ندماً شديداً؛ لأنه قبل الموت كانت عنده المهلة، ونحن كذلك سيأتي بعدنا ناس يتلون نفس الآيات، ويتلون نفس الأحاديث، بعد عشر سنين عشرين سنة مائة سنة ومع الناس ينقسمون: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ [الليل:٤].
فينبغي أن يحذر الإنسان، فليس لنا عذر أمام الله ، فما زالت القلوب فينا تنبض، وعضلاتك إذا أردت أن تحركها لكي تذهب إلى المسجد ستطيعك، ولسانك إذا أعملته في ذكر الله لن يقول لك: لا، فأنت الآن أمامك المهلة والفرصة فلا تضيعهما، وانتفع بهذا الوعظ فإنك أنت أنت المراد به.
يقول ﵎: ﴿وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى:٤٤].
إذاً: أمنية الموتى والمعذبين يوم القيامة أن يردوا إلى الدنيا ولو بقدر ركعتين.
قوله: (هل إلى مرد من سبيل) أي: هم يسألون الرجعة عند الاحتضار، وكذلك يسألونها إذا وقفوا على النار، قال جل وعلا: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام:٢٧].
وكذا يتمنون الرجعة إذا وردوا على ربهم: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة:١٢]، هل ينفع هذا اليقين في الآخرة؟ لا، فهم رغم أنفهم أيقنوا؛ لأنهم عاينوا الغيب وصار شهادة، أما اليقين الذي ينجي فهو الإيمان بالغيب في دار الدنيا ودار الامتحان.
أيضاً يتكرر سؤالهم الرجعة وهم في غمرات الجحيم، يقول تعالى: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ [فاطر:٣٧] ويأتي
الجواب
﴿ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر:٣٧] قوله: (أولم نعمركم) أي: ألم نعطكم الفرصة وطولنا لكم في العمر؟! قوله: (مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ) أي: عمرتم عمراً كان لكل منكم فيه فرصة كافية ليتذكر ويتوب، كما قال النبي ﵌: (لقد أعذر الله إلى رجل أجّله حتى بلغ ستين سنة) يعني: لقد أعذر الله من مد في عمره إلى هذا القدر ولم يتب ولم يرجع.
قوله: (وجاءكم النذير) يعني: الرسول ﵊، وقال بعض المفسرين: هو الشيب الذي يزحف إلى شعر الرأس وغيره، فإذا بدأ الإنسان يتقدم في العمر وظهر منه الشيب، فهذا عبارة عن إنذار من الله بأنه قد اقترب من النهاية، واقترب من الوصول إلى المحطة الأخيرة.
وقال سبحانه: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [غافر:١١].
وقال قتادة في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠]: كان العلاء بن زياد يقول: لينزل أحدكم نفسه أنه قد حضره الموت فاستقال ربه-أي: سأله الإقالة- فأقاله، فليعمل بطاعة ربه تعالى.
وقال قتادة: والله ما تمنى إلا أن يرجع فيعمل بطاعة الله، فانظروا إلى أمنية الكافر المفرط فاعملوا بها، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
من أجل ذلك أوصانا رسول الله ﷺ فقال: (اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك) إذ هي أيام وأحوال العمل والتأهب والاستعداد والاستكثار من الزاد، فمن فاته العمل فيها لم يدركه عند مجيء أضدادها، ولا ينفعه التمني للأعمال بعد التفريط والإهمال في زمن الفرصة والإمهال، ومن فرط في العمل في زمن الحياة لم يدركه بعد حيلولة الممات، فعند ذلك يتمنى الرجوع وقد فات، ويطلب الكرة وهيهات، وتعظم حسراته حين لا مدفع للحسرات، وحيل بينهم وبين ما يشتهون.
كثير من الناس يتصورون أن معنى قوله تعالى: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [سبأ:٥٤] أنها الشهوات، لا، بل حيل عند الموت بينهم وبين ما يشتهونه وهو التوبة.
إذا حضر الموت والأجل والغرغرة فهناك حاجز وبرزخ لا يمكن أن يتوب الله على الإنسان بعدما قيل له: ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق:٢٢]، ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩] فإذا جاءت الغرغرة سد باب التوبة في وجه العبد، فهذا معنى قوله: (وحيل بينهم وبين ما يشتهون) يعني: من التوبة والرجوع إلى العمل الصالح.
ويقول تعالى: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يومئذ ومالكم من نكير﴾ [الشورى:٤٧].
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
стр. 63
لماذا نصلي؟ [٥]
إن من خصائص الصلاة: أنها تتعلق بالنشء، وتلتصق بالأطفال منذ وقت مبكر، فقد حض الشرع على أمر ابن السابعة بالصلاة، وضرْبه عليها إذا بلغ عشر سنين، وهذا يدل على أهمية الصلاة ومكانتها، فلا بد من تنشئة الطفل عليها حتى يتعودها وتسهل عليه.
стр. 64
ضرورة الاهتمام بتربية الطفل منذ الصغر
الحمد لله حق حمده، والصلاة والسلام على محمد رسوله وعبده، وعلى آله وصحبه.
أما بعد: فعن معقل بن يسار المزني رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﵌ قال: (ما من عبد يسترعيه الله رعية فلم يحطها بنصيحة إلا لم يجد رائحة الجنة) رواه الشيخان.
قوله ﷺ : (ما من عبد) يعني: ليس من عبد.
قوله: (يسترعيه الله رعية) وفي رواية البخاري: (ما من عبد استرعاه الله) بلفظ الماضي.
قوله: (فلم يحطها) يعني: لم يحفظها ولم يتعهد أمرها.
قوله: (بنصيحة) وفي رواية أخرى: (بالنصيحة)، وفي رواية أخرى: (بنصحه) يعني: بأن ينصح لهم.
قوله: (إلا لم يجد رائحة الجنة) يعني: أنه لا يدخل الجنة، لكن يحمل على أنه في حق من يستحل ذلك.
أو المعنى: أنه لا يجد رائحة الجنة مع الفائزين الأولين.
أو يقال: إنه خرج مخرج التغليظ وزاد الطبراني: (وعُرْفَها -يعني: رائحتها- يوجد يوم القيامة من مسيرة سبعين عاماً).
في هذا الحديث وعيد شديد على أئمة الجور، فمن ضيع من استرعاه الله توجه إليه الطلب بمظالم العباد يوم القيامة، فكلما كثر ظلم أئمة الجور كثر استحقاقهم للعذاب يوم القيامة، وكثر المطالبون بحقوقهم منهم يوم القيامة، ولا قدرة له على التحلل، لأنه في يوم القيامة لا يملك شيئاً يفدي به نفسه، إلا أن يتفضل الله تعالى عليه فيرضي عنه خصماءه، وهذا الحديث ورد بمعناه حديث آخر عن نفس الصحابي معقل بن يسار رضي الله تعالى عنه بلفظ: (ما من وال يلي رعية من المسلمين فيموت وهو غاش لهم إلا حرم الله عليه الجنة).
فكل منهما يغني عن الآخر؛ لأنهما في الحقيقة وردا عن راو واحد ومعناهما متحد، لكن مع اختلاف اللفظ نستطيع أن نستنتج فائدة جديدة وهي أن قوله هنا في هذا اللفظ: (ما من عبد يسترعيه الله رعية) يفيد العموم، فيشمل عدم نصح الإمام لرعيته، بأن يغشها، ويضيع حدودها وحقوقها، ويترك سيرة العدل فيها، والذب عنها وعن دينها فيما يطرأ عليه من التحريف أو البدع، وترك حماية حوزة رعاياه، فإن غشهم بشيء من ذلك ناله الوعيد المذكور؛ لأنه خان الله تعالى فيما ائتمنه عليه وجعله خليفة فيه، وواسطة بينه وبين خلقه في تدبير أمرهم، والغش في شيء من ذلك كبيرة توعد عليه بالنار.
قال الإمام أبو عبد الله محمد بن خلف الأبي المالكي صاحب كتاب: إكمال المعلم في شرح صحيح مسلم رحمه الله تعالى: لا يقتصر الحديث على الأمراء، بل هو عام في كل من وكل إليه حكم غيره.
قوله: (ما من عبد يسترعيه الله رعية) هذه الرواية بلفظ: (عبد) خلافاً للرواية الأخرى التي بلفظ: (ما من وال) فالرواية التي هي بلفظ (ما من عبد) هي نكرة في سياق النفي، فتفيد العموم، يعني: كل عبد يكون مسئولاً عمن وكل إليه حفظه، قال ﵌ في الحديث الآخر: (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته) فعدد أنواعاً كثيرة من هذه الرعية حيث قال: (فالإمام راع وهو مسئول عن رعيته، والرجل راع في أهل بيته وهو مسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها وهي مسئولة عن رعيتها، والولد راع في مال أبيه وهو مسئول عن رعيته).
إذاً: الحديث يعم كل من استرعاه الله رعية، ووكل بحفظ رعيته، ورعاية شئونهم، والاجتهاد في مصلحتهم.
وبلا شك أنه يدخل دخولاً أولياً في مثل هذا الحديث ولاية الأب على زوجه وأبنائه، فقد قال ﷺ : (كل عبد من بني آدم سيد، فالرجل سيد أهله، والمرأة سيدة في بيتها) إلى آخر الحديث.
على أي حال إذا انتبهنا للعموم الموجود في هذا الحديث وضممنا إليه قوله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم:٦]، يتضح ويتجسد لنا خطورة مسئوليتنا على أبنائنا ونسائنا، وأننا سنسأل عنهم بين يدي الله ، فينبغي أن نعد للسؤال جواباً.
والحقيقة أننا -أمة المسلمين عموماً إلا من رحم الله- نعاني من تقصير شديد في الاهتمام بأمر الأطفال، الذين هم في الحقيقة هم المستقبل، فأي أمة تستطيع أن تصنع مستقبلها بعون الله إذا هي أولت الأطفال الرعاية التي يستحقونها، ونحن للأسف لازلنا ننظر للطفل على أنه لعبة ملهية نتلهى بها، وأنه طفل صغير، ولا نتهيأ لتربيته وإعداده وتنميته نمواً سوياً إلا بعد فوات الأوان، وسبق أن ذكرت لكم قصة حكاها أستاذنا فضيلة الشيخ الدكتور محمد الصباغ حفظه الله تعالى، فيقول: إنه سمع من الأستاذ مالك بن نبي الجزائري رحمه الله تعالى: أن رجلاً جاء يسترشده في تربية بنت له ولدت حديثاً، فسأله: كم عمرها؟ قال: شهر، قال: فاتك القطار! وقال: كنت أظن في بادئ الأمر أنني بالغت في جواب هذا السائل، ثم عندما نظرت وجدت أن ما قلته الحق، وذلك أن الولد يبكي فتعطيه أمه الثدي فينطبع في نفسه أن الصراخ هو الوسيلة إلى الوصول إلى ما يريد، ويكبر على هذا، فإذا ضربه اليهود بكى في مجلس الأمن، ويظن أن البكاء والصراخ يوصله إلى حقه.
وفي هذا إشارة إلى أن كل ما نعانيه من كثير من الشخصيات البارزة في شتى دول العالم الإسلامي هو من عن آثار ونتائج التربية السيئة التي أسديت إليهم منذ الصغر، فالأمة كلها تحصد الثمرات المريرة لهذه التربية المعوجة، خاصة إذا كانت التربية بعيدة عن الدين، فحينما نرى واحداً من الطواغيت يفاخر أنه منذ نعومة أظفاره نشأ وهو يرى صورة أتاتورك في مكان ما في جدار الغرفة، وهو في نظر أبيه معظم، وأنه خرج وكل همه في الحياة أن يكون مثل أتاتورك لعنه الله تعالى، فكيف يكون مصير أمة مثل هذا يكون قائداً لها، إذا كان نشأ على محبة الاقتداء والتأسي بعدو الله وعدو رسول الله ﷺ ؟! والكلام في هذا الموضوع ليس فيه مبالغة، بل موضوع التربية موضوع خطير جداً، ونحن الذين نضيع الفرص.
حتى إن العلوم الحديثة تقول: إن التربية لا تبدأ من مجرد الولادة، بل تبدأ من قبل الولادة؛ ولذلك حينما نرى الأمم -التي تسمى أمماً متقدمة في هذه المجالات- تهتم اهتماماً غير عادي بتوجيه الأطفال وبتربيتهم، وممكن أن نستفيد منهم في هذا الجانب، لكن علينا أن نجتنب ما يخالف ديننا.
كنت أقرأ في كتاب يتحدث عن التربية المبكرة للأطفال، فيقول: إنها تبدأ من فترات الحمل والطفل جنين في بطن أمه، وكيف أن بعض الأمهات قد تقوم بالتدريب لهذا الطفل الجنين، وذلك بأن تعود الطفل على أن يسمع صوتها، كأن تضرب على جدار بطنها بحركات رفيقة معينة مرتبطة بأصوات معينة، وتدغدغ هذا الطفل بحيث إذا خرج يكون قد عرف صوت أمه؛ لأنه كان يسمع صوتها وهو في بطن أمه.
ومن أغرب ما قرأته أن امرأة من الشام سورية كانت تعود جنينها وهو في بطنها على سماع آيات القرآن الكريم كانت تستمع أشرطة القرآن الكريم، أو تتلو هي القرآن كثيراً، فولد هذا الطفل فاستطاعت مع صغره أن تعوده على سماع القرآن وحفظه، حتى إنه حفظ القرآن كله في سن الخامسة من عمره! إذاً: على الرجل أن يبدأ بالدعوة الصالحة أن يرزقه الله امرأة صالحة؛ لأن اختيار الأم الصالحة يعد من إحسانك إلى أبنائك، كذلك من إحسانك إلى أبنائك أن تدعو لهم وهم في عالم الغيب أن يرزقك الله الذرية الصالحة كما كانت سنة الأنبياء، فالأنبياء كان همهم أن يرزقوا ذرية صالحة طيبة.
الطفل يحتاج إلى هذه الرعاية، وكما أننا نهتم بنمو الجسم فلا نهمل نمو النفس والروح، لكن للأسف الشديد لا نجد إلا القليل من الناس يهتمون بهذه الأمور.
نحن حينما نتأمل في قوله ﵎: ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢١] يتوجه تركيزنا إلى آيات الله في الجوانب التشريحية أو العضوية أو الوظيفية لأبداننا، ونغفل تماماً عن آيات الله في خلق هذه النفس، وفطرها على التوحيد، وهذه الكفاءات المودعة في هذه النفس الصغيرة، فتربية الطفل تبدأ مبكرة جداً حتى في فترة الرضاعة كما ذكر الأستاذ مالك بن نبي، وهو كلام رجل خبير لم يأت جزافاً، فالطفل منذ البدايات الأولى لميلاده تتشكل شخصيته في الخمس السنوات الأولى؛ لأنها السنوات التي فيها تتكون شخصية هذا الطفل بكل معالمها.
فإذا جاء ابنك وقد عمل أي شيء كأن نفذ فكرة، وجاء إليك مسرعاً يتوقع منك أن تكافئه أو تشجعه، ثم إذا به يصدم وتقول له: هذا لعب وأنا مشغول، فبالتالي يصاب بإحباط، فمثل هذه التصرفات اليسيرة تكون عميقة الأثر في هؤلاء الأبناء، فمن الخطأ أن تجابه ابنك بهذا الأسلوب الجافي.
حتى الإرضاع له تأثير مهم جداً في تكوين نفسية هذا الطفل فيما بعد، هل يتم بطريقة (ميكانيكية) كآلة ترضع الولد أم يتم مع ضمه بحنان وبإبداء العواطف؟ فهذا الطفل الرضيع تتكون شخصيته بالمثل في مقابلة ما يسدى إليه من طريقة المعاملة كما ضرب الأستاذ مالك بن نبي هذا المثال: الطفل وهو صغير في المهد إذا أخطأت أمه في تربيته بحيث إذا صرخ يحصل على ما يريد، فإنه ينشأ على الصراخ بحيث إذا ضربه اليهود بكى في مجلس الأمن! فكل الويلات التي نذوقها الآن من كثير من حكام المسلمين هي نتيجة هذه التربية المنحرفة، فالأمة كلها تدفع ثمن التربية الخاطئة التي ربوها في الصغر وفي المهد، انظروا كم هي خطورة هذه التربية التي تخرج لنا زعماء مشوهين نفسياً وعقدياً إلى آخره؟ إذاًَ: أول ما ينبغي أن يسدى إلى الأطفال هو التربية الصحيحة المبكرة، وهناك من آيات الله العظيمة ما يكشف لنا أن القرآن والسنة قد سبقا هذه العلوم الحديثة -التي يتباهون بها الآن- بمئات السنين، فما أكثر الإعجاز العلمي في القرآن الكريم حتى في الجانب النفسي، فإن القرآن والسنة سبقا هذه العلوم، وهما متفوقان على هذه العلوم الحديثة؛ لأن ما في القرآن وما في ا
стр. 65
الأطفال والصلاة
إننا سنتكلم في هذه الليلة عن موضوع مهم وهو الأطفال والصلاة، وكيف نربط الأطفال بالصلاة؟! وكيف نعود الأطفال على الصلاة؟! والنصائح المتعلقة بهذا الباب.
إن هذه النقطة المتعلقة بالأطفال والصلاة تعطينا تفصيلاً عن كيفية بناء الجانب العبادي في نفسية الأطفال، أو تركيبة الطفل في الجانب العبادي، وكما ينبغي علينا أن ننمي في الطفل الجانب الإيماني والجانب الاعتقادي والجانب الجسماني إلى آخره؛ فأيضاً ننمي جانب العبادة في الأطفال، فكيف ننميه؟! وكيف نهتم به؟! إن الصلاة باعتبارها ركن الدين الأعظم، أوصى النبي ﷺ بأن يؤمر الأطفال بالصلاة لسبع سنين حيث يقول: (مروهم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين، وفرقوا بينهم في المضاجع).
стр. 66
الفوائد المتعلقة بتدريب الأطفال على الصلاة وتحبيبها إليهم
стр. 67
القدوة الصالحة
يعتقد الأطفال بحكم كونهم أطفالاً أن كل ما يفعله الكبار صحيح؛ لأنهم لا يتصورون أن الآباء يخطئون أو يتعمدون الخطأ، ولذلك يوجد عند الأطفال هذه الثقة فيما يفعله الكبار، ودائماً ينظرون إلى الآباء على أنهم أكمل الناس وأفضل الناس، وهذا ينعكس عليهم سلباً أو إيجاباً؛ لأنهم يحاكون آباءهم ويقتدون بهم، ففي سن السادسة مثلاً: نجد الأطفال لا يتأثرون بالتلقين إذا لم يوجد بجانب التلقين القدوة الصالحة التي تترجم عملياً المعاني المجربة؛ لأن الأطفال في هذه الفترات غير مؤهلين بصورة كاملة لتلقي المعاني المجربة، فهم غالباً يتعاملون مع الأشياء الحسية، أما المعاني النظرية فتأتي متأخرة فيما بعد، فلذلك كونك تعطيه كلاماً نظرياً عن معان غير محسوسة لا يؤثر فيه، لكن الذي يؤثر فيه أن يرى أمامه أباه وهو يطبق بطريقة عملية ما يدعوه إليه وما يرشده إليه، ولذلك فإن محافظة الأب على الصلاة تؤثر فيهم أعمق التأثير، وهذا أمر ملموس، فنجد أن الأولاد الصغار جداً في السن يريدون أن يصلوا، ونجد الطفل يفعل مثل ما يفعل أبوه، فهذا يؤكد أن الأطفال في سن الثالثة لا يستطيع الواحد منهم أن يستوعب المعاني المجربة بصورة كاملة إلا إذا صاحبها قدوة عملية.
فالقدوة والطريقة العملية بالتزام الكبار، مع ثقة الطفل دائماً فيمن هو أكبر منه؛ هي أعظم وسيلة للتأثير فيه.
стр. 68
الدعاء بصلاح الأطفال
إن من الأمور المهمة جداً في هذه المرحلة بل في كل مرحلة أن يستعين الإنسان بدعاء الله والتوسل إليه، وليكن له في ذلك أسوة حسنة بإبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، فقد كان الدعاء هم إبراهيم ﵇ كما ذكر الله عنه أنه قال: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾ [إبراهيم:٤٠] إذاً: ينبغي الاستعانة بالدعاء على مثل هذه الأشياء.
أما ما يتعلق بموضوع العقاب البدني على ترك الصلاة، والذي يبدأ من سن العاشرة، فإن شاء الله سنفصل الكلام فيه بعدما ننهي الكلام عن تربية الأطفال على الصلاة، فالعقاب البدني هو الوسيلة الأخيرة للعقاب إذا أخل الطفل بالصلاة بعد أن يصل سن العاشرة، فللأب أن يلجأ إلى العقاب البدني بشروطه كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
стр. 69
تعليم الأب ولده الصغير الوضوء نظرياً وعملياً
إن على الأب أن يعلم ولده الوضوء والطهارة بالشرح النظري، خاصة في سن السابعة، والصلاة في السابعة غير واجبة على الأبناء، لكن يجب على الآباء أن يأمروا أبناءهم؛ لأن الأب يأثم إذا لم يأمر ولده الذي بلغ سن السابعة بالصلاة.
إذاً: ينبغي للأب أن يوضح له الطهارة، أولاً: يشرح له شرحاً نظرياً كيفية الطهارة وكيفية الصلاة، ثم بعد ما يشرح له يطبق أمامه تطبيقاً عملياً، ثم يتركه بعد ذلك يطبق هذا التدريب العملي بنفسه، وليكن هذا بصورة متكررة، ويسمح له بالتطبيق أمامه، وإن أخطأ علمه وفهمه أين موضع الخطأ، ووجّهه بلطف دون تعنيف، فإذا أتقن الوضوء مدحه وأثنى عليه واحتضنه وقبله، مشعراً برضاه عنه، وليس هذا فحسب بل يعلمه فضائل الوضوء، بأن يتلو عليه الأحاديث الشريفة التي صحت في فضيلة الوضوء؛ كي يحفزه على الحرص على تحصيل ثواب الوضوء، وحتى يستحضر نية التعبد؛ لينال الثواب المترتب على الوضوء.
стр. 70
تعليم الأب أولاده الصغار الصلاة عملياً
إن على الأب أن يعلم أولاده الصلاة منذ السن الباكرة دون توجيه مباشر، فلا يأمرن بالصلاة بصورة مباشرة، بل يتعمد أن يصلي أمام أطفاله النوافل في المنزل، أما الفرائض فيصليها في المسجد.
إذاً: يتعمد الأب أمام الأطفال قبل السابعة أن يصلي النوافل، ويكرر الصلوات على مشهد من أولاده، والأطفال يتأثرون أعمق التأثر إذا رأوا أباهم يمرغ وجهه لله ﵎ ساجداً وقائماً خاشعاً قد استغرقته الصلاة، فيستنتج الطفل مع الوقت أنك ذهبت إلى عالم آخر في أثناء الصلاة؛ لأنك لا ترد عليه إذا ناداك، ولا تحدث أي حركة، وهو بهذه الطريقة سيستنتج مع الوقت أن الصلاة حالة خاصة لها أحكامها ولها أوضاعها التي تفترق عن الأحوال التي يكون عليها الإنسان خارج الصلاة، وهذا بلا شك سيغرس في نفس الطفل الشعور بعظمة الله .
وقد ذكر الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى أنه كان في طفولته الباكرة يتأثر ببكاء شيخه عند تلاوة القرآن أكثر مما يتأثر من كلامه، فإذا الابن رأى أباه يبكي عندما يتلو القرآن مثلاً أو عندما يصلي في خشوع فهذه بلا شك ستترك انطباعاً عظيماً جداً في نفسه من تعظيم الله ومحبة الصلاة.
стр. 71
حقيقة تربية الأطفال على الصلاة وغيرها بالعادة
إن هناك طريقة التربية بالعادة، فالأطفال يتعرفون على أعمال الصلاة بالمشاهدة، فالطفل الصغير يؤثر فيه كل ما حوله، فينطبع ما يراه في ذاكرته بصورة أعظم بكثير جداً مما تتخيلها، فينبغي للأب عندما يسأله ابنه الصغير أن يجيبه؛ لأنه مطالب أن يعطيه أكثر قدر من المعلومات، ودعه يستوعب ما يستطيع أن يستوعبه، وما زاد عن ذلك فلا ضرر في ألا يستوعبها، فهو يستوعب بطاقة أكثر جداً ما تتوقعه أنت، فلذلك إذا سألت علمه وتفهمه بطريقة خفيفة ستجد أمراً مذهلاً من الفهم والاستيعاب.
فالطفل لا شك أنه يتأثر من انطباع حركات الصلاة وسلوكك في أثناء الصلاة، وما الذي تقوله في الصلاة، وكيف تتوضأ، وكل هذه الأشياء حتى من السن المبكرة جداً قبل السابعة بكثير تنطبع في ذاكرة هذا الطفل، لكن المهم أنه قبل سن التمييز -أي: قبل سن السابعة- على الأب ألا يشتد مع الطفل في أمر الطهارة والصلاة، ولا يشتد عليه في أمر ستر العورة للصلاة، بل يتركه يقلده على أي حال، حتى لو لم يكن الطفل ملتزماً بشروط الصلاة، لا يستقبل القبلة، ولا يستر العورة، ولا يتوضأ، فلا تقل له: صلاتك غير صحيحة، لا؛ لأنه في هذه المرحلة يتلقن بالعادة وبالتقليد وبالمحاكاة، فلا تغلظ عليه، ولا تكفه عن الصلاة، ولا تكفه عن التقليد؛ لأن زجره في هذه السن وهو غير مكلف ينفره من الصلاة، فاتركه يقلدك بطريقة تلقائية دون أن تعنفه.
стр. 72
واجب الآباء تجاه أبنائهم بعد بلوغهم سن السابعة
إذا بلغ الطفل السابعة بالتقويم الهجري وليس بالتقويم الميلادي تقويم النصارى والكفار؛ لأن أي توقيت معين في القرآن أو في السنة فالمقصود به التقويم الهجري، فمثلاً: تجب الزكاة إذا مر على المال حول -أي: سنة- بالحول الهجري لا الحول الميلادي.
كذلك قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ [الأحقاف:١٥] أي: أربعين سنة هجرية وليست ميلادية، فانتبهوا لهذا.
إذا بلغ الطفل السابعة بالتقويم الهجري ففي هذه الحالة يجب على الأب أن يأمره بالصلاة، ويوجهه إليها بلا ضرب ولا تعنيف؛ لقول النبي ﷺ (مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين) وهذا حديث حسن.
وفي هذه المرحلة يأمره بتحصيل ما لا تصح الصلاة إلا به كشروط الصلاة مثل: الطهارة، وستر العورة وغيرهما، ولا ينبغي أن يمر تاريخ سن الطفل إلى سن السابعة مروراً عابراً؛ لأن الطفل إذا بلغ سن السابعة فينبغي أن نحيطه بهالة من الاحتفال والأهمية والتعظيم في عين الطفل، بحيث يبدأ مرحلة جديدة في حياته محاطة بحدث خطير سيحدث؛ لأنه ببلوغه السابعة سيترتب عليه أنه صار الآن مؤهلاً لوظيفة مهمة وهي الصلاة، فلا ينبغي أن ندع الطفل يبلغ السنة السابعة دون أن نعمق هذا الحدث من قبل أن يتم سبع سنين، كأن نقول له: أنت في الشهر المقبل أو بعد شهرين أو بعد ثلاثة أشهر أو بعد أسبوعين ستبلغ سن السابعة، واعلم أنك إذا بلغت هذا التاريخ فأنت مقبل على أمر عظيم وأمر مهم جداً، أنت الآن كبرت، ولم تعد كالأطفال الصغار، والرسول ﷺ أمرني أن آمرك أن تصلي، فها هو موعد أمرك بالصلاة يقترب فتهيأ لذلك، فإذا بلغ السابعة فصلى أول فرض جمع له أبوه بعض أصدقائه أو بعض أسرته في حفل صغير ابتهاجاً ًبهذه المناسبة الطيبة؛ لأنه صلى أول صلاة، وما الذي يمنع أن نبتكر مثل هذه الأساليب؟! فيؤتى له مثلاً بحلوى أو بهدية، وبعض الكاتبين في هذا الأمر قالوا: تهدى له ساعة بحيث يقال له: إن هذه الساعة هدية لك حتى تستعين بها على ضبط أوقات الصلاة، فيربط له كل شيء بالصلاة.
ثم بعد ذلك ينبغي أن تتم متابعته في الصلاة، ويتابع في مدى محافظته على مواعيد الصلاة، وإذا نسي أو انشغل أو أهمل تذكره بالصلاة: هل صليت؟ يقول تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه:١٣٢] قوله: (اصطبر) يعني: داوم ولا تمل، فينبغي أن يكرر الأمر بالصلاة دون ملل، ولنفرض أن الأب شغل أو سافر أو غاب لأي سبب من الأسباب، في هذه الحالة يوكل ويكلف من يقوم مكانه بمتابعة الصبي وأمره بالصلاة خلال فترة غيابه أو شغله، روي عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: (حاسبوا أبناءكم على الصلاة، وعودوهم الخير؛ فإن الخير عادة).
أيضاً لا بأس بمكافأته أحياناً لانتظامه بالصلاة، إذا لوحظ أنه بدأ ينتظم في الصلاة فبين وقت وآخر يكافئه بمكافأة، لكن بشرط ألا يواظب على المكافأة؛ لأنه إذا واظب على المكافأة فهذا يرسخ شعوراً موجوداً أصلاً عند الطفل وهو شعور العمل المبني على الجانب النفعي، وهذا قد ينمي فيه الأنانية، بحيث لا يعمل شيئاً إلا بالمقابل المادي، فالمكافأة حتى تعطي ثمارها ولا تفسد هذا الطفل ينبغي أن تعطى له بين وقت وآخر، حتى لا يتعود أن يحفظ القرآن أو يصلي أو يفعل أي شيء إلا إذا أخذ المعلوم، لكن ينبغي أن يرسخ في ذهنه أن الصلاة شيء أساسي، وأنه إنما يصلي لله، ولا بأس بين وقت وآخر أن تعبر عن شكرك وامتنانك بمحافظته على الصلاة.
أيضاً ينبغي أن تنوع الهدية في كل مرة؛ لأن الهدية إذا تكررت ففرحه بها لن يكون كما ينبغي، لكن تنوع الهدية في كل مرة بصورة ملائمة.
أيضاً على الأب أن يقرن الأمور المحببة بالصلاة، يعني: لا تصور له الصلاة على أنها تكليف وأمر وإلزام، وأنه سيتعرض لعقوبة، لكن تحاول أن تربط الصلاة بالأساليب السلمية دائماً؛ فمتى ما أمكن الطفل أن يصلي بطريقة هادئة وبلطف وبرفق فلا تقفز إلى ما بعد ذلك من الخطوات، كأن تقول له: إذا عملت الشيء الفلاني فسأكافئك بأن أصطحبك معي للصلاة في المسجد، فتزرع في قلبه أن الخروج إلى الصلاة في المسجد هو المكافأة، بحيث تجعل في نفسيته أن ذلك شيء عظيم ومحبب إلى نفسه.
كذلك إذا طالبك بالذهاب معك إلى المسجد فقل له: ماذا عملت حتى تذهب معي إلى المسجد؟ أو قل له: افعل الشيء الفلاني حتى تستحق أن أصحبك إلى المسجد.
فالمهم أن تربط الصلاة بالأمور المحببة إلى نفسه، فمثلاً: إذا أراد الأب أن يخرج مع الأطفال إلى نزهة فليربط مواعيد الأشياء التي يحبونها بالصلاة، فيقول مثلاً: إذا ذهبت وصليت العصر وعدت من صلاة العصر فسأصطحبك معي في هذه النزهة، وهذا يجعلهم ينتبهون لوقت الصلاة، فتراهم يبكرون للصلاة في وقتها؛ لأنها اقترنت بشيء محبوب لديهم.
كذلك مواعيد الأب مع أولاده يربطها بأوقات الصلاة، كأن يريد أن يعد أولاده بشيء فيربطه دائماً بوقت الصلاة، مثل: قبل صلاة العصر، أو بعد أن أصلي المغرب.
أيها الأب! عمق أحداث حياة ابنك بالصلاة؛ حتى تصبح الصلاة هي المحور الذي تدور عليه حياته، ويتعلم الأولاد تنظيم الوقت بناءً على أوقات الصلاة.
أيضاً الأب يذكر أولاده بين الحين والآخر بفضائل الصلاة من القرآن الكريم والسنة الشريفة، فبجانب السلوك العملي في تطبيق الصلاة حتى يكتمل تصوره عن الصلاة ينبغي أن تنمي معلوماته عن الجانب الفكري أو النظري المتعلق بالصلاة وبمنزلتها وأهمية الصلاة، وماذا قال الله وماذا قال رسول الله ﷺ في شأن الصلاة وفضائلها، وما يترتب عليها من الفضائل العظيمة.
стр. 73
واجب الآباء تجاه أبنائهم بعد بلوغهم سن العاشرة
إن على الأب أن يعلم الصبي خاصة بعد سن العاشرة أداء السنن الرواتب مع الصلوات المفروضات، فإذا صلى العشاء تتابعه هل صلى السنة البعدية؟ وهل صلى الوتر ولا بأس أن يحرضه على قيام الليل حتى ولو كان جزءاً يسيراً، فمثلاً الأب يقول لأولاده: إنني سأقوم هذه الليلة لصلاة القيام أو التهجد الساعة كذا، فيتركهم هم وحدهم يتنافسون من الذي سيستيقظ دون أن يوقظهم؟ لكن أدخل في برنامجهم أنهم بقيامهم هذا يتقربون إلى الله ، وأنه شيء ليس إلزامياً، يعني: لا تأمرهم بهذا القيام ولا تلزمهم به ولا توقظهم، ولكن قل لهم: سأنظر من منكم سيستيقظ ويشاركني هذه الصلاة، فيتنافسون فيما بينهم من الذي يستيقظ ومن الذي سينام؛ حتى لا يتعودوا على الاعتماد على غيرهم، وإنما يعتمدون على أنفسهم، ولتقوى إرادتهم، ثم إذا صلى بهم القيام يخفف هذه الصلاة، ومن نعس منهم في أثناء الصلاة ففي هذه الحالة يأمره أن ينام رفقاً به، ولا يشدد عليه في الصغر.
فإذا قصر الولد في الصلاة بعد سن العاشرة ففي هذه الحالة وجب على الأب وعظه وتذكيره بالنصوص الشرعية في الصلاة، فإذا استمر في تهاونه أغلظ له في القول وعنفه وعزره، بألا يسلم عليه ولا يمازحه، ويحرمه من بعض الأشياء المحببة لديه، ومن العقاب النفسي أن يكشر في وجهه ويعرض عنه ولا يكلمه ولا يرد عليه، فإذا فشل العقاب النفسي يلجأ الأب إلى العقاب البدني بالشروط التي سنبينها إن شاء الله فيما بعد؛ لقوله ﵌ (واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين) لكن إذا كان الأب قد قصر في أمر الطفل بالصلاة ولم يأمره بالصلاة لا في السابعة ولا في الثامنة ولا في التاسعة وأهمله، أو مات الأب وما التزم الطفل بالدين، وما أدرك خطورة الأمر إلا بعد أن بلغ العاشرة؛ فهل يطبق عليه الحديث تطبيقاً حرفياً؟ إذا كنت -أيها الأب- قد قصرت في البداءة مع الطفل باللين وبالرفق وتركته وأهملته حتى بلغ العاشرة، ففي هذه الحالة لا تستعمل معه العقاب البدني مباشرة بعد العاشرة، لأنك أنت الذي قصرت ولم تعوده على الصلاة، ففي هذه الحالة تبدأ بالتدرج معه وتعوده عليها من جديد إلى أن ينتظم في أمر الصلاة.
إذاً: يعود الطفل على صلاة الجماعة منذ الصغر، والمقصود من ذلك أن ينشأ الطفل على طاعة الله، فأعظم هدية يقدمها الأب لولده أن يكون واحداً من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، ومنهم: شاب نشأ في عبادة الله.
стр. 74
واجب الآباء تعليق قلوب الأبناء بالمساجد وتحبيبها إلى نفوسهم
إن على الأب أن يربط قلب ولده بالمسجد؛ وذلك لقول النبي ﵊: (ورجل قلبه معلق بالمساجد) يعني: إذا خرج من المسجد فكأنه سمكة خرجت من الماء، فهو لا يستريح حتى يرجع إلى المسجد، فينبغي أن نجتهد أن نجعل قلب الطفل يحب المسجد، ولا يستطيع فراق المسجد، فيكون أحب مكان إليه.
إذاً: ينبغي على الأب أن يعود ابنه الصغير على صلاة الجماعة منذ الصغر؛ كي يتعلق قلبه بالمساجد؛ لأنه إذا تعلق قلبه بالمسجد فهذا خير عظيم جداً، وإذا جعل مراحل حياته في المسجد فإنه سيتعرف على العلماء، ويتعرف على الصالحين، فيمارس عملياً كثيراً جداً من الآداب الشرعية في الإصغاء إلى مجالس العلم، وبلا شك أن الطفل عنده الحب الشديد في أن يشارك الكبار في أفعالهم.
فإذاً: ينبغي أن نستثمر هذا الميل الموجود في الطفل، وهو حبه مشاركة الكبار في أفعالهم، ومن هذا المبدأ تصحبه إلى المسجد؛ كي يشارك الكبار في صلاة الجماعة، لكن قبل أن يأتي إلى المسجد نفهمه آداب المسجد إن كان يستوعب ذلك.
كذلك نهيئه قبل حضوره إلى المسجد؛ لأن الطفل إذا دخل المسجد رأى أموراً غريبة غير متعود عليها، كأن يرى أناساً مزدحمين وهو لم ير مثل هذا المنظر من قبل، فالطفل إما ينفجر بالبكاء وإما يكظم ويكتم نفسه، فإذا ما سلم أبوه واتجه إليه ينفجر بالبكاء والصراخ من شدة الوحدة التي عاناها، وهذا خطأ، بل ينبغي أن يحصل نوع من التمهيد لفترة كافية، كأن يصف له المسجد، ولو استطاع أن يريه صور المسجد من الداخل ومن الخارج، ويشرح له كل مكان متعلق بالمسجد؛ حتى يحصل له الإلف بهذا المكان قبل أن يتجه إليه.
أيضاً يكثر من ذكر المسجد أمامه، ويصفه بكل جميل، كأن يقول له مثلاً: هذه الحلوى اشتريتها لك من المحل القريب من المسجد، ويشتريها فعلاً من ذلك المكان ولا يكذب عليه، والسواك اشتريته من أمام المسجد وغير ذلك، وإذا مر به بجانب المسجد يقول: انظر إلى هذا المبنى الجميل، هذا هو المسجد، وهو بيت الله ، وأنا سآخذك معي قريباً؛ كي تصلي فيه، فهذا كله تمهيد حتى يقبل على المسجد بشوق وتلهف.
أيضاً يهيئ جو المسجد قبل أن يصطحب هذا الطفل، وبعض الناس قد يقول: أتريد من الأب أن يتفق مع الإمام ويقول له: أنا سأصحب ابني إلى المسجد؟! أقول: لا تنظر إلى هؤلاء الأطفال على أنهم لعبة أو قطعة من اللحم والعظم والدم، لا، بل هم المستقبل الذي بإمكانك من الآن أن تصنع بهم مستقبل الأمة، بأن تجعل هؤلاء يخرجون من المساجد ويتعلقون بالمساجد؛ لأنهم في الحقيقة هم المستقبل لهذه الأمة، وهذا ليس كلام إنشاء ولا كلام جرائد، بل هو حقيقة، وقد ذكرت لكم في بداية الكلام أن كل ما تعانيه الأمة من الويلات هو ثمرة من ثمرات التربية المعقدة في الصغر أو التربية الخاطئة، انظر كيف يعذب المسلمون تحت ظل حكم هؤلاء الناس؛ وذلك لأنهم ربوا على الاستسلام، ورضعوا الخيانة والخداع والخديعة من صغرهم؛ فبسبب ذلك ذاقت الأمة هذا الويل.
إذاً: أقل حماية للمسلمين أن نجتهد ألا ينشأ أطفالنا مشوهين نفسياً ومشوهين عقدياً، فينبغي ألا تنظر إلى هذا الطفل على أنه شيء هين أو شيء حقير، لا، أعطه الحجم الذي يستحقه، فيتفق الأب مع الإمام ويتفق مع المؤذن ويتفق مع بعض المصلين من الجيران وأبنائهم أن ابني إذا حضر معي فاحتفلوا به ولاطفوه؛ حتى يحس بالأنس، لكن بعض القائمين على المساجد يكونون من كبار السن، ولا يعرفون خطورة هذه الأمور التربوية، فنرى بعضهم إذا حصل خطأ من طفل ينهره بشدة! كيف تجعل عقلك مثل عقل هذا الطفل وتحاسبه على أخطائه كأنه مثلك؟! إن الثمرة التي تحصلها الأمة ويحصلها هؤلاء الأطفال فيما بعد من تعريفهم على الصلاة وتحبيبهم إلى المسجد أعظم بكثير جداً من الإزعاج الذي يسببونه أثناء الصلاة، فإذا وقف الأولاد الصغار في الصف ولم يعرفوا كيف يصلون أو ضحكوا أو خرجوا من الصلاة فينبغي أن يعلموا بلين وبرفق وبلطف، فليس من العدل أن تحاكمه على أنه مثلك؛ لأنك عرفت الحياة وتعلمت وكبرت ونضجت، أما هذا الطفل فليس عنده تجربة ولا علم ولا شيء.
فما يحصل من الناس حين يتعاملون مع الأطفال كأنهم كبار هو من الظلم، ويستدلون ببعض الأحاديث الضعيفة في هذا الباب، ولها الأثر الخطير في تشويه نفسية الأطفال تجاه المسجد، ومنها حديث: (جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم) فهذا حديث لم يصح عن النبي ﷺ ، بل هو كذب عليه، ولا يمكن أن الرسول ﷺ يقول مثل هذا؛ لأن الرسول ﵊ (كان يخطب على المنبر فلما رأى ابنه الحسن يتعثر في ثوب أحمر نزل من على المنبر وقبله وضمه إليه، ثم قال: صدق الله: ﴿أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال:٢٨]).
ومرة صلى ﵊ وارتحله ابنه الحسن أو الحسين وهو ساجد، فأطال الصلاة حتى ظنوا أن الرسول ﵊ حصل له شيء، فظل ساجداً إلى أن شبع الطفل من اللعب ونزل من على ظهره، ثم قال ﵌ بعد أن سلم: (إن ابني ارتحلني فكرهت أن أعجله) أي: كرهت أن أستعجل عليه وأقطع عليه اللعب، فهل هذا اشتغال بتوافه الأمور؟ كلا، بل هذا اشتغال بأعظم الأمور، وهي أن يحب هؤلاء الأطفال المسجد؛ لأنهم هم الذين سيشكلون المستقبل فيما بعد لهذه الأمة.
ومعلوم من سيرة النبي ﵊ مع ابن عباس وغيره من أبناء الصحابة أنهم كانوا يدخلون المسجد، ويصفون خلف الرجال إذا صح الحديث الوارد في ذلك.
إذاً: لا ينبغي أبداً أن نمنع الصبيان المساجد، وصحيح أنها تجنب الأطفال الذين لا يعقلون، فالشاهد من الكلام أنه ينبغي إحاطة هذا الحدث الحساس وهو مجيء الطفل إلى المسجد بكثير من الاعتناء أكثر من أن تتفق مع الإمام في أن يلاطف هذا الطفل، لأن الطفل لما يجد إمام المسجد يناقشه ويبتسم في وجهه أو يعطيه حلوى أو كتاباً مثلاً أو مصحفاً، ويجد المصلين يحتفلون به إذا دخل؛ لا شك أن هذا يجعله يحس بالأنس في هذا المكان، فيطمئن لهذا المسجد ورواده، بخلاف ما إذا طرد من الباب، بل بعض الأطفال يضرب ويطرد من المسجد.
ولا أقول: أين أنتم مما يفعل في الكنائس بالنسبة للأطفال وكيف يجتذبونهم إلى داخل الكنائس؟! بل أقول: أين أنتم من سيرة السلف الصالح؟! نحن مطالبون أن نرتفع إلى مستوى الإسلام؛ لأننا متخلفون عن الإسلام لا أقول: عن غيره من المناهج، فالاحتفاء والاهتمام بالطفل من شأنه أن يوقع في نفسه تعظيم أمر الصلاة، ويشعر في نفسه أن الصلاة شيء مهم جداً في حياته.
قال العلماء: لو كان الإمام معروفاً بإطالة الصلاة بطريقة تخالف السنة فينبه الإمام قبل أن يؤتى بالصبي بأن يخفف الصلاة.
كذلك على الأب إذا دخل ابنه الصغير المسجد أن يربطه بحلق تحفيظ القرآن وتجويده التي تعقد في المسجد، بالتعاون مع إمام المسجد.
إن على الأب أن يقوي صلة ولده بالمسجد وأهل المسجد، وأن يرفه عليه عن طريق ممارسة أنشطة نافعة ومسلية للأطفال ومتنوعة، فيها نوع من اللهو المباح وغير ذلك بين الأطفال، حتى تتسع وتترسخ علاقته، وتتكون رابطته بالمسجد وبأقرانه من الأطفال.
أيضاً: على الأب أن يذكر أمام الطفل الصغير صلاة الجمعة وأهمية صلاة الجمعة وآدابها وبعض أحكامها؛ لأن هذا اليوم يوم عيد للمسلمين، وضرورة احترامه وتوقيره، لكن لا يحمله ما لا يطيق من أمر صلاة الجمعة، وخاصة بين السابعة والعاشرة؛ لأن الطفل قد لا يستطيع أن يبقى مدة طويلة في الخطبة محافظاً على طهارته، قد ينقض وضوءه، وطول الخطبة قد يضجره، فلا يحمله ما لا يطيق من أمر صلاة الجمعة للأسباب التي ذكرنا.
روي (أن أبا هريرة ﵁ دخل مرة المسجد يوم الجمعة فوجد غلاماً، فقال له: يا غلام! اذهب العب، فقال: إنما جئت إلى المسجد، قال: فتقعد حتى يخرج الإمام؟ قال: نعم.
فتركه).
إذاً: على الأب ألا يكلف الصبي الصغير بصلاة الجمعة دون سن العاشرة بل يرغبه فقط بالصلاة، فإن أقبل عليها وإلا تركه وشأنه حتى يبلغ العاشرة أو قبلها بقليل، ثم يبدأ معه بالإلزام.
أيضاً قال العلماء: إن الأب ينبغي له أن يتحرى اختيار الخطيب؛ لأن الخطيب بمسلكه وبخطبته عميق التأثير في أخلاق الأولاد، خاصة إذا كان هؤلاء الأولاد يفهمون الخطبة ويعقلونها، وإذا كان الأطفال يعقلون ويفهمون فينبغي أن يسألهم الأب بعد الخطبة عن موضوع الخطبة، وما الذي تتذكره من عناصرها، وما الفوائد التي تستخلصها من هذه الخطبة، وقبل أن يدخلوا إلى صلاة الجمعة يحثهم على الإنصات، ويقول لهم: إنني سوف أسألكم عن مضمون الخطبة بعد الصلاة؛ لأنه بهذا يستدعي تركيزهم وانتباههم أثناء الخطبة.
هذا -باختصار- بعض التوجيهات المتعلقة بتحبيب الأطفال في أمر الصلاة، وكما ذكرنا فإن الأطفال ينبغي أن ننظر إليهم على أنهم مستقبل الأمة الذي يتمثل في أبنائنا أفلاذ أكبادنا.
وكما ينبغي للأمة أن تعد لأعدائها ما استطاعت من قوة من الأسلحة للحرب فكذلك تعد الأطفال للمستقبل.
يقول الدكتور يوسف القرضاوي: لا بد من صنع الرجال ومثله صنع السلاح وصناعة الأبطال علم قد دراه أولو الصلاح من لم يلقن أصله من أهله فقد النجاح لا يصنع الأبطال إلا في مساجدنا الفساح في روضة القرآن في ظل الأحاديث الصحاح شعب بغير عقيدة ورق يذريه الرياح من خان حي على الصلاة يخون حي على الكفاح أي: الذي يخون ربه في الصلاة فسيخون أمته كلها إذا بعثته إلى الجهاد؛ كي يحميها ويذود عنها.
هذا فيما يتعلق بالترغيب للأطفال بالصلاة ومحافظتهم على الصلاة في ضوء قول النبي ﷺ : (مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر).
стр. 75
قصص من ثمرة تربية الأولاد
بعض القصص والمواقف نسردها عليكم وهي تعكس مدى اهتمام السلف الصالح بكيفية تربية الأولاد، وكيف كان يربى أولاد الصحابة وثمرة ذلك، منها: ما رواه البخاري عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه قال: (وقف غلام عن يميني يسألني في غزوة بدر فقال: يا عم! دلني على أبي جهل؟ -انظر كيف تربى هذا الولد على عداوة أعداء الله- فقلت له: وما لك يا بني من أبي جهل؟! فقال: والله إن رأيته لن أفلته، لقد كان يؤذي رسول الله ﷺ ، فإذا غلام آخر عن يساري، فسألني مثل الأول، ثم تحتدم المعركة ويشتد بأسها فيلتفت عبد الرحمن إلى الغلامين فقال لهما: ذاك الذي تبغيان، ذاك أبو جهل، فينطلقان مسرعين كل منهما يريد أن ينال شرف السبق في طعن عدو الله ورسوله ﷺ ، فيضربانه ضربة قوية فيسقط أبو جهل فرعون هذه الأمة على الأرض، فيتسابقان بزف البشارة إلى رسول الله ﷺ ، ويقول: كل واحد منهما: أنا الذي قتلته يا رسول الله، فيقول لهم النبي ﵊: أرياني سيوفكما، فيرى عليهما آثار الدماء، فقال لهما: كلاكما قتله) فهذا ثمرة التربية على التوحيد، وعلى الولاء لأولياء الله والمعاداة لأعداء الله ﵎.
وهذه قصة إحدى المدرسات كانت تأمر الطلاب الصغار بأن ينشدوا: بلادي بلادي بلادي لك حبي وفؤادي فكان بين الطلاب صبي صغير رفض أن ينشد، فقالت له: لماذا لا تنشد مع الأطفال؟ قال: أنا حبي وفؤادي لله، بمنتهى العزة هذا الطفل الصغير يفهم أن حبه وفؤاده لله ﵎! أيضاً من هذه الوقائع: أنه مر الحارث المحاسبي وهو صبي بصبيان يلعبون على باب رجل تمار يبيع التمر، فوقف الحارث ينظر إلى لعبهم، وخرج صاحب التمر ومعه تمرات فقال للحارث: كل هذه التمرات، فقال الحارث: من أين أتيت بالتمرات؟ قال: إني بعت الساعة تمراً من رجل فسقطت هذه التمرات منه، فخذها أنت كلها، فقال الحارث له: أتعرفه؟ قال: نعم، فالتفت الحارث إلى إخوانه الصبيان الذين كانوا يلعبون فقال لهم: أهذا الشيخ مسلم؟! قالوا: نعم، فتركه، فتبعه التمار حتى قبض عليه وقال له: والله ما تنفلت من يدي حتى تقول لي ما في نفسك مني، فقال: يا شيخ! إن كنت مسلماً فاطلب صاحب التمرات حتى تتخلص من تبعته، كما تطلب الماء إذا كنت عطشان، يا شيخ! تطعم أولاد المسلمين السحت وأنت مسلم؟! فقال الشيخ: والله لا اتجرت للدنيا أبداً.
فهذه لم تأت من فراغ، بل هي ثمرة التربية الصحيحة التي أخرجت مثل هذه النماذج.
قال ابن غفر المكي: بلغني أن أبا سليمان داود بن نصير الطائي ﵀ لما بلغ من العمر خمس سنوات أسلمه أبوه إلى المؤدب، فابتدأ بتلقين القرآن، وكان لقناً -يعني: كان يحفظ بسرعة- فلما تعلم سورة: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ﴾ [الإنسان:١] وحفظها رأته أمه يوم الجمعة وجهه مقبلاً على الحائط يشير متفكراً بيديه، فخافت أمه على عقله فنادته: قم يا داود فالعب مع الصبيان، فلم يجبها، فضمته إليها وقالت: يا ويلاه، فقال: مالك يا أماه؟! أبك بأس؟ قالت: أين أنت؟ قال: مع عباد الله قالت: أين هم؟ قال: في الجنة، قالت: ما يصنعون؟ قال: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلا زَمْهَرِيرًا﴾ [الإنسان:١٣]، ثم مر في تلاوة السورة وهو شاخص كأنه يتأمل شيئاً حتى تلا قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإنسان:٢٢]، ثم قال: يا أماه ما كان سعيهم؟ فلم تدر ما تجيبه، فقال لها: قومي عني حتى أتنزه عندهم ساعة، فقامت عنه، فأرسلت إلى أبيه، فأعلمته شأن ولده، فقال له أبوه: يا داود! كان سعيهم أن قالوا: لا إله إلا الله، محمد رسول الله ﷺ ، فكان يقولها في أكثر أوقاته حتى يكون ممن سعى هذا السعي المشكور.
ومن ذلك ما حكاه ابن غفر المكي أن أبا يزيد طيفور بن عيسى البسطامي لما بدأ يحفظ سورة المزمل: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل:١ - ٢]، قال لأبيه: يا أبت من الذي يقول الله تعالى له: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل:١ - ٢]؟ قال: يا بني! ذلك النبي محمد ﷺ ، قال: يا أبت مالك لا تصنع كما صنع رسول الله ﷺ ؟! فقال: يا بني! إن قيام الليل خصص به ﷺ دون أمته، فسكت عنه، واستمر في حفظ السورة فوصل إلى قوله تعالى: ﴿أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾ [المزمل:٢٠]، فالولد تأمل قوله تعالى: ﴿وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾ [المزمل:٢٠]، وأبوه قال له: إنها خاصة بالرسول ﵊ دون سائر الأمة، فقال: يا أبت! إني أسمع أن طائفة كانوا يقومون الليل مع النبي ﷺ فمن هذه الطائفة؟ قال: يا بني! أولئك الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، قال: يا أبت! فأي خير في ترك ما عمله النبي ﷺ وأصحابه؟! فقال: صدقت يا بني.
يعني: أقام عليه الحجة أن قيام الليل ليس خاصاً بالرسول ﵊ وإنما خص بالوجوب لكن الاستحباب للأمة كلها، فكان أبوه بعد ذلك يقوم من الليل ويصلي، فاستيقظ أبو يزيد في ليلة فإذا أبوه يصلي فقال: يا أبت! علمني كيف أتطهر وأصلي معك؟ فقال أبوه: يا بني! ارقد فإنك صغير بعد، قال: يا أبت إذا كان يوم ﴿يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾ [الزلزلة:٦] أقول لربي: إني قلت لأبي: علمني كيف أتطهر لأصلي معك، فأبى وقال لي: ارقد فإنك صغير بعد، أتحب هذا؟ أتحب أن أشكوك إلى الله؟ فقال له أبوه: لا والله يا بني ما أحب هذا، وعلمه فكان يصلي معه!
следующие страницы →